Полный текст (2 732 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
هذه الأحاديث أنه لا بأس بإطلاق فلان سيد، ويا سيدي، وشبه ذلك إذا كان المسوَّد فاضلاً خيِّراً، إما بعلم، وإما بصلاح، وإما بغير ذلك، وإن كان فاسقاً، أو متَّهماً في دينه، أو نحو ذلك، كُره له أن يقال: سيد. وقد روينا عن الإِمام أبي سليمان الخطابي في "معالم السنن" في الجمع بينهما نحو ذلك.
فصل: يكره أن يقول المملوك لمالكه: ربي، بل يقول: سيدي،
ــ
أن تسخطه والسيد يجب عليك أن لا تسخطه فلو اعتقدت أن المنافق سيد ثم أسخطته فقد أسخطت ربك لأن السيد الحقيقي هو الله تعالى أو قد أسخطت ربك على زعمك أي زعمت أن المنافق ربك كرب الدابة ثم أسخطته والعبد لا يسخط مولاه والعجم تعظم الطبيب اليهودي إلى الآن ويدعونه مولاهم على وجه التعظيم وهو داخل في النهي والتحذير منه قاله العاقولي وفي النهاية فإنه إن كان سيدكم وهو منافق فحالكم دون حاله والله لا يرضى لكم ذلك وقال الطيبي فإنه إن يك سيداً لكم فيجب عليكم طاعته فإذا أطعتموه فقد أسخطتم ربكم أو لا تقولوا للمنافق سيد فإنكم إن قلتم ذلك فقد أسخطتم ربكم فوضع الكون موضع القول تحقيقاً له اهـ. قلت والأظهر أن حاصله النهي عن إطلاق لفظ السيد على وجه التعظيم لأنه يتسبب عنه سخط الله وذلك لأن التعظيم يؤدي إلى التواد والتحاب ووصف أهل الإيمان أن لا يوالوا من عادى الله رسوله بشنآن والله أعلم. قوله: (إما بعلم) أي شرعي أو آلته.
فصل
قوله: (يكره) أي تنزيهاً كما عليه الجمهور وقضية كلام بعضهم أنه على سبيل التحريم قال
العراقي في شرح التقريب وليس كذلك وفاعل يكره قوله (أن يقول المملوك لمالكه ربي) وكذا يكره لغيره أن يقول له ربك ومحل كون لفظ رب مختصاً بالله تعالى إذا لم يكن مضافاً نحو الرب أما المضاف فيطلق عليه تعالى نحو رب العالمين وعلى غيره نحو ارجع إلى ربك كما سيأتي في كلام المصنف
стр. 2417
وإن شاء قال: مولاي. ويكره للمالك أن يقول: عبدي وأمتي، ولكن يقول: فتاي وفتاتي أو غلامي.
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم"
ــ
وأما لفظ المولى والسيد فلا يختصان به تعالى وإنما كره إطلاقه على السيد لأن حقيقة الربوبية لله سبحانه لأن الرب هو المالك والقائم بالشيء ولا يوجد حقيقة هذا إلا في الله تعالى وأما ما جاء في قوله ﷺ : وأن تلد الأمة ربتها فأجيب بأنه محمول على بيان الجواز وأن النهي عن ذلك على سبيل الأدب والتنزيه لا التحريم أو أن النهي إنما هو عن الإكثار من استعمال هذه اللفظة واتخاذها عادة شائعة ولم ينه عن إطلاقها في نادر من الأحوال واختار القاضي عياض هذا الأخير. قوله: (ويكره للمالك) أي تنزيهاً (أن يقول لمملوكه عبدي) وذلك حذراً من إيهام الشركة أي لأن لفظ عبدي وأمتي يشترك فيه الخالق والمخلوق فيقال عبد الله وأمة الله فيكره ذلك للاشتراك ولأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله سبحانه ولأن فيها تعظيماً لا يليق بالمخلوق استعماله لنفسه وقد بين ﷺ العلة في ذلك حيث قال كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله فنهى عن التطاول في اللفظ كما نهى عن التطاول في الأفعال وفي إسبال الإزار وغيره وأما غلامي وجاريتي وفتاتي فليست دالة على الملك كدلالة عبدي مع أنها تطلق على الحر والمملوك وإضافته ليست للملك وإنما هي للاختصاص قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾، وأما استعمال الجارية في الحرة الصغيرة فمشهور معروفة في استعمال العرب مشهور في الجاهلية والإسلام وأصل الفتوة الشباب وقد تستعمل فيمن كملت فضائله ومكارمه كما جاء لا فتى إلا علي ومنه أخذ الصوفية الفتوة المتعارفة بينهم وأصل مدلول الغلام الصغير إلى أن يبلغ وقد يطلق على الرجل المستحكم القوة قال المصنف والظاهر أن المراد بالنهي في الأحاديث عن استعمال ما ذكر فيها استعماله على جهة التعاظم والارتفاع لا للوصف والتعريف وقال العراقي ينبغي استمرار الكراهة ولو قصد التعريف دون التعاظم لكن إن أمكن التعريف بغيره للاشتراك في اللفظ كما تقدم وإن خلا عن القصد القبيح استعمالاً للأدب في الألفاظ وهذا مقتضى الحديث.
قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) قال العراقي في شرح التقريب أخرجه الشيخان من هذا الوجه البخاري عن
стр. 2418
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يَقُلْ أحَدُكُمْ: أطْعِمْ رَبَّكَ، وَضئْ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي ومَولايَ، ولا يَقُلْ أحَدُكُمْ:
ــ
محمد وهو ابن يحيى الذهلي ومسلم عن محمد بن رافع كلاهما عن عبد الرزاق أي عن همام عن أبي هريرة وأخرجه مسلم والنسائي في عمل اليوم والليلة من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي كلكم عبيد الله ونساؤكم إماء الله ولكن ليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي وأخرجاه أيضاً من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ لا يقولن أحدكم عبدي فإن كلكم عبيد الله ولكن ليقل فتاي ولا يقل أحدكم مولاي فإن مولاكم الله ولكن ليقل سيدي وأخرجه أبو داود والنسائي في اليوم والليلة من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة بلفظ لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي ولا يقل المملوك ربي وربتي ولكن ليقل
المالك فتاي وفتاتي والمملوك سيدي وسيدتي فإنكم المملوكون والرب الله تعالى قلت محمد الراوي عن أبي هريرة هو ابن سيرين كما صرح به ابن السني في اليوم والليلة وأخرج الحديث بهذا اللفظ من هذا الطريق. قوله: (لا يقل أحدكم أطعم ربك) أي لا يقل أحدكم للمملوك على سبيل التنزيه أطعم ربك أي سيدك ودخل في هذا النهي السيد فإنه قد يقول اسق ربك فيضع الظاهر موضع الضمير تعظيماً لنفسه بل هو أولى بالنهي من قول العبد أو الأجنبي ذلك عن السيد. قوله: (وليقل سيدي ومولاي) المعطوف عليه محذوف من هذه الرواية وهو لا يقل أحدكم ربي وقد جاء مصرحاً به في رواية لمسلم كما أشار إليه الشيخ بقوله بعد وفي رواية لمسلم ولا يقل الخ لكن ظاهر كلامه هذا أن قوله ولا يقل أحدكم ربي ساقط من حديث أبي هريرة هذا عند مسلم في بعض رواياته عنه ولم أره كذلك فيه بل صريح كلام العراقي أنه ثابت عنده من هذه الطريق فلعل في النسخ اختلافاً قال العراقي فيه إنه لا بأس
стр. 2419
عَبْدِي، أمَتي، وَلْيَقُلْ: فَتايَ، وَفَتاتي وغُلامي".
وفي رواية لمسلم "وَلا يَقُلْ أحَدُكُمْ: رَبي، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَولاي".
وفي رواية له: "لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: عَبْدِي، فَكُلُّكُمْ عَبِيدٌ، وَلا يَقُل العَبْدُ: رَبي، وَلْيَقُلْ: سَيِّدي".
وفي رواية له "لا يَقُولَنَّ أحَدُكُم: عَبْدِي وأمَتي، كُلُّكُمْ عبِيدُ الله، وكُلُّ نِسائِكُمْ إماءُ الله،
ــ
بقول المملوك عن مالكه سيدي وذلك لأن لفظ السيد غير مختص بالله اختصاص لفظ الرب ولا مستعمل فيه كاستعماله حتى نقل القاضي عياض عن مالك أنه كره الدعاء بسيدي ولم تأت تسمية الله تعالى بالسيد في القرآن ولا في حديث متواتر قال النووي فليس في قول العبد سيدي إشكال لأنه يستعمله غير العبد والأمة وقال القرطبي إنا فرق بين الرب والسيد لأن الرب من أسماء الله تعالى بالاتفاق واختلف في السيد فإن قلنا ليس من أسمائه فالفرق واضح إذ لا التباس ولا إشكال يلزم من إطلاقه كما يلزم من إطلاق لفظ الرب وإذا قلنا إنه من أسمائه تعالى فليس هو في الشهرة والاستعمال كلفظ الرب فيحصل الفرق بذلك وأما من حيث اللغة فالرب من رب الشيء يربه ورباه يربيه إذا قام عليه بما يصلحه ويكمله فهو رب وراب والسيد من السودد وهو المتقدم ولا شك في تقديم السيد على غلامه فلما حصل الافتراق جاز الإطلاق اهـ. وفيه أنه لا بأس بقول المملوك مولاي أيضاً ويعارضه ما تقدم عند مسلم والنسائي من النهي وقد بين مسلم الاختلاف على الأعمش وأن أبا معاوية ووكيعاً ذكراها عن الأعمش دون جرير بن عبد الحميد قال القاضي عياض وحذفها أصح وقال القرطبي روي من طرق متعددة مشهورة ليس ذلك مذكوراً فيها فظن أن اللفظ الأول أرجح وإنما صرنا للترجيح للتعارض بينهما والجمع متعذر والعلم بالتاريخ مفقود فلم يبق إلا الترجيح كما ذكرناه اهـ. وقال النووي في توجيه ذلك إن المولى يقع على ستة عشر معنى منها الناصر والمالك اهـ. كلام العراقي ثم نقل بعده كلاماً وقال مقتضاه أن استعمال مولاي أسهل وأقرب إلى عدم الكراهة من سيدي وقال ابن حزم الظاهري فإن قال مولاي فذلك مباح والأفضل سيدي اهـ.
قوله: (ولا يقل أحدكم ربي) أي لا لسيده ولا لغيره ممن يعظمه من عالم وصالح لما تقدم.
قوله: (كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله) علة للنهي عن إطلاق لفظ العبد والأمة.
стр. 2420
وَلَكِنْ لِيَقُلْ: غُلامي وَجارِيتي، وفتَايَ وفَتَاتِي".
قلت: قال العلماء: لا يطلق الربُّ بالألف واللام إلا على الله تعالى خاصة، فأما مع الإضافة فيقال: رب المال، ورب الدار". وغير ذلك. ومنه قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح في ضالة الإبل: "دَعْها حتى يَلْقاها رَبُّها" والحديث الصحيح: "حَتى يُهِمَّ ربّ المالِ مَنْ يَقْبَل صَدَقَتَهُ" وقول عمر ﵁ في "الصحيح": ربُّ الصُّرَيْمَة والغُنَيْمَةِ. ونظائره في الحديث كثيرة مشهورة.
وأما استعمال حملة الشرع ذلك، فأمر مشهور معروف. قال العلماء: وإنما كره للمملوك أن يقول لمالكه: ربي، لأن في لفظه مشاركة الله تعالى في الربوبية. وأما حديث "حتى يلقاها ربُّها" و"ربُّ الصريمة" وما في معناهما، فإنما استعمل لأنها غير مكلفة، فهي كالدار والمال، ولا شك أنه لا كراهة في قول: ربّ الدار، وربّ المال. وأما قول يوسف ﷺ : ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] فعنه جوابان:
أحدهما: أنه
ــ
قوله: (لا يطلق الرب الخ) وأما يا رب الرب فمن ألفاظ الجاهلية. قوله: (في الحديث الصحيح في ضالة الإبل) رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي كلهم من حديث زيد بن خالد وفيه روايات عديدة جمع جملة منها ابن الأثير في جامع الأصول. قوله: (والحديث الصحيح الخ) رواه مسلم من جملة حديث أبي هريرة. قوله: (حتى يهم) بضم التحتية من أهم. قوله: (وقول عمر في الصحيح) رواه. قوله: (رب الصريمة والغنيمة) بالنصب مفعول أدخل الذي حذفه المصنف لعدم تعلق غرضه به وإلا فلفظ عمر لمولاه أدخل رب الصريمة الخ واللفظان مصغران أي أدخل إبل صاحب الإبل القليلة وغنم صاحب الغنم القليلة في المرعى والحمى. قوله: (وأما قول يوسف الخ) وهو في شرح مسلم وكذا يجاب عن قوله أن ربي
стр. 2421
خاطبه بما يعرفه، وجاز هذا الاستعمال للضرورة، كما قال موسى ﷺ للسامري: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ [طه: ٩٧] أي الذي اتخذته إلهاً.
