← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وإلا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ" ــ لم يذكره قال العارف ابن أبي جمرة وفيه دليل على إن بصحة الدين يصح البدن وينشرح الصدر إذ لا يكون نشيطاً طيب النفس إلاّ مع صحة البدن وقال ﷺ في قيام الليل أنه ينفي الذنوب ويصح البدن اهـ. قوله: (وِإلَّا) أي وإلا يفعل ما ذكر أو شيئاً فلا يصبح كذلك بل أصبح خبيث النفس إلخ، وبه يعلم أن إن شرطية أدغمت نونها في اللام لتقاربهما في المخرج قال ابن هشام في المغني وقد تقترن يعني إن الشرطية بلا النافية فيظن من لا معرفة له أنها إلا الاستثنائية نحو، إلا تنصروه فقد نصره الله، إلا تنفروا يعذبكم، ولقد بلغني إن بعض من يدعي الفضل سأل في قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ [الأنفال: ٧٣] فقال ما هذا الاستثناء أمتصل أم منقطع اهـ، وبه يعلم أنه يجب أن يرسم إن ثم لا لأن الكلمة تكتب بصورة الابتداء بها والوقوف عليها ويوجد في كثير من الأصول رسمه بصورة إلا الاستثنائية وفيه ما عرفت. قوله: (أَصبَحَ إلخ) دليل الجواب إذ هو محذوف وإنما أصبح خبيث النفس لتمكن الشيطان منه وأسره له بشده عليه تلك العقد استيثاقاً وتثبيطاً عن الخير إلى أن لم يبق فيه قبول له وفيه كما قال العارف ابن أبي جمرة دليل على أن الذنوب تمرض البدن إذ الغالب من خباثة النفس أنها لا تكون إلا مع تألم البدن ونجد ذلك مشاهداً في أهل البطالة والمعاصي غير طيبين في أبدانهم حتى يطلع النهار ويعالجون ما بهم من الكسل اهـ، ولا مخالفة بين هذا الخبر وخبر لا يقل أحدكم خبثت نفسي لأن الممنوع منه إطلاق الشخص ذلك على نفسه فيذم نفسه وأما إذا أضافه إلى غيره مما يصدق عليه فليس بممنوع، وفي الخبر دليل على عظم تسليط الشيطان على بني آدم وما جعل الله له من القدرة على ذلك يؤخذ ذلك من كونه يعقد في شيء ويؤثر عقده في بني آدم وفيه دليل

стр. 282

هذا لفظ رواية البخاري، ورواية مسلم بمعناه، وقافية الرأس: آخره. وروينا في "صحيح البخاري" عن حذيفة بن اليمان ﵄، وعن أبي ذرّ ﵁ قالا: "كان رسول الله ﷺ إذا ــ على حرمة الطاعة وحرمة من أهل للعمل بها فلا يضرهم إنس ولا غيره يؤخذ ذلك من حل العقد والنشاط لمن قام وغيره لمن نام. قوله: (هذا لفظ البخاري) أي في باب بدء الخلق. قوله: (وقافية الرأْسِ إلخ) قال المصنف في شرح مسلم قافية كل شيء آخره ومنه قافية الشجر اهـ. وفي شرح البخاري لابن العز الحجازي قافية الرأس مؤخر العنق اهـ. وقيل وسطه قيل وهو المراد هنا وقال العاقولي القافية القفا وقيل قافية الرأس مؤخره وقيل وسطه اهـ. قوله: (وروينا في صحيح البخاري) وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي في الكبرى وابن ماجة كما قال الحافظ كلهم من حديث حذيفة زاد في الحصين ابن أبي شيبة فيمن خرجه من حديث حذيفة قال في الحرز ويفهم من الأذكار أي فيما سيأتي فيما يقوله عند النوم أن البخاري ورواه من حديث أبي ذر أيضاً اهـ. قلت وكذا رواه من حديث أبي ذر النسائي في الكبير كما قاله الحافظ ورواه مسلم والنسائي من حديث البراء بن عازب وأبدل قوله إذا أوى إلى فراشه بقوله إذا دخل مضجعه من الليل قال الحافظ بعد أن أورده من حديث حذيفة وأبي ذر والبراء وذكر من خرجه عن كل ما لفظه وحاصل ما سقته إن هذا المتن متفق عليه عن النبي ﷺ فأخرجه البخاري من حديث حذيفة وأبي ذر ولم يخرج حديث البراء إلا مسلم فقط ففات الشيخ التنبيه على تخريج مسلم له اهـ. قوله: (عن حذيفة بن اليمانِ إلخ) الأخصر في التعبير عن حذيفة بن اليمان وأبي ذر ﵃ وأما العبارة ففيها مع التطويل إيهام أن الحديث عن حذيفة وحده والترضي عن المذكورين وكون المقام ووضوح الكلام

стр. 283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يدفع هذا الإيهام لا ينافي احتماله وحذيفة يكنى أبا عبد الله واسم أبيه حسيل بن جابر واليمان لقبه ولقب به لأنه أصاب في قومه دما فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل فسماه قومه اليمان لأنه حالف اليمانية وهو من بني عبس بمهملتين الأولى مفتوحة بينهما موحدة ساكنة حليف بني عبد الأشهل أسلم هو وأبوه وأمه الريان بنت كعب بن عدي وهاجروا وكان حذيفة صاحب سر رسول الله ﷺ في المنافقين وأحد المهاجرين الأولين وأحد الأربعة عشر النجباء شهد المشاهد كلها إلاّ غزوة بدر صده المشركون وحضر أحداً هو وأخوه صفوان وأبوه وقتل أبوه يومئذٍ شهيدًا قتله بعض المسلمين يحسبه مشركاً فوهب له ولده حذيفة ديته وفي تفسير عبد بن حميد إن الذي قتله عتبة بن مسعود أخو عبد الله بن مسعود وأرسله النبي ﷺ ليلة الأحزاب سرية وحده ليأتيه بخبر القوم ودعا له يوم الخندق فقال اللهم احفظ حذيفة من بين يديه ومن خلفه وكان كثير السؤال عن الفتن ليجتنبها وفي صحيح مسلم عنه أخبرني رسول الله ﷺ ما يكون إلى أن تقوم الساعة واني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة واستعمله عمر على المدائن وقال عمر لأصحابه يوماً تمنوا فتمنوا ملء البيت الذي هم فيه جوهراً لينفقوه في سبيل الله فقال عمر لكني أتمنى رجالاً مثل أبي عبيدة ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان استعملهم في طاعة الله وكان عمر إذا مات أحد فإن صلى عليه حذيفة صلى عليه وإلاّ فلا، روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث ونيف اتفقا منها على اثني عشر وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بسبعة عشر ومن كلام حذيفة لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقها وشهد نهاوند مع النعمان بن مقرن فلما قتل النعمان أخذ الراية ففتح الله على يديه نهاوند والري والدينور وما شد عنوة وذلك سنة اثنتين وعشرين ومناقبه كثيرة مات بالمدائن في المحرم سنة ست وثلاثين بعد مقتل عثمان بأربعين ليلة وقيل عن خمس وثلاثين.

стр. 284

أوى إلى فراشه قال: ــ قوله: (أَوَى إلى فِراشِهِ) قال المصنف في آخر باب الحج من شرح مسلم نقلا عن القاضي عياض يقال آوى وأوى بالمد والقصر في الفعل اللازم والمتعدي جميعاً لكن القصر في اللازم أشهر وأفصح والمد في المتعدي أشهر وأفصح "قلت" وبالأفصح جاء القرآن العزيز في الموضعين قال تعالى ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] وقال تعالى في المتعدي ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠]، والله أعلم. وفي النهاية يقال أوى وآوى بمعنى واحد والمقصور منه لازم متعد اهـ. قال في الحرز يعني والممدود لا يكون إلاَّ متعدياً ويحتاج إلى تقدير مفعول في الحديث بأن يقدر ما آوى أحد نفسه إلى فراشه لم يذكر الله فيه إلَّا كان عليه ترة ولهذا اقتصر العسقلاني على القصر في إذا أوى اهـ. "قلت" وكذا اقتصر عليه هنا الكرماني قبله والسيوطي بعده والمصنف في شرح مسلم وكأن العصر على القصر لكونه الرواية فنقتصر عليه أو لكونه فيه أرجح كما صرح المصنف به في التهذيب ولا يلزم من قول النهاية والمقصور إلخ. ما قاله في الحرز أما أولاً فإنه مفهوم مخالفة وهو خلاف مذهب صاحب الحرز قال ابن السبكي في جمع الجوامع وأنكر أبو حنيفة الكل مطلقاً قال الجلال المحلي في شرحه أي لم يقل بشيء من مفاهيم المخالفة وإن كان في المسكوت بخلاف حكم المنطوق فلأمر آخر اهـ. وأما ثانياً فإن صاحب النهاية صرح بعد قوله المذكور بنحو سطرين بأن الممدود قد يكون لازماً وعبارته ومن المقصور اللازم حديث أما أحدهم فأوى إلى الله أي رجع إليه ومن الممدود المتعدي حديث الدعاء الحمد لله الذي كفانا وآوانا أي ردنا إلى مأوى لنا ولم يجعلنا منتثرين كالبهائم والمأوى المنزل، ومن أسباب الدخل على المؤلفين الأخذ بأوائل الكلام والغفلة عن سوابقه ولواحقه بما يندفع به ذلك المأخوذ وحينئذٍ فتبين أن اقتصار من ذكر على القصر في أوى في هذا المقام إما

стр. 285

باسْمِكَ اللَّهُمَّ أحْيَا وأمُوتُ، وَإذَا اسْتَيْقَظَ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الّذِي أَحْيَانَا بَعْدَما أَمَاتَنَا وَإلَيهِ النُّشورُ". وروينا ــ لكونه رواية أو أفصح لا لمنع القصر في الممدود فلا يحتاج إلى قوله آوى أحدكم نفسه إلخ. والله أعلم. قوله: (باسمك اللهُم أحْيَا وأموتُ) هذه الجملة فيها فوائد "الأولى" قال العلماء حكمه الذي والدعاء عند النوم إن يكون خاتمة أعماله وعند الاستيقاظ منه أن يكون أول عمله ذكر التوحيد والكلم الطيب كما قيل: وآخر شيء أنت أول هجعة ... وأول شيء أنت عند هبوبي فكتبت الحفظة في أول صحيفته عملاً وتختمها بمثل ذلك فيرجى له مغفرة ما بينهما وقد روى الطبراني من حديث الحسن عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ يقول الله اذكرني أول النهار ساعة ومن آخره ساعة أكفك ما بينهما وكان الصالحون من السوقة يجعلون أول نهارهم وآخره إلى الليل لأمر الآخرة ووسطه لمعيشة الدنيا وفي الحديث يقول الله ابن آدم لا تعجزن عن أربع ركعات أول النهار أكفك آخره "الثانية" قوله باسمك اللهم أحيا بفتح الهمزة قال المصنف في شرح مسلم قيل معناه بذكر اسمك أحيا ما حييت وعليه أموت "قلت" أي على ذكري اسمك مع اعتقادي لعظمة مدلوله وتفرده بالألوهية والملك وقيل معناه بك أحيا وبك أموت فالاسم هنا بمعنى المسمى اهـ، ويحتمل عليه إن يكون اسم مقحماً وأعرض عنه المصنف لأن مذهب البصريين وهو المختار منع زيادة الأسماء قال الكرماني بعد ذكره الوجه الأول "فإن قلت" فيه دلالة على إن الاسم غير المسمى "قلت" لا ولا سيما من حيث إن الاسم يحتمل أن يكون مقحماً كقوله: *إلى الحول ثم اسم السلام عليكما* اهـ فأشار إلى وجه ثالث وقال القرطبي بعد ذكر الوجه الثاني مما نقله المصنف وهذا

