Полный текст (2 732 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يعجبه التيمُّنُ في شأنه كلّهِ:
ــ
القلقشندي في شرح العمدة هذا الحديث رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة والطبراني والإسماعيلي وأبو عوانة والبرقاني والبيهقي وغيرهم اهـ. وكذا أخرجه ابن خزيمة من طريقين وأبو عوانة كما قال الحافظ وجاء عن عائشة من طرق كثيرة بنحوه. قوله: (يُعجبه التيمّن) هذا اللفظ للبخاري ولفظ مسلم يحب التيمن ومحبته لذلك لأنه كان يحب الفأل الحسن إذ أهل اليمين هم أهل الجنة وفي بعض روايات البخاري بما استطاع وبه يعلم إن محافظته على التيمن ما لم يمنع منه مانع والأكمل في المبايعة باليسرى عن عثمان ﵁ في بيعة الرضوان لقيام المانع باليمين وهو كونها المبايع بها والتيمن بتشديد الميم من باب التفعل أي الابتداء باليمين. قوله: (في شأْنه كلِّهِ) متعلق بيعجبه أي يعجبه التيمن في شأنه أي الذي من باب
التكريم لما في الحديث الآتي عقبه وفي فتح الباري تأكيد الشأن بقولها كله يدل على أنه عام لأنه رفع المجاز فيمكن أن يقال حقيقة الشأن ما كان فعلاً مقصوداً اهـ. قال القلقشندي وكلامه يؤول إلى أنه عام أريد به الخصوص ثم ذكر ما يدل على أنه عام مخصوص كما أشرت إليه لكن في كون كلام الفتح يقتضي إن الشأن عام أريد به الخصوص نظر، إذ هو على ما أشار إليه من قوله حقيقة الشأن إلخ، مختص بغير الاستنجاء لأنه ليس مقصوداً والشأن لا يشمله والتأكيد بكل التعميم لفظ الشأن في إفراد الفعل المقصود والله أعلم وتقديم هذا على قوله في طهوره وقع في رواية مسلم فيكون في طهوره بدل بعض من كل وفي رواية أخرى في طهوره وترجله وتنعله وفي شأنه كله بالواو في رواية أبي الوقت السجزي وبحذفها في رواية مسلم ومعظم روايات البخاري وذكر البخاري في الأطعمة من صحيحه عن سعيد إن شيخه أشعث بن سليم كان يحدث بالحديث جميعه تارة وتارة يقتصر
стр. 317
في طهوره وترجله
ــ
على قوله في شأنه كله وتارة على قوله في تنعله وترجله وطهوره وزاد الإسماعيلي في مستخرجه بسنده عن شعبة إن عائشة كانت تجمله تارة وتبينه أخرى اهـ، وعلى رواية في طهوره وترجله وتنعله وفي شأنه قال الطيبي في شأنه بدل من قوله في تنعله بإعادة العامل على رواية ثبوت الواو وذكر التنعل لتعلقه بالرجل والترجل لتعلقه بالرأس والطهور لكونه مفتاح العبادة فنبه على جميع الأعضاء فيصير كبدل الكل من الكل اهـ، وكان مراده أنه بدل من حيث المعنى لا من حيث الصناعة إذ العاطف يمنعه وعلى رواية حذف الواو قال الكرماني لا يصح إن يكون بدل كل من كل لأن الشأن أعم من هذه الثلاث ولا بدل بعض لأنه ليس بعضاً من المتقدم ولا بدل اشتمال إذ شرطه إن يكون بينهما ملابسة بغير الجزئية والكلية وهو منتف هنا ولا بدل غلط لأنه لا يقع في فصيح الكلام ثم قال هو بدل اشتمال والمراد بانتفاء الجزئية والكلية بينهما هما المذكورتان في بدل الكل وبدل البعض وهو إن لا يكون الثاني عين الأول ولا بعض الأول وهذا بعكس ذاك إذ الأول بعض الثاني أو هو بدل غلط وقد يقع فصيح الكلام قليلاً ولا منافاة بين الغلط والثلاثة إذ هو بدل كل عن كل وذكر ما تقدم عن الطيبي. قوله: (في طُهوره) بدل مما قبله كما سبق والطهور بضم الطاء لأن المراد به التطهير وقيل أنه بفتح الطاء أي الماء الذي يتطهر به ففيه حذف مضاف أي في استعمال طهوره. قوله: (وترجله) في النهاية الترجل والترجيل تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه اهـ. وقيل تسريح الشعر ودهنه قال المطرزي رجل شعره أي أرسله بالمرجل وهو المشط وترجل إذا صار كذلك بنفسه وعليه فيشكل التعبير في الخبر بالترجل إذ مقتضى القياس الترجيل بزيادة الياء قبل اللام وأجاب البرماوي إن الترجل من مادة تسريح الشعر فيكون هو أثر الترجيل فاكتفى به عن ذكر الترجيل قال وقول ابن الأثير الترجل والترجيل إلخ فيه تساهل إلاّ إن
стр. 318
وتنعُّله".
وروينا في "سنن أبي داود" وغيره بالإسناد الصحيح عن عائشة ﵂ قالت:
ــ
يكون سمع في اللغة على غير قياس والتيمن في الترجل البداءة بالشق الأيمن من الرأس في التسريح وكذا يبدأ بالأيمن منه في الدهن. قوله: (وتنعله) أي لبس النعل ووقع عند مسلم انتعاله وفعله بالإفراد والمراد بها الجنس قال المصنف في شرح مسلم وقع في بعض الأصول أي من مسلم نعله بالإفراد وفي بعضها بالتثنية وهما صحيحان ولم نر في شيء من نسخ بلادنا غير هذين الوجهين وذكر الحميدي والحافظ عبد الحق في كتابيهما الجمع بين الصحيحين تنعله بتاء مثناة ثم نون ثم عين
مهملة مشددة وكذا هو في روايات البخاري وغيره وكله صحيح اهـ. وبه يعلم إن تنعله من إفراد البخاري والتنعل مصدر تنعل لبس النعل وهي الحذاء مؤنثة وتصغيرها نعيل والمراد بها البداءة بالرجل اليمنى وقيل اللبس باليد اليمنى وغلط قائله.
قوله: (بالإسناد الصحيح) قال المصنف في الخلاصة بعد إيراده: صحيح ورواه أبو داود اهـ، وتردد فيه في شرح المهذب فقال حسن أو صحيح وقال الحافظ رجال إسناده من عبد الوهاب فصاعداً أخرج لهم مسلم فالإسناد على شرط الصحة كما قال المصنف ثم قال بعد نقل كلامه في الخلاصة والمجموع التحرير أنه حسن فإن فيه علتين الاختلاف على سعيد يعني ابن أبي عروبة في وصله وإرساله وفي زيادة راوٍ على السند الموصول وأخرجه أبو داود أيضاً من رواية عيسى بن يونس عن سعيد بإسقاط الأسود يعني الراوي له عن عائشة وأخرجه البيهقي من رواية محمد بن أبي عدي عن سعيد عن رجل لم يسم عن أبي معشر أي عن الأسود عن عائشة ورجح الدارقطني في العلل هذه الرواية فصار الحديث بسبب ذلك ضعيفاً من أجل المبهم وسعيد مع كونه مدلساً وقد عنعنه ممن اختلط وإنما قلت إن الحديث حسن لاعتضاده بالذي بعده اهـ، لكن قال ابن حجر في شرح المشكاة بعد
стр. 319
"كانت يدُ رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت، اليسرى لخلائه وما كان من أذى".
وروينا
ــ
إيراد الخبر أنه معلول لكن يعضده الحديث الآتي يعني حديث عائشة السابق وفي كلام الحافظ إن ما بعده يجبر علته فيحصل له عاضدان فتأمله. قوله: (كانتْ يد رسول الله ﷺ إلخ) قال المصنف في شرح مسلم نقلا عن المحققين كان لا يفيد التكرار اهـ. وقال ابن الحاجب تفيده وكذا ابن دقيق العيد لكن قال عرفاً وهو واضح وليس المراد أنها تفيده مطلقاً بل في مقام يقبل ذلك كذا قال بعض المحققين والخلاف إنما هو إذا وقعت في مقام الأفعال نحو كان يفعل أو يقول لكن في مقام الأوصاف ونحوها مما لا يفيد التكرار وحينئذٍ فالخبر بدل بناء على كونها تفيد التكرار عرفاً إن جعله اليمنى لكل ما هو من باب التكريم واليسرى لكل ما هو من باب الخسة أمر دائم لا ينفك عنه لقوله ﷺ أدبني ربي فأحسن تأديبي كذا في فتح الإله وظاهر مما سبق إن المراد عند انتفاء المانع. قوله: (لطُهورِهِ وطعامِهِ) أي وما في معناهما مما هو من باب التكريم كما يدل عليه خبر كان يحب التيمن في شأنه كله المخصص عمومه بمنطوق نحو هذا الخبر أي إلا الخلاء وما كان من أذى. قوله: (اليسرى لخلائه) أي كانت اليد اليسرى للاستنجاء ويمكن إن يؤخذ من الخبر تقديم الرجل اليسرى أو بدلها عند دخول أو وصول الخلاء أو محل قضاء الحاجة من القضاء بأن يراد باليسرى ما يشمل اليد والرجل من استعمال المشترك في معنييه أو من عموم المجاز من أذى أي من النوع الذي يعد بالنسبة لِسائر الناس أذى من المخاط والبصاق والدم ونحوه فلاستقذار جنسه من باقي الناس جعل له ﷺ اليسرى وأما بالنسبة إلى الحاصل منه فلا أذى ولذا كانوا يد لكون به وجوههم ويسارعون إليه وقد شرب ابن الزبير دم حجامته ومص مالك بن سنان
стр. 320
في "سنن أبي داود"، و"سنن البيهقي" عن حفصة ﵂: "أن رسول الله ﷺ كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل يساره
ــ
دمه ﷺ يوم أحد وشربت أم أيمن بوله وهذا دليل على فقد الأذى منه إذ يحرم على الإنسان تناول كل مؤذٍ للبدن ومنه الريق بعد انفصاله من معدنه لا فيه فلا منع منه من حليلة وعدلت عن قولها من مستقذر إلى ما عبرت به لما في لفظ الاستقذار من البعد
عن أن ينسب إليه ﷺ فليس من مستقذر أصلاً قال العلماء من استقذر شيئاً مما أضيف إليه ﷺ من الأحوال والأفعال فهو كافر والله أعلم.
قوله: (في سنن أبي داود إلخ) وكذا أخرجه أحمد في مسنده كما في الجامع الصغير وقال الحافظ الحديث حسن أخرجه النسائي في الكبرى وأخرجه أبو داود من طريق أخرى عن حفصة وصححه ابن حبان والحاكم من طريق أبي داود قال الحافظ وفي تصحيحه نظر لأن في أيوب الإفريقي واسمه عبد الله بن علي مقالاً مع الاضطراب من شيخه عاصم في سنده أي فإنه تارة رواه عن رافع بن المسيب عن حفصة وتارة أدخل بين المسيب بن رافع وحفصة سواء وتارة رواه عن معبد بن خالد عن سواء عن حفصة وتارة رواه عن المسيب بن رافع ومعبد بن خالد عن حارثة بن وهب الخزاعي عن حفصة وقد تكلموا في حفظ عاصم قال الحافظ وإنما قلت أنه حسن لاعتضاده بما قبله اهـ. قوله: (عن حفصة) هي أم المؤمنين بنت عمر ﵄ روى أبو سعيد بإسناده عن عمر أنها ولدت قبل المبعث بخمس سنين وقريش تبني البيت وأمها وأم أخيها عبد الله زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة تزوجها خنيس بمعجمة فنون فتحتية فمهملة مصغراً ابن حذافة
стр. 321
لما سوى ذلك".