والجواب الثاني: أن هذا شرع مَنْ قبلنا لا يكون شرعاً لنا إذا ورد شرعنا بخلافه، وهذا لا خلاف فيه. وإنما اختلف أصحاب الأصول في شرع مَنْ قبلنا إذا لم يرد شرعنا بموافقته ولا مخالفته، هل يكون شرعاً لنا، أم لا؟ .
فصل: قال الإِمام أبو جعفر النحاس في كتابه "صناعة الكُتَّاب": أما المولى، فلا نعلم اختلافاً بين العلماء أنه لا ينبغي لأحدٍ أن يقول لأحد من المخلوقين: مولاي.
قلت: وقد تقدم في الفصل السابق جواز إطلاق مولاي، ولا مخالفة بينه وبين هذا، فإن النحاس تكلَّم في المولى بالألف واللام، وكذا قال النحاس: يقال: سيد، لغير الفاسق، ولا يقال: السيد، بالألف واللام لغير الله تعالى، والأظهر أنه لا بأس بقوله: المولى والسيد
ــ
أحسن مثواي. قوله: (خاطبه بما يعرفه) أي تبكيتاً له وتقبيحاً لفعله إذ جعل الأهل من ليس أهلاً لذلك. قوله: (وجاز هذا الاستعمال للضرورة) أي لضرورة إفهام المخاطب المراد إذ لا يفهم إلا ما يعرفه. قوله: (هل يكون شرعاً لنا) وبه قال المصنف وقال بعضهم الأظهر في
الجواب عن قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ أن الضمير لله تعالى أي أن الله خالقي أحسن منزلتي ومأواي بأن عطف على القلوب فلا أعصيه وعن قوله ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي اذكر حالي عند الملك كي يخلصني فأنساه الشيطان ذكر ربه أي أنسى يوسف ذكر الله تعالى حتى استعان بغير الله ويؤيده قوله ﷺ رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك لما لبث في السجن سبعاً بعد الخمس كذا في تفسير البيضاوي وقال أبو سعيد القرشي لما قال لصاحب
стр. 2422
بالألف واللام بشرطه السابق.
فصل: في النهي عن سبِّ الريح
وقد تقدم الحديثان في النهي عن سبِّها، وبيانهما في "باب ما يقول إذا هاجت الريح".
فصل: يكره سب الحمى
روينا في "صحيح مسلم" عن جابر ﵁، أن رسول الله ﷺ دخل على أمّ السائب -أو أمّ المسيب- فقال: "ما لَكِ يا أُمَّ السَّائِب -أو يا أم المسيِّب- تُزَفْزِفِينَ؟ " قالت: الحمى لا بارك الله فيها، فقال: "لا تَسُبِّي الحُمَّى،
ــ
السجن اذكرني عند ربك نزل جبريل ﵇ فقال له الله يقرئك السلام ويقول لك من حببك إلى أبيك من بين إخوتك ومن قيض لك السيارة بتخليصك ومن طرح في قلب من اشتراك من مودتك حتى قال ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ الآية ومن صرف عنك وبال المعصية قال الله تعالى قال فإنه يقول لك أنا الذي حفظتك في هذه المواضع أخشيت أن أنساك في السجن حتى استعنت بغيري وقلت اذكرني عند ربك إذا كان ربك أقرب منك وأقدر على خلاصك من رب صاحب السجن لتلبثن فيه بضع سنين قال يوسف ﵇ وربي عني راض قال: نعم قال: لا أبالي ولو إلى الساعة كذا في حقائق السلمي. قوله: (بشرطه السابق) أي أن لا يقوله في فاسق أو متهم في دينه أو نحو ذلك. قوله: (وبيانهما في باب ما يقول إذا هاجت الريح) أي في كتاب أذكار صلوات مخصوصة.
قوله: (روينا في صحيح مسلم) ورواه ابن عبد البر في الاستيعاب وابن منده في معرفة الصحابة وغيرهم. قوله: (دخل على أم السائب أو أم المسيب) هي امرأة من الأنصار وقع الشك في اسمها وقد ذكره كذلك ابن الأثير في أسد الغابة. قوله: (لا تسبي الحمى) فيه أنها دعت عليها أن لا يبارك فيها ولم تصرح بسبها لكن لما كان مثل هذا الدعاء يتضمن تنقيص المدعو عليه وذمه صار ذلك
стр. 2423
فإنَّهَا تُذْهِبُ خَطايا بَني آدَمَ كَما يُذْهِبُ الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ".
قلت: تزفزين: أي تتحركين حركة سريعة، ومعناه: ترتعد، وهو بضم التاء وبالزاي المكررة وروي أيضاً بالراء المكررة، والزاي أشهر، وممّن حكاهما ابن الأثير،
ــ
كالتصريح بالذم والسب قال القرطبي ففيه ما يدل على أن التعريض والتضمين كالتصريح في الدلالة فيحد كل من فهم منه القذف من لفظه وإن لم يصرح به اهـ. وأصحابنا الشافعية قالوا الأصل براءة
الذمة فلا بد في اشتغالها من سب صريح أو ما يقوم مقامه من الكناية والله أعلم. قوله: (فإنها تذهب خطايا بني آدم) تعليل لمنع سب الحمى بما يكون عنها من الثواب فيتعدى ذلك لكل مشقة أو شدة يرجى عليها ثواب فلا ينبغي أن يذم شيء من ذلك ولا يسب وحكمة ذلك أن سب ذلك إنما يصدر في الغالب عن الضجر وضعف الصبر أو عدمه وربما يفضي صاحبه إلى السخط المحرم مع أنه لا يفيده فائدة ولا يخفف عنه ألماً. قوله: (كما يذهب الكير) في الصحاح قال أبو عمرو الكير كير الحداد وهو زق أو جلد غليظ ذو حافات وأما المبني من الطين فهو الكور بضم الكاف اهـ. قوله: (وهو بضم التاء) قال القرطبي كالقاضي عياض: وبفتحها. من الزفزفة وهو صوت حفيف الريح يقال زفزف الريح الحشيش أي حركه وزفزف النعام في طيرانه حرك جناحه. قوله: (وروي بالراء) أي مع الفاء وروي في خبر مسلم بالراء وبالقاف بدل الفاء قال المصنف ومعناه تتحركين حركة شديدة أي ترعدين قال القرطبي: قال أبو مروان بن سراج يقال بالقاف والفاء بمعنى واحد بمعنى ترعدين قال القرطبي ورواية الفاء -أي مع الزاي كما يدل عليه باقي كلامه- أعرف رواية وأصح معنى وذلك أن الحمى تكون معها حركة
стр. 2424
وحكى صاحب "المطالع" الزاي وحكى الراء مع القاف، والمشهور أنه بالفاء سواء كان بالزاي أو بالراء.
فصل: في النهي عن سب الديك
روينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسُبُّوا الدِّيكَ، فإنَّهُ يُوقِظُ للصلاةِ".
فصل: في النهي عن الدعاء بدعوى الجاهلية وذمّ استعمال ألفاظهم
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لَيسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا
ــ
ضعيفة وحسن صوت يشبه الزفزفة التي هي حركة الريح وصوتها في الشجر وقالوا ريح زفزاف وزفزف وأما الرقرقة بالراء والقاف فهي التلألؤ واللمعان ومنه رقراق السراب ورقراق الماء ما ظهر من لمعانه غير أنه لا يظهر لمعانه إلا إذا تحرك وجاء وذهب فلهذا حسن أن يقال مكان الزفزفة لكن يفارق الزفزفة الرقرقة بأن الزفزفة معها صوت وليس ذلك مع الرقرقة فانفصلا اهـ. قوله: (وحكى صاحب المطالع) أي لكن في غير مسلم كما ذكره المصنف في شرحه عليه. قوله: (لا تسبوا الديك) أي سواء كان أبيض أو لا والديك ذكر الدجاج جمعه ديكة كفيلة وديوك. قوله: (فإنه يوقظ للصلاة) علة للنهي أي لا يحملكم قيامكم من المنام عند سماع صوت الديك على سبه لما تجدونه من فقد لذة النوم فإنه يوقظ للصلاة التي هي خير من النوم.
فصل في النهي عن الدعاء بدعوى الجاهلية
أي نحو واجبلاه واكهفاه (وذم استعمال ألفاظهم) التي لم يقررها الشارع أي نحو إطلاقهم لفظ صفر على ما يزعمون من أن القتيل إذا قتل ظلماً يخرج منه صوت يقول: أنا عطشان فلا يسكت حتى يقاد من قاتله ونحو تغول الغول وحديث الفضل تقدم في باب تحريم النياحة على الميت وتقدم
الكلام على ما يتعلق
стр. 2425
بدَعْوَى الجاهِلِيَّةِ" وفي رواية "أوْ شَقَّ أوْ دَعا" بأو.
فصل: ويكره أن يسمى المحرَّم صفراً، لأن ذلك من عادة الجاهلية.
ــ
به ثمة. قوله: (وفي رواية) هي لمسلم كما صرح به المصنف في الباب المذكور والحاصل أنه ليس على الهدي المحمدي من أتى بأحد هذه الثلاث بعد العلم حرمتها والواو في تلك الرواية محمولة على معنى أو إذ لا يعتبر في الخروج عن الهدي المحمدي مجموع الخصال الثلاث بل أحدها كاف.
فصل
قوله: (يكره أن يسمى المحرم صفراً) قيل كانوا يسمونه صفر الأول ويقولون لصفر صفر الثاني فلهذا سمي المحرم شهر الله قال الحافظ السيوطي سئلت لم خص المحرم بقولهم شهر الله دون سائر الشهور مع أن فيها ما يساويه في الفضل أو يزيد عليه كرمضان ووجدت ما يجاب به أن هذا الاسم إسلامي دون سائر المشهور فإن أسماءها كلها على ما كانت عليه في الجاهلية وكان اسم المحرم في الجاهلية صفر الأول والذي بعده صفر الثاني فلما جاء الإسلام سماه الله المحرم فأضيف إلى الله تعالى بهذا الاعتبار وهذه فائدة لطيفة رأيتها في الجمهرة اهـ. ونقل ابن الجوزي أن الشهور كلها لها أسماء في الجاهلية غير هذه الأسماء الإسلامية قال فاسم المحرم بائق وصفر نقيل وربيع الأول طليق وربيع الآخر تاجر وجمادى الأولى أسلح وجمادى الآخرة افتح ورجب احلك وشعبان كسع ورمضان زاهر وشوال بط وذو القعدة حق وذو الحجة نعيش اهـ. وحينئذٍ فيحتاج إلى بيان حكمة إضافته إلى الله سبحانه ولعله لما اختص به مما وقع فيه من الآيات لكثير من الأنبياء وكونه بدء العام وقد فسر به قوله الفجر في أفصح الكلام والله أعلم وسمي المحرم قال بعضهم لكونه من الأشهر الحرم وقال علم الدين السخاوي عندي أنه سمي بذلك تأكيداً لتحريمه فإن العرب كانت تتقلب فيه فتحله عاماً وتحرمه عاماً وقد زدت هذا المقام وضوحاً في مؤلفي في أعمال يوم عاشوراء. قوله: (لأن ذلك عادة الجاهلية) هم ما قبل الإسلام سموا بذلك لكثرة جهالاتهم.
стр. 2426
فصل: يحرم أن يدعى بالمغفرة ونحوها لمن مات كافراً، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] وقد جاء الحديث بمعناه، والمسلمون مجمعون عليه.