стр. 286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قول الشارحين، وقد استفدت من بعض مشايخنا معنى آخر هو أنه يحتمل أنه يعني باسمك المحيي المميت من أسمائه تعالى ومعنى ذلك إن الله تعالى إنما سمى نفسه بأسمائه الحسنى لأن معانيها ثابتة في حقه وواجبة إذ كل ما ظهر في الوجود من الآثار إنما هو صادر عن تلك المقضيات فكل إحياء في الدنيا والآخرة إنما هو صادر عن قدرته على الإحياء وكذا القول في الإماتة وكذا غيره في المعاني التي تدل عليها أسماؤه فكأنه قال باسمك المحيي أحيا وباسمك المميت أموت وكذا القول في سائر الأسماء الدالة على المعاني اهـ. وقيل معناه ما دلت عليه أسماؤك العلية من تنزهك عن كل صفة لم يبلغ غاية الكمال المطلق وتجليك بكل صفة من الصفات البالغة لذلك الكمال أموت وأحيا "الثالثة" حكمة عدم الإتيان بأن شاء الله في هذا الذكر ونحوه قال الشيخ تاج الدين السبكي في الطبقات وجدت بخط الشيخ يعني والده فكرت عند الاضطجاع في قول المضطجع باسمك اللهم وضعت جنبي وبك ارفعه فأردت أن أقول إن شاء الله في أرفعه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ] [الكهف: ٢٣، ٢٤] ثم قلت في نفسي إن ذلك لم يرد في الحديث في هذا الذكر المقول عند النوم ولو كان مشروعاً لذكره النبي ﷺ الذي أوتي جوامع العلم، فتطالت فرقاً بينه وبين كل ما يخبر به الإنسان من الأمور المستقبلة المستحب فيها ذكر المشيئة ولا يقال إن أرفعه حال ليس بمستقبل لأمرين "أحدهما" إن لفظه وإن كان كذلك لكنا نعلم إن رفع جنب المضطجع ليس حال اضطجاعه "والثاني" إن استحباب المشيئة عام فيما ليس معلوم الحال أو المعنى وظهر لي أن الأولى الاقتصار على الوارد في الحديث في الذكر عند النوم بغير زيادة وإن ذلك مبني على قاعدة يفرق فيها بين تقدم الفعل على الجار والمجرور وتأخره عنه فإنك إذا قلت ارفع جنبي باسم الله كان المعنى الإخبار بالرفع وهو عمدة الكلام وجاء الجار والمجرور بعد ذلك تكملة وإذا قلت باسم الله ارفع جنبي كان المعنى الإخبار بأن الرفع كائن باسم الله فافهم هذا السر اللطيف وتأمله في جميع موارد

стр. 287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العرب تجد ما يظهر لك به شرف كلام المصطفى ﷺ وملازمة المحافظة على الأذكار المأثورة عنه عليه أفضل الصلاة والسلام وإياك أن تنظر إلى إطلاق أن الجار والمجرور فضلة في الكلام وتأخذه على الإطلاق بل تأمل موارد تقدمه وتأخره في الكتاب العزيز والسنة وكلام العرب الفصحاء وتفهم هذه القاعدة الجليلة التي يفهم بها اللفظ والمعنى واعلم أنه لا بد من المحافظة على قواعد العربية وعلى فهم كلام العرب ومقاصدها وقواعد العربية تقتضي إن الجار والمجرور فضلة في الكلام لا عمدة له وإن الفعل هو المخبر به والاسم هو المخبر عنه فهذا أصل الكلام ووضعه ثم قد يكون ذلك مقصود المتكلم وقد لا يكون على هذه الصورة فإنه قد يكون المخبر عنه والمخبر به معلومين أو كالمعلومين ويكون محط الفائدة في كونه على الصفة المستفادة من الجار والمجرور كما نحن فيه فإن المضطجع وضع جنبه معلوم ورفعه كالمعلوم ولم يقل معلوم لأنه قد يموت اهـ، ومثله ما نحن فيه فإن موته معلوم وحياته كالمعلوم لأنه قد يموت حالاً والله أعلم "الرابعة" قوله أحيا وأموت يحتمل الموت الحقيقي ويحتمل المجازي وهو النوم كما أطلقت عليه الوفاة في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] الآية وأطلق عليه ذلك على سبيل التشبيه والتمثيل ففيه استعارة مصرحة تبعية ووجه الشبه زوال الشعور والحركة الاختيارية مع كل منهما قال الطيبي وأشير بالتشبيه والتمثيل إلى أن المقصود من الحياة اكتساب رضا الله تعالى والأمن من عقابه وبالنوم يزول ذلك ويفوت فائدة الحياة فكان كالميت وقال القرطبي النوم والموت يجمعهما انقطاع تعلق الروح بالبدن وذلك قد يكون ظاهراً وهو النوم ولذا قيل النوم أخو الموت وظاهراً وباطناً وهو الموت فإطلاق الموت على النوم مجاز لاشتراكهما في انقطاع تعلق الروح بالبدن وقيل الموت يطلق على السكون وعلى ما بإزاء القوة النامية في الحيوان والنابت والقوة العاقلة والجهالة ومنه ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا

стр. 288

في كتاب ــ فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] وقد يستعار للحالة الشاقة كالفقر والذل، والحياة تحتمل الحقيقة التي بعد البرزخ والمجازية التي بعد النوم فإن الحقيقة لم تزل بالنوم وحياة البرزخ يصح إن يقال أنها مجازية لأنه لا يوجد فيه كمال الإحياء بل نوع منه بحيث يفهم الخطاب ويرد الجواب وإن يقال أنها حقيقية والمفقود كمال حركة البدن قال تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧] كذا يؤخذ من فتح الإله "الخامسة" قوله أحيانا بعد ما أماتنا أي أحياناً بالاستيقاظ من النوم لنكتسب ثمرة الحياة من الحمل النافع في الآخرة وذلك أفضل النوم فإذا حمد عليها لا سيما مع تصور ما في قوله بعدما أماتنا أي الموت المجازي وهو النوم يقال النوم الموت الخفيف، والموت الثقيل قال الكرماني "فإن قلت" ليس هنا إحياء ولا إماتة بل إيقاظ وإنامة "قلت" الموت عبارة عن انقطاع تعلق الروح من البدن وذلك قد يكون ظاهراً فقط وهو النوم ولهذا يقال أنه أخو الموت وظاهراً وباطناً وهو الموت المتعارف اهـ، والنشور الحياة بعد الموت يقال نشر الميت ينشر نشوراً وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥] أي الذهاب إلى دار جزائه ليجازي كل واحد بما يقتضيه ما سبقه علمه من خير أو شر ويقتضيه عمله من ذلك كما يشهد به "الناس مجزيون بأعمالهم" وقولنا في تفسير النشور أيضاً أنه الذهاب إلى دار جزائه لمناسبة المقام فلا ينافي إن معناه لغة ما سبق من البعث بعد الموت وحكمة ذكره ذلك إن من استحضر هذه الأمور حمله ذلك على أن يكون حاضر القلب في النوم واليقظة فلا يفضي به نومه إلى التكاسل ولا إلى تباطؤ عما طلب منه ولا تيقظه إلى غفلة عما طلب منه من دوام المراقبة والحضور قيل ونبه بإعادة الإحياء بعد الإماتة أي اليقظة بعد النوم على إثبات البعث بعد الموت في ذكره ما في ذكر ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ من الحكمة السابقة. قوله: (فِي كِتَاب

стр. 289

ابن السني بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذَا اسْتَيقَظَ أحدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ لِلهِ الّذِي رَدَّ عَليَّ رُوحِي، ــ ابنِ السني) هو من جملة حديث أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة بلفظ إذا جاء أحدكم إلى فراشه فلينفضه بصنفة ثوبه ثلاث مرات الحديث وهذا ما رواه الستة وسيأتي إن شاء الله تعالى فيما يقال عند النوم معزواً روايته للصحيحين قال في السلاح زاد فيه الترمذي فإذا استيقظ فليقل الحمد لله الذي عافاني ورد على روحي وأذن لي بذكره وقال حديث حسن وأخرج هذه الزيادة وحدها النسائي وابن حبان من طريق أخرى قال الحافظ وما أدري لما أغفل الشيخ عزو هذا الترمذي والنسائي وأما قوله أنه صحيح الإسناد ففيه نظر فإن الشطر الثاني الذي اقتصر عليه من أفراد محمد بن عجلان وهو صدوق لكن في حفظه شيء خصوصاً عن المقبري فالذي ينفرد به من قبيل الحسن وإنما يصحح له من يدرج الحسن في الصحيح وليس ذلك من رأي الشيخ وشطره الأول مخرج في الصحيحين من طريق عبد الله العمري عن المقبري واختلف هل بينه وبين أبي هريرة فيه أبوه أو لا وقد بين البخاري ذلك وعلقه لابن عجلان وقد أورده المصنف بعد أبواب كثيرة مقتصراً على لفظ الترمذي وعزاه له ولابن ماجة ولم يذكر شطره الآخر ولا نبه على إن شطره الأول مخرج في الصحيحين بتغيير يسير اهـ. قوله: (الذي رَدَّ عَلَى رُوحي) المراد بالروح هنا روح اليقظة وهي الروح التي أجرى الله تعالى العادة

стр. 290

وَعافانِي في جَسَدِي، وأذِنَ لي بِذِكْرِهِ". وروينا فيه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "ما مِن عَبْدِ يَقُولُ عِنْدَ رَدّ اللهِ تَعالى رُوحَهُ: لا إلهَ إلا اللهُ ــ أنها إذا كانت في الجسد كان الإنسان مستيقظاً وإذا خرجت نام الجسد ورأت الروح المنامات. قوله: (وعَافاني فِي جَسَدِي إلخ) المراد من المفاعلة هنا أصل الفعل أي جعل جسدي ذا عافية فهو من باب المفاعلة على قصد المبالغة لعدم صحة إرادة المغالبة قال في القاموس والعافية دفاع الله عن العبد وعافاه عن المكروه معافاة وعافية وهب له العافية من العلل والبلاء كأعفاه من المكروه معافاة وعافية اهـ، ويصح حمل المفاعلة على بابها ففي النهاية المعافاة أن يعافيك الله من الناس ويعافيهم منك أي يغنيك عنهم ويغنيهم عنك ويصرف آذاهم عنك وأذاك عنهم وقيل هي مفاعلة من العفو وهو أن يعفو عن الناس ويعفوا هم عنه اهـ، غير أنه بهذا المعنى لا يستقيم عند ذكر العضو المعافى كقوله اللهم عافني في سمعي اللهم عافني في بصري الحديث وسيأتي قال المصنف في شرح مسلم والعافية من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع المكروهات في البدن والباطن في الدنيا والآخرة وفي القاموس الجسد محركة جسم الإنسان وذكر له معاني أخر لا حاجة بنا إلى ذكرها. قوله: (وروينا فيه) أي في كتاب ابن السني قال الحافظ الحديث ضعيف جداً أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده عن عبد الوهاب بن الضحاك وعبد الوهاب المذكور كذبه أبو حاتم الرازي وأبو داود وغيرهما وإسماعيل بن عياش شيخه مختلف فيه لكن اتفقوا على أن روايته عن الشاميين ضعيفة وهذا منها ومحمد بن إسحاق شيخ إسماعيل في هذا الحديث مدني تحول إلى العراق وقد وجدت هذا الحديث في مسند الحارث بن أبي أسامة من طريق الليث بن سعد