وروينا عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا لبَسْتُمْ، وَإِذَا تَوَضأْتُمْ، فَابْدَؤُوا بأيامِنِكُمْ"
ــ
وكان ممن شهد بدراً وهاجرت معه وتوفي عنها بالمدينة مقدم النبي ﷺ من بدر وذكرها أبوها على أبي بكر وعثمان فلم يجبه واحد منهما إلى التزوج بها وكان أبو بكر اطلع على أن النبي ﷺ يريد إن يتزوج بها ثم خطبها رسول الله ﷺ وتزوجها سنة ثلاث وقيل سنة ثنتين من الهجرة في شعبان وقال ابن سعد تزوجها في شعبان على رأس ثلاثين شهراً قبل أحد ثم طلقها طلقة واحدة ثم راجعها بأمر جبريل وقال أنها صوامة قوامة وأنها زوجتك في الجنة وفي رواية صؤوم قؤوم وإنها من نسائك في الجنة وأوصى عمر إلى حفصة وأوصت هي إلى أخيها عبد الله روي لها عن النبي ﷺ فيما قيل ستون حديثاً اتفقا منها على ثلاثة وقيل أربعة وانفرد مسلم بستة واختلف في وقت وفاتها فقال الواقدي في شعبان سنة خمس وأربعين عن ستين سنة وهو الصحيح وقال أبو معشر سنة إحدى وأربعين وقال أبو خيثمة أول ما بويع معاوية وكانت بيعته في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وقيل ماتت سنة سبع وعشرين وقيل ثمان وعشرين وقيل في خلافة عثمان وقيل سنة سبع وأربعين وقيل سنة خمسين.
روى ابن سعد أن مروان بن الحكم صلى عليها وحمل بين عمودي سريرها من عند دار آل المغيرة بن شعبة ثم حملها أبو هريرة من دار المغيرة إلى قبرها ونزل في قبرها أخوها عبد الله وعاصم وبنو أخيها عبد الله وهم عبيد الله وسالم وحمزة ﵃. قوله: (لما سوى ذلك) أي لما لم يكن من باب التكريم المذكور بعض أفراده من الطعام والشراب في اللباس وكأن الاقتصار عليها فيه لكونها أكثر ما يزاوله الإنسان. قوله: (بأيامنكم) وفي رواية بميامنكم أي لأن اليمين لما شرف ومنه
لبس الثوب والتطهر وحكمته كما تقدم إظهار شرف اليمين وخسة
стр. 322
حديث حسن، رواه أبو داود، والترمذي، وأبو عبد الله محمد بن يزيد
ــ
غيرها ثم لفظ أبي داود "ميامنكم" وأورده كذلك البغوي في المصابيح وشرف السنة وفي موضع من المشكاة وهي في نسخة من الأذكار بأيامنكم والأيمن والميمنة خلاف الأيسر والميسرة. قوله: (حَديث حسن صحيح) وفي شرح المشكاة لابن حجر بعد إيراده إسناد حسن اهـ، ولعله لم يقف على كلام المصنف هذا أو لم يوجد في أصله منه قوله صحيح أو إن صحته لغيره فذكر وصفه الذاتي من الحسن وإلا فكيف يقتصر على قوله حسن بعد ذكر المصنف له ثم رأيت الحافظ قال بعد إيراده الحديث وتخريجه له هذا حديث صحيح غريب أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة وأخرجه الترمذي بلفظ آخر وذكر فيه علة ثم قال وهذا لا يقدح في رواية زهير بن معاوية يعني الذي في طريق أحمد وأبي داود وقد صحح الحديث من طريقه ابن حبان فأخرجه عنه وعجب للشيخ كيف تبعه في تصحيح الذي قبله مع ما فيه من علة ولم يتبعه في تصحيح هذا اهـ، وكأن أصل الحافظ ليس فيه تصحيح الحديث والله أعلم وفي شرح مسلم للمصنف وقد ثبت في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما بأسانيد جيدة عن أبي هريرة إذا لبستم وإذا توضأتم فابدؤوا بأيامنكم.
ثم إن علماء الأثر استشكل بعضهم الجمع بين وصفي الحسن والصحة لحديث واحد بأنه جمع بين الضدين إذ المعتبر في الصحة أعلى أوصاف القبول وفي الحسن أدناها.
وأجيب بأن الحديث الذي يقال فيه ذلك قسمان الأول ما تعددت طرقه فيحمل أحد الوصفين على أحد طرقه والثاني على الثاني وعلى هذا فيكون على تقدير واو العطف أي حسن وصحيح وما وصف بهما أعلى مما وصف بالصحة فقط لحوز الأول معها الحسن أيضاً والثاني ما كان فرداً فيحمل تعدد وصفيه على اختلاف مرتبته عندهم فقال بعضهم أنه حاز من القبول أعلى مراتبه فهو صحيح وقال آخرون لم يصل لذلك فهو حسن وعلى هذا
стр. 323
هو ابن ماجة، وأبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، وفي الباب أحاديث كثيرة، والله أعلم.
باب ما يقول إذا خلع ثوبه لغسل أو نوم أو نحوهما
روينا في كتاب ابن السني، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سَتْرُ ما بيْنَ أعْيُنِ الجِنّ
ــ
فيكون على تقدير "أو" أي حسن أو صحيح وما وصف بالصحة أعلى مما وصف بهما لأن الصحة مجزوم بها في الأول بخلافها فيما ذكرناه والله أعلم. قوله: (هو ابن ماجة) يعني محمد صاحب السنن ابن ماجة فماجة لقب والده يزيد وقد بسطنا ما يتعلق بذلك في ترجمة ابن ماجة عند أول ذكره في الفصول وكان حق هذا التقرير المذكور في الأصل هنا إن يذكر هذا ويترك بعد حوالة عليه والله أعلم وكما رواه من ذكر أخرجه أحمد كما في المشكاة وفي الجامع الصغير إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم وعزاه إلى تخريج ابن ماجة من حديث أبي هريرة. قوله: (وفي الباب أحاديث كثيرة) يأتي بعضها في أدب الأكل ومنها في الصحيح حديث أبي هريرة مرفوعاً إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين الحديث ومنها ما أخرجه بسند جيد عن عبد الله بن أبي طلحة قال قال ﷺ إذا أكل أحدكم فلا يأكل بشماله وإذا شرب فلا يشرب بشماله وإذا أعطى فلا يعطي بشماله أورده الحافظ.
باب ما يقول إذا خلع ثوبه لغسل أو نوم أو نحوهما
الظاهر أن يقال أو نحوه لأن العطف فيه بأو التي هي لأحد الشيئين إلا أن يقال أو هنا للتنويع لا للشك ونحوه مما يكون الحكم فيه لأحد الأمرين وإذا كانت للتنويع بمنزلة
стр. 324
وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ أنْ يَقُول الرَجُلُ المُسْلِمُ إذا أرَادَ أنْ يَطْرَح ثِيَابَهُ:
ــ
الواو فالمطابقة بعدها هو الأصل والإفراد بخلافه وقد صرح في المغني نقلاً عن الآمدي وقال أنه الحق بوجوب المطابقة بعد أو التي للتنويح اهـ. "أعلم" إن أئمتنا قالوا يحرم على المكلف كشف العورة وإن كان خالياً لكنها في الخلوة للرجل سوءتاه فقط وللحرة ما بين سرتها وركبتها بخلافها في الصلاة ونحوها وحرمة كشفها ما لم يكن لحاجة من غسل وقضاء حاجة ونحوهما وقد يحرم كشفها مع ذلك بأن يكون ثم من ينظر ممن يحرم النظر عليه إليها قال في شرح العباب وإنما حرم في الخلوة تأدبًا مع الله تعالى وفي الخبر فالله أحق أن يستحيا منه وأورد أنه لا يخفى عليه شيء ولا يستر عن بصره ساتر فيستوي بالنسبة إليه تعالى وجود الساتر وعدمه وأجيب بأنه تعالى وإن كان علمه ...
وما موصول صلته الفعل الذي يتعلق به الظرف بعدها وخبر المبتدأ قوله أن يقول إلخ أي قوله إلخ في شرح الترمذي للعراقي هل المراد ستر العورة عن أن ينظروا إليها أو عن أن يعبثوا بها اهـ، أي كل محتمل له. قوله: (وعَوْرَاتِ) بإسكان الواو وقرئ بفتحها وتقدم ما فيه والتقييد ببني آدم وبالرجل لكونهم أكمل هذا النوع وإلا فبنات آدم والمرأة كذلك. قوله: (إذا أرَادَ أن يطرحَ ثيابهُ) إذا ظرف ليقول أي يقول وقت إرادته طرح الثياب قال العراقي في قوله في حديث أبي سعيد "إذا رفع الرجل ثوبه" يحتمل أن يراد إذا أراد رفعه ولو بعد دخوله الخلاء ويحتمل أن يراد عند شروعه في رفع ثوبه ويحتمل أن يراد بحديث أبي سعيد إذا كان قضاء الحاجة في الفضاء في مكان لا بناء فيه للمكان الذي يتخلى فيه وإنما نهى عن الكلام عند قضاء الحاجة دون ما قبل الشروع فيه اهـ، كلامه وهو بعينه جار في رواية أنس التي في الكتاب قال وظاهر الحديث
стр. 325
بِسْمِ الله الذِي لا إلَهَ إلا هو".
باب ما يقول حال خروجه من بيته
روينا عن
ــ
يعني حديث علي ﵁ الآتي المذكور عند الترمذي أن التسمية إنما تكون ستراً من أعين الجن عند قضاء الحاجة من دخول الخلاء وغيره دون ما إذا كشف عورته لغير ذلك وإن كان لحاجة ويحتمل أن جميع ما يجوز الكشف فيه للحاجة من الاغتسال والتداوي ونحوهما يحصل الستر عن رؤية الجن لعورته بالتسمية وإنما ذكر لفظ الخلاء لخروجه مخرج الغالب في كشف العورة لذلك ويدل عليه حديث المعمري في عمل يوم وليلة "ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا أراد أن يطرح ثيابه قال بسم الله الذي لا إله إلاَّ هو" فهو أعم من دخول الخلاء ومن الرفع لقضاء الحاجة وفي رواية إذا نزع أحدكم ثوبه ثم ظاهر الحديث أن العورة ما دامت مستورة فلا يتسلط الشيطان على رؤية عورته وأما ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٢٧] ٢٧] الآية فالظاهر رؤيتهم لا لما لا يمتنع رؤيته من العورة على غيرهم اهـ. قوله: (باسْمِ الله) أي
أتحصن من الشيطان باسم الله فيسن أن يقول ذلك فيؤخذ منه إن الإنسان متى كشف عورته في الخلوة سن له أن يقول الذكر المذكور حتى يكون ذلك مانعاً للجن من رؤية عورته.