ــ
فصل
قوله: (لمن مات كافراً) أي كأبي لهب وأبي جهل. قوله: (تعالى ما كان للنبي الخ) أخرج الشيخان من طريق سعيد بن المسيب عن أبيه قال لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال أي عم قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلمانه حتى كان آخر شيء كلمهم به هو على ملة عبد المطلب فقال النبي ﷺ لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فنزلت ﴿مَا كَانَ
لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية وأنزل في أبي طالب ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية وظاهر هذا أن الآية مكية وأخرج الترمذي وحسنه الحاكم عن علي قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت له: أتستغفر لأبويك وهما مشركان فقال: استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية وأخرج والحاكم والبيهقي في الدلائل وغيرهما عن ابن مسعود قال: خرج رسول الله ﷺ يوماً إلى المقابر فجلس إلى قبر منها فناجاه طويلاً ثم بكى فبكينا لبكائه فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي فأنزل الله (﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية قال الحافظ ابن حجر يحتمل أن يكون لنزول الآية أسباب متقدم وهو أمر أبي طالب ومتأخر وهو أمر آمنة وقصة علي وجمع غيره بتعدد النزول. قلت وما ورد في حق آمنة محمول على أول الأمر وإلا فقد جاء في حديث حسن لتعدد طرقه واعتضاد بعضها ببعض أن الله أحيا له أبويه فآمنا به. قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أي بأن ماتوا على الكفر وفيه دليل على جواز الاستغفار
стр. 2427
فصل: يحرم سبُّ المسلم من غير سبب شرعي يجوِّز ذلك
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "سِبابُ المُسْلِم فُسُوقٌ".
وروينا في "صحيح مسلم" وكتابي أبي داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال: "المُسْتبَّانِ ما قالا، فعَلَى البادِئِ مِنْهُما ما لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ــ
لأحيائهم فإنه طلب توفيقهم إلى الإيمان وبه دفع النقض بإبراهيم فقال: وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها -أي وعدها إبراهيم- أباه -بقوله لأستغفرن لك أي لأطلبن مغفرتك بالتوفيق للإيمان فإنه يجب ما قبله ويدل عليه قراءة من قرأها وعدها إياه وإن فاعل وعد المستكن يرجع إلى أبي إبراهيم والضمير المنفصل يرجع إلى إبراهيم أي عن عدة وعد بها إبراهيم أبوه وهي الوعد بالإيمان- فلما تبين له أنه عدو لله -بأن توفي على الكفر أو أوحي إليه أنه لا يؤمن- تبرأ منه، قطع استغفاره.
قوله: (من غير سبب شرعي يجوز ذلك) أي من نحو تعزير وتأديب. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم) ورواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه كلهم من حديث ابن مسعود ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة وسعد ورواه الطبراني عن عبد الله بن مغفل وعن عمرو ابن النعمان بن مقرن ورواه الدارقطني في الإفراد عن جابر وآخر الحديث عند كلهم وقتاله كفر زاد الطبراني في رواية وحرمة ماله كحرمة دمه كذا في الجامع الصغير. قوله: (سباب) هو بكسر السين المهملة مصدر سب يقال سبه سباً وسباباً والحديث محمول على من سب أو قاتل مسلماً مستحلاً لذلك من غير تأويل وقيل إنما هو على جهة التغليظ لا أنه يخرجه إلى الفسوق والكفر ذكره في النهاية.
قوله: (روينا في صحيح مسلم الخ) ورواه أحمد ايضاً. قوله: (المستبان ما قالا الخ) قال القرطبي المستبان تثنية مستب من السب وهو الشتم والأذى مرفوعان بالابتداء
стр. 2428
فصل: ومن الألفاظ المذمومة المستعملة في العادة قوله لمن يخاصمه: يا حمار، يا تيس، يا كلب، ونحو ذلك، فهذا قبيح لوجهين. أحدهما: أنه كذب، والآخر: أنه إيذاء، وهذا بخلاف قوله: يا ظالم ونحوه فإن ذلك يُسامَحُ
ــ
وما موصولة وهي في موضع رفع بالابتداء أيضاً وصلتها قالا والعائد محذوف تقديره قالاه وعلى الأول خبر ما ودخلت الفاء على الخبر لما تضمنه الموصول من معنى الشرط وما خبرها خبر المبتدأ الأول اهـ. وحاصل معناه أن اسم السباب الواقع من اثنين يختص بالبادئ منهما كله أي إنه ظالم حيث ابتدأ به من غير سبب ولا استحقاق والثاني منتصر لا إثم عليه ولا جناح ومع كونه كذلك فعلى البادئ إثمه أيضاً من حيث إنه سبب محوج إلى ذلك فعاد عليه إثم ذلك السب وإن لم يكن المنتصر آثماً بشرطه من حيث إنه تسبب في التلفظ بما لولا الاستيفاء لكان حراماً ومحل جواز الاستيفاء واختصاص البادئ بالإثم ما لم يتجاوز الثاني قدر الانتصار فيقول للبادئ أكثر مما قال له وفي هذا جواز الانتصار ولا خلاف في جوازه وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة ومع ذلك فالصبر والعفو أفضل قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ والحديث عند مسلم ما زاد عبد بعفو إلا عزاً ولا يجوز للمسبوب أن ينتصر إلا بمثل ما سبه به ما لم يكن كذباً أو قذفاً أو سباً لأسلافه فمن صور المباح أن ينتصر بيا ظالم أو يا أحمق أو يا جافي أو نحو ذلك لأنه لا يكاد أحد ينفك من هذه الأوصاف وقال القرطبي: فلو قال له يا كلب فالانتصار أن يقول له بل هو الكلب فلو كرر هذا اللفظ مرتين كان متعدياً بالزائد على الواحدة فله الأولى وعليه إثم الثانية وكذا لو رد عليه بأفحش من الأولى فقال: يا خنزير مثلاً كان كل منهما آثماً جانياً على الآخر وهذا كله مقتضى قوله ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ اهـ. قالوا وإذا انتصر المسبوب استوفى ظلامته وبرئ الأول من حقه وبقي عليه إثم الابتداء والإثم المستحق الله تعالى وقيل يرتفع عنه جميع ذلك الإثم بالانتصار منه ويكون معنى على البادئ أي اللوم والذم لا الإثم ذكره المصنف في شرح مسلم.
قوله: (ومن الألفاظ المذمومة الخ)
стр. 2429
به لضرورة المخاصمة، مع أنه يُصَدّق غالباً، فقلَّ إنسان إلا وهو ظالم لنفسه ولغيرها.
فصل: قال النحاس: كره بعض العلماء أن يقال: ما كان معي خَلْقٌ إلا الله.
قلت: سبب الكراهة بَشَاعَةُ اللفظ من حيث إن الأصل في الاستثناء أن يكون متصلاً، وهو هنا محال، وإنما المراد هنا الاستثناء المنقطع، تقديره: ولكن كان الله معي، مأخوذ من قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] ويَنْبَغي أن يقال بدل هذا: ما كان معي أحد إلا الله ، قال: وكره أن يقال: اجلس على اسم الله، وليقل: اجلس باسم الله.
فصل: حكى النحاس عن بعض السلف أنه يكره أن يقول الصائم: وحق هذا الخاتم الذي على فمي، واحتجَّ له بأنه إنما يختم على أفواه الكفار، وفي هذا الاحتجاج نظر، وإنما حجته أنه حلف بغير الله
ــ
قال ابن حجر في تنبيه الأخيار يحرم -وقول الحافظ السيوطي أي في أذكار الأذكار يكره غلط قبيح إلا أن يكون من تحريف النساخ- أن يقول لخصمه يا حمار يا تيس قال في الأذكار فهذا قبيح لأنه كذب وإيذاء -أي والأصل في كل منهما أنه حرام بالإجماع- ففهم الكراهة من هذا عجيب بل لو صرح بها تعين حملها على كراهة التحريم وقد صرح السيوطي بحرمة احتقار المسلم وحرمة سبه من غير سبب شرعي يجوزه اهـ.
قوله: (بشاعة اللفظ) أي تمجه الأسماع وتكره ظاهره الطباع. قوله: (وهو معكم) أي بالعلم والحفظ. قوله: (وكره أن يقال اجلس على اسم الله) أي بشاعة للفظ من حيث إن فيه استعلاء على اسم الله تعالى عما لا يليق به علواً كبيراً وكذا ينبغي كراهة قول العامة "الحملة على الله" لذلك. قوله: (اجلس باسم الله) أي متبركاً باسمه مستعيناً به.
قوله: (وفي هذا الاحتجاج نظر) ظاهره أن القول بالكراهة لا تنظير فيه وإنما التنظير في
стр. 2430
سبحانه وتعالى، وسيأتي النهي عن ذلك إن شاء الله تعالى قريباً، فهذا مكروه لما ذكرنا ولما فيه من إظهار صومه لغير حاجة، والله أعلم.
فصل: روينا في سنن أبي داود عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أو غيره عن عمران بن الحصين ﵄ قال: "كنا نقول في الجاهلية: أنعَم الله بك عيناً، وأنعِم صباحاً. فلما كان الإسلام نهينا عن ذلك".
قال عبد الرزاق: قال معمر: يكره أن يقول الرجل: أنعم الله بك عيناً، ولا بأس أن يقول: أنعم الله عينك.
قلت: هكذا رواه أبو داود عن قتادة أو غيره، ومثل هذا الحديث قال أهل العلم: لا يحكم له بالصحة، لأن قتادة ثقة وغيره مجهول، وهو محتمل أن يكون عن المجهول، فلا يثبت
ــ
الاحتجاج وبذلك صرح الدميري فقال فيكره كما قاله المصنف.
قوله: (أنعم الله بك عيناً) أي قر الله عينك بمن تحبه وأنعم صباحاً من النعومة وأنعم عليك من النعمة ذكره في الصحاح وفي المرقاة الباء في قوله أنعم الله بك عيناً زائدة لتأكيد التعدية والمعنى أقر الله عينك بمن تحبه أو بما تحبه من النعمة وعيناً تمييز محول من المفعول ويجوز كونه من أنعم الرجل إذا دخل في النعيم فالباء للتعدية وقيل للسببية أي أنعم الله بسببك عيناً أي عين من يحبك (وأنعم) بقطع الهمزة وكسر العين وفي نسخة بهمزة وصل وفتح العين من النعومة وقوله (صباحاً) تمييز أو ظرف أي طاب عيشك في الصباح وإنما خص الصباح لأن الكلام فيه هذا حاصل المرام في حل المقام قال الجوهري النعم بالضم ضد البؤس ونعم الشيء بالضم نعومة أي صار ناعماً ليناً ويقال أنعم الله عليك من النعمة وأنعم الله صباحك من النعومة وأنعم الله بك عيناً وقال صاحب النهاية في حديث مطرف لا تقل نعم الله بك عيناً فإن الله لا ينعم بأحد عيناً بل قل أنعم الله بك عيناً قال الزمخشري الذي منع منه مطرف صحيح فصيح في كلامهم وعيناً
стр. 2431
به حكم شرعي، ولكن الاحتياط للإنسان اجتناب هذا اللفظ لاحتمال صحته، ولأن بعض العلماء يحتجُّ بالمجهول، والله أعلم.
فصل: في النهي أن يتناجى الرجلان إذا كان معهما ثالث وحده
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا كُنْتُمْ ثَلاثة فَلا يَتَنَاجَى اثْنانِ دُونَ الآخَرِ حتى تَخْتَلِطُوا
ــ
نصب على التمييز من الكاف والباء للتعدية والمعنى نعمك الله عيناً أي أنعم عينك وأقرها وقد يحذفون الجار ويوصلون الفعل فيقولون نعمك الله عيناً وأما أنعم الله بك عيناً فالباء زائدة لأن الهمزة كافية في التعدية تقول نعم زيد عيناً
وأنعمه الله عيناً ويجوز أن يكون من أنعم إذا دخل في النعيم فيتعدى بالباء قال ولعل مطرفاً نظر إلى انتصاب التمييز في هذا الكلام عن الفاعل فاستعظمه تعالى أن يوصف بالحواس علواً كبيراً كما يقولون نعمت بهذا الأمر عيناً والباء للتعدية فحسب أن الأمر في نعم الله بك عيناً كذلك قال الطيبي يحتمل أن تكون الباء سببية وعيناً مفعول أنعم والتنوين للتفخيم أي أنعم الله بسببك عيناً أي عين من يحبك فيكون كناية عن حفظ عيشة ورفاهية لا يحوم حولها خشونة وقوله وأنعم صباحاً معناه طاب عيشك في الصباح وإنما خص الصباح به لأن الغارات والمكارة تقع صباحاً. قوله: (لكن الاحتياط الخ) قال ابن حجر الهيتمي أخذ الكراهة من هذا عجيب وإن قال بها معمر أحد رواته وأما أنعم الله عينك وأنعم الله صباحك فلا كراهة فيهما اتفاقاً اهـ. وسبق في الفصول أول الكتاب ما يزول به هذا الاستعجاب فإن الحديث الضعيف وإن لم يثبت به شيء من الأحكام إلا أن الأحوط ترك ما جاء النهي به عنه لاحتمال ثبوت ذلك الخبر وتقدم تحقيقه وهذا من ذلك فلا إشكال والله أعلم بحقيقة الحال.
قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم) ورواه أحمد والترمذي وابن ماجه كلهم عن ابن مسعود. قوله: (فلا يتناجى اثنان) قال العلقمي في شرح الجامع الصغير كذا للأكثر بالألف المقصورة ثابتة في الخط بصورة ياء وتسقط في اللفظ لالتقاء الساكنين وهو بلفظ الخبر ومعناه النهي وهو نهي تحريم ثم كما يحرم
стр. 2432
بالناسِ مِنْ أجْلِ أنَّ ذلك يُحْزِنُه".
وروينا في "صحيحيهما" عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذَا كُنْتُمْ ثَلاثةَ فَلا يَتَنَاجى اثنانِ دُونَ الثالِثِ" ورويناه في سنن أبي داود، وزاد قال أبو صالح الراوي عن ابن عمر: قلت لابن عمر: فأربعة؟ قال: لا يضرُّك.
فصل: في نهي المرأة أن تُخبر زوجها أو غيره بحسن بدن امرأة أخرى إذا لم تَدْعُ إليه حاجة شرعية من رغبة في زواجها ونحو ذلك
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن ابن مسعود ﵁ قال:
ــ
تناجى اثنين دون الثالث يحرم الثلاثة أو الأربعة دون واحد منفرد منهم فيحرم على الجماعة المناجاة دون واحد منهم إلا أن يأذن ومذهب جماهير العلماء أن النهي عام في كل وقت حضراً وسفراً وقال بعضهم: إنما ينهى عنها في السفر لأنه مظنة الخوف وادعى بعضهم أن الحديث منسوخ وأنه كان أول الإسلام فلما فشا وأمن النّاس سقط قاله المصنف وهذا البعض كما قال الحافظ هو القاضي عياض وتعقبه القرطبي بأنه تحكم وتخصيص لا دليل عليه وقال ابن العربي الخبر عام اللفظ والمعنى والعلة الحزن وهو موجود حضراً وسفراً فوجب أن يعمهما النهي جميعاً اهـ. قال الحافظ واختلف فيما إذا انفرد جماعة بالتناجي دون جماعة قال ابن التين حديث عائشة في قصة فاطمة دال على الجواز وحديث ابن مسعود فأتيته وهو في ملأ فساررته ففي ذلك دليل على أن المنع
يرتفع إذا بقي جماعة لا يتأذون بالسرار والله أعلم. قوله: (وروينا في صحيحيهما) وكذا رواه مالك. قوله: (إذا كانوا ثلاثة) الأكثر بالنصب على أنه خبر كان وفي رواية بالرفع على لغة أكلوني البراغيث وكان تامة ولمسلم وإذا كان ثلاثة بالرفع كذا في شرح الجامع للعلقمي. قوله: (قال لا يضرك) أي إذا تساررت مع واحد من الثلاثة إما إذا تسار ثلاثة دون واحد فدخل تحت النهي لوجود المعنى فيه وهو الحزن كما تقدم.
قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم) قال السخاوي في ختم كتاب
стр. 2433
قال رسول الله ﷺ : "لا تُباشِرِ المَرأةُ المَرأةَ
ــ
مسلم وقع لأبي منصور الديلمي في مسنده عزو هذا الحديث إلى صحيح مسلم ولم أره فيه وأما عزو البيهقي بعد أن أخرجه بزيادة جملة النهي عن تناجي الاثنين دون الثالث فأراد أصل الحديث فإن جملة التناجي خاصة فيه اهـ. وقد أخرج هذا الحديث الذي ذكره المصنف عن الصحيحين أحمد وأبو داود والترمذي كما في الجامع الصغير. قوله: (لا تباشر المرأة الخ) قال ابن النحوي في شرح البخاري قال أبو الحسن القابسي هذا الحديث. من أبين ما يحمي به الذرائع نهى ﷺ أن تباشر المرأة المرأة وبين لما نهاها عن ذلك وأخبر أن ذلك قد ينتهي بها إلى أن تصف لزوجها ما رأت منها صفة تقوم مقام نظره إليها فلعل ذلك يدخل في قلب زوجها من الموصوفة فتنة فيكون ذلك سبباً لطلاق زوجته ونكاحها إن كانت أيماً وإن كانت ذات بعل كان ذلك سبباً لبغضه زوجته ونقصان منزلتها عنده وإن وصفتها بقبيح كان ذلك غيبة، وقد جاء عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن مباشرة الرجل الرجل مثل نهيه المرأة وقد أخرجه الطبري من حديث ابن عباس قال الطبري: فيه -أي حديث ابن عباس- من البيان أن مباشرة الرجل الرجل والمرأة المرأة مفضياً كل واحد منهما بجسده إلى جسد صاحبه غير جائزة قال ابن النحوي وقد جاء مصرحاً به في حديث جابر مرفوعاً نهى أن يباشر الرجل الرجل في ثوب واحد والمرأة المرأة في ثوب واحد أخرجه أحمد وفي رواية الإسماعيلي في الأول إلا أن يكون بينهما ثوب، وهذه الأخبار على العموم فيما عنيت به وعلى الخصوص فيما يحتمله ظاهرها فإن الحجة قامت بالمصافحة في الرجال والنساء وذلك مباشرة من كل واحد منهما لصاحبه ببعض جسده فكان معلوماً بذلك إذا لم يكن في النهي عن المباشرة استثناء وكانت المصافحة مباشرة وهي من الأمور التي ندب إليها -ثم ساق بإسناده عن الحسن عن البراء مرفوعاً أن المسلمين إذا التقيا فتصافحا تحاتت ذنوبهما وعن عبد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعاً تمام تحيتكم بينكم المصافحة ونحو
ذلك من الأخبار الدالة على أن المسلمين مندوب إلى مباشرة بعضهم بعضاً بالأكف
стр. 2434
فَتَصِفُها لِزَوْجِها كأنهُ يَنْظُرُ إلَيها".
فصل: يكره أن يقال للمتزوِّج: بالرِّفاء والبنين، وإنما يقال له: بارك الله لك، وبارك عليك، كما ذكرناه في "كتاب النكاح".
فصل: روى النحاس عن أبي بكر محمد بن يحيى -وكان أحد الفقهاء العلماء الأدباء- أنه قال: يكره أن يقال لأحد عند الغضب: اذكر الله تعالى خوفاً من أن يحمله الغضب على الكفر، قال: وكذا لا
ــ
مصافحة عند الالتقاء- وكان محالاً اجتماع الأمر بفعل الشيء والنهي عنه في حال واحد علم أن الذي ندب العبد إلى المباشرة به جسم أخيه غير الذي نهى عنه من مباشرته ولا يحتاج إلى ما ذكره اهـ. قوله: (فتصفها) بالنصب جواب النهي. قوله: (لزوجها) أي زوج الناعتة.
قوله: (كما ذكرناه في النكاح) وتقدم ما فيه ثمة.
قوله: (يكره أن يقال لأحد الخ) وكذا يكره أن يقال صل على النبي ﷺ خوفاً مما ذكر. قوله: (خوفاً من أن يحمله الغضب الخ) وقد تقدم في باب ما يقول إذا غضب من حديث سليمان بن صردانة لما استب رجلان عند النبي ﷺ واحمر وجه أحدهما فقال ﷺ : إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ باللهِ من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد فقالوا له إن النبي ﷺ قال: تعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقال: وهل بي من جنون، لم يضبط نفسه من ثورة الغضب حتى صدر عنه ذلك اللفظ الذي لا يصدر من كامل المعرفة بقدر المصطفى ﷺ كما تقدم تحقيقه وفي تنبيه الأخيار لابن حجر وكره أن يقال للغضبان اذكر الله خوفاً من كفره وما صح من أمره ﷺ أن يقال له تعوذ بالله من الشيطان الرجيم لا ينافيه لأن سورة الغضب إن حملت على نحو سب إنما تقع هنا للشيطان على أن في سماعه أعظم زاجر وأبلغ راشد إلى أن غضبه من الشيطان فيكف عنه ومن ثم يبعد أخذ ندب هذا من
стр. 2435
يقال له: صلِّ على النبي ﷺ ، خوفاً من هذا.
فصل: من أقبح الألفاظ المذمومة، ما يعتاده كثيرون من النّاس إذا أراد أن يحلف على شيء فيتورَّع عن قوله: والله، كراهية الحنث أو إجلالاً لله تعالى وتَصوُّناً عن الحلف، ثم يقول: الله يعلم ما كان كذا، أو لقد كان كذا ونحوه، وهذا العبارة فيها خطر، فإن كان صاحبها متيقناً أن الأمر كما قال فلا بأس بها، وإن تَشَكَّكَ في ذلك فهو من أقبح القبائح، لأنه تعرَّض للكذب على الله تعالى، فإنه أخبر أن الله تعالى يعلم شيئاً لا يتيقن كيف هو، وفيه دقيقة أخرى أقبح من هذا، وهو أنه تعرَّض
ــ
هذا الحديث.
قوله: (من أقبح الألفاظ المذمومة الخ) أخذ منه السيوطي كراهة ذلك فقال: وكره عند التورع عن الحلف الله يعلمه وتعقبه ابن حجر الهيتمي في تنبيه الأخيار بأنه ليس بصحيح بإطلاقه ولا مطابق لأصله يعني الأذكار بل المستفاد منه انها إما كفر بأن تيقن عدم وقوع شيء ونسب علم وقوعه إلى الله تعالى أو عكسه كأن قال الله يعلم أني ما فعلت كذا وهو عالم بأنه فعله لأنه ينسب إلى الله تعالى الجهل بنسبته إليه العلم بخلاف ما في الواقع أو مباحة بأن نسب لعلمه ما هو واقع يقيناً كالله يعلم أني فعلت كذا وقد فعله بل لا يبعد ندبه إذا علم من منكر فعله أنه لا يصدقه في حلفه لظنه تورية أو غيرها ويصدقه إذا قال ذلك ويؤيد الندب هنا استحبابهم اليمين لنحو تأكيد خبر وإما حرام بأن شك هل فعل كذا ثم قال: الله يعلم أني فعلته والحرمة في هذه ظاهرة يدل لها جعل الأذكار من أقبح الألفاظ المذمومة تارة ومن أقبح القبائح أخرى والمكروه لا يطلق فيه واحد من هذين إلا على تجوز بعيد وأيضاً فيبعد في محل يحتمل الكفر والكذب على السواء أن يعد من حيز المكروه وعلى كل فإطلاق
الجلال الكراهة ليس في محله إذ لا نزاع في الحكمين الأولين والحرمة في الثالث أقرب من الكراهة اهـ. قوله: (متيقناً أن الأمر كما قال) أي من نفى الفعل إن قصد النافية أو ثبوته إن قصد بها -ما-.
قوله: (فلا بأس بها)
стр. 2436
لوصف الله تعالى بأنه يعلم الأمر على خلاف ما هو، وذلك لو تحقق كان كفراً، فينبغي للإنسان اجتناب هذه العبارة.
فصل: ويكره أن يقول في الدُّعاء: اللهُم اغفر لي إن شئت، أو إن أردت، بل يجزم بالمسألة.
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: اللهُم
ــ
أي هي مباحة.