стр. 291

وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلى كلّ شَيءٍ قَدِيرٌ، إلاَّ غَفَرَ اللهُ تَعالى لهُ ذُنُوبَهُ وَلوْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ". وروينا فيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منْ رَجُلٍ يَنْتَبهُ مِنْ نَوْمِهِ فَيَقُولُ: الحَمْدُ لِلَهِ الّذِي خَلَقَ النوْمَ واليَقَظَةَ، الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي بَعَثَنِي سَالِماً ــ عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن موسى بن وردان عن نايل صاحب العباء عن عائشة وإسحاق ضعيف جداً ولعل إسماعيل سمع منه فظنه عن أبي إسحاق وموسى وشيخه نايل مختلف في كل منهما اهـ. قوله: (وحدَه) أي لا ضد ولا ند له بل هو منفرد بالذات والصفات والأفعال ونقل الحنفي أنه مخصوب عند الكوفيين على الظرف وعند البصريين على الحال ورده في الحرز بأن الفريقين اتفقا أنه على الحال لكن اختلفوا في التأويل وعدمه فقال بالأول البصريون أي منفرداً وقال بالثاني الكوفيون وسبق عن الشيخ زكريا جواز كونه مفعولاً مطلقاً. وقوله: (لا شريك له) في كمال الصفات (له الملك) أي السلطنة العظمى (وله الحمد) في الآخرة والأولى (وهو على كل شي قدير) أي على كل شيء من الممكنات لما تقدم تقريره ثم حديث عائشة لم يذكره صاحب الترغيب عن الكتب الستة وغيرها من المسانيد المشهورة وبقيد المشهورة علم الجواب عن أنه وجد في مسند الحسن بن سفيان ومسند الحارث بن أبي أسامة كما تقدم في كلام الحافظ والله أعلم. وكذا حديث أبي هريرة الذي بعده. قوله: (واليَقَظَةَ) في القاموس اليقظة محركة نقيض النوم وقد يقظ ككرم وفرح يقاظة يقظاً محركة وقد استيقظ اهـ. وفي النهاية قد تكرر في الحديث ذكر اليقظة والاستيقاظ وهو الانتباه من النوم ورجل يقظ ويقظ ويقظان إذا كان فيه معرفة وفطنة اهـ، والحمد عليهما لكونهما نعمتين عظيمتين إذ باليقظة يحصل المعاش ويحسن المعاد

стр. 292

سَوِياً، أشْهَدُ أَنَّ اللهَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ على كُل شَيء قَدِيرٌ، إلا قال اللهُ تَعالى: صَدَقَ عَبْدِي". وروينا في "سنن أبي داود" عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا هَبَّ منَ الليْلِ كَبَّرَ عَشْراً، وحَمِدَ عَشْراً، وَقالَ: سُبْحَانَ اللهِ وبحَمْدِهِ عَشْراً، وَقالَ: سُبْحَانَ القُدُّوسِ عَشْراً، وَاسْتَغْفَرَ عَشْراً، ــ وبالنوم تستريح مطيته من ألم الجد والاجتهاد. قوله: (سوياً) في المشارق للقاضي عياض السوي المعتدل الخلق المستوي التام وهو ضد المعوج والناقص اهـ. وفي مفردات الراغب رجل سوي استوى أخلاقه وخلقته على الإفراط والتفريط ومكان سوي وسواء وسط اهـ، في القاموس مكان سوي كغني وسي كزي مستو اهـ. قوله: (وروينا في سنن أبي داود) قال في السلاح عن عاصم بن حميد قال سألت عائشة ﵂ بأي شيء كان يفتتح رسول الله ﷺ قيام الليل فقالت لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك كان إذا قام كبر عشراً وحمد عشراً إلى قوله ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة وليس فيه قوله عشراً وما بعده ثم قال رواه أبو داود واللفظ له والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه وعنده قال اللهم اغفر لي واهدني وارزقني عشراً وتعوذ بالله من ضيق يوم القيامة عشرا اهـ. قوله: (سبحان الله الملِكِ القُدُّوسِ) الملك صاحب الملك والملكوت واختير على المالك لأنه أبلغ منه كما سيأتي إن شاء الله تعالى والقدوس فعول للمبالغة من القدس النزاهة عما يوجب نقصاناً وقرئ بالفتح وهو لغة فيه وإنما أطلقت في التكبير والحمد لأن الجملة التي تستعمل في ذلك شهيرة ولو أطلقت التسبيح لربما توهم إن القصد به قال سبحان الله فقط فأفادت بما ذكر من قوله سبحان الله إلخ، كيفية التسبيح الصادر منه ﷺ ولمناسبة المقام للتسبيح لما فيه من تنزيه الباري عما لا يليق

стр. 293

وَهَلَّلَ عَشْراً، ثُمَّ قالَ: اللهُم إني أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ الدنْيا وضِيقِ يَومِ القِيَامَةِ عَشْراً ثُم يَفْتَتِحُ الصلاة" وقولها هبَّ: أي استيقظ. وروينا في "سنن أبي داود" عن عائشة أيضاً "أن رسول الله ﷺ كان إذا استيقظ من الليل قال: لا إلهَ إلا أنْتَ ــ به من وصف الحادث من النوم ونحوه كرر ﷺ التسبيح وأتى بجملتين يدل عليه واكتفى في التكبير بالمبالغة المفهومة من أفعل التفضيل وإنما قدم الحمد هنا على التسبيح نظرًا إلى إن المقام له على هذه النعمة أي الإيقاظ بعد النوم الذي به يتأهل الإنسان لاجتناء ثمرة الحياة من المعارف الإلهية والإتيان بالاستغفار طلباً لغفران التقصير في شكر هذه النعمة العظيمة التي من بها الباري تعالى بقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ [القصص: ٧٢] فلعظم نعمة المنام وخوف التقصير في أداء حق هذا المقام أتى بالاستغفار نظير ما قالوه في حكمة الإتيان به عند الخروج من الخلاء ولعظيم نعمة النوم إذ يختل بفقدها العقل والبدن كما أشار إليه ﷺ في حديث عبد الله بن عمر وكرر الاستغفار هنا عشراً. قوله: (وهلل) قال ابن حجر في شرح المشكاة أي رفع صوته بتوحيده وكأن استفادة الرفع من خارج الكلام. قوله: (ضِيق الدنيا إلخ) الإضافة فيها بمعنى في قاله العاقولي والمراد شدائدهما ومحنهما التي تجعل الفضاء ضيقاً والرحب الواسع ضيقاً. قوله: (هب أي استيقظ) هب بفتح الهاء وتشديد الموحدة في القاموس الهب والهبوب ثوران الريح كالهبيب والانتباه من النوم ونشاط كل سائر وسرعته اهـ، ثم قوله أي استيقظ مراده تفسير لفظ هب لا بقيد كونه في هذا الكلام أما فيه فيفسر بأنه استيقظ من منام الليل وفي الخبر مضاف أي هب من نوم الليل والله أعلم. قوله: (وروينا في سُنن أبي داود إلخ) الأخصر

стр. 294

سُبْحَانَكَ اللهُم أسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وأسأَلُكَ رَحمَتَكَ، اللهُم زِدني عِلماً ــ وروينا فيه على ما يفعل في نظائره والحديث رواه أبو داود والنسائي والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين وابن حبان في صحيحه لكن اقتصر المصنف على عزوه لأبي داود لأن اللفظ له. قوله: (سبحانك اللهم) أي تنزهت عن كل ما لا يليق بجلالك وكبريائك وباهر عظمتك ولما تناسب مضمون معنى سبحانك وأستغفرك بالتضاد إذ الأولى تدل على تنزه الله من كل نقص والثانية تدل على ثبوته للعبد، عقب قوله سبحانك بقوله أستغفرك، وفيه التنبيه على إن وصف الإنسان طلب الاستغفار لما قام به من النقصان كل وقت وأوان وإن الكمال المطلق للحق وفي قوله ﷺ أستغفرك إلخ، التنبيه للأمة على طلب ذلك وإلا فهو وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من كل ذنب وأراد به التواضع وأداء حق مقام العبودية من السؤال والافتقاد إلى المولى العزيز أو سمي مخالفة الأفضل ذنبًا لأن اللائق بمرتبته الكاملة إلا يصد عنه إلاّ ما هو الأفضل أو أنه لما ترقى إلى ما رقي من المقام ولاحظ ما قبله عد ذلك السابق كأنه ذنب فاستغفر منه وعليه حمل قوله ﷺ أنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة. قوله: (وأسألُك رحمَتك) أي زيادة تفضلك وإنعامك. قوله: (اللهم زِدْني علماً) أي اطلاعًا على الغيوب والمعارف وتخلقًا بآداب نصرتك وما أنزلته من الآيات إذ لا علم لي إلاَّ ما علمتني فأنا مفتقر دائماً إلى تعليمك قادم على ذلك في كل لحظة ونفس، في تفسير الواحدي كان ابن مسعود إذا قرأ الآية يقول اللهم زدني إيماناً ويقيناً وقد اختلف في المراد بالعلم في الآية فقيل القرآن وقيل الحفظ ولا مانع من إرادة الجمع خصوصاً وعلماً نكرة في سياق الدعاء وعموم الدعاء تمامه ثم فيه إيماء إلى ما ورد في الحديث على ما رواه في الحلية وغيره عن عائشة مرفوعاً كل يوم لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله تعالى فلا بورك لي في شمس

стр. 295

ولا تُزِغْ قلبي بَعْدَ إذْ هَدَيْتَني، وَهَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ رَحمَةً إنكَ أَنْتَ الوَهابُ". ــ ذلك اليوم. قوله: (ولا تُزغ قلبي) بإظهار الغين عند القاف باتفاق عند جميع القراء أي لا تمله عن الحق وفي النهر في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] أي لا تجعلنا من الذين في قلوبهم زيغ أي ميل عن الحق بعد الهداية أي إلى الحق والمراد ثبت قلوبنا على دينك وأقدامنا على أداء حق عبوديتك ومن هذا قوله ﷺ يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ثم رأيت الواحدي قال روت أم سلمة إن النبي ﷺ كان يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ثم يقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ إلخ اهـ، وأصله في الترمذي وفيه فقلت يا رسول الله ما لأكثر دعائك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك قال يا أم سلمة أنه ليس آدمي إلاّ وقلبه بين إصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ فتلا معاذ أي أحد رواته: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] اهـ، والمراد لا تزغ قلوبنا كما أزغت قلوب اليهود والنصارى ومن في قلوبهم الزيغ بعد إذ هديتنا للإيمان بحكم الكتاب ومتشابهه وفيه الإشارة على أنه لا يأمن مكر الله إلاَّ القوم الخاسرون ولدن بمعنى عند والمراد بالعندية كما تقدم عندية الشرف والمكانة والمطلوب رحمة تليق بذلك و. قوله: (إنك أنت الوهاب) كالتعليل لحصول المطلوب ويجوز فيه من حيث الإعراب الفتح على تقدير لام التعليل والكسر على الاستئناف وتقدر قبلها الفاء وقد قرئ بهما إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم وهذان الوجهان يجريان في إن الواقعة بعد كلام تام معلل بمضمون ما صدر بها والوهاب صيغة مبالغة إذ هو الواهب لجلائل النعم ودقائقها فما في الكون شيء جل أو قل إلا وهو من فضله ونعمته قال ﷺ من قال في الصباح "اللهم ما أصبح بي أو بأحد من خلقك من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك فقد أدى شكر ذلك اليوم".

