Полный текст (2 732 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
حسن صحيح.
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي بَكْرَةَ ﵁، أن رسول الله ﷺ قال في خُطْبَتِهِ يوم النحر بمنى في حَجة الوداع: "إن دِماءَكُمْ وَأمْوَالَكُمْ وَأعْرَاضَكُمْ
ــ
وأصل البهت أن يقال له: الباطل في وجهه وهما يعني الغيبة والنميمة حرامان اهـ.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) أي رواه البخاري في التفسير وفي بدء الخلق وفي المغازي وفي غيرها من صحيحه ورواه مسلم في الديات من صحيحه وأخرجه أيضاً النسائي في العلم كذا في الأطراف للمزي ملخصاً. قوله: (في خطبته) أي في ضمن خطبته التي أتى بها يوم النحر وهو يوم عاشر ذي الحجة ومنه ومن أحاديث أخر -بعضاً في الصحيحين كحديث عبد الله بن عمرو وبعضها في السنن كحديث أبي أمامة عند أبي داود وحديث الهرماس بن زياد الباهلي عند أبي داود والنسائي وألفاظهم في المنسك الكبير لابن جماعة- أخذ أصحابنا استحباب خطبة يوم النحر يعلم القوم فيها أحكام المناسك لكن قالوا: يسن فعلها بعد صلاة الظهر وقد استشكل بأن الذي في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ خطب يوم النحر ضحى أجاب عن ذلك المصنف بأن رواية ابن عباس في الصحيح تدل على أنه كان بعد ذلك الزوال إذ فيها أن بعض السائلين قال: رميت بعدما أمسيت والمساء يطلق على ما بعد الزوال أي فقدمت لأنها أصح وأشهر وأجاب السبكي بأنه ورد في طبقات ابن سعد عن عمرو بن يثربي بتحتية مفتوحة فمثلثة ساكنة فراء مكسورة فموحدة فياء النسب أنه حفظ خطبته ﷺ الغد يوم النحر بعد الظهر وهو على ناقته القصوى وكان يحكيها بطولها وكأن بعضهم جمع بين الحديثين حيث قال: خطب ﷺ خطبتين يوم النحر في وقتين قال ابن جماعة بعد أن أورد أحاديث وهو مقتضى هذه الأحاديث اهـ. قوله: (في حجة الوداع) بكسر الواو وفتحها وسبق بيان وجهها في باب استنصات العالم والواعظ. قوله: (إن دماءكم) بدأ بها لأنها آكد الثلاثة وأخطرها ومن ثم كان أكبر الكبائر بعد الشرك القتل على الأصح وقدم الأموال على الأعراض مع أن الأعراض أخطر لأن الابتلاء بالجناية فيها أكثر والأعراض جمع عرض وله معان كثيرة منها النفس وليس مراداً
стр. 2312
حَرامٌ عَلَيكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا ألا
ــ
هنا وإلا كان تكراراً مع دماءكم أو جانب الرجل الذي يصونه من نفسه وحسبه أن ينتقص ويثلب أو (سواء) كان في نفسه أو (سلفه أو) من يلزمه أمره أو موضع المدح والذم منه أو (ما) يفتخر به من حسب وشرف وقد يراد به الآباء والأجداد والخليقة المحمودة اهـ، قال في فتح الإله وكلها مناسبة هنا إذ المراد بتحريم الأعراض تحريم التعرض إلى الإنسان بما يعير أو ينقص به في نفسه أو أحد من أقاربه بل يلحق بذلك كله من له علقة بحيث يؤدي تنقيصه أو تعييره إليه أخذاً من قولهم في حد الغيبة ذكرك أخاك بما يكره في نفسه وأهله ومماليكه وغيرهم وفي قول الشاعر:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل
وقول أبي ضمضم: اللهم إني تصدقت بعرضي على عبادك فمن شتمني لا أشتمه إلى آخر ما يناسب ما ذكرته وأما قول من قال: إن المراد بالأعراض هنا الأخلاق النفسانية فهو وإن أمكن إرجاعه إلى ما قلناه لكن ما قلناه أوضح ثم رأيت بعضهم أرجعه إليه فقال وحين كان المدح نسبة الشخص إلى الأخلاق الحميدة والذم نسبته إلى الذميمة سواء كانت فيه أو لا، قال: من قال العرض الخلق إطلاقاً لاسم اللازم على الملزوم اهـ، وقول النهاية العرض موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه صحيح موافق لما قلناه إلا أن ما ذكرناه أعم اهـ. قوله: (كحرمة يومكم الخ) كأن وجه
هذا التشبيه مع كون الثلاثة المشبهة أعلى حرمة من الثلاثة المشبه بها هو أحد الوجوه في قوله: كما صليت على إبراهيم وهو تشبيه من لم يشتهر وإن كان أفضل بما اشتهر وإن كان مفضولاً ليحصل له من الشهرة ما يوازي شهرة المشبه به، وقوله كحرمة يومكم هذا أي كحرمة معصيتكم فيه حال اليوم على وجه التجوز، في بلدكم هذا وحرمة المعصية بها عظيمة فقد قال: جمع بمضاعفة السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات بها
стр. 2313
هَلْ بلَّغْتُ؟ ".
وروينا في سنن أبي داود والترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قلت للنبي ﷺ : "حَسْبُكَ من صفيةَ كذا وكذا" قال بعض الرواة: تعني قصيرة، فقال: "لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ"، قالت:
ــ
وأول بأن المراد العظم في الكيف لا في الكم لأن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ لا مخصص له وقوله: ومن يرد فيه بالحاد بظلم دليل للعظم الذي ذكرناه لا للتعدد الذي ذكروه ولعظم شرف ذي الحجة كان عظم المعصية فيه أكثر منه في غيره.
قوله: (وروينا في سنن أبي داود الخ) ورواه أحمد كما في المشكاة والبيهقي كما في الترغيب المنذري. قوله: (حسبك) أي يكفيك (من صفية) أي من عيوبها البدنية. وقوله: (كذا وكذا) كناية عن ذكر بعضها وهو كذلك في جميع نسخ الأذكار كنسخ المشكاة قيل: وهو تحريف والصواب حسبك من صفية إنها كذا وكذا وقيل: إن قولها كذا إشارة إلى شبرها قال في المرقاة: الظاهر من كذا تعداد نعتها فلعلها قالت بلسانها إنها قصيرة وأشارت بشبرها إلى أنها في غاية القصر فأرادت بالتأكيد الجمع بين القول والفعل والله أعلم. قوله: (قال بعض الرواة) قال أبو داود بعد إخراجه من طريق مسدد بلفظ كذا وكذا قال غير مسدد وحسبك من صفية قصرها وكأن هذا وجه عزو ابن الأثير في جامع الأصول الحديث بهذا اللفظ أي قصرها إلى أبي داود والترمذي. قوله: (لو مزجت بماء البحر الخ) أشار العاقولي إلى أن في بعض نسخ أبي داود ولو مزج بها البحر لمزجته إلى أن حق اللفظ لو مزجت بالبحر كما أورد المصنف هنا قال: لكن المزج يستدعي الامتزاج فكل من الممتزجين يمتزج بالآخر ومثله فاختلط به نبات الأرض كان من حق اللفظ فاختلط نبات الأرض ووجه مجيئه فيما قاله صاحب الكشاف أن كل مختلطين موصوف كل واحد منهما بصفة صاحبه على أن هذا التركيب أبلغ لأنه حينئذٍ من باب عرض الناقة على الحوض اهـ، ونقل مثله الطيبي وسكت عليه وقوله: حق اللفظ الخ وجهه إن العادة والعرف إن ينسب القليل إلى الكثير لا عكسه وإن جاز ذلك لغة فإنه نحو اختلط الماء باللبن
стр. 2314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعكسه وحكمة ما جاء في تلك الرواية الإشارة اللطيفة إلى عظم تلك الكلمة فكأنه قال: إن هذه الكلمة وإن كانت صغيرة وقليلة عندك فهي عند الله كبيرة وكثيرة بحيث لو مزجت بماء البحر بأجناسه وأصنافه وأنواعه ووسعه من طوله وعرضه وعمقه لغلبته وهذا من البلاغة غاية مبلغها وفيه من الزجر نهايته ومنتهاه وأما قول الكشاف في قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ حق اللفظ الخ فقال بعضهم: إنه خطأ فاحش لأنه ليس المعنى على أنه اختلط بالماء نبات الأرض إذ ليس تحته طائل بل الصواب أن الباء للسببية وأن المختلط هو بعض نبات الأرض ببعضه وتوضيحه أن المطر سابق وجوده على تحقق النبات على ما أشار إليه الفاء التعقيبية في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾، فإن قلت: لعل صاحب الكشاف أراد اختلاط ماء أثر المطر بما
تنبت به الأرض من الحبة مثلاً قلت: الظاهر أن هذا مطمح نظره ومطلع فكره لكنه يرده قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ فأصبح هشيماً تذروه الرياح إذ تعقيبه الأصباح المذكور إنما هو عند حصول اختلاط النبات بعضه ببعض لا حين اختلاط الماء بالحب والنوى كما لا يخفى ومما يدل صريحاً على كون الباء للسببية قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ثم رأيت الكشاف اختار ما اخترناه وحرر ما حررناه حيث قال: فالتف بسببه وتكاثف حتى خالط بعضه بعضاً ثم قال وقيل: نجع في النبات الماء فاختلط به حتى روى ورف رفيفاً وكان حق اللفظ على هذا التفسير فاختلط بنبات الأرض ووجه صحته إن كلا من المختلطين موصوف بصفة صاحبه اهـ، كلامه ففي نقل كلام الكشاف قصور من الناقلين لأن ما ذكر مبني على شيء أسسه ومهده والله أعلم، وفي قوله حق اللفظ مع سوء الأدب بالنسبة إلى الآية القرآنية دسيسة اعتزالية والله ولي دينه وناصر نبيه اهـ، وقول العاقولي والطيبي على أن هذا التركيب من باب عرضت الناقة الخ اعترض بأنه ممنوع ومدفوع بأن العرض إنما يكون على أرباب التمييز فبهذه القرينة تعرف أن السلام مقلوب بخلاف ما نحن فيه فإن
стр. 2315
وحكيتُ له إنساناً فقال: "ما أُحِبُّ أني حَكَيتُ إنساناً وأنَّ لي كَذ وكَذَا" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قلت: مزجته أي خالطته مخالطة يتغير بها طعمه أو ريحه لشدَّة نتنها وقبحها، وهذا الحديث من أعظم الزواجر عن الغيبة أو أعظمُها، وما أعلم شيئاً من الأحاديث يبلغ في الذم لها هذا المبلغ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٣) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] نسأل الله الكريم لطفه والعافية من كل مكروه.
وروينا في سنن أبي داود عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أظْفارٌ مِنْ نُحاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤلاءِ يا
جِبْرِيلُ؟ قال: هَؤلاءِ الّذِينَ
ــ
لكل من الطرفين قابلية الخلط والمزج والله أعلم. قوله: (وحكيت له إنساناً) أي ذكرته بما يكرهه ذلك الإنسان أو حكيت ما يكره من أفعاله أو أحواله. قوله: (ما أحب أني حكيت إنساناً) أي بما يكرهه. قوله: (وإن لي كذا الخ) إشارة إلى عظم إثم الغيبة وإنه لا يقاومها ما أعطيه من غيرها أي وإن كان كثيراً كما يدل عليه كذا وكذا إذ هي كناية عن الأعداد الكثيرة وإنما كان كذلك لأن ترك الاغتياب سلامة وعمل البر غنيمة والسلامة مقدمة على الغنيمة كما تقدم والله أعلم.
قوله: (أي خالطته مخالطة) أي لو كانت أجساماً محسوسة لغيرت طعمه لشدة قبحها وريحه لنتنها أي عفونتها ففي العبارة لف ونشر مشوش. قوله: (أو أعظمها) أي بل أعظمها فأو بمعنى بل ويحتمل أن يكون حصل للشيخ تردد في الأمرين فأتى بأو المؤذنة لذلك وقد أشارت آية الحجرات في الغيبة إلى أعظم زجر عنها وقد بين ذلك ابن حجر في الزواجر بياناً شافياً.
قوله: (وروينا في سنن أبي داود) قال المنذري في الترغيب وذكر أي أبو داود أن بعضهم رواه مرسلاً اهـ، وفي الجامع الصغير ورواه أحمد والضياء في المختارة كلهم من حديث أنس.
قوله: (يخمشون وجوههم) قال الحافظ ابن حجر في مقدمته للفتح خموش أي خدوش وهي الجراحات التي
стр. 2316
يأكُلُونَ لَحُومَ النَّاسِ وَيقَعُونَ في أعْرَاضِهِمْ".