قوله: (ويكره أن يقال في الدعاء) أي على سبيل التنزيه. قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم) وكذا رواه. قوله: (لا يقولن أحدكم) أي على سبيل الكراهة التنزيهية وبه صرح المصنف في شرح مسلم وقال ابن عبد البر في التمهيد لا يجوز لأحد أن يقول اللهم أعطني إن شئت من أمور الدين والدنيا لنهي النبي ﷺ ولأنه كلام مستحيل لا وجه له لأنه لا يفعل إلا ما يشاء لا شريك له اهـ. وظاهره التحريم وقد يؤول على نفي الجواز المستوي الطرفين وهو بعيد من كلامه قال العلماء سبب كراهته أنه لا يتحقق استعمال المشيئة إلا في حق من يتوجه عليه الإكراه والله تعالى منزه عن ذلك وهو معنى قوله في الحديث الثاني فإنه لا مستكره له وقيل سبب الكراهة إن في هذا اللفظ صورة الاستغناء عن المطلوب والمطلوب منه وكان هذا القول يتضمن أن هذا المطلوب إن حصل وإلا استغنى عنه ومن كان هذا حاله لم يتحقق من حاله الافتقار والاضطرار الذي هو روح عبادة الدعاء وكان ذلك دليلاً على قلة اكتراثه بذنوبه وبرحمة ربه وأيضاً فإنه لا يكون موقناً بالإجابة وقد قال ﵊ ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب من قلب غافل لاه ثم إن النبي ﷺ لم يكتف بالنهي عن ذلك حتى أمر بنقيضه فقال ليعزم المسألة في الدعاء أي ليجزم في طلبه وليحقق رغبته ويتيقن الإجابة فإنه إذا فعل ذلك دل على علمه بعظم قدر ما يطلب من المغفرة والرحمة وعلى أنه مفتقر لما يطلب مضطر إليه وقد وعد الله المضطر بالإجابة
стр. 2437
اغْفِرْ لي إنْ شِئْتَ، اللهُم ارْحَمْنِي إنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ المسألة، فإنَّهُ لا مُكْرِهَ لَهُ".
وفي رواية لمسلم: "وَلَكِنْ لِيَعْزِم المسألة وَلْيُعظِم الرَّغْبَةَ، فإن اللهَ لا يَتَعَاظَمُهُ شَيءٌ أعْطاهُ".
وروينا في "صحيحيهما" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دَعا أحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمِ المَسألَةَ، ولا يَقُولَنَّ: اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ فأعْطِني، فإنَّهُ لا مُسْتكْرِهَ لهُ".
ــ
بقوله ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ كذا في المفهم للقرطبي وقال العراقي بعد أن ذكر الكراهة إن في هذا اللفظ صورة الاستغناء عن المطلوب والمطلوب منه ما لفظه والمعتمد ما ذكر في الحديث. قوله: (ليعزم المسألة) عزم المسألة الشدة في طلبها والجزم به من غير ضعف في الطلب ولا تعليق
على المشيئة ونحوها وقيل هو حسن الظن في الإجابة. قوله: (فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه) أي لا يعجزه شيء. قوله: (وروينا في صحيحهما) ورواه أحمد والنسائي كلهم من حديث أنس كما في الجامع الصغير قال السخاوي ورواه أبو عوانة. قوله: (فإنه لا مستكره له) قال القرطبي هذا إظهار لعدم فائدة تقييد الاستغفار والرحمة بالمشيئة لأن الله تعالى لا يضطره إلى فعل شيء دعاء ولا غيره بل يفعل ما يريد ويحكم ما يشاء ولذا قيد الإجابة بالمشيئة في قوله تعالى ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ فلا معنى لاشتراط مشيئته فيما هذا سبيله اهـ. وتقدم عن بعضهم في باب الأذان أن هذه الآية مقيدة للآيات التي فيها إجابة الدعاء مطلقة عن ذلك القيد، فإن قلت قد ورد التقييد في قوله ﵇ أحيني ما علمت الحياة خيراً لي وتوفني ما علمت الوفاة خيراً لي، قلت إنما قيد هناك طلب الحياة بكونها خيرة له وطلب الوفاة بكونها خيرة له مع أنه قد يقدر له الحياة مع كون الخيرة في قرب وفاته لما يكون في تلك الحياة من الغيبة وقد يقدر له الوفاة مع كون الخيرة له في طول الحياة لما فيها من اكتساب الخير وهذا مثل الاستخارة في الأمور المشتبهة وقد ورد بها الحديث الصحيح أما مشيئة الله تعالى
стр. 2438
فصل: ويكره الحلف بغير أسماء الله تعالى وصفاته، سواء في ذلك النبي ﷺ ، والكعبةُ، والملائكةُ، والأمانةُ، والحياةُ، والروحُ، وغير ذلك. ومن أشدها كراهة: الحلف بالأمانة.
وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن ابن عمر ﵄ عن النبيِّ
ﷺ قال: "إن الله يَنْهَاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بآبائِكُمْ، فمَنْ كانَ حالِفاً فَلْيَحْلِفْ باللهِ، أو لِيَصْمُتْ" وفي رواية في الصحيح: "فمَن كانَ حالِفاً فلاَ يَحْلِفْ إلا بالله أوْ لِيَسْكُتْ".
وروينا في النهي عن
ــ
فلا تقع ذرة في الوجود إلا بها فلا معنى لتعلق الطلب بها.
قوله: (يكره الحلف بغير أسماء الله وصفاته) أي لخبر الصحيحين إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم الخ ولخبر لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا تحلفوا إلا بالله رواه النسائي وابن حبان وصححه قال الإِمام وقول الشافعي أخشى أن يكون الحلف بغير الله معصية محمول على المبالغة في التنفير من ذلك نعم إن اعتقد في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله تعالى كفر وعليه يحمل خبر الحاكم من حلف بغير الله فقد كفر، ثم الكراهة في الأول إذا حلف بالقصد وخلا عن ذلك التعظيم فإن سبق لسانه بلا قصد فلا كراهة بل هو لغو يمين وعليه حمل خبر الصحيحين في قصة الأعرابي الذي قال لا أزيد على هذا ولا أنقص أفلح وأبيه. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم الخ) ورواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة من حديث ابن عمر، قال السخاوي واختلف فيه على رواية الزهري، والبخاري عن ابن عيينة ومعمر وعن أولهما أخرجه مسلم كلاهما عن الزهري عن سالم عن ابن عمر واتفقا عليه من غير جهتهما عن الزهري لكن بقيد كونه من حديث ابن عمر عن أبيه وهو صحيح من هذا الوجه أيضاً وإلى الاختلاف عن الزهري أشار البخاري في كتاب الإيمان
والنذور من صحيحه اهـ. قوله: (أو ليصمت) بضم الميم تخيير بين الحلف بالله وترك الحلف رأساً. قوله: (وفي رواية في الصحيح) قال السخاوي بعد تخريجها وزاد في آخر الحديث وكانت قريش تحلف بآبائها: فقال -يعني النبي ﷺ - لا تحلفوا بآبائكم
стр. 2439
الحلف بالأمانة تشديداً كثيراً.
فمن ذلك ما رويناه في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "مَنْ حَلَفَ بالأمانَةِ فَلَيسَ مِنَّا".
فصل: يكره إكثار الحلف في البيع ونحوه وإن كان صادقاً.
ــ
أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي. قوله: (فمن ذلك ما رويناه في سنن أبي داود) قال في الترغيب ورواه أحمد وإسناده صحيح والنسائي والبزار وابن حبان في صحيحه وهو أول حديث تتمته ومن خبب على امرئ زوجه أو مملوكه فليس منا وقال السخاوي بعد تخريجه بجملته هذا حديث حسن رواه أبو يعلى في مسنده والحاكم في مستدركه وقال إنه صحيح الإسناد وأورده الضياء في المختارة اهـ. قوله: (فليس منا) أي على هدينا وطريقتنا أو ليس على ملتنا إن اعتقد في الأمانة من التعظيم ما يعتقده في الله كما تقدم قال الخطابي وسبب ذلك أنه إنما أمر أن يحلف بالله وصفاته وليس الأمانة من صفاته وإنما هي أمر من أمره وفرض من فروضه فنهوا عنه لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله وصفاته اهـ.
فائدة
بحث الجلال البلقيني في حرمة الحلف بحياة مخلوق أو برأسه لأن ذلك خص الله به نبيه تكرمة له بقوله لعمرك إنهم الآية قال ابن حجر الهيتمي في تنبيه الأخيار ويرد بأنه مع مخالفته لصريح كلام الأئمة لا يتم إلا لو أذن الله للناس في الحلف بحياة نبيه دون غيره ولم يقع ذلك وإنما الذي وقع تخصيصه تعالى بحلفه بحياته مع التأكيد باللام وغيرها ولم يفعل ذلك لغيره وهي الكرامة العظمى ولا يؤخذ منها ما ذكر الحلال بوجه وقد نهى ﷺ النّاس عن الحلف به وبغيره من الخلق فتحريم بعض الصور فقط تحكم اهـ.
قوله: (يكره إكثار الحلف في البيع ونحوه) قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ أي لا تكثروا منها لتصدقوا ولخبر إنما الحلف حنث أو ندم رواه ابن حبان في صحيحه. قوله: (وإن كان صادقاً) إن قيل العبارة صريحة في كراهة الإكثار من الإيمان في حال الكذب أيضاً مع أنها حرام حينئذٍ
стр. 2440
روينا في "صحيح مسلم" في أبي قتادة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إياكُمْ وَكَثْرَةَ الحَلفِ في البَيعِ، فإنَّهُ يُنْفقُ ثم يَمْحَقُ".
فصل: يكره أن يقال: قوس قزح لهذه التي في السماء.
روينا في "حلية الأولياء" لأبي نعيم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا تَقولُوا: قَوْسَ قُزَحَ، فإنَّ قُزَحَ شَيطانٌ،
ــ
ولذا حذف الجلال السيوطي هذه الغاية في اختصاره قلت هو صحيح يفيد تحقيقاً حسناً غفل عنه الجلال السيوطي إذ معناه أن الإكثار من حيث هو إكثار مكروه في حالتي الصدق والكذب والحرمة في الكذب لأمر آخر فعلم أنه لا يلزم من الحرمة العرضية خروج الإكثار عن حكمه وهو الكراهة من حيث هو إكثار ونظيره قولهم يسن للصائم صون لسانه عن الكذب والغيبة أي أن إمساكه عن ذلك من
حيث إنه صوم سنة وإن كان في ذاته واجباً ذكره ابن حجر في تنبيه الأخيار. قوله: (روينا في صحيح مسلم) وكذا رواه أحمد والنسائي وابن ماجه كلهم من حديث أبي قتادة كما في الجامع الصغير. قوله: (ينفق) بضم التحتية وفتح النون وكسر الفاء وبالقاف من النفاق ضد الكساد. قوله: (ثم يمحق) في الصحاح محقه الله ذهب ببركته.
قوله: (روينا في حلية الأولياء الخ) قال الحافظ السخاوي بعد تخريجه حديث ضعيف لضعف رواية زكريا يعني ابن حكيم الخبطي ذكره العقيلي في ترجمته من كتاب الضعفاء ولفظ حديثه فإن قزح هو الشيطان ولبعضه شاهد عند الطبراني في معجمه الكبير والأوسط بسند لين عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ أمان لأهل الأرض من الغرق القوس الحديث وعند البخاري في الأدب المفرد من حديث يوسف بن مهران عن ابن عباس قال القوس أمان لأهل الأرض من الغرق والمجرة باب السماء الذي تنشق منه ومن حديث أبي الطفيل قال: سأل ابن الكوا علياً ﵁ عن المجرة فقال: هي شرج السماء ومنها فتحت السماء بماء منهمر اهـ. قوله: (فإن قزح شيطان) قال في
стр. 2441
ولَكِنْ قُولُوا: قَوسُ الله ، فَهُوَ أمانٌ لأهْلِ الأرْضِ".
قلت: قزح بضم القاف وفتح الزاي، قال الجوهري وغيره: هي غير مصروفة، وتقوله العوام: قدح، بالدال، وهو تصحيف.