стр. 296

باب ما يقول إذا لبس ثوبه يستحب أن يقول: بِسْمِ اللهِ، وكذلك تستحب التسمية في جميع الأعمال. وروينا في كتاب ابن السني عن أبي سعيد الخدري ﵁، ــ باب ما يقول إذا لبس ثوبه لبس الثوب بكسر الموحدة مضارعه يلبس بفتحها ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤] ومصدره اللبس ولبست الأمر بفتح الموحدة البسه بكسرها كضرب يضرب ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]. قوله: (باسم الله) قال المصنف في كتاب الجهاد من شرح مسلم قال الكتاب من أهل العربية إذا قيل باسم الله تعين كتبه بالألف وإنما تحذف الألف إذا كتب بسم الله الرحمن الرحيم بكماله اهـ. وقال السمين الحلبي إنما حذفوها حيث يضاف الاسم للجلالة وإذا أضيف لغيرها لم يحذف هذا هو المشهور وحكي عن الكسائي والأخفش جواز حذفها إذا أضيفت إلى غير الجلالة وقال الفراء هذا باطل لا يجوز أن تحذف إلا مع الله ذكره الجلال السيوطي، ثم ظاهر كلامه أن السنة هنا ما ذكره فقط والمقرر في كثير مما سن في التسمية من الوضوء والأكل والشرب ونحوها أن أقلها بسم الله وأكملها بسم الله الرحمن الرحيم فينبغي حمل ما هنا على ذلك إما بأن يراد بقوله باسم الله جميع البسملة أو إن ما ذكر لبيان الأقل وإن تكميلها هو الأفضل ولم يكمل عند دخول الخلاء قبل التعوذ لعدم وروده وحكمته عدم مناسبة المقام والله أعلم، ولا فرق في استحباب التسمية فيما ذكره المصنف بين الطاهر والجنب ومن في معناه كما سبق بيانه في الفصول لكن نحو الجنب لا ينوي به القرآن. قوله: (وكذلك تُستحب التسميةُ في جميع الأعمالِ) قال في آداب الطعام من شرح مسلم قال أصحابنا ويستحب إن

стр. 297

واسمه سعد بن مالك بن سنان: "أن النبي ﷺ كان إذا لبس ثوباً أسماه باسمه، قميصاً أو رداءً أو عمامة يقول: اللهُمَّ إني أسألُكَ منْ خَيرِهِ وَخَيرِ مَا هُوَ لَهُ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ شّرِّهِ وَشَرِّ مَا هُوَ لَهُ". ــ يذكر الله تعالى على كل أمر ذي بال وكذلك يحمد الله في أول كل أمر ذي بال للحديث الحسن المشهور فيه اهـ. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام أفعال العبد على ثلاثة أقسام ما سنت فيه التسمية كالوضوء والغسل والتيمم وذبح المناسك وقراءة القرآن ومنه أيضاً مباحات كالأكل والشرب والجماع وما لم تسن فيه كالصلاة والآذان والحج والعمرة والأذكار والدعوات وما تكره وهي المحرمات لأن الغرض من التسمية التبرك في الفعل المشتمل عليه والحرام لا يراد كثرته وبركته وكذلك المكروه قال والفرق بين ما سنت فيه البسملة من القربات وما لم نسن فيه عسر "فإن قيل" إنما لم تسن مع ذلك القسم لكونه بركة في نفسه فلا يحتاج إلى التبرك "قلنا" هذا مشكل بما سنت فيه من قراءة القرآن مع أنه بركة في نفسه ولو بسمل في ذلك القسم لجاز وإنما الكلام في كونه سنة ولو كان سنة لنقل عن النبي ﷺ والسلف الصالح كما نقل غيره من السنن والنوافل اهـ. قال ابن حجر في شرح العباب البسملة عبارة عن قولك بسم الله الرحمن الرحيم بخلاف التسمية فإنها عبارة عن ذكر اسم الله بأي لفظ كان اهـ، وينبغي إن يقال البسملة قولك بسم الله لما في التهذيب للمصنف بسمل إذا قال بسم الله اهـ. إلا إن يحمل كلام التهذيب على إن المراد إلى آخرها على ما فيه من بعد فيتفق الكلامان. قوله: (واسمه سعد بن مالك بن سنان) هو ووالده صحابيان توفي والده يوم أحد شهيداً والمراد من كلام المصنف التعريف باسمه أصالة واستطرد بذكر اسم أبيه وجده وكان حق هذا البيان إن يذكر في أول مكان ذكر فيه أبو سعيد وهي في الفصول وفيما

стр. 298

وروينا فيه ــ سبقت ترجمته وسيأتي الكلام في الباب الثاني على حديث أبي سعيد مما يؤخذ منه شرح حديث الباب لتقاربهما ثم الذي وقفت عليه في أصل مصحح من كتاب ابن السني كان إذا لبس ثوباً سماه قميصاً أو رداءً أو عمامة إلخ، والذي وقفت عليه من نسخ الأذكار ساقط فيه قوله "سماه" ولفظه إذا لبس ثوباً قميصاً إلخ، وقميصاً عطف بيان لقوله ثوباً فهو بحذف الواو كما هو في مصحح عندي لكن في أصل مقروء على الشيخ العلامة ابن العماد الأقفهسي إذا لبس ثوباً وقميصاً بإثبات الواو عطف خاص على عام وحذف الواو أنسب بالحديث الآتي في الباب الثاني والله أعلم. قوله: (ورويناه فيه إلخ) اقتصر على عزوه إلى ابن السني لكونه أورد هذه الجملة حديثاً مستقلاً وإلا فهو من جملة حديث رواه أبو داود ولفظه عن معاذ إن رسول الله ﷺ قال من أكل طعاماً فقال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه ومن لبس ثوباً فقال الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر رواه الترمذي وقال حسن غريب وابن ماجة والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط البخاري وكذا في السلاح وفي تفريح القلوب للحطاب بعد إيراده حديث أبي داود قال الحافظ ابن حجر هذا إسناد حسن ولم يذكر وما تأخر إلا في اللباس ورأيت نسخة مصححة من السنن ذكر صاحبها أنه يكتب علبها الروايات ويجعل لكل رواية علامة فذكر وما تأخر عقب الطعام أيضاً وذكر عليها علامة الأثيري وكذا رأيت السيوطي في حاشيته على الموطأ عقب الطعام أيضاً لكنه لما نظم الخصال لم ينظم فيها الحمد عقب الطعام ولم يذكر شيخ شيوخنا القليوبي وما تأخر إلا في اللباس وذكر إن بنت الميلق الحديث وقال عقبة هذا لفظ رواية أبي داود وليس فيها زيادة وما تأخر إلا فيمن لبس الثوب اهـ. وخرجه الحافظ

стр. 299

عن معاذ بن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ لَبسَ ثَوْباً جَدِيداً فَقال: الحَمْدُ لله الذِي كَسانِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيرِ حَوْلِ مِنِّي ولا قُوَّةِ، غَفَرَ الَلَهُ له ما تَقَدمَ مِنْ ذَنْبِهِ". باب ما يقول إذا لبس ثوباً جديداً أو نعلاً أو شبهه يستحبُّ أن يقول عند لباسه ما قدَّمناه في الباب قبله. وروينا عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا استجد ثوباً ــ من حديث معاذ باللفظ الذي أورده الشيخ هنا وزاد فيه وصف الثوب بقوله جديداً والباقي سواء ثم قال حديث حسن أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم وعليه درك في تصحيحه لما في سهل بن معاذ والراوي عنه أي عبد الله بن يزيد المقري من المقال وأخرجه ابن ماجة وإنما اقتصر الشيخ على عزو الحديث لابن السني لأنه لم يقع في روايته وصف الثوب بالجدة لكنه حديث واحد قصر فيه بعض الرواة والله أعلم اهـ. قوله: (عن معاذ بن أنس ﵁ وهو كما في الاستيعاب معاذ بن أنس الجهني الأنصاري صحابي نزل مصر وبقي إلى خلافة عبد الملك. قوله: (غَفَرَ الله لَهُ مَا تقدم من ذنبه لم سبق في رواية أبي داود وما تأخر، والمكفر بصالح العمل إنما هو الصغائر المتعلقة بحق الله سبحانه أما الكبائر وتبعات العباد فلا إذ الأولى لا يكفرها إلاَّ التوبة أو فضل الله والثانية لا يكفرها إلاّ رضا صاحبها وإرضاء الله إياه أو بفضله يصفح عنه ما جناه. باب ما يقول إذا لبس ثوباً جديداً أو نعلاً أو شبهه قوله: (أن يقول إلخ) أي يقول ما سبق وما تضمنه حديثاً الباب. قوله: (استجِدّ ثوباً) أصله

стр. 300

سماه باسمه عمامةً أو قيمصاً أو رداءً، ثم يقول: اللهُم لَكَ الحَمُدُ ــ صيره جديداً والمراد هنا لبس ثوباً جديداً. قوله: (سمَّاه باسمه عمامةِ) قال ابن حجر في شرح الشمائل يؤخذ من هذا أن تسمية ذلك ونحوه باسم خاص سنة وهو ظاهر وإن لم أو لأصحابنا فيه كلاماً وعجيب قول بعضهم المراد بسماه أنه يقول هذا ثوب هذه عمامة مثلاً اهـ، وتعقب في أخذ الحكم بأنه مرتبة اجتهادية والمجتهد مفقود من المائة الرابعة ويكفي في رده إن الأصحاب لم يذكروه وفيما تعجب منه بأن ما ذكره ذلك القائل ظاهر الحديث يوافقه إذ المتبادر من سماه أنه الموضوع له لغة من عمامة وقميص ورداء مثلاً وكونه باسم خاص بعيد عن الظاهر ولك أن تدفعه أما الأول فإن المجتهد المفقود حينئذٍ المجتهد المستقل لا غيره إذ الاجتهاد فرض كفاية فلا بد من القيام به على أن بعض أشياخنا ينازع فيما ذكر بأنه لا يلزم من عدم الاطلاع على المجتهد المستقل فيما ذكر عدم وقوعه ويجاب بأن ذلك لما كان هو الأصل خصوصاً وعدم النقل فيما تتوفر الدواعي على نقله آية عدمه وقوله ولم أر لأصحابنا فيه كلاماً لا يقتضي رده لأنه لم يذكر أنهم نصوا على خلافه أو أنهم نفوه بل نفى اطلاعه على كلام الأصحاب في ذلك ولا يلزم من ذلك عدمه في نفس الأمر وإن اقتضى ذلك بالنظر إلى سعة إطلاعه ويؤيد ما أشار إليه من استحباب ذلك ما جاء أنه ﷺ كان يضع لكل ثوب من ثيابه اسماً خاصاً كخبر كانت له عمامة تسمى السحاب على أن ما جرى منه جرت به عادة شراح الحديث فيقولون يؤخذ من الحديث كذا وكذا ويذكرون من الأحكام ما بعضه مسطور وبعضه غير مذكور ومرادهم أن هذا الخبر يقتضي هذا ما لم يعارضه معارض فهم لا يجزمون بالحكم المأخوذ من الأخبار لاحتمال وجود ما يعارضه بخلاف أخذ المجتهد للحكم منه فإنه يجزم بما يظهر له بنظر الاجتهاد ولا ينظر إلى ذلك الاحتمال وأما ما تعجب منه ففي محله لأن ألفاظ الشارع تصان عن الخلو عن الفائدة وأي

