Полный текст (2 732 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جعلكم الله محرومين كما جعلتموني محرومًا من الطعام والمسكن بأن ذكرتم اسم الله ولكن (﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إلا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠] قال الطيبي وهذا بعيد لقوله بعده قال الشيطان أدركتم المبيت والعشاء والمخاطبون أعوانه قال ميرك ويحتمل أن يكون الخطاب هنا أيضًا لأهل البيت والجملة دعاء عليهم قلت هذا بعيد جدًّا على أنه تحصيل الحاصل وفي كتاب الأذان من شرح مسلم للأبي في حديث "إذا سمع الشيطان النداء أدبر وله ضراط الخ" فيه عوده عند أخذه في الصلاة بعد هروبه عند سماعه الأذان كما قال "فإذا سكت عاد" وقال في كتاب الأطعمة إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء فظاهره أنه يذهب ولا يرجع والفرق إن هروبه في الأذان لئلا يسمع موجب هروبه فإذا انقضى رجع وذكر الله عند دخوله جعل مانعا له من الكون في البيت فإذا ذهب فلا يرجع وأجاب غير الأبي بأن المبيت في البيت أخص من مطلق الكون فيها ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم فقد يرجع إلى الوسوسة ولا يثبت فيستوي الحديثان اهـ، ولك إن تقول مؤيدًا لما أجاب به ذلك الغير نفس الخبر مصرح بأن الممنوع بالذكر عند الدخول المبيت إذ لو ذكر عند الدخول ولم يذكر عند الطعام أكل معه وإن منع من المبيت والمانع منهما الذكر عندهما على أنه غير مانع من الوصول لغير المبيت والأكل من وسوسة ونحو هذا والله أعلم وفي الحديث إن الشيطان يأكل وقد ورد عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وليشرب بيمينه وليأخذ بيمينه وليعط بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويعطي بشماله ويأخذ بشماله قال ابن عبد البر في التمهيد فيه دليل على أن الشياطين يأكلون ويشربون وقال آخرون هذا الحديث وما كان مثله على المجاز والمراد هنا إن الأكل باليسار يحبه الشيطان قال وليس هذا عندي بشيء ولا معنى للحمل على المجاز إذا أمكنت الحقيقة وقال آخرون أكل الشيطان صحيح لكنه
стр. 352
رواه مسلم في "صحيحه".
وروينا في كتاب ابن السني، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رجع من النهار إلى بيته يقول: "الحَمْدُ للهِ الذي كَفَانِي
ــ
تشمم وتروح لا مضع وبلع إنما المضغ والبلع لذوي الحنث ويكون استرواحه وشمه من جهة شماله اهـ. قوله: (رواه مسلم في صحيحه) ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان وابن السني كلهم عن جابر قال الحافظ وله شاهد من سلمان أخرجه الطبراني ولفظه من سره إلا يجد الشيطان عنده طعامًا ولا مقيلًا ولا مبيتًا فليسلم إذا دخل بيته ويسم الله على طعامه وهذا إذا ثبت كان مفسرًا للذكر الماضي في حديث جابر لكن سنده ضعيف اهـ، وسبق في الفصل أول الكتاب الخلاف في أنه هل يفسر نحو مبهم الحديث الصحيح بما يأتي في الحديث الضعيف. قوله: (عَنْ عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاص) سبقت ترجمته في باب فضل الذكر وكتبت الواو بعد عمرو لما سبق من الفرق بينه وبين عمر وقد جعلوا ذلك كالمثل فيمن يلحق بمن ليس متصلًا به قال الشاعر:
أيها المدعي سليمى سفاها ... لست منها ولا قلامة ظفر
إنما أنت في الحقيقة واو ... ألحقت في الهجاء ظلما بعمرو
والعاص اختلف فيه هل يكتب بالياء أو لا قال المصنف في أوائل شرح مسلم العاصي أكثر ما يأتي في كتب الحديث والفقه بحذف الياء وهي لغة والصحيح الفصيح العاصي بإثبات الياء وكذا ابن الهادي وابن أبي الموالي فالفصيح الصحيح في كل ذلك وما أشبه إثبات الياء ولا اغترار بوجوده في كتب الحديث أو أكثرها بحذفها اهـ. وقال في باب الإيمان من المرقاة الأصح عدم ثبوت الياء إما تخفيفا أو بناء على أنه
стр. 353
وَآوانِي، وَالْحَمْدُ للهِ الذي أطْعَمَني وَسقانِي، وَالحَمْدُ لِلَهِ الذي مَنَّ عَلَي، أسألكَ أنْ تُجِيرَنِي مِنَ النَّارِ" إسناده ضعيف.
وروينا في موطأ مالك أنه بلغه، أنه يستحبُّ إذا دخل بيتًا غير مسكون أنْ يقول: "السلامُ عَلَيْنا وعلى
ــ
أجوف ويدل عليه ما في القاموس الأعياص من قريش أولاد أمية بن عبد شمس العاص وأبو العاص والعيص وأبو العيص فعلى هذا لا يجوز كتابة العاص بالياء ولا قراءته بها لا وقفًا ولا وصلًا فإنه معتل العين بخلاف ما يتوهمه بعض الناس أنه اسم فاعل عن عصي فحينئذٍ يجوز إثبات الياء وحذفها وقفا ووصلا بناء على أنه معتل اللام اهـ. قوله: (وآواني) بالمد كما هو الأفصح وسبق جواز القصر في مثله. قوله: (وسقَاني) قال ابن حجر في شرح الشمائل يقال سقاه وأسقاه بمعنى في الأصل ولكن جعلوا سقى للخير نحو ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] وأسقى لضده قال تعالى ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] وفيه نظر من وجهين "الأول" كون