← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

ثبت في الأحاديث الصحيحة المشهورة، أن رسول الله ﷺ "قال: لَعَنَ اللهُ الواصلَةَ والمُسْتَوصِلَةَ ... " الحديث. وأنه قال: "لَعَنَ الله آكِلَ الرِّبا ... " الحديث. وأنه قال: "لَعَنَ اللهُ المُصَوِّرِين ... ". وأنه قال: "لَعَنَ الله مَنْ غيَّر مَنارَ الأرض". ــ وفي نسخة فضل بدل الباب. قوله: (لعن الله الواصلة والمستوصلة) أخرج أحمد والشيخان وأصحاب السنن الأربعة كما في الجامع الصغير عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة، والواصلة التي تصل شعرها بآخر ليطول والمستوصلة من تطلب من يفعل بها ذلك وحكم وصل الشعر أنه إذا كان بشعر نجس أو طاهر من آدمي حرم مطلقاً وإن كان طاهراً من غير آدمي فإن أذن لها حليلها جاز وإلا فلا وإن لم تكن ذات حليل فلا يحرم لها الوصل، والوشم غرز نحو إبرة في البدن حتى يسيل الدم ثم يحشى ذلك الموضع بكحل أو نورة ليخضر والواشمة فاعلة الوشم والمستوشمة طالبة فعل ذلك بها. قوله: (لعن الله آكل الربا) الذي رأيته في مسلم عن ابن مسعود قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله ورواه أبو داود وابن حبان وزادوا فيه وشاهديه وكاتبه وفي سندهم انقطاع بين عبد الرحمن ووالده عبد الله بن مسعود فإنه لم يسمع منه وفيه عن جابر بن عبد الله قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه وقال هم سواء ومثله لفظ البخاري كما سيجيء ولعل ذلك مراد الشيخ ﵀ ثم الربا من الكبائر بالإجماع. قوله: (وأنه قال لعن الله المصورين) في البخاري في أبواب الربا وفي أبواب من لعن المصور من جملة حديث علي جحيفة ولعن أي النبي ﷺ آكل الربا وموكله والواشمة والمستوشمة والمصور قال المصنف في شرح مسلم قال أصحابنا وغيرهم من العلماء تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وأما تصوير الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام. قوله: (وأنه قال لعن الله من غير منار الأرض) رواه أحمد ومسلم والنسائي من حديث علي عن النبي ﷺ والمراد بالمنار أعلام الطريق فإن فيه إتعاب المسلمين بإضلالهم الطريق وقيل المراد منه إدخال أرض الغير في أرضه فيكون في معنى

стр. 2382

وأنه قال: "لَعَنَ الله السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ". وأنه قال: "لَعَنَ اللهُ مَنْ لعَنَ والدَيْهِ، ولعَنَ الله مَنْ ذَبَحَ لغَيرِ اللهِ". ــ الغاصب والمنار العلم والحد بين الأرضين وأصله من الظهور. قوله: (وأنه قال لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده) رواه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ وتتمته ويسرق الحبل فتقطع يده ثم هذا الحديث قيل إنه منسوخ وأنه كان يقطع سرقة التافه كالحبل والبيضة ثم نسخ ذلك نقله البيضاوي في شرح المصابيح وقيل المراد بالبيضة بيضة الحديد وبالحبل حبل السفينة وكل واحد منهما يساوي أكثر من ربع دينار وأنكر المحققون هذا وضعفوه بأن حبل السفينة وبيضة الحرب لهما قيمة ظاهرة وليس هذا السياق موضع استعمالها بل بلاغة الكلام تأباه لأنه لا يذم في العرف من خاطر بيده في شيء له قدر إنما يذم من خاطر بها فيما لا قدر له فهو موضع تقليل لا تكثير والصواب أن المراد التنبيه على عظيم ما خسر وهو يده في مقابلة حقير من المال وهو ربع دينار فإنه يشارك البيضة والحبل في الحقارة أو أراد جنس البيض وجنس الحبال أنه إذا سرق البيضة فلم يقطع جره ذلك إلى سرقة ما هو أكثر منها فيقطع فكانت سرقة البيضة هي سبب قطعه أو أن المراد يسرق البيضة والحبل فيقطعه بعض الولاة سياسة لا قطعاً جائزاً شرعياً وقيل إن النبي ﷺ قال هذا عند نزول آية السرقة مجملة من غير نصاب فقال هذا على ظاهر اللفظ اهـ. من شرح مسلم للمصنف. قوله: (وأنه قال لعن الله من لعن والديه ولعن الله من ذبح لغير الله) هو حديث واحد وآخره ولعن الله من آوى محدثاً ولعن الله من غير منار الأرض رواه أحمد ومسلم والنسائي من حديث علي مرفوعاً كما تقدم وفي الصحيحين من حديث ابن عمر إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه قيل وكيف يلعن الرجل والديه قال يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه وفي رواية لهما من الكبائر شتم الرجل والديه قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه قال نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه وسب الوالدين إذا كان من الكبائر بالتسبب فسبهما بالمباشرة أشد

стр. 2383

وأنه قال: "مَنْ أحدَثَ فينا حدَثاً، أوْ آوَى مُحدِثاً، فعَلَيْهِ لعنَةُ الله والملائكَةِ والناسِ أجمَعِينَ". وأنه قال: "اللهم العَنْ رِعلاً وذكْوانَ وعُصَيَّةَ عصَتِ اللهَ ورَسُولَهُ"، وهذه ثلاث قبائل من العرب. وأنه قال: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيهِمُ الشُّحُومُ فباعُوها". وأنه قال: "لَعَنَ الله اليَهودَ والنَّصارى اتَّخَذُوا قُبورَ ــ وأعظم في العقوق، والذبح لغير الله المراد به أن يذبح باسم غير الله من صنم أو صليب أو كعبة فكله حرام ولا تحل هذه الذبيحة مسلماً كان الذابح أو نصرانياً أو يهودياً بل إن قصد به تعظيم المذبوح له غير الله تعالى كان ذلك كفراً فإن كان قبل ذلك مسلماً صار بذلك مرتداً كذا في شرح مسلم للمصنف. قوله: (وأنه قال) أي فيما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس (من أحدث فيها) أي المدينة. قوله: (أو آوى) بالمد على الأفصح. قوله: (محدثاً) قال القاضي لم نروه إلا بكسر الدال وقال المازري بوجهين كسر الدال وفتحها قال فمن فتح أراد لإحداث نفسه ومن كسر أراد فاعل الحدث. قوله: (فعليه لعنة الله الخ) هذا وصف شديد لمن ارتكب هذا قال القاضي عياض واستدلوا بالحديث على أن هذا من الكبائر لأن اللعنة لا تكون إلا في كبيرة ومعناه أن الله يلعنه وكذا تلعنه الملائكة والناس أجمعون وهذا مبالغة في إبعاده عن رحمة الله فإن اللعن في اللغة هو الطرد والإبعاد قالوا والمراد باللعن هنا العذاب الذي يستحقه على ذنبه والطرد عن الجنة أول الأمر وليس هو كلعنة الكفار الذين يبعدون من رحمة الله كل الإبعاد اهـ. قوله: (وأنه قال اللهم العن رعلا) تقدم تخريجه في القنوت في كتاب الصلاة. قوله: (وأنه قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم الخ) رواه الشيخان بلفظ قاتل الله اليهود الخ. وقوله: (فباعوها) أي بعد أن أجملوها والإجمال الإذابة يقال أجمل الشحم وجمله أي أذابه. قوله: (وأنه قال لعن الله اليهود والنصارى) رواه الشيخان وأبو داود والنسائي من حديث عائشة. وقوله: (أتخذوا الخ) علة للعنهم وذلك لأنها إن نبشت قبور الأنبياء لاتخاذ مكانها مسجداً فلما فيه من الاستهانة وإن لم تنبش فلما فيه من المغالاة والتعظيم الممنوع منه وكل منهما مذموم ويلحق بالأنبياء أتباعهم بخلاف الكفرة

стр. 2384

أنبيائِهِمْ مسَاجِدَ". وأنه قال: "لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال" وجميع هذه الألفاظ في "صحيحي البخاري ومسلم" بعضها فيهما، وبعضها في أحدهما، وإنما أشرت إليها ولم أذكر طرقها للاختصار. وروينا في "صحيح مسلم" عن جابر، أن النبي ﷺ رأى حماراً قد وُسِمَ في وجهه فقال: " لَعَن اللهُ الذي وَسَمَهُ". وفي "الصحيحين" أن ابن عمر ﵄ مرَّ بفتيان من قريش ــ فلا حرج في نبش قبورهم لانتفاء العلتين وبه يعلم أنه لا تعارض بين نبشه قبور الكفار واتخاذ مسجده مكانه وبين لعنه من اتخذ قبور الأنبياء مساجد ثم إن البخاري اقتصر على اليهود في كتاب المساجد وقال في الجنائز وغيرها لعن الله اليهود والنصارى لكن تعليلهم باتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد لا يتأتى في النصارى لأنهم لا يزعمون نبوة عيسى ولا موته حتى يكون له قبر بل يزعمون أنه ابن الله تعالى أو إله أو غير ذلك على اختلاف مللهم الباطلة كذا في تحفة القارئ. قوله: (وأنه لعن المتشبهين من الرجال بالنساء الخ) رواه البخاري ومسلم وقد بينا عقب كل حديث من خرجه منهما أو من أحدهما أو من غيرهما. قوله: (روينا في صحيح مسلم الخ) ورواه الطبراني مختصراً من حديث جابر لعن الله من يسم في الوجه. قوله: (لعن الله الذي وسمه) قال المصنف في شرح مسلم الوسم في الوجه منهي عنه بالإجماع للحديث أما الآدمي فوسمه حرام مطلقاً لكرامته ولأنه لا حاجة به إليه فلا يجوز تعذيبه وأما غير الآدمي فقال جماعة من أصحابنا إنه يكره وقال البغوي من أصحابنا لا يجوز فأشار إلى تحريمه وهو الأظهر لأن النبي ﷺ لعن فاعله واللعن يقتضي التحريم وأما وسم غير الوجه من غير الآدمي فجائز بلا خلاف لكن يستحب في نعم الجزية والزكاة ولا يستحب في غيرهما ولا ينهى عنه قال أهل اللغة الوسم أثر كية يقال بعير موسوم وقد وسمه يسمه وسماً وسمة والميسم الشيء الذي يوسم به وهو بكسر الميم وفتح السين جمعه مياسم ومواسم وأصله كله من السمة وهي العلامة ومنه موسم الحج أي معلم لجمع النّاس اهـ. قوله: (بفتيان) بكسر الفاء وسكون الفوقية بعدها تحتية

стр. 2385

قد نصبوا طيراً وهم يرمونه فقال ابن عمر: لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ مَنِ اتَّخَذَ شيئاً فيهِ الرُّوحُ غَرَضاً". فصل: اعلم أن لعن المسلم المصون حرام بإجماع المسلمين، ويجوز لعن أصحاب الأوصاف المذمومة، كقولك: لعن الله الظالمين، لعن الله الكافرين، لعن الله اليهود والنصارى، لعن الله الفاسقين، لعن الله المصوِّرين، ونحو ذلك، كما تقدم في الفصل السابق. وأما لعن الإنسان بعينه ممن اتصف بشيء من المعاصي كيهودي، أو نصراني، أو ظالم، أو زانٍ أو مصوّرٍ، أو سارق، أو آكل ربا، فظواهر الأحاديث أنه ليس بحرام. وأشار الغزالي إلى تحريمه إلا في حقِّ من عَلِمْنا أنه مات على الكفر، كأبي لهب، وأبي جهل، وفرعون، وهامان، وأشباههم، قال: لأن اللعن هو الإبعاد عن رحمة الله تعالى، وما ندري ما يختم به لهذا الفاسق أو الكافر، قال: ــ وبعد الألف نون جمع فتى ويجمع على فتية أيضاً قال تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا﴾ وقال إذ أوى الفتية ذكره الراغب في مفرداته. قوله: (قد نصبوا طيراً وهم يرمونه) قال المصنف هكذا هو في النسخ طيراً المراد به واحد والمشهور في اللغة أن الواحد يقال له طائر والجمع طير وفي لغة قليلة إطلاق الطير على الطير الواحد وهذا الحديث جار على تلك اللغة. قوله: (من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً) أي يرمى إليه كالغرض من الجلود وغيرها وهو حرام لما فيه من تعذيب الحيوان وإتلاف نفسه وتضييع ماليته وتفويت ذكاته إن كان مذكى ومنفعته إن لم يكن مذكى. فصل وفي نسخة باب. قوله: (إما لعن إنسان بعينه ممن اتصف بشيء من المعاصي الخ) قال الحافظ ابن حجر واحتج شيخنا الإِمام البلقيني على ما قاله المهلب من جواز لعن المعين بالحديث الوارد في المرأة إذا دعاها زوجها إلى فراشه فأبت