стр. 301

أنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أسألكَ خَيرَهُ وخَيرَ ما صُنعَ لَهُ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ" حديث صحيح، رواه أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة الترمذي، وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي في "سننهم" ــ فائدة في قوله هذا قميص أو عمامة مما لا يجهله المخاطب نعم يحتمل أن المراد أنه كان يسميه باسم جنسه كان يقول هذا الثوب القطن أو قطره كالثوب القطري أو صانعه كما قال الصحابة. وكان فصه يعني فص خاتمه حبشياً ويفعل ذلك لحصول التمييز عند استدعائه لشيء منها. قوله: (أَنْتَ كسَوْتَنَيه) هذه الجملة تعليل للجملة السابقة أعني لك الحمد وكذا للجملة اللاحقة أعني أسألك خيره وخير ما صنع له قال بعض شراح الشمائل اللام فيه للعاقبة أي أسألك ما يترتب على خلقه من العبادة وصرفه فيما فيه رضاك وأعوذ بك من شر ما يترتب عليه مما لا ترضى به الخيلاء والكبر وكوني أعاقب به لحرمته وقال ابن حجر اللام فيه نظير اللام في "وخير ما بنيت له" إذا أشرف على بلدة أي للتعليل والمراد ما صنع لأجله من خير كحله وصلاح نية فاعله أو شر كضد ذلك والخير في المقدمات يستدعي الخير والمقاصد وكذا الشر وشاهده "وإنما يلبس علينا صلاتنا قوم لا يحسنون الطهور" اهـ. وقال ميرك خير الثوب نقاؤه وكونه ملبوساً للضرورة والحاجة لا للفخر والخيلاء وخير ما صنع له هو الضرورات التي من أجلها يصنع اللباس من الحر والبرد وستر العورة والمراد من سؤال الخير في هذه الأمور أن يكون مبلغاً إلى المطلوب الذي لأجله صنع الثوب من العون على العبادة والطاعة لمولاه وفي الشر عكس المذكورات وهو كونه حراماً أو نجساً أو لم يبق زماناً طويلاً أو يكون سبباً للمعاصي والشرور اهـ. ومعنى أعوذ أعتصم وألتجئ وسيأتي زيادة فيه. قوله: (حديث صحيح) وفي بعض

стр. 302

قال الترمذي: هذا حديث حسن. ــ النسخ "حديث حسن" قال الحافظ بعد إن خرجه من طريقين الأولى عن ابن المبارك عن سعيد الجريري عن أبي نضرة هو المنذر بن مالك عن أبي سعيد الخدري والثانية من طريق الطبراني في كتاب الدعاء عن عيسى بن يونس عن الجريري فذكره لكنه قال كسوتني هذا الثوب ذلك الحمد ولم يقل قميصاً أو عمامة أو رداء والباقي سواء: هذا حديث حسن أخرجه من الطريق الأولى أحمد وعلي بن إسحاق وأبو داود والترمذي كلهم ينتهون إلى ابن المبارك قال الترمذي وفي الباب عن عمر وابن عمر وأخرجه من الثانية أبو داود والترمذي أيضاً والنسائي كلهم من طريق عيسى بن يونس ثم أخرجه النسائي من طريق حماد بن سلمة عن الجريري عن أبي العلاء عبد الله بن الشخير عن النبي ﷺ وقال هذا أولى بالصواب من رواية عيسى بن يونس فإنه سمع من الجريري بعد الاختلاط وسماع حماد منه قديم ولذا أشار أبو داود إلى هذه العلة وأفاد علة أخرى وهي أن عبد الوهاب الثقفي رواه عن الجريري عن أبي نضرة مرسلاً لم يذكر أبا سعيد وغفل ابن حبان والحاكم عن علته فصححاه أخرجه ابن حبان من رواية عيسى عن يونس ومن رواية خالد الطحان وأخرجه الحاكم من رواية أبي أسامة كلهم عن الجريري وكل من ذكرناه سوى حماد والثقفي سمعوا من الجريري بعد اختلاطه فعجب من الشيخ كيف جزم بأنه حديث صحيح ويحتمل أنه صحح المتن لمجيئه من طريق آخر حسن أيضاً اهـ، وكأن هذا الذي أشار إليه الحافظ وجه ما يوجد في بعض نسخ الأذكار من قوله حديث حسن كما تقدمت الإشارة إليه. قوله: (قال الترمذي هذا حديث حسن) قال في السلاح واللفظ أي لفظ هذه الرواية للترمذي اهـ، والحكم بالحسن مصرح به في كلام الترمذي مأخوذ من سكوت أبي داود عن تضعيفه وتقدم إن مثل ذلك حسن عنده وقد زاد أبو داود قال أبو نضرة وكان أصحاب رسول الله

стр. 303

وروينا في كتاب الترمذي عن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ لَبِسَ ثَوْباً جَدِيداً فَقالَ: الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي كَسانِي ما أوَارِي بهِ عَوْرَتِي، وأَتَجَمَّلُ بهِ في حَياتي، ثُمَّ عَمَدَ ــ ﷺ إذا لبس أحدكم ثوباً جديداً قيل تبلى ويخلف الله وقد أخرج حديث الباب الحاكم ...

стр. 304

إلى الثَّوْبِ الَّذِي أخْلَقَ فَتَصَدَّقَ بِهِ، كانَ في حِفْظِ اللهَ وفي كَنَفِ الله ، وفي سَبيلِ الله حَياً وَميتاً". باب ما يقول لصاحبه إذا رأى عليه ثوباً جديداً وروينا في "صحيح البخاري" عن أمّ خالد بنت خالد ﵂ قالت: أُتيَ رسول الله ﷺ بثياب فيها خميصة سوداء، قال: "مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُو هَذِهِ الخَمِيصَةَ"؟ فسكت القوم، فقال: "ائتوني بأم خالِدٍ" فأُتِيَ بي النبيُّ ﷺ فألبسنيها بيده، وقال: ــ باب ما يقول لصاحبه إذا رأى عليه ثوباً جديداً قوله: (أم خالدٍ) .. ابن العوام فخالد الأول أموي والثاني أسدي اهـ، وكذا قال الحافظ في الأمالي أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص لكن في السلاح عن أم خالد بنت خالد بن أسيد وأسيد بفتح الهمزة. قوله: (فيها خَمِيصَة سَودَاء) زاد البخاري في بعض طرقه صغيرة وأخرجه كذلك في أسد الغابة والخميصة كما في كشف المشكل كساء من خز أو صوف وفي النهاية هي ثوب خز أو صوف معلم وقيل لا تسمى خميصة إلاَّ أن تكون سوداء معلمة وكانت من لباس الناس قديماً اهـ، وفي الصحاح قريب منه. قوله: (فَأسْكَتَ القومُ) قال القاضي عياض أي سكتوا يقال سكت وأسكت بمعنى اهـ ويؤيده أنه في رواية فسكت القوم بحذف الألف وفي نسخة بالبناء للمفعول. قوله: (فأُتِي رسولُ الله ﷺ أي محمولة كما في رواية. قوله:

стр. 305

"أبْلِي، وأخْلِفِي"، مرَتين. ــ (أبلي وأخلقي) وتتمة الخبر كما في باب اللباس البخاري فجعل ينظر إلى علم الخميصة زاد في رواية وكان أخضر أو أصفر ويشير بيده إلي ويقول أم خالد هذا سنا والسنا بلسان الحبشة الحسن قال إسحاق حدثتني امرأة من أهلي أنها رأته على أم خالد وفي البخاري أيضاً في كتاب اللباس قال عبد الله بن المبارك وبقيت أي أم خالد حتى دكين وحذفه المصنف لعدم تعلقه بفرضه ويجوز الاقتصار على بعض الخبر إذا كان لا يتعلق المذكور بالمحذوف بأن لم يكن غاية أو استثناء أو نحو ذلك وإلَّا فيمتنع كما قاله الأصوليون وتقدم بيانه في أوائل الكتاب وأنه يسمى بالجزم ودكن من الدكنة بالمهملة والكاف والنون لون يضرب إلى السواد أي عاشت طويلاً حتى تغير لون قميصها إلى الاسوداد وفي بعض نسخ حتى ذكرت أي بقيت حتى ذكرت دهراً طويلاً وفي بعضها بصيغة المجهول أي صارت مذكورة عند الناس لخروجها عن العادة وفي بعضها ذكر بصيغة المذكر مجهولاً والضمير للقميص ومعروفاً والضمير له أيضاً أو للراوي أي حتى ذكر ما نسي من طول مدته ذكره الكرماني، وقوله أبلي واخلقي أمر من الإبلاء والإخلاق فتكون همزته همزة قطع قال الكرماني ويجوز أن يكونا من الثلاثي وهما بمعنى يقال بلي الثوب يبلى بلاء بالكسر وخلق كشرف يخلق خلوقة أي بلي وأبلى وبلى وأخلق وخلق بمعنى انقطع كما قال الكرماني وقال فإن قلت ما قولك في عطف ثم أبلي وأخلقي على مثله ولا تفاوت لا لفظاً ولا معنى قلت في المعطوف تأكيد وتقوية ليس في المعطوف عليه كقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣] اهـ. قال ابن الجوزي هذا أمر بمعنى الدعاء كناية عن طول العمر أي للمخاطب

стр. 306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ به بطول حياته حتى يبلى الثوب ويخلقه قال الجوزي وهو بالقاف وربما صحف بعض المحدثين وأخلفي بالفاء وفي شرح العمدة لابن جمعان خلافه نقلا عن ابن بطال قال من رواه بالقاف فهو تصحيف والمعروف وأخلفي بالفاء يقال خلفت الثوب إذا أخرجت باليه فمعنى ابل واخلف عش تخرق ثيابك وارقعها هذا كلام العرب اهـ. وفي النهاية حديث أم خالد قال لها أبلي وأخلفي يروى بالقاف والفاء فالقاف من أخلاق الثوب تقطيعه وأما الفاء فمعنى العوض والبدل وهو الأشبه اهـ، وذكر الوجهين في السلاح ولم يرجح واحداً مهما إلاَّ أنه قدم الفاء في الذكر على القاف وقضية كلام السيوطي في التوشيح أن القاف رواية الأكثرين والفاء رواية السروري من الإخلاف اهـ. (وسنه) بفتح المهملة وخفة النون بدون الألف معناه حسنة ولعلها بعينها صارت معربة بزيادة الحاء عليها وإنما كان غرض النبي ﷺ من التكلم بهذه الكلمة الحبشية استمالة قلبها لأنها كانت قد ولدت بأرض الحبشة "فإن قلت" ورد أنها قالت أتيت رسول الله ﷺ وعلى قميص أصفر فقال سنه ثم قال أبلي وأخلفي "قلت" لا تنافي لاحتمال أنه ﷺ حسنها ودعا لها بالإبلاء لها قاله الكرماني وتقدم عنه في الباب نظير ذلك. فائدة قال الشيخ تقي الدين بن الصلاح من القرب لبس الخرقة وقد استخرج لها بعض المشايخ أصلاً من هذا الحديث قلت أشار به إلى السهروردي فإنه ذكره في عوارف المعارف فقال وأصل لبس الخرقة من السنة هذا الحديث قال ولبس الخرقة ارتباط بين الشيخ والمريد وتحكيم من المزيد للشيخ في نفسه والتحكيم سائغ في الشرع لمصالح دنيوية فكيف ينكر هذا فيلبسه الخرقة إظهاراً للتصرف فيه