فصل: يكره للإنسان إذا ابتلي بمعصية أو نحوها أن يخبرَ غيره بذلك، بل ينبغي أن
يتوبَ إلى الله تعالى، فيقلع عنها في الحال، ويندم على ما فعل، ويعزم أن لا يعود إلى مثلها أبداً، فهذه الثلاثة هي أركان التوبة، لا تصح إلا باجتماعها، فإن أخبر بمعصيته شيخه أو شبهه ممن يرجو بإخباره أن يعلِّمه مخرجاً
ــ
النهاية أي من أسماء الشيطان قيل سمي به لتسويله للناس وتحسينه إليهم المعاصي من التقزيح وهو التحسين وقيل من القزح وهو الطرائق والألوان التي في النفوس الواحدة قزحة أو من قزح الشيء إذا ارتفع قال ابن حجر في تنبيه الأخيار وبالحديث يرد زعم أنه قوس قزع لأن القزع السحاب. قوله: (ولكن قولوا قوس الله) كأنه كره ما كانوا عليه من عادات الجاهلية وأمر أن يقال قوس الله ليرفع قدرها كما يقال بيت الله وقالوا قوس الله أمان من الغرق. قوله: (غير مصروفة) أي للعلمية والعدل التقديري.
فائدة
قال السيوطي في جمع الجوامع في علم النحو له ما جاء علماً وهو معدول تقديراً محصور بحسب السماع في أربعة عشر اسماً عمر وزفر ومضر وقثم وزحل وجشم وجمح وقزح وعصم وجحى ودلف وهبل وبلع وثعل وعدل الجميع عن فاعل إلا الأخير فعن أفعل.
قوله: (ونحوها) الظاهر أن مراده بها ما يعد هتكاً للمروءة كذكر جماع الحليلة من غير تفاصيله
وإلا كان كبيرة. قوله: (أن يخبر بذلك غيره) أي إذا لم يكن على وجه التفكه والتذكر لحلاوتها وإلا فيحرم لأنه يبعث على العودة إليها. قوله: (فهذه الثلاثة أركان التوبة) تقدم الكلام على ما يتعلق بالتوبة في باب تحريم الغيبة والنميمة. قوله: (فإن أخبر بمعصيته شيخه الخ) هذا هو الصحيح وإطلاق السيوطي كراهة الإخبار بالمعصية ليس في محله كما
стр. 2442
من معصيته، أو ليعلِّمه ما يَسْلم به من الوقوع في مثلها، أو يعرِّفه السبب الذي أوقعه فيها، أو يدعوَ له، أو نحو ذلك، فلا بأس به، بل هو حسن، وإنما يُكره إذا انتفت هذه المصلحة.
روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كلُّ أمَّتي معافىً إلا المُجاهِرينَ، وإنَّ مِنَ المُجاهَرَةِ أنْ يعمَلَ الرَّجُلُ باللَّيلِ عَمَلاً ثم يُصْبِحُ وقَدْ سَتَرَهُ اللهُ تعالى علَيهِ، فيَقُولُ: يا فُلانُ عَمِلْتُ البارِحَةَ كَذَا وكَذَا، وقَدْ باتَ يَسْتُرُهُ ربَّهُ، ويُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَليهِ".
فصل: يحرم على المكلِّفَ أن يحدِّث عبدَ الإنسان، أو زوجتَه، أو ابنَه، أو غلامَه، ونحوهم بما يفسدهم عليه إذا لم يكن ما يحدِّثهم به أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر. قال الله تعالى:
ــ
قال ابن حجر في التنبيه.
قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم) قال السخاوي ورواه أبو عوانة والبيهقي في الشعب والخرائطي في مساوي الأخلاق كلهم من حديث أبي هريرة اهـ. ورواه الطبراني في الأوسط لكن من حديث أبي قتادة وفي معنى الحديث من الآثار ما رواه الخرائطي عن مريم ابنة طارق أن امرأة قالت لعائشة إن كريباً أخذ بساقي وأنا محرمة فقال حجري حجري حجري وأعرضت بوجهها وقالت بكفها وقالت: يا نساء المؤمنين إذا أذنبت إحداكن ذنباً فلا تخبرن به النّاس ولتستغفر الله ولتتب إليه فإن العباد يغيرون ولا يغيرون والله يغير ولا يغير. قوله: (معافى) أي معفو عن ذنبه. قوله: (إلا المجاهرين) كذا هو في نسخة من البخاري بالياء على الأصل وفي نسخة منه إلا المجاهرون بالواو وقال الشيخ زكريا ووجهه أن العفو متضمن معنى الترك فكان الاستثناء من منفي أو أن إلا بمعنى لكن وما بعدها مبتدأ حذف خبره أي لا يعافون
стр. 2443
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].
وروينا في كتابي أبي داود والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ خَبَّبَ زوجَةَ امرئٍ أو مَمْلوكَهُ فليسَ مِنَّا".
قلت: خبب بخاء معجمة ثم باء موحدة مكررة، ومعناه: أفسده وخدَعه.
فصل: ينبغي أن يقال في المال المُخرَج في طاعة الله تعالى: أنفقتُ وشبهه، فيقال: أنفقتُ في حجتي ألفاً، وأنفقتُ في غزوتي ألفين، وكذا أنفقتُ في ضيافة ضيفاني، وفي ختان أولادي، وفي نكاحي، وشبه ذلك، ولا يقول ما يقوله كثيرون من العوام: غرمت في ضيافتي، وخسرت في حجتي، وضيَّعت في سفري. وحاصله أنَّ أنفقتُ وشبهه يكون في
ــ
والمجاهر هو الذي جاهر بمعصيته وأظهرها. قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ قال في النهر قال ابن عباس البر ما أمرت به والتقوى ما نهيت عنه. ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ﴾ المعاصي ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ التعدي في حدود الله اهـ. قوله: (رقيب) في مفردات الراغب رقبته احفظه والرقيب الحافظ وذلك إما لمراعاته رقبة المحفوظ وإما لرفعه رقبته والعتيد الحاضر المهيأ وتقدم الكلام على الآية في أول كتاب حفظ اللسان.
قوله: (وروينا في كتابي أبي داود والنسائي) هذا أحد ألفاظ أبي داود وفي لفظ له ليس منا من خبب امرأة على زوجها أو عبداً على سيده ورواه النسائي وابن حبان في صحيحه ولفظه من خبب عبداً على أهله ومن أفسد امرأة على زوجها فليس منا ورواه الطبراني في الصغير والأوسط من حديث ابن عمر ورواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس ورواة أبي يعلى كلهم ثقات وقال السخاوي بعد تخريجه بلفظ رواية ابن حبان المذكورة إلا أنه قال من خبب خادماً والباقي سواء حديث حسن أخرجه أحمد وهو عند البيهقي والحاكم
стр. 2444
الطاعات. وخسرتُ وغرمتُ وضيعتُ ونحوها يكون في المعاصي والمكروهات، ولا تستعمل في الطاعات.
فصل: مما ينهى عنه ما يقوله كثيرون من النّاس في الصلاة إذا قال الإِمام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيقول المأموم: إياك نعبد وإياك نستعين، فهذا مما ينبغي تركه والتحذير منه، فقد قال صاحب "البيان" من أصحابنا: إن هذا يبطل الصلاة، إلا أن يقصد به التلاوة، وهذا الذي قاله وإن كان فيه نظر والظاهر أنه لا يوافَق عليه، فينبغي أن يجتَنب، فإنه وإن لم يبطل الصلاة فهو مكروه في هذا الموضع، والله أعلم.
فصل: مما يتأكد النهي عنه والتحذير منه ما يقوله العوام وأشباههم
ــ
في صحيحه اهـ. وسبق في النهي عن الحلف بغير أسماء الله تخريج الحديث من حديث بريدة. قوله: (وغرمت الخ) أي فالتعبير بها في الخير خلاف الأولى وخلاف الأدب في التعبير وهو مراد الجلال السيوطي من ذكره ذلك في حيز المكروه قاله ابن حجر في تنبيه الأخيار.
قوله: (فقد قال صاحب البيان الخ) وتبعه عليه المصنف في التحقيق والفتاوى وقال ابن حجر في شرح المنهاج اعتمده أكثر المتأخرين وإن نازع فيه في المجموع وغيره ولا ينافيه اللهم إنا نستعينك إياك نعبد في قنوت الوتر إذ لا قرينة تصرفه إليها بخلافه هناك فاندفع ما للأسنوي هنا ومثل قصد التلاوة قصد الدعاء وقضية ما تقرر أنه لا أثر لقصد الثناء وقد يوجه بأنه خلاف موضوع اللفظ وفيه نظر لأنه بتسليم ذلك لا لموضوعه فإنه مثل كم أحسنت إلي وأسأت فإنه غير مبطل لإفادته ما يستلزم الثناء أو الدعاء اهـ. وعلى هذا فيحرم قول المأموم ذلك ومثله قوله استعنا بالله إن لم يقصد ما ذكر إن كان في صلاة فرض أو نفل لم يقصد قطعه وفي شرح المنهاج للرملي وكذا يبطل بقوله استعنا به قاصداً به الثناء والذكر على ما يؤخذ من التحقيق والمجموع وغيرهما إذ لا عبرة بقصد ما لم يفده اللفظ. قوله: (والظاهر أنه لا يوافق عليه الخ) ومثله
стр. 2445
في هذه المكوس التي تؤخذ مما يبيع أو يشترى ونحوهما، فإنهم يقولون: هذا حق السلطان، أو عليك حق السلطان، ونحو ذلك من العبارات المشتملة على تسميته حقاً أو لازماً ونحو ذلك، وهذا من أشد المنكرات، وأشنع المستحْدثات، حتى في قال بعض العلماء: من سمى هذا حقاً فهو كافر خارج عن ملة الإسلام، والصحيح أنه لا يكفر إلا إذا اعتقده حقاً مع علمه بأنه ظلم، فالصواب أن يقال فيه: المكس، أو ضريبة السلطان، أو نحو ذلك من العبارات، وبالله التوفيق.
فصل: يكره أن يسأل بوجه الله تعالى غير الجنة.
روينا في سنن أبي داود عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُسألُ بِوَجْهِ الله إلاَّ الجَنَّةُ".
ــ
في المجموع وظاهر كلام شرح الروض ترجيحه وفيه أن
المحب الطبري بحث في الصحة وجرى عليه الأسنوي وفي التجريد للمزجد قال المحب الطبري بعد ذكره كلام البيان الظاهر الصحة لأنه ثناء علي الله تعالى اهـ. والحاصل أن قول المأموم ما ذكر بعد قراءة الإِمام بدعة مبطلة عند الأكثرين إن لم يقصد تلاوة أو دعاء نهى عنها كما صرح به في المجموع وغير مبطلة مطلقاً على ما في المجموع وجرى عليه هنا.
قوله: (وهذا من أشد المنكرات الخ) صرح السيوطي بأن هذا القول مكروه -أي عند عدم قصد حقيقة ذلك- قال ابن حجر وهو من تصرفه الغير الحسن والذي دل عليه قول المصنف إنه من أشد المنكرات ويتأكد النهي عنه والتحذير منه أنه حرام وذلك لأنه كذب قبيح جداً.
قوله: (يكره أن يسأل بوجه الله تعالى غير الجنة) وألحق بها كل خير. قوله: (المكس) في الصحاح المكس الخيانة والمكاس العشار وفي النهاية حديث لا يدخل الجنة صاحب مكس المكس الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العشار. قوله: (روينا في سنن أبي داود) ورمز السيوطي إلى علامة الصحة بجانبه وقال ورواه الضياء المقدسي كلاهما عن جابر قال السخاوي وهو عند الديلمي في مسنده من وجهين عن جابر مرفوعاً
стр. 2446
فصل: يكره منع من سأل بالله تعالى وتشفَّع به.
روينا في سنن أبي داود والنسائي بأسانيد صحيحة عن ابن عمر ﵄ قال:
ــ
وقال في تكملة أمالي شيخه بعد تخريج الحديث باللفظ المذكور حديث غريب رواه أبو داود عن القلوري قال ابن شاهين إنه تفرد به قال ولا أعلم أحداً حدث به إلا القلوري وهو حديث غريب اهـ. قال السخاوي رواه غير القلوري ثم بين ذلك وذكر الاختلاف في اسم القلوري وهو بكسر القاف وتشديد اللام وسكون الواو ثم راء مهملة قال وفي روينا في الجزء الثامن من حديث عبد الله الخراساني أن كلاًّ من عطاء وابن جريج قال بلغنا أنه يكره أن يسأل الله شيئاً من الدنيا بوجهه اهـ. فهي شواهد لحديث الباب.