стр. 2386

وأما الذين لعنهم رسول الله ﷺ بأعيانهم، فيجوز أنه ﷺ عَلِمَ موتَهم على الكفر، قال: ويقرب من اللعن الدعاء على الإنسان بالشر حتى الدعاء على ــ لعنها الملائكة حتى تصبح وتوقف فيه بعض من لقيناه فإن اللاعن هنا الملائكة فيتوقف الاستدلال به على جواز التأسي بهم وعلى التسليم فليس في الخبر تسميتها والذي قاله شيخنا أقوى فإن الملك معصوم والتأسي بالمعصوم مشروع والبحث في جواز لعن المعين وهو موجود اهـ. قال العلقمي في شرح الجامع الصغير لعل قول الملائكة اللهم العن فلانة الممتنعة من فراش زوجها أو هذه الممتنعة الخ فهي معينة بالاسم أو بالإشارة إليها فيتجه ما قاله البلقيني لأن قوله ﷺ لعنتها الضمير يخصها فلا بد من صفة تميزها وذلك إما بالاسم أو بالإشارة إليها اهـ. وبه يجاب عما قال الجلال البلقيني بحثت معه يعني مع السراج البلقيني في ذلك باحتمال أن يكون لعن الملائكة ليس بالخصوص بل بالعموم بأن يقولوا لعن الله من باتت مهاجرة فراش زوجها قال ابن حجر في الزواجر ولو استدل لذلك بخبر مسلم أنه ﷺ من بحمار وسم في وجهه فقال من فعل هذا لعن الله من فعل هذا لكان أظهر إذ الإشارة بقوله هذا صريحه في لعن معين إلا أن يؤول بأن المراد جنس فاعل ذلك لا هذا المعين وفيه ما فيه اهـ. قال العلقمي ونقل القاضي عياض عن بعضهم جواز لعن المعين ما لم يحد لأن الحد كفارة قال وهذا ليس بسديد لثبوت النهي عن اللعن فحمله على المعين أولى ثم نقل العلقمي عن الحافظ أنه نظر في استدلال المهلب على جواز لعن المعين بالحديث المذكور وقال الحق إن من منع اللعن أراد به معناه اللغوي من الإبعاد من رحمة الله ولهذا لا يليق أن يدعى به على المسلم بل يطلب له الهداية والتوبة والرجوع عن المعصية ومن أجاز أراد به معناه العرفي وهو مطلق السب ولا يخفى أن محله أيضاً حيث يرتدع عن المعصية قال، وأما الحديث فليس فيه إلا أن الملائكة تفعله ولا يلزم منه جواز الإطلاق اهـ. قوله: (وأما الذين لعنهم رسول الله ﷺ الخ) ويجوز أن يكون اللعن منه ﷺ لمعين لم يعلم موته على الكفر وحينئذٍ

стр. 2387

الظالم، كقول الإنسان: لا أصحَّ الله جسمه، ولا سلَّمه الله، وما جرى مجراه، وكل ذلك مذموم. وكذلك لعن جميع الحيوانات والجمادات، فكله مذموم. فصل: حكى أبو جعفر النحاس عن بعض العلماء أنه قال: إذا لعن الإنسان ما لا يستحقُّ اللعن، فليبادر بقوله: إلا أن يكون لا يستحق. فصل: ويجوز للآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، وكل مؤدِّب أن يقول لمن يخاطبه في ذلك الأمر: ويلك، أو يا ضعيف الحال، أو يا قليل النظر لنفسه، أو يا ظالم نفسه، وما أشبه ذلك، بحيث لا يتجاوز إلى الكذب، ولا يكون فيه لفظ قذف، ــ فيكون لذلك المدعو عليه بها زكاة ورحمة ففي صحيح مسلم مرفوعاً اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعلها له زكاة وأجراً والحاصل أن المعين المدعو عليه من جانبه ﷺ باللعنة إن كان مسلماً في نفس الأمر فهي له زكاة وأجر وإن كان منافقاً أو ممن علم الشارع موته كذلك فهي في موقعها والله أعلم. قوله: (وكل ذلك مذموم الخ) وما تقدم في باب الدعاء على الظالم يحمل المرفوع منه على بيان الجواز والموقوف على أن اجتهاده اقتضى أرجحية ذلك وتقدم في باب أذكار الصباح والمساء وفي باب الغيبة ما يؤخذ منه أن العفو عمن ظلمه الإنسان وترك الدعاء عليه أولى اكتفاء بنصر الله تعالى ففي الترمذي من دعا على ظالمه فقد انتصر وإن كان لو انتصر بقدر مظلمته لا حرج عليه فلا تناقض بين كلامه هنا وبين ما قدمه في باب جواز الدعاء على الظالم وقد يقال في الجمع أن ما في ذلك الباب محمول على الظالم المتمرد الذي عم ظلمه أو كثر أو تكرر أو فحش أو أمات حقاً أو سنة أو أعان على باطل وما هنا محمول على خلافه. قوله: (لعن جميع الحيوانات الخ) تقدم عن الزواجر أنه حرام وأن الأوجه أنه من الصغائر. ووقوله: (فليبادر الخ) أي لئلا ترجع اللعنة على قائلها إذا كان المدعو عليه بها ليس مستحقاً لها كما جاءت الأخبار به. فصل قوله: (قذف) بفتح القاف وإسكان الذال المعجمة وبالفاء رمى

стр. 2388

صريحاً كان، أو كناية، أو تعريضاً، ولو كان صادقاً في ذلك، وإنما يجوز ما قدمناه، ويكون الغرض منه التأديب والزجر، وليكون الكلام أوقع في النفس. روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال: ارْكَبْها، فقال: إنها بدنة، قال: ارْكبْها، قال: إنها بدنة، قال في الثالثة: ارْكبْها وَيْلَكَ". وروينا في "صحيحيهما" عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ وهو يَقسم قَسْماً، أتاه ذو الخويصرة، رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال رسول الله ــ الشيء بقوة ثم استعمل في الرمي بالزنى ونحوه من المكروهات. قوله: (صريحاً) قال ابن حجر في شرح المنهاج: ما لم يحتمل غير ما وضع له من القذف بالكلية، وإن ما يفهم منه المقصود بالقرائن تعريض قال وهذا الفرق هو الأحسن. قوله: (ولو كان صادقاً الخ) أي الأولى اجتناب ما فيه قذف بأنواعه ولو كان صادقاً فيما قذف به لأن قصده تأديبه وزجره لا تبكيته وهتكه. قوله: (ويكون الغرض منه التأديب) جملة حالية من ما الموصولة وخرج به ما إذا كان غرضه تنقيصه وإيذاءه فيحرم. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) قال الديبع في التيسير وأخرجه الترمذي والنسائي من حديث أنس وأخرجه مالك والشيخان وأبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة زاد البخاري في رواية عن أبي هريرة فلقد رأيته راكباً وهو يساير النبي ﷺ والنعل في عنقها اهـ. قوله: (اركبها) محمول على أنه اضطر لركوبها لخبر مسلم عن جابر قال ﷺ لما سئل عن ركوب الهدي اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً، فشرط جواز ركوبها -كما في المجموع وشرح مسلم وهو المعتمد- الضرورة إليها وإنما قال له ويلك مع أنها كلمة عذاب تأديباً له لمراجعته مع عدم خفاء الحال عليه ولم يرد بها الدعاء عليه بل جرت على لسانه نظير قوله في الحديث الآخر تربت يداك. قوله: (وروينا في صحيحيهما) ذكره البخاري في الأدب واستتابة المرتدين كلاهما من صحيحه وأخرجه مسلم في الزكاة. قوله: (وهو يقسم قسماً) وكان ذلك بالجعرانة. قوله: (ذو الخويصرة

стр. 2389

- ﷺ : "وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلْ إذَا لَمْ أعْدِلْ". وروينا في "صحيح مسلم" عن عدي بن حاتم ﵁، أن رجلاً خطب عند رسول الله ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله ﷺ : "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ، ــ التميمي واسمه حرقوص) وهو أصل الخوارج وهو الذي حمل على علي ﵁ ليقتله فقتله علي وهو غير ذي الخويصرة اليماني الذي بال في المسجد كما تقدم في باب ما يقول في المسجد ونبه عليه ابن النحوي في شرح البخاري. قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) ورواه النسائي. قوله: (رشد) بفتح الشين المعجمة وكسرها. قوله: (غوى) بفتح الواو وكسرها قال القاضي عياض الصواب الفتح لأنه من الغي وهو الانهماك في الشر. قوله: (بئس الخطيب أنت) قال القرطبي ظاهره أنه أنكر عليه جمع اسم الله تعالى واسم رسوله في ضمير واحد ويعارضه ما تقدم في حديث ابن مسعود في خطبة النكاح ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه رواه أبو داود وفي حديث أنس ومن يعصهما فقد غوى وهما صحيحان ويعارضه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ فجمع بين ضمير الله وملائكته ولهذه المعارضة صرف بعض القراء هذا الذم إلى أن ذلك الخطيب وقف على ومن يعصهما وهذا تأويل لم تساعده الرواية فإن الرواية الصحيحة أنه أتى باللفظين في سياق واحد وأن آخر كلامه فقد غوى ثم إن النبي ﷺ رد عليه وعلمه صواب ما أخل به فقال قل ومن يعص الله ورسوله فقد غوى فظهر أن ذمه من حيث الجمع بين الاسمين في ضمير واحد وحينئذٍ توجه الإشكال، ويتخلص عنه من أوجه (أحدها) أن المتكلم لا يدخل تحت عموم خطاب نفسه إذا وجهه لغيره فقوله بئس الخطيب أنت منصرف لغيره ﷺ لفظاً ومعنى (ثانيها) أن إنكاره على ذلك الخطيب يحتمل أن يكون كان هناك من يتوهم التسوية من جمعهما في الضمير الواحد فمنع ذلك من أجله وحيث عدم ذلك جاز الإطلاق (ثالهما) أن ذلك الجمع تشريف ولله تعالى أن يشرف من شاء بما شاء ويمنع من مثل ذلك الغير كما أقسم بكثير من المخلوقات ومنعنا من القسم بها فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ وكذا أذن لنبيه ﷺ في إطلاق مثل ذلك ومنع

стр. 2390

قُلْ: ومَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ". وروينا في "صحيح مسلم" أيضاً عن جابر بن عبد الله ﵄، أن عبداً لحاطب ﵁ جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطباً فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطبٌ النار، فقال رسول الله ﷺ : "كَذَبْتَ لا يَدْخُلُها، فإنَّهُ شَهِدَ بَدْراً وَالحُدَيْبِيَةَ". وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" قول أبي بكر الصديق ﵁ لابنه عبد الرحمن حين لم يجده ــ منه الغير على لسان نبيه (رابعها) أن العمل بخبر المنع أولى لأنه تقعيد قاعدة والخبر الآخر يحتمل الخصوص كما قررناه ولأن هذا الخبر ناقل والآخر مبقي على الأصل فكان الأول أولى ولأنه قول والثاني فعل فكان أولى اهـ. وسبق عن المصنف في أذكار النكاح أن الصواب أن سبب النهي أن الخطب شأنها البسط والإيضاح واجتناب الإشارات والرموز فلذا ثبت في الصحيح كان ﷺ إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً لتفهم قال وأما القول بأن سبب الإنكار تشريكه في الضمير المقتضي للتسوية فلذا أمره بالعطف تعظيماً لاسمه تعالى فيضعف بأشياء منها أن مثل هذا الضمير قد تكرر في الأحاديث الصحيحة فيما ليس هو من الخطب وإنما ثنى الضمير فيها لما تقدم من أنها ليست خطبة وعظ وإنما هي تعليم حكم فكلما قل لفظه كان أقرب إلى حفظه بخلاف خطبة الوعظ فإنه ليس المراد حفظها وإنما يراد الاتعاظ بها اهـ، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام من خصائصه ﷺ أنه كان يجوز له الجمع في الضمير بينه وبين ربه تعالى وذلك ممتنع على غيره قال وإنما امتنع على غيره دونه لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق إليه إبهام ذلك. قوله: (وروينا في صحيح مسلم الخ) وكذا رواه الترمذي. قوله: (أن عبداً لحاطب) لم أقف على من سماه. قوله: (لا يدخلها) أي النار. قوله: (فإنه شهد بدراً والحديبية) فيه فضل أهل بدر والحديبية وفي الصحيحين أنه ﷺ قال لعمر وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وبدر اسم للمحل المعروفة سمي باسم بئر والحديبية بتخفيف الياء على الأفصح محل على تسعة فراسخ من مكة بتقديم الفوقية وهي التي هم ﷺ بالدخول منها