باب ما يقول حال خروجه من بيته
ومثل البيت المنزل الذي يسافر منه المسافر وقضية الترجمة أنه يأتي بالأذكار حال الخروج وهو قضية ظواهر الأخبار لكن عبر المصنف في مناسكه الكبرى بقوله إذا أراد الخروج فالسنة أن يقول ما صح أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا خرج اللهم إني أعوذ بك أن أضل إلخ، قال شارحها ابن حجر قوله إذا أراد الخروج ينافيه قوله عقبه في الحديث إذا خرج من بيته الموافق لتعبير الراوي بقوله ما خرج رسول الله - صلى
стр. 326
أم سلمة ﵂، واسمها هند: أن النبي ﷺ كان إذا خرج من بيته
ــ
الله عليه وسلم - من بيته صباحاً إلاَّ رفع بصره إلى السماء وقال إلخ. قال الحافظ رواه أبو داود من طريق مسلم بن إبراهيم اهـ، إلا إن يؤول خرج بأراد على حد ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨]، وفيه وقفة ثم رأيت بعضهم كابن جماعة عبر بقوله السنة إذا خرج إن يقول، وذكر ما قاله المصنف، فالأخذ به أولى إلاَّ أن يرد ما يصرفه عن ظاهره اهـ، ثم ما ذكره الشارح من الصباح لا يخصص هذا القول بذلك الزمن لأن ذكر بعض أفراد العام لا يخصصه وكذا أطلقه المصنف في الترجمة ولم يقيده بالخروج وقت الصباح والله أعلم. قوله: (أُمّ سَلمَةَ) هي أم المؤمنين ﵂ قال المصنف واسمها هند وهذا هو الصحيح المشهور بل زعم الحافظ ابن حجر في أطراف مسند أحمد أنه لا خلاف فيه قال تلميذه القلقشندي وليس بجيد فقد قيل اسمها رملة اهـ، ولك إن تجيب عن جانب الحافظ بأن هذا الخلاف لضعفه نزل منزلة العدم ومثل هذا كثير في كلامهم قال ابن الوردي في تحفته:
الكلمات ليس فيها خلف ... الاسم ثم الفعل ثم الحرف
مع إن ابن صابر يخالف في الحصر في الأنواع ويزيد نوعاً رابعاً سماه خالفة إلاَّ أنه لضعفه لم ينظر إليه وكذا هنا قال الحافظ ابن الأثير في أسد الغابة وقيل اسمها رملة وليس بشيء اهـ، وأبوها أبو أمية واختلف في اسمه فقيل حذيفة وقيل سهل وقيل زهير وقيل هشام بن المغيرة بن عمرو بن مخزوم، القرشية المخزومية كنيت بابنها سلمة بن أبي سلمة تزوجهما رسول الله ﷺ سنة أربع وقيل ثلاث وقال ابن عبد البر سنة ثنتين من الهجرة بعد وفاة زوجها أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي وعقد عليها في شوال وابتنى بها في شوال قال في المفهم قال أبو محمد عبد الله بن علي الرشاطي هذا وهم شنيع وذلك لأن زوجها أبا سلمة شهد أحداً وكانت في
стр. 327
قال:
ــ
شوال سنة ثلاث فجرح فيها جرحاً اندمل ثم انتقض به فتوفي منه لثلاث خلوان من جمادى الآخرة سنة أربع وانقضت عدة أم سلمة في شوال سنة أربع وبنى بها عند انقضائها وقد ذكر ابن عبد البر هذا في صدر الكتاب وجاء به على الصواب اهـ، وخيرها ﷺ بين إن يسبع عندها ويسبع لنسائه وإن يثلث لها ويدور عليهن فاختارت التثليث وهي أول من هاجر إلى أرض الحبشة وزوجها أبو سلمة قال ابن سعد هاجر بها زوجها إلى
أرض الحبشة الهجرتين جميعاً فولدت له هناك زينب وسلمة وعمرة ودرة ويقال أنها أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة وكانت من أجمل النساء وشهدت فتح خيبر وهي التي أشارت على النبي ﷺ يوم الحديبية أن يخرج إلى أصحابه ويدعو الحالق ولا يكلمهم ففعل ففعلوا ورأت جبريل في صورة دحية خرج حديثها الستة وغيرهم روي لها عن النبي ﷺ ثلاثمائة حديث وثمانية وسبعون حديثاً اتفقا منها على ثلاثة عشر وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بخمسة كذا قال القلقشندي في شرح العمدة لكن في شرحها للفاكهاني وفي كتاب التنقيح لابن الجوزي والرياض للعامري وانفرد مسلم بثلاثة عشر والله أعلم وماتت سنة ائنتين وستين وقيل سنة ستين وقيل إحدى وستين وصححه ابن عساكر وقيل أربع وستين وقيل تسع وخمسين ودفنت بالبقيع وقال محارب بن دثار أوصت إن يصلي عليها سعيد بن زيد ونظر فيه بأنه مات قبلها سنة خمسين وصلى عليها أبو هريرة قال الذهبي غلط فيه الواقدي فإن أبا هريرة مات سنة سبع وخمسين وطال عمرها عاشت تسعين سنة وقيل أكثر وهي آخر أمهات المؤمنين وفاة ﵂. قوله: (قالَ) أي على سبيل تعليم الأمة ما ينفعها عند معاشرتها إذ من خرج من بيته احتاج لمعاشرة الناس ومن كان كذلك لا بد أن يكون جاريًا على
стр. 328
"بِسْم الله تَوَكَّلْتُ على الله، اللهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ أَنْ أَضلَّ أَوْ أُضلَّ،
ــ
سنن الاستقامة محفوظاً من الأغيار ظاهراً وباطناً ولا يحصل له ذلك إلاَّ بالتوجه إليه تعالى في حصوله من الذلة والانكسار فعلمه ﷺ كيفية سؤال ذلك فيسأل تثبيت الإقدام على الصراط المستقيم بأن لا يحصل له ولأمته ذلك في الدين بتركه بالكلية ولا ضلال بأن يقصر في القيام به على وجهه هذا ما يتعلق بالحق ولا ظلم لأحد من الخلق ولا جهل بحقوق الله تعالى أو أحد من خلقه فالعطف في الأربعة المذكورة للتأسيس دون التأكيد، وأفاد الطيبي وجهاً آخر للتأسيس فقال إذا خرج الإنسان من منزله لا بد أن يعاشر الناس فيخاف إن يعدل عن الطريق القويم فإما أن يكون في أمر الدين فلا يخلو من أن يضل أو يضل أو في أمر الدنيا فإما إن يظلم أو يظلم أو بسبب الاختلاط والمعاشرة فإما أن يجهل أو يجهل عليه فاستعيذ من جميع هذه الأحوال بلفظ سلس موجز وراعى المطابقة المعنوية والمشاكلة اللفظية كقوله:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ويعضد هذا التأويل الحديث الثاني فقوله هديت مطابق لقوله أن أضل أو أضل، وقوله كفيت لقوله أظلم أو أظلم وقوله ووقيت لقوله أجهل ويجهل علي اهـ. قوله: (باسْمِ اللِّه) أي استعين على كل مرام باسمه تعالى وسبق معنى التوكل والمراد من "على" في أمثال هذا المقام في آخر خطبة الكتاب. وفي شرح المشكاة المقصود أي من قول توكلت على الله طلب الاستعلاء باللهِ على سائر الأعراض والمقاصد لتصحبها إعانته ولطفه وتيسيره وتحفظها قدرته من اعتراء قصور أو فتور. قوله: (أضِلَ) بفتح أوله من الماء في اللبن غاب أي أغيب عن معالي الأمور بارتكاب نقائصها واستحسان قبائحها فأبوء بالقصور عن أداء مقام العبودية. قوله: (أَوْ أُضَل) بضم فكسر مبني للمعلوم أي أضل غيري أو بضم ففتح مبني للمجهول أي يضلني غيري (أَوْ
стр. 329
أو أَزِلَّ، أو أُزَلَّ، أو أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أو أَجْهَلَ أو يُجْهَلَ عَلَيَّ". حديث صحيح، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة. قال الترمذي: حديث صحيح. هكذا في رواية أبي داود: "أنْ أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أزِل أو أُزِل"، وكذا الباقي بلفظ التوحيد.
وفي رواية الترمذي: "أعُوذُ
ــ
أذِلَّ) بفتح فكسر أي أنزل عن الطريقة المستقيمة إلى هوة ضدها لغلبة الهوى والأعراض عن أسباب التقوى والانهماك في تحصيل الدنيا من زلت قدمه وقع من علو إلى هبوط والمزلة المكان المزلق الذي لا تثبت عليه الرجل وبما
ذكر ظهر إن استعمال أزل هنا فيه نوع تشبيه (أوْ أُزِلَّ) بضم فكسر أي أوقع غيري في هوة المعاصي ودرك النقائص، أو بضم ففتح أي يستولي علينا العدو حتى يزلنا عن المقامات العلية إلى السفاسف الدنية. قوله: (أوْ أظْلِمَ) بفتح فكسر أي أظلم غيري من الظلم وضع الشيء في غير محله أو التصرف في حق الغير (أَوْ أُظْلَمَ) بضم ففتح أي أظلم من أحد من العباد. قوله: (أَوْ أَجْهَلَ) أي أجهل الحق الواجب علي (أَوْ يُجْهَلَ عَلَيّ) قال العاقولي أو يجهل عليّ شيء ليس من خلقي نحو ما جاء في الحديث من استجهل مؤمناً فعليه إثمة أي حمله على شيء ليس من خلق المؤمنين فيغضبه فإثمه على من أخرجه لذلك اهـ. قوله: (حديث صحيح) قال الحافظ صححه الحاكم من طريق عبد الرحمن بن مهدي وقال أنه على شرطهما فقد صح سماع الشعبي من أم سلمة وخالفه ابن الصلاح فقال لم يسمع الشعبي من أم سلمة وعائشة وقال ابن المديني في العلل لم يسمع من أم سلمة فالحديث منقطع ولعل من صححه سهل الأمر فيه لكونه من الفضائل ولا يقال يكتفي بالمعاصرة لأن محل ذلك ألا يحصل الجزم بانتفاء التقاء المتعاصرين إذا كان النافي واسع الاطلاع مثل ابن المديني اهـ. قوله: (رواه أبو داود إلخ) وكذا رواه
стр. 330
بكَ مِنْ أن نَزِلَّ، وكذَلِكَ نَضلَّ ونَظْلِمَ وَنَجْهَلَ". بلفظ الجمع.
وفي رواية أبي داود: "ما خرج رسول الله ﷺ من بيتي إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: "اللهُم إني أعُوذُ بِك".
وفي رواية غيره: "كان إذا خرج من بيته قال كما ذكرنا" والله أعلم.