قوله: (يكره منع من سأل بوجه الله تعالى) قال ابن حجر لا دليل في الحديث للكراهة إلا إن أريد بها خلاف الأولى اهـ. وفيه أن الأمر بالشيء نهي عن ضده والمكروه ما نهى عنه نهياً غير جازم وهذا منه وقد أخذ الفقهاء كراهة أشياء من ورود الأمر بضدها لما ذكرناه والله أعلم. قوله:
(روينا في سنن أبي داود والنسائي) ورواه أحمد وابن حبان والحاكم في المستدرك كلهم من حديث ابن عمر وقال السخاوي بعد تخريجه باللفظ المذكور إلا أنه قال فأثنوا عليه بدل قوله فادعوا له والباقي سواء حديث حسن أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود في الأدب والزكاة من سننه والنسائي في الزكاة والسراج وعبد بن حميد في مسنديهما والبيهقي والضياء في المختارة وابن حبان والحاكم في صحيحيهما وقال الحاكم في الزكاة والبيوع إنه على شرط الشيخين زاد في البيوع ولم يخرجاه للخلاف الذي بين أصحاب الأعمش أي فإن جمهور الرواة عنه أخرجوه عنه عن مجاهد عن ابن عمر وأخرجه محمد بن أبي عبيدة من ذرية عبد الله بن مسعود عن أبيه عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن مجاهد رواه من طريقه ابن حبان في صحيحه هكذا وإلى هذه الطريق أشار الحاكم بقوله بعد روايته ورواه أبو بكر بن عياش عن
стр. 2447
قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اسْتعَاذَ باللهِ فأعِيذُوهُ، وَمَنْ سألَ باللهِ تَعالى فَأعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فأجِيبُوهُ، ومَنْ صَنَعَ إلَيْكُمْ مَعْرُوفاً فكافِئُوهُ فإنْ لَمْ تَجِدُوا ما تُكافِئُونَهُ فادْعُوا لَهُ حتَّى تَرَوْا أنَّكُمْ قَدْ كافأتُمُوهُ".
فصل: الأشهر أنه يكره أن يقال: أطال الله بقاءَك. قال أبو جعفر النحاس
ــ
الأعمش فقال عن أبي حازم عن أبي هريرة أخرجه الحاكم في صحيحه وعند البيهقي في الشعب وصحح الحاكم إسناده ورواه إسماعيل بن زكريا عن الأعمش فقال عن مجاهد عن ابن عباس ورواه وضاح بن يحيى النهشلي عن مندل عن الأعمش فقال عن نافع عن ابن عمر ورواه شريك عن الأعمش فقال عن مجاهد مرسلاً لم يذكر ابن عمر ولا غيره أشار إليها الدارقطني وقد رواه أحمد من حديث ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر وكذا رواية العوام عن مجاهد وأصحها الأول كما قاله الدارقطني وكذا صحح حديث ليث ومن جهتهما أخرجه الضياء في المختارة وله شاهد أخرجه أبو داود عن ابن عباس رفعه بلفظ من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سألكم بوجه الله فأعطوه وهو عند أحمد في مسنده وابن خزيمة في التوحيد وأفادت هذه الرواية استحباب الإعطاء لمن سأل بذلك مع كونه ارتكب منهياً وقد قال البيهقي في الشعب ينبغي للسائل أن يعظم أسماء الله تعالى فلا يسأل بشيء منها من عرض الدنيا شيئاً وينبغي للمسؤول إذا سئل باللهِ ألا يمنع ما استطاع وجاء عن ابن عباس حديث مرفوع في الترهيب من تركه ولفظه ألا أنبئكم بشر النّاس منزلة الذي يسأل بوجه الله أخرجه البيهقي وكذا أخرجه النسائي والترمذي وقال الترمذي حسن غريب وعند البيهقي من حديث يعقوب بن عاصم عن عبد الله بن عمر ولا أعلمه إلا رفعه قال من سئل بوجه الله فأعطى كتب له سبعون حسنة اهـ. قوله: (من استعاذ بالله) أي من مكروه تقدرون على رفعه عنه. قوله: (ومن دعاكم فأجيبوه) أي وجوباً في وليمة النكاح ندباً في باقي الولائم. قوله: (فكافئوه) أي بمعروف من جنسه أو من غير جنسه. قوله: (فادعوا له) وتقدم من قال لأخيه جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء.
قوله: (الأشهر أنه يكره أن يقال أطال الله بقاءك) نازع الأذرعي في إطلاق الكراهة
стр. 2448
في كتابه "صناعة الكتَّاب" كره بعض العلماء قولهم: أطال الله بقاءك، ورخص فيه بعضهم. قال إسماعيل بن إسحاق: أول من كتب "أطال الله بقاءك" الزنادقة. وروي عن حماد بن سلمة ﵁ أن مكاتبة المسلمين كانت: من فلان إلى فلان: أما بعد، سلام عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد وعلى آل محمد، ثم أحدثت الزنادقة هذه المكاتبات التي أولها: أطال الله بقاءك.
فصل: المذهب الصحيح المختار أنه لا يكره قول الإنسان لغيره: فداك أبي وأمي، أو جعلني الله فداك، وقد تظاهرت على جواز ذلك الأحاديث المشهورة في "الصحيحين" وغيرهما، وسواء كان الأبوان مسلمَين أو كافِرَين، وكره ذلك بعض العلماء إذا كانا مسلمَين. قال النحاس: وكره مالك بن أنس: جعلني الله فداك، وأجازه بعضهم. قال القاضي عياض: ذهب جمهور العلماء إلى جواز ذلك، سواء كان المفدَّى به مسلماً أو كافراً.
قلت: وقد جاء من الأحاديث الصحيحة في جواز ذلك ما لا يحصى، وقد نبَّهتُ على جمل منها في "شرح صحيح مسلم".
فصل: ومما يذمُّ من الألفاظ: المِرَاءُ، والجِدال، والخُصومة. قال
ــ
واختار أن الدعاء بذلك لأهل الدين والعلم وولاة العدل قربة ولغيرهم مكروه بل حرام.
قوله: (المذهب الصحيح المختار أنه لا يكره قول الإنسان لغيره فداك أبي وأمي) وقد تقدم في ترجمة سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال له وقال للزبير أيضاً فداك أبي وأمي ولا يحصى تقريره الصحابة على قولهم ذلك له ﷺ . قوله: (وسواء كان الأبوان مسلمين أو كافرين) أي لأنه ليس القصد به ظاهره وحقيقته بل التواد والملاطفة مع المخاطب. قوله: (من الأحاديث الصحيحة) بيان لما في قوله ما لا يحصى.
قوله:
стр. 2449
الإِمام أبو حامد الغزالي: المِراء: طَعْنُكَ في كلام الغير لإظهار خلل فيه لغير غرض سوى تحقير قائله، وإظهار مزيتك عليه، قال: وأما الجِدال، فعبارةٌ عن أمر يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها، قال: وأما الخصومة، فَلَجاج في الكلام ليستوفيَ به مقصودَه من مال أو غيره، وتارة يكون ابتداءً، وتارة يكون اعتراضاً، والمراء لا يكون إلا اعتراضاً، هذا كلام الغزالي.
واعلم أن الجدال قد يكون بحق وقد يكون بباطل، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وقال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] وقال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] فإن كان الجدال الوقوف على الحق وتقريره كان محموداً، وإن كان في مدافعة الحقِّ، أو
ــ
(لإظهار خلل فيه) علة للطعن وكذا قوله لغير غرض. قوله: (تحقير قائله) أي بإظهار الخلل في كلامه. قوله: (مزيتك) بفتح الميم وكسر الزاي وتشديد التحتية أي ارتفاعك عليه. قوله: (وأما الجدال الخ) فهو أخص من المراء وفي التهذيب الجدل والجدال والمجادلة مقابلة الحجة بالحجة قال وأصله الخصومة الشديدة سمي جدلاً لأن كل واحد يحكم خصومته وحجته إحكاماً بليغاً على قدر طاقته تشبيهاً بجدل الحيل وهو إحكام فتله. قوله: (واعلم أن الجدال قد يكون بحق) أي في يكون قصده إقامة الحق وإظهاره لا تحقير غيره وحينئذٍ فإطلاق الجدال عليه مجاز لأنه صورته. قوله: (وقد يكون بباطل) بأن يكون قصده تحقير غيره أو إقامة باطل. قوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ
الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي من الملاطفة في الدعاء إلى الله والتنبيه على آياته. قوله: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قوله: (فإن كان الجدال للوقوف على الحق الخ) وعليه ينزل ما جاء من مدح الجدال وعلامة ذلك أن لا يغضب من ظهور الحق على لسان خصمه ولذا قال إمامنا الشافعي ﵁ ما ناظرت أحداً
стр. 2450
كان جدالاً بغير علم كان مذموماً، وعلى هذا التفصيل تُنَزَّلُ النصوص الواردة في إباحته وذمه، والمجادلة والجدال بمعنى، وقد أوضحتُ ذلك مبسوطاً في "تهذيب الأسماء واللغات".
قال بعضهم: ما رأيت شيئاً أذهب للدِّين، ولا أنقص للمروءة، ولا أضيع للذة، ولا أشغل للقلب من الخصومة.
فإن قلت: لا بد للإنسان من الخصومة لاستبقاء حقوقه.
فالجواب ما أجاب به الإِمام الغزالي: أن الذمَّ المتأكِّد إنما هو لمن خاصم بالباطل أو بغير علم، كوكيل القاضي، فإنه يتوكل في الخصومة قبلَ أن يَعْرِفَ أن الحقَّ في أي جانب هو فيخاصم بغير علم.
ويدخل في الذمِّ أيضاً مَنْ يطلب حقه، لكنه لا يقتصر على قدر الحاجة، بل يظهر اللَّدَد والكذب للإيذاء والتسليط على خصمه، وكذلك من خلط بالخصومة كلمات تؤذي، وليس له إليها حاجة في تحصيل حقه، وكذلك من يحمله على الخصومة محضُ العِناد لقهر الخصم وكسره، فهذا هو المذموم، وأما المظلوم الذي ينصُرُ حجَّتَه بطريق الشرع من
ــ
إلا ورجوت أن يظهر الحق على يده. قوله: (وعلى هذا التفصيل الخ) قال في التهذيب وقد ذكر الخطيب في كتابه كتاب الفقيه والمتفقه جميع ما جاء في الجدل ونزله على هذا التفصيل وكذا ذكر غيره. قوله: (ما رأيت أذهب للدين الخ) وجه الخصومة مذهبة له أنه قل من يضبط من محرمات نحو الخصام من غيبة وسعاية وحقد ونحو ذلك عند الخصام إلا من حفظه الله تعالى. قوله: (الذم المتأكد إنما هو لمن خاصم بالباطل) أي فهو حرام حينئذ لما فيه من تقوية الباطل والخصومة في إقامته. قوله: (وليس له إليها حاجة) أما عند الحاجة فظاهر كلامه جواز الإيذاء عند الحاجة إليه بأن عرف من عادة الخصم أنه لا يقر بالحق إلا بردعه ببعض الكلمات المؤذية له فلا بأس بها حينئذٍ. قوله: (فهذا هو المذموم) أي فيحرم كما يفهم من قوله الآتي ففعله هذا أي الجامع لتلك الشرط ليس حراماً. قوله: (أما المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد وإسراف
стр. 2451
غير لَدَدٍ وإسرافٍ وزيادة لجَاج على الحاجة، من غير قصد عناد ولا إيذاءٍ، ففعله هذا ليس حراماً، ولكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلاً، لأن ضبط اللسان في الخصومة على حدِّ الاعتدال متعذِّر، والخصومة تُوغِر الصدور، وتهيِّج الغضب، وإذا هاج الغضب حصل الحِقد بينهما، حتى يفرح كل واحد بمساءَة الآخر، ويحزن بمسرَّته، ويطلق اللسان في عرضه، فمن خاصم فقد تعرَّض لهذه الآفات، وأقلُّ ما فيه اشتغال القلب حتى أنه يكون
ــ
وزيادة لجاج على الحاجة من غير قصد عناد ولا إيذاء) أي غير محتاج إليه وإلا كإرسال رسول القاضي ليحضره لا حرج فيه وإن تأذى به (ففعله ليس حراماً)، أفهم
أنه متى وجد شيء مما نفاه حرمت الخصومة أما حرمتها في نصرة حجته بغير طريق الشرع فواضحة جلية وأما حرمتها فيما إذا نصرها بالشرع لكن مع إلداد وإسراف أو عناد أو زيادة لجاج على قدر الحاجة للإيذاء. وقوله: (لغير حاجة) ظاهره يجوز اللجاج للحاجة وكذا ما قبله لكن إن أدى اللدد وما بعده إلى نحو كذب أو تمويه باطل ضمه لحجته حرم ذكره ابن حجر في تنبيه الأخيار ثم قوله: "ففعله ليس حراماً" صريح في تحريم ما قبله من المراء والجدال بغير الحق وتحريم الخصومة إذا وجد فيها شيء مما نفاه، وقد وقع للجلال السيوطي في أذكار الأذكار أنه أطلق القول بكراهة المراء والجدال والخصومة ولم يقيدها بما ذكره المصنف وتعقبه ابن حجر بقوله كيف ساغ له الجزم بكراهة المراء مع تفسيره له بأنه ليس القصد منه إلا تحقير الغير الذي هو محرم إجماعاً فالصواب أنه حرام غليظ التحريم وبكراهة الجدال بغير حجة مع تفسير النووي له بأنه الجدال في مدافعة الحق والجدال بغير الحق في كل من هذين تحريمه ظاهر جلي فمن أظهر مذهبه بما يعلم بطلانه فقد جادل بغير حجة وارتكب عظيم الإثم لنصرته الباطل أو ترويجه على السامع وبكراهة الخصومة من غير قيد مع اشتراط النووي لعدم تحريمها أن ينصر حجته بطريق الشرع الخ. قوله: (ولكن الأولى تركه) فكثرة الخصومات عدها صاحب العدة من الصغائر وإن كان الشخص
стр. 2452
في صلاته وخاطره معلَّق بالمحاجة والخصومة، فلا يبقى حاله على الاستقامة. والخصومةُ مبدأُ الشرِّ، وكذا الجدالُ والمراء، فينبغي أن لا يفتحَ عليه باب الخصومة إلا لضرورة لا بد منها، وعند ذلك يحفظ لسانه وقلبه عن آفات الخصومة.