стр. 2391

عَشَّى أضيافه: يا غُنْثَر، وقد تقدَّم بيان هذا الحديث في "كتاب الأسماء". وروينا في "صحيحيهما" أن جابراً صلى في ثوب واحد وثيابه موضوعة عنده، فقيل له: فعلتَ هذا؟ فقال: فعلتُه ليراني الجُهَّالُ مثلكم، وفي رواية: ليراني أحمقُ مثلُكَ. باب النهي عن انتهار الفقراء والضعفاء واليتيم والسائل ونحوهم، وإلانة القول لهم والتواضع معهم ــ فصده المشركون وكان فيها بيعة الرضوان. قوله: (وروينا في صحيحيهما أن جابراً صلى في ثوب واحد) أي مشتملاً به كما في مسلم يعني ملتحفاً به أي اشتمالاً ليس باشتمال الصماء المنهي عنه وفيه دليل لجواز الصلاة في ثوب واحد مع وجود الثياب لكن الأفضل أن يزيد على ثوب عند الإمكان وإنما فعل جابر هذا للتعليم كما قال أردت أن يدخل على الخ. قوله: (فقيل له) القائل له عبادة بن الصامت راوي الحديث. قوله: (ليراني الجهال) أي فيقتدوا بي ويعلموا جواز ذلك بالسؤال عن مستندي في ذلك فأبين أنه من قوله ﷺ فالمقصود المتسبب عن الرواية من السؤال والوقوف على حقيقة الحال (وفي رواية ليراني أحمق) وفي رواية لمسلم وهي في حديث أبي اليسر المذكور آخر صحيح مسلم قال -أي عبادة- فقال -أي جابر- بيده في صدري هكذا وفرق بين أصابعه فقوسها أردت أن يدخل على الأحمق مثلك فيراني كيف اصنع فيصنع مثله، قال المصنف المراد بالأحمق هنا الجاهل وحقيقة الجاهل من يعمل ما يضره مع علمه بقبحه وهذا جوز مثل هذا اللفظ للتعزير والتأديب وزجر المتعلم وتنبيهه ولأن لفظة الأحمق والظالم قل من ينفك من الاتصاف بمعناهما وهذه الألفاظ التي يؤدب بها المتقون والورعون من استحق التأديب والتوبيخ والإغلاظ في القول لا بما يقوله غيرهم من ألفاظ السفه اهـ. باب النهي عن انتهار الفقراء والضعفاء واليتيم والسائل ونحوهم وإلانة القول لهم

стр. 2392

قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩ - ١٠] ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ... إلى قوله تعالى: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] وقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ ــ قوله: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ أي لا تحقره وقال الزجاج لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه كما كانت العرب تفعله في أموال اليتامى تأخذ أموالهم وتظلمهم حقوقهم وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ خير بيت المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه وشر بيت المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه ثم قال بأصبعه أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا رواه البخاري في الأدب وابن ماجه وأبو نعيم في الحلية. قوله: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ قال المفسرون يريد السائل على الباب يقول لا تنهره ولا تزجره إذا سألك فإما أن تطعمه وإما أن ترده رداً ليناً يقال نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره قال قتادة رد السائل برحمة ولين وقال إبراهيم بن أدهم نعم القوم السؤال يحملون زادنا إلى الآخرة وقال إبراهيم السائل بريد الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول هل توجهون إلى أهليكم بشيء وروي عن الحسن في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ قال طالب العلم. قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ قال سعد بن أبي وقاص نزلت فينا ستة في وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال قالت قريش إنا لا نرضى أن نكون لهؤلاء أتباعاً فاطردهم عنك فوقع في نفس النبي ﷺ ما شاء الله فنزلت رواه ابن حبان والحاكم ووقع في تفسير البيضاوي روي أنهم قالوا لو طردت هؤلاء الأعبد يعنون فقراء المسلمين كعمار وصهيب وخباب وسلمان جلسنا إليك الخ ومثله في الكواشي وقال الحافظ العسقلاني أخرجه البيهقي في الشعب والواحدي في الأسباب وقد استشكل ذكر سلمان في الخبر بأن السورة مكية كلها وقيل إلا ست آيات ليس هذه منها وسلمان إنما أسلم بالمدينة فكيف ذكر في قصة وقعت قبل الهجرة ولعل هذا سبب عدم إيراد الحافظ السيوطي له في كتاب أسباب النزول له في جملة الأقوال والله أعلم، وقوله ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾

стр. 2393

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قيل الظاهر أن المراد منه يسألون ويلجأون إليه ويقصدونه بالدعاء والرغبة، وقوله بالغداة والعشي كناية عن الزمان الدائم ولا يراد بهما خصوص زمنهما كما تقول الحمد لله بكرة وأصيلاً تريد على كل حال فكنى بالغداة عن النهار وبالعشي عن الليل أو خصهما بالذكر لأن الشغل غالب فيهما على الناس ومن كان يغلب عليه الذكر في هذين الوقتين كان الذكر في وقت الفراغ أغلب عليه، وقوله يريدون جملة حالية وذو الحال الواو في يدعون وهي فاعل والعامل في الحال يدعون، وقوله وجهه كناية عن الله تعالى إذ الجسمانية تستحيل بالنسبة إليه، وفي قوله يريدون وجهه -أي لا شيئاً من أعراض الدنيا- شهادة لهم بالإخلاص وقد سبق بعض الكلام على هذه الجملة من الآية في باب إذكار المساء والصباح، وقوله ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال السيوطي في الجلالين إن كان باطنهم غير مرضي اهـ. أي لو كان ذلك على سبيل الفرض مع قطع النظر عن الإخبار عنهم بما في أول الآية أما مع النظر إلى ذلك فلا يستقيم هذا التفسير لأن الله شهد لهم بأنهم يريدون بعبادتهم وجهه وهذه شهادة بحسن باطنهم فلا يحسن أن يقال إن كان باطنهم غير مرضي لأنه فرض مخالف لما أخبر الله به من خلوص بواطنهم ونياتهم الله وفي وقع في الكشاف نحو ذلك فتعقبه أبو حيان بما ذكره، ومن في قوله من شيء زائدة وهو في موضع المبتدأ ومن حسابهم في موضع الحال وعليك في موضع الخبر كأنه قيل ما شيء من حسابهم كائن عليك والمعنى نفي حسابهم عنه وجوابه قوله فتطردهم فينتفي الطرد كأنه قيل لا حساب عليك فكيف يكون طرد ولما نفى حسابهم عليه نفى حسابه عليهم في قوله وما من حسابك عليهم من شيء، وفي الكشاف إن قلت ما كفى قوله ما عليك من حسابهم من شيء حتى ضم إليه وما من حسابك عليهم من شيء قلت قد جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة وقصد بهما مؤدى واحد وهو المعني في قوله ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان كأنه قيل لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه اهـ. وتعقب بأن قوله لا تؤاخذ أنت الخ تركيب غريب وإصلاح التركيب أن يقال لا يؤاخذ واحد منكم ولا منهم بحساب صاحبه أو لا تؤاخذ أنت بحسابهم ولا هم بحسابك. وقوله ﴿فَتَكُونَ

стр. 2394

جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]. وروينا في "صحيح مسلم" عن عائذ بن عمرو -بالذال المعجمة- الصحابي ﵁: أن أبا سفيان أتى على سلمانَ وصهيبٍ وبلالٍ في نفر، فقالوا: ما أخذتْ سيوفُ الله من عنق عدوِّ الله مأخذَها، فقال أبو بكر ﵁: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيِّدهم، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: "يا أبا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أغضَبْتَهُمْ؟ لَئِنْ كُنْتَ أغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أغْضَبْتَ رَبَّكَ" فأتاهم فقال: يا إخوتاه أغضبتُكم؟ فقالوا: لا. قلت: قولهم: مأخذها، بفتح الخاء: أي لم تستوف حقها من عنقه لسوء فَعَالِهِ. ــ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وهو جواب للنهي في قوله ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾ فصار جواب كل من النهي ومن النفي ما يناسبه. قوله: (وروينا في صحيح مسلم أن أبا سفيان الخ) هذا الإتيان كان وهو كافر في الهدنة بعد صلح الحديبية. قوله: (يا أبا بكر لعلك أغضبتهم الخ) قال المصنف في الحديث فضيلة ظاهرة لسلمان ورفقته هؤلاء وفيه مراعاة قلوب الضعفاء وأهل الدين وإكرامهم وملاطفتهم. قوله: (لا يغفر الله لك يا أخي) قال المصنف أما قولهم يا أخي فضبطوه بضم الهمزة على التصغير وهو تصغير تحبيب وترفيق وملاطفة وفي بعض النسخ بفتحها قال القاضي قد روي عن أبي بكر أنه نهى عن مثل هذه الصيغة وقال قل عافاك الله رحمك الله لا تزد لا أي لا تقل قبل الدعاء لا فتصير صورته صورة نفي الدعاء قال بعضهم قل لا ويغفر الله لك اهـ. وفي المحرر في النحو للفخر الرازي روي عن أبي بكر الصديق أنه دخل السوق فقال لبياع أتبيع هذا الثوب فقال لا عافاك الله فقال له أبو بكر لو علمتم علمتم قل لا وعافاك الله وهذا من لطائف النحو لأنه عند حذف الواو يوهم كونه دعاء عليه وعند ذكر الواو لا يبقى ذلك الاحتمال اهـ. قوله: (مأخذها بفتح الخاء) هذا أحد الوجهين حكاهما المصنف في شرح مسلم في ضبطه والثاني بالمد وكسر الخاء.

стр. 2395

باب في ألفاظ يكره استعمالها روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن سهل بن حنيف وعن عائشة ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا يَقُولَن أحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي". وروينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "لا يَقُولن أحَدُكُمْ: جاشَتْ نَفْسي، ولَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسي". قال العلماء: معنى لقست وجاشت: غثت، قالوا: وإنما كره "خبثت" للفظ الخبث والخبيث. قال الإِمام أبو سليمان الخطابي: لقست وخبثت معناهما واحد، وإنما كره خبث للفظ الخبث، وبشاعة الاسم منه، وعلَّمهم الأدبَ في استعمال الحسن منه، وهجران القبيح، و"جاشت" بالجيم والشين المعجمة، و"لقست" بفتح اللام وكسر القاف. فصل: روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ ــ باب في ألفاظ يكره استعمالها قوله: (قال العلماء معنى لقست غثت) وقال ابن الأعرابي معناه ضاقت اهـ. وجاشت أي غثت وهي من الارتفاع كأن ما في البطن يرتفع إلى الحلق فحصل الغثي. قوله: (وإنما يكره لفظ الخبيث) يعلم منه أن أحد الرديفين قد يختص عن الآخر بحكم مخالف له لمعنى في لفظه لم يوجد في لفظ الآخر ثم الكراهة تنزيهية من باب أدب اللفظ ولا يرد عليه ما في الحديث الآخر من قوله فيصبح خبيث النفس كسلان لأن المنهي عنه إخبار المرء بذلك عن نفسه والنبي ﷺ إنما أخبر عن صفة غيره وعن شخص منهم مذموم الحال ولا يمنع إطلاق هذا اللفظ في مثل ذلك. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) عند أبي داود ولا يقولن أحدكم الكرم فإن الكرم الرجل