ــ
أحمد والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين قال الحافظ وهذا اللفظ الذي أورده المصنف من حديث أم سلمة إلاَّ أنه زاد بعد توكلت "لا حول ولا قوة إلاّ بالله" وفي آخره "أو أبغي أو يبغي علي" قال ورواه الطبراني من حديث بريدة وأورده من حديث أم سلمة بلفظ "كان إذا خرج من بيته قال بسم الله رب أعوذ بك أن أذل أو أضل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل عليّ" وقال رواه أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم عن أم سلمة وزاد ابن عساكر أو أن أبغي أو يبغي على وأورده من حديثها أيضاً بلفظ "كان إذا خرج من بيته قال بسم الله توكلت على الله اللهم إنا نعوذ بك أن نذل أو نضل أو نظلم أو نجهل أو يجهل علينا" وقال رواه الترمذي وابن السني عن أم سلمة اهـ. قال الحافظ وكذا رواه النسائي في الكبرى قال ولم أره في شيء من الطرق بالنون إلاَّ في رواية وكيع يعني التي عند الترمذي والنسائي وكذا زيادة توكلت على الله ولا رأيته في شيء من الطرق بزيادة أزل وأضل بضم الهمزة فيهما إلاَّ في رواية مسلم بن إبراهيم أي التي رواها عنه أبو داود كما تقدمت الإشارة إليها أول الباب اهـ، ومما ذكر يعلم إن عزو الرواية باللفظ الذي خرجه المصنف لرواية الترمذي ليس المراد منه أنه بهذا اللفظ فيه إذ هو فيه بضمير الجمع لا المفرد كما بينه المصنف ولفظ أبي داود عنها ما خرج من بيتي إلَّا رفع طرفه إلى السماء فقال اللهم إني أعوذ بك أن أذل إلخ. والباقون رووه كما رواه الترمذي إلاَّ أنهم رووه بالإفراد كما أورده المصنف وحينئذٍ فأبو داود
стр. 331
وروينا في سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي وغيرهم، عن أنس ﵁
قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن قال" يعني إذا خرج من بيته: "بِسْم الله، تَوَكَّلْتُ عَلى الله، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا بالله،
ــ
ليس في روايته قوله بسم الله توكلت على الله بل هو في رواية غيره ممن ذكر كما أشار إليه المصنف بقوله وفي رواية غيره أي غير أبي داود من باقي الأربعة كان إذا خرج من بيته قال كما ذكرناه وفي سلاح المؤمن بعد ذكره إن الأربعة أخرجوه بلفظ الترمذي ولفظ أبي داود ما خرج إلخ، وذلك يقتضي إن رواية ابن ماجة موافقة لما في الأربعة لكن في المشكاة إن رواية أبي داود وابن ماجة متفقة ولفظ ابن ماجة عن أم سلمة أن النبي ﷺ كان إذا خرج من منزله قال اللهم إني أعوذ بك إلخ، وبه يعلم أنها ليست موافقة لرواية أبي داود خلافاً لما تقتضيه عبارة المشكاة لأن في رواية أبي داود إن الخروج من منزل أم سلمة
وفي ابن ماجة أنه من منزله ﷺ ويزيد أبو داود في روايته قولها إلا رفع طرفه إلى السماء ولا لباقي الأربعة لأنه نقص من روايته باسم الله توكلت على الله وقد أشار إلى ذلك الحافظ فقال قد جمع الشيخ هذه الزيادة يعني باسم الله وما بعدها مما سبق ذكره في كلامه في سياق الحديث ولا وجود لها مجموعة في شيء من الكتب الأربعة التي عزاه إليها ويمكن أن يقال بين الجميع تقارب والخلاف يسير وجرت عادة بعض المحدثين بالمسامحة في ذلك والله أعلم.
والحاصل أن رواية أبي داود مخالفة لرواية غيره من باقي الأربعة من وجوه: كون الخروج من بيتها ونقص باسم الله توكلت على الله من الأول والإفراد في قوله أضل وما بعده لكن المخالف في الأخير الترمذي وابن السني والمخالفة الأولى يسيرة لأن بيتها بيته ﷺ فلا خلاف في المعنى وقاعدة زيادة الثقة مقبولة تقضي العمل بما زاد من ألفاظ الدعاء ولو في بعض الروايات والله أعلم.
قوله: (وروينا في سنن أبي داود) في الترغيب
стр. 332
يُقال له:
ــ
بلفظ "أن رسول الله ﷺ قال إذا خرج الرجل من بيته فقال باسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلاّ بالله يقال له حسبك هديت وكفيت ووقيت فتنحى عنه الشيطان" رواه الترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان في صحيحه ورواه أبو داود ولفظه قال إذا خرج الرجل من بيته فقال باسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلاَّ باللهِ يقال له حينئذ هديت وكفيت ووقيت فيتنحى الشيطان فيقول شيطان آخر كيف لك برجل قد هدى وكفى ووقى وفي السلاح بعد ذكره بلفظ أبي داود وقال واللفظ له: ورواه الترمذي وقال حسن غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه اهـ، والحديث باللفظ الذي رواه المصنف خرجه الترمذي وقضية عادة المحدثين في تقديم ذكر من اللفظ مرويه أن يقال هنا وروينا في جامع الترمذي وسنن أبي داود لأن رواية أبي داود ليست باللفظ الذي أورده المصنف كما عرفت ولكن قدم أبو داود في الذكر لتقدمه في الرتبة والله أعلم.
تنبيه
سبق عن الجامع الصغير من حديث الطبراني عن بريدة كان ﷺ إذا خرج من بيته قال بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلاَّ بالله اللهم إني أعوذ بك أن أضل إلخ، فأفاد إنهما حديث واحد اقتصر على كل من طرفيه جمع وإذا ذكرا تقدم هذا الذكر على ما في الحديث قبله وظاهر أن رواية
التكلان على الله كرواية توكلت على الله في تقديمها على ما ذكر وكأن حكمة ذلك أن تعود بركة لتسمية وما بعده على الاستعاذة فيحصل والله أعلم وظاهر أنه لا يحتاج إلى قوله باسم الله توكلت على الله المذكور في الذكرين لأن القصد منه حاصل بذكره مرة وكذا جاء في الحديث عند الطبراني. قوله: (يُقالُ له) الجملة الفعلية خبر من الموصول الاسمي قال ابن حجر في شرح المشكاة وزين العرب في شرح المصابيح يقال له أي يناديه ملك بيا عبد الله
стр. 333
هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ، وَتَنَحى عَنْهُ الشَّيطَانُ" قال الترمذي: حديث حسن.
زاد أبو داود في روايته:
ــ
هديت إلخ، وفي تخصيص كون الفاعل المحذوف ملكا يحتاج إلى توقيف ولفظ الخبر محتمل لكونه تعالى يقول ذلك لذلك القائل جزاء مقاله المذكور وجملة هديت وما بعده مقول القول وهديت أي رزقت الوصول إلى المقام الكامل أي حقيقة الهداية بسبب استعانتك باسم الله على سلوك ما أنت بصدده. قوله: (كفيت) أي كفيت كل هم دنيوي أو أخروي بواسطة توكلت على الله قال ﷺ لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتعود بطاناً وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] قوله: (ووقيت) أي حفظت من شر أعدائك من الشياطين والجن بواسطة صدقك في تفويض جميع الأمور لبارئها بسلبك الحول والقوة عن كل أحد وإثباتها له تعالى وحده وبما تقرر علم وجه قول العاقولي في شرح المصابيح في الخبر لف ونشر مرتب فقوله: "بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلاَّ الله" "لف". و. قوله: (هديت وكفيت ووفيت) نشر اهـ، ووقع في رواية لم يخرجه المصنف في الأذكار زيادة "حميت" قبل قوله هديت وكأنه من باب الإجمال ثم التفصيل لأن في الهداية حماية من الغواية وفي الكفاية والوقاية سلامة من شر الأعداء في البداية والنهاية ففيه إجمال ثم تفصيل وهو في النفس أوقع وللسامع بسبب استقراره أنفع وتقدم كلام الترمذي في حال الحديث وبه يعلم ما في كلام المصنف نفع الله به من اختصار قوله غريب أو ليس في أصله ذلك والله أعلم. قوله: (قال الترمذي حديث حسن) عبارة الترمذي حسن غريب لا نعرف إلاّ من هذا الوجه وقال الحافظ رجاله رجال الصحيح ولذا صحح ابن حبان لكن خفيت عليه علته قال البخاري لا أعرف لابن جريج
стр. 334
"فيقول" يعني الشيطان لشيطان آخر: "كَيْفَ لَكَ بِرَجُل قد هُدِيَ وَكفِيَ وَوُقِيَ؟ ".
ــ
عن إسحاق يعني ابن عبد الله بن أبي طلحة الراوي عن أنس إلاّ هذا ولا أعرف له منه سماعاً قال الدارقطني ورواه عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج قال حدثت عن إسحاق، وعبد المجيد أثبت الناس في إسحاق قال الحافظ وجدت لحديث أنس شاهداً قوي الإسناد لكنه مرسل عن عون بن عبد الله بن عقبة أن النبي ﷺ قال "إذا خرج الرجل من بيته فقال بسم الله حسبي الله توكلت على الله قال الملك كفيت وهديت ووقيت" اهـ.
قوله: (فيقول يعني الشيطان لشيطان) آخر هذا التقدير على إثبات اللام في شيطان المذكور وكذلك هو في المشكاة ففاعل يقول مقدر يعود على الشيطان المذكور في قوله فتنحى له الشيطان كما أشار له بقوله يعني الشيطان فأتى بأل العهدية والذي في الترغيب والسلاح فيقول شيطان آخر بحذف
اللام فيكون شيطان المذكور فاعلاً وحذف الشيطان المقول له ذلك المقال والله أعلم بحقيقة الحال "فإن قلت" بم علم ذلك الشيطان أنه استجيب للقائل وأعطي ذلك "قلت" من الأمر العام أن كل من ذكر بهذه الكلمات المرغب فيها من حضرته ﷺ أعطي ذلك وعبر ابن حجر في شرح المشكاة بقوله إن كل من دعا بهذا الدعاء المرغب فيه استجيب له اهـ، ولا يظهر كون ما في الخبر دعاء إذ ما فيه إنما هو تحصن باسمه وتفويض إليه وخروج عن السوي وانطراح بين يديه والله أعلم، ثم. قوله: (كيف لكَ إلخ) مقول ذلك الشيطان القرين المتنحى عنه إجلالاً لتلك الأذكار للشيطان الآخر الذي أرسله إبليس أو بعض جنده ليغويه كيف لك أي كيف تظفر بمن أعطي هذه الخصال الهداية والكفاية والوقاية قال العاقولي أنه حال من فاعل يتيسر وكأن تقديره كيف يتيسر لك الاغواء حال كونك برجل الخ اهـ. وقوله: (قد هُدِي) وصف رجل والمعنى كيف يتيسر لك إن تظفر برجل أي بإغواء رجل موصوف بهذه الأوصاف محفوف بهذه
стр. 335
وروينا في كتابَي "ابن ماجة، وابن السني" عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا خرج من منزله قال: "بِسْمِ اللهِ، التُّكْلان على اللهِ، لاَ حَوْلَ وَلَا قوةَ إلا باللَّهِ".
باب ما يقول إذا دخل بيته
ــ
النعوت اللطاف وقال ابن حجر أي برجل قد استجيب له ما دعا له من تلك الثلاثة فحينئذِ قد هدي وكفي ووقي اهـ. وفيه ما عرفت إلاَّ أن يقال لما كان الإتيان بذلك الذكر سبباً لحصول هذه الأمور صار الإتيان به كالدعاء بها نظير ما قيل في إطلاق الدعا على نحو قول لا إله إلاَّ الله إلخ، في الحديث الآتي في دعاء الكرب ودعاء عرفة إن شاء الله تعالى والله أعلم.
قوله: (وروينا فِي كتَابَي ابن ماجة وابن السني) زاد في الجامع الصغير والحاكم في المستدرك وقال السخاوي في "الابتهاج بأذكار المسافر والحاج " أخرجه البخاري في الأدب المفرد والحاكم وصححه مع إن في سنده من ضعف والصواب أنه حسن لشواهده اهـ. قوله: (التّكْلانُ) قال المصنف في التهذيب التوكل الاعتماد يقال توكلت على الله أو على فلان توكلًا أي اعتمدت عليه والاسم التكلان بضم التاء وإسكان الكاف اهـ. وفي شرح مسلم قبيل كتاب الإيمان التكلان بضم التاء المثناة وإسكان الكاف أي الاتكال ثم ظاهر حصول المطلوب بكل من اللفظين لتعدد الرواية والراوي وليس من نحو ظلماً كثيراً بالمثلثة أو الموحدة لأن ذاك حصل الشك في لفظ الراوي فطلب فيه الاحتياط الآتي ولا كذلك ما نحن فيه والله أعلم.
باب ما يقول إذا دخل بيته
стр. 336
يستحب أن يقول: بسم الله، وأن يكثر من ذكر الله تعالى، وأن يسلم سواء كان في البيت آدمي أم لا، لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبة﴾ [النور: ٦١].