стр. 307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيكون لبس الخرقة علامة للتفويض والتسليم ودخوله في حكم الشيخ ودخوله في حكم الله وحكم رسوله وإحياء سنة المبايعة مع رسول الله ﷺ ثم قال ولا خفاء أن ليس الخرقة على الهيئة التي تعتمدها المشايخ في هذا الزمان لم يكن في زمن رسول الله ﷺ وإنما هو من استحسان الشيوخ ويد الشيخ في لبس الخرقة تنوب مناب يد رسول الله ﷺ وقد رأينا من المشايخ من لا يلبس الخرقة ويسلك بأقوام من غير لبسها وكان طبقة من السلف الصالحين لا يعرفون لبس الخرقة ولا يلبسونها للمريدين فمن يلبسها فله مقصد صحيح وأصل في السنة وشاهد من الشرع ومن لم يلبسها فله رأيه وكل تصاريف المشايخ محمولة على السداد والصواب ولا تخلو عن نية صالحة اهـ، وفي المواهب اللدنية من قال إن علياً البس الخرقة للحسن البصري فمن الكذب المفترى فإن أئمة الحديث لم يثبتوا للحسن سماعاً من علي فضلاً عن إلباسه الخرقة قاله الدمياطي والذهبي والعلائي ومغلطاي والعراقي والابناسي والحلبي وآخرون مع كون جماعة منهم لبسوها تشبهاً بالقوم اهـ، لكن نقل الفاكهي فيما ألفه من مناقب الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي عن الشيخ ابن حجر الهيتمي نفسه أنه صحح سند اتصالها من الحسن بعلي تبعاً للحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب ونقل التصحيح عن جمع من المتأخرين كالحافظ السيوطي وقال ممن أثبت سماع الحسن من علي الحافظ أيضاً في المختارة وتبعه عليه الحافظ في التهذيب ثم قال ابن حجر الهيتمي في معجمه بعد أن ذكر أشياء فإذا تأملت ما ذكرته علمت إن ما عليه الصوفية من أسانيدهم التي تنتهي إلى الحسن البصري لا مطعن ولا إنكار عليهم فيها وأطال في تأييد ذلك ورد على من خالفه اهـ، كلام الفاكهي وكأن الحافظ السيوطي اختلف كلامه في المسألة وإلا فالذي في رسالته التي ألفها في الخرقة مثل ما في المواهب وكذا وافق ابن حجر الهيتمي

стр. 308

وروينا في كتابَي ابن ماجة، وابن السني، عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ رأى على عمر ﵁ ثوباً فقال: "أجَدِيد ــ في شرح الشمائل القوم فيما قالوه من أن اتصالها من طريق الحسن باطل وفي رسالة الخرقة وحاشية سنن أبي داود كلاهما للحافظ السيوطي بعد ما قدمه عن السهروردي "قلت" وقد استنبطت للخرقة أصلاً أوضح من هذا الحديث وهو ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان من طريق عطاء الخراساني إن رجلاً أتى ابن عمر يسأله عن إرخاء طرف العمامة فقال له عبد الله بن عمر إن رسول الله ﷺ بعث سرية وأمر عليهم عبد الرحمن بن عوف وعقد له لواء وعلى عبد الرحمن بن عوف عمامة من كرابيس مصبوغة سوداء فدعاه رسول الله ﷺ فحل عمامته بيده وأفضل من عمامته موضع أربع أصابع أو نحو ذلك فقال هكذا فاعتم فإنه أحسن وأجمل زاد في حاشية السنن فهذا أوضح في كونه أصلاً للخرقة من حيث إن الصوفية إنما يلبسون من يلبسونه طاقاً لا ثوباً عاماً لجميع البدن وإن حديث أم خالد في إلباس عطاء كسوة وهذا في إلباس تشريف وهو السبب بلبس الخرقة وإن لبس الخرقة فيه نوع من المبايعة كما أشار إليه السهروردي وأم خالد كانت صغيرة لا تصلح للمبايعة بخلاف حديث عبد الرحمن بن عوف اهـ، مع يسير اختصار. قوله: (وروَينا في كِتاب ابن ماجة وابن السني) زاد أحمد وإسحاق في مسنديهما آخره ويرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة لكن أبدلا قوله بل غسيل بقولهما فلا أدري ما رد عليه ورواه باللفظ المذكور في الأصل النسائي في الكبرى وابن ماجة وليس في روايتهما الزيادة التي في آخره ورجال إسنادهما رجال الصحيح لكن أعله النسائي فقال هذا حديث منكر

стр. 309

هَذا أمْ غَسِيلٌ"؟ فقال: بل غسيل، فقال: ــ أنكره يحيى القطان على عبد الرزاق قال النسائي وقد روي أيضاً عن معقل يعني عن الزهري وروي عنه مرسلاً قال وليس هذا من حديث الزهري قال الحافظ وجدت له شاهداً مرسلاً أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد الله بن إدريس عن أبي الأشهب بنحو حديث أحمد وأبو الأشهب جعفر بن حبان العطاردي وهو من رجال الصحيح سمع من كبار التابعين وهذا يدل على إن للحديث أصلاً وأقل درجاته أنه يوصف بالحسن قال الحافظ وعجيب في اقتصار الشيخ في عزوه إلى ابن ماجة وابن السني وقد جرى ابن حبان على ظاهر السند أي عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر عن أبيه ﵁ فأخرج الحديث المذكور في صحيحه عن محمد بن الحسن بن قتيبة عن محمد بن أبي السري عن عبد الرزاق بالسند المذكور وأفاد إن الزيادة التي في آخره مدرجة في الإسناد المذكور، ولفظه بعد قوله ومت شهيداً: قال عبد الرزاق زاد فيه الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد ويعطيك الله قرة عين في الدنيا والآخرة قال الحافظ وقع في الطبراني في الدعاء من رواية المهرقاني والرازي والمروزي كلهم عن عبد الرزاق عن الثوري عن عاصم بن عبيد الله عن سالم عن ابن عمر قال فذكر نحوه قال الطبراني فوهم فيه عبد الرزاق وحدث به بعد إن عمي والصحيح عن معمر عن الزهري ولم يحدث به عن عبد الرزاق هكذا إلاَّ هؤلاء الثلاثة اهـ، ثم ظاهر إدراج هذا الحديث في هذا الباب أنه يستحب الإتيان بهذا الذكر لمن رأى على غيره ثوباً جديداً وكأن وجهه إن قوله البس جديداً وإن كان أمراً لفظاً فهو دعاء معنى بحصول الغنى المتسبب عنه لبس الجديد والإنفاق في سبيل الله الذي يعيش به حميداً ويموت شهيداً وبه يندفع ما يقال الموت شهيداً ليس في قدرته فكيف يؤمر به وقد حصل لسيدنا عمر ﵁ كونه عاش حميداً ومات شهيداً قتله أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة كما سبق بيانه. قوله: (فقال النبي - صلى الله

стр. 310

"الْبَسْ جَدِيداً، وَعِشْ حَمِيداً، وَمُتْ شَهِيداً". باب كيفية لباس الثوب والنعل وخلعهما يستحبُّ أن يبتدأ في لبس الثوب والنعل والسراويل وشبهها باليمين من كُمَّيه ورجلي السراويل ويخلع الأيسر، ثم الأيمن، وكذلك الاكتحال، ــ عليه وسلم - ألبسك الله جديداً إلخ) قال عبد الرزاق زاد فيه الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد ويعطيك الله قرة العين في الدنيا والآخرة قال وإياك يا رسول الله أخرجه أبو حاتم كذا في الرياض النضرة. باب كيفية لباس الثوب والنعل وخلعهما قوله: (في لبس الثوب إلخ) التيامن في لبسه ما ذكر بإدخال اليد اليمنى في كم الثوب والرجل اليمنى في كل من النعل والسراويل وما أشرف إليه من كون اللبس مصدراً مضافاً للمفعول أقرب مما يشير إليه قوله باليمين من كميه إلخ، من كونه مصدراً مبنياً للمفعول "فإن قلت" الخارج من المسجد يتعارض في حقه سنتان تقديم اليسرى نظراً لكونه خارجاً منه وتقديم اليمنى لكونه لابساً للنعل "قلت" لا تعارض وذلك بأن يقدم رجله اليسرى في الخروج ويجعلها على ظهر النعل ثم يخرج اليمنى ويدخلها النعل وعند الدخول للمسجد بالعكس وأفاد ابن الجوزي إن من واظب على الابتداء باليمين في لبس النعل وباليسار في الخلع أمن من وجع الطحال. قوله: (ويخلع اليسرى) أي بتقديم إخراج اليد اليسرى من الكم والرجل اليسرى من النعل والسراويل وإذا أراد الدخول إلى المسجد فيقدم نزع اليسرى ويجعلها على ظهر النعل وينزع اليمنى ويدخلها المسجد كما مر آنفاً وإنما يبدأ باليسرى في النزع لأن بقاء العضو في ملبوسه كرامة له والأحق بها الأيمن. قوله: (وكذلك الاكتحَالُ) المشار إليه بذلك لبس الثوب وما بعده والواو إما عاطفة

стр. 311

والسواك، ــ للجملة الاسمية على الفعلية وإما استئنافية ويقويه قوله آخراً فكله يفعله باليمين وفي الإمداد السنة في الاكتحال أن يكحل اليمنى ثلاثا ولاء ثم اليسرى كذلك اهـ، وكأن الفرق بينه وبين طلب الفضل في المضمضة والاستنشاق مع كونهما عضوين تقاربهما وتنافدهما والعينان وإن تقاربا إلا أنهما غير متنافذين فإن الأصح عند المتكلمين إن العصبتين المجوفتين المودع فيهما القوة التي يدرك بها البصر تتلاقيان ثم تفترقان فيهما كالدالين المتلاقى منهما منتهى الاعوجاج هكذا، والله أعلم. قوله: (والسواك) يطلق على الآلة التي يستاك بها ومنه قول بعضهم وقد أحسن: بالله إن جزت بوادي الأراك ... وقبلت أغصانه الخضر فاك فأبعث إلى المملوك من بعضها ... فإنني والله ما لي سواك وقول آخر: طلبت منك سواكا ... وما طلبت سواكا لكن طلبت أراكا ... وما طلبت أراكا وعلى الفعل أي استعمال عود أو نحوه من كل خشن في الأسنان لإزالة ما عليها وهو بكل من المعنيين يطلب فيه التيامن لكن مع الخلاف فيه بالإطلاق الأول فقال بعضهم يأخذ باليد اليسرى لأنه لإزالة القذر وفصل آخر بين إن يكون القصد به إزالة القذر فيكون باليسرى أو التكريم فاليمنى والمختار ما أشار إليه المصنف من التيامن فيه على كل حال اعتباراً بشرف محله والمقصود به والمستقذر إنما يكون باليسرى إذا كانت اليد تباشر القذر حساً كما في الاستنجاء أو حكماً كالامتخاط لأن المخاط ربما يصيب اليد فكان باليسرى والسنة في الفعل أن يبدأ بالجانب الأيمن من أسفل وأعلى ثم بالأيسر كذلك ووقع في حاشية شرح الروضة إن أبا مخرمة قال في الخادم: وغلط بعض الناس يعني الإسنوي فنقل عن المصنف أنه قال في الأذكار والروضة والمجموع يستحب الاستياك باليمنى قلت لم يتعرض