стр. 2396

قال: قال رسول الله ﷺ : "يَقُولُونَ: الكَرْمُ إنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المُؤمِنِ" وفي رواية لمسلم: "لا تُسَمُّوا العِنَبَ الكَرْمَ، فإن الكَرْمَ المُسْلِمُ" وفي رواية: "فإنَّ الكَرْمَ قَلْبُ المُؤمِنِ". وروينا في "صحيح مسلم" عن وائل بن حجر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تَقُولُوا: الكَرْمَ، وَلَكِنْ قُولُوا: العِنَبَ والحَبَلَةَ". قلت: والحَبَلَةَ بفتح الحاء والباء، ويقال أيضاً بإسكان الباء، قاله الجوهري وغيره، والمراد من هذا الحديث النهي عن تسمية العنب كرماً، وكانت الجاهلية تسميه كرماً، وبعض النّاس اليوم تسميه كذلك، ونهى النبي ــ المسلم. قوله: (يقولون الكرم) في البخاري ويقولون الكرم بزيادة واو العطف في أوله والمعطوف عليه محذوف أي يقولون العنب ويقولون الكرم فالكرم خبر مبتدأ محذوف تقديره هو أو مبتدأ خبره محذوف أي شجر العنب الكرم. قوله: (إنما الكرم قلب المؤمن) قال الشيخ زكريا الكرم بسكون الراء وفتحها مصدر يوصف به المفرد والمذكر وضدهما يقال رجل كرم وامرأة كرم وهو بمعنى كريم وصف به للمبالغة كعدل والحصر فيه ادعائي لا حقيقي إذ المعنى أن اللائق باسم الكرم المؤمن لا أن غيره لا يسمى به قلت ويصح جعل الحصر حقيقياً باعتبار استحقاق إطلاق الاسم كما سيجيء في كلام المصنف. قوله: (النهي عن تسمية العنب كرماً) النهي فيه محمول على الكراهة التنزيهية قال المصنف: قال العلماء سبب كراهة ذلك أن لفظة الكرم كانت العرب -أي في الجاهلية- تطلقها على شجر العنب وعلى العنب وعلى الخمر المتخذة من العنب سموها كرماً لكونها متخذة منه ولأنها -أي فيما يدعونه- تحمل على الكرم والسخاء فكره الشارع إطلاق هذه اللفظة على العنب وشجره لأنهم إذا سمعوا اللفظة ربما تذكروا بها الخمر وهيجت نفوسهم إليها فوقعوا فيها أو قاربوا ذلك وقال إنما يستحق ذلك الرجل المسلم أو قلب المؤمن لأن الكرم مشتق من الكرم بفتح الراء وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ فسمي قلب

стр. 2397

- ﷺ عن هذه التسمية، قال الإِمام الخطابي وغيره من العلماء: أشفق النبي ﷺ أن يدعوَهم حسنُ اسمها إلى شرب الخمر المتخذة من ثمرها، ــ المؤمن كرماً لما فيه من الإيمان والهدى والنور والتقوى والصفات المستحقة لهذا الاسم وكذا الرجل المسلم اهـ. وقال ابن الجوزي نهى عن تسميتها بما يمدح به لتأكيد ذمها وتحريمها، واعلم أن قلب المؤمن لما فيه من نور الإيمان أولى بذلك اهـ. وفي شرح الأنوار السنية قال ابن حجر ظاهر الحديث يدل على أن حقيقة تسمية الكرم إنما هي بقلب المؤمن وأما في غيره فمجاز فإن قلنا إنه تعبد فلا بحث وإن قلنا لحكمة فهي والله أعلم لما كان اشتقاقه كمن الكرم والأرض الكريمة هي أحسن الأرض وهذه الصفة حيث وجدت فهي أحسن الصفات ولا يليق إلا أن يعبر بها عن قلب المؤمن الذي هو خير الأشياء لأن المؤمن هو خير البرية على أحد الوجوه وخير ما في المؤمن قلبه وكيف لا يكون كذلك وهو أرض لنبات ثمرة الإيمان وفي الكرمة أيضاً شبه من المؤمن لأنها لينة قريبة الجنى حلوة الذات وتغني عن الطعام لآكلها وعن الماء لمن استعملها اهـ. وقال القاضي عياض في المشارق نهى ﷺ أن يقال للعنب الكرم وكان اسم الكرم أليق بالمؤمن واغلق به لكثرة خيره ونفعه واجتماع الخصال المحمودة من السخاء وغيره فيه فقال إنما الكرم الرجل المؤمن وفي رواية قلب المؤمن قال الإِمام قوله وإنما الكرم قلب المؤمن أي أن الكرم حبس النفس عن شهواتها وإمساكها عن المحرمات عليها فهذه الحالة أحق أن تسمى كرماً اهـ. قال الباجي ويحتمل عندي أن يكون معناه أن العنب وإن كان فيه منافع ورزق وخصب لمن رزقه فإن القلب أكثر خيراً منه وأنفع لنفسه وللناس ولم يرد بذلك النهي عن أن يسمى العنب كرماً ولذا لم يتلقه النّاس على النهي ولا امتنعوا من تسمية العنب كرماً ولكنه إنما أراد تفضيل قلب المؤمن عليها كما قال ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب وفي هذا الذي يظهر لي اهـ. وتردد ابن القيم في الهدي بين ما قاله الباجي وبين ما قاله غيره من أن الحديث للنهي عن التسمية بذلك ثم قال والأولى أن لا يسمى شجر العنب كرماً والله أعلم. قوله: (أشفق ﷺ أن يدعوهم حسن أسمها الخ) ظاهره

стр. 2398

فسلبها هذا الاسم، والله أعلم. فصل: روينا في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذَا قالَ الرجُلُ: هَلَكَ الناسُ فَهُوَ أهْلَكُهُمْ". قلت: روي أهلكهم برفع الكاف وفتحها، والمشهور الرفع، ويؤيده أنه جاء في رواية رويناها في "حلية الأولياء" في ترجمة سفيان الثوري: "فَهُوَ مِنْ أهْلَكِهِمْ". قال الإمام الحافظ أبو عبد الله الحميدي في "الجمع بين الصحيحين" في الرواية الأولى، قال بعض الرواة: لا أدري هو بالنصب أم بالرفع؟ قال الحميدي: والأشهر الرفع، أي: أشدهم هلاكاً، قال: وذلك إذا قال ذلك على سبيل الإزراء عليهم والاحتقار لهم وتفضيل نفسه عليهم، ــ أن الكرم في الجاهلية اسم للعنب وظاهر كلام ابن الجوزي أنه اسم للخمر وتقدم عن المصنف أنه يطلق على كل منهما وهو أنسب بما ذكر في وجه التسمية وعلى شجر العنب ولعل إطلاقه على العنب وشجره لأن الخمر الناشئة منهما تحمل على الكرم في رأيهم والله أعلم. قوله: (وروي أهلكهم برفع الكاف) أي على أنه أفعل تفضيل أي أشدهم هلاكاً. قوله: (وفتحها) أي على أنه فعل ماض أي نسبهم إلى الهلاك لا أنهم هلكوا حقيقة فكأنه قال هو الذي نطق بذلك من غير تحقيق ولا دليل من جهة الله تعالى قال القرطبي من قيده بالنصب معناه أن الذي قال لهم ذلك مقنطاً لهم هو أهلكهم بهذا القول فإن الذي يسمعه قد يئس من رحمة الله فيهلك وقد يغلب على القائل رأي الخوارج فيهلك النّاس بالخروج عليهم ويشق عصاهم بالقتال وغيره كما فعلت الخوارج فيكون قد أهلكهم حقيقة وحساً اهـ. قوله: (قال بعض الرواة) هو أبو إسحق إبراهيم بن سفيان الراوي عن مسلم صحيحه. قوله: (لا أدري الخ) أي شك في ضبط هذا الحرف قال القرطبي وقد قيده النّاس بعده بالوجهين. قوله: (وذلك إذا قال ذلك على سبيل الإزراء) قال القرطبي ومن كان كذلك -أي

стр. 2399

لأنه لا يدري سِرَّ الله تعالى في خلقه، هكذا كان بعض علمائنا يقول، هذا كلام الحميدي. وقال الخطابي: معناه: لا يزال الرجل يعيب النّاس ويذكر مساويهم ويقول: فسد النّاس وهلكوا ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم: أي أسوأ حالاً منهم فيما يلحقه من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم، وربما أدَّاه ذلك إلى العُجْب بنفسه ورؤيته أن له فضلاً عليهم، وأنه خيرٌ منهم فيهلك، هذا كلام الخطابي فيما رويناه عنه في كتابه "معالم السنن". وروينا في سنن أبي داود ﵁ قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن سهل ابن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، فذكر هذا ــ محقراً للناس مزرياً بهم معجباً بنفسه وعمله- أحق بالهلاك منهم فهو أشدهم هلاكاً. قوله: [لأنه لا يدري سر الله في خلقه) أي فقد يكون ذو العمل السيئ ممن سبقت له السعادة فيوفق آخراً للعمل بها وضده بضده كما في خبر ابن مسعود مرفوعاً فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها الحديث فالأعمال أمارات لا مؤثرات فحق المؤمن إذا رأى أخاه المؤمن خالف طريق السداد أن ينصحه ويعظه ولذكره لا أن يزدريه به وينتقصه ويحقره ويرى نفسه لتخييلها عليه وخداعها له خيراً من أخيه وإن كان عمل الإنسان في الظاهر حسناً فقد يختم لذلك الفاسق بحسن العمل ويبلغ الأمل والله الفعال لما يشاء. قوله: (معناه الخ) فهو كناية عن ترك الاغتياب وتنبيه على قبح ما يترتب عليه من كون صاحبها في أشد الهلاك. قوله: (فيهلك) أي هلاكاً مضموماً إلى هلاك غيبته. قوله: (عنه) أي عن أبي

стр. 2400

الحديث، ثم قال: قال مالك: إذا قال ذلك تحزُّناً لما يرى في النّاس قال: يعني من أمر دينهم فلا أرى به بأساً، وإذا قال ذلك عجباً بنفسه وتصاغراً للناس فهو المكروه الذي نهي عنه. قلت: فهذا تفسير بإسناد في نهاية من الصحة، وهو أحسن ما قيل في معناه، وأوجزه، ولا سيما إذا كان عن الإِمام مالك ﵁. فصل: روينا في سنن أبي داود بالإسناد الصحيح عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تَقُولُوا: ما شاءَ اللهُ وشاءَ فُلانٌ، ولَكِنْ قُولُوا: ما شاءَ اللهُ ثُمَّ ما شاءَ فُلانٌ". قال الخطابي وغيره: هذا إرشاد إلى الأدب، وذلك أن الواو للجمع والتشريك، و"ثم" للعطف مع الترتيب والتراخي، فأرشدهم ﷺ إلى تقديم مشيئة الله تعالى على مشيئة من سواه. وجاء عن إبراهيم النخعي أنه كان يكره أن يقول الرجل: أعوذ بالله وبك، ويجوِّز أن يقول: أعوذ بالله ثم بك، قالوا: ويقول: لولا الله ثم فلان لفعلت كذا ولا يقول: لولا الله وفلان. ــ داود. قوله: (تحزناً) أي إظهاراً للحزن على ما فاتهم من الخير المديني. قوله: (فلا أرى) بضم الهمزة أي أظن (به بأساً) قال القرطبي أما لو قال ذلك على جهة الشفقة على أهل عصره وأنهم بالنسبة إلى من تقدمهم من أسلافهم كالهالكين فلا يتناوله هذا الذم فإنها عادة جارية في أهل العلم والفضل يعظمون أسلافهم ويفضلونهم على من بعدهم ويقصرون بمن خلفهم وقد يكون هذا على وجه الوعظ والتذكير ليقتدي اللاحق بالسابق فيجتهد المقصر ولتدارك المفرط كما قال الحسن لقد أدركت أقواماً لو أدركتموهم لقلتم مرضى ولو أدركوكم لقالوا هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب اهـ. قوله: (عجباً) بضم المهملة وسكون الجيم. قوله: (وتصاغراً) أي رؤية الصغر في غيره من النّاس. قوله: (لأن الواو للجمع والتشريك) أي فربما توهم مقارنة مشيئة العبد بمشيئة الله

стр. 2401

فصل: ويكره أن يقول: مُطِرْنا بنوءِ كذا، فإن قاله معتقداً أن الكوكب هو الفاعل فهو كفر، وإن قاله معتقداً أن الله تعالى هو الفاعل، وأن النَّوْء المذكور علامة لنزول المطر، لم يكفر، ولكنه ارتكب مكروهاً لتلفُّظه بهذا اللفظ الذي كانت الجاهلية تستعمله، مع أنه مشترك بين إرادة الكفر وغيره. وقد قدمنا الحديث الصحيح المتعلِّق بهذا الفصل في "باب ما يقول عند نزول المطر". فصل: يحرم أن يقولَ: إن فعلتُ كذا فأنا يهودي أو نصراني، أو بريء من الإسلام ونحو ذلك، فإن قاله وأراد حقيقة تعليق خروجه عن الإسلام بذلك، صار كافراً في الحال، وجرت عليه أحكام ــ سبحانه لو أتى بالواو وليس الأمر كذلك إذ مشيئته تعالى هي السابقة فأتى بثم الدالة على هذا المعنى دفعاً لذلك الإيهام. فصل قوله: (وقد قدمنا الحديث الصحيح الخ) تقدم الكلام ثمة على ما في هذا الفصل بزيادات وتتمات. فصل قوله: (يحرم أن يقال الخ) ومثله قوله هو بريء من الله أو رسوله أو من الإسلام أو من الكعبة أو جميع ما ذكر ليس بيمين لعروه عن ذكر اسم الله تعالى وصفته ولأن المحلوف به حرام فلا ينعقد به اليمين كقوله إن فعلت كذا فأنا زان أو سارق، فإن قلت يشكل على ما ذكر ما في صحيح البخاري من عدة طرق إن خباباً طلب من العاص بن وائل السهمي ديناً له فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد فقال: لا أكفر به حتى يميتك الله ثم يبعثك وقد يجاب بأنه لم يقصد التعليق وإنما أراد تكذيب ذلك اللعين إنكار البعث ولا ينافيه قوله حتى لأنها تأتي بمعنى إلا المنقطعة فتكون بمعنى لكن التي صرحوا بأن ما بعدها كلام مستأنف وعليه خرج حديث حتى يكون أبواه يهودانه أي لكن أبواه أشار إليه بعض المحققين. قوله: (صار كافراً في الحال) أي لأن العزم على الكفر ولو بطريق التعليق على حصول أمر كفر.