وروينا في "كتاب الترمذي" عن أنس ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ
ــ
قوله: (قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ [النور: ٦١] قال ابن الجوزي في "زاد المسير" فيها ثلاثة أقوال أحدها بيوت أنفسكم سلموا على أنفسكم وعيالكم قاله جابر بن عبد الله وطاوس وقتادة، والثاني أنها المساجد فسلموا على من فيها قاله ابن عباس، والثالث بيوت الغير فالمعنى إذا دخلتم
بيوت غيركم فسلموا عليهم قاله الحسين. قوله: (تحِيَّةً) قال الزجاج هي منصوبة على المصدر لأن قوله: (﴿فَسَلِّمُوْا﴾) بمعنى فحيوا أي يحيي بعضكم بعضاً (﴿تحيَّة مِنْ عِندِ اللهِ﴾) [النور: ٦١] قال مقاتل مباركة بالأجر طيبة أي حسنة اهـ. قال القرطبي ووصفها بالبركة لأن فيها الدعاء واستجلاب مودة المسلم عليه ووصفها أيضاً بالطيب لأن من سمعها يستطيبها اهـ، ولا يخفى نجعد القول الثالث الأخير وإن اقتصر عليه العلامة الكبير البيضاوي في التفسير عن سياق الآية ومناسبة (﴿فَسَلِّمُوْا عَلى أَنفُسِكُم﴾ [النور: ٦١] لكن قربه بقوله فسلموا على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة اهـ، ومثله في النهر واقتصر الإمام الواحدي على نقل القولين الأولين وأشار إلى اعتماد القول الأول لأن عليه المعول وعبارته ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] هذا في دخول الرجل بيت نفسه والسلام على أهله ومن في بيته قال قتادة إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك فهم أحق من سلمت عليه فإذا دخلت بيتاً لا أحد فيه فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين حدثنا إن الملائكة ترد عليه، وقال ابن عباس هو المسجد إذا دخلته فقل السلام علينا
стр. 337
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعلى عباد الله الصالحين قلت في النهر لأبي حيان قال ابن عباس المساجد إذا دخلتموها فسلموا على من فيها وإن لم يكن فيها أحد قال السلام على رسول الله وقيل يقول السلام عليكم يعني الملائكة ثم يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين اهـ. قال الحافظ أخرجه عنه ابن المبارك في كتاب الاستئذان بسند صحيح قال وأخرج البيهقي مثله في الشعب بأسانيد صحيحة عن إبراهيم النخعي ومجاهد والحسن والحكم بن عيينة اهـ، روى الواحدي بإسناده إلى جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إذا دخلتم بيوتا فسلموا على أهلها وإذا طعم أحدكم طعاماً فليذكر اسم الله على طعامه فإن الشيطان إذا سلم أحدكم لم يدخل بيته وإذا ذكر اسم الله على طعام قال لا مبيت لكم ولا عشاء وإن لم يسلم حين يدخل ولم يذكر اسم الله على طعامه قال أدركتم العشاء والمبيت وقوله: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس هذه تحية حياكم الله بها وقال الفراء أي إن الله أمركم إن تفعلوا طاعة له وقوله: (﴿مُبَارَكَةً﴾) قال ابن عباس حسنة جميلة وقال الزجاج أعلم الله إن السلام مبارك طيب لما فيه من الأجر والثواب اهـ. كلام الواحدي وقوله عن ابن عباس أي هذه تحية تقرير لبيان المعنى لا للإعراب فلا يخالف النصب في ذلك والله أعلم.
وفي تفسير القاضي البيضاوي وعن أنس أنه ﵊ قال متى لقيت أحداً من أمتي فسلم عليه يطل عمرك وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين الأبرار اهـ، وقضية كلام الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ضعف الخبر والله أعلم وقد سئل عن حاله أيضاً فصنف فيه جزءاً أورده السخاوي فيما جمعه من فتاوى الحافظ ابن حجر وسيأتي كلام الترمذي في حديث أنس الذي أورده المصنف وهو قريب من الحديث الذي أورده القاضي. قوله:
стр. 338
"يا بُنَي إِذا دَخَلْتَ على أهْلِكَ، فَسَلِّمْ يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيكَ وعلى أهْلِ بيتك" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ــ
(يا بُنَيَّ) تصغير ابن لأن أصله بنو فحذفت لامه اعتباطاً وعوض منها الألف فإذا صغر صار بنيو فيعل كإعلال سيد وهو إذا لم يضف يضم أوله إن أريد به معين وإلا فينصب لفظاً كسائر
المفردات النكرات في النداء وإن أضيف إلى ياء المتكلم فقال المرادي في شرح الألفية إذا كان في آخر المضاف إلى ياء المتكلم ياء مشددة كبني قيل يا بني أو يا بني أي بالكسر والفتح لا غير على التزام حذف ياء المتكلم فراراً من توالي الياآت مع أن الثالثة كان يختار حذفها قبل وجود اثنتين وليس بعد اختيار الشيء إلا لزومه والفتح على وجهين أحدهما أن يكون ياء المتكلم أبدلت ألفاً ثم التزم حذفها لأنه بدل مستثقل والثاني أن يقال ثانية يائي يا بني حذفت ثم أدغمت أولاهما في ياء المتكلم ففتحت لأن أصلها الفتح اهـ. وقال المصنف في آخر كتاب الأدب من شرح مسلم وبالوجهين قرئ في السبع وقرأ بعضهم بإسكانها، وفي هذين الحديثين جواز قول الإنسان لغير ابنه ممن هو أصغر منه سناً يا ابني أو يا بني مصغراً ويا ولدي ومعناه التلطف وإنك عندي بمنزلة ولدي في الشفقة وكذا يقال لمن هو في مثل سن المتكلم يا أخي للمعنى الذي ذكرناه وإذا قصد التلطف كان مستحباً كما فعله النبي ﷺ اهـ. قوله: (يَكُبنْ بركةً) اسم يكن ضمير عائد إلى السلام المفهوم من سلم نظير قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أي العدل المفهوم من أعدلوا أقرب للتقوى والسلام على الأهل إذا دخل سنة مؤكدة كما دل عليه هذا الخبر وما في معناه وفيه الفائدة الجليلة والثمرة الجميلة فينبغي المداومة على ذلك وفي الخبر اقتباس من الآية السابقة. قوله: (قال الترمذي حديث حسن صحيح) وكذا في الترغيب للمنذري وعبارته رواه عن زيد عن سعيد بن المسيب وقال حديث حسن صحيح
стр. 339
وروينا في "سنن أبي داود" عن أبي
ــ
لكن في السلاح حسن صحيح غريب ثم راجعت أصلي من الترمذي وفيه كما في السلاح زيادة غريب وسبق الجواب بأن مثل هذا محمول على اختلاف الأصول في ذلك أو الاكتفاء بالمقصود من الأوصاف فإن الذي أشار إليه المصنف التزام بيان حاله من الصحة والحسن والضعف، والغرابة لا تنافي الأولين ففي الصحيح كثير من الإفراد المطلقة والله أعلم ثم رأيت الحافظ حمله على ذلك فقال هكذا أخرجه الترمذي وقال حديث غريب كذا في كثير من النسخ المعتمدة منها بخط الحافظ على الصدفي ووقع بخط الكروجي حسن صحيح وعليه اعتمد في الأذكار وفيه نظر فإن علي بن زيد أي الراوي عن سعيد بن المسيب عن أنس وإن كان صدوقاً لكنه سيئ الحفظ وأطلق عليه جماعة الضعف بسبب ذلك وقد تكلم الترمذي على هذا في موضع آخر فأخرج في كتاب العلم بهذا السند حديثاً آخر وقال حديث غريب لا نعرف لسعيد عن أنس غير هذا وسألت عن هذا الحديث محمد بن إسماعيل البخاري فلم يرفه قال وقد روى عباد المنقري عن علي بن زيد عن أنس هذا الحديث بطوله وأخرج الترمذي في كتاب الصلاة بهذا الإسناد حديثاً آخر والأحاديث الثلاثة مختصرة من حديث طويل في نحو ورقة وقد أخرجه أبو يعلى في مسنده من طريق المنقري عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أنس قال الحافظ وقع لنا بعضه من وجه صحيح أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أنس قال قال رسول الله ﷺ يا بني ووقع لنا مقصود الباب من وجه فذكر سنده إلى سعيد بن زون قال كنت عند أنس فقال خدمت النبي ﷺ فذكر الحديث وفيه وإذا دخلت منزلك فسلم على أهل بيتك يكثر خير بيتك قال وأخرجه أبو يعلى من وجه آخر قال وسعيد المذكور في روايتنا ضعيف عندهم قال العقيلي لا يثبت في هذا شيء عن أنس والله أعلم.
قوله: (عنْ أبي
стр. 340
مالك الأشعري ﵁، واسمه الحارث، وقيل: عبيد، وقيل: كعب، وقيل: عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ "إِذَا وَلَجَ الرَّجُلُ بَيتَهُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُم إني أسالُكَ خَيرَ المَوْلَج وَخَيرَ
ــ
مالك إلخ) تقدم ذكر فضائله والخلاف في اسمه في باب فضل الذكر غير مقيد وكان موضع ذكر الخلاف في اسمه ذلك المكان وكأن التأخير للنسيان ولا عيب فيه على الإنسان قال الشاعر:
وما سمى الإنسان إلا لنسيه ... ولا القلب إلاَّ أنه يتقلب
قوله: (وَلَجَ الرَّجلُ) أي دخل يقال ولج يلج والوجا وهو من مصادر غير المتعدي على معنى ولجت فيه قال العاقولي والتقييد بالرجل لشرفه والمرأة فيه كذلك وببيت الإنسان نفسه جرياً على الغالب فيقوله الإنسان عند دخول منزل الغير أيضاً. قوله: (المَوْلِج) بكسر اللام وروي فتحها واعترض بأنه خلاف القياس لأن ما كان فاؤه واواً أو ياء ساقط في المستَقبل فالفعل منه مكسور العين في المصدر والاسم وجاءت منه كلمات على خلاف الغالب قال زين العرب في شرح المصابيح ومن فتح هنا فإما أن يكون سها أو قصد مزاوجته للمخرج أي مكان الولوج وإرادة المصدر بهما أتم وأقعد من إرادة الزمان أو المكان لأن المراد الخير الذي يأتي من قبل الولوج والخروج ويقترن بهما ويتوقع منهما وقال ابن حجر في شرح المشكاة ويرد بأن الرواية تفيد إثبات إن هذا من غير الغالب أيضاً اهـ، وهذا فيه الاحتجاج على إثبات القواعد النحوية والصرفية بالأحاديث النبوية وهو ما اختاره ابن مالك ويظهر من صنيع المصنف في شرح مسلم اختياره لكن قال الجلال السيوطي في الاقتراح ما ثبت من الحديث أنه لفظ رسول الله - صلى الله عليه
стр. 341
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وسلم - فلا شك في صحة الاستدلال به بل ولا في علو رتبته في الاستدلال لأنه ﷺ أفصح العرب وذلك نادر جداً إنما يوجد في الأحاديث القصار على قلة أيضاً فإن غالب الأحاديث مروي بالمعنى وقد تداولها المولدون قبل تدوينها فرووها بما أدت إليه عبارتهم فزادوا ونقصوا وقدموا وأخروا وأبدلوا الألفاظ بألفاظ ولهذا تجد الحديث الواحد في القضية الواحدة مروياً على أوجه شتى بعبارات مختلفة قال ومن ثم أنكر علي ابن مالك إثباته القواعد النحوية بالألفاظ الواردة في الحديث، ثم نقل عن أبي حيان في شرح التسهيل كلاماً أطنب فيه في الرد على ابن مالك في ذلك، ملخصه إن هذه الطريقة أي إثبات القواعد النحوية بألفاظ الحديث لم يسلكها أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين لأن العلماء جوزوا رواية الحديث بالمعنى، ومن ثم يختلف ألفاظه فالضابط من الرواة إنما يضبط المعنى فقط لا اللفظ ولأن اللحن وقع كثيراً فيما روي من الأحاديث لأن كثيراً من الرواة كانوا غير عرب بالطبع ولا يعرفون النحو فوقع اللحن في كلامهم وهم لا يعلمون فحينئذِ لا وثوق لنا بما يروي أنه لفظ رسول الله ﷺ ليصح به الاستدلال، قال أبو حيان ولما أورد البدر بن جماعة ذلك على ابن مالك لم يجب بشيء ونقل السيوطي على ابن الصائغ أيضاً إن السبب في ترك الأئمة كسيبويه وغيره الاستشهاد بالحديث تجويز العلماء نقله بالمعنى ولولا ذاك لكان الأولى في إثبات اللغة كلامه ﷺ لأنه أفصح العرب، وقال السيوطي ومما يدل لصحة ما ذهب إليه ابن الصائغ وأبو حيان إن ابن مالك استشهد على لغة أكلوني البراغيث بحديث الصحيحين "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" وأكثر من ذلك حتى صار يسميها لغة يتعاقبون وقد استدل به السهيلي
ثم قال لكني أقول إن الواو فيه علامة إضمار لأنه حديث مختصر رواه البزار مطولاً مجرداً فقال إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار وقال ابن
стр. 342
المَخْرَجِ، بِسْم اللهِ وَلَجْنا، وبسْم الله خَرَجْنا، وَعلى اللهِ رَبنا تَوَكَّلْنَا، ثُم ليُسَلمْ على أهْلِهِ"، لم يضعفه أبو داودَ.