стр. 312

وتقليم الأظفار، وقصّ الشارب، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، ودخول المسجد، ــ في الكتب الثلاثة إلَّا لكون الابتداء في السواك بجانب فمه الأيمن أما كونه باليد اليمنى أو اليسرى فلم يتمرض له اهـ، وفيه إن عبارة الأذكار كالمصرحة بما أشار إليه الإسنوي ألا ترى قوله بعد فكله يفعله باليمين. قوله: (وتقليمُ الأظافر) أي ويبدأ من اليمين بالمسبحة إلى الخنصر ثم يختم بإبهامها ومن اليسرى بالخنصر إلى الإبهام وفي الرجلين بخنصر اليمنى إلى خنصر اليسرى كما ذكره الغزالي إلاّ أنه قال يؤخر إبهام اليد اليمنى إلى تمام اليد والوجه كما قال غير واحد ما قلناه ثم التقليم مصدر قلم من القلم وهو القطع قال الجوهري قلمت ظفري بتخفيف اللام وقلت أظفاري أي بالتشديد للتكثير والمبالغة والقلامة ما يسقط منه والأظافر جمع ظفر بضم الظاء المعجمة والفاء وبسكونها وحكي كسرها وأنكره ابن سيده وحكي اظفور كعصفور والمراد قلم ما طال عن اللحم من الظفر. قوله: (وحَلقُ الرأس) وهل العبرة فيه بيمين الحالق أو يمين المحلوق الذي اختاره أصحابنا الأخير وعبارة المجموع للمصنف يستحب أن يبدأ بحلق شعر رأسه الأيمن من أوله إلى آخره ثم الأيسر اهـ. وقال صاحب الغاية من الحنفية تعتبر البداة بيمين الحالق لا المحلوق ويبدأ بشق المحلوق الأيسر اهـ. قوله: (والسلامُ من الصلاة) أي إذا أتى بهما كما هو السنة فيبدأ باليمين ويلتفت حتى يرى خده الأيمن ثم باليسار كذلك والسنة ابتداؤه في كل مستقبلا وانتهاؤه مع تمام الالتفات فإن اقتصر على الفرض فهل يجعلها لجانب اليمين أو تلقاء وجهه قضية كلام أصحابنا يجعلها لليمين حينئذٍ. قوله: (ودخولُ المسْجِدِ) أي ولو من مسجد آخر إن كان الثاني أفضل كالكعبة مع باقي المسجد الحرام وإلا فيتخير ومنه صعود الخطيب للمنبر كما في التحفة وفي شرح العباب ويتجه في دخول الإنسان لبيته ونحوه أنه يقدم اليمنى دخولاً واليسرى خروجاً ما لم يتصل بمسجد فيراعي

стр. 313

والخروج من الخلاء، والوضوء، والغسل، ــ المسجد اهـ. قوله: (والخروج من الخلاء) أي فيقدم اليمنى ولو إلى محل مستقذر كان يكون بلصق الخلاء سوق إذ السوق كالخلاء وإن كان محل عبادة كالمسعى كما في شرح العباب لأن الخلاء أقذر ولذا قدم اليسرى عند الخروج من السوق إلى الخلاء والخلاء بالفتح والمد أصله المكان الخالي ثم خص بما تقضى فيه الحاجة وقيل هو اسم شيطان لحديث يدل له. قوله: (والوضوء) فيقدم نحو أقطع اليمين في جميع أعماله والسليم اليمين من اليدين والرجلين لا الخدين والجبينين والأذنين وجانبي الرأس بل يطهران معاً قال المصنف وأجمع العلماء على إن تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء سنة لو تركه فاته الفضل وصح وضوءه وقالت الشيعة هو واجب ولا اعتداد بخلاف الشيعة، ونظر القلقشندي في دعوى الإجماع على الاستحباب بأن الدارمي حكى الإيجاب عن أبي هريرة الصحابي وفي كلام الرافعي ما يوهم إن أحمد قال به وغلط الشريف المرتضى فنسب القول بوجوبه للشافعي لأن اليدين والرجلين بمنزلة العضو الواحد وأنهما جمعا في القرآن حيث قال وأيديكم وأرجلكم ووقع في كلام البندنيجي والعمراني نسبة وجوب التيامن إلى الفقهاء السبعة وهو تصحيف من الشيعة اهـ، ولك إن تقول ما ذكر لا يقترح في الإجماع أما ما ذكر عن أبي هريرة فإن ثبت فعل الإجماع وقع بعد وفاته والأصح انعقاده بعد الخلاف وأما ما نقل عن أحمد فليس بالصريح وإنما هو احتمال فلا يدافع به النقل الصحيح والله أعلم. واعلم إن الابتداء باليسار وإن كان مجزئاً لكنه مكروه نص عليه الشافعي في الأم وقد ثبت إذا توضأتم فابدؤوا بأيامنكم. قوله: (والغَسلُ) بفتح الغين مصدر غسل أو اسم مصدر اغتسل وبضمها مشترك بينهما وبين الماء والذي يغسل به وبكسرها اسم لما يغتسل به من صدر ونحوه والفتح من المصدر واسمه أشهر من الضم وأفصح لغة لكن الضم أشهر في كلام الفقهاء

стр. 314

والأكل، والشرب والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، وأخذ الحاجة إنسان، ودفعها إليه، ــ فإن قلت ما الفرق بين كونه مصدراً أو اسم مصدر قلت الفرق أنه إذا جعل متصدراً كان عاماً في الآدمي وغيره وإذا جعل اسم مصدر كان خاصاً بالآدمي كذا رأيته منقولاً عن الشيخ نور الدين الزيادي وقال أنه سأل عنه شيخه عبد الحميد السمهودي فأفاده بما ذكر ونقله عن الشرف المناوي وقال أنه من الفوائد العزيزة النقل، والسنة في غسل الحي بعد تعهد الرأس وإفاضة الماء عليه وتخليله، غسل الشق الأيمن من البدن المقدم والمؤخر ثم الأيسر كذلك أما الميت فيغسل المقدم الأيمن ثم الأيسر ثم يجعله على جانبه الأيسر ويغسل المؤخر الأيمن ثم الأيسر وفارق الحي الميت بأن ما ذكر في الحي لو فعل في الميت لاستلزم تكرر قلبه وفيه مشقة. قوله: (والأكملِ) سيأتي حكاية خلاف في الأصل في أدب الأكل في وجوبه قال بعضهم يستثنى ما يجمع فيه بين اليمين واليسار من أكل حار وبارد كما جاء عنه ﷺ أنه أكل قثاء برطب هذا بيد وهذا بيد مستثنى من كراهة الأكل بالشمال. قوله: (والشُّرب) بضم الشين إدخال المائع الجوف أي فيأخذ نحو الشربة باليد اليمنى. قوله: (واستلام الحجرِ الأسودِ) ومثله استلام الركن اليماني فيكون باليمين إن لم يكن بها مانع وإلا فيكون باليسرى وفارق عدم الإشارة بالمسبحة في التشهدين من اليسرى عند قيام مانع بمسبحة اليمنى لأن لها في الصلاة عملاً صالحاً يفوت بتحركها عند التشهد ولا كذلك هنا والاستلام افتعال قيل من السلام بالفتح بمعنى التحية وقيل من السلام بالكسر بمعنى الحجارة وسيأتي في الحج إن شاء الله تعالى مزيد بيان. قوله: (وأخذِ الحاجة من إنسان ودفعها إليه) أي ما لم تكن

стр. 315

وما أشبه هذا، فكله يفعله باليمين، وضده باليسار. روينا في صحيحي البخاري، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري عن ــ الحاجة مستقذرة وإلا كأحجار الاستنجاء فتكون باليسار قال المصنف في باب الانتعال من شرح مسلم فيما يستحب باليمين فعله أشياء إلى أن قال ودفع الصدقة وغيرها من أنواع الأشياء المستحسنة وتناول الأشياء الحسنة وعد فيما يستحب باليسار أشياء منها تناول أحجار الاستنجاء ومس الذكر وتعاطي المستقذرات وأشباهها اهـ. قوله: (وما أشبه هذا) أي من كل ما هو من باب التكريم وعد منه ابن حجر في شرح الشمائل دخول المنزل والظاهر أنه مما لا شرف فيه ولا خسة. قوله: (فكله يفعل باليمين) تكريماً لها والقول بأن تقد يم اليمين لكونها أقوى يخرج الأمر عن كونه شرعياً إلى كونه إرشادياً ولهذا رده بعض المحققين. قوله: (وضده) أي ما لم يكن من باب التكريم كدخول الخلاء والسوق والمستحم ومحل المعصية ومنه الصاغة ويحرم دخولها على ما أطلقه غير واحد وقيده المصنف في فتاويه بما إذا علم أن فيها أي حال دخوله كما هو ظاهر معصية كالربا ولم يكن له حاجة في الدخول قال ابن حجر في التحفة ومنه يؤخذ إن محل حرمة دخول كل محل به معصية كالزينة ما لم يحتج إليه اهـ. ثم ما لا تكرمة فيه ولا إهانة هل يبدأ فيه باليمين أو باليسار عبارة الأذكار ساكتة عن ذلك وقضية قول المصنف في المجموع ما كان من باب التكريم يبدأ فيه باليمين وخلافه باليسار أن يكون باليسار ويمكن حمل عبارة الأذكار عليه بأن يراد بالضد فيه الخلاف مجازًا والداعي عليه كون الكلام مبيناً لحكم جميع الأقسام بخلافه لو أبقيت على ظاهرها فإنها تكون ساكتة عن حكم الثالث كما مر وخالف الزركشي فقال ما لا تكرمة فيه ولا إهانة يكون باليمين أخذاً من قول الفقهاء اليسرى للأذى واليمنى لغيره واستوجهه ابن حجر في التحفة. قوله: (في صحيحي البُخاري ومسلم) قال