стр. 2402

المرتدين، وإن لم يرد ذلك لم يكفر، لكن ارتكب محرماً، فيجبُ عليه التوبةُ، وهي أن يقلع في الحال عن معصيته، ويندم على ما فعل، ويعزم على أن لا يعود إليه أبداً، ويستغفر الله تعالى، ويقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فصل: يحرم عليه تحريماً مغلظاً أن يقول لمسلم: يا كافر. روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قالَ الرَّجُلُ لِأخِيهِ: يا كافِرُ، فَقَدْ باءَ بها أحَدُهُما، فإنْ كانَ كما قالَ، وإلا رَجَعَتْ عَلَيْهِ". وروينا في "صحيحيهما" عن أبي ذر ــ قوله: (ارتكب محرماً) وعده ابن حجر في الزواجر من الكبائر. قوله: (وتجب عليه التَوبة) عبارة الروضة يستحب لكل من تكلم بكلام قبيح أن يستغفر الله وتجب التوبة من كلام محرم. قوله: (ويستغفر الله) أي استحباباً وكذا يستحب الاستغفار من كل ذنب ولا يجب لصحة التوبة بدونه. قوله: (ويقول لا إله إلا الله محمد رسول الله) ظاهر كلامه الإيجاب وقد صرح صاحب الروض باستحباب الإتيان بهما قال الشيخ زكريا وبه صرح النووي في نكته قال وظاهر خبر من حلف فقال في حلفه باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله الاقتصار على لا إله إلا الله اهـ. فصل قوله: (يحرم عليه تحريماً مغلظاً أن يقول لمسلم يا كافر الخ) ثم إن أراد به إنه كافر حقيقة وإن الإسلام كفر صار بذلك مرتداً وإن لم يرد به ذلك بل أراد مجرد السب ارتكب كبيرة وتصريح السيوطي بكراهة ذلك غلط كما قاله ابن حجر الهيتمي. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم) وكذا رواه مالك وأحمد وأبو داود والترمذي كلهم من حديث ابن عمر ورواه البخاري من حديث أبي هريرة وليس فيه قوله فإن كان الخ. قوله: (إذا قال الرجل) قال المصنف: هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات من أن ظاهره غير مراد وذلك أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر مسلم بالمعاصي كالقتل والزنى وكذا قوله لأخيه يا كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام، إذا عرف ما ذكرناه فقيل في تأويل الحديث أوجه

стр. 2403

رضي الله عنه أنه سمعَ رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ دَعا رَجُلاً بالكُفْرِ أو قالَ: عَدُو الله ولَيسَ كَذَلِكَ، إلا حارَ عَلَيْهِ" هذا لفظ رواية مسلم، ولفظ البخاري بمعناه، ومعنى حار: رَجَع. ــ (أحدها) أنه على المستحل لذلك أي مع العلم بتحريمه وهذا يكفر فعلى هذا باء بها أي بكلمة الكفر وكذا حار عليه وهو معنى رجعت عليه أي رجع عليه الكفر فباء وحار بمعنى واحد (والثاني) معناه رجعت نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره (والثالث) أنه محمول على الخوارج من المؤمنين وهذا نقله القاضي عياض عن مالك وهو ضعيف لأن الصحيح الذي قاله الأكثرون والمحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع (والقول الرابع) إن معناه أن ذلك يؤول به إلى الكفر وذلك أن المعاصي بريد الكفر ويخاف على المكثر منها أن تكون عاقبته المصير إلى الكفر ويؤيد هذا الوجه ما جاء في رواية لأبي عوانة في مستخرجه على مسلم فإن كان كما قال وإلا باء بالكفر وفي رواية إذا قال لأخيه يا كافر وجب الكفر لأحدهما قلت ولم يظهر لي وجه التائييد من هذه الرواية إذ هي مثل لفظ رواية مسلم والله أعلم (والخامس) معناه فقد رجع عليه تكفيره فليس الراجع حقيقة الكفر بل التكفير لكونه جعل أخاه المؤمن كافراً أو كأنه كفر نفسه إما لأنه كفر من هو مثله وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر فيعتقد بطلان دين الإسلام والله أعلم. قوله: (من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله - إلا حار عليه) هذا الاستثناء قيل إنه واقع على المعنى وتقديره ما يدعوه أحد إلا حار عليه وعدو الله ضبطناه بالرفع والنصب ويحتمل أن يكون معطوفاً على الأول أي قوله في أول الحديث ليس من رجل ادعى ما ليس لأبيه وهو يعلمه إلا كفر إلى أن قال ومن دعا الخ فيكون الاستثناء جارياً على اللفظ وهو أرجح فالنصب على النداء أي يا عدو الله والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو عدو الله ذكره المصنف في شرح مسلم. قوله: (ومعنى حار) أي بالمهملتين (رجع) وكذا معنى باء بالموحدة بعدها ألف ممدودة.

стр. 2404

فصل: لو دعا مسلم على مسلم فقال: اللهُم اسلبه الإيمان، عصى بذلك، وهل يكفر الداعي بمجرد هذا الدعاء؟ فيه وجهان لأصحابنا حكاهما القاضي حسين من أئمة أصحابنا في الفتاوى، أصحهما: لا يكفر، وقد يحتج لهذا بقول الله تعالى إخباراً عن موسى ﷺ : ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى ــ فصل لو دعا مسلم على مسلم الخ تقدم عن الزركشي في باب أذكار المسافر جواز الدعاء على الظالم بسوء الخاتمة والفتنة في الدين وما استدل به وعن بعضهم التفصيل بين المتمرد فيجوز ذلك فيه وغيره فيمنع ذلك منه. قوله: (أصحهما أنه لا يكفر) قالوا لأنه ليس رضا بالكفر وإنما هو دعاء عليه بتشديد الأمر والعقوبة عليه هذا ما ذكره الشيخان قال ابن حجر الهيتمي في الإعلام بقواطع الإسلام وأنت خبير من قولهما لأنه ليس رضا بالكفر الخ أن محل ذلك ما إذا لم يذكر ذلك رضي بالكفر وإلا كفر قطعاً والذي يظهر من فحوى كلامهما أنه لو أطلق فلم يقله على جهة الرضى بالكفر ولا على وجه تشديد العقوبة لا يكون كافراً وهو ظاهر واستشكل عدم كفره فيما إذا ادعى عليه بسلب الإيمان بما إذا قال له يا كافر بلا تأويل وأجيب بأن الكفر ثم إنما جاء من تسمية الإسلام كفراً كما مر وهنا ليس فيه ذلك فإن قلت ما تقرر في الدعاء بسلب الإيمان ينافيه ما اقتضاه كلام الأحياء من أنه لو لعن كافراً معيناً في وقتنا كفر ولا يقال لعن لكونه كافراً في الحال كما يقال للمسلم ﵀ لكونه مسلماً في الحال وإن كان يتصور أن يرتد لأن معنى ﵀ يثبته الله على الإسلام الذي هو سبب الرحمة ولا يقال ثبت الله الكافر على الكفر الذي هو سبب اللعنة لأن هذا سؤال الكفر وهو في نفسه كفر اهـ. قال الزركشي فتفطن لهذه فإنها غريبة وحكمها متجه وقد زل فيها جماعة اهـ. قال ابن حجر الهيتمي ولا منافاة لأنه إن أراد بلعنه الدعاء عليه بتشديد الأمر أو أطلق لم يكفر وإن أراد سؤال بقائه على الكفر أو الرضى بذلك كفر وفي الدعاء بسلب الإيمان إن أراد الدعاء بسؤال الكفر له أو رضي به كفر وإن أراد الدعاء بتشديد العقوبة أو أطلق لم يكفر فتدبر ذلك فإنه تفصيل متجه قضت به كلماتهم اهـ. قوله: (وقد يحتج لهذا بقول الخ) أي من حيث تمنى موسى عدم إيمان فرعون ودعاؤه بذلك ولم يضره

стр. 2405

أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ الآية [يونس: ٨٨] وفي هذا الاستدلال نظر، وإن قلنا: إن شرع من قبلنا شرع لنا. فصل: لو أكْرَهَ الكفارُ مسلماً على كلمة الكفر، فقالها وقلبه مطمئن بالإيمان، لم يكفر بنص القرآن وإجماع المسلمين، وهل الأفضل أن يتكلَّم بها ليصون نفسه من القتل؟ فيه خمسة أوجه لأصحابنا. الصحيح: أن الأفضل أن يصبر للقتل ولا يتكلَّم بالكفر، ودلائله من الأحاديث الصحيحة، وفعل الصحابة ﵃ مشهورة. والثاني: الأفضل أن يتكلَّم ليصون نفسه من القتل. والثالث: إن كان في بقائه مصلحة للمسلمين، بأن كان يرجو النِّكاية في العدو، أو القيام ــ ذلك ولا عاتبه الله عليه ولا زجره عنه. قوله: (وفي هذا الاستدلال الخ) ولأنه يجوز أن موسى ﵇ علم عدم إيمانه فسأله قصداً والكلام فيمن انطوت عاقبته قال في الإعلام وقد يجاب بأنه وإن كان شرعاً لمن قبلنا إلا أنه لم يرد في شرعنا ما يخالفه فيكون حجة، على الخلاف، ولأن الأصل في السؤال طلب حصول ما ليس بحاصل فلا نظر لاحتمال المذكور على أنه ورد في القضية ما يخالفه وهو أن الإجابة لم تقع إلا بعد أربعين سنة من السؤال وأيضاً فقوله قد أجيبت دعوتكما امتنان عليهما بالإجابة وما كان واقعاً قبل الإجابة في علم السائل لا يمتن عليه بأنه استجيب له فيه اهـ. فصل قوله: (بنص القرآن) أي كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ قوله: (أن الأفضل أن يصبر للقتل) أي مطلقاً سواء كان ممن في بقائه مصلحة للناس من نشر علم أو نكاية عدو أو لا. قوله: (ودلائله من الأحاديث وفعل الصحابة مشهورة) منها ما تقدم في ترجمة بلال عن الكشاف من قصة الرجلين اللذين جيء بهما إلى مسيلمة فقال لأحدهما: ما تقول في محمد فقال: رسول الله فقال: ما تقول في فقال: وأنت أيضاً وقال للآخر ما تقول في محمد فقال: رسول الله قال ما تقول في قال: أنا أصم فأعاد عليه ثلاثاً فأعاد عليه جوابه