وروينا عن أبي أمامة الباهلي، واسمه صُدَيُّ بن عَجْلان عن رسول الله ﷺ قال:
ــ
الأنباري في الإنصاف في منعه في خبر كاد، وأما حديث كاد الفقر أن يكون كفراً فإنه من تغيير الرواة لأنه ﷺ أفصح من نطق بالضاد اهـ. قال بعض المحققين ولا ينبغي إن يصار إلى هذا الاحتمال وإلا لارتفعت الثقة بسائر الروايات ولم يمكن الاستدلال بحديث نظراً إلى ذلك الاحتمال اهـ. وقد ذكر المصنف في شرح مسلم كلاماً مؤيداً لما ذكره هذا البعض نذكره إن شاء الله تعالى فيما يسن من أذكار الصلاة بعد التشهد.
قوله: (عن أبي مالك إلخ) قال الحافظ قد حكى الشيخ الخلاف في اسمه وبقي منه أنه قيل فيه عامر وقيل عبيد الله بالإضافة ومنهم من سماه كعباً قال بعضهم ابن عاصم وقال بعضهم كعب ابن كعب والتحقيق أن أبا مالك الأشعري ثلاثة الحارث بن الحارث وكعب بن عاصم وهذان مشهوران باسمهما والثالث هو المختلف في اسمه وأكثر ما يرد في الروايات بكنيته وهو راوي هذا الحديث وقد أخرجه الطبراني في مسند الحارث من الحارث فوهم فإنه غيره اهـ. قوله: (والْمَخرَجَ) بفتح الراء مصدر أو اسم مكان والأول كما تقدم أولى (وَلَهُ باسْم الله) أي لا باسم غيره كما يؤذن به تأخير متعلقه وهو قوله ولجنا أي دخلنا وسبق عن شرح مسلمَ للمصنف نقلاً عن الكتاب وجوب إثبات ألف اسم في أمثال هذا المقام وهو في معظم الأصول التي وقفت عليها بحذفه. قوله: (وعَلَى الله ربنَا تَوَكَّلنَا) أي وعلى ربنا الذي ربانا بنعمه ومنها نعمة الإيجاد والإمداد وكان هذه حكمة الإتيان به بعد الاسم الجامع توكلنا فوضنا أمورنا كلها إليه ورضينا بتصرفه كيفما شاء. قوله: (ثم لْيُسَلم عَلَى أهْلِهِ) أي على سبيل الاستحباب المتأكد. قوله: (لَمْ يُضعفهُ أبو دَاودَ) أي فهو عنده حسن أو صحيح.
قوله: (عَنْ أبي أُمَامَة) بضم الهمزة. قوله: (واسمه صُدَيُ بنُ عَجْلانَ)
стр. 343
"ثَلاثةٌ كلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلى اللهِ : رَجل خَرَجَ غازِياً فِي سبِيلِ اللهِ فَهُوَ ضَامِن على اللهِ حتَى يَتَوَفاهُ فَيُدْخِلَهُ الجنة أوْ يَرُدَّهُ بِما نالَ
ــ
صدي مصغراً ويقال الصدي بال كما يقال عباس والعباس وهو اسم أبي أمامة بلا خلاف فما يوجد في بعض النسخ من ابدال الصاد عيناً من تحريف الكتاب وهو صدي بن عجلان الباهلي السهمي، وسهم بطن من باهلة وباهلة بنت سعد العشيرة نسب ولدها إليها وهم بنو مالك بن أعصر الغطفاني، سكن صدي مصر ثم حمص من الشام روي له عن النبي ﷺ مائة حديث وخمسون حديثاً اتفقا منها على سبعة وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بأربعة وخرج له أصحاب السنن الأربعة مات سنة إحدى أو ست وثمانين عن إحدى وتسعين سنة وقيل مات سنة مائة وست قيل وهو آخر من مات بالشام من الصحابة. قوله: (ثَلاَثَةٌ) مبتدأ أي ثلاثة رجال أو أصناف ولهذا التخصيص المراد جاز الابتداء به مع كونه نكرة أو هو وصف للمبتدأ المحذوف أي أشخاص ثلاثة وجملة (كلُّهُمْ ضَامِنُ) في محل الخبر والمراد أن هؤلاء
الثلاثة وعدهم الله بما وعدهم به وعداً لا يخلفه فعاد لازمًا لوعده الذي لا يخلف. قوله: (حتى يَتَوَفّاهُ فيُدخِلَه الجنةَ) أي يتوفاه في سبيله فيدخله الجنة مع الناجين أو يدخل روحه فيها حالاً فيكون في أجواف طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت تتنعم بما تتنعم به الأرواح أما الأجساد فنعيمها بنعيم الجنة يوم المعاد كما ذكره المصنف والقرطبي في شرحيهما على مسلم في كتاب الجهاد وقال العارف ابن أبي جمرة ورد "نسمة المؤمن طائر أبيض تعلق في شجر الجنة حتى يمدها الله على أجسادها يوم القيامة" فمن يكون في شجر الجنة كيف يعرض على مقعده بالغداة والعشي.
والجواب أنه يمكن الجمع من وجوه.
منها: إنه - صلى الله
стр. 344
مِنْ أجْر وَغَنِيمَةِ،
ــ
عليه وسلم - أخبر عن الشهداء أنهم سبع ما عدا القتل في سبيل الله وقد وصف الذين قتلوا في سبيل الله بأن أرواحهم في أجواف طير خضر فقد يكون باقي الشهداء السبعة أرواحهم تعلق في شجر الجنة ويكون الفرق بينهم وبين الذين قتلوا في الجهاد الأكل والشرب لا غير وبينهم وبين غيرهم من المؤمنين دوام المقام في الجنة وغيرهم من المؤمنين يعرضون عليها غدوة وعشية لأن هذه الأخبار كلها صحاح والأخبار لا يدخلها نسخ واحتمل إن تعلق الأرواح بشجر الجنة وليس يكون لها تصرف في الجنة إلاَّ غدوة وعشية تنظر لمنازلها ونزلها فيزاد بذلك سرورها والقدرة صالحة والظاهر في المخلط المسكين أنه يكون له نصيب من هذا ونصيب من هذا هـ. وفي التمهيد أن المراد من قوله في هذا الخبر نسمة المؤمن أي من الشهداء وأيده بآيات وأحاديث وعليه فلا إشكال والله أعلم. قوله: (مِن أجْرٍ وغَنيمَةٍ) هذا الخبر مصرح بعدم ذهاب الأجر بحصول الغنيمة ومثله لخبر مسلم أنا ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه نائلاً ما نال من أجر وغنيمة بالواو كما رواه بعض رواة مسلم ورواه أكثرهم بأو وهي لأحد الشيئين أو الأشياء واختلف العلماء فمنهم من أخذ بقضية أو وجعلها مانعة جمع، وأن الحاصل للمجاهد أحد الأمرين، إما الأجر من غنيمة أو الغنيمة من غير أجر ومنهم من جعلها مانعة خلو أي لا يخلو من أحدهما وقد يجتمعان له وجرى عليه ابن حجر في شرح المشكاة فقال في حل رواية أو: ما لفظه من أجر أو غنيمة أو هما فأو لمنع الخلو اهـ، لكن قضية تقريره أن المجاهد قد يحصل له الغنيمة من غير أجر مع كونه مجاهداً في سبيل الله وفيه بعد إلاَّ إن يراد من غير أجر كامل فيوافق ما يأتي ومنهم من أخذ بقضية الواو وجعل أو بمعناها وأيده بأنها كذلك من غير شك من الرواة في أبي داود فيفوت على رواية أو لانتفاء الجزم بها، ثم على هذا هل تنقص الغنيمة أجر المجاهد بحيث يكون
стр. 345
وَرَجُلٌ رَاحَ إِلَى المَسْجدِ فهُوَ ضَامِنٌ على اللهِ تعالى حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلهُ الجَنةَ أو يَرُدهُ بما نالَ من أجْر وَغَنيمَة، وَرَجُل دَخَلَ بَيْتَهُ
ــ
المجاهد بلا غنيمة أكثر ثواباً ممن سلم وغنم أولاً؟ قال المصنف في شرح مسلم في حديث ما من غازية تغزو فيصيبوا ويغنموا إلَّا تعجلوا بثلثي أجورهم ويبقى لهم الثلث: الصواب الذي لا يجوز غيره أن الغزاة إذ أسلموا وغنموا يكون أجرهم أقل ممن لم يسلم أو سلم ولم يغنم وإن الغنيمة في مقابل جزء من أجر غزوهم فإذا حصلت فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المرتب على الغزو فتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المروية عن الصحابة فمنا من لم يأكل من أجره شيئاً ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها ولا تعارض بين هذا وقوله في الخبر الآخر ورجع بما رجع من أجر وغنيمة فإن الذي فيه رجوعه بما نال من الأجر والغنيمة وليس فيه إن
الغنيمة تنقص الأجر أولاً فهو مطلق وهذا مقيد فوجب حمله عليه اهـ. قوله: (ورجلٌ رَاحَ إلَى المسجدِ) سبق أن الرواحِ اسم المسير في آخر النهار ومعلوم أن الفعل المذكور شامل للغدو أيضاً. قوله: (حتى يَتَوَفّاه فَيُدْخلهُ الجنَّة إلخ) أعلم إن صاحب المشكاة عزا هذا الحديث لسنن أبي داود ولم يذكر فيه هنا قوله حتى يتوفاه الله إلخ، ولم يذكره أيضاً في المصابيح ولعل لأبي داود فيه روايتين قال شارحها ابن حجر وسبقه إليه العاقولي في شرح المصابيح وذكر المضمون في الأول دون الأخيرين اكتفاء به عنهما وهذا بعينه هو الجواب عن حذفه في الثالث في الحديث المذكور هنا فكما أن المجاهد طالب إحدى الحسنيين الشهادة أو الغنيمة فكذا من سار إلى المسجد فإنه يبتغي فضل الله تعالى ورضوانه والله ضمن ألا يضل سعيه ولا يضيع أجره وكذا الداخل بيته بسلام والمضمون له أن يبارك الله تعالى له به ولأهل بيته لما في حديث أنس المذكور آنفًا، هذا بناء على إن المراد بسلام في هذا الخبر
стр. 346
بِسلام فهُوَ ضَامِنٌ على اللهِ " حديث حسن، رواه أبو داود بإسناد حسن،
ــ
سلام التحتية وسيأتي ما فيه وسمي الرواح للمسجد غنيمة لما فيه من الأجر والثواب ونظيره في التسمية بذلك خبر الترمذي عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ بعث بعصا قبل نجد فغنموا غنائم كثيرة وأسرعوا الرجعة فقال رجل منا لم يخرج ما رأينا بعثاً أسرع رجعة ولا أفضل غنيمة من هذا البعث فقال النبي ﷺ ألا أدلكم على قوم أفضل غنيمة وأسرع رجعة قوم شهدوا صلاة الصبح ثم جلسوا يذكرون الله حتى طلعت الشمس فأولئك أسرع رجعة وأفضل غنيمة وإنما كانت هذه الغنيمة أفضل لبقاء ثوابها ودوامه وفناء تلك الغنيمة وسرعة انقضائها. قوله: (بسلاَمٍ) أي مسلما على أهله أو على نفسه إن كانت البيت خالياً وقيل المراد من رجل دخل بيته بسلام الذي يلزم بيته طلباً للسلامة وهرباً من الفتن واستوجهه الطيبي وأنه على حد قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] أي من الآفات والعوارض والعذاب اهـ. وقال العاقولي إن هذا وجه ملائم لما قبله لأن الرجل إما مسافر أو حاضر والحاضر إما متردد إلى المسجد أو ملازم لبيته فالسفر ينبغي أن يكون لله تعالى وجهاد أعدائه والرواح إلى المسجد ينبغي أن يكون لله وتعظيم شعائره والقعود في البيت ينبغي أن يكون اتقاء الفتنة وابتغاء السلامة في الدين لأن التاجر الحاذق يجهد عند إعواز المكسب على حفظ رأس المال، ورأس مال المؤمن دينه اهـ. وقال ابن حجر في شرح المشكاة الأول أوجه خلافاً للشارح يعني الطيبي وليس نظير الآية لأن آمنين فيها هو المفيد لذلك وأما سلام فمعناه إن الملائكة تسلم عليهم أو يسلم بعضهم على بعض فهو نظير المعنى الأول فيما مر فيه وأما استفادة لزوم البيت والعزلة من مجرد ادخلوها فبعيد جداً كما لا يخفى وسبق المضمون على الوجه الأول وعلى الثاني المضمون بدله هو رعاية الله تعالى إياه وأمنه من الفتن وحكمة
стр. 347
ورواه آخرون. ومعنى "ضامن على الله تعالى" أي صاحب ضمان، والضمان: الرعاية للشيء، كما يقال: تَامِرٌ، ولابِنٌ: أي: صاحب تمر ولبن. فمعناه: أنه في رعاية الله تعالى، وما أجزل هذه العطية، اللهم ارزقناها.