وروينا فيه عن سعيد بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن مِنْ أرْبَى الرِّبا الاِسْتِطالَةَ في عِرْضِ المُسْلِمِ بِغَيرِ حَقٍّ".
وروينا في كتاب الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
ــ
لا أثر بها اهـ، قال بعضهم ومنه حديث أبي داود يخمشون وجوههم. قوله.
(يأكلون لحوم النّاس) أي بالاغتياب كما قال : ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ وفي الحديث عن عائشة قالت: قلت لامرأة مرة وأنا عند النبي ﷺ إن هذه لطويلة الذيل فقال: "الفظي، الفظي" أي ارمي ما في فيك فلفظت بضعة من لحم رواه ابن أبي الدنيا وبمعناه أحاديث كثيرة عن جماعة من الصحابة. قوله: (ويقعون في أعراضهم) فيه استعارة مكنية شبه الأعراض بوهدة من شأن المار الوقوع فيها إلا من احترز فالتشبيه المضمر في النفس استعارة مكنية وإثبات الوقوع استعارة تخييلية.
قوله: (وروينا فيه) أي في سنن أبي داود وكذا رواه الإِمام أحمد كما في الجامع الصغير وفي الترغيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ إن من أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه رواه البزار بإسناد جيد قوي وهو في بعض نسخ أبي داود إلا أنه قال من أكبر الكبائر استطالة الرجل في عرض رجل مسلم بغير حق ومن الكبائر السيئتان بالسيئة ورواه ابن أبي الدنيا أطول منه ولفظه الربا سبعون حوباً وأيسرها كنكاح الرجل أمه وإن أربى الربا عرض المسلم اهـ. قوله: (الاستطالة في عرض المسلم) قال في النهاية أي احتقاره والترفع عليه والوقيعة فيه وخرج بقوله بغير حق ما إذا كانت بحق كأن عزره بالكلام لفعله ما يقتضيه أو اغتابه بسبب مبيح للغيبة من استفتاء ونحوه.
قوله: (وروينا في كتاب الترمذي) وكذا رواه مسلم من جملة حديث إلا أنه قال: لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره
стр. 2317
"المُسْلِمُ أخُو المُسْلِم لا يَخونُهُ وَلا يَكْذِبُهُ وَلا يَخْذُلُهُ، كُلُّ المُسْلِم على المُسلِم حَرَامٌ عِرْضُهُ، ومالُهُ وَدَمُهُ، التَّقْوَى ها هُنا، بِحَسْبِ امْرِئٍ منَ الشَّرِّ
ــ
وزاد بعد قوله التقوى ها هنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات والباقي سواء وسيأتي حديث مسلم في باب تحريم احتقار المسلمين والسخرية منهم. قوله: (المسلم أخو المسلم) أي بشهادة إنما المؤمنون إخوة أي إخوة نسب أو دين أو إخوة الدين أقوى وأعظم ومن ثم ورث الشافعي المؤمنين بعضهم بعضاً عند فقد الوارث ولم يورث بإخوة النسب عند الافتراق في الدين وهذا استعطاف منه ﷺ لكل على الآخر وتليين لقلبه كما يقال: إنه أخوك لا مجرد إخبار بذلك. قوله: (لا يخونه) أي إذا ائتمنه من الخيانة أولاً ينسبه إليها من التخوين. قوله: (ولا يكذبه) بفتح التحتية وكسر المعجمة المخففة أي لا يخبره بأمر على خلاف ما هو عليه لأنه غش وخيانة وهو من حيث هو أشد الأمور ضرراً والصدق من حيث هو أشد نفعاً إلا أن يعرض لهما ما يصير به الكذب نافعاً والصدق ضاراً كأن سأله ظالم عن إنسان يريد قتله فإن صدق ضره وإن كذبه نفعه. قوله: (ولا يخذله) بضم الذال المعجمة أي لا يترك إعانته ونصره من غير عذر فترك نصره وإعانته خذلان سواء كان دنيوياً كأن رأى عدواً يريد أن يبطش به فيتركهما أو دينياً كأن يرى الشيطان مستولياً عليه في أمر يريد أن يستفزه ويهلكه في دينه فلا يخلصه من خبالته بوعظ أو نحوه فكل ذلك حرام. قوله: (كل المسلم الخ) جملة مركبة من مبتدأ وخبر وإضافة كل إلى المعرفة دليل لجوازه وإن منعه البعض. قوله: (عرضه الخ) بدل
مما قبله بدل مفصل من مجمل، وجعله هذه الثلاثة كل المسلم وحقيقته لشدة احتياجه إليها، واقتصاره عليها لأن ما سواها فرع عليها وراجع إليها وقدم العرض اهتماماً به لكثرة الابتلاء بالوقوع فيه ثم المال لكثرة الوقوع في الظلم به أكثر من الدماء. قوله: (التقوى هاهنا) أي في القلب كما جاء التصريح به في مسلم والتقوى اتقاء عذاب الله بفعل أو أمره واجتناب نواهيه ومعنى كون التقوى في القلب أن محل سببها الذي هو خشية الله الحاملة عليها هو القلب لا حقيقتها الذي هو الاتقاء من العذاب. قوله: (بحسب امريء من الشر الخ) حسب بإسكان السين أي كما فيه من خلال الشر ورذائل الأخلاق وهو مبتدأ. وقوله:
стр. 2318
أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المُسلمِ" قال الترمذي: حديث حسن.
قلت: ما أعظم نفع هذا الحديث وأكثر فوائده، وبالله التوفيق.
باب بيان مهمات تتعلق بحدِّ الغيبة
قد ذكرنا في الباب السابق أن الغيبة: ذِكْرُكَ الإنسان بما يكره، سواء ذَكَرْتَهُ بلفظك أو في كتابك، أو رمزتَ أو أشرتَ إليه بعينك، أو يَدِك أو رَأسِكَ. وضابطه: كلُّ ما أفهمت به غيرك نقصانَ مسلم فهو غيبة
ــ
(أن يحقر أخاه المسلم) خبره ويستوي في حسب الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث لأنه مصدر قال بعضهم إذا كان ما بعده معرفة فرفعه على الخبرية والإضافة لفظية أو على الابتداء، وإن كان نكرة فرفعه على الابتداء فقط والإضافة معنوية ثم في هذه الجملة تفظيع لشأن الاحتقار وتعظيم له وذلك لأن الله لم يحتقر الإنسان إذ خلقه في أحسن تقويم وخلق له ما في الأرض وسخر له ما في السموات وما في الأرض وسخر له الأنهار وسخر له الشمس والقمر دائبين وسخر له الليل والنهار وآتاه من كل ما سأله فمن حقر أخاه المسلم فقد حقر ما عظم الله وكفاه ذلك شراً، ومن احتقاره أن يسلم عليه فلا يرد ﵇. قوله: (حديث حسن) تقدم أنه جاء من حديث مسلم باختلاف يسير وحديث مسلم صحيح ولا يبعد أن يصير به حديث الباب صحيحاً وتكون صحته لغيره. قوله: (ما أعظم نفع هذا الحديث) أي حيث اشتمل على جميع ما يطلب فعله من الأفعال الجميلة، والأخلادق الجليلة، من التقوى ونصر المؤمن وإعانته وعلى ما يطلب تركه من الأخلاق الرذيلة من الكذب والخيانة، وترك نصر المؤمن والإعانة.
باب بيان مهمات تتعلق بحد الغيبة
قوله: (نقصان مسلم) ومثله كما علم مما تقدم الذمي ولذا عبر فيما يأتي آخر الباب بقوله: الضابط تفهيمك المخاطب تنقيص إنسان أي محترم وإلا فنحو الحربي لا
стр. 2319
محرَّمة، ومن ذلك المحاكاة، بأن يمشي متعارجاً أو مطأطئاً أو على غير ذلك من الهيئات، مريداً حكايته هيئة من يتنقَّصه بذلك، فكل ذلك حرام بلا خلاف، ومن ذلك إذا ذَكَرَ مُصَنِّفُ كتابٍ شخصاً بعينه في كتابه قائلاً: قال فلان كذا مريداً تنقُّصه والشناعة عليه فهو حرام، فإن أراد بيان غَلَطِهِ لئلا يقلَّد، أو بيان ضعفه في العلم لئلا يغترَّ به ويقبل قوله، فهذا ليس غيبةً، بل نصيحةٌ واجبة يثاب عليها إذا أراد ذلك، وكذا إذا قال المصنف أو غيره: قال قوم أو جماعة كذا، أو هذا غلط أو خطأ أو جهالة
ــ
تحرم غيبته. قوله، (بأن يمشي متعارجاً الخ) قال الغزالي: هو أعظم الغيبة أي لأنه أبلغ في التصوير والتفهيم وأنكى للقلب. قوله: (ومن ذلك) أي ذكر الغير بما يكره (إذا ذكر مصنف كتاب الخ). قوله (قال فلان الخ) أي
لكون ذلك القول من الغلط الذي يكره قائله نسبته إليه (فإن أراد بيان غلطه) أي الشخص القائل فالمصدر مضاف للفاعل أو القول فالإضافة بيانية ومحل كونه عند إرادة بيان نحو غلطه لا يكون غيبة إذا كان على وجه النصيحة كما يؤذن به قول المصنف بل نصيحة لا على وجه التنقيص والفضيحة وإلا فيحرم ولو ضم إليه قصد إرادة البيان. قوله: (أو ضعفه) أي ضعف القائل بدليل قوله: لئلا يغتر به ويقبل قوله. قوله: (فهذا ليس بغيبة) أي وإن تأذى به من ذكر عنه لأنه عند عدم قصده إيذاءه انتفى عنه إثمها بل وجب عليه ذلك بذلاً للنصيحة وحفظاً للشريعة فلذا كان مثاباً عليها عند إرادة ذلك. قوله: (وكذا) أي ليس بغيبة (إذا قال المصنف قال قوم الخ) محله ما لم يفهم منه المخاطب معيناً ولو بقرينة خفية ويقصد المتكلم تنقيصه وإلا فيحرم نظير ما يأتي في قول المصنف ومن الغيبة قول فعل بعض النّاس كذا إذا كان المخاطب يفهمه بعينه ويوميء إليه تعليل المصنف بقوله: إنما الغيبة ذكر إنسان بعينه أو جماعة معينين، وقد تقدم أن الذكر لا يشترط اأن يكون بصريح العبارة بل يكفي ما يقوم
стр. 2320
وغفلة ونحو ذلك فليس غيبة، إنما الغيبة ذِكْرُ الإنسان بعينه أو جماعة معينين.
ومن الغيبة المحرَّمة قولك: فعل كذا بعض النّاس، أو بعض الفقهاء، أو بعض من يدعي العلم، أو بعض المفتين، أو بعض من ينسب إلى الصلاح أو يدَّعي الزهدَ، أو بعض من مرَّ بنا اليوم، أو بعض من رأيناه، أو نحو ذلك إذا كان المخاطَب يفهمه بعينه لحصول التفهيم. ومن ذلك غِيبة المتفقِّهين والمتعبِّدين، فإنهم يعرِّضون بالغيبة تعريضاً يفهم به كما يفهم بالصريح، فيقال لأحدهم: كيف حال فلان؟ فيقول: الله يصلحنا، الله يغفر لنا، الله يصلحه، نسأل الله العافية، نحمد الله الذي لم يبتلنا بالدخول على الظَّلَمة، نعود بالله من الشرِّ، الله يعافينا من قِلَّةِ الحياء، الله يتوب علينا، وما أشبه ذلك مما يفهم
ــ
مقامها في الإفهام ولو من التعريض والرمز والإشارة. قوله: (فليس غيبة) أي فلا حرمة. قوله: (إذا كان المخاطب يفهمه) أي ولو بقرينة خفية، وإلا: أي بأن لم يعرفه المخاطب فلا يحرم كما في الإحياء وغيره قال في الزواجر فإن قلت ينافيه قولهم تحرم الغيبة بالقلب أيضاً فلا عبرة بفهم المخاطب قلت: الغيبة بالقلب هي أن تظن السوء وتصمم عليه بقلبك من غير أن تستند في ذلك إلى مسوغ شرعي فهذا هو الذي يتعين أن يكون مرادهم بالغيبة بالقلب وأما مجرد الحكاية عن مبهم لمخاطبك ولكنه معين عندك فليس فيه ذلك الاعتقاد بالقلب فافترقا ثم أيد ذلك بكلام للإحياء في الغيبة وإنها عقد القلب وحكمه على غيره بالسوء. قوله: (ومن ذلك غيبة المتفقهين الخ) في الزواجر من أخبث أنواع الغيبة غيبة من يفهم المقصود بطريقة الصالحين إظهاراً للتعفف عنها ولا يدري أنه بجهله جمع بين فاحشتي الريا والغيبة كما يقع لبعض المراءين أنه يذكر عنده إنسان فيقول: الحمد لله
الذي ما ابتلانا بقلة الحياء الله يصلحنا وليس قصده بدعائه إلا أن يفهم عيب الغير اهـ. قوله: (فإنهم يعرضون الخ) ولا بد من قصد ذلك التعريض والتنقيص كما صرح به ابن حجر آنفاً.