стр. 316

عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يعجبه التيمُّنُ في شأنه كلّهِ: ــ القلقشندي في شرح العمدة هذا الحديث رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة والطبراني والإسماعيلي وأبو عوانة والبرقاني والبيهقي وغيرهم اهـ. وكذا أخرجه ابن خزيمة من طريقين وأبو عوانة كما قال الحافظ وجاء عن عائشة من طرق كثيرة بنحوه. قوله: (يُعجبه التيمّن) هذا اللفظ للبخاري ولفظ مسلم يحب التيمن ومحبته لذلك لأنه كان يحب الفأل الحسن إذ أهل اليمين هم أهل الجنة وفي بعض روايات البخاري بما استطاع وبه يعلم إن محافظته على التيمن ما لم يمنع منه مانع والأكمل في المبايعة باليسرى عن عثمان ﵁ في بيعة الرضوان لقيام المانع باليمين وهو كونها المبايع بها والتيمن بتشديد الميم من باب التفعل أي الابتداء باليمين. قوله: (في شأْنه كلِّهِ) متعلق بيعجبه أي يعجبه التيمن في شأنه أي الذي من باب التكريم لما في الحديث الآتي عقبه وفي فتح الباري تأكيد الشأن بقولها كله يدل على أنه عام لأنه رفع المجاز فيمكن أن يقال حقيقة الشأن ما كان فعلاً مقصوداً اهـ. قال القلقشندي وكلامه يؤول إلى أنه عام أريد به الخصوص ثم ذكر ما يدل على أنه عام مخصوص كما أشرت إليه لكن في كون كلام الفتح يقتضي إن الشأن عام أريد به الخصوص نظر، إذ هو على ما أشار إليه من قوله حقيقة الشأن إلخ، مختص بغير الاستنجاء لأنه ليس مقصوداً والشأن لا يشمله والتأكيد بكل التعميم لفظ الشأن في إفراد الفعل المقصود والله أعلم وتقديم هذا على قوله في طهوره وقع في رواية مسلم فيكون في طهوره بدل بعض من كل وفي رواية أخرى في طهوره وترجله وتنعله وفي شأنه كله بالواو في رواية أبي الوقت السجزي وبحذفها في رواية مسلم ومعظم روايات البخاري وذكر البخاري في الأطعمة من صحيحه عن سعيد إن شيخه أشعث بن سليم كان يحدث بالحديث جميعه تارة وتارة يقتصر

стр. 317

في طهوره وترجله ــ على قوله في شأنه كله وتارة على قوله في تنعله وترجله وطهوره وزاد الإسماعيلي في مستخرجه بسنده عن شعبة إن عائشة كانت تجمله تارة وتبينه أخرى اهـ، وعلى رواية في طهوره وترجله وتنعله وفي شأنه قال الطيبي في شأنه بدل من قوله في تنعله بإعادة العامل على رواية ثبوت الواو وذكر التنعل لتعلقه بالرجل والترجل لتعلقه بالرأس والطهور لكونه مفتاح العبادة فنبه على جميع الأعضاء فيصير كبدل الكل من الكل اهـ، وكان مراده أنه بدل من حيث المعنى لا من حيث الصناعة إذ العاطف يمنعه وعلى رواية حذف الواو قال الكرماني لا يصح إن يكون بدل كل من كل لأن الشأن أعم من هذه الثلاث ولا بدل بعض لأنه ليس بعضاً من المتقدم ولا بدل اشتمال إذ شرطه إن يكون بينهما ملابسة بغير الجزئية والكلية وهو منتف هنا ولا بدل غلط لأنه لا يقع في فصيح الكلام ثم قال هو بدل اشتمال والمراد بانتفاء الجزئية والكلية بينهما هما المذكورتان في بدل الكل وبدل البعض وهو إن لا يكون الثاني عين الأول ولا بعض الأول وهذا بعكس ذاك إذ الأول بعض الثاني أو هو بدل غلط وقد يقع فصيح الكلام قليلاً ولا منافاة بين الغلط والثلاثة إذ هو بدل كل عن كل وذكر ما تقدم عن الطيبي. قوله: (في طُهوره) بدل مما قبله كما سبق والطهور بضم الطاء لأن المراد به التطهير وقيل أنه بفتح الطاء أي الماء الذي يتطهر به ففيه حذف مضاف أي في استعمال طهوره. قوله: (وترجله) في النهاية الترجل والترجيل تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه اهـ. وقيل تسريح الشعر ودهنه قال المطرزي رجل شعره أي أرسله بالمرجل وهو المشط وترجل إذا صار كذلك بنفسه وعليه فيشكل التعبير في الخبر بالترجل إذ مقتضى القياس الترجيل بزيادة الياء قبل اللام وأجاب البرماوي إن الترجل من مادة تسريح الشعر فيكون هو أثر الترجيل فاكتفى به عن ذكر الترجيل قال وقول ابن الأثير الترجل والترجيل إلخ فيه تساهل إلاّ إن

стр. 318

وتنعُّله". وروينا في "سنن أبي داود" وغيره بالإسناد الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: ــ يكون سمع في اللغة على غير قياس والتيمن في الترجل البداءة بالشق الأيمن من الرأس في التسريح وكذا يبدأ بالأيمن منه في الدهن. قوله: (وتنعله) أي لبس النعل ووقع عند مسلم انتعاله وفعله بالإفراد والمراد بها الجنس قال المصنف في شرح مسلم وقع في بعض الأصول أي من مسلم نعله بالإفراد وفي بعضها بالتثنية وهما صحيحان ولم نر في شيء من نسخ بلادنا غير هذين الوجهين وذكر الحميدي والحافظ عبد الحق في كتابيهما الجمع بين الصحيحين تنعله بتاء مثناة ثم نون ثم عين مهملة مشددة وكذا هو في روايات البخاري وغيره وكله صحيح اهـ. وبه يعلم إن تنعله من إفراد البخاري والتنعل مصدر تنعل لبس النعل وهي الحذاء مؤنثة وتصغيرها نعيل والمراد بها البداءة بالرجل اليمنى وقيل اللبس باليد اليمنى وغلط قائله. قوله: (بالإسناد الصحيح) قال المصنف في الخلاصة بعد إيراده: صحيح ورواه أبو داود اهـ، وتردد فيه في شرح المهذب فقال حسن أو صحيح وقال الحافظ رجال إسناده من عبد الوهاب فصاعداً أخرج لهم مسلم فالإسناد على شرط الصحة كما قال المصنف ثم قال بعد نقل كلامه في الخلاصة والمجموع التحرير أنه حسن فإن فيه علتين الاختلاف على سعيد يعني ابن أبي عروبة في وصله وإرساله وفي زيادة راوٍ على السند الموصول وأخرجه أبو داود أيضاً من رواية عيسى بن يونس عن سعيد بإسقاط الأسود يعني الراوي له عن عائشة وأخرجه البيهقي من رواية محمد بن أبي عدي عن سعيد عن رجل لم يسم عن أبي معشر أي عن الأسود عن عائشة ورجح الدارقطني في العلل هذه الرواية فصار الحديث بسبب ذلك ضعيفاً من أجل المبهم وسعيد مع كونه مدلساً وقد عنعنه ممن اختلط وإنما قلت إن الحديث حسن لاعتضاده بالذي بعده اهـ، لكن قال ابن حجر في شرح المشكاة بعد

стр. 319

"كانت يدُ رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت، اليسرى لخلائه وما كان من أذى". وروينا ــ إيراد الخبر أنه معلول لكن يعضده الحديث الآتي يعني حديث عائشة السابق وفي كلام الحافظ إن ما بعده يجبر علته فيحصل له عاضدان فتأمله. قوله: (كانتْ يد رسول الله ﷺ إلخ) قال المصنف في شرح مسلم نقلا عن المحققين كان لا يفيد التكرار اهـ. وقال ابن الحاجب تفيده وكذا ابن دقيق العيد لكن قال عرفاً وهو واضح وليس المراد أنها تفيده مطلقاً بل في مقام يقبل ذلك كذا قال بعض المحققين والخلاف إنما هو إذا وقعت في مقام الأفعال نحو كان يفعل أو يقول لكن في مقام الأوصاف ونحوها مما لا يفيد التكرار وحينئذٍ فالخبر بدل بناء على كونها تفيد التكرار عرفاً إن جعله اليمنى لكل ما هو من باب التكريم واليسرى لكل ما هو من باب الخسة أمر دائم لا ينفك عنه لقوله ﷺ أدبني ربي فأحسن تأديبي كذا في فتح الإله وظاهر مما سبق إن المراد عند انتفاء المانع. قوله: (لطُهورِهِ وطعامِهِ) أي وما في معناهما مما هو من باب التكريم كما يدل عليه خبر كان يحب التيمن في شأنه كله المخصص عمومه بمنطوق نحو هذا الخبر أي إلا الخلاء وما كان من أذى. قوله: (اليسرى لخلائه) أي كانت اليد اليسرى للاستنجاء ويمكن إن يؤخذ من الخبر تقديم الرجل اليسرى أو بدلها عند دخول أو وصول الخلاء أو محل قضاء الحاجة من القضاء بأن يراد باليسرى ما يشمل اليد والرجل من استعمال المشترك في معنييه أو من عموم المجاز من أذى أي من النوع الذي يعد بالنسبة لِسائر الناس أذى من المخاط والبصاق والدم ونحوه فلاستقذار جنسه من باقي الناس جعل له ﷺ اليسرى وأما بالنسبة إلى الحاصل منه فلا أذى ولذا كانوا يد لكون به وجوههم ويسارعون إليه وقد شرب ابن الزبير دم حجامته ومص مالك بن سنان

стр. 320

في "سنن أبي داود"، و"سنن البيهقي" عن حفصة ﵂: "أن رسول الله ﷺ كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل يساره ــ دمه ﷺ يوم أحد وشربت أم أيمن بوله وهذا دليل على فقد الأذى منه إذ يحرم على الإنسان تناول كل مؤذٍ للبدن ومنه الريق بعد انفصاله من معدنه لا فيه فلا منع منه من حليلة وعدلت عن قولها من مستقذر إلى ما عبرت به لما في لفظ الاستقذار من البعد عن أن ينسب إليه ﷺ فليس من مستقذر أصلاً قال العلماء من استقذر شيئاً مما أضيف إليه ﷺ من الأحوال والأفعال فهو كافر والله أعلم. قوله: (في سنن أبي داود إلخ) وكذا أخرجه أحمد في مسنده كما في الجامع الصغير وقال الحافظ الحديث حسن أخرجه النسائي في الكبرى وأخرجه أبو داود من طريق أخرى عن حفصة وصححه ابن حبان والحاكم من طريق أبي داود قال الحافظ وفي تصحيحه نظر لأن في أيوب الإفريقي واسمه عبد الله بن علي مقالاً مع الاضطراب من شيخه عاصم في سنده أي فإنه تارة رواه عن رافع بن المسيب عن حفصة وتارة أدخل بين المسيب بن رافع وحفصة سواء وتارة رواه عن معبد بن خالد عن سواء عن حفصة وتارة رواه عن المسيب بن رافع ومعبد بن خالد عن حارثة بن وهب الخزاعي عن حفصة وقد تكلموا في حفظ عاصم قال الحافظ وإنما قلت أنه حسن لاعتضاده بما قبله اهـ. قوله: (عن حفصة) هي أم المؤمنين بنت عمر ﵄ روى أبو سعيد بإسناده عن عمر أنها ولدت قبل المبعث بخمس سنين وقريش تبني البيت وأمها وأم أخيها عبد الله زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة تزوجها خنيس بمعجمة فنون فتحتية فمهملة مصغراً ابن حذافة
следующие страницы →