стр. 2406

بأحكام الشرع، فالأفضل أن يتكلم بها، وإن لم يكن كذلك، فالصبر على القتل أفضل. والرابع: إن كان من العلماء ونحوهم ممن يُقتَدى بهم، فالأفضل الصبر لئلا يغترَّ به العوام. والخامس: أنه يجب عليه التكلُّم، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وهذا الوجه ضعيف جداً. فصل: لو أكره المسلمُ كافراً على الإسلام، فنطق بالشهادتين، فإن كان الكافر حربياً، صح إسلامه، لأنه إكراه بحق، وإن كان ذمياً، لم يصر مسلماً، لأنا التزمنا الكف عنه، فإكراهه بغير حق، ــ فقتله فبلغ رسول الله ﷺ فقال: أما أحدهما فقد أخذ برخصة الله وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً له، وفي تخريج أحاديث الكشاف للحافظ ابن حجر ذكره ابن أبي شيبة حدثنا إسماعيل بن علية عن يونس عن الحسن أن عيوناً لمسيلمة أخذوا رجلين من المسلمين فأتوه بهما فقال لأحدهما: تشهد أن محمداً رسول الله قال: نعم فقال: أتشهد أني رسول الله فأهوى إلى أذنيه فقال: إني أصم فأعاد عليه فقال مثله فأمر به فقتل وقال للآخر: أتشهد أن محمداً رسول الله قال: نعم قال: أتشهد أني رسول الله قال: نعم فأرسله فأتى النبي ﷺ فقال: هلكت قال: وما شأنك فأخبره بقصته وقصة صاحبه فقال: أما صاحبك فمضى على إيمانه وأما أنت فأخذت بالرخصة وأخرجه عبد الرزاق في التفسير عن معمر قال: سمعت أن مسيلمة أخذ رجلين فذكر بنحوه وذكر الواقدي في المغازي أن اسم المقتول حبيب بن زيد عم عبادة بن تميم واسم الآخر عبد الله بن وهب الأسلمي قال وكانا في الساقة وذكروا أنه قطعه عضواً عضواً وأحرقه بالنار. فصل قوله: (فإن كان الكافر حربياً صح إسلامه) ومثله المرتد (لأنه إكراه بحق) أي وهو معتد به تترتب عليه الأحكام كما لو أكرهه الحاكم على بيع ماله

стр. 2407

وفيه قول ضعيف أنه يصير مسلماً، لأنه أمره بالحق. فصل: إذا نطق الكافر بالشهادتين بغير إكراه، فإن كان على سبيل الحكاية، بأن قال: سمعت زيداً يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لم يحكم بإسلامه، وإن نطق بهما بعد استدعاء مسلم، بأن قال له مسلم: قل: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فقالهما، صار مسلماً، وإن قالهما ابتداءً لا حكايةً ولا باستدعاءٍ، فالمذهب الصحيح المشهور الذي عليه جمهور أصحابنا أنه يصير مسلماً، وقيل: لا يصير لاحتمال الحكاية. فصل: ينبغي أن لا يقال للقائم بأمر المسلمين: خليفةُ الله، بل يقال: الخليفة، وخليفةُ رسول الله ﷺ ، وأميرُ المؤمنين. روينا في "شرح السنة" للإمام أبي محمد البغوي عنه قال ﵀: لا بأس أن يسمى القائم بأمر المسلمين: أميرَ المؤمنين، والخليفةَ، وإن كان مخالفاً لسيرة أئمة العدل، لقيامه بأمر المؤمنين وسمع المؤمنين له. قال: ويسمى خليفةً لأنه خلف ــ لوفاء حق ترتب عليه. قوله: (وفيه قول ضعيف). فصل قوله: (لم يحكم بإسلامه) أي كما لم يحكم بكفر جاكي كلمة كفر غيره. قوله: (صار مسلماً) ثم إن كان معتقداً لذلك بجنانه مطابقاً لما نطق به بلسانه كان نافعاً له في الآخرة أيضاً وإلا كان أثره مقصوراً على الدنيا فقط ويخلد في الآخرة في النار. قوله: (لاحتمال الحكاية) ورد بأن الأصل عدمها وتشوف الشارع إلى الدخول في الإسلام والعصمة في الدماء اقتضتا التوسعة في ذلك فإدخال مائة في الإسلام أهون من إخراج واحد عنه. فصل قوله: (ينبغي) أي يجب. قوله: (عنه) أي عن البغوي. قوله: (وإن كان مخالفاً) مثله إذا

стр. 2408

الماضي قبله، وقام مقامه. قال: ولا يسمى أحدٌ خليفةَ الله تعالى بعد آدم وداود عليهما الصلاة والسلام. قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وقال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾: [ص: ٢٦] وعن ابن أبي مليكة أن رجلاً قال لأبي بكر الصديق ﵁: يا خليفةَ الله، فقال: أنا خليفةُ محمد ﷺ ، وأنا راض بذلك. وقال رجل لعمر بن عبد العزيز ﵁: يا خليفةَ الله، فقال: ويلك لقد تناولت تناولاً بعيداً، إن أُمي سمتني عمر، فلو دعوتني بهذا الاسم قبلتُ، ثم كَبِرْتُ فكُنيت أبا حفص، فلو دعوتني به قبلتُ، ثم وليتموني أموركم فسميتموني أميرَ المؤمنين، فلو دعوتني بذاك كفاك. ــ كان فاسقاً. قوله: (ولا يسمي أحد خليفة الله تعالى) في شرح الروض لأنه إنما يستخلف من يغيب أو يموت والله منزه عن ذلك وقضية هذه العلة امتناع ذلك حتى على آدم وداود والآيتان ليس فيهما إطلاق خليفة الله على كل منهما إنما فيهما إطلاق خليفة مجرداً عن الإضافة وذلك جائز على كل إمام للمسلمين ولم أر من نبه على هذا وعلى ثبوت مستند إطلاق خليفة الله على كل منهما فالإضافة للتعظيم فلا يراد من الخليفة ما تقدم بل يراد به أن الله جعله قائماً في تنفيذ أحكامه في عباده وفي المصباح المنير لا يقال خليفة الله بالإضافة إلا آدم وداود لورود النص بذلك وقيل يجوز وهو القياس لأن الله جعله خليفة كما جعله سلطاناً وقد سمع سلطان الله وجنود الله وحزب الله والإضافة تكون بأدنى ملابسة وعدم السماع لا يقتضي عدم الإطراد مع وجود القياس ولأنه نكرة تدخله اللام للتعريف فيدخلها ما يعاقبها وهو الإضافة كسائر أسماء الأجناس. قوله: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ أي من يقوم بأحكامي فيها. قوله: (ابن أبي مليكة) وهي كنية زاهد تابعي. قوله: (فقال ويلك) قال له ذلك كأنه لأنه علم أن القائل يعلم أنه لا ينبغي التلفظ بذلك فخالف وخاطبه وعزره بذلك. قوله: (تناولت متناولاً بعيداً) كناية عن الجموح والطموح إلى ما لا ينال. قوله: (ثم كبرت) أي بكسر الباء أي في السن وهو بالضم بمعنى كبر القدر يأباه المقام. قوله: (قبلت) أي قبول رضي الله لأنه اسمي وكنيتي وإن خلا النداء بهما عن التعظيم. قوله: (كفاك)

стр. 2409

وذكر الإِمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي البصري الفقيه الشافعي في كتابه "الأحكام السلطانية" أن الإِمام سمي خليفة، لأنه خلف رسول الله ﷺ في أمته، قال: فيجوز أن يقال: الخليفةُ، على الإطلاق، ويجوز: خليفةُ رسول الله. قال: واختلفوا في جواز قولنا: خليفة الله، فجوَّزه بعضهم لقيامه بحقوقه في خلقه، ولقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ في الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩] وامتنع جمهور العلماء من ذلك، ونسبوا قائله إلى الفجور، هذا كلام الماوردي. قلت: وأوَّلُ من سُمي أميرَ المؤمنين عمرُ بن الخطاب ﵁، لا خلاف في ذلك بين أهل العلم. وأما ما توهمه بعض الجهلة في "مسيلمة" فخطأ صريح، وجهل قبيح، مخالف ــ أي في مرادك من تعظيمي في الخطاب. قوله: (وذكر أقضى القضاة) تقدم في كتاب الأسماء جواز إطلاق ذلك. قوله: (فيجوز أن يقال الخليفة على الإطلاق) أي عن الإضافة وأطلق عليه ذلك لأنه خلف رسول الله ﷺ في أمته وخلف الماضي قبله. فائدة في الأوائل للسيوطي أول من سمي الخليفة أبو بكر اهـ. قوله: (ويجوز خليفة رسول الله ﷺ ) لما تقدم فيما قبله والإضافة فيه للتعظيم والتشريف. قوله: (واختلفوا في جواز قولنا خليفة الله) قال ابن حجر الهيتمي في كتاب تنبيه الأخيار ظاهر كلام السيوطي التبري مما قاله الماوردي وإن ذلك مكروه فقط اهـ. قلت لكن جرى على الحرمة في الروض ووافقه عليها شارحه. قوله: (ولقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ في الْأَرْضِ﴾ قال في الإكليل استدل به من أجاز أن يقال للإمام خليفة الله تعالى. فائدة روي البيهقي وغيره حديث السلطان ظل الله في أرضه فإذا أحسن فله الأجر وعليكم الشكر وإن أساء فعليه الوزر وعليكم الصبر قال الخطابي معنى "ظل" العز والمنفعة ويحتمل أن يريد به الستر كما يقول القائل للرجل الشريف أنا في ظلك أي في سترك وقيل إنما وصفه بالظل لأنه يدفع الأذى عن النّاس كما يدفع الظل أذى الشمس اهـ. قوله: (وأول من سمي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب) قال ابن العطار ذكر الواقدي في

стр. 2410

لإجماع العلماء، وكتبُهم متظاهرةٌ على نقل الاتفاق على أن أول من سمي أميرَ المؤمنين عمرُ ابن الخطاب ﵁. وقد ذكر الإِمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتابه "الاستيعاب" في أسماء الصحابة ﵃ بيان تسمية عمر أمير المؤمنين أو لا، وبيان سبب ذلك، وأنه كان يقال في أبي بكر ﵁: خليفة رسول الله ﷺ . ــ تاريخه في السنة الثانية من الهجرة أن النبي ﷺ بعث فيها في شهر رجب عبد الله بن جحش في سرية فيها اثنا عشر رجلاً من المهاجرين ثم قال وفي هذه السرية لقب عبد الله ابن جحش أمير المؤمنين والله أعلم، وفي الأجوبة المرضية عن الأسئلة السبكية للحافظ السيوطي جواباً عن قول الشيخ تاج الدين بن السبكي في ألغازه. من عد من أمراء المؤمنين ولم ... يحكم على النّاس في بدو ولا حضر ولم يكن من قريش حين عد ... ولا يجوز أن يتولى إمرة البشره هو أسامة بن زيد مولى رسول الله ﷺ أمره على جيش فيه أبو بكر وعمر فلم ينفذ حتى توفي رسول الله ﷺ وكان الصحابة في ذلك السفر يدعونه أمير المؤمنين وروينا عن عمر بن الخطاب كان إذا رأى أسامة بن زيد قال السلام عليك أيها الأمير فيقول أسامة غفر الله لك أمير المؤمنين تقول لي هذا فيقول لا أزال أدعوك ما عشت بالأمير مات رسول الله ﷺ وأنت علي أمير اهـ. وبما ذكر يحمل كلام المصنف على أنه أراد من سمي بذلك أمير المؤمنين من الخلفاء وليس مراده أنه أول من سمي به مطلقاً وعبارة ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين أول من سمي به من الخلفاء عمر مطلقاً فقد سمي به عبد الله بن جحش حين أمره رسول الله ﷺ على السرية التي أرسلها أول مقدمه المدينة وفيها أنزل ﴿يسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ﴾ الآيتين اهـ. قوله: (وقد ذكر الحافظ ابن عبد البر) عبارته، القصة التي ذكرت في تسمية عمر نفسه أمير المؤمنين، ذكر الزبير قال عمر لما ولي كان أبو بكر يقال له خليفة رسول الله ﷺ فكيف يقال خليفة خليفة يطول هذا قال فقال له المغيرة بن شعبة أنت أميرنا ونحن المؤمنون فأنت أمير