стр. 2321
منه تنقُّصه، فكل ذلك غِيبة محرَّمة، وكذلك إذا قال: فلان يبتلى بما ابتُلينا به كلُّنا، أو ما له حيلة في هذا، كلنا نفعله، وهذه أمثلة، وإلا
فضابط الغيبة: تفهيمك المخاطب نفص إنسان كما سبق، وكلُّ هذا معلوم من مقتضى الحديث الذي ذكرناه في الباب الذي قبل هذا عن "صحيح مسلم" وغيره في حد الغيبة، والله أعلم.
فصل: اعلم أن الغيبة كما يحرم على المغتاب ذِكرُها، يحرم على السامع استماعها وإقرارها، فيجب على من سمع إنساناً يبتدئ بغيبة محرَّمة أن ينهاه إن لم يخف ضرراً ظاهراً، فإن خافه وجب عليه الإنكار بقلبه ومفارقة ذلك المجلس إن تمكَّن من مفارقته، فإن قدَر على الإنكار بلسانه، أو على قطع الغيبة بكلام آخر، لزمه ذلك، إن لم يفعل عصى، فإن قال بلسانه: اسكت وهو يشتهي بقلبه استمراره، فقال أبو حامد الغزالي: ذلك نفاق لا يخرِجه عن الإثم، ولا بدَّ من كراهته بقلبه، ومتى اضطر إلى المقام في ذلك المجلس الذي فيه الغيبة، وعجز عن الإنكار، أو أنكر فلم يقبل منه
ــ
قوله: (في حد الغيبة) وفي نسخة في حديث الغيبة أي الذي فيه حدها.
فصل
قوله: (يحرم على السامع استماعها) جعله في الزواجر من إفرادها حيث قال: أخبث أنواع الغيبة: الإصغاء للمغتاب على جهة التعجب ليزداد نشاطه واسترساله في الغيبة وما درى الجاهل أن التصديق بالغيبة غيبة بل الساكت عليها شريك المغتاب كما في خبر المستمع أحد المغتابين فلا يخرج عن الشركة إلا أن أنكر ولو بأن يخوض في كلام آخر فإن عجز فبقلبه اهـ، وكأنه أدخله تحت الذكر وأراد به ما يشمل الذكر بالقوة فإنه لما تسبب لها بإصغائه صار كأنه قالها. قوله: (أو قطع الغيبة بكلام آخر)
стр. 2322
ولم يمكنه المفارقة بطريق حرم عليه الاستماع والإصغاء للغيبة، بل طريقه أن يذكر الله تعالى بلسانه وقلبه، أو بقلبه، أو يفكر في أمر آخر ليشتغل عن استماعها، ولا يضرُّ بعد ذلك السماع من غير استماع وإصغاء في هذه الحالة المذكورة، فإن تمكَّن بعد ذلك من المفارقة وهم مستمرُّون في الغيبة ونحوها، وجب عليه المفارقة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ
ــ
أي يشغل المغتاب عن الغيبة فينتفي المحرم فهي قائمة مقام الإنكار عند عدم القدرة عليه كما يشعر به عبارة المصنف هنا وكلام الزواجر يقتضي أنه من أنواع الإنكار وإنه يكتفي به مع القدرة على صريح الإنكار باللسان وكلام المصنف أقعد لأن في الإنكار إعلاماً بأنها من المنكر الذي يتعين إنكاره على من يقدر عليه بخلاف قطعها بالخوض في كلام آخر فإنه محتمل لذلك ولغيره والله أعلم. قوله: (الاستماع) أي قصد سماعها لإسماعها أي وصولها لسمعه من غير توجه. قوله: (ليشتغل عن استماعها) أي فإن القلب ليس له إلا وجهة واحدة فإذا اشتغل بأمر منعه اشتغاله به من غيره قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾. قوله: (وإصغاء) في مفردات الراغب أصغيت إلى فلان ملت بسمعي نحوه اهـ، فالعطف للتفسير والبيان. قوله: (فإن تمكن بعد ذلك) أي ما ذكر من الأعراض والتفكر في أمر آخر، وتمكنه منها بأن زال من المجلس من كان يخشى منه لو فارق
المجلس بحضوره. قوله: (قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾) هذا خطاب لرسول الله ﷺ ويدخل فيه المؤمنون لأن علة النهي وهو سماع الخوض في آيات الله تشمله وإياهم ورأيت هنا بصرية ولذا تعدت إلى واحد ولا بد من تقدير حال محذوفة أي وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا وهم خائضون فيها والخوض أصله في الماء شبه تنقلهم في آيات الله بالخوض في الماء، وتنقلهم قولهم في الآيات هذا سحر هذا افتراء هذا أساطير الأولين. قوله: (فأعرض عنهم) أمر له ﵊ بالإعراض
стр. 2323
وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].
وروينا عن إبراهيم بن أدهم ﵁ أنه دعي إلى وليمة، فحضر، فذكروا رجلاً لم يأتهم، فقالوا: إنه ثقيل، فقال إبراهيم: أنا فعلت هذا بنفسي حيث حضرت موضعاً يُغتاب فيه النّاس، فخرج ولم يأكل ثلاثة أيام. ومما أنشدوه في هذا
ــ
عنهم وهو تركهم أي ترك الجلوس معهم، يبينه قوله تعالى وقد نزل عليكم الآية وفيها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره. قوله: (وإما ينسينك الشيطان) أي بشغله لك عن النهي عن مجالستهم. قوله: (فلا تقعد) أي معهم (بعد الذكرى) أي بعد ذكرك النهي أي تذكرك وما أحسن مجيء الشرط الأول بإذا التي للمحقق لأن كونهم يخوضون في الآيات محقق ومجيء الشرط الثاني بأن لأن أن لغير المحقق وجاء (مع القوم الظالمين) تنبيهاً على علة الخوض في الآيات والطعن فيها وإن سبب ذلك ظلمهم وهو مجاوزة الحد وما زائدة بعد إن الشرطية والفعل وفي لحقته النون الشديدة وكثر ذلك في القرآن ويجوز في غير القرآن حذف ما ونون التوكيد وحذف أيهما شئت فتقول: إما تقم أقم وإن تقومن أقم نص على ذلك سيبويه كذا في النهر لأبي حيان وبه يعلم ما في قول البيضاوي في قوله تعالى: ﴿فإِمَّا تَرَيِنَّ﴾: ما مزيدة للتأكيد ولذا أكد بالنون. قوله: (وروينا عن إبراهيم بن أدهم) البلخي الولي الجليل من شيوخ الطائفة الجليلة الصوفية ومن رجال الرسالة القشيرية والقصة ذكرها في الرسالة فقال: وقيل دعي إبراهيم إلى وليمة الخ، قال شيخ الإسلام في شرح الرسالة: فيه دلالة على أن من حضر الغيبة ورضي بها كان شريكاً فيها ولما فرط إبراهيم في الحضور مع من لا يحترز منها أدب نفسه بالجوع ثلاثة أيام مقابلة للشيء بضده أي لأنه لما حضر ذلك المجلس لشهوة الطعام هذا مع أنه لم يرض الغيبة بل أنكرها بحسب قدرته وقام ولم يأكل اهـ. قو له: (ومما أنشدوه في هذا المعنى) قال في التمهيد أحسن محمود في قوله:
تحر من الطرق أوساطها ... وعد من الموضع المشتبه
وسمعك صن عن سماع القبيح الخ
قال: وهذا مأخوذ من
стр. 2324
المعنى:
وسَمْعَك صُنْ عن سماع القبيح ... كَصَوْنِ اللسان عن النُّطْقِ به
فإنك عند سماع القبيح ... شريكٌ لقائله فانتبه
باب بيان ما يدفع به الغيبة عن نفسه
اعلم أن هذا الباب له أدلة كثيرة في الكتاب والسُّنَّة، ولكني أقتصر
ــ
كلام كعب بن زهير:
فالسامع الذم شريك له ... ومعظم المأكول كالآكل
باب بيان ما يدفع به الغيبة عن نفسه
أي العلاج الذي تندفع به نفسه عن اغتياب الغير قال في الزواجر يتعين معرفة علاج الغيبة، وهو إما إجمالي بأن تعلم أنك قد تعرضت بها لسخط الله تعالى وعقوبته كما دلت عليه الآيات والأخبار أيضاً فهي تحبط حسناتك لما في خبر مسلم في المفلس من أنه تؤخذ حسناته إلى أن تفنى فإن بقي عليك شيء وقع عليك من سيئات خصمك ومعلوم إن من زادت حسناته كان من أهل الجمعة أو سيئاته كان من أهل النار فإن استويا فمن أهل الأعراف فاحذر أن تكون الغيبة سبباً لفناء حسناتك وزيادة سيئاتك فتكون من أهل النار على أنه روى ما النار في اليبس بأسرع من الغيبة في حسنات العبد ومن آمن بتلك الأخبار فطم نفسه عن الغيبة فطماً كلياً خوفاً من عقابها المترتب عليها في الأخبار، ومما ينفعك أيضاً أنك تتدبر في عيوب نفسك وتجتهد في الطهارة منها لتدخل تحت ما روى عنه من قوله ﷺ : "طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب النّاس ويستحي من دم غيره بما هو متلبس به أو بنظيره" فإن كان أمراً خلقياً فالذم له ذم للخالق إذ من ذم صنعة ذم صانعها قال رجل لحكيم: يا قبيح الوجه قال: ما كان خلق وجهي إلي فأحسنه فإن لم تجد عيباً فأشكر الله إذ تفضل عليك بالنزاهة عن العيوب فلا تسم نفسك بأعظمها، وينفعك أيضاً أن تعلم أن تأذى غيرك بالغيبة كتأذيك بها فكيف ترضى تؤذي غيرك بما تتأذى به، وإما تفصيلي بأن تنظر في باعثها فتقطعه من أصله إذ علاج العلة إنما يكون بقطع سببها كأن تستحضر في الغضب أحد أسبابها أنك إذا أمضيت غضبك فيه بغيبته أمضى الله غضبه
стр. 2325
منه على الإشارة إلى أحرف، فمن كان موفقاً انزجر بها، ومن لم يكن كذلك فلا ينزجر بمجلدات.
وعمدة الباب أن يعرِض على نفسه ما ذكرناه من النصوص في تحريم الغيبة، ثم يفكر في قول الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥].
وما ذكرناه من الحديث الصحيح "إنّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله تَعالى ما يُلْقِيَ لَها بالاً يَهْوِي بِهَا في جَهَنَّمَ" وغير ذلك مما قدمناه في "باب حفظ اللسان" و"باب الغيبة"، ويضمّ إلى ذلك
ــ
فيك لاستخفافك بنهجه وجرأتك على وعيده وفي الحديث إن في جهنم باباً لا يدخله إلا من شفى غيظه بمعصية الله تعالى، وفي الموافقة أنك إذا أرضيت المخاليق بغضب الله عاجلك بعقوبته إذ لا أغير من الله، وفي الحسد أنك جمعت بين خسارتي الدنيا بحسدك له على نعمته وكونك معذباً بالجسد والآخرة لأنك نصرته بإهداء حسناتك إليه أو طرح سيئاته عليك فصرت صديقه وعدو نفسك فجمعت إلى خبث حسدك جهل حماقتك، وفي الاستهزاء أنك إذا أخزيت غيرك عند النّاس فقد أخزيت نفسك عند الله وشتان ما بينهما اهـ. قوله: (فمن كان موفقاً) بأن أراد الله به الخير في المال (انزجر) لحلول باعث الانزجار في قلبه بمشيئة الله ومعونته قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾. قوله: (ومن لم يكن كذلك) أي موفقاً (فلا ينزجر) وإن أوضحت له الزواجر واتضحت عنده الآيات والدلائل قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وقال الأستاذ أبو الحسن الشاذلي العلوم في الصدور كالدراهم في الأيدي إن شاء نفعك بها وإن شاء منعك نفعها وقال الشاعر:
لا تنتهي الأنفس عن غيها ... ما لم يكن منها لها زاجر
قوله: (من النصوص) أي القرآن والسنة سواء كان نصاً فيها نحو ولا يغتب بعضكم بعض ونحوه أو بطريق العموم لها نحو ما يلفظ من قول: إلا لديه رقيب عتيد وقد تقدم الكلام على ما يتعلق بالآية في أول كتاب حفظ اللسان. قوله: (وتحسبونه هيناً) أي ذنباً صغيراً (وهو عند الله عظيم) أي من الكبائر. قوله: (ويضم إلى ذلك)
стр. 2326
ذلك قولهم: الله معي، الله شاهدي، الله ناظر إلي.
وعن الحسن البصري ﵀ أن رجلاً قال له: إنك تغتابني، فقال: ما بلغ قدرُك عندي أن أحكِّمْك في حسناتي.
وروينا عن ابن المبارك ﵀ قال: لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت والديَّ لأنهما أحق بحسناتي.
ــ
أي النصوص المحرمة للغيبة من الكتاب والسنة إما بالخصوص لها أو بالعموم لها ولغيرها. قوله: (قولهم الله معي الخ) في ترجمة سهل بن عبد الله التستري من الرسالة القشيرية بسنده إلى سهل قال: قال لي خالي محمد بن سواد يوماً وكان عمري إذ ذاك ثلاث سنين ألا تذكر الله الذي خلقك فقلت: كيف أذكره قال: قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرك لسانك: الله معي الله ناظر إلي الله شاهدي فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته قال: قل في كل ليلة سبع مرات فقلت ذلك ثم أعلمته قال: قل في كل ليلة إحدى عشرة مرة فقلت فوقع في قلبي حلاوة فلما كان بعد سنة قال لي خالي: احفظ ما علمتك ودم عليه إلى أن تدخل القبر فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة فلم أزل على ذلك سنين فوجدت لها حلاوة في سري ثم قال لي خالي يوماً أي منبهاً على فائدة تلك الكلمات وترقياً من المبني إلى المعنى يا سهل من كان الله معه وهو ناظر إليه وشاهده أيعصيه -أي وجوابه لا فإن من استشعر من الله ذلك لم يعصه- إياك والمعصية وساق بقية القصة فقوله: إياك والمعصية وتنبيهه على سبب تركها والمعصية شاملة لأنواع العصيان باللسان أو الجنان أو الأركان. قوله: (وعن الحسن البصري الخ) فيه تنبيه على أن الغيبة لا تصدر من كاملي العقول لما فيها من تحكيم الخصم في حسنات الإنسان وفي الرسالة قيل للحسن البصري إن فلاناً اغتابك فبعث إليه طبق حلوى وقال: بلغني أنك أهديت إلي حسناتك فكافأتك قال الشيخ زكريا هذا من أحسن التأديب والإرشاد إلى ترك الغيبة فإنه نبهه بذلك على أنه أهدى إليه أحسن ما عنده مما ينفع في الآخرة فكافأه على ذلك من طيبات الدنيا وهي الحلوى. قوله: (وروينا عن ابن المبارك الخ) وإنما كان والده أحق بحسناته لانتفاعهما به وفيه الزجر عن الغيبة وأنها تضر في الدنيا والآخرة وتحكم المغتاب في حسنات من اغتابه.
стр. 2327
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب بيان ما يباح من الغيبة
اعلم أن الغيبة وإن كانت محرَّمة فإنها تباح في أحوال للمصلحة. والمجوِّز لها غرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهو أحد ستة أسباب.
الأول: التظلُّم، فيجوز للمظلوم أن يتظلَّم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له
ــ
باب بيان ما يباح من الغيبة
قوله: (فإنها تباح الخ) في الزواجر قد تجب وسيأتي منه قول المصنف في جرح الرواة وذلك جائز بل واجب وقوله في المستشير وجب عليك أن تذكر له الخ. قوله: (والمجوز لها غرض صحيح الخ) ثم إن كان ذلك الغرض واجباً وجبت أو مباحاً أبيحت فللوسائل حكم المقاصد. قوله: (وهو أحد ستة أسباب) وقد نظمها الشيخ ظهير الدين محمد بن ظهير خطيب حماه فقال:
لم تستبح غيبة في حالة أبداً ... إلا لستة أحوال كما سترى
استفت عرف تظلم حذر استعنا ... على إزالة ظلم واحك ما ظهرا
وقد بسط المسائل التي تباح فيها الغيبة ابن العماد الأقفهسي وأوصلها إلى سبعة عبر موضعاً ونظمها فقال:
وما عليك إذا ما غبت منتدباً ... لقول رشد ونصح المستشير ولا
أن تذكر العالم المخطي لصاحبه ... أو تستغيث على ذي ذلة عدلا
أو تذكر اسماً قبيحاً عند سامعه ... كي يستبين به مقصود ما جهلاً
كأسود قاله أو أعور مثلاً ... أو أعمش مخبر أو أعرج نقلا
стр. 2328
ولاية أو له قدرة على إنصافه من ظالمه، فيذكر أن فلاناً ظلمني، وفعل بي كذا، وأخذ لي كذا، ونحو ذلك.
الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر وردِّ العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا فازجره عنه، ونحو ذلك، ويكون مقصوده التوصل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك كان حراماً.
الثالث: الاستفتاء، بأن يقول للمفتي: ظلمني أبي، أو أخي، أو فلان بكذا، فهل له ذلك، أم لا؟ وما طريقي في الخلاص منه وتحصيل حقي ودفع الظلم عني؟ ونحو ذلك. وكذلك قوله: زوجتي
ــ
أو عضة العرض في جرح التي سقطت ... كذلك القدح في الفتوى قد احتملا
كذاك في ذكر من يشكو ظلامته ... إلى القضاة أو الوالي إذا عدلا
ومظهر البدعة اذكره لمنكرها ... ومخفي البدعة اذكره لمن جهلا
ومظهر الفسق للإعجاب منتدبا ... من عرضه ما جرى في لفظه سهلا
وحجة الدين في الإحياء قد حظلا ... لذاك من عالم فاحذر وطب عملا
مساوي الخصم إن تذكر لحاكمه ... حين السؤال أو الدعوى فلا تهلا
وغيبة الكافر العربي قد سهلت ... وعكسها غيبة الذمي قد عقلاً
وتارك الدين لا فرض الصلاة ولا ... جناح فيه إذا ما اغتبت لا خللا
قوله: (وله قدرة على إنصافه) أي ولو بان يظن ذلك. قوله: (فيذكر أن فلانا ظلمني) أي ويكون مقصوده رفع ظلامته وإلا كان مغتاباً أخذاً مما ذكره المصنف فيما بعده وظاهر جريانه فيه واعتبار القصد في جميع ما يأتي بأن لا يقصد تنقيص المغتاب إلا في المجاهر بفسقه. قوله: (فإن لم يقصد ذلك كان حراماً) ولم يكن ذلك المغتاب مجاهراً بفسقه لما يأتي فيه. قوله: (ظلمنى أبي) أي وكان المخاطب يعرفه حتى يكون من الغيبة المحرمة لولا حاجة نحو الاستفتاء أما إذا لم يكن المخاطب يعرفه فتقدم أنه لا يحرم مطلقاً فلا حاجة
стр. 2329
تفعل معي كذا، أو زوجي يفعل كذا، ونحو ذلك، فهذا جائز للحاجة، ولكن الأحوط أن يقول: ما تقول في رجل كان من أمره كذا، أو في زوج أو زوجة تفعل كذا، ونحو ذلك، فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين، ومع ذلك فالتعيين جائز، لحديث هند الذي سنذكره إن شاء الله تعالى، وقولها: "يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح ... " الحديث، ولم ينهها رسول الله ﷺ .
الرابع: تحذير المسلمين من الشرِّ ونصيحتهم، وذلك من وجوه: منها جرح المجروحين من الرواة للحديث والشهود، وذلك جائز بإجماع المسلمين، بل واجب للحاجة.
ومنها إذا استشارك إنسان في مصاهرته، أو مشاركته، أو إيداعه، أو الإيداع عنده، أو معاملته بغير ذلك، وجب عليك أن تذكر له ما تعلمه منه على جهة النصيحة، فإن حصل الغرض بمجرد قولك: لا تصلح لك معاملته، أو مصاهرته، أو لا تفعل هذا، أو نحو
ــ
لاستثنائه والله أعلم. قوله: (ولكن الأحوط أن يقول الخ) أي أن يبهمه وهذا هو الأفضل لحصول المقصود من السؤال معه. قوله: (ومع ذلك) أي حصول الغرض مع الإبهام (فالتعيين جائز) وإنما التصريح باسمه لأن المفتي قد يدرك مع تعيينه معنى لا يدركه مع إبهامه فكان في التعيين مصلحة. قوله: (ولم ينهها) فدل تقريره ﷺ على الجواز إذ لا يقر على محرم والمعنى في الجواز ما ذكرناه من أن المفتي قد يدرك مع التعيين معنى لا يدركه مع إبهام المسؤول عنه. قوله: (كجرح الرواة والشهود) ومثله جرح المصنفين والمتصدين لإفتاء أو إقراء مع عدم أهلية أو نحو فسق أو بدعة وهم دعاة إليها ولو سرى فيجوز إجماعاً بل يجب ذكر ذلك دفعاً للضرر.
قوله: (وجب عليك أن تذكر ما تعلمه) أي مما فيه من كل قبيح مضر كفسق أو بدعة أو طمع أو غير ذلك كفقر في الزوج لما يأتي في حديث وأما معاوية فصعلوك لا مال له والمراد من ذكر ما يعلمه الإشارة بقضيته لا التصريح بذكره لقوله فإن حصل الغرض بمجرد
стр. 2330
ذلك، لم تجزئه الزيادة بذكر المساويء وإن لم يحصل الغرض إلا بالتصريح بعينه فاذكره بصريحه.
ومنها إذا رأيت من يشتري عبداً يعرف بالسرقة أو الزنى أو الشرب أو غيرهما، فعليك أن تبيِّن ذلك للمشتري إن لم يكن عالماً به، ولا يختص بذلك، بل كل من علم بالسلعة المبيعة عيباً وجب عليه بيانه للمشتري إذا لم يعلمه.
ومنها إذا رأيت متفقِّهاً يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم وخفت أن يتضرَّر المتفقه بذلك، فعليك نصيحته ببيان حاله، ويشترط أن يقصد النصيحة، وهذا مما يُغلَط فيه، وقد يحمل المتكلِّمَ بذلك الحسدُ، أو يلبِّس الشيطان عليه ذلك ويخيل إليه أنه نصيحة وشفقة، فليُتفطن لذلك.
ومنها أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها، إما بأن لا يكون صالحاً لها، وإما بأن يكون فاسقاً أو مغفَّلاً ونحو ذلك، فيجب ذِكْرُ ذلك لمن له عليه ولاية عامة ليزيله ويولِّيَ مَن يصلح أو يعلم ذلك منه ليعامله بمقتضى حاله ولا يغترَّ به، وأن يسعى في أن
ــ
قولك لا تصلح لك معاملته الخ. قوله: (وإن لم يحصل الغرض إلا بذكر عيبه فاذكره بصريحه) أي إن علم إفادة الذكر وإلا أمسك وعلى الأول فإن حصل الغرض بذكر عيب واحد من عيوبه فلا تزد عليه أو عيبين اقتصر عليهما لأن ذلك كإباحة الميتة للمضطر بقدر الحاجة والضرورة قال البارزي ولو استشير في أمر نفسه للنكاح فإن كان فيه ما يثبت الخيار ذكره للزوجة وإن كان فيه ما يقل الرغبة عنه ولا يثبت الخيار كسوء الخلق والشح استحبَّ ذكره وإن كان فيه شيء من المعاصي وجب عليه التوبة في الحال وستر نفسه أو يقول لست أهلاً للولاية اهـ. قال الشيخ زكريا ووجوب التفصيل بعيد والأوجه دفع ذلك بنحو قوله أنا لا أصلح لكم وفي التحفة لابن حجر فإن رضوا به مع ذلك فواضح وإلا لزمه الترك أو الإخبار بما فيه من كل مذموم شرعاً أو عرفاً نظير من استشير في غيره ويجب ذكر ما ذكر
стр. 2331
يحثه على الاستقامة أو يستبدل به.
الخامس: أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته، والمجاهر بشرب الخمر، ومصادرة النّاس، وأخذ المَكْس، وجباية الأموال ظلماً، وتولِّي الأمور الباطلة، فيجوز ذِكْره بما يجاهر به، ويحرم ذِكْره بغيره من العيوب، إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه.
السادس: التعريف، فإذا كان الإنسان معروفاً بلقب: كالأعمش، والأعرج، والأصم، والأعمى، والأحول،
ــ
على هذا الترتيب وإن لم يستشر كما هو قياس من علم بمبيعه عيباً لزمه ذكره مطلقاً انتهى ملخصاً.
قوله: (أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته) أي بأن لم يبال بما يقال فيه من جهة ذلك الذي جاهر به لخلعه جلباب الحياء فلم يبق له حرمة. قوله: (وأخذ المكس) قال المصنف في التهذيب مكس
الظلمة ما ينقصونه من أموال النّاس ويأخذونه منهم. قوله: (وجباية الأموال ظلماً) أي جمعها حال كونها مأخوذة على وجه الظلم من مصادرة أو مكس أو نحو ذلك. قوله: (فيجوز ذكره بما يجاهر به) وفي التحفة لابن حجر ينبغي أن يكون مجاهرته بصغيرة كذلك فيذكر بها فقط. قوله: (إلا أن يكون لجوازه) أي جواز ذكر غير ما جاهر به سبب آخر من استفتاء أو تعريف أو نحوه قال الأذرعي في أذكار النووي مما يباح من الغيبة أن يكون مجاهراً بفسقه الخ وهو تابع في ذلك للغزالي وفي الجواز لا لغرض شرعي نظر وإطلاق كثيرين يأباه اهـ. وفي الخادم للزركشي وجدت بخط الإِمام تقي الدين بن دقيق العيد أنه روى بسنده إلى النبي ﷺ أنه قال ما كرهت أن تواجه به أخاك فهو غيبة وخصها القفال في فتاويه بالصفات التي لا تذم شرعاً بخلاف نحو الزنى فيجوز ذكره لقوله ﷺ : "اذكروا الفاسق" بما فيه يحذره النّاس غير أن المستحب الستر حيث لا غرض وإلا كتجريحه أو إخبار مخالطة فيلزمه بيانه اهـ. وما ذكره من أن الجواز في الأول لغرض شرعي ضعيف لا يوافق عليه والحديث المذكور ضعيف وقال أحمد فنكر وقال البيهقي ليس بشيء فإن صح حمل على فاجر يعلن بفجوره أو يأتي بشهادة أو يعتمد عليه فيحتاج إلى بيان حاله لئلا يقع الاعتماد عليه اهـ. وهذا الذي حمله عليه
стр. 2332
والأفطس، وغيرهم، جاز تعريفه بذلك بنية التعريف، ويحرم إطلاقه على جهة التنقص ولو أمكن التعريف بغيره كان أولى. فهذه ستة أسباب ذكرها العلماء مما تباح بها الغيبة على ما ذكرناه.
وممن نص عليها هكذا الإِمام أبو حامد الغزالي في "الإحياء" وآخرون من العلماء، ودلائلها ظاهرة من الأحاديث الصحيحة المشهورة، وأكثر هذه الأسباب مجمع على جواز الغيبة بها.
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن عائشة ﵂
ــ
البيهقي متعين ونقل عن شيخه الحاكم أنه غير صحيح وأورده ليس للفاسق غيبة ويقضى عليه عموم خبر مسلم الذي فيه حد الغيبة بأنها ذكرك أخاك بما يكره وقد أجمعت الأمة على أنه ذكره بما يكره وهذا كله يرد ما قاله القفال انتهى كلام الخادم وأخذ ما يتعلق بما مر عن القفال من قول شيخه الأذرعي وما ذكره القفال لا لغرض ضعيف بمرة والحديث المذكور غير معروف ولو صح لتعين حمله على حالة الحاجة وفي التوسط للأذرعي الحديث المذكور في كلام القفال لا أصل له يرجع إليه اهـ. قوله: (بنية التعريف) ويحرم إطلاقه على جهة التنقيص، في التحفة لابن حجر يظهر في حالة الإطلاق أنه لا حرمة. قوله: (ولو أمكن التعريف الخ) وإنما جاز التعريف بما يكرهه مع حصول التعريف بغيره لأن ذلك لكونه أشهر أنص على المقصود وهو من جملة الأغراض التي يعني بها الإنسان. قوله: (فهذه ستة أسباب مما تباح به الغيبة) وقد يقال ظاهر أنه بقي أسباب أخر لإباحتها وهو غير مراد ففي الزواجر ينحصر أي الغرض المبيح للغيبة في ستة أسباب ويجاب بأن من فيه بيانية أي هذه الستة الأسباب الشيء الذي تباح به الغيبة.
قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) وأخرجه مالك الموطأ من جملة بلاغاته به وقال بئس العشيرة أو بئس رجل العشيرة وفي رواية أخرى فقال بئس أخو العشيرة وروي الحديث أبو داود والترمذي في الشمائل وابن السني قال ابن عبد البر في التمهيد روى الحديث عن عائشة من وجوه صحاح من حديث عبد الله بن دينار عن عروة عن عائشة ومن حديث مجاهد عن عائشة
стр. 2333
أن رجلاً استأذن على النبي ﷺ فقال: "ائْذَنوا لَهُ بِئْسَ أخُو العَشيرَةِ"
ــ
ومن حديث ابن المنكدر عن عروة عن عائشة وهو حديث مجمع على صحته وأصح أسانيده محمد بن المنكدر عن عروة عن عائشة. قوله: (أن رجلاً استأذن الخ) قال ابن عبد البر يقال هذا الرجل عيينة بن حصن وقال المصنف في المبهمات قال الخطيب يقال إنه مخرمة بن نوفل بن عبد مناف القرشي وقيل عيينة بن حصن بن بدر الفزاري اهـ. وفي شرح مسلم له قال القاضي عياض هذ الرجل عيينة بن حصن وفي بعض شروح الشمائل هو عيينة بن حصن الفزاري الذي يقال له الأحمق المطاع وجاء في بعض الروايات التصريح عن عائشة بأنه خزيمة بن نوفل فإن كانت الواقعة تعددت فظاهر وإلا فالذي عليه المعول هو الأول لصحة روايته، وأما خبر تسميته خزيمة ففيه أبو يزيد المدني وفيه كلام وأبو عامر صالح بن رستم الجزار ضعفه ابن معين وأبو حاتم ولذا قال الخطيب وعياض وغيرهما الصحيح أنه عيينة قالوا ويبعد أن يقول المصطفى ﷺ في حق خزيمة ما قال لأنه كان من خيار الصحابة. قوله: (بئس أخو العشيرة أو ابن العشيرة) شك من محمد بن المنكدر أحد رواته ففي التمهيد قال الحميدي قال سفيان قلت لمحمد بن المنكدر وأنت لمثل هذا تشك في هذا الحديث قال أبو عمر يعني قوله بئس ابن العشيرة أو أخو العشيرة اهـ. أي بئس الرجل هو من قوله، قال القاضي عياض: لم يكن أسلم عيينة وإن كان قد أظهر الإسلام فأراد ﷺ أن يبين حاله لتعرفه النّاس ولا يغتر به من لا يعرف حاله قال وكان منه في حياة النبي ﷺ وبعد موته ما دل على ضعيف إيمانه وارتد مع المرتدين وجيء به أسيراً إلى أبي بكر الصديق ﵁ قلت قال بعض شراح الشمائل لما جيء به إلى أبي بكر ﵁ أسيراً كان الصبيان يصيحون به في أزقة المدينة هذا الذي خرج من الدين فيقول عمكم لم يدخل حتى خرج اهـ. فوصف النبي ﷺ لعيينة بأنه الخ من أعلام النبوة لأن ظهر كما وصف اهـ. وليس هذا منه ﷺ ككل ما يصف له أحد من أمته غيبة بل هو من النصيحة والشفقة على الأمة ليعرفوا حال المقول عنه والعشيرة القبيلة وإضافة الابن والأخ إليها كإضافة
стр. 2334
احتج به البخاري على جواز غيبة أهل الفساد وأهل الرِّيب.
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن ابن مسعود ﵁ قال: قسم
رسول الله ﷺ قِسْمَةً، فقال رجل من الأنصار: والله ما أراد محمد بهذا وجه الله تعالى، فأتيتُ رسول الله ﷺ فأخبرتُه، فتغير وجهه وقال: "رَحِمَ اللهُ مُوسَى لَقَدْ أوذِيَ بأكثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ" وفي بعض رواياته: "قال ابن مسعود: فقلت: لا أرفع إليه بعد هذا حديثاً".
قلت: احتجّ به البخاري في إخبار الرجل أخاه بما يقال فيه.
وروينا في
ــ
الأخ إلى العرب في يا أخا العرب لواحد منهم. قوله: (احتج به البخاري الخ) فإنه ترجم بذلك وأورد الحديث المذكور فيه (والريب) جمع ريبة قال الشيخ زكريا هي النميمة.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) وأخرجه أبو داود والترمذي بنحوه من جملة حديث وفيه قال عبد الله فأتى ﷺ بمال فقسمه فانتهيت إلى رجلين جالسين وهما يقولان والله ما أراد
محمد بقسمته التي قسمها وجه الله ولا الدار الآخرة فثبت حتى سمعتها فأتيت فأخبرت النبي ﷺ فاحمر وجهه وقال دعني عنك فقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر وتقدم الكلام على ما يتعلق بالحديث في باب الإعراض عن الجاهلين. قوله: (قسم رسول الله ﷺ قسمة) أي وهي غنائم حنين. قوله (وفي بعض رواياته) هي للصحيحين كما في جامع الأصول. قوله: (لا أرفع إليه بعدها) أي بعد هذه المرة (حديثاً) في مثل هذا المعنى أي لأنه رأى كمال تغيره ﷺ عند سماع ذلك ثم عفوه فلم ير لقوله ثمرة إلا إيصال سبب التغير إليه ﷺ . قوله: (قلت احتج به البخاري الخ) فإنه ترجم فيه بذلك والمراد جواز الإخبار بذلك إذا كان على جهة النصيحة ووجه الاستدلال عدم إنكاره ﷺ ذلك ولو كان يحرم لما سكت عليه ومن هذا القبيل قول الرجل كما أخبر عنه ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾.
قوله: (وروينا في
стр. 2335
"صحيح البخاري" عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَا أَظُن فُلاناً وَفُلاناً يَعْرِفانِ من دِينِنا شَيئاً" قال الليث بن سعد أحد الرواة: كانا رجلين من المنافقين.
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن زيد بن أرقم ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأصاب الناسَ فيه شدَّةً، فقال عبد الله بن أُبيّ: لا تنفقوا على من عند رسول الله
ــ
صحيح البخاري) أورده في باب ما يكون من الظن أي ما يجوز منه كظن السوء بالفجرة قال الشيخ زكريا. وقوله: (ما أظن الخ) النفي فيه نفي لظن الخير الصادق بظن السوء وبعدم الظن أصلاً فيجامع إثبات ظن السوء في الترجمة اهـ. قوله: (قال الليث الخ) رواه عنه البخاري في الباب المذكور. قوله: (عن زيد بن ارقم) هو أبو عمرو وقيل أبو عامر وقيل أبو سعد وقيل أبو سعيد وقيل أبو حمزة وقيل أبو أنيسة زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن نعمان بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري المدنى غزا مع النبي ﷺ سبع عشرة غزوة استصغره يوم أحد وكان يتيماً في حجر عبد الله بن رواحة وسار معه في غزوة مؤتة روى له عن رسول الله ﷺ سبعون حديث اتفقا منها على أربعة وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بستة روى عنه أنس بن مالك وابن عباس وخلق من التابعين نزل الكوفة وتوفي بها سنة ست وخمسين وقال ابن سعد وآخرون سنة ثمان وخمسين كذا في التهذيب للمصنف.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) ورواه الترمذي وهذا من باب إخبار الشخص بما قيل عنه على وجه النصيحة. قوله: (خرجنا في سفر) يحتمل أن يكون سفرهم في تبوك. قوله:
(فقال عبد الله بن أبي) هو
стр. 2336
- ﷺ حتى ينفضوا من حوله، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذل، فأتيتُ النبي ﷺ فأخبرتُه بذلك، فأرسل إلى عبد الله بن أُبي ... وذكر الحديث. وأنزل الله تعالى تصديقه: (﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١].
وفي الصحيح حديث هند امرأة
ــ
المنافق. قوله: (وأتيت النبي ﷺ فأخبرته) وفي رواية للبخاري فذكرت ذلك لعمي فذكر عمي للنبي ﷺ فدعاني فحدثته وفي رواية للطبراني فذكرت ذلك لسعد بن عبادة قال ابن النحوي في شرح البخاري ولا منافاة بين ذلك فقد يخبر عمه أو غيره ثم يسأله النبي ﷺ فيخبره ويجوز أن تقول أخبرته إذا أوصلت الخبر إليه، وعمه هو ثابت بن زيد بن قيس بن زيد أخو أرقم بن زيد كما نبه عليه الدمياطي ويحتمل أن يريد به سعد بن عبادة لأنه شيخ من شيوخ قبيلة الخزرج ويحتمل أنه أراد عمه زوج أمه ابن رواحة وفعل عبد الله بن أبي ما فعل غيرة على رسول الله ﷺ قال محمد بن يوسف بلغني أن ابنه وقف فقال والله لا تمر حتى تقول إنك الأذل ورسول الله ﷺ الأعز فلم يمر حتى قالها. قوله: (وذكر الحديث) تمامه فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله فاجتهد يمينه ما فعل فقالوا كذب زيد رسول الله ﷺ فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله تصديقي.
قوله: (وفي الصحيح) أخرجه البخاري ومسلم وأخرجه البيهقي وفي بعض روايات البخاري رجل مسيك واختلف في ضبطه هل هو بكسر الميم وتشديد المهملة أو بوزن عظيم والمعنى بخيل قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري نقلاً عن النهاية المشهور عند المحدثين فتح الميم وتخفيف السين وعند اللغويين كسر الميم وتشديد السين والذي رأيته في النهاية مسيك مثل بخيل وزناً ومعنى وقال أبو موسى إنه مسيك بالكسر والتشديد بوزن خمير وسكير أي شديد الإمساك لماله وهو من أبنية المبالغة قال وقيل المسيك البخيل إلا أن المحفوظ الأول اهـ. قوله: (حديث هند) هي هند بنت عتبة ابن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية العبشمية زوج أبي سفيان بن حرب وهي أم معاوية بن أبي سفيان أسلمت في الفتح بعد إسلام زوجها
стр. 2337
أبي سفيان وقولها للنبي ﷺ : "إن أبا سفيان رجل شحيح ... " إلى آخره.
وحديث فاطمة بنت قيس
ــ
بليلة وحسن إسلامها وشهدت اليرموك مع زوجها أبي سفيان توفيت أول خلافة عمر في اليوم الذي مات فيه والد أبي بكر الصديق ﵃ وروى الأزرقي أن هنداً هذه لما أسلمت جعلت في بيتها تضرب صنماً بالقدوم فلذة فلذة وتقول كنا منك في غرور وفي تاريخ دمشق أن هنداً هذه قدمت على معاوية في خلافة عمر ﵃ روى عنه ابنها معاوية وعائشة ﵃ كذا في تهذيب المصنف. قوله: (وقولها) هو بالجر عطفاً على هند واللام في (للنبي ﷺ ) للتبليغ. قوله: (إن أبا سفيان رجل شحيح) في الحديث سماع كلام الأجنبية عند الإفتاء والحكم وكذا ما في معناه وفيه جواز ذكر الإنسان بما يكرهه إذا كان للاستفتاء والشكوى ونحوه وفيه جواز خروج الزوجة من بيتها لحاجتها إذا أذن لها زوجها في ذلك أو علمت رضاه وأخذ منه بعضهم جواز الدعوى والحكم على الغائب قال المصنف ولا صح هذا الأخذ لأن أبا سفيان كان حاضراً بالمدينة وشروط القضاء على الغائب أن يكون غائباً عن البلد أو مستتراً لا يقدر عليه أو متعززاً
ولم يكن هذا الشرط في أبي سفيان موجوداً فلا يكون قضاء على غائب بل هو إفناء وسكت المصنف عن باقي الحديث لأن المقصود منه وهو جواز ذكر الإنسان بما يكره إذا كان على وجه الاستفتاء لا يكون محرماً حاصل بما ذكره ووجه الاستدلال سكوته ﷺ وعدم إنكاره عليها قولها شحيح لأنه ذكر في موضع الاستفتاء والله أعلم. قوله: (وحديث فاطمة بنت قيس) أي وفي الصحيح أيضاً حديث فاطمة وقد أخرجه مسلم وأصحاب السنن الأربعة كما في التيسير للديبع وأصله عند البخاري في مسكن العدة دون باقي الحديث وفاطمة بنت قيس بن خالد الأكبر بن وهب ابن ثعلبة الفهرية القرشية وهي أخت الضحاك بن قيس قيل كانت أكبر منه بعشر سنين وكانت من المهاجرات الأول ذات عقل وافر وكان في بيتها اجتمع أصحاب الشورى روى لها عن النبي ﷺ أربعة وثلاثون حديثاً لها في الصحيحين أربعة أحاديث أحدها متفق عليه وهو بعض هذا الحديث وهو قولها لا نفقة ولا سكنى
стр. 2338
وقولُ النبي ﷺ لها: "أما مُعَاوِيةُ فَصُعْلُوك، وأمّا أبُو جَهْم فَلا يَضَع العَصَا عَن عاتِقِهِ".
ــ
للمعتدة وانتقالها وإنكار عائشة لذلك والباقي لمسلم وهي طوال كلها روى عنها ابن المسيب وعروة والشعبي تأخرت وفاتها. قوله: (وقول النبي ﷺ لها) أي لما خطبها معاوية وأبو جهم بعد انقضاء عدتها واستشارت النبي ﷺ في ذلك فقال لها النبي ﷺ : "أما معاوية فصعلوك" والمراد منه معاوية بن أبي سفيان كما جاء التصريح بأنه كذلك في مسلم قال المصنف وهو الصواب وقيل إنه معاوية آخر وهو غلط نبهت عليه لئلا يغتر به والصعلوك بضم الصاد وسكون العين المهملتين الفقير والجمع صعاليك كما جاء في رواية لمسلم صعلوك لا مال له وفيه مجاز فإن من المعلوم أنه كان له ثوب يلبسه ونحو ذلك من المحقر لكن لما كان كثير الحمل لها جاز إطلاق هذا اللفظ وقد نص أصحابنا على جواز استعمال مثله وسيأتي بيانه في أواخر الكتاب إن شاء الله تعالى. قوله: (وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه) قيل المراد به كثير الأسفار وقيل كثير الضرب للنساء وقد جاء في رواية لمسلم وأما أبو جهم فضراب للنساء قال في الزواجر وبها يرد التفسير الأول أي أنه كناية عن كونه كثير الأسفار ويؤيده أنه في رواية للحاكم وأما أبو جهم فإني أخاف عليك من شقاقه وأبو جهم بفتح الجيم مكبراً وهو المذكور في حديث الانبجانية واسمه عامر بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي من بني عدي وهو غير أبي الجهيم المذكور في حديث التيمم واسمه عبد الله بن الحارث بن الصمة الأنصاري فذاك مصغر ثم هذا الكلام منه ﷺ على سبيل الإشارة والنصيحة وليس من الغيبة المحرمة بحال (لطيفة) قال الحاكم في كتاب مناقب الشافعي من لطيف استنباطه ما رواه محمد بن جرير الطبري عن الربيع قال كان الشافعي يوماً بين يدي مالك بن أنس فجاء رجل إلى مالك فقال يا أبا عبد الله إني رجل أبيع القمري وإني بعت يومي هذا قمرياً فبعد زمان أتى صاحب القمري فقال إن قمريك لا يصيح فتناكرنا إلى أن حلفت بالطلاق أن قمري لا يهدأ من الصياح فقال ما لك طلقت امرأتك فانصرف الرجل حزيناً فقام الشافعي إليه وهو يومئذ ابن اربع عشرة سنة وقال للسائل أصياح قمريك أكثر أم سكوته قال السائل بل صياحه قال الشافعي امض فإن زوجتك ما طلقت ثم رجع الشافعي إلى الحلقة فعاد السائل إلى مالك وقال يا أبا عبد الله تفكر
стр. 2339
باب أمر من سمع غيبة شيخه أو صاحبه أو غيرهما بردها وإبطالها
اعلم أنه ينبغي لمن سمع غيبة مسلم أن يردَّها ويزجر قائلها، فإن لم ينزجر بالكلام زجره بيده، فإن لم يستطع باليد ولا باللسان، فارق ذلك المجلس، فإن سمع غيبة شيخه أو غيره ممن له عليه حقٌّ، أو كان من أهل الفضل والصلاح، كان الاعتناء بما ذكرناه أكثر.
وروينا في كتاب الترمذي عن أبي الدرداء
ــ
في واقعتي تستحق الثواب فقال ما لك الجواب ما تقدم قال فإن
عندك من قال الطلاق غير واقع فقال مالك ومن هو فقال السائل هو هذا الغلام وأومأ بيده إلى الشافعي فغضب مالك وقال من أين هذا الجواب فقال الشافعي لأني سألته أصياحه أكثر أم سكوته فقال إن صياحه أكثر فقال مالك وهذا الدليل أقبح وأي تأثير لقلة سكوته وكثرة صياحه في هذا الباب فقال الشافعي لأنك حدثتني عن عبد الله بن يزيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس أنها أتت النبي ﷺ فقالت يا رسول الله إن أبا جهم ومعاوية خطباني فأيهما أتزوج فقال لها أما معاوية فصعلوك وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وقد علم رسول الله ﷺ أن أبا جهم كان يأكل وينام ويستريح فعلمنا أنه ﵊ عنى بقوله لا يضع العصا عن عاتقه على تفسيره بظاهره أن الأغلب من أحواله ذلك فكذا هنا قوله هذا القمري لا يهدأ من الصياح أن الأغلب من أحواله ذلك فما سمع مالك ذلك من الشافعي لم يقدح في قوله البتة.
باب أمر من سمع غيبة شيخه أو صاحبه أو غيرهما
أي من أقاربه ومن إخوانه المؤمنين (بردها وإبطالها) الظرف متعلق بأمر. قوله: (ينبغي) أي يجب عند عدم العذر لأنه من إنكار المنكر الواجب حينئذٍ. قوله: (فإن لم يستطع باليد ولا باللسان فارق ذلك المجلس) أي إن أمن محذوراً على نفسه وماله. قوله: (أو غيره ممن له عليه حق) كوالديه وأقاربه وأصحابه. قوله: (أو كان من أهل الفضل) أي العلم (والصلاح) أي القيام بما عليه من حق الله ومن حق العباد والمراد الجامع بين فضيلتي العلم والعمل وإن لم يكن له على الإنسان مشيخة ولا حق صحبة لما قام به من شرف التوفيق.
قوله: (روينا في كتاب الترمذي) قال الحافظ
стр. 2340
رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: "منْ ردَّ عَن عِرْضِ أخِيهِ رد اللهُ عَنْ وَجْهِهِ النارَ يَوْمَ القِيَامَة" قال الترمذي: حديث حسن.
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" في حديث عِتْبان -بكسر العين على المشهور، وحكي ضمها- ﵁
ــ
المنذري ورواه أبو الشيخ في كتاب التوشيح ولفظه من رد عن عرض أخيه رد الله عنه عذاب القبر يوم القيامة وتلا رسول الله ﷺ ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وفي الجامع الصغير بعد تخريجه عن الترمذي والطبراني من حديث أبي الدرداء بهذا اللفظ من رد عن عرض أخيه كان له حجاباً من النار رواه البيهقي في السنن عن أبي الدرداء. قوله: (من رد عن عرض أخيه) أي إذا اغتيب إما بتكذيب القائل أو يحمل ما تكلم به عنه على محمل حسن يخرج به عن كونه ذماً. قوله: (رد الله عن وجهه النار) وذلك أنه لما رد أخاه المؤمن عن الوقوع في النار باغتياب أخيه المسلم وأخذ على يده ودفع عن المغتاب ذكره بما يكره رد الله عنه النار مجازاة من جنس عمله.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) أي وهذا لفظ البخاري ولفظ مسلم فقضى أي ﷺ الصلاة وقال أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قالوا إنه يقول ذلك وما هو في قلبه قال لا يشهد أحد أنه لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه النار ومقصود المصنف من الحديث ما فيه من الرد عن ابن الدخشم عما رمي به من النفاق وتبرئته من ذلك بقوله في رواية البخاري قد قال لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله. قوله: (في حديث عتبان بكسر العين على المشهور) أي وبإسكان المهملة ثم باء موحدة وفي شرح مسلم هذا هو الصحيح المشهور ولم يذكر الجمهور سواه. قوله: (وحكي ضمها) قال في شرح مسلم قال صاحب المطالع قد ضبطه من طريق ابن سهل بالضم اهـ. وعتبان هو ابن مالك بن عمرو بن العجلان الأنصارى الخزرجي السلمي البدري إمام قومه كان ضرير البصر وطلب من النبي ﷺ أن يصلي في منزله ليتخذه مصلى فجاء ﷺ حين الضحى وصلى وأطعمه خزيرة وهو حديث الباب وسكت المصنف عن ذكر ذلك لعدم تعلقه بمقصود الترجمة ولم يخرج
стр. 2341
في حديثه الطويل المشهور قال: "قام النبي ﷺ يصلي، فقالوا: أين مالك بن الدُّخْشُم؟ فقال رجل: ذلك منافق لا يحبُّ الله ورسوله، فقال النبي ﷺ : لا تَقُلْ ذلكَ، ألا تَرَاهُ قَدْ قالَ: لا إلهَ إلاَّ الله، يُريدُ بِذلِكَ وَجْهَ الله؟ ".
وروينا في "صحيح مسلم"
ــ
له غير هذا الحديث رواه أنس بن مالك عنه في رواية وفي أخرى عن محمود بن الربيع عنه وكلاهما عند مسلم قال المصنف ولا مخالفة لاحتمال أن أنساً سمعه أولاً من محمود عن عتبان ثم اجتمع بعتبان فسمعه منه وفيه على الطريقة الأخيرة لطيفتان أخذ أكابر عن الأصاغر فإن أنساً أكبر من محمود سناً وقدراً وفيه توالى ثلاثة من الصحابة توفي عتبان في زمن معاوية وكان مقيماً بديار قومه في سالم إلى أن توفي. قوله: (فقالوا أين مالك بن الدخشم) لفظ فهو أي النبي ﷺ يصلي في منزلي وأصحابه يتحدثون بينهم ثم أسندوا عظم ذلك وكبره إلى مالك بن دخشم قال ودوا أنه دعا عليه فهلك ودوا أنه أصابه شيء فقضى رسول الله ﷺ الصلاة وقال أليس يشهد أن لا إله إلا الله إلى آخر ما تقدم ومالك بن الدخشم بن مالك بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف وقيل في نسبه غير ذلك والدخشم بدال مهملة مضمومة ثم خاء معجمة ساكنة ثم شين معجمة مضمومة ثم ميم ويقال الدخشيم بالتصغير ويقال الدخشن والدخيشن بالنون مكبراً -أي بضم الدال والشين وقال ابن الصلاح ويقال بكسرها- ومصغراً شهد بدراً مع رسول الله ﷺ باتفاق العلماء واختلفوا في شهوده العقبة فقال ابن عقبة وابن اسحق شهدها وقال أبو معشر لم يشهدها وعن الواقدي روايتان في شهوده وهو الذي أسر سهيل بن معن ويوم بدر وهو الذي أرسله النبي ﷺ ليحرق مسجد الضرار هو وعمرو بن عدي فأحرقاه قال ابن عبد البر لا صح عنه النفاق فقد ظهر من حسن إسلامه ما يمنع من اتهامه اهـ. وحديث الباب نص على إيمانه باطناً وبراءته من النفاق والله أعلم. قوله: (يريد بذلك وجه الله) أي وما كان كذلك فهو الإيمان النافع بخلاف ما كان منه باللسان لحقن الدم وحفظ المال مع مخالفة الجنان فذلك النفاق المبرأ منه ابن الدخشم.
قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) ورواه أحمد عن عائذ بن عمرو
стр. 2342
عن الحسن البصري ﵀: أن عائذ بن عمرو وكان من أصحاب رسول الله ﷺ دخل على عبيد الله بن زياد فقال: أي بنيَّ إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن شرَّ الرِّعاءِ الحُطَمَةُ، فإيَّاكَ أنْ تَكُونَ مِنْهُمْ"، فقال له: اجلس، فإنما أنت من نُخالة أصحاب محمد ﷺ ، فقال: وهل كانت لهم نخالة: "إنما كانت النُّخَالة بعدهم وفي غيرهم".
ــ
أيضاً كما في الجامع الصغير. قوله: (أن عائذ بن عمرو) هو ابن هلال المزني البصري شهد عائذ بيعة الرضوان وكان شريفاً جواداً خرج له في الصحيحين ثلاثة أحاديث أحدها للبخاري موقوف عليه والآخران لمسلم وشاركهما عنه النسائي روى عنه ابنه حشرج والحسن ومعاوية بن قرة صلى عليه يوم موته أبو برزة الأسلمي ﵄. قوله: (عبيد الله بن زياد) هو ابن أبيه وهو الذي استلحقه معاوية بأبيه أبي سفيان. قوله: (فقال أي بني) أي فقال له على وجه النصيحة وأداء ما عليه من الأمر بالمعروف أي بني بضم الموحدة وفتح النون مصغر ويجوز كسر الياء وفتحها كما تقدم في باب ما يقول إذا دخل بيته. قوله: (شر الرعاء الحطمة) هو العنيف برعاية الإبل في السوق والإيراد والإصدار ويلقي بعضها على بعض ويعسفها، ضربه مثلاً لوالي السوء ويقال أيضاً حطم بلا هاء كذا في النهاية ونحوه قول العاقولي الحطمة من الحطم الكسر يريد به اللفظ القاسي الذي يظلمهم ولا يرق لهم ولا يرحمهم. قوله: (نخالة أصحاب رسول الله ﷺ ) النخالة ما يبقى في المنخل بعد نزول الدقيق الناعم الطيب من قشر نحو الحب وكني به عن الرديء من الشيء الذي لا يلتفت إليه. قوله: (وهل كانت لهم نخالة) أي كل من شرف بنظر المصطفى ﷺ وصحبته جيد سني وليس فيهم ولا منهم ردى ويدل على جودة جميع الصحابة الأخبار النبوية كحديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وإن كان سنده ضعيفاً فيجبر في الفضائل. قوله: (إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم) وفي الحديث
стр. 2343
وروينا في "صحيحيهما" عن كعب بن مالك ﵁ في حديثه الطويل في قصة توبته قال: قال النبي ﷺ وهو جالس في القوم بتبوك: "ما فَعَلَ كَعْبُ بنُ مالِكِ؟ " فقال
رجل من بني سَلمة: يا رسول الله حبسه بُرْداه والنظر في عِطْفيه، فقال له معاذ بن جبل ﵁: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا
ــ
خير النّاس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي من بعدهم قوم يتسمنون ويحبون السمن يعطون الشهادة قبل أن يسألوها أخرجه الترمذي والحاكم في المستدرك من حديث عمران بن حصين مرفوعاً وعند الطبراني عن أبي مسعود مرفوعاً ثم يجيء قوم لا خير فيهم.
قوله: (وروينا في صحيحيهما الخ) وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي كما تقدم بيان ذلك في باب التبشير والتهنئة لما ذكر المصنف بشارة كعب بالتوبة وهو حديث طويل نحو ورقتين ذكر المصنف منه في كل ترجمة ما يناسب مقصودها. قوله: (بتبوك) قال المصنف في التهذيب هو بفتح التاء مكان في طرق الشام من جهة القبلة بينه وبين المدينة النبوية نحو أربع عشرة مرحلة وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة وكانت آخر غزوته ﷺ بتبوك سنة تسع من الهجرة ومنها راسل عظماء الروم وجاء إليه ﷺ من جاء من العظماء وهي آخر غزواته ﷺ بنفسه والمشهور ترك صرف تبوك
للتأنيث باعتبار البقعة والعلمية وروايته في صحيح البخاري في قصة كعب في آخر كتاب المغازي ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوكاً بالألف باعتبار الموضع. قوله: (فقال له رجل من بني سلمة) قال الواقدي في المغازي اسمه عبد الله بن قيس نقله الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف. قوله: (فقال معاذ بن جبل الخ) فائدة وقع لصاحب الكشاف أنه أورد قطعة من حديث كعب في تخلفه وفيه فقلت ما خلفه إلا حسن برديه والنظر في عطفيه فقال ﷺ : "معاذ الله ما أعلم إلا فضلاً وإسلاماً" قال الشيخ سعد الدين وقدما كان يختلج في صدري أنه ليس بحسن الانتظام أن يقول النبي ﷺ في حقه مثل هذا الكلام وينهى عن مكالمته حتى تبين باتفاق مطالعة الوسيط وجامع الأصول أن هذا تصحيف وتحريف الصواب فقال معاذ والله يعني معاذ بن جبل صرح
стр. 2344
خيراً، فسكت رسول الله ﷺ .
قلت: سَلِمة بكسر اللام، وعِطْفاه: جانباه، وهي إشارة إلى إعجابه بنفسه.
وروينا في سنن أبي داود عن جابر بن عبد الله وأبي طلحة ﵃ قالا: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنِ امْرِئٍ
ــ
بذلك فيهما وهذا المقام مما لم ينتبه له أحد من الناظرين في الكتاب والله الموفق للصواب والعجب العجاب من الفاضل الطيبي كيف لم ينبه عليه فلقد كان في غاية التصفح لكتب الحديث والتفحص عن القصص والتواريخ اهـ. وقد نبه الحافظ العسقلاني في تخريجه على أن هذا الوهم من صاحب الكشاف. قوله: (فسكت النبي ﷺ ) أي عن شأنه ووجه مناسبته لمقصود الترجمة أن معاذاً رد عن كعب ما نسب إليه من الزهو والإعجاب وأنه ما علم عليه إلا خيراً وهو يستلزم عدم الإعجاب إذ هو من الشر بل رأس الشر وفي الحديث ثلاث منجيات وثلاث مهلكات إلى أن قال في المهلكات وإعجاب المرء برأيه وهي أشدهن فسكت النبي ﷺ على رده عن كعب رضاً به وتحريضاً على سلوك ذلك.
قوله: (وروينا في سنن أبي داود الخ) وأخرجه ابن أبي الدنيا وغيره كما في الترغيب للمنذري قال واختلف في إسناده اهـ. وكذا أخرجه أحمد والضياء عن جابر وأبي طلحة أيضاً كما في الجامع الصغير وقد جاء بمعنى خبره شاهد من حديث أنس قال قال النبي ﷺ : "من حمى عرض أخيه في الدنيا بعث الله ملكاً يوم القيامة يحميه عن النار" رواه ابن أبي الدنيا عن شيخ من أهل البصرة ولم يسمه عنه قال المنذري وأظن أن هذا الشيخ أبان بن أبي عياش فقد جاء مسمى في رواية غيره وهو متروك اهـ. وبمعنى الأولى شاهد من حديث أنس أيضاً قال ﷺ : "من اغتيب عنده أخوه المسلم فلم ينصره وهو يستطيع نصره أدركه إثمه في الدنيا والآخرة" رواه أبو الشيخ في كتاب التوبيخ والأصبهاني أطول منه وهو بمعنى حديث الباب ولفظه قال من اغتيب عنده أخوه فاستطاع نصره فنصره نصره الله ﵎ في الدنيا والآخرة وإن لم ينصره أدركه إثمه في الدنيا والآخرة أورده المنذري في الترغيب. قوله: (وأبي طلحة) زاد في الجامع الصغير ابن سهل وهو زيد بن سهل الأنصاري زوج
стр. 2345
يَخْذِلُ امْرَأً مُسْلِماً في مَوْضِع تُنْتَهَكُ فيهِ حُرْمَتُهُ وينْتَقَصُ فِيهِ
مِنْ عِرْضِهِ إلاَّ خَذَلَهُ الله في مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَما مِنِ امْرِيءٍ يَنْصُرُ مُسْلِماً في مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إلا نَصَرَهُ اللهُ في مَوْطِنٍ يُحِب نُصْرَتَهُ".
وروينا فيه عن معاذ بن أنس عن النبي ﷺ هو قال: "مَنْ حَمَى مُؤْمِناً مِنْ مُنَافِقٍ -أراه قال- بَعَث اللهُ تعالى مَلَكاً يَحْمِي لَحْمَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ نارِ جَهَنَّمَ، ومَنْ رَمَى مُسْلِماً بِشَيءٍ يُريدُ شَينَهُ به حَبَسَهُ الله على جِسْرِ جَهَنَّمَ
ــ
أم سليم وهي أم أنس بن مالك وقد تقدمت ترجمته. قوله: (يخذل امرأ مسلماً) بضم
الذال أي يترك نصره وإعانته من غير عذر. قوله: (ينتهك عرضه) أي يبالغ في شتمه يقال انتهك عرضه أي بالغ في شتمه. قوله: (إلا خذله الله) أي مقابلة لخذلانه أخاه المأمور بإعانته ونصره. قوله: (موطن) بفتح الميم وكسر المهملة وجمعه مواطن. قوله: (وروينا فيه) أي في سنن أبي داود ورواه ابن أبي الدنيا كما قال المنذري في الترغيب وأشار إلى مقال في سهل بن معاذ راوي الحديث عن أبيه قال وقد أخرج الحديث ابن يونس في تاريخ مصر من رواية عبد الله بن المبارك عن يحيى بن أيوب بسند مصري كما أخرجه أبو داود وقال ابن يونس ليس هذا الحديث فيما أعلم بمصر ومراده إنما وقع له من حديث الغرباء اهـ. قوله: (من حمى مؤمناً) أي رد المغتاب عن ثلم عرضه ومنعه عن ذلك بلسانه أو بيده. قوله: (بعث الله تعالى ملكاً) أي مقابلة لدفعه الأذى عن أخيه المؤمن بعث الله له من يحمي لحمه وهو كناية عن حماية جملته من العذاب. قوله: (ومن رمى مؤمناً) في نسخة مسلماً. قوله: (يريد شينه) هو خلاف الزين أي يريد به أذاه وتنقيصه. قوله: (حبسه الله على جسر جهنم) بفتح الجيم وكسرها وقد ورد في صحيح البخاري في كتاب المظالم أن المؤمنين إذا جاوزوا الصراط يحبسون بقنطرة بين الجنة والنار فيتقاصون مظالم كانت بينهم حتى إذا نقوا وهذبوا أذن لهم بدخول الجنة الحديث ثم يدخلون الجنة
стр. 2346
حتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قالَ".
باب الغيبة بالقلب
اعلم أن سوء الظنّ حرام مثل القول، فكما يحرم أن تحدِّث غيرك بمساوئ إنسان، يحرم أن تحدِّث نفسك بذلك وتسيء الظن به، قال الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢].
ــ
وليس لأحد عند أحد طلبة وقد ورد بهذا المعنى أخبار أخر. قوله: (حتى يخرج مما قال) أي من تبعة ما قاله إما بأن يرضي الله عنه خصمه أو بأن يعطى الخصم من حسنات مغتابه أو يضع عليه من سيئاته أو ما يشاء الله.
باب الغيبة بالقلب
أي حكمها ومعرفة حقيقتها به. قوله: (سوء الظن) أي الظن السيئ (بالمسلم حرام مثل القول) أي السيئ في الحرمة وإن اختلفت مراتب الحرمة. قوله: (وكما يحرم أن تحدث غيرك بمساوي إنسان) أي على وجه الاغتياب والمساوي جمع مساءة أي ما يسوء ذكره. قوله: (وتسيء الظن به) أي بسبب ما حدثت به نفسك. قوله: (اجتنبوا كثيراً من الظن) أمر باجتناب كثير من الظن لئلا يجري أحد على ظن إلا بعد نظر وتأمل وتمييز بين حقه وباطله قال في النهر المأمور باجتنابه هو بعض الظن
المحكوم عليه بأنه إثم وفي الزواجر علل ذلك الأمر بالإخبار بأن بعض الظن إثم وهو ما تخيلت وقوعه من غيرك من غير مستند يبني ذلك عليه وقد صمم عليه أو تكلم به لسانه من غير مسوغ شرعي وبعض الظن ليس بإثم بل منه ما هو واجب كظنون المجتهدين في الفروع المترتبة على الأدلة الشرعية فيلزمهم الأخذ بها ومنه ما هو مندوب ومنه قوله ﷺ ظنوا بالمؤمن خيراً ومنه ما هو مباح وقد يكون هو الحزم والرأي وهو محمل خبر إن من الحزم سوء الظن وقد عقد بعضهم ذلك حيث قال:
لا يكن ظنك إلا سيئا ... إن سوء الظن من أقوى الفطن
стр. 2347
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إيَّاكُمْ والظن فإن الظن أكْذَبُ الحَديث" والأحاديث بمعنى ما ذكرته كثيرة، والمراد بذلك عقد القلب وحكمه على غيرك بالسوء، فأما الخواطر، وحديث النفس،
ــ
ما رمى الإنسان في مهلكة ... أبدا شيء سوى الظن الحسن
وذلك بأن يقدر المتوهم واقعاً كمطل معاملك الذي تجهل حاله حتى تسلم بسبب ذلك من أن يلحقك أذى من غيرك أو خديعة وهذا الظن ليس فيه إلحاق النقص بالغير بل المبالغة في حفظ النفس وإيثارها عن أن يلحقها سوء.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) وكذا رواه مالك كما في الترغيب للمنذري ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه كلهم من حديث أبي هريرة كما في الجامع الصغير وهو بعض حديث قال في الترغيب رواية مسلم فيه أتم الروايات. قوله: (فإن الظن أكذب الحديث) أي أكثر كذباً من باقي الكلام والكذب وإن كان من صفات الأقوال إلا أن المراد هنا عدم المطابقة للواقع سواء كان قولاً أم لا. قوله: (والمراد بذلك) أي ظن السوء المنهي عنه. قوله: (عقد القلب) أي تحقيق الظن وتصديقه بأن تركن إليه النفس ويميل إليه القلب لا ما يهجس في النفس ولا يستقر وهذا القول نقله المصنف في شرح مسلم عن الخطابي وصوبه ثم قال نقل القاضي عن سفيان أنه قال الظن الذي يأثم به هو ما ظنه وتكلم به فإن لم يتكلم يأثم أي إن لم يعقد عليه القلب لما سيأتي من المؤاخذة على ذلك وقال بعضهم يحتمل أن المراد الحكم في الشرع بظن مجرد من غير بناء على أصل ولا استدلال قال المصنف وهذا ضعيف أو باطل. قوله: (وأما الخواطر وحديث النفس الخ) قال العلماء ما يرد على القلب أربعة أقسام رحماني وملكي وشيطاني ونفساني فالأولان في الخير والآخران في الشر والفرق بين الأولين أنه إن لم يجد المرء بداً مما وقع في قلبه من داعي الخير وإجابته فهو رحماني وإلا فملكي وبين الأخيرين أنه إن كان إذا انتقل عنه إلى خاطر سوء آخر انصرف الخاطر الأول فشيطاني وإلا فنفساني لأن الشيطان غرضه مطلق العصيان فإذا أبدل خاطر السوء بمثله حصل مراده ولا كذلك النفساني فقد يكون غرضها
стр. 2348
إذا لم يستقرَّ ويستمرَّ عليه صاحبه فمعفوٌّ عنه باتفاق العلماء، لأنه لا اختيار له في وقوعه، ولا طريق له إلا الانفكاك
ــ
معصية خاصة لا تنصرف عنها إلى غيرها وإن ماثله ثم الخواطر وحديث النفس لها خمس مراتب هاجس فواجس فحديث نفس فعزم فتصميم فالأول ما يهجس فيها ثم يذهب فوراً والثاني يتحرك فيها قليلاً ثم يذهب ولا مؤاخذة بهما والثالث أن يتحرك فيها مع ضده فتصير النفس راكنة لهذا تارة ولهذا أخرى من غير أن يعزم على واحد منهما ولا مؤاخذة بذلك أيضاً على
الأصح بل حكي الاتفاق عليه وهذه المراتب الثلاث لا أجر فيها في الحسنات أيضاً الرابع هو أن يتحرك فيها ويثبت ويكون أرجح من ضده ويعزم عليه واختلفوا في المؤاخذة عليه فقال المحققون نعم كما نقله عنهم السبكي للخبر في التقاء المسلمين بسيفيهما المعلل لأثم المقتول بأنه كان حريصاً على قتل صاحبه ونقل عياض قبله مثل ذلك عن عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين للأحاديث -أي والآيات الدالة على المؤاخذة على ذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ - وقد تظاهرت نصوص الشرع على تحريم أعمال القلب من نحو الغيبة وإرادة السوء بالمؤمن مع العزم المستقر وخالف بعضهم فقال لا يؤاخذ به ونسب للشافعي وابن عباس لتصريح اللغويين بأن الهم هو العزم وفيه نظر إذ اللغويون لا يراعون هذه الدقائق وقيل يؤاخذ بالهم بالمعصية في حرم مكة دون غيره وهو رواية عن أحمد وبه قال ابن مسعود ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ الآية ويرد بأن الإرادة القصد وهو العزم الذي هو أخص من الهم ويتأيد بما مر عن المحققين والخامس هو أن يصمم عليه بحيث ينعدم ضده وبه المؤاخذة بالأولى كما ذكره في فتح الإله. قوله: (إذا لم يستقر) أي حديث النفس أي ومثله الخواطر أو الفاعل يعود لما ذكر من الخواطر وحديث النفس والمراد أنه يعفى عما ذكر إذا لم يستقر بأن دفعه بمجرد ما خطر ولم يسترسل ولا عزم عليه أو تكلم به. قوله: (باتفاق العلماء) هذا بالنسبة إلى حديث النفس أما بالنسبة للخاطر إذا دفعه أول
стр. 2349
عنه.
وهذا هو المراد بما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله تَجاوَزَ لأُمَّتي ما حدَّثت بِه أنْفُسَها ما لَمْ تَتَكَلَّمْ بِه أو تَعْمَلْ".
قال العلماء: المراد به الخواطر التي لا تستقرُّ. قالوا: وسواء كان ذلك الخاطر غِيبَةً أو كُفْراً أو غيره، فمن خطر له الكفر مجرَّد خطران من غير تعمُّد لتحصيله، ثم صرَفَه في الحال،
ــ
أمره ولم يصل لرتبة حديث النفس السابقة فمعفو عنه بالإجماع كما علم مما ذكر آنفاً. قوله: (وهذا) أي العفو عن الخواطر ما لم يعزم عليها أو يتكلم بها (هو المراد لما ثبت في الصحيح) أي في كتب الصحيح وقد رواه الشيخان وأصحاب السنن الأربعة من حديث أبي هريرة ورواه الطبراني في الكبير من حديث عمران بن حصين كما في الجامع الصغير. قوله: (تجاوز لأمتي) كذا رواه في الجامع الصغير لكن في المشكاة عن أمتي قال شارحها ابن حجر لكن في رواية تجاوز لي عن أمتي أي لم يؤاخذهم بذلك لأجلي فله ﷺ علينا المنة التي لا منتهى لأدناها فضلاً عن أقصاها. قوله: (ما حدثت به أنفسها) بالرفع والنصب قال في فتح الإله والنصب هو الأولى لموافقته لحديث آخر يصرح به ولدلالته على العفو ولو مع الاختيار أي كما يؤخذ مما تقدم نقله عنه. قوله: (ما لم تتكلم به) أي بذلك الخاطر (أو تعمل) أي به فحينئذٍ يؤاخذ بما تكلم وعمل وقضية الحديث أنه حينئذٍ يؤاخذ بالهم وما قبله لكن ما مر أنه لا مؤاخذة في الأولين إجماعاً فقوله ما لم الخ لا مفهوم له فيهما وما بعدهما مثلهما كما اقتضاه حديث الصحيحين أيضاً وإن هم بها -أي السيئة- فعملها كتبت سيئة واحدة، وجرى عليه السبكي في موضع لكن أفتى ابن رزين من أئمتنا بأنه متى لم يُنسب أخذ بعزمه لأنه إصرار وجرى عليه السبكي في موضع آخر ورجحه بعضهم وانتصر للأول بأنه يلزم على الثاني أنه يعاقب على المعصية مرتين ويرد بأنه لا يلزم عليه ذلك لأن الهم معصية مستقلة والفعل معصية أخرى مستقلة وفي الحديث دليل لما
عليه الأكثرون أن من حدث نفسه بنحو طلاق وصمم عليه ولم يتلفظ به لا يقع. قوله: (ثم صرفه عنه) أي بأن اشتغل بغيره من ذكر أو نحوه ولم يعقد قلبه
стр. 2350
فليس بكافر، ولا شيء عليه.
وقد قدَّمنا في "باب الوسوسة" في الحديث الصحيح أنهم قالوا: "يا رسول الله يجد أحدنا ما يتعاظم أن يتكلّم به، قال: ذلكَ صَريحُ الإيمانِ" وغير ذلك مما ذكرناه هناك وما هو في معناه. وسبب العفو ما ذكرناه من تعذُّر اجتنابه، وإنما الممكن اجتناب الاستمرار عليه، فلهذا كان الاستمرار وعقد القلب حراماً ومهما عرض لك هذا الخاطر بالغيبة وغيرها من المعاصي، وجب عليك دفعه بالإعراض عنه وذكر التأويلات الصارفة له على ظاهره.
قال الإِمام أبو حامد الغزالي في "الإحياء": إذا وقع في قلبك ظن السوء، فهو من وسوسة الشيطان يلقيه إليك، فينبغي أن تكذِّبه فإنه أفسق الفسَّاق، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ
ــ
على ذلك. قوله: (ولا شيء عليه) أي من الإثم. قوله: (ذلك) أي تعاظم الكلام فيه وكراهة ذلك الخاطر وذكره (صريح الإيمان). قوله: (من تعذر اجتنابه) لأنه ليس من عمل الإنسان ولا كسبه. قوله: (وإنما الممكن اجتناب الاستمرار عليه) أي على نحو الخاطر بأن يشتغل قلبه عن ذلك بشيء آخر وأحسن ما يشغله به ذكر الله فإن ذلك الخاطر إذا كان من الشيطان ذهب وانقطع لذهاب الشيطان لأنه يخنس عن المؤمن عند ذكر الله وإن كان من النفس انقلب بأكسير الذكر نحاسها ذهباً. قوله: (وغيرها من المعاصي) أي من الحسد أو احتقار المسلم أو بغضه وإرادة السوء به أو نحوها من معاصي القلب. قوله: (إذا وقع في قلبك ظن السوء) أي بإنسان محترم (فهو من وسوسة الشيطان) أي من الأمور المحرمة التي يوسوس بها للناس وإنما حرم ظن السوء لأن نيات القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءاً إلا إذا انكشفت لك بعبارة لا تحتمل التأويل فعند ذلك لا يمكنك أن لا تعتقد كما علمته وشاهدته، وما لم تشاهده بعينك وتسمعه بأذنك ثم وقع في قلبك فهو من وسوسة الشيطان يلقيها بين أهل الإيمان لتحصل البغضاء والشنآن. قوله: (إن جاءكم فاسق) أي والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وإنما
следующие страницы →