روينا في كتاب الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "كفَى بِكَ إثْماً أنْ لا تَزَالَ مُخاصِماً".
وجاء عن عليٍّ ﵁ قال: إن للخصومات قُحَماً.
قلت: القحم بضم القاف وفتح الحاء المهملة: هي المهالك.
فصل: يكره التقعير في الكلام بالتَّشَدُّق وتكلَّفِ السَّجْع والفَصَاحة والتصنَّع بالمقدمات التي يعتادها المتفاصحون وزخارف القول، فكل ذلك من التَكلُّف المذموم، وكذلك تكلُّف السجع، وكذلك التحرِّي في دقائق
ــ
محقاً كما نقله عنه الشيخان ثم بعضهم قال أراد بالصغيرة ما يقابل الكبيرة فيأثم بذلك واستشكل بأنه يبعد تأثيم المحق في خصومته إلا أن يقال من أكثر الخصومات وقع في الإثم وبعضهم قال أراد بالصغيرة ما يشبهها في رد الشهادة وإن لم يكن فيه إثم واعترض بأن إطلاق الصغيرة على ذلك خارج عن اصطلاح الفقهاء. قوله: (وكذا الجدال) أي المذموم. قوله: (روينا في كتاب الترمذي) وقال الترمذي إنه حديث غريب. قوله: (وجاء عن علي الخ) في كتاب الأم للشافعي عن علي أنه وكل في خصومة وهو حاضر وكان يقول إن الخصومة لها قحماً. قوله: (القحم بضم القاف وفتح الحاء هي المهالك) في النهاية القحم هي الأمور العظيمة الشاقة واحدتها قحمة اهـ. وعد المطرزي في المغرب فتح الحاء خطأ.
قوله: (وتكلف السجع والفصاحة) أي وأما البلاغة ما لم تصل إلى حد الإسهاب فمحمودة عند العلماء فإن وصلت إليه فمذمومة وكذا إذا كان ممن يجادل بها لتزيين الباطل وتحسينه بلفظه ويريد إقامته
стр. 2453
الإعراب ووحشيِّ اللغة في حال مخاطبة العوام، بل ينبغي أن يقصدَ في مخاطبته لفظاً يفهمه صاحبه فهماً جلياً ولا يستثقله.
روينا في كتابي أبي داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله
عنهما أن رسول الله
ــ
في صورة الحق فهذا هو المذموم الذي ورد فيه التغليط الشديد، وفي كتاب معيد النعم للقاضي تاج الدين السبكي في ذكر طوائف العلماء ومنهم طائفة استغرق حب النحو واللغة عليها وملأ فكرها فأداها إلى التقعر في الألفاظ وملازمة وحشي اللغة بحيث خاطبت به من لا يفهمه وحن لا ننكر أن الفصاحة فن مطلوب واستعمال غريب اللغة عزيز حسن لكن مع أهله ومع من يفهمه كما حكي أن أبا عمرو بن العلاء قصده طالب ليقرأ عليه فصادفه بكلام البصرة وهو مع العامة يتكلم بكلامهم لا يفرق بينه وبينهم فنقص من عينه ثم لما نجز شغل أبي عمرو مما هو فيه تبعه الرجل إلى أن دخل الجامع فأخذ يخاطب الفقهاء بغير ذلك اللسان فعظم في عينه وعلم أنه كلم كل طائفة بما يناسبها من الألفاظ فهذا هو الصواب فإن كل واحد يكلم على قدر فهمه ومن اجتنب اللحن وارتكب العالي من اللغة والغريب منها وتحدث بذلك مع كل واحد فهو ناقص العقل وربما أتى بعض هذه الطائفة من ملازمته هذا الفن بحيث اختلط بلحمهم ودمهم فسبق لسانهم إليه وإن كانوا يخاطبون من لا يفهمه ثم أخرج عن أبي العباس أحمد بن إبراهيم الوراق أنه قال ازدحم النّاس على عيسى بن عمرو النحوي وقد سقط عن حماره وغشي عليه فلما أفاق وأخذ في الاستواء للجلوس قال: ما بالكم تكأكأتم علي ولا تكأكؤكم على ذي جنة افرنقعوا عني، وافرنقعوا بلغة أهل اليمن تنحوا فهذا الرجل كان إماماً في اللغة وكانت هذه الحالة منه لا تقتضي أن يقصد هذه الألفاظ بل هي دأبه فسبق إليها لسانه، ثم أخرج حكايات عديدة من هذا القبيل قال ولا ينكر أنهم يأتون بالألفاظ الكثرة استعمالهم لها وغلبتها على ألسنتهم ظناً منهم أن كل أحد يعرفها وإلا فكيف يذكرونها في وقت لا يظهر فيه لاستعمالها سبب غير ذلك ووحشي اللغة هي الكلمة الغريبة في الاستعمال وذلك مخل بالفصاحة. قوله: (بل ينبغي أن يقصد في مخاطبته الخ) أي فيخاطب كلاً بما يليق به كما تقدم عن أبي عمرو بن العلاء.
قوله: (روينا في كتابي أبي داود والترمذي) وكذا رواه الإِمام أحمد كما في الجامع الصغير وأورد
стр. 2454
- ﷺ قال: "إنّ الله يُبْغِضُ البليغَ مِنَ الرجالِ الذي يتَخَلَّلُ بلسانِهِ كما تَتَخَلَّلُ البَقَرَةُ" قال الترمذي: حديث حسن.
وروينا في "صحيح مسلم" عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ" قالها ثلاثاً. قال العلماء: يعني بالمتنطعين: المبالغين في الأمور.
وروينا في كتاب الترمذي عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إن مِنْ أحبَّكُمْ إليَّ، وأقْرَبِكُمْ منِّي مَجْلِساً
ــ
في النهاية وقال في آخر كلما تتخلل الباقرة الكلأ بلسانها قال العاقولي ضرب المثل بالبقرة لأنها تأخذ نبات الأرض والعلف بألسنتها دون سائر الدواب فإنها تأخذ ذلك بأسنانها فنبه بذلك على أن أولئك لا يهتدون إلى مأكل إلا بهذه الطريق كما أن البقرة لا تتمكن أن تأكل إلا بهذه الطريق وأنهم في فعلهم هذا لا يفرقون بين قول الحق والباطل بل أنهم بصدد تحصيل شيء سواء كان بقول باطل أو
بحق والباقرة جمع البقر واستعماله بالتاء قليل. قوله: (يتخلل بلسانه) هو الذي يتشدق بالكلام ويقحم به لسانه ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفاً. قوله: (وروينا في صحيح مسلم) ورواه أحمد وأبو داود كلهم من حديث ابن مسعود. قوله: (هلك المتنطعون) بتقديم المثناة الفوقية على النون هم المتعمقون المغالون في الكلام المتكلمون بأقصى طرقهم مأخوذ من النطع وهو الغار الأعلى من الفم ثم استعمل في كل تعمق قولاً وفعلاً قال العاقولي ويدخل في هذا الذم ما يكون القصد فيه مقصوراً على مراعاة اللفظ ومجيء المعنى تابعاً للفظ أما إذا كان بالعكس فهو الممدوح وهو أن يدع الرجل نفسه تجري على سجيتها فيما يروم التعبير عنه من المعاني كما قال:
أرسلت نفسي على سجيتها ... وقلت مما قلت غير محتشم
قوله: (المبالغين في الأمور) ودخل فيها المبالغة في الكلام والتكلف في الفصاحة وهذا وجه إيراده هنا. قوله: (وروينا في كتاب الترمذي). قوله: (إن من أحبكم الخ) مبني على قاعدة وهي أن المؤمنين من حيث الإيمان محبوبون ثم قد
стр. 2455
يَوْمَ القِيامَةِ، أحاسِنُكُمْ أخْلاقاً، وإنَّ أبْغَضَكُمْ إليّ، وأبعدَكُمْ مِنِّي يَومَ القِيامَةِ، الثَّرثَارُونَ والمتَشَدِّقُونَ والمُتَفَيهِقُونَ"، قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والْمتشدِّقون، فما المتفيهقون؟ قال: "المُتَكَبِّرُون) قال الترمذي: هذا حديث حسن.
قال: والثرثار: هو الكثير الكلام. والمتشدِّق: من يتطاول على النّاس في الكلام ويبذو عليهم.
واعلم أنه لا يدخل في الذم تحسين ألفاظ الخُطَب والمواعظ إذا لم يكن فيها إفراط وإغراب، لأن المقصود منها تهييج القلوب إلى طاعة الله ، ولحسن اللفظ في هذا أثر ظاهر.
ــ
يتفاضلون في صفات الخير وشعب الإيمان فيتميز الفاضل بزائد محبة وقد تفاوتون في الرذائل فيصيرون مبغوضين من حيث هم كذلك ويصير بعضهم أبغض من بعض وقد يكون الشخص الواحد محبوباً من وجه مبغوضاً من وجه آخر وعلى هذه القاعدة فرسول الله ﷺ يحب المؤمنين كافة من حيث هم مؤمنون وأحسنهم أخلاقاً من اشدهم حباً عنده ويبغض العصاة من حيث هم عصاة وأسوءهم أخلاقاً من أشدهم بغضاً عنده. قوله: (فما المتفيهقون قال المتكبرون) أي ومن كبرهم ينشأ تشدقهم بالكلام إذ المتفيهق الذي يتوسع في الكلام ويفتح به فاه مأخوذ من الفهق وهو الامتلاء والاتساع يقال أفهقت الإناء ففهق فهقاً والثرثار هو الكثير الكلام قال العاقولي الثرثار هو الذي يكثر الكلام تكلفاً وخروجاً عن الحق والثرثرة كثرة الكلام وترديده. قوله: (والمتشدق ... في الكلام الخ) وقال آخرون المتشدق المتوسع في الكلام من غير احتياط واحتراز وقيل المتشدق المستهزيء بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم. قوله: (إفراط) أي مجاوزة الحد الذي
ينبغي. قوله: (وإغراب) أي إتيان باللفظ الغريب الوحشي. قوله: (ولحسن اللفظ في هذا) أي تهييج القلوب إلى الطاعة (أثر ظاهر) ولذا استحب كونها بليغة أي في غاية من
следующие страницы →