стр. 2411

فصل: يحرم تحريماً غليظاً أن يقول للسلطان وغيره من الخلق: شاهان شاه، لأن معناه: ملك الملوك، ولا يوصف بذلك غير الله . وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن أخْنَعَ اسمٍ عِنْدَ اللهِ تعالى رَجُل تسمَّى مَلِكَ الأمْلاكِ" وقد قدَّمنا بيان هذا في "كتاب الأسماء" وأن سفيان بن عيينة قال: ملك الأملاك، مثل شاهان شاه. ــ المؤمنين قال فذاك إذا، وأعلى من ذلك ما حدثني به خلف بن القاسم إلى أن قال عن الزهري أن عمر بن عبد العزيز سأل أبا بكر بن سليمان بن أبي خيثمة لأي شيء كان أبو بكر خليفة رسول الله وكان عمر يكتب من خليفة أبي بكر، ومن أول من كتب من أمير المؤمنين فقال حدثتني الشفاء وكانت من المهاجرات الأول أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل العراق أن ابعث إلي برجلين جلدين نبيلين أسألهما عن العراق وأهله فبعث إليه لبيد بن ربيعة العامري وعدي بن حاتم الطائي فلما قدما المدينة أناخا راحلتيهما بفناء المسجد ودخلا المسجد فإذا هما بعمرو بن العاص فقالا له استأذن لنا على أمير المؤمنين فقال عمرو أنتما والله أصبتما اسمه نحن المؤمنون وهو أميرنا فوثب عمرو فدخل على عمر فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال عمر ما بالك في هذا الاسم يعلم الله لتخرجن مما قلت فأخبره قال فجرى الكتاب بذلك من يومئذٍ قلت وأخرجه كذلك الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك كلاهما من طريق ابن شهاب فذكراه وخرج ابن عبد البر وجهاً آخر قال روينا من وجوه أن عمر كان يرمي الجمرة وأتاه حجر فوقع على ضلعه فأدماه وثم رجل من بني لهب فقال أشعر أمير المؤمنين لا يحج بعدها ثم جاء إلى الجمرة الثانية فصاح رجل يا خليفة رسول الله ﷺ فقال لا يحج أمير المؤمنين بعد عامه هذا فقتل عمر بعد رجوعه من الحج قال ابن عبد البر ولهب بكسر اللام قبيلة من الأزد تعرف فيها القافة والزجر اهـ. فصل قوله: (يحرم تحريماً غليظاً الخ) تقدم بما فيه في كتاب

стр. 2412

فصل: في لفظ السيد: اعلم أن السيد يطلق على الذي يفوق قومه، ويرتفع قدره عليهم، ويطلق على الزعيم والفاضل، ويطلق على الحليم الذي لا يستفزَّه غضبه، ويطلق على الكريم، وعلى المالك، وعلى الزوج، وقد ــ الأسماء. فصل قوله: (السيد يطلق على الذي يفوق على قومه الخ) هذا قول الهروي وقال غيره هو الذي يفزع إليه في النوائب والشدائد فيقوم بأمرهم ويتحمل عنهم مكارههم ويدفعها عنهم ثم هذه الأقوال والإطلاقات التي ذكرها الشيخ وغيره مأخوذة أقوال المفسرين وأهل اللغة، وأما المشايخ العارفون فقال بعضهم هو الراضي بالقضاء وقيل المتوكل وقيل عظيم الهمة وقيل المستغني عن غير مولاه وقيل من لا يحسد غيره فالحسود لا يسود وقيل المتحقق بحقيقة الدين الحق وقيل المباين للخلق وصفاً وخلقاً وحالاً وقيل من صحح نسبته مع أهل حضرة الحق فاستوجب به ميراث نسبته وقيل من جاد بالكونين في حب مولاه فقربه وتولاه وقيل من استوت أحواله عند المنع والعطاء وقيل المتبع لأمره مولاه وقيل من غلب شهوته وهواه وقيل من تخلى من أوصاف البشرية وتخلق بما ينبغي التخلق به من أوصاف الربوبية فهذه عشرون قولاً من أقوالهم وكل تكلم على قدر علمه وهمته وحاله قال اليافعي والظاهر الذي لا شك فيه أن السيادة فيما يرجع إلى عرف النّاس تختلف باختلاف أحوال النّاس فالسيد عند المشايخ العارفين السادات ما تقتضيه أحوالهم المذكورة وعند العلماء الفضلاء ما تقدم من أقوالهم المذكورة والأوصاف التي يسود بها الإنسان عند أهل الدنيا من يتميز عنهم بأمر من أمورها التي يعظمونها كتولي أمر من أمور السلطنة يرتفع به على من دونه أو جمع مال أو علو جاه أو غير ذلك مما يتعاظمونه والسيد الكامل عند العرب من اجتمعت فيه صفات عديدة جميلة منها الكرم والشجاعة والرأي والحلم وحسن الخلق ورزانة العقل على ما ظهر لي من سرهم وأقوالهم وفهمته من قرائن أحوالهم وقد يكتفون بالثلاثة الأول أعني الكرم والشجاعة والرأي وبالأولين منها وبالأول منها اهـ. قوله: (ويطلق على الزعيم الخ) أي زعيم القوم وفي الصحاح زعيم القوم سيدهم. قوله: (وعلى الحليم الذي لا يستفزه غضبه) أي لا يستخفه والمراد أنه لا يحمله غضبه على الخفة والخروج عما أمر بالوقوف عنده وفي النهاية ويطلق على الحليم وليس فيها قوله الذي الخ

стр. 2413

جاءت أحاديث كثيرة بإطلاق سيد على أهل الفضل. فمن ذلك ما رويناه في "صحيح البخاري" عن أبي بكرة ﵁، أن النبي ﷺ صَعِد بالحسن بن علي ﵄ المنبر فقال: "إنَّ ابْني هذا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ ــ ولعل ما هنا أقصى الحلم المدلول عليه بصيغة المبالغة وأما أصل الحلم بكسر الحاء المهملة المأخوذ منه الحليم فهو التثبت والأناة في الأمر وزاد في النهاية أن السيد يطلق على الرب وعلى الشريف وعلى متحمل أذى قومه وعلى الرئيس والمقدم وسيأتي فيه بعض زيادة قال وأصله من ساد يسود فهو سيود فقلبت الواو ياء لأجل الياء الساكنة قبلها ثم أدغمت اهـ. وقدمنا في أول الكتاب عن بعضهم قولاً آخر إن أصله سويد بوزن فعيل بتقديم الواو على الياء فأعل كما ذكر. قوله: (فمن ذلك ما رويناه في صحيح البخاري) ورواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي كلهم من حديث أبي بكرة. قوله: (إن ابني هذا سيد) قال في النهاية قيل أراد به الحليم لأنه قال في تمامه ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. قوله: (ولعل الله) استعمل لعل استعمال عسى لاشتراكهما في معنى الرجاء وقد تحقق ما وعد به ﷺ ففي البخاري عن أبي موسى قال سمعت الحسين يقول استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص إني لأرى كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها فقال معاوية وكان والله خير الرجلين أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور النّاس من لي بنسائهم من لي بضيعتهم فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس: عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز فقال اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له فطلبا إليه فقال لهما الحسن ابن علي إنا بني عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها قال فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب لك ويسألك قال فمن لي بهذا قالا نحن فما سألهما شيئاً إلا قالا نحن لك به فصالحه اهـ.

стр. 2414

اللهَ تعالى أن يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَينِ مِنَ المُسْلِمِينَ". وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال للأنصار لما أقبل سعد بن معاذ ﵁: "قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ" أو "خَيْرِكُمْ" كذا في بعض الروايات "سيدكم أو خيرِكم" وفي بعضها "سيدكم" ــ وأخذ من قوله بين فئتين من المسلمين عدم تكفير الفئة الباغية. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) وكذا رواه أبو داود. قوله: ٠ للأنصار) أخرج ابن سيد النّاس في السيرة عن ابن إسحاق قصة نزول بني قريظة إلى أن قال فلما انتهى سعد إلى رسول الله ﷺ والمسلمين قال رسول الله ﷺ قوموا إلى سيدكم فأما المهاجرون من قريش فيقولون إنما أراد ﷺ الأنصار وأما الأنصار فيقولون عم بها رسول الله ﷺ المهاجرين والأنصار قال في المرقاة وهذا مع قوله في حديث الصحيحين فقال للأنصار قوموا فيه نظر إذ كيف يتصور فيه حينئذٍ العموم الشامل للمهاجرين نعم يحتمل عموم الأنصار وخصوص قومه منهم والله أعلم ولك أن تقول تعيين الأنصار في خبر الصحيحين من فهم بعض الصحابة فروى ما فهم وقد خالفه غيره فيه ففهم أن الخطاب للجميع فتعارض فيه الفريقان وإنما كان يرتفع الاحتمال لو قال في نفس الحديث قوموا يا معشر الأنصار لسيدكم فافهم والله أعلم. قوله: (قوموا إلى سيدكم أو خيركم) وهذا الحديث احتج به الشيخان وأبو داود على مشروعية القيام قال مسلم لا أعلم في قيام الرجل للرجل حديثاً أصح من هذا ونازع فيه جماعة منهم ابن الحاج بأنه ﷺ إنما أمرهم بالقيام لسعد لينزلوه عن الحمار لكونه كان مريضاً كما في بعض الروايات ففي مسند أحمد زيادة قوموا إلى سيدكم فأنزلوه قال ولو كان القيام المأمور به لسعد هو المنازع فيه لما خص الأنصار فإن الأصل في أفعال القرب التعميم وقال التوربشتي في شرح المصابيح معنى قوله قوموا إلى سيدكم أي إلى إعانته وإنزاله من دابته ولو كان المراد التعظيم لقال قوموا لسيدكم وتعقبه الطيبي بأن الفرق بين إلى واللام ضعيف لأن إلى في هذا المقام أفخم من اللام كأنه قيل قوموا أي امشوا إليه تلقياً وإكراماً وهذا مأخوذ من ترتيب الحكم على الوصف

стр. 2415

بغير شك. وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ أن سعد بن عبادة ﵁ قال: "يا رسول الله أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلاً أيقتله؟ ... الحديث، فقال رسول الله ﷺ : "انْظُرُوا إلى ما يَقُولُ سَيدُكُمْ". وأما ما ورد في النهي، فما رويناه بالإسناد الصحيح في "سنن أبي داودَ" عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَقُولُوا لِلمُنافِقِ سَيِّدٌ، فإنهُ إنْ يَكُ سيِّداً فقَد أسخَطْتُمْ رَبكُمْ ". قلت: والجمع بين ــ المشعر بالعلية فإن قوله سيدكم علة للقيام له وذلك لكونه شريفاً على القدر ذكره السيوطي في مرقاة الصعود وقول ابن الحاج لو كان القيام المأمور به لسعد الخ يجاب عنه بما في كلام السيوطي من أن المقتضي لزيادة الإكرام السيادة له المقصورة على الأنصار على أنه قد جاء أن الأنصار يقولون بأنه ﷺ عم بها المسلمين الحاضرين من الأنصار والمهاجرين وقد تقدم الكلام في حكم القيام في أواخر كتاب السلام والاستئذان والله أعلم. قوله: (وروينا في صحيح مسلم) وأخرجه مالك في الموطأ وأبو داود. قوله: (أيقتله الحديث) تتمته قال لا قال سعد بلى والذي أكرمك بالحق فقال ﷺ اسمعوا إلى ما يقول سيدكم قال المازري وغيره ليس هذا القول من سعد رداً لقول رسول الله ﷺ ومخالفة لأمره وإنما هو إخبار عن حالة الإنسان عند رؤية الرجل مع امرأته واستيلاء الغضب عليه فإنه حينئذٍ يعاجله بالسيف وإن كان عاصياً وأما السيد فقال ابن الأنباري وغيره هو الذي يفوق قومه في الفخر قالوا والسيد أيضاً الحليم وهو أيضاً حسن الخلق وهو أيضاً الرئيس ومعنى الحديث تعجبوا من قول سيدكم. قوله: (وأما ما ورد في النهي) عن استعمال السيد (فما رويناه بالإسناد الصحيح في سنن أبي داود الخ) قال المنذري في الترغيب وكذا رواه النسائي بإسناد صحيح أيضاً ورواه الحاكم والبيهقي عن بريدة ولفظه إذا قال الرجل للمنافق يا سيد فقد أغضب ربه وقال صحيح الإسناد كذا قال اهـ. قلت وأخرجه ابن السني في كتاب عمل اليوم والليلة. قوله: (ولا تقولوا للمنافق سيد) أي لا تقولوا هو سيد لأن المنافق يجب عليك