وروينا عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إذا دَخَلَ الرَّجُل بَيْتهُ فَذَكَرَ اللهَ تعالى عِنْدَ دُخُولِهِ وعِنْدَ طَعامِهِ
ــ
جمع الثلاثة أن الجهاد فيه القيام بنصرة الدين وإصلاح الدارين فلذا قدم والرواح إلى المساجد فيه القيام بمصالح الدين وفي أداء السلام القيام بمصالح الدنيا من التلطف والتواضع ولذا وقع ترتيبها كذلك فقدم ما فيه المصلحتان لكونه أهم وجامعاً ثم ما فيه المحصلحة الأخروية لأنه كذلك بالنسبة لما بعده. قوله: (ورواهُ آخَرُون) قال الحافظ أخرجه البخاري
في الأدب المفرد وأبو داود وابن حبان في صحيحه وللحديث طرق ثلاثة في الجامع الصغير ورواه ابن حبان والحاكم في المستدرك. قوله: (أي صاحِبُ ضَمانٍ إلخ) هو أحد وجهين حكاهما المصنف في شرح مسلم ثانيهما أنه بمعنى مضمون كماء دافق أي مدفوق وقيل معنى ضامن على الله واجب عليه سبحانه أن يكلأه من فتن الدارين والوجوب من جهة وعده الذي لا يخلف لا من جهة أنه يجب لأحد عليه شيء تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
وقال العارف بن أبي جمرة والضمان من الله ضمان إمكان لا ضمان وجوب فإن معناه تأكيد التصديق بحصول الأجر الذي تفضل به لأن الوجوب في حقه تعالى مستحيل اهـ. وقال العاقولي في قوله كلهم ضامن إلخ، معناه اللزوم لأن الضمان في عرف الشرع ملزم اهـ، أي أنه أتى بهذا اللفظ إيماء إلى لزوم حصول الثواب الموعود وذلك لوعده الذي لا يخلف وبمحض كرمه والجود. قوله: (والضمانُ الرِّعايةُ) أي والحفظ. قوله: (فَذكرَ الله تعالى عِن دخوله) يحصل
стр. 348
قال الشَّيْطَانُ: لاَ مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ، وَإذا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ تَعالى عِنْدَ دُخولِهِ، قالَ الشَّيطانُ: أدْرَكْتمُ المَبِيتَ، وإذا لم يَذْكُرِ اللهَ تَعالى عِنْدَ طعامِهِ قال: أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ والعَشَاءَ"
ــ
الذكر الدافع للشيطان عن الدخول بالسلام عند الدخول كما سبق في حديث جابر أول الباب. قوله: (قالَ الشَّيطْانُ إلخ) قال ابن الجوزي في "زاد المسير إلى علم التفسير" في قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ [الكهف ٥٠] قال مجاهد ذريته الشياطين ومن ذريته "زلنبور" صاحب راية إبليس بكل سوق "بتر" وهو صاحب المصائب و"الأعور" صاحب الزنا و"مسوط" صاحب الأخبار يأتي فيطرحها على أفواه الناس فلا يوجد لها أصل و"داسم" صاحب الإنسان إذا دخل بيته ولم يسلم ولم يذكر اسم الله فهو يأكل معه إذا أكل اهـ، ومثله في التفسير الوسيط للواحدي قال وداسم الذي إذا دخل الرجل بيته فلم يسلم ولم يذكر اسم الله بصره من المتاع ما لم يعرف ويحسن موضعه، وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه اهـ. وفي تفسير البغوي عن مجاهد من ذرية إبليس لاقيس وولهان وهو صاحب الطهارة والصلاة والهفاف ومرة وبه يكنى، وزلنبور صاحب الأسواق يضع رايته بكل سوق يزين اللغو والحلف الكاذبة ومدح السلعة وبتر وهو صاحب الزنى ينفخ في إحليل الرجل وعجز المرأة ومطون صاحب الأخبار الكاذبة وداسم وذكر ما سبق فيه ثم قال قال الأعمش ربما دخلت البيت ولم أذكر اسم الله ولم أسلم فرأيت مظهره فقلت ارفعوا وخاصمتهم ثم أذكر فأقول داسم داسم.
وعن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال إن للوضوء شيطاناً يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء. وأخرج مسلم عن أبي العلاء إن عثمان بن أبي العاص أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي يلبسها علي فقال رسول الله
стр. 349
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ﷺ ذاك شيطان يقال له خنزب الحديث وسيأتي إن شاء الله تعالى.
وأخرج مسلم أيضاً عن جابر قال قال رسول الله ﷺ إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث
سراياه فيفتنون الناس فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئاً قال ثم يجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته فيدنيه منه ويقول نعم أنت قال الأعمش آراء قال فيلتزمه اهـ. أما في تفسير البغوي مع نوع تغيير واختصار يسير وفيه زيادة على ما فيهما ومخالفة في اسم صاحب الأخبار والله أعلم بالصواب وكلام مجاهد صريح في إن صاحب الإنسان القائل ما ذكر عند فقد التسمية اسمه داسم وأنه من ذرية إبليس ونقله من ذكر وسكت عنه لكن قال المصنف في شرح مسلم معنا، قال الشيطان لإخوانه وأعوانه ورفقته وظاهره إن إبليس يقول ذلك لذويه ومثله عبارة الحرز والحاصل أنه قال الشيطان لأولاده وأعوانه لا يحمل لكم مسكن ولا طعام في هذا البيت لأن صاحبه سمى الله عليه اهـ، وذكر بعضهم إن لإبليس تسعة من الولد لكل منهم اسم وعمل فمنهم خنزب في الصلاة والولهان الموسوس في الطهارة والثلث زلنبور بزاي مفتوحة ولام مشددة بعدها نون فموحدة آخره راء وهو الذي في الأسواق ويزين للباعة اللغو والحلف الكاذب ومدح السلعة وتطفيف الكيل والميزان، والرابع الأعور وهو شيطان الزنى يفعل بالرجل والمرأة ما سبق من التهييج، الخامس الوسنان بواو مفتوحة وسين مهملة ساكنة ثم نونين بينهما ألف وهو شيطان النوم يثقل الرأس والأجفان عن القيام إلى الصلاة ونحوها ويوقظ إلى القبيح من زنى ونحوه، والسادس تبر بفوقية وموحدة فراء اسم شيطان المصيبة يزين الصياح ولطم الخد ونحوه، والسابع داسم بدال وسين مهملتين بينهما ألف اسم شيطان الطعام يأكل مع الإنسان ويدخل المنزل إن لم يسم الله عند طعامه ودخوله وينام على الفرش ويلبس الثوب إذا لم يكن مطوياً وذكر اسم الله عليه وقيل أنه يسعى في إثارة الخصام بين الزوجين ليفرق بينهما، الثامن
стр. 350
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مطون بميم مفتوحة فطاء مهملة آخره نون ويقال مسوط بسين مهملة مضمومة آخره طاء مهملة وهو صاحب الأخبار الكاذبة يلقيها على ألسنة الناس فتشيع ثم لا يوجد لها أصل، التاسع الأبيض بموحدة فتحتية فضاد معجمة موكل بالأنبياء والأولياء فسلموا منه وأما الأولياء فهم مجاهدون له فمن سلمه الله سلم ومن أغواه غوى كبرصيصا العابد وقصته مشهورة وزاد البغوي في تفسيره كما علم مما سبق "مرة" وبه يكنى إبليس أبا مرة وهو صاحب المزامير، والهفاف بفاءين هو صاحب الشرور، ولاقيس صاحب المجوس ويقال أنه له ولداً يدعى وتين بفوقية بعد الواو فتحتية فنون وهو صاحب السلاطين ويقال أنه يولد لإبليس ألف ولد، واختلف هل له زوجة أم لا وسئل الشعبي عن ذلك فقال أنه عرس ما شهدته وقال بعضهم إن له زوجة هي الحية التي أدخلته الجنة فمنها ذريته وقيل ليس له زوجة إنما يدخل ذكر في دبره فيبيض فينفلق البيض عن جماعة من الشياطين ونقل القرطبي إن له في فخذه اليمنى ذكراً وفي فخذه اليسرى فرجاً فيطأ بإحداهما الأخرى فيخرج له كل يوم عشر بيضات يخرج من كل سبعون شيطاناً وشيطانة فهو يدرج ويطير اهـ. قال المصنف وفي الخبر استحباب ذكر الله تعالى عند دخول البيت وعند الطعام اهـ. وفي شرح الأنوار السنية قال القاضي عياض ذكر الله واستعمال العبد ما ندب إليه منه في مواطن يمنع الشيطان من الاستقرار والأكل من عشائه ولم يحصل له قدرة عليه هذا إذا جعل الحديث على وجهه وظاهره، وإن صرف إلى المجاز كان معناه لا منفعة لكم بالمبيت إذ كفاه الله بذكره إغواءكم له
وضركم إياه ومنعكم رغبتكم من نقص طعامه ورفع البركة منه وقلة الانتفاع به بمعاقبة الله إياه بذلك إذا لم يسمه ولا امتثل أمر الله في ذلك اهـ. قال التوربشتي قوله لا مبيت لكم ولا عشاء يحتمل أن يكون الخطاب لأهل البيت على سبيل الدعاء عليهم أي
стр. 351
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جعلكم الله محرومين كما جعلتموني محرومًا من الطعام والمسكن بأن ذكرتم اسم الله ولكن (﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إلا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠] قال الطيبي وهذا بعيد لقوله بعده قال الشيطان أدركتم المبيت والعشاء والمخاطبون أعوانه قال ميرك ويحتمل أن يكون الخطاب هنا أيضًا لأهل البيت والجملة دعاء عليهم قلت هذا بعيد جدًّا على أنه تحصيل الحاصل وفي كتاب الأذان من شرح مسلم للأبي في حديث "إذا سمع الشيطان النداء أدبر وله ضراط الخ" فيه عوده عند أخذه في الصلاة بعد هروبه عند سماعه الأذان كما قال "فإذا سكت عاد" وقال في كتاب الأطعمة إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء فظاهره أنه يذهب ولا يرجع والفرق إن هروبه في الأذان لئلا يسمع موجب هروبه فإذا انقضى رجع وذكر الله عند دخوله جعل مانعا له من الكون في البيت فإذا ذهب فلا يرجع وأجاب غير الأبي بأن المبيت في البيت أخص من مطلق الكون فيها ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم فقد يرجع إلى الوسوسة ولا يثبت فيستوي الحديثان اهـ، ولك إن تقول مؤيدًا لما أجاب به ذلك الغير نفس الخبر مصرح بأن الممنوع بالذكر عند الدخول المبيت إذ لو ذكر عند الدخول ولم يذكر عند الطعام أكل معه وإن منع من المبيت والمانع منهما الذكر عندهما على أنه غير مانع من الوصول لغير المبيت والأكل من وسوسة ونحو هذا والله أعلم وفي الحديث إن الشيطان يأكل وقد ورد عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وليشرب بيمينه وليأخذ بيمينه وليعط بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويعطي بشماله ويأخذ بشماله قال ابن عبد البر في التمهيد فيه دليل على أن الشياطين يأكلون ويشربون وقال آخرون هذا الحديث وما كان مثله على المجاز والمراد هنا إن الأكل باليسار يحبه الشيطان قال وليس هذا عندي بشيء ولا معنى للحمل على المجاز إذا أمكنت الحقيقة وقال آخرون أكل الشيطان صحيح لكنه
стр. 352
رواه مسلم في "صحيحه".
وروينا في كتاب ابن السني، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رجع من النهار إلى بيته يقول: "الحَمْدُ للهِ الذي كَفَانِي
ــ
تشمم وتروح لا مضع وبلع إنما المضغ والبلع لذوي الحنث ويكون استرواحه وشمه من جهة شماله اهـ. قوله: (رواه مسلم في صحيحه) ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان وابن السني كلهم عن جابر قال الحافظ وله شاهد من سلمان أخرجه الطبراني ولفظه من سره إلا يجد الشيطان عنده طعامًا ولا مقيلًا ولا مبيتًا فليسلم إذا دخل بيته ويسم الله على طعامه وهذا إذا ثبت كان مفسرًا للذكر الماضي في حديث جابر لكن سنده ضعيف اهـ، وسبق في الفصل أول الكتاب الخلاف في أنه هل يفسر نحو مبهم الحديث الصحيح بما يأتي في الحديث الضعيف. قوله: (عَنْ عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاص) سبقت ترجمته في باب فضل الذكر وكتبت الواو بعد عمرو لما سبق من الفرق بينه وبين عمر وقد جعلوا ذلك كالمثل فيمن يلحق بمن ليس متصلًا به قال الشاعر:
أيها المدعي سليمى سفاها ... لست منها ولا قلامة ظفر
إنما أنت في الحقيقة واو ... ألحقت في الهجاء ظلما بعمرو
والعاص اختلف فيه هل يكتب بالياء أو لا قال المصنف في أوائل شرح مسلم العاصي أكثر ما يأتي في كتب الحديث والفقه بحذف الياء وهي لغة والصحيح الفصيح العاصي بإثبات الياء وكذا ابن الهادي وابن أبي الموالي فالفصيح الصحيح في كل ذلك وما أشبه إثبات الياء ولا اغترار بوجوده في كتب الحديث أو أكثرها بحذفها اهـ. وقال في باب الإيمان من المرقاة الأصح عدم ثبوت الياء إما تخفيفا أو بناء على أنه
стр. 353
وَآوانِي، وَالْحَمْدُ للهِ الذي أطْعَمَني وَسقانِي، وَالحَمْدُ لِلَهِ الذي مَنَّ عَلَي، أسألكَ أنْ تُجِيرَنِي مِنَ النَّارِ" إسناده ضعيف.
وروينا في موطأ مالك أنه بلغه، أنه يستحبُّ إذا دخل بيتًا غير مسكون أنْ يقول: "السلامُ عَلَيْنا وعلى
ــ
أجوف ويدل عليه ما في القاموس الأعياص من قريش أولاد أمية بن عبد شمس العاص وأبو العاص والعيص وأبو العيص فعلى هذا لا يجوز كتابة العاص بالياء ولا قراءته بها لا وقفًا ولا وصلًا فإنه معتل العين بخلاف ما يتوهمه بعض الناس أنه اسم فاعل عن عصي فحينئذٍ يجوز إثبات الياء وحذفها وقفا ووصلا بناء على أنه معتل اللام اهـ. قوله: (وآواني) بالمد كما هو الأفصح وسبق جواز القصر في مثله. قوله: (وسقَاني) قال ابن حجر في شرح الشمائل يقال سقاه وأسقاه بمعنى في الأصل ولكن جعلوا سقى للخير نحو ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] وأسقى لضده قال تعالى ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] وفيه نظر من وجهين "الأول" كون سقى للخير يمنعه قوله تعالى: (﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] "والثاني" تمثيله لا سقى في الشر بقوله: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]، أي كثيرًا مع أنها إنما استعملت في الخير لا في الشر وقال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] ولعل وجه الإتيان بالثلاثي كون أسقى مع ما فيه من المبالغة يوهم إرادة غير هذا المعنى إذ له معانٍ آخر على ما في القاموس. قوله: (منَّ عَلي) مأخوذ من المنة وهي النعمة مطلقًا أو بقيد كونها ثقيلة مبتدأة من غير مقابل بوجهيها ونعمه تعالى من محض فضله إذ لا يجب عليه شيء لأحد من خلقه خلافًا لزعم المعتزلة وجوب الأصلح عليه تعالى عن ذلك علوا كبيرًا. قوله: (وروينا إلخ) سبق نقل مثله عن قتادة في كلام الواحدي وأن الملائكة ترد عليه وسبق إن إسناده ضعيف قال الحافظ ضعفه الشيخ وليس في روايته من ينظر في حاله إلَّا الرجل
стр. 354
عبادِ اللهِ الصالِحِينَ".
باب ما يقول إذا استيقظ في الليل وخرج من بيته
يستحبُّ له إذا استيقظ من الليل وخرج من بيته أن ينظر إلى السماء ويقرأ الآيات الخواتم
ــ
المبهم أي الراوي له عن ابن عمر وقال وقد وجدت له شاهدًا من حديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ومسنده جميعًا عنه إن النبي ﷺ كان يقول إذا فرغ من طعامه "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا الحمد لله الذي كفانا وآوانا الحمد لله الذي أنعم علينا فأفضل نسأله أن يجيرنا من النار فرب غير مكفي لا يجد مأوى ولا منقلبا" وفي إسناده مبهم جاء من طريق آخر في محله ابن أبي نجيح قال الحافظ فإن كان هو المبهم في السند فالحديث حسن وإن ضعف ابن أبي ليلى وتكلم في سماع أبي سلمة من أبيه عبد الرحمن فيجبر ذلك بمجيء الحديث الذي قبله وسيأتي له من حديث أنس أصل صحيح في أبواب الأطعمة اهـ. وقوله: (عِبادِ الله الصالحِينَ) سبق إن عباد جمع عبد ومعنى العبد وباقي جموعه والصالح القائم بحقوق الله تعالى وحقوق عباده.
باب ما يقول إذا استيقظ في الليل وخرج من بيته
قوله: (أَنْ يَنْظُرَ إلى السماءِ) أي نظر تفكر في عجائب الملكوت ليستغرق في عالم الجبروت والرحموت حتى يفاض عليه من خزائنهما وما قيل بكراهة النظر إلى السماء مردود بأن الأحادبث جاءت بخلافه وسيأتي في الأدعية المتفرقة باب لذلك إن شاء الله تعالى. قوله: (ويقرأ الآياتِ الخَوَاتيمَ) هو بالياء في نسخة مصححة وبحذفها في أصل مصحح مقروء على ابن العماد الأقفهسي وغيره وهو بالنصب جمع ختام بمعنى الختم لا جمع خاتم كما توهمه بعض وإلَّا لم يكن للياء قبل الآخر وجه
стр. 355
من سورة آل عمران (﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخر السورة.
ــ
ولوجب تركها كما في النسخة الثانية. قوله: (مِنْ سُورَةِ آلِ عِمرانَ) عبر الصحابي بهذا اللفظ كما في الصحيحين ويؤخذ منه جواز سورة البقرة وسورة آل عمران وكرهه بعض المتقدمين وقال إنما يقال السورة التي يذكر فيها البقرة والصواب الأول وبه قال عامة العلماء والسلف والخلف وتظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة وقوله ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى آخر السورة بيان للآيات أو بدل منها، وتقدم بعض فوائد متعلقة بالآية في الفصول. ونذكر هنا بعضًا آخر "منها" ما قيل وجه ذكر أولي الألباب في آية آل عمران بعد آيتين وذكر العقل في آية البقرة بعد ثمان آيات مع إن العقل أعم واللب أخص والمعارف تزداد بزيادة المشاهدة إن كثرة الأدلة إنما يحتاج إليها في الابتداء حتى يقوى اليقين فناسب ختم آيتها بمطلق العقل وأما في الانتهاء فالشهود الأعظم حاصل بنظر أي دليل كان لوجود الجمع الأكبر المنافي لكثرة التعدد فناسب ختمها بأولي الألباب وكأن هذا هو حكمة إيثاره ﷺ قراءة هذه الآية على تلك مع ما اشتملت عليه من دوام الذكر الذي هو أعظم أسباب الوصول وعجائب الفكر وحقائق الخضوع والاعتراف بالتقصير وجوامع الدعاء والتشفع بالرسل المقرون بالإجابة ومدح المطيعين وذم غيرهم والأمر بالصبر وما صاحبه الذي لا يطيقه إلَّا الكمل "ومنها" ما في الكشاف عن ابن عمر قلت لعائشة ﵂ أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله ﷺ فبكت وأطالت ثم قالت كل أمره عجيب أتاني في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي ثم قال يا عائشة أتأذنيني الليلة في عبادة ربي فقلت يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك وما تهواه من العبادة فأذنت له فقام إلى قربة ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى
следующие страницы →