Полный текст (2 732 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
حتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قالَ".
باب الغيبة بالقلب
اعلم أن سوء الظنّ حرام مثل القول، فكما يحرم أن تحدِّث غيرك بمساوئ إنسان، يحرم أن تحدِّث نفسك بذلك وتسيء الظن به، قال الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢].
ــ
وليس لأحد عند أحد طلبة وقد ورد بهذا المعنى أخبار أخر. قوله: (حتى يخرج مما قال) أي من تبعة ما قاله إما بأن يرضي الله عنه خصمه أو بأن يعطى الخصم من حسنات مغتابه أو يضع عليه من سيئاته أو ما يشاء الله.
باب الغيبة بالقلب
أي حكمها ومعرفة حقيقتها به. قوله: (سوء الظن) أي الظن السيئ (بالمسلم حرام مثل القول) أي السيئ في الحرمة وإن اختلفت مراتب الحرمة. قوله: (وكما يحرم أن تحدث غيرك بمساوي إنسان) أي على وجه الاغتياب والمساوي جمع مساءة أي ما يسوء ذكره. قوله: (وتسيء الظن به) أي بسبب ما حدثت به نفسك. قوله: (اجتنبوا كثيراً من الظن) أمر باجتناب كثير من الظن لئلا يجري أحد على ظن إلا بعد نظر وتأمل وتمييز بين حقه وباطله قال في النهر المأمور باجتنابه هو بعض الظن
المحكوم عليه بأنه إثم وفي الزواجر علل ذلك الأمر بالإخبار بأن بعض الظن إثم وهو ما تخيلت وقوعه من غيرك من غير مستند يبني ذلك عليه وقد صمم عليه أو تكلم به لسانه من غير مسوغ شرعي وبعض الظن ليس بإثم بل منه ما هو واجب كظنون المجتهدين في الفروع المترتبة على الأدلة الشرعية فيلزمهم الأخذ بها ومنه ما هو مندوب ومنه قوله ﷺ ظنوا بالمؤمن خيراً ومنه ما هو مباح وقد يكون هو الحزم والرأي وهو محمل خبر إن من الحزم سوء الظن وقد عقد بعضهم ذلك حيث قال:
لا يكن ظنك إلا سيئا ... إن سوء الظن من أقوى الفطن
стр. 2347
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إيَّاكُمْ والظن فإن الظن أكْذَبُ الحَديث" والأحاديث بمعنى ما ذكرته كثيرة، والمراد بذلك عقد القلب وحكمه على غيرك بالسوء، فأما الخواطر، وحديث النفس،
ــ
ما رمى الإنسان في مهلكة ... أبدا شيء سوى الظن الحسن
وذلك بأن يقدر المتوهم واقعاً كمطل معاملك الذي تجهل حاله حتى تسلم بسبب ذلك من أن يلحقك أذى من غيرك أو خديعة وهذا الظن ليس فيه إلحاق النقص بالغير بل المبالغة في حفظ النفس وإيثارها عن أن يلحقها سوء.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) وكذا رواه مالك كما في الترغيب للمنذري ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه كلهم من حديث أبي هريرة كما في الجامع الصغير وهو بعض حديث قال في الترغيب رواية مسلم فيه أتم الروايات. قوله: (فإن الظن أكذب الحديث) أي أكثر كذباً من باقي الكلام والكذب وإن كان من صفات الأقوال إلا أن المراد هنا عدم المطابقة للواقع سواء كان قولاً أم لا. قوله: (والمراد بذلك) أي ظن السوء المنهي عنه. قوله: (عقد القلب) أي تحقيق الظن وتصديقه بأن تركن إليه النفس ويميل إليه القلب لا ما يهجس في النفس ولا يستقر وهذا القول نقله المصنف في شرح مسلم عن الخطابي وصوبه ثم قال نقل القاضي عن سفيان أنه قال الظن الذي يأثم به هو ما ظنه وتكلم به فإن لم يتكلم يأثم أي إن لم يعقد عليه القلب لما سيأتي من المؤاخذة على ذلك وقال بعضهم يحتمل أن المراد الحكم في الشرع بظن مجرد من غير بناء على أصل ولا استدلال قال المصنف وهذا ضعيف أو باطل. قوله: (وأما الخواطر وحديث النفس الخ) قال العلماء ما يرد على القلب أربعة أقسام رحماني وملكي وشيطاني ونفساني فالأولان في الخير والآخران في الشر والفرق بين الأولين أنه إن لم يجد المرء بداً مما وقع في قلبه من داعي الخير وإجابته فهو رحماني وإلا فملكي وبين الأخيرين أنه إن كان إذا انتقل عنه إلى خاطر سوء آخر انصرف الخاطر الأول فشيطاني وإلا فنفساني لأن الشيطان غرضه مطلق العصيان فإذا أبدل خاطر السوء بمثله حصل مراده ولا كذلك النفساني فقد يكون غرضها
стр. 2348
إذا لم يستقرَّ ويستمرَّ عليه صاحبه فمعفوٌّ عنه باتفاق العلماء، لأنه لا اختيار له في وقوعه، ولا طريق له إلا الانفكاك
ــ
معصية خاصة لا تنصرف عنها إلى غيرها وإن ماثله ثم الخواطر وحديث النفس لها خمس مراتب هاجس فواجس فحديث نفس فعزم فتصميم فالأول ما يهجس فيها ثم يذهب فوراً والثاني يتحرك فيها قليلاً ثم يذهب ولا مؤاخذة بهما والثالث أن يتحرك فيها مع ضده فتصير النفس راكنة لهذا تارة ولهذا أخرى من غير أن يعزم على واحد منهما ولا مؤاخذة بذلك أيضاً على
الأصح بل حكي الاتفاق عليه وهذه المراتب الثلاث لا أجر فيها في الحسنات أيضاً الرابع هو أن يتحرك فيها ويثبت ويكون أرجح من ضده ويعزم عليه واختلفوا في المؤاخذة عليه فقال المحققون نعم كما نقله عنهم السبكي للخبر في التقاء المسلمين بسيفيهما المعلل لأثم المقتول بأنه كان حريصاً على قتل صاحبه ونقل عياض قبله مثل ذلك عن عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين للأحاديث -أي والآيات الدالة على المؤاخذة على ذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ - وقد تظاهرت نصوص الشرع على تحريم أعمال القلب من نحو الغيبة وإرادة السوء بالمؤمن مع العزم المستقر وخالف بعضهم فقال لا يؤاخذ به ونسب للشافعي وابن عباس لتصريح اللغويين بأن الهم هو العزم وفيه نظر إذ اللغويون لا يراعون هذه الدقائق وقيل يؤاخذ بالهم بالمعصية في حرم مكة دون غيره وهو رواية عن أحمد وبه قال ابن مسعود ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ الآية ويرد بأن الإرادة القصد وهو العزم الذي هو أخص من الهم ويتأيد بما مر عن المحققين والخامس هو أن يصمم عليه بحيث ينعدم ضده وبه المؤاخذة بالأولى كما ذكره في فتح الإله. قوله: (إذا لم يستقر) أي حديث النفس أي ومثله الخواطر أو الفاعل يعود لما ذكر من الخواطر وحديث النفس والمراد أنه يعفى عما ذكر إذا لم يستقر بأن دفعه بمجرد ما خطر ولم يسترسل ولا عزم عليه أو تكلم به. قوله: (باتفاق العلماء) هذا بالنسبة إلى حديث النفس أما بالنسبة للخاطر إذا دفعه أول
стр. 2349
عنه.
وهذا هو المراد بما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله تَجاوَزَ لأُمَّتي ما حدَّثت بِه أنْفُسَها ما لَمْ تَتَكَلَّمْ بِه أو تَعْمَلْ".
قال العلماء: المراد به الخواطر التي لا تستقرُّ. قالوا: وسواء كان ذلك الخاطر غِيبَةً أو كُفْراً أو غيره، فمن خطر له الكفر مجرَّد خطران من غير تعمُّد لتحصيله، ثم صرَفَه في الحال،
ــ
أمره ولم يصل لرتبة حديث النفس السابقة فمعفو عنه بالإجماع كما علم مما ذكر آنفاً. قوله: (وهذا) أي العفو عن الخواطر ما لم يعزم عليها أو يتكلم بها (هو المراد لما ثبت في الصحيح) أي في كتب الصحيح وقد رواه الشيخان وأصحاب السنن الأربعة من حديث أبي هريرة ورواه الطبراني في الكبير من حديث عمران بن حصين كما في الجامع الصغير. قوله: (تجاوز لأمتي) كذا رواه في الجامع الصغير لكن في المشكاة عن أمتي قال شارحها ابن حجر لكن في رواية تجاوز لي عن أمتي أي لم يؤاخذهم بذلك لأجلي فله ﷺ علينا المنة التي لا منتهى لأدناها فضلاً عن أقصاها. قوله: (ما حدثت به أنفسها) بالرفع والنصب قال في فتح الإله والنصب هو الأولى لموافقته لحديث آخر يصرح به ولدلالته على العفو ولو مع الاختيار أي كما يؤخذ مما تقدم نقله عنه. قوله: (ما لم تتكلم به) أي بذلك الخاطر (أو تعمل) أي به فحينئذٍ يؤاخذ بما تكلم وعمل وقضية الحديث أنه حينئذٍ يؤاخذ بالهم وما قبله لكن ما مر أنه لا مؤاخذة في الأولين إجماعاً فقوله ما لم الخ لا مفهوم له فيهما وما بعدهما مثلهما كما اقتضاه حديث الصحيحين أيضاً وإن هم بها -أي السيئة- فعملها كتبت سيئة واحدة، وجرى عليه السبكي في موضع لكن أفتى ابن رزين من أئمتنا بأنه متى لم يُنسب أخذ بعزمه لأنه إصرار وجرى عليه السبكي في موضع آخر ورجحه بعضهم وانتصر للأول بأنه يلزم على الثاني أنه يعاقب على المعصية مرتين ويرد بأنه لا يلزم عليه ذلك لأن الهم معصية مستقلة والفعل معصية أخرى مستقلة وفي الحديث دليل لما
عليه الأكثرون أن من حدث نفسه بنحو طلاق وصمم عليه ولم يتلفظ به لا يقع. قوله: (ثم صرفه عنه) أي بأن اشتغل بغيره من ذكر أو نحوه ولم يعقد قلبه
стр. 2350
فليس بكافر، ولا شيء عليه.
وقد قدَّمنا في "باب الوسوسة" في الحديث الصحيح أنهم قالوا: "يا رسول الله يجد أحدنا ما يتعاظم أن يتكلّم به، قال: ذلكَ صَريحُ الإيمانِ" وغير ذلك مما ذكرناه هناك وما هو في معناه. وسبب العفو ما ذكرناه من تعذُّر اجتنابه، وإنما الممكن اجتناب الاستمرار عليه، فلهذا كان الاستمرار وعقد القلب حراماً ومهما عرض لك هذا الخاطر بالغيبة وغيرها من المعاصي، وجب عليك دفعه بالإعراض عنه وذكر التأويلات الصارفة له على ظاهره.
قال الإِمام أبو حامد الغزالي في "الإحياء": إذا وقع في قلبك ظن السوء، فهو من وسوسة الشيطان يلقيه إليك، فينبغي أن تكذِّبه فإنه أفسق الفسَّاق، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ
ــ
على ذلك. قوله: (ولا شيء عليه) أي من الإثم. قوله: (ذلك) أي تعاظم الكلام فيه وكراهة ذلك الخاطر وذكره (صريح الإيمان). قوله: (من تعذر اجتنابه) لأنه ليس من عمل الإنسان ولا كسبه. قوله: (وإنما الممكن اجتناب الاستمرار عليه) أي على نحو الخاطر بأن يشتغل قلبه عن ذلك بشيء آخر وأحسن ما يشغله به ذكر الله فإن ذلك الخاطر إذا كان من الشيطان ذهب وانقطع لذهاب الشيطان لأنه يخنس عن المؤمن عند ذكر الله وإن كان من النفس انقلب بأكسير الذكر نحاسها ذهباً. قوله: (وغيرها من المعاصي) أي من الحسد أو احتقار المسلم أو بغضه وإرادة السوء به أو نحوها من معاصي القلب. قوله: (إذا وقع في قلبك ظن السوء) أي بإنسان محترم (فهو من وسوسة الشيطان) أي من الأمور المحرمة التي يوسوس بها للناس وإنما حرم ظن السوء لأن نيات القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءاً إلا إذا انكشفت لك بعبارة لا تحتمل التأويل فعند ذلك لا يمكنك أن لا تعتقد كما علمته وشاهدته، وما لم تشاهده بعينك وتسمعه بأذنك ثم وقع في قلبك فهو من وسوسة الشيطان يلقيها بين أهل الإيمان لتحصل البغضاء والشنآن. قوله: (إن جاءكم فاسق) أي والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وإنما
стр. 2351
نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] فلا يجوز تصديق إبليس، فإن كان هناك قرينة تدل على فساد، واحتمل خلافه، لم تجز إساءة الظنّ، ومن علامة إساءة الظنِّ أن يتغيَّر قلبك معه عما كان عليه، فتنفر منه وتستثقله وتفتر عن مراعاته وإكرامه والاغتمام بسيئته، فإنَّ الشيطان قد يقرب إلى القلب بأدنى خيال مساويء النّاس، ويلقي
إليه: إن هذا من فِطْنتك وذكائكَ وسرعةِ تنبهك، وإن المؤمن ينظر بنور الله، وإنما هو على التحقيق ناطق بغرور الشيطان وظُلمته، وإن أخبرك عدل بذلك، فلا تصدِّقه ولا تكذِّبه لئلا تسيء الظن بأحدهما، ومهما خطر لك سوء في مسلم، فزِدْ في مراعاته وإكرامه، فإن ذلك يُغيظُ الشيطانَ ويدفعه عنك فلا يلقي إليك مثله
ــ
قلنا بعموم فاسق لأنه نكرة في سياق الشرط فتعم. قوله: (فلا يجوز تصديق إبليس) كيف وهو الكذوب كما تقدم في كتاب فضل القرآن في حديث أبي هريرة في قصة الشيطان الذي كان يأخذ من زكاة الفطر لقد صدقك وهو كذوب أتدري من تخاطب شيطانا أو كما قال. قوله: (لم تجز إساءة الظن به) أي ما لم تكن القرينة الدالة على الفساد أقوى وإلا كظن السوء بأهل الفساد لا يحرم لما فيه من القرينة القوية وهي استمرار فسادهم مع احتمال خلافه بالتوبة. قوله: (والاغتمام بسببه)
بالجر عطفاً على مراعاته ويجوز رفعه عطفاً على محل فينفر عنه. قوله: (لئلا تسيء الظن بأحدهما) لأنك إن صدقت الخبر أسأت الظن بالمخبر عنه أو لم تصدق المخبر أسأت الظن بالمخبر باعتقاد الكذب فيه قال في الزواجر وحينئذٍ فعليك أن تبحث هل ثمة تهمة في المخبر من نحو عداوة بينهما فإن وجدتها فتوقف وأبق المخبر عنه على ما كان عندك من عدم السوء فيه. قوله: (ويدفعه عنك) أي يدفع ما ذكر من مراعاتك
стр. 2352
خيفةً من اشتغالك بالدعاءِ له، ومهما عرَفْتَ هفوةَ مسلم بحجةٍ لا شكَّ فيها، فانصحة في السرِّ، ولا يخدعنَّكَ الشيطان فيدعوك إلى اغتيابه، وإذا وعظتَه فلا تعِظْه وأنت مسرور باطلاعك على نقصه فينظر إليك بعين التعظيم وتنظر إليه بالاستصغار، ولكن اقصد تخليصه من الإثم وأنت حزين كما تحزن على نفسك إذا دخلك نقص، وينبغي أن يكون تَرْكُهُ لذلك النقص بغير وعظك أحبَّ إليك من تركه بوعظك، هذا كلام الغزالي.
قلت: قد ذكرنا أنه يجب عليه إذا عرض له خاطر بسوءِ الظنِّ أن يقطعه، وهذا إذا لم تدع إلى الفكر في ذلك مصلحة
ــ
وإكرامك أخاك كيد الشيطان عنك أي عن وقوعك في الغيبة في القلب فلا يلقى إليك مثله أي من مساوي إنسان آخر لأنه يعلم من ديدنك أنه إن ذكر لك إنساناً دعوت له فيثاب وهذا خلاف غرضه من ذكره وهو وقوعك في هوة عرض أخيك فتهلك. قوله: (هفوة مسلم) أي زلته. قوله: (بحجة لا شك فيها) أي من رؤيته بعينه أو سماعه بأذنه أو بينة عادلة وفي الزواجر تأمل خبر إن الله حرم من المسلم دمه وماله وأن يظن به السوء فعلم منه أنه لا يسوغ لك ظن السوء به إلا ما يسوغ لك أخذ ماله من تيقن مشاهدة أو بينة عادلة وإلا فبالغ في دفع الظن عنك ما أمكنك. قوله: (فانصحه في السر) أي لأنه أدعى للمقصود من قبوله وعوده إلى الصواب ومن كلام إمامنا الشافعي: "من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه ومن وعظه جهراً فقد فضحه وشانه". قوله: (لا يخدعنك الشيطان) أي ينبغي أن يكون اطلاعك على هفوة أخيك سبباً لخيرك من الأمر بالمعروف وخير أخيك من إنقاذه من هوة المخالفة ولا يخدعنك الشيطان فيصيرها سبباً لهلاكك يوقعك في غيبة أخيك المؤمن. قوله: (ولكن اقصد تخليصه وأنت حزين) لتجمع بين أجر الوعظ وأجر الهم والإعانة له على دينه. قوله: (وينبغي أن يكون الخ) هذه علامة لكون قصد الإنسان مجرد الوعظ وإعانة أخيه على دينه أنه لو وعظه غيره وعاد عن النقص لكان أحب إليه وإنما كان أحب إليه خشية أن يداخله عند حصول ذلك نوع من الإعجاب، والسلامة غنيمة.
стр. 2353
شرعية، فإن دعت جاز الفكر في نقيصته والتنقيب عنها كما في جرح الشهود والرواة وغير ذلك مما ذكرناه في "باب ما يباح من الغيبة".
باب كفارة الغيبة والتوبة منها
اعلم أن كلَّ من ارتكب معصية لزمه المبادرةُ إلى التوبة منها، والتوبةُ من حقوق الله تعالى يشترط فيها ثلاثة أشياء: أن يُقْلِعَ عن المعصِية في الحال، وأن يندَم على فعلها، وأن يَعْزِمَ ألاَّ يعود إليها.
والتوبةُ من حقوق الآدميين
ــ
قوله: (والتنقيب) بالفوقية فالنون فالقاف فالتحتية أي التفتيش والبحث.
باب كفارة الغيبة والتوبة منها
قوله: (معصية) أي ولو صغيرة. قوله: (لزمه المبادرة إلى التوبة) أي وجوباً فتاركها عاص قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ووجوبها عندنا بالسمع وعند المعتزلة بالعقل. قوله: (أن يقلع عن المعصية حالاً) أي بتركها وعدم مزاولتها إن كان ملابساً لها فيمسك لسانه عن الغيبة وعينه عن النظر المحرم وهكذا وكذا إن لم يكن ملابسها لها ولكنه مصر على المعاودة فهذا الشرط إنما يعتبر بالنسبة لهذين إذ يستحيل حصول الندم الحقيقي على شيء هو ملازم له في الحال أو مصر على معاودته. قوله: (وأن يندم على فعلها) أي خوفاً من الله تعالى وإجلالاً له متمنياً كونه لم يفعل المعصية من حيث إنها معصية أما إذا ندم على فعلها بما لحقه من الأذى في نفسه أو ماله فلا عبرة به في التوبة شرعاً وفي الندم عليها لخوف النار تردد وكذا في الندم عليها لقبحها مع غرض آخر والحق إن جهة القبح إن كانت بحيث لو انفردت لتحقق الذم فتوبة وإلا فلا كما إذا كان الغرض مجموع الأمرين لا كل واحد منهما ولا بد من التأسف للقطع بأن مجرد تركه كالماجن إذا مل مجونه فاستروح لمباح ليس بتوبة. قوله: (وأن يعزم على أن لا يعود) اعترض هذا الشرط بأن فعلها في المستقبل قد لا يخطر بالبال لذهول أو جنون وقد لا يقتدر
стр. 2354
يشترط فيها هذه الثلاثة، ورابعٌ: وهو ردُّ الظُّلامة إلى صاحبها أو طلبُ عفوه عنها والإبراء منها، فيجب على المغتاب التوبةُ بهذه الأمور الأربعة، لأن الغيبَةَ حقُّ آدميٍّ، ولا بد من استحلاله ممن اغتابه،
ــ
عليه لخرس في القذف وجب في الزنى ورد بأن المراد العزم على ترك المعاودة على تقدير الحضور والاقتدار حتى لو سلب القدرة لم يشترط عزم عليه وقول إمام الحرمين إنما يقارن التوبة في بعض الأحوال لامتناع اطراده بعدم صحته من المجبوب والأخرس يشير إلى ما ذكرناه وفي المقاصد تبعاً للمواقف أن هذا القيد زيادة بيان وتقرير لما ذكر لا للتقييد والاحتراز إذ النادم عليها لقبحها لا يكون إلا عازماً على ترك معاودة مثلها هذا وقد عرف الغزالي في منهاجه نقلاً عن شيخه التوبة بقوله ترك ذنب سبق منه مثله فلم يدخل في مفهوم الندم قال لأنه ليس من كسب الإنسان حتى يعتبر في التوبة التي هي من الواجبات على المكلف والله أعلم. قوله: (وهو رد الظلامة) أي وإن بقيت فإن تلفت فبدلها (أو طلب عفوه) أي أو طلب الظالم عفوه أي المظلوم (عنها) فالطلب مصدر مضاف للمفعول (والإبراء منها) قضية تقريره أنه لو أبرأه منها من غير طلب لم يبرأ وليس مراداً فإذا حصل عفو المظلوم وإبراؤه برئت ذمة الظالم من حق الآدمي وبقي حق الله فتعتبر فيه الثلاثة الشرط الأول فقط والله أعلم. قوله: (فيجب على المغتاب) أي فاعل الغيبة. قوله: (لا بد من استحلاله) أي من طلب تحليله (من اغتابه) أي إن كان مكلفاً إذ مسامحة غير
المكلف لا تذهب حقه من تبعة ذلك سواء كان الطلب من المغتاب أو غيره وقال الحسن يكفيه الاستغفار عن الاستحلال واحتج بخبر كفارة من اغتبته أن تستغفر له وقيل كفارة ذلك أن تثني عليه وتدعو له بالخير والأصح أنه لا بد من استحلاله وزعم أن العرض لا عوض له فلا يجب استحلاله منه بخلاف المال مردود بأنه وجب في العرض حق القذف وفي الروضة أيضاً أفتى الحناطي بأن الغيبة إذا لم تبلغ المغتاب كفاه الندم والاستغفار وجزم به ابن الصباغ حيث قال إنما يحتاج لاستحلال المغتاب إذا علم ما داخله من الضرر والغم بخلاف ما إذا لم يعلم فلا فائدة لتأذيه فليتب فإذا تاب أغناه عن ذلك نعم إن كان تنقصه عند قوم رجع إليهم وأعلمهم أن ذلك لم يكن حقيقته اهـ.
стр. 2355
وهل يكفيه أن يقول: قد اغتبتك فاجعلني في
حلّ، أم لا بد أن يبين ما اغتابه به؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي ﵏. أحدهما: يشترط بيانه، فإن أبرأه من غير بيانه، لم يصحّ، كما لو أبرأه عن مال مجهول. والثاني: لا يشترط، لأن هذا مما يتسامح فيه، فلا يشترط علمه، بخلاف المال، والأول أظهر، لأن الإنسان قد يسمح بالعفو عن
ــ
وتبعهما كثيرون منهم المصنف واختاره ابن الصلاح في فتاويه وغيرهم قال الزركشي وهو المختار وحكاه ابن عبد البر عن ابن المبارك وأنه ناظر سفيان فيه وقال له لما أنكر عليه لا تؤذه مرتين وحديث كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته تقول اللهم اغفر لنا وله فيه ضعف كما قاله البيهقي وقال ابن الصلاح هو وإن لم يعرف له إسناد معناه ثابت بالكتاب والسنة قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وقال ﷺ أتبع السيئة الحسنة تمحها، وحديث حذيفة لما اشتكى ذرب اللسان على أهله أي أنت من الاستغفار اهـ. واعترض بأنه صح ما يعارضه وهو قوله ﷺ لتلك المرأة قد اغتبتها قومي فتحلليها وبأنه لو أجزأ هذا الاستغفار لأجزأ في أخذ المال وأجيب بمنع المعارضة بأن يحمل هذا على أنه أمر بالأفضل أو بما يمحو أثر الذنب بالكلية على الفور بخلاف الأول فإنه ليس كذلك وبوضوح الفرق بين الغيبة وأخذ المال ومن ثم وجهوا القول بأنها صغيرة مع عظيم ما ورد فيها من الوعيد بأن عموم ابتلاء النّاس بها اقتضى المسامحة بكونها صغيرة لئلا يلزم فسق النّاس إلا الفذ النادر منهم وهذا حرج عظيم فلأجله خفف فيها بذلك فلم تكن كالأموال حتى تقاس بها. قوله: (وهل يكفيه الخ) أي هل يكفي الاستحلال من الغيبة المجهولة وقد حكي الوجهين في الروضة ورجح هنا أنه لا بد من بيانها وتعيينها وعلله بقوله لأن الإنسان الخ لكن في الزواجر كلام الحليمي وغيره يقتضي الجزم بالصحة لأن من يسمح بالعفو من غير كشف وقد وطن نفسه عليه مهما كانت الغيبة ويوافقه قول الروضة قلت ومثله عبارة الأذكار الآتية وأما حديث أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم الخ فمعناه لا أطلب مظلمتي في الدنيا ولا في الآخرة وهذا ينفع في إسقاط مظلمة كانت
стр. 2356
غيبة دون غيبة، فإن كان صاحب الغيبة ميتاً أو غائباً فقد تعذَّر تحصيل البراءة منها، لكن قال العلماء: ينبغي أن يكثر من الاستغفار له والدعاء ويكثر من الحسنات.
واعلم أنه يستحب لصاحب الغيبة أن يبرئه منها ولا يجب عليه ذلك لأنه تبرُّعٌّ وإسقاط حق، فكان إلى خِيرته، ولكن يستحب له استحباباً متأكّداً الإبراءُ ليخلّص أخاه المسلم من وبال هذه المعصية، ويفوزَ هو بعظيم ثواب
ــ
موجودة قبل الإبراء لا ما يحدث بعده الخ ففي عبارتهما هذه تصريح بالسقوط مع الجهل بالمبرأ منه الواقع من قبل فيوافق قضية كلام الحليمي.
فائدة
نقل ابن القشيري عن القاضي أنه لو أظهر الاعتذار بلسانه حتى طاب قلب خصمه كفاه وعن أبي هاشم أنه لو أظهر بلسانه دون باطنه لم يكف ثم قال والحق إنه لو لم يخلص فيه كان ذنباً فيما بينه وبين الله والأظهر بقاء مطالبة خصمه في الآخرة لأنه لو علم عدم إخلاصه في اعتذاره لتأذى بذلك وما ذكره صرح به الإِمام فقال عليه أن يخلص في الاعتذار إذ هو قول النفس عند أصحابنا والعبارة ترجمة عنه فإن لم يخلص فهو ذنب فيما بينه وبين الله ويحتمل أن تبقي لخصمه عليه مطالبة في الآخرة لأنه لو علم أنه غير مخلص لما رضي اهـ. ومحل اعتبار استحلاله بتفصيله في الغيبة باللسان أما غيبة
القلب فلا يجب الإخبار بها على قياس ما صححه المصنف في الحسد ونظر فيه الأذرعي اهـ. ملخصاً من الزواجر. قوله: (فإن كان صاحب الغيبة ميتاً الخ) مثله ما إذا تعسر بأن كان بغيبة شاسعة. قوله: (تعذر تحصيل البراءة) ولا اعتبار بتحليل الورثة كما ذكره الحناطي وغيره وأقره في الروضة. قوله: (ويكثر من الحسنات) أي فإنها تذهب السيئات وسبق دليله آنفاً في كلام ابن الصلاح. قوله: (ولكن يستحب له استحباباً مؤكداً) وجه الاستدراك أنه لما قال في تعليل عدم الوجوب فكان إلى خيرته ربما يتوهم أن طلب الإبراء وإن كان سنة إلا أنه ليس على سبيل التأكيد فيكون من الأدب القريب من المباح في الخيرة في الترك فدفع هذا الوهم بما ذكره من قوله ولكن يستحب له أي لصاحب الغيبة استحباباً متأكداً الإبراء. قوله: (من وبال هذه المعصية) أي عذابها والوبال في الأصل الثقل والذي يندفع
стр. 2357
الله تعالى في العفو ومحبة الله ، قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] وطريقه في تطييب نفسه بالعفو أن يُذَكِّرَ نَفْسَه أن هذا الأمر قد وقع، ولا سبيل إلى رفعه، فلا ينبغي أن أفوِّت ثوابه وخلاص أخي المسلم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ ... ﴾ الآية [الأعراف: ١٩٩] والآيات بنحو ما ذكرنا كثيرة.
وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "وَاللهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ" وقد قال الشافعي ﵀: من استُرضيَ فلم يَرْضَ
ــ
بالإبراء حق الإنسان ويبقى حق الله حيث تجرأ على معصيته سامحنا الله مما جنينا بمنه وكرمه. قوله: (في العفو) في سببية والظرف في محل الصفة لثواب. قوله: (ومحبة الله) عطف على عظيم وفيه ترق لأن الثواب هو الجنة والمحبة منه المراد منها غايتها من الرضا وإرادة التوفيق بالعبد فهي أعلى لأن الثواب بالجنة من بعض ثمرات المحبة. قوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ سبق الكلام على ذلك في باب ما يقول إذا غضب. قوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أي عن ظلمهم ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ لهذه الأفعال أي يثيبهم. قوله: (ولا ينبغي أن أفوِّت ثوابه) أي عفوه بالامتناع منه. قوله: (ومن صبر) أي على ظلامته فلم ينتصر (وغفر) تجاوز (إن ذلك) أي الصبر والتجاوز (لمن عزم الأمور) أي معزومها بمعنى المطلوبات شرعاً. وقوله: (﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ الآية) تقدم الكلام فيها في باب الإعراض عن الجاهلين.
قوله: (وفي الحديث الصحيح) رواه مسلم من جملة حديث طويل من حديث أبي هريرة.
قوله: (والله في عون العبد) أي إعانته. قوله: (ما كان العبد) أي ما دام (في عون أخيه) ففيه فضيلة عون الأخ على أموره وأهمها أمور دينه إن كان الحق له أو بالتماس العفو من صاحب الحق إن كان لغيره وبوعظه وتذكيره بسوء العصيان وإعانته عليه بأن ينقذه من العذاب بالعفو عنه فضل ولا فرق في الإعانة بين كونها بالقلب أو البدن أو بهما. قوله: (قال الشافعي الخ) ورد في هذا المعنى خبر مرفوع صحيح عند ابن
стр. 2358
فهو شيطان. وقد أنشد المتقدِّمون:
قيل لي: قد أساءَ إليك فلانٌ ... ومُقام الفتى على الذلِّ عارُ
قلت: قد جاءنا وأحْدَثَ عُذْراً ... دِيةُ الذَّنْبِ عندنا الاعتذارُ
فهذا الذي ذكرناه من الحثِّ على الإبراء عن الغيبة هو الصواب. وأما ما جاء عن سعيد ابن المسيب أنه قال: لا أحلِّل من ظلمني. وعن ابن سيرين: لم أحرُمها عليه فأحلِّلها له، لأن الله تعالى حرَّم الغيبة عليه، وما كنت لأحلِّل ما حرَّمه الله تعالى أبداً، فهو ضعيف أو غلط، فإن المبرئ لا يحلِّل محرَّماً، وإنما يُسْقِط حقاً ثبت له، وقد تظاهرت نصوص الكتاب والسُّنَّة على استحباب العفو وإسقاط الحقوق المختصة بالمسقط، أو يحمل كلام ابن سيرين على أني لا أبيح غيبتي أبداً، وهذا صحيح فإن الإنسان لو قال: أبحت عرضي لمن اغتابني لم
ــ
ماجه من حديث جودان قال قال ﷺ من اعتذر إليه أخوه بمعذرة فلم يقبلها كان عليه من الخطيئة مثل صاحب مكس وأخرجه الضياء أيضاً وحينئذٍ ففي كلام الشافعي اقتباس. قوله: (فهو شيطان) أي مثل الشيطان في الكبر والنظر للنفس إذ لولا ذلك لقبل عذر أخيه وقد اعتذر إليه. قوله: (فهذا الذي ذكرناه الخ) وهو مذهب إمامنا الشافعي وإليه ذهب محمد بن سيرين والقاسم بن محمد كما تقدم نقله عن القرطبي في أذكار المساء والصباح وأيده بأن التمسك بالعموم هو الأصل لا سيما مع حديث أبي ضمضم. قوله: (وعن ابن سيرين الخ) لعل له في المسألتين قولين أحدهما جواز العفو مطلقاً وهو ما نقله عنه القرطبي والثاني المنع كذلك وهو ما نقله المصنف هنا. قوله: (لا يحلل محرماً) أي لا يصبر الغيبة حلالاً بأن جوز أن يغتابه أحد في مستقبل الزمن (وإنما يسقط حقاً ثبت له) بالغيبة السابقة مع بقائها على وصف الحرمة أي وإذا بطلت العلة بطل المعلول إن لم يكن له علة
стр. 2359
يَصِرْ مباحاً، بل يحرم على كل أحد غِيبة غيره.
وأما الحديث "أيَعْجزُ أحَدُكُمْ أنْ يَكُونَ كأبي ضَمْضَم كانَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيتِهِ قالَ إني تَصَدَّقْتُ بِعِرْضِي على النَّاسِ" فمعناه: لا أطلب مظلمتي ممن ظَلمني لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا ينفع في إسقاط مظلمة كانت موجودة قبل الإبراء، فأما ما يحدث بعده، فلا بدَّ من إبراءٍ جديدٍ بعدَها، وبالله التوفيق.
باب في النميمة
ــ
أخرى صحيحة. قوله: (كما تحرم غيبة غيره) أي ممن لم يقل ذلك. قوله: (ممن ظلمني) أي ممن وقع ظلمه لي وتحقق فعله، وقوله فمعناه الخ: يقتضي صحة العفو عن الغيبة وإن لم يعين لصاحب
الغيبة كما تقدم عن الزواجر فيخالف كلامه السابق من أن الأظهر اعتبار التعيين وتقدم ما فيه. قوله: (بعده) أي بعد ذلك القول.
باب في النميمة
قال ابن سيدة هي التوريش والإغراء ورفع الحديث على وجه الإشاعة والإفساد وفي الجامع ثم الرجل إذا أظهر ما عنده من الشر وفي مجمع الغرائب النمام الساعي بين النّاس بالشر وقال أبو عبيد في غريبه نميت الحديث بالتشديد في الشر ونميت بالتخفيف بالخير وقال في الصحاح ثم الحديث ينمه وينمه -أي بالضم والكسر- أي قته والاسم النميمة والرجل نم ونمام وزاد غيره ونموم ومنم والاسم الميم أيضاً كما قال ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وقيل هو اسم جنس واحده نميمة كتمر وتمرة كذا في شرح العمدة للقلقشندي وقال ابن حجر الهيتمي في رسالته في الغيبة بعد أن نقل كلام الغزالي في تعريف النميمة كما ذكره عنه المصنف وزاد فإن كان ما ينم به نقصاً في المحكي فنميمة وغيبة انتهى كلام الغزالي أي وهو يقتضي أن بينهما العموم والخصوص الوجهي وكلام أئمتنا لا يساعده بل الحاصل من كلامهم أن بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً فكل
стр. 2360
قد ذكرنا تحريمها ودلائلها وما جاء في الوعيد عليها، وذكرنا بيان حقيقتها، ولكنه مختصر، ونزيد الآن في شرحه. قال الإِمام أبو حامد الغزالي ﵀: النميمة إنما تطلق في الغالب على من يَنِمُّ قولَ الغير إلى المقول فيه، كقوله: فلان يقول فيك كذا، وليست النميمة مخصوصة بذلك، بل حدُّها: كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو ثالث، وسواء كان الكشف بالقول أو الكتابة أو الرمز أو الإيماء أو نحوها، وسواء كان المنقول من الأقوال أو الأعمال، وسواء كان عيباً أو غيره، فحقيقة النميمة: إفشاء السرِّ، وهتك الستر عما يكره كشفه، وينبغي للإنسان أن يسكتَ عن كل ما رآه من أحوال النّاس إلا ما في حكايته فائدة لمسلم أو دفع معصية، واذا رآه يخفي مال
ــ
نميمة غيبة وليس كل غيبة نميمة فإن الإنسان قد يذكر أخاه بما يكره ولا إفساد فيه بينه وبين أحد فهذا غيبة فقط وقد يذكر عن غيره ما يكره وفيه إفساد فهذا غيبة ونميمة اهـ. قوله: (قد ذكرنا تحريمها) أي وإنها من أقبح القبائح أي من الكبائر قال الحافظ المنذري أجمعت الأئمة على تحريم النميمة وأنها من أعظم الذنوب عند الله وتقدم الجواب عن قوله وما يعذبان في كبير في أول باب في تحريم الغيبة والنميمة، وكونها من الكبائر مبني على تفسير الكبيرة بما فيه وعيد شديد وهو كما في المصنف والرافعي أكثر ما يوجد لهم وكلامهم أميل إليه عند تفاصيل الكبائر وبه يندفع اعتراض الكرماني على المصنف في عده النميمة من الكبائر بأنه لا يصح على قاعدة الفقهاء لأن الكبيرة عنهم هي الموجبة للحد ولا حد على مرتكب النميمة إلا أن يقال الإصرار على الصغيرة حكمه حكم الكبيرة أو أراد بالكبيرة معنى غير المعنى الاصطلاحي اهـ. قوله: (من ينم قول الغير إلى المقول فيه) أي على وجه الإفساد بينهم. قوله: (وليست النميمة مخصوصة بذلك الخ) قال في الزواجر وما ذكره إن أراد بكونه نميمة أنه كبيرة في سائر الأحوال
стр. 2361
نفسه فذكره، فهو نميمة.
قال: وكل من حُمِلت إليه نميمة وقيل له: قال فيك فلان كذا، لزمه ستة أمور.
الأول: أن لا يصدِّقه، لأن النَّمام فاسق، وهو مردود الخبر.
الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبِّح فعله.
الثالث: أن يُبغِضَهُ في الله تعالى، فإنه بغيض عند الله تعالى، والبُغض في الله تعالى واجب.
الرابع:
ــ
التي ذكرها ففيه بإطلاقه نظر ظاهر لأن ما فسروا به النميمة لا يخفى أن وجه كونه كبيرة ما فيه من الإفساد المترتب عليه من المضار والمفاسد ما لا يخفى نحو الحكم على ما هو كذلك بأنه كبيرة ظاهر جلي
وليس في معناه بل ولا قريباً منه مجرد الإخبار بشيء عمن يكره كشفه من غير أن يترتب عليه ضرر ولا هو عيب ولا نقص فالذي يتجه أن هذا وإن سلم للغزالي تسميته نميمة لا يكون كبيرة ويؤيده أنه نفسه شرط في كونه غيبة كونه عيباً ونقصاً حيث قال فإن كان ما ينم به نقصاً وعيباً في المحكي عنه فهو غيبة فإذا لم توجد الغيبة إلا مع كونه نقصاً فالنميمة أقبح من الغيبة ينبغي أن لا توجد بوصف كونها كبيرة إلا إذا كان فيما ينم به مفسدة كمفسدة الغيبة وإن لم يصل إلى مفسدة الإفساد بين النّاس اهـ. قوله: (لأن النمام فاسق) قال في الزواجر إجماعاً (وهو مردود في الخبر) قال تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ الآية وحكي أن سليمان بن عبد الملك عاتب من نم عليه عنده بحضرة الزهري فأنكر الرجل فقال له من أخبرني صادق فقال الزهري النمام لا يكون صادقاً فقال له سليمان صدقت اذهب أيها الرجل بسلام ومن كلامهم من نم لك نم عليك وهذه إشارة إلى أن النمام ينبغي أن يبغض ولا يؤتمن ولا يوثق بصداقته وكيف لا يبغض وهو لا ينفك عن الكذب والغيبة والغل والحسد والإفساد بين النّاس والخديعة وهو ممن سعى في قطع ما أمر الله به أن يوصل ذكره في الزواجر. قوله: (ويقبح فعله) أي بنحو ما ذكره المصنف عن عمر بن عبد العزيز. قوله: (أن يبغضه في الله تعالى) إن لم تظهر له التوبة. قوله: (والبغض في الله تعالى واجب) في للسببية أي بسبب وبغض
стр. 2362
أن لا يظنَّ بالمنقول عنه السوء، لقول الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢].
الخامس: أن لا يحملك ما حكى لك على التجسس والبحث عن تحقيق ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢].
السادس: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النَّمام عنه، فلا يحكي نميمته.
وقد جاء أن رجلاً ذكَر لعمر بن عبد العزيز ﵁ رجلاً بشيء، فقال عمر: إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذباً فأنت من أهل هذه الآية ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾
[الحجرات: ٦] وإن كنت صادقاً، فأنت من أهل هذه الآية ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] وان شئت عفونا عنك، فقال: العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه أبداً.
ورفع إنسان رقعة إلى الصاحب بن عبَّاد يحثُّه فيها على أخذ مال يتيم وكان مالاً كثيراً، فكتب على ظهرها: النميمة قبيحة وإن كانت صحيحة، والميت ﵀، واليتيم جبره الله، والمال ثمَّره الله، والساعي لعنه الله.
باب النهي عن نقل الحديث إلى ولاة الأمور إذا لم تدع إليه ضرورة لخوف مفسدة ونحوها
روينا في كتابي أبي داود والترمذي عن ابن مسعود ﵁
ــ
الله له لمخالفته لأمره وبغض الله تعالى كناية عن إرادة الانتقام أو نفس
الانتقام. قوله: (ألا يظن بالمنقول عنه السوء) أي لأنه لم يتحقق أن ما نقل إليه عنه صدر عنه ولا يجوز الظن بالسوء فيما كان كذلك.
باب النهي عن نقل الحديث إلى ولاة الأمور
أي على وجه الإفساد والإضرار بالمنقول عنه وهو قريب من النميمة. قوله: (إذا لم تدع إليه ضرورة) فإن دعت إليه ضرورة كأن قال إنسان لأطلعن الكفار على عورات المسلمين وتوهم منه فعل ذلك رفع ذلك لولاة الأمور ليقمعوه ويدفعوا ما أراد من المفسدة ويدل له حديث زيد بن أرقم في البخاري في رفع ما قاله ابن أبي.
стр. 2363
قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُبَلِّغْني أحدٌ مِنْ أصْحابي عَنْ أحَدٍ شَيئاً، فإني أحِبُّ أنْ أخرُجَ إلَيكُمْ وأنا سَلِيمُ الصَّدْرِ".
باب النهي عن الطعن في الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "اثْنَتَا في النّاسِ هُما بِهِمْ كُفْرٌ: الطعْنُ في النَّسَبِ، والنُياحَةُ على المَيِّتِ".
باب النهي عن الافتخار
قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢].
وروينا في "صحيح
ــ
باب النهي عن الطعن في الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع
الطعن في النسب هو قدح بعض النّاس في نسب بعض من غير علم وقال العلقمي في شرح الجامع الصغير الطعن في الأنساب الوقوع في أعراض النّاس بالذم والغيبة ونحوهما وخرج بالثابتة في ظاهر الشرع وهي ما كانت عن فراش أو ملك يمين ما إذا كان إنسان مجهول النسب وانتسب إلى إنسان لم يثبت نسبه منه في ظاهر الشرع. قوله: (ولا تقف أي) لا تتبع. قوله: (والفؤاد) أي القلب وقيل بل هو أخص من القلب. قوله: (كان عنه مسؤولاً) أي يسأل صاحبه ماذا فعل به. قوله: (وروينا في صحيح مسلم) وكذا رواه أحمد كما في الجامع الصفير والحديث قد تقدم الكلام عليه في باب تحريم النياحة.
باب النهي عن الافتخار
قوله: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا تنسبوها إلى زكاة العمل والطهارة عن المعاصي ولا تثنوا عليها واهضموها. وقوله: (هو اعلم بمن اتقى) أي اتقى الشرك وقال علي ﵁ أي عمل حسنة وارعوى عن معصية والجملة كالتعليل لما قبلها أي إذا كان هو أعلم بأرباب التقى فلا تزكوا أنفسكم بالثناء. قوله: (وروينا في صحيح
стр. 2364
مسلم" وسنن أبي داود وغيرهما عن عياض بن حمار الصحابي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن اللهَ تَعَالى أوحَى إلي أنْ تَواضعُوا حتَّى لا يَبْغِيَ أحدٌ على أحَدٍ وَلا يَفْخَرَ أحدٌ على أحَدٍ".
ــ
مسلم) وكذا رواه ابن ماجه من حديث عياض بن حمار ورواه البخاري في الأدب وابن ماجه أيضاً من حديث أنس وقال فيه بعد قوله تواضعوا ولا يبغي بعضكم على بعض وليس فيه قوله ولا تفخروا الخ فهو شاهد لأول الحديث. قوله: (عن عياض بن حمار) وهو عياض بكسر المهملة وتخفيف التحتية آخره ضاد معجمة ابن حمار بكسر المهملة وتخفيف الميم ابن أبي حمار بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم وقيل عياض ابن حمار بن عرفجة بن ناجية يجتمع هو والأقرع بن حابس في عقال بن محمد بن سفيان التميمي المجاشعي كانت له وفادة وهو معدود في البصريين خرج عنه مسلم حديثاً واحداً وخرج عنه الأربعة روى عنه مطرف ويزيد ابنا عبد الله بن الشخير والحسن وأبو الساج وكان صديقاً لرسول الله ﷺ قديماً وكان إذا قدم مكة لا يطوف إلا في ثياب رسول الله ﷺ عاش إلى حدود الخمسين. قوله: (إن تواضعوا) تفاعل من الضعة وهي الذل والهوان. قوله: (حتى لا يبغي أحد على أحد) أصل البغي مجاوزة الحد كما في النهاية وقريب منه قول بعضهم البغي التعدي والاستطالة وقال العاقولي البغي الظلم. قوله: (ولا يفخر أحد على أحد) في النهاية الفخر ادعاء العظم والكبر والشرف وحتى في الحديث للتعليل فإن البغي على الغير والافتخار إنما يكون لمن تكبر بنفسه واستطال بما قام بها أما من شرف بخلق التواضع فإنه يتحلى بحلية حديث المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.
стр. 2365
باب النهي عن إظهار الشماتة بالمسلم
روينا في كتاب الترمذي عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُظْهِرِ الشَّماتَةَ لأخيكَ فَيَرْحَمُهُ اللهُ ويَبْتَلِيكَ" قال الترمذي: حديث حسن.
باب تحريم احتقار المسلمين والسخرية منهم
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩] وقال
ــ
باب النهي عن إظهار الشماتة بالمسلم
فرح الإنسان ببلية تنزل بمن يعاديه يقال شمت به يشمت من باب علم فهو شامت وأشمته غيره كذا في النهاية قال العاقولي ويقال أشمت الله به العدو. قوله: (عن واثلة) بالمثلثة (ابن الأسقع) بالقاف والعين المهملة الليثي الكناني من أهل الصفة وأول مشاهده تبوك وشهد فتح دمشق وحمص
واستوطن الشام بقرب بيت المقدس ورحل إلى البصرة وكان له بها دار وكان فارساً شجاعاً ممدوحاً فاضلاً قال المصنف في التهذيب روي له عن رسول الله ﷺ ستة وخمسون حديثاً روى البخاري حديثاً ومسلم آخر روى عنه مكحول ويونس بن ميسرة مات سنة ست وثمانين عن مائة وخمسين وقيل عن ثمان وتسعين سنة. قوله: (لا تظهر الشماتة) أي الفرح ببلية أخيك. قوله: (فيرحمه الله) أي فيتسبب عن كسر خاطره بإظهار الفرح ببليته رحمة الله له رغماً لأنفك فيزول عنه ذلك (ويبتليك) قال العاقولي أي حيث زكيت نفسك اهـ. والظاهر أنه بالنصب عطفاً على يرحمه ولو روي بإسكان الياء على الاستئناف لم يمتنع أو على أنه منصوب حذفت الفتحة منه لازدواجه بآخر الفقرة قبله والله تعالى أعلم.
باب تحريم احتقار المسلمين والسخرية منهم
قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ أي يعيبون. قوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ﴾ عطف على يلمزون. قوله: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُم﴾ أي جازاهم على سخريتهم وهذه الجملة خبر عن الذين إذ هو مبتدأ ثم الآية
стр. 2366
الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ
ــ
نزلت فيمن عاب المتصدقين وكان رسول الله ﷺ حث على الصدقة فتصدق عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف وأمسك مثلها فبارك له الرسول فيما أعطي وفيما أمسك وتصدق عمر بنصف ماله وعاصم بن عدي بمائة وسق وعثمان بن عفان بصدقة عظيمة وأبو عقيل الاياسي بصاع تمر وترك لعياله صاعاً وكان أجر نفسه يسقي نخلا بهما وتصدق رجل بناقة عظيمة وقال هي وذو بطنها صدقة يا رسول الله وألقى إلى رسول الله ﷺ خطامها فقال المنافقون ما تصدق هؤلاء إلا رياء وسمعة وما تصدق أبو عقيل إلا ليذكر بنفسه فيعطى من الصدقات والله غني عن صاعه وقال بعضهم تصدق بالناقة وهي خير منه وكان الرجل أقصر النّاس قامة وأشدهم سواداً فنظر إليه رسول الله ﷺ وقال بل هو خير منك ومنها يقولها ثلاثاً. قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ السخرية النظر إلى المسخور منه بعين النقص أي لا تحقر غيرك عسى أن يكون عند الله خيراً منك وأفضل وأقرب فرب أشعت أغبر ذي طمرين لا يؤبه به لو أقسم على الله لأبره وقد احتقر إبليس اللعين آدم ﵇ فباء بالخسران الأبدي وفاز آدم بالعز الأبدي وشتان ما بينهما وقد يحتمل أن يكون المراد بعسى يصير أي لا تحتقر غيرك فإنه ربما صار عزيزاً وصرت ذليلاً فينتقم منك قال الشاعر:
لا تهين الفقير علك أن ... تركع يوماً والدهر قد رفعه
قوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا يعب بعضكم على بعض وتقدم في أول باب الغيبة والنميمة
стр. 2367
وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ... ﴾ الآية [الحجرات: ١١]. وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١].
وأما الأحاديث الصحيحة في هذا الباب فأكثر من أن تحصر، وإجماع الأمة منعقد على تحريم ذلك، والله أعلم.
وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة
ــ
معنى اللمز والفرق بينه وبين الهمز. قوله: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ تقدم سبب نزول الآية في باب النهي عن الألقاب التي يكرهها الإنسان والنبز الطرح، واللقب كما تقدم ثمة ما أشعر برفعة
المسمى أو ضعته أي لا تراموا بها وهو هنا أن يدعى الإنسان بغير ما سمي به وبنحو يا منافق يا فاسق وقد تاب من فسقه أقوال أولها عليه الأكثر وقدمت السخرية لأنها أبلغ الثلاثة في الإذاية لاستدعائها تنقيص المرء في حضرته ثم اللمز لأنه العيب بما في الإنسان وهذا دون الأول ثم النبز وهو نداؤه بلقبه وهذا دون الثاني إذ لا يلزم مطابقة معناه للقبه فقد يلقب الحسن بالقبيح وعكسه وكأنه قال لا تتكبروا فتستحقروا إخوانكم بحيث لا تلتفتوا إليهم أصلاً وأيضاً لا تعيبوهم طلباً لحط درجاتهم وأيضاً فلا تسموهم بما يكرهون ونبه تعالى بقوله أنفسكم على دقيقة ينبغي التفطن لها هي أن المؤمنين كلهم بمنزلة البدن الواحد إذا اشتكى بعضه اشتكى كله فمن عاب غيره ففي الحقيقة إنما عاب نفسه نظراً لذلك وأيضاً فتعييبه للغير تسبب إلى تعييب الغير له فكأنه الذي عاب نفسه فهو على حد الخبر الآخر لا يسبن أحدكم أباه قالوا وكيف يسب أباه قال يسب أبا الرجل فيسب أباه وغاير بين صيغتي تلمزوا وتنابزوا لأن الملموز قد لا يقدر في الحال على عيب يلمز به لامزه فيحتاج إلى تتبع أحواله حتى يظفر ببعض عيوبه بخلاف النبز فإن من لقب بما يكره قدر على تلقيب الآخر بنظير ذلك حالاً فوقع التفاعل، وقوله بئس: الاسم الفسوق أي من فعل أحد هذه الثلاثة استحق اسم الفسق وهو غاية النقص بعد أن كان كاملاً بالإيمان وضم إلى هذا الوعيد قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ إشارة إلي عظم إثم كل واحد من الثلاثة. قوله: (﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ تقدم الكلام عليها في أول باب تحريم الغيبة والنميمة.
قوله: (روينا في صحيح مسلم) تقدمت الإشارة إلى تخريجه في باب
стр. 2368
رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَحاسَدُوا ولا تَنَاجَشُوا، وَلا تَباغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا يَبْغ بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ، وكُونُوا عِبادَ الله إخوَاناً، المُسلِمُ أخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحقُرُه، التَّقْوى هاهُنا -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحَسْبِ امرئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلِمَ، كل المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَام: دَمُهُ ومالُهُ وَعِرْضُهُ".
قلت: ما أعظم نفع هذا الحديث وأكثر فوائده لمن تدبَّره.
وروينا في "صحيح مسلم" عن ابن مسعود
ــ
تحريم الغيبة والنميمة. قوله: (لا تحاسدوا) أي لا تتحاسدوا والحسد إنبعاث القوة إلى محبة زوال نعمة الغير وإن لم تحصل له والغبطة أن يتمنى مثل ما للغير وهو في يكون واجباً إذا كانت النعمة دينية واجبة أو مندوباً كما في تشهير العلم أو مباحاً والحسد مذموم شرعاً وعقلاً. قول: (ولا تَناجشوا) هو تفاعل من النجش وهو إثارة الصيد والمراد إثارة بعضهم بعضاً بالفتنة أو برفع الثمن للمعروض وهو غير راغب بل ليخدع غيره. قوله: (ولا تباغضوا) أي لا تشتغلوا بأسباب العداوة إذ المحبة والعداوة مما لا اختيار فيه وقيل لا توقعوا العداوة والبغضاء بين المسلمين فيكون نهياً عن النميمة لما فيها من تأسيس الفساد. قوله: (ولا تدابروا) أي لا تتكلموا في أدبار اخوانكم بالغيبة والبهتان وقيل لا تقاطعوا لأنه إذا فعل ذلك أعرض كل عن صاحبه وولى دبره وقيل لا تولوا أدباركم استثقالا بل ابسطوا وجوهكم. قوله: (ولا يبع بعضكم على بيع بعض) بأن تدعوا المشتري قبل لزوم البيع إلى الفسخ ليبيع منه مثله. قوله: (وكونوا عباد الله إخوانا) خبر كان وعباد الله منصوب على الاختصاص أو خبر قبل خبر أو على النداء
يعني أنتم مستوون في كونكم عبيد الله وملتكم واحدة فلا تحاسدوا والتباغض والتقاطع منافيان لحالكم وباقي الحديث تقدم الكلام عليه في الباب المذكور. قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) وكذا رواه أبو داود كما أشار إليه المصنف فيما يأتي نقله عنه في
стр. 2369
رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ [كان] في قَلْبهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كبْرٍ، فقال رجل: إن الرجل يحبُّ أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنةً،
ــ
قوله غمط النّاس ورواه الترمذي كما في الترغيب للمنذري وقد رواه الحاكم فقال ولكن الكبر من غمط الحق وازدرى النّاس وقال احتجا برواته. قوله: (لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر) اختلف في تأويله فذكر الخطابي فيه وجهين أحدهما أن المراد التكبر عن الإيمان فصاحبه لا يدخل الجنة أصلاً إذا مات، والثاني أنه لا يكون في قلبه كبر حال دخوله الجنة كما قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ قال المصنف في شرح مسلم وهذان التأويلان فيهما بعد فإن هذا الحديث ورد في سياق النهي عن الكبر المعروف وهو الارتفاع على النّاس واحتقارهم ودفع الحق فلا ينبغي أن يحمل على هذين التأويلين المخرجين له عن المطلوب بل الظاهر ما اختاره القاضي عياض وغيره من المحققين أنه لا يدخلها دون مجازاة إن جازاه وقيل هذا جزاؤه لو جازاه وقد تكرم بأنه لا يجازيه بل لا بد أن يدخل كل الموحدين الجنة إما أولاً وإما ثانياً بعد تعذيب أصحاب الكبائر الذين ماتوا مصرين عليها وقيل لا يدخلها مع المتقين أول وهلة وأما قوله ﷺ لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فالمراد به دخول الكفار وهو دخول الخلود قلت قال القرطبي أولاً يدخل النار المعدة للكفار اهـ. وفي الحديث زيادة الإيمان ونقصه. قوله: (فقال رجل) قال المصنف هذا الرجل هو مالك بن مرارة الرهاوي، قاله القاضي عياض وأشار إليه أبو عمر بن عبد البر وقد جمع الحافظ أبو القاسم بن بشكوال في اسمه أقوالاً من جهات فقيل هو أبو ريحانة واسمه شمعون ذكره ابن الأعرابي وقال علي بن المديني في الطبقات اسمه ربيعة بن عامر وقيل سواد بالتخفيف ابن عمرو ذكره ابن السكن وقيل معاذ بن جبل ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب الخمول، والتواضع وقيل مالك بن مرارة بضم الميم وبراء مكررة آخرها هاء الرهاوي ذكره أبو عبيد في غريب الحديث وقيل عبد الله بن عمرو بن العاص ذكره معمر في جامعه وقيل خريم بن فاتك هذا
стр. 2370
قال: إن اَللهَ جَميل يُحِب الجَمَالَ، الكِبْرُ: بَطَرُ الحَق وغَمْطُ النّاسِ".
قلت: بطر الحقِّ، بفتح الباء والطاء المهملة وهو دفعه وإبطاله، وغمط، بفتح الغين المعجمة وإسكان الميم وآخره طاء مهملة، ويروى: غمص، بالصاد المهملة ومعناهما واحد وهو الاحتقار.
ــ
ما ذكره ابن بشكوال. قوله: (إن الله جميل) اختلفوا في معناه فقيل معناه كل أمره سبحانه حسن جميل فله الأسماء الحسنى وصفات الكمال وقيل جميل بمعنى مجمل ككريم بمعنى مكرم. وقال القشيري معناه مكرم وحكى الخطابي أنه بمعنى ذكر النور والبهجة أي مالكهما وقيل معناه جميل الأفعال بكم والنظر إليكم يكلفكم اليسير ويعين عليه ويثيب عليه الجزيل ويشكر عليه واعلم أن هذا الاسم ورد في الخبر الصحيح ولكنه من أخبار الآحاد وورد أيضاً في حديث الأسماء الحسنى وفي
إسناده مقال والمختار جواز إطلاقه على الله تعالى وقد اختلف أهل السنة في تسمية الله تعالى ووصفه بوصف من أوصاف الكمال والجلال والمدح بما لم يرد به الشرع ولا منعه فأجازه طائفة ومنعه آخرون إلا أن يرد به شرع مقطوع به من نص كتاب أو سنة متواترة أو إجماع على إطلاقه فإن ورد خبر آحاد فقد اختلفوا فيه أجازه طائفة وقالوا الدعاء به والثناء من باب العمل وذلك جائز ومنعه آخرون لكونه راجعاً إلى اعتقاد ما يجوز أو يستحيل عليه تعالى وطريق هذا القطع قال القاضي والصواب جوازه لاشتماله على العمل ولقوله تعالى: ﴿ولِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ اهـ. من شرح مسلم للمصنف ملخصاً. قوله: (دفعه) وإهماله على وجه التكبر والتجبر. قال العاقولي بطر الحق بفتح الموحدة والطاء والراء المهملتين قيل هو أن يجعل ما جعله الله حقاً من توحيده وعبادته باطلاً وقيل هو أن يتجبر عن الحق فلا يقبله والكل قريب ومعنى الحديث أن الهيئة الظاهرة متابعة الباطن فإن لبس أحد ثوباً حسناً ليرى أثر نعمة الله عليه فهو حسن وإن لبسه ليختال ويرى النّاس فضله عليهم احتقاراً لهم فهو قبيح لأنه مختال فخور. قوله: (وغمط النّاس الخ) قال المصنف كذا هو في نسخ صحيح مسلم قال القاضي عياض لم نرو هذا الحديث عن جميع شيوخنا هنا وفي البخاري
стр. 2371
باب غلظ تحريم شهادة الزور
قال الله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي بَكْرة نُفَيع بن الحارث ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أُنَبِّئُكُم بأكْبَرِ الكبائِرِ؟
ــ
إلا بالطاء قال وبالطاء ذكره أبو داود في مصنفه وذكره أبو عيسى الترمذي وغيره غمص بالصاد وهما بمعنى واحد يقال في الفعل منه غمطه يغمطه كضرب يضرب وغمط يغمط كعلم يعلم اهـ.
باب غلظ تحريم شهادة الزور
قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ أي الشرك بالله في تلبيتهم أو شهادة الزور وفي الإكليل قول الزور عام في كل باطل أخرج أحمد والترمذي من حديث خريم بن فاتك أن النبي ﷺ قال عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ثم تلا هذه الآية اهـ. قوله: (ولا تقف ما ليس لك به علم) تقدم الكلام عليها في باب النهي عن الطعن في الأنساب.
قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) وكذا رواه الترمذي. قوله: (أنبئكم) وعند الترمذي أحدثكم دليل على أنه ينبغي للعالم أن يعرض على أصحابه ما يريد أن يخبرهم به وكثيراً ما كان يقع ذلك من المصطفى ﷺ ويحتمل ذلك أموراً منها أن يحدث عندهم قابلية لما يريد إخبارهم به
لاحتمال كونهم مشغولين بشيء آخر ومنها حثهم على التفرغ والاستماع لما يريد إخبارهم به ومنها أن يكون وجد هناك سبب يقتضي التحذير مما يحذرهم أو الحض على الإتيان بما فيه صلاحهم. قوله: (بأكبر الكبائر) اختلف في تعريف الكبيرة والذي عليه عمل الفقهاء من أئمتنا أنها كل ذنب ورد فيه وعيد شديد بحد في الدنيا أو عقوبة في العقبى وقد استشكل بأن أكبر الكبائر لا يكون إلا واحداً وهو الشرك فكيف عدده
стр. 2372
-ثلاثاً- قلنا: بلى يا رسول الله، قال:
الإشْرَاكُ بالله، وعُقُوقُ الوالدَيْنِ" وكان متكئاً فجلس فقال:
ــ
وأجيب بأجوبة أوضحها أن المراد الأكبر النسبي لا الحقيقي وهو يكون متعدداً والأكبر بالنسبة لبقية الكبائر أشياء متعددة أشار إليها وإلى أشباهها الشارع بقوله اتقوا الموبقات فالأكبر هنا لتعدده في الجواب يراد به الأكبر النسبي وأورد أن القتل ظلماً ونحو الزنى أعظم مما ذكر هنا ودفع بأان النبي ﷺ كان يراعي أحوال الحاضرين كما قال مرة أفضل الأعمال الصلاة ومرة أفضل الأعمال الجهاد فاختلاف الأقوال لاختلاف الأحوال. قوله: (ثلاثاً) إنما أعاد هذه الجملة ثلاثاً اهتماماً بشأن الخبر المذكور وأنه أمر له شأن ومن قال إن المراد بقوله ثلاثاً عدد الكبائر وهو حال فقد أبعد عن المرام في هذا المقام والله أعلم. قوله: (قلنا بلى يا رسول الله) بلى أي حدثنا يا رسول الله وفائدة النداء مع عدم الاحتياج إليه الإشارة إلى عظم الإذعان لرسالته المصطفوية وما ينشأ عنها من بيان الشريعة واستجلاب ما عنده من الكمالات العلية. قوله: (الإشراك باللهِ) أي الكفر به وخص الإشراك بالذكر لأنه أغلب أنواع الكفر سيما في بلاد العرب فذكره تنبيهاً على غيره. قوله: (وعقوق الوالدين) وكذا أحدهما لأن عقوق أحدهما يستلزم عقوق الآخر غالباً أو يجر إليه لأن من تجرأ على أحدهما تجرأ على الآخر وقيده في رواية الحاكم بالمسلمين فيحمل ذلك المطلق على هذا المقيد وهو من العق وهو لغة الشق والقطع وشرعاً أن يفعل به ما من شأنه أن يتأذى به تأذياً ليس بالهين في العرف لا بالنسبة للأصل بخصوصه على ما استظهره ابن حجر الهيتمي حتى لو أمر ولده بفراق حليلته أو بعدم فراقها لم تجب طاعته والمراد بالوالدين الأصلان وإن علوا ومال الزركشي الشافعي إلى إلحاق العم والخال بهما ولم يتابع عليه. قوله: (وجلس رسول الله ﷺ ) أي للتنبيه على عظم شهادة الزور وسبب الاهتمام به كون قول الزور أو شهادته أسهل وقوعاً على النّاس والتهاون بهما أكثر فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم والعقوق يصرف عنه الطبع السليم والعقل القويم وأما الزور فالحوامل والبواعث عليه كثيرة
стр. 2373
"ألا وَقَوْلُ الزُّورِ، وشهادَةُ الزُّورِ"
فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت".
قلت:
ــ
كالعداوة والحسد وغيرهما فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه وليس ذلك لتعظيمه بالنسبة إلى ما ذكر معه من الإشراك قطعاً بل لكون مفسدته متعدية إلى الشاهد وغيره أيضاً بخلاف الإشراك بالله فإن مفسدته قاصرة على الفاعل غالباً وقيل خص شاهد الزور بذلك لأنها تشمل الكافر إذ هو شاهد زور وقيل واستوجهه بعضهم إن سببه أنه يترتب عليها الزنى والقتل وغيرهما فكانت أبلغ ضرراً من هذه الحيثية فنبه على ذلك بجلوسه وتكريره ذلك فيها دون غيرها. قوله: (إلا وقول الزور وشهادة الزور) يحتمل أن يكون من عطف الخاص على العام فإن قول الزور أعم من شهادة الزور ويحتمل أن العطف للتفسير وقال ابن دقيق العيد ينبغي أن يحمل على التأكيد ويجعل من باب العطف التفسيري فإنا لو حملنا القول على إطلاقه لزم كون الكذبة الواحدة مطلقاً كبيرة وليس كذلك قال ولا شك أن عظم الكذب مراتبه متفاوتة بحسب تفاوت مراتبه وقال بعضهم يحتمل أن يكون من عطف العام على
الخاص لأن كل قول زور شهادة زور من غير عكس ويحمل قول الزور على نوع منه وفي النهاية الزور بضم الزاي الكذب والباطل والتهمة وقال الطبري أصل الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل لمن سمعه بخلاف ما هو به وقيل للكذب زور لأنه حائل عن جهته قال القرطبي شهادة الزور هي الشهادة بالكذب ليتوصل بها إلى الباطل من إتلاف نفس أو أخذ مال أو تحليل حرام أو تحريم حلال فلا شيء أعظم ضرراً منه ولا أكبر فساداً بعد الشرك بالله ولم يؤخر عنه العقوق لأن العطف بالواو التي لمطلق الجمع وهي لا تدل على الترتيب. قوله: (فما زال يقولها) أي ألا وما بعدها. قوله: (حتى قلنا ليته سكت) تمنوا سكوته شفقة عليه وكراهة لما عجه وخوفاً من أن يجري على لسانه ما يوجب
стр. 2374
والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكرته كفاية، والإجماع منعقد عليه.
باب النهي عن المنِّ بالعطيَّة ونحوها
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] قال
ــ
نزول البلاء عليهم وفي الحديث ما كانوا عليه من الأدب معه ﷺ والمحبة والشفقة عليه وفيه أن الواعظ والمفيد ينبغي له أن يتحرى التكرار والمبالغة وإتعاب النفس في الإفادة حتى يرحمه السامعون والمستفيدون. قوله: (والأحاديث في الباب كثيرة) أورد منها جملة مستكثرة الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب قبيل كتاب الحدود. قوله: (والإجماع منعقد عليه) أي على غلط التحريم المترجم به والله أعلم.
باب النهي عن المن بالعطية ونحوها
المن بالعطية الاعتداد بها على من أعطاه أو يذكرها لمن لا يحب الآخذ إطلاعه عليها وهو مذموم يفسد ثواب العطية. قوله: (بالمن) قال الواحدي هو أن يمن بما أعطى وقال الكلبي بالمن على الله تعالى في صدقته اهـ. وقوله: (والأذى) أي للمتصدق عليه بأن ينهره أو يعيره أو يشتمه فهذا مثل المن في إسقاط الثواب والأجر وليس ظاهر الآية أنه يبطل الأجر المن والأذى معادون أحدهما لأن مدلول الآية طلب اتقاء كل منهما على أن قضية كلام سفيان أنهما متلازمان فإنه قال هما أن تقول قد أعطيت فما شكرت قال السيوطي في الإكليل قال النووي في المجموع يحرم المن بالصدقة فلو من بها بطل ثوابه للآية واستشكل ذلك ابن عطية بأن العقيدة أن السيئات لا تبطل الحسنات وقال غيره تمسك المعتزلة بهذه الآية في أصلهم أن السيئة تبطل الحسنة واستنبط العلم العراقي من هذه الآية دليلاً لقاعدة أن المانع الطارئ كالمقارن لأن الله تعالى جعل طريان المن والأذى بعد الصدقة كمقارنة الرياء لها في الابتداء قال ثم إن الله ضرب مثالين: "أحدهما" للمقارن المبطل في الابتداء في قوله ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ الآية فهذا فيه أن الوابل الذي نزل قارنه الصفوان وهو الحجر الصلد وعليه التراب اليسير فأذهبه الوابل فلم يبق محل يقبل النبات
стр. 2375
المفسرون: أي لا تبطلوا ثوابها.
وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي ذرٍّ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاثةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يوْمَ القِيامَةِ وَلا يَنْظُرُ إلَيهِمْ وَلا يُزكيهِم ولهُمْ عَذَابٌ أليم" فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات، قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: "المُسْبِلُ، والمنَّانُ،
ــ
وينتفع بهذا الوابل كذلك الرياء وعدم
الإيمان إذا قارنا إنفاق المال "الثاني" الطارئ في الدوام وأنه يفسد الشيء من أصله بقوله ﴿أيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ الآية فمعناها إن هذه الجنة لما تعطل الانتفاع بها بالاحتراق عند كبر صاحبها وضعفه وضعف ذريته فهو أحوج ما يكون إليها فكذلك طريان المن والأذى يحبطان أجر المتصدق أحوج ما يكون إليه يوم فقره وفاقته اهـ. قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة كما في الجامع الصغير. قوله: (ثلاثة) أي من النّاس أو أصناف ثلاثة أو هو مبتدأ أو جاز الابتداء به لما ذكر. قوله: (لا يكلمهم الله الخ) قال المصنف هو على لفظ الآية الكريمة قيل معنى لا يكلمهم أي لا يكلمهم تكليم أهل الخير وبإظهار الرضى بل بكلام السخط والغضب وقيل المراد الإعراض عنهم وقال جمهور المفسرين لا يكلمهم كلاماً ينفعهم ويسرهم وقيل لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية ومعنى (لا ينظر إليهم) أي يعرض عنهم ونظره تعالى لعباده رحمته ولطفه بهم ومعنى (لا يزكيهم) لا يطهرهم من دنس الذنوب وقال الزجاجي وغيره معناه لا يثني عليهم (ولهم عذاب أليم) مؤلم قال الواحدي هو العذاب الذي يخلص إلى قلوبهم وجعه قال والعذاب كل ما يعني الإنسان ويشق عليه. قوله: (المسبل) اسم فاعل من الإسبال أي إرخاء نحو الإزار والقميص والعدبة على وجه الخيلاء كما جاء مفسراً في الحديث الآخر لا ينظر الله إلى من يجر ثوبه خيلاء والخيلاء الكبر وهذا التقييد بالجر خيلاء يخصص عموم المسبل ويدل على أن المراد بالوعيد من جره خيلاء قول النبي ﷺ لأبي بكر وقد قال إن أحد شقي إزاري ليسترخي إذا لم أتعاهده لست منهم إذ كان جره لغير الخيلاء بل جاء في رواية إنك لست ممن
стр. 2376
والمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بالْحَلَفِ الكاذِبِ".
باب النهي عن اللعن
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن ثابت بن الضحاك ﵁ وكان من أصحاب الشجرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعْنُ المُؤمِنِ كَقَتْلِهِ".
وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ
ــ
يصنعه خيلاء قوله وجاء في رواية عند مسلم والمنان الذي لا يعطي شيئاً إلا منة. قوله: (بالمحلف) بكسر اللام وإسكانها وممن ذكر الإسكان ابن السكيت في إصلاح المنطق.
باب النهي عن اللعن
قوله: (عن ثابت بن الضحاك وكان من أصحاب الشجرة) هو ثابت بن الضحاك بن أمية ابن ثعلبة بن جشم بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي كذا نسبه ابن منده وأبو نعيم وقال أبو عمر سالم بن عمرو بن عوف بن الخزرج وكنيته أبو زيد كان يسكن الشام ثم انتقل إلى البصرة وهو أخو أبي جبيرة بن الضحاك كان ثابت بن الضحاك رديف النبي ﷺ يوم الخندق ودليله إلى حمراء الأسد يوم أحد وكان ممن بايع تحت الشجرة بيعة الرضوان وكان صغيراً قاله ابن عبد البر
ونظر فيه ابن الأثير بأن من كان دليلاً في حمراء الأسد وهي سنة ثلاث كيف يكون صغيراً في بيعة الرضوان وهي سنة ست ولا يكون الدليل إلا كبيراً وقوله إنه أخو أبي جبيرة غير مستقيم أيضاً لأن أبا جبيرة فيما نسبه ابن عبد البر والكلبي أنصاري أشهلي اهـ. روي له عن رسول الله ﷺ أربعة عشر حديث قاله ابن الجوزي في مختصر التلقيح وقال قال البرقي له أحاديث اتفقا منها على واحد وانفرد مسلم بحديث وخرج له الأربعة روى عنه أبو قلابة وغيره توفي سنة خمس وأربعين. قوله: (لعن المؤمن كقتله) أي في كون كل منهما مؤثماً وإن تفاوتت رتب الإثم.
قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) وكذا رواه غيره ورواه الحاكم ولفظه قال لا يجتمع أن يكون
стр. 2377
قال: "لا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أنْ يَكُونَ لَعَّاناً ".
وروينا في "صحيح مسلم" أيضاً عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعاءَ ولا شُهَدَاءَ
ــ
اللعانون صديقين كذا في الترغيب للمنذري. قوله: (لا ينبغي لصديق أن يكون لعاناً) أي لا ينبغي لمن هذه صفته أن يجعل اللعنة شعاراً له وإنما جاء هنا وفيما بعده بصيغة التكثير ولم يقل لاعناً لأن الذم في الحديث إنما هو لمن كثر منه اللعن لا لمرة ونحوها ولأنه يخرج منه أيضاً اللعن المباح وهو الذي ورد به الشرع وهو ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ لعن الله اليهود والنصارى وغيرهم ممن هو مشهور في الأحاديث الصحيحة.
قوله: (وروينا في صحيح مسلم ايضاً) ورواه أبو داود ولم يقل يوم القيامة كذا في الترغيب للمنذري. قوله: (لا يكون اللعانون) أي الذين صار اللعن شعارهم ودثارهم واشتهروا به لا يكونون (شفعاء) أي في إخوانهم الذين استوجبوا النار لأن الشفاعة طلب خلاص الغير من العذاب واللعنة طلب عذاب الغير فكيف يكون هذا وهما غيران متباينان (ولا شهداء) أي على الأمم بتبلغ الأنبياء ﵈ إليهم الرسالات وقيل لا يكونون شهداء في الدنيا أي لا تقبل شهادتهم لفسقهم وقيل لا يرزقون الشهادة في سبيل الله تعالى قال المصنف ففي الحديث الزجر عن اللعن وأن من تخلق به لا تكون فيه هذه الصفات الحميدة لأن اللعنة في الدعاء يراد بها الإبعاد من رحمة الله تعالى وليس الدعاء بهذا من أخلاق المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى بالرحمة بينهم والتعاون على البر والتقوى وجعلهم كالبنيان يشد بعضه بعضاً فمن دعا على أخيه المسلم باللعنة وهي الإبعاد من رحمة الله تعالى فهو من نهاية المقاطعة والمدابرة وهذا غاية ما يؤديه المسلم للكافر ويدعو عليه به وقال ابن القيم في بدائع الفوائد إنما لم يكونوا شفعاء يوم القيامة لأن اللعنة إساءة من أبلغ الإساءة والشفاعة إحسان فالمسيء في هذه الدار باللعن يسلبه الله الإحسان في الآخرة بالشفاعة فإن الإنسان إنما يحصد ما يزرع والإساءة مانعة من الشفاعة التي هي إحسان، وأما منع
стр. 2378
يَوْمَ القِيَامَةِ".
وروينا في سنن أبي داود والترمذي عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَلاعَنُوا بِلَعْنَةِ اللهِ وَلا بِغَضَبِهِ وَلا بالنَّارِ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وروينا في كتاب الترمذي عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لَيْسَ المُؤمِنُ بالطَّعَّانِ ولاَ اللَّعانِ وَلا الفاحِشِ وَلا البَذِيء" قال الترمذي: حديث حسن.
وروينا في سنن أبي داود عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ العَبْدَ إذَا لَعَنَ شَيئاً
ــ
اللعنة من الشهادة فإن اللعنة عداوة وهي منافية للشهادة ولذا كان ﷺ سيد الشفعاء وشفيع الخلائق لكمال إحسانه ورحمته ورأفته بهم اهـ.
قوله: (وروينا في سنن أبي داود والترمذي) قال المنذري في الترغيب ورواه الحاكم وقال صحيح الإسناد ورووه كلهم من رواية سليم بن البصري عن سمرة بن جندب واختلف في سماعه منه. قوله: (لا تلاعنوا بلعنة الله) أي نحو قول النّاس بعضهم لبعض لعنه الله أو عليه غضب الله أو أدخله الله جهنم أو النار وهو من باب عموم المجاز لأنه في بعض فراده حقيقة وفي بعضها مجاز وهذا مختص بالمعين لأن اللعن بالوصف الأعم جائز نحو ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
قوله: (وروينا في كتاب الترمذي الخ) هو حديث صحيح أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وابن حبان والحاكم كلهم عن ابن مسعود. قوله: (بالطعان) أي في الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع. قوله: (ولا الفاحش) أي ذي الفحش في كلامه وأفعاله. قوله: (ولا البذي) أي من البذاء الفحش فهو من عطف الرديف. قوله: (وقال حديث حسن) رمز السيوطي في جامعه الصغير علامة الصحة على الحديث ولا ينافي كلام الترمذي لاحتمال أن صحته لغيره وحسنه لذاته أو أن الصحة باعتبار إسناده والحسن باعتبار آخر. قوله: (لعن شيئاً) عام في كل
стр. 2379
صَعِدَتِ اللعنَةُ إلى السَّماءِ فَتغلَقُ أبْوَابُ السَّماءِ دُونَهَا، ثم تَهْبِطُ إلى الأرْضِ فَتُغْلَقُ أبْوَابُها دُونَها، ثم تأخُذ يَمِيناً وشِمَالاً، فإذَا لم تَجِدْ مَساغاً رَجَعَتْ إلى الذِي لُعِنَ، فإنْ كانَ أهْلاً لِذَلِكَ وإلاَّ رَجَعَتْ إلى قائِلِها".
وروينا في كتابي أبي داود والترمذي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "من لَعَنَ شَيئاً لَيْسَ لَه بأهْل رَجَعَتِ اللعْنَةُ عَلَيهِ".
وروينا في "صحيح مسلم" عن عمران بن الحصين ﵄، قال: "بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضَجِرَتْ فلعنتها، فسمعها رسول الله ﷺ فقال: "خُذُوا ما عَلَيها ودَعوهَا فإنَّها ملعُونَةٌ".
قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في
ــ
شيء من إنسان وغيره. قوله: (صعدت) بكسر العين. قوله: (مساغا) بفتح الميم وبالمهملة وبعد الألف معجمة أي مدخلا وعدم وجدانها المدخل في السماء والأرض لغلق أبوابها دونها. قوله: (فإن كان أهلاً لذلك) شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه أي رجعت إليه وذلك بأن كان الملعون مات على الكفر أو كانت اللعنة لذي وصف مذموم على الجملة نحو "ألا لعنة الله على الفاسقين". قوله: (وإلا) أي وإن لم يكن الذي لعن أهلاً لذلك (رجعت إلى قائلها) أي بالطرد والوبال.
قوله: (وروينا في كتابي أبي داود والترمذي) قال المنذري في الترغيب ورواه ابن حبان في صحيحه وقال الترمذي حديث غريب لا نعلم أحداً أسنده غير بشر وبشر هذا هو الزهراني ثقة احتج به البخاري ومسلم وغيرهما ولا أعلم فيهم مجروحاً اهـ. قوله: (وليس له بأهل) أي ليس ذلك الشيء بمستحق في نفس الأمر له أي للمعنى المدلول عليه بلعن.
قوله: (وروينا في صحيح مسلم) قال المنذري ورواه غيره. قوله: (خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة) وفي الرواية الآتية بعده عن أبي هريرة لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة قال المصنف في شرح مسلم إنما قال هذا زجراً لها ولغيرها وكان قد سبق نهيها ونهي غيرها عن اللعن فعوقبت بإرسال الناقة والمراد النهي عن مصاحبته تلك الناقة في الطريق وأما بيعها ونحوه وركوبها في غير مصاحبته ﷺ وغير ذلك من التصرفات التي كانت جائزة قبل
стр. 2380
النّاس ما يعرض لها أحد.
قلت: اختلف العلماء في إسلام حصين والد عمران وصحبته، والصحيح: إسلامه وصحبته، فلهذا قلتُ: ﵄.
وروينا في "صحيح مسلم" أيضاً عن أبي برزة ﵁، قال: "بينما جارية على ناقة عليها بعض متاع القوم، إذ بَصُرَتْ بالنبي ﷺ وتضايق بهم الجبل، فقالت: حَلْ اللَّهُم العنها، فقال النبي ﷺ : "لا تُصَاحِبُنا ناقَةٌ عَلَيها لَعْنَةٌ" وفي رواية: "لا تُصَاحِبُنا راحِلَةٌ عَلَيها لَعنَةٌ مِنَ اللهِ تعالى".
قلت: حَلْ بفتح الحاء المهملة وإسكان اللام، وهي كلمة تزجر بها الإبل.
فصل في جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين والمعروفين
ــ
هذا فهي باقية على الجواز لأن الشرع إنما ورد بالنهي عن المصاحبة فبقي الباقي كما كان اهـ. قال ابن حجر الهيتمي في الزواجر واستفيد من الأحاديث المذكورة في لعن الدواب أنه حرام وبه صرح أئمتنا والظاهر أنه صغيرة إذ ليس فيه مفسدة عظيمة ومعاقبته ﷺ لمن لعنت ناقتها بتركها لها تعزيراً وتأديباً لا يدل على أن ذلك بمجرده كبيرة لا سيما وفي علل الأمر بالترك في حديث آخر بأن دعوته باللعن علي دابته أجيبت ثم نقل عن بعضهم القول بأنه كبيرة ونظر فيه وقال الأوجه ما قلناه من أن لعن الدابة صغيرة اهـ. ومن هذا الحديث أخذ بعضهم جواز التعزير بأخذ المال. قوله: (اختلف العلماء في إسلام حصين) تقدم ذكر إسلامه عن المحدثين والحفاظ في ترجمة ولده عمران في كتاب إذكار المرض والموت. قوله: (وروينا في صحيح مسلم أيضاً). قوله: . (وهي كلمة تزجر بها الإبل) وقال المصنف في شرح مسلم هي كلمة زجر للإبل واستحثاث يقال حل حل بإسكان اللام فيهما قال القاضي ويقال أيضاً حل حل بكسر اللام فيهما بالتنوين وبغير التنوين.
باب في جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين والمعروفين
стр. 2381
ثبت في الأحاديث الصحيحة المشهورة، أن رسول الله ﷺ "قال: لَعَنَ اللهُ الواصلَةَ والمُسْتَوصِلَةَ ... " الحديث.
وأنه قال: "لَعَنَ الله آكِلَ الرِّبا ... " الحديث.
وأنه قال: "لَعَنَ اللهُ المُصَوِّرِين ... ".
وأنه قال: "لَعَنَ الله مَنْ غيَّر مَنارَ الأرض".
ــ
وفي نسخة فضل بدل الباب. قوله: (لعن الله الواصلة والمستوصلة) أخرج أحمد والشيخان وأصحاب السنن الأربعة كما في الجامع الصغير عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة، والواصلة التي تصل شعرها بآخر ليطول والمستوصلة من تطلب من يفعل بها ذلك وحكم وصل الشعر أنه إذا كان بشعر نجس أو طاهر من آدمي حرم مطلقاً وإن كان طاهراً من غير آدمي فإن أذن لها حليلها جاز وإلا فلا وإن لم تكن ذات حليل فلا يحرم لها الوصل، والوشم غرز نحو إبرة في البدن حتى يسيل الدم ثم يحشى ذلك الموضع بكحل أو نورة ليخضر والواشمة فاعلة الوشم والمستوشمة طالبة فعل ذلك بها. قوله: (لعن الله آكل الربا) الذي رأيته في مسلم عن ابن مسعود قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله ورواه أبو داود وابن حبان وزادوا فيه وشاهديه وكاتبه وفي سندهم انقطاع بين عبد الرحمن ووالده عبد الله بن مسعود فإنه لم يسمع منه وفيه عن جابر بن عبد الله قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه وقال هم سواء ومثله لفظ البخاري كما سيجيء ولعل ذلك مراد الشيخ ﵀ ثم الربا من الكبائر بالإجماع. قوله: (وأنه قال لعن الله المصورين) في البخاري في أبواب الربا وفي أبواب من لعن المصور من جملة حديث علي جحيفة ولعن أي النبي ﷺ آكل الربا وموكله والواشمة والمستوشمة والمصور قال المصنف في شرح مسلم قال أصحابنا وغيرهم من العلماء تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وأما تصوير الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام. قوله: (وأنه قال لعن الله من غير منار الأرض) رواه أحمد ومسلم والنسائي من حديث علي عن النبي ﷺ والمراد بالمنار أعلام الطريق فإن فيه إتعاب المسلمين بإضلالهم الطريق وقيل المراد منه إدخال أرض الغير في أرضه فيكون في معنى
стр. 2382
وأنه قال: "لَعَنَ الله السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ".
وأنه قال: "لَعَنَ اللهُ مَنْ لعَنَ والدَيْهِ، ولعَنَ الله مَنْ ذَبَحَ لغَيرِ اللهِ".
ــ
الغاصب والمنار العلم والحد بين الأرضين وأصله من الظهور. قوله: (وأنه قال لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده) رواه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ وتتمته ويسرق الحبل فتقطع يده ثم هذا الحديث قيل إنه منسوخ وأنه كان يقطع سرقة التافه كالحبل والبيضة ثم نسخ ذلك نقله البيضاوي في شرح المصابيح وقيل المراد بالبيضة بيضة الحديد وبالحبل حبل السفينة وكل واحد منهما يساوي أكثر من ربع دينار وأنكر المحققون هذا
وضعفوه بأن حبل السفينة وبيضة الحرب لهما قيمة ظاهرة وليس هذا السياق موضع استعمالها بل بلاغة الكلام تأباه لأنه لا يذم في العرف من خاطر بيده في شيء له قدر إنما يذم من خاطر بها فيما لا قدر له فهو موضع تقليل لا تكثير والصواب أن المراد التنبيه على عظيم ما خسر وهو يده في مقابلة حقير من المال وهو ربع دينار فإنه يشارك البيضة والحبل في الحقارة أو أراد جنس البيض وجنس الحبال أنه إذا سرق البيضة فلم يقطع جره ذلك إلى سرقة ما هو أكثر منها فيقطع فكانت سرقة البيضة هي سبب قطعه أو أن المراد يسرق البيضة والحبل فيقطعه بعض الولاة سياسة لا قطعاً جائزاً شرعياً وقيل إن النبي ﷺ قال هذا عند نزول آية السرقة مجملة من غير نصاب فقال هذا على ظاهر اللفظ اهـ. من شرح مسلم للمصنف. قوله: (وأنه قال لعن الله من لعن والديه ولعن الله من ذبح لغير الله) هو حديث واحد وآخره ولعن الله من آوى محدثاً ولعن الله من غير منار الأرض رواه أحمد ومسلم والنسائي من حديث علي مرفوعاً كما تقدم وفي الصحيحين من حديث ابن عمر إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه قيل وكيف يلعن الرجل والديه قال يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه وفي رواية لهما من الكبائر شتم الرجل والديه قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه قال نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه وسب الوالدين إذا كان من الكبائر بالتسبب فسبهما بالمباشرة أشد
стр. 2383
وأنه قال: "مَنْ أحدَثَ فينا حدَثاً، أوْ آوَى مُحدِثاً، فعَلَيْهِ لعنَةُ الله والملائكَةِ والناسِ أجمَعِينَ".
وأنه قال: "اللهم العَنْ رِعلاً وذكْوانَ وعُصَيَّةَ عصَتِ اللهَ ورَسُولَهُ"، وهذه ثلاث قبائل من العرب.
وأنه قال: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيهِمُ الشُّحُومُ فباعُوها".
وأنه قال: "لَعَنَ الله اليَهودَ والنَّصارى اتَّخَذُوا قُبورَ
ــ
وأعظم في العقوق، والذبح لغير الله المراد به أن يذبح باسم غير الله من صنم أو صليب أو كعبة فكله حرام ولا تحل هذه الذبيحة مسلماً كان الذابح أو نصرانياً أو يهودياً بل إن قصد به تعظيم المذبوح له غير الله تعالى كان ذلك كفراً فإن كان قبل ذلك مسلماً صار بذلك مرتداً كذا في شرح مسلم للمصنف. قوله: (وأنه قال) أي فيما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس (من أحدث فيها) أي المدينة. قوله: (أو آوى) بالمد على الأفصح. قوله: (محدثاً) قال القاضي لم نروه إلا بكسر الدال وقال المازري بوجهين كسر الدال وفتحها قال فمن فتح أراد لإحداث نفسه ومن كسر أراد فاعل الحدث. قوله: (فعليه لعنة الله الخ) هذا وصف شديد لمن ارتكب هذا قال القاضي عياض واستدلوا بالحديث على أن هذا من الكبائر لأن اللعنة لا تكون إلا في كبيرة ومعناه أن الله يلعنه وكذا تلعنه الملائكة والناس أجمعون وهذا مبالغة في إبعاده عن رحمة الله فإن اللعن في اللغة هو الطرد والإبعاد قالوا والمراد باللعن هنا العذاب الذي يستحقه على ذنبه والطرد عن الجنة أول الأمر وليس هو كلعنة الكفار الذين يبعدون من رحمة الله كل الإبعاد اهـ. قوله: (وأنه قال اللهم العن رعلا) تقدم تخريجه في القنوت في كتاب الصلاة. قوله: (وأنه قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم
الخ) رواه الشيخان بلفظ قاتل الله اليهود الخ. وقوله: (فباعوها) أي بعد أن أجملوها والإجمال الإذابة يقال أجمل الشحم وجمله أي أذابه. قوله: (وأنه قال لعن الله اليهود والنصارى) رواه الشيخان وأبو داود والنسائي من حديث عائشة. وقوله: (أتخذوا الخ) علة للعنهم وذلك لأنها إن نبشت قبور الأنبياء لاتخاذ مكانها مسجداً فلما فيه من الاستهانة وإن لم تنبش فلما فيه من المغالاة والتعظيم الممنوع منه وكل منهما مذموم ويلحق بالأنبياء أتباعهم بخلاف الكفرة
стр. 2384
أنبيائِهِمْ مسَاجِدَ".
وأنه قال: "لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال" وجميع هذه الألفاظ في "صحيحي البخاري ومسلم" بعضها فيهما، وبعضها في أحدهما، وإنما أشرت إليها ولم أذكر طرقها للاختصار.
وروينا في "صحيح مسلم" عن جابر، أن النبي ﷺ رأى حماراً قد وُسِمَ في وجهه فقال: " لَعَن اللهُ الذي وَسَمَهُ".
وفي "الصحيحين" أن ابن عمر ﵄ مرَّ بفتيان من قريش
ــ
فلا حرج في نبش قبورهم لانتفاء العلتين وبه يعلم أنه لا تعارض بين نبشه قبور الكفار واتخاذ مسجده مكانه وبين لعنه من اتخذ قبور الأنبياء مساجد ثم إن البخاري اقتصر على اليهود في كتاب المساجد وقال في الجنائز وغيرها لعن الله اليهود والنصارى لكن تعليلهم باتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد لا يتأتى في النصارى لأنهم لا يزعمون نبوة عيسى ولا موته حتى يكون له قبر بل يزعمون أنه ابن الله تعالى أو إله أو غير ذلك على اختلاف مللهم الباطلة كذا في تحفة القارئ. قوله: (وأنه لعن المتشبهين من الرجال بالنساء الخ) رواه البخاري ومسلم وقد بينا عقب كل حديث من خرجه منهما أو من أحدهما أو من غيرهما.
قوله: (روينا في صحيح مسلم الخ) ورواه الطبراني مختصراً من حديث جابر لعن الله من يسم في الوجه. قوله: (لعن الله الذي وسمه) قال المصنف في شرح مسلم الوسم في الوجه منهي عنه بالإجماع للحديث أما الآدمي فوسمه حرام مطلقاً لكرامته ولأنه لا حاجة به إليه فلا يجوز تعذيبه وأما غير الآدمي فقال جماعة من أصحابنا إنه يكره وقال البغوي من أصحابنا لا يجوز فأشار إلى تحريمه وهو الأظهر لأن النبي ﷺ لعن فاعله واللعن يقتضي التحريم وأما وسم غير الوجه من غير الآدمي فجائز بلا خلاف لكن يستحب في نعم الجزية والزكاة ولا يستحب في غيرهما ولا ينهى عنه قال أهل اللغة الوسم أثر كية يقال بعير موسوم وقد وسمه يسمه وسماً وسمة والميسم الشيء الذي يوسم به وهو بكسر الميم وفتح السين جمعه مياسم ومواسم وأصله كله من السمة وهي العلامة ومنه موسم الحج أي معلم لجمع النّاس اهـ.
قوله: (بفتيان) بكسر الفاء وسكون الفوقية بعدها تحتية
стр. 2385
قد نصبوا طيراً وهم يرمونه فقال ابن عمر: لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ مَنِ اتَّخَذَ شيئاً فيهِ الرُّوحُ غَرَضاً".
فصل: اعلم أن لعن المسلم المصون حرام بإجماع المسلمين، ويجوز لعن أصحاب الأوصاف المذمومة، كقولك: لعن الله الظالمين، لعن الله الكافرين، لعن الله اليهود والنصارى، لعن الله الفاسقين، لعن الله المصوِّرين، ونحو ذلك، كما تقدم في الفصل السابق.
وأما لعن الإنسان بعينه ممن اتصف بشيء من المعاصي كيهودي، أو نصراني، أو ظالم، أو زانٍ أو مصوّرٍ، أو سارق، أو آكل ربا، فظواهر الأحاديث أنه ليس بحرام. وأشار الغزالي إلى تحريمه إلا في حقِّ من عَلِمْنا أنه مات على الكفر، كأبي لهب، وأبي جهل، وفرعون، وهامان، وأشباههم، قال: لأن اللعن هو الإبعاد عن رحمة الله تعالى، وما ندري ما يختم به لهذا الفاسق أو الكافر، قال:
ــ
وبعد الألف نون جمع فتى ويجمع على فتية أيضاً قال تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا﴾ وقال إذ أوى الفتية ذكره الراغب في مفرداته. قوله: (قد
نصبوا طيراً وهم يرمونه) قال المصنف هكذا هو في النسخ طيراً المراد به واحد والمشهور في اللغة أن الواحد يقال له طائر والجمع طير وفي لغة قليلة إطلاق الطير على الطير الواحد وهذا الحديث جار على تلك اللغة. قوله: (من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً) أي يرمى إليه كالغرض من الجلود وغيرها وهو حرام لما فيه من تعذيب الحيوان وإتلاف نفسه وتضييع ماليته وتفويت ذكاته إن كان مذكى ومنفعته إن لم يكن مذكى.
فصل
وفي نسخة باب. قوله: (إما لعن إنسان بعينه ممن اتصف بشيء من المعاصي الخ) قال الحافظ ابن حجر واحتج شيخنا الإِمام البلقيني على ما قاله المهلب من جواز لعن المعين بالحديث الوارد في المرأة إذا دعاها زوجها إلى فراشه فأبت
следующие страницы →