стр. 2416

هذه الأحاديث أنه لا بأس بإطلاق فلان سيد، ويا سيدي، وشبه ذلك إذا كان المسوَّد فاضلاً خيِّراً، إما بعلم، وإما بصلاح، وإما بغير ذلك، وإن كان فاسقاً، أو متَّهماً في دينه، أو نحو ذلك، كُره له أن يقال: سيد. وقد روينا عن الإِمام أبي سليمان الخطابي في "معالم السنن" في الجمع بينهما نحو ذلك. فصل: يكره أن يقول المملوك لمالكه: ربي، بل يقول: سيدي، ــ أن تسخطه والسيد يجب عليك أن لا تسخطه فلو اعتقدت أن المنافق سيد ثم أسخطته فقد أسخطت ربك لأن السيد الحقيقي هو الله تعالى أو قد أسخطت ربك على زعمك أي زعمت أن المنافق ربك كرب الدابة ثم أسخطته والعبد لا يسخط مولاه والعجم تعظم الطبيب اليهودي إلى الآن ويدعونه مولاهم على وجه التعظيم وهو داخل في النهي والتحذير منه قاله العاقولي وفي النهاية فإنه إن كان سيدكم وهو منافق فحالكم دون حاله والله لا يرضى لكم ذلك وقال الطيبي فإنه إن يك سيداً لكم فيجب عليكم طاعته فإذا أطعتموه فقد أسخطتم ربكم أو لا تقولوا للمنافق سيد فإنكم إن قلتم ذلك فقد أسخطتم ربكم فوضع الكون موضع القول تحقيقاً له اهـ. قلت والأظهر أن حاصله النهي عن إطلاق لفظ السيد على وجه التعظيم لأنه يتسبب عنه سخط الله وذلك لأن التعظيم يؤدي إلى التواد والتحاب ووصف أهل الإيمان أن لا يوالوا من عادى الله رسوله بشنآن والله أعلم. قوله: (إما بعلم) أي شرعي أو آلته. فصل قوله: (يكره) أي تنزيهاً كما عليه الجمهور وقضية كلام بعضهم أنه على سبيل التحريم قال العراقي في شرح التقريب وليس كذلك وفاعل يكره قوله (أن يقول المملوك لمالكه ربي) وكذا يكره لغيره أن يقول له ربك ومحل كون لفظ رب مختصاً بالله تعالى إذا لم يكن مضافاً نحو الرب أما المضاف فيطلق عليه تعالى نحو رب العالمين وعلى غيره نحو ارجع إلى ربك كما سيأتي في كلام المصنف

стр. 2417

وإن شاء قال: مولاي. ويكره للمالك أن يقول: عبدي وأمتي، ولكن يقول: فتاي وفتاتي أو غلامي. روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" ــ وأما لفظ المولى والسيد فلا يختصان به تعالى وإنما كره إطلاقه على السيد لأن حقيقة الربوبية لله سبحانه لأن الرب هو المالك والقائم بالشيء ولا يوجد حقيقة هذا إلا في الله تعالى وأما ما جاء في قوله ﷺ : وأن تلد الأمة ربتها فأجيب بأنه محمول على بيان الجواز وأن النهي عن ذلك على سبيل الأدب والتنزيه لا التحريم أو أن النهي إنما هو عن الإكثار من استعمال هذه اللفظة واتخاذها عادة شائعة ولم ينه عن إطلاقها في نادر من الأحوال واختار القاضي عياض هذا الأخير. قوله: (ويكره للمالك) أي تنزيهاً (أن يقول لمملوكه عبدي) وذلك حذراً من إيهام الشركة أي لأن لفظ عبدي وأمتي يشترك فيه الخالق والمخلوق فيقال عبد الله وأمة الله فيكره ذلك للاشتراك ولأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله سبحانه ولأن فيها تعظيماً لا يليق بالمخلوق استعماله لنفسه وقد بين ﷺ العلة في ذلك حيث قال كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله فنهى عن التطاول في اللفظ كما نهى عن التطاول في الأفعال وفي إسبال الإزار وغيره وأما غلامي وجاريتي وفتاتي فليست دالة على الملك كدلالة عبدي مع أنها تطلق على الحر والمملوك وإضافته ليست للملك وإنما هي للاختصاص قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾، وأما استعمال الجارية في الحرة الصغيرة فمشهور معروفة في استعمال العرب مشهور في الجاهلية والإسلام وأصل الفتوة الشباب وقد تستعمل فيمن كملت فضائله ومكارمه كما جاء لا فتى إلا علي ومنه أخذ الصوفية الفتوة المتعارفة بينهم وأصل مدلول الغلام الصغير إلى أن يبلغ وقد يطلق على الرجل المستحكم القوة قال المصنف والظاهر أن المراد بالنهي في الأحاديث عن استعمال ما ذكر فيها استعماله على جهة التعاظم والارتفاع لا للوصف والتعريف وقال العراقي ينبغي استمرار الكراهة ولو قصد التعريف دون التعاظم لكن إن أمكن التعريف بغيره للاشتراك في اللفظ كما تقدم وإن خلا عن القصد القبيح استعمالاً للأدب في الألفاظ وهذا مقتضى الحديث. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) قال العراقي في شرح التقريب أخرجه الشيخان من هذا الوجه البخاري عن

стр. 2418

عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يَقُلْ أحَدُكُمْ: أطْعِمْ رَبَّكَ، وَضئْ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي ومَولايَ، ولا يَقُلْ أحَدُكُمْ: ــ محمد وهو ابن يحيى الذهلي ومسلم عن محمد بن رافع كلاهما عن عبد الرزاق أي عن همام عن أبي هريرة وأخرجه مسلم والنسائي في عمل اليوم والليلة من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي كلكم عبيد الله ونساؤكم إماء الله ولكن ليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي وأخرجاه أيضاً من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ لا يقولن أحدكم عبدي فإن كلكم عبيد الله ولكن ليقل فتاي ولا يقل أحدكم مولاي فإن مولاكم الله ولكن ليقل سيدي وأخرجه أبو داود والنسائي في اليوم والليلة من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة بلفظ لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي ولا يقل المملوك ربي وربتي ولكن ليقل المالك فتاي وفتاتي والمملوك سيدي وسيدتي فإنكم المملوكون والرب الله تعالى قلت محمد الراوي عن أبي هريرة هو ابن سيرين كما صرح به ابن السني في اليوم والليلة وأخرج الحديث بهذا اللفظ من هذا الطريق. قوله: (لا يقل أحدكم أطعم ربك) أي لا يقل أحدكم للمملوك على سبيل التنزيه أطعم ربك أي سيدك ودخل في هذا النهي السيد فإنه قد يقول اسق ربك فيضع الظاهر موضع الضمير تعظيماً لنفسه بل هو أولى بالنهي من قول العبد أو الأجنبي ذلك عن السيد. قوله: (وليقل سيدي ومولاي) المعطوف عليه محذوف من هذه الرواية وهو لا يقل أحدكم ربي وقد جاء مصرحاً به في رواية لمسلم كما أشار إليه الشيخ بقوله بعد وفي رواية لمسلم ولا يقل الخ لكن ظاهر كلامه هذا أن قوله ولا يقل أحدكم ربي ساقط من حديث أبي هريرة هذا عند مسلم في بعض رواياته عنه ولم أره كذلك فيه بل صريح كلام العراقي أنه ثابت عنده من هذه الطريق فلعل في النسخ اختلافاً قال العراقي فيه إنه لا بأس

стр. 2419

عَبْدِي، أمَتي، وَلْيَقُلْ: فَتايَ، وَفَتاتي وغُلامي". وفي رواية لمسلم "وَلا يَقُلْ أحَدُكُمْ: رَبي، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَولاي". وفي رواية له: "لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: عَبْدِي، فَكُلُّكُمْ عَبِيدٌ، وَلا يَقُل العَبْدُ: رَبي، وَلْيَقُلْ: سَيِّدي". وفي رواية له "لا يَقُولَنَّ أحَدُكُم: عَبْدِي وأمَتي، كُلُّكُمْ عبِيدُ الله، وكُلُّ نِسائِكُمْ إماءُ الله، ــ بقول المملوك عن مالكه سيدي وذلك لأن لفظ السيد غير مختص بالله اختصاص لفظ الرب ولا مستعمل فيه كاستعماله حتى نقل القاضي عياض عن مالك أنه كره الدعاء بسيدي ولم تأت تسمية الله تعالى بالسيد في القرآن ولا في حديث متواتر قال النووي فليس في قول العبد سيدي إشكال لأنه يستعمله غير العبد والأمة وقال القرطبي إنا فرق بين الرب والسيد لأن الرب من أسماء الله تعالى بالاتفاق واختلف في السيد فإن قلنا ليس من أسمائه فالفرق واضح إذ لا التباس ولا إشكال يلزم من إطلاقه كما يلزم من إطلاق لفظ الرب وإذا قلنا إنه من أسمائه تعالى فليس هو في الشهرة والاستعمال كلفظ الرب فيحصل الفرق بذلك وأما من حيث اللغة فالرب من رب الشيء يربه ورباه يربيه إذا قام عليه بما يصلحه ويكمله فهو رب وراب والسيد من السودد وهو المتقدم ولا شك في تقديم السيد على غلامه فلما حصل الافتراق جاز الإطلاق اهـ. وفيه أنه لا بأس بقول المملوك مولاي أيضاً ويعارضه ما تقدم عند مسلم والنسائي من النهي وقد بين مسلم الاختلاف على الأعمش وأن أبا معاوية ووكيعاً ذكراها عن الأعمش دون جرير بن عبد الحميد قال القاضي عياض وحذفها أصح وقال القرطبي روي من طرق متعددة مشهورة ليس ذلك مذكوراً فيها فظن أن اللفظ الأول أرجح وإنما صرنا للترجيح للتعارض بينهما والجمع متعذر والعلم بالتاريخ مفقود فلم يبق إلا الترجيح كما ذكرناه اهـ. وقال النووي في توجيه ذلك إن المولى يقع على ستة عشر معنى منها الناصر والمالك اهـ. كلام العراقي ثم نقل بعده كلاماً وقال مقتضاه أن استعمال مولاي أسهل وأقرب إلى عدم الكراهة من سيدي وقال ابن حزم الظاهري فإن قال مولاي فذلك مباح والأفضل سيدي اهـ. قوله: (ولا يقل أحدكم ربي) أي لا لسيده ولا لغيره ممن يعظمه من عالم وصالح لما تقدم. قوله: (كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله) علة للنهي عن إطلاق لفظ العبد والأمة.

стр. 2420

وَلَكِنْ لِيَقُلْ: غُلامي وَجارِيتي، وفتَايَ وفَتَاتِي". قلت: قال العلماء: لا يطلق الربُّ بالألف واللام إلا على الله تعالى خاصة، فأما مع الإضافة فيقال: رب المال، ورب الدار". وغير ذلك. ومنه قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح في ضالة الإبل: "دَعْها حتى يَلْقاها رَبُّها" والحديث الصحيح: "حَتى يُهِمَّ ربّ المالِ مَنْ يَقْبَل صَدَقَتَهُ" وقول عمر ﵁ في "الصحيح": ربُّ الصُّرَيْمَة والغُنَيْمَةِ. ونظائره في الحديث كثيرة مشهورة. وأما استعمال حملة الشرع ذلك، فأمر مشهور معروف. قال العلماء: وإنما كره للمملوك أن يقول لمالكه: ربي، لأن في لفظه مشاركة الله تعالى في الربوبية. وأما حديث "حتى يلقاها ربُّها" و"ربُّ الصريمة" وما في معناهما، فإنما استعمل لأنها غير مكلفة، فهي كالدار والمال، ولا شك أنه لا كراهة في قول: ربّ الدار، وربّ المال. وأما قول يوسف ﷺ : ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] فعنه جوابان: أحدهما: أنه ــ قوله: (لا يطلق الرب الخ) وأما يا رب الرب فمن ألفاظ الجاهلية. قوله: (في الحديث الصحيح في ضالة الإبل) رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي كلهم من حديث زيد بن خالد وفيه روايات عديدة جمع جملة منها ابن الأثير في جامع الأصول. قوله: (والحديث الصحيح الخ) رواه مسلم من جملة حديث أبي هريرة. قوله: (حتى يهم) بضم التحتية من أهم. قوله: (وقول عمر في الصحيح) رواه. قوله: (رب الصريمة والغنيمة) بالنصب مفعول أدخل الذي حذفه المصنف لعدم تعلق غرضه به وإلا فلفظ عمر لمولاه أدخل رب الصريمة الخ واللفظان مصغران أي أدخل إبل صاحب الإبل القليلة وغنم صاحب الغنم القليلة في المرعى والحمى. قوله: (وأما قول يوسف الخ) وهو في شرح مسلم وكذا يجاب عن قوله أن ربي
следующие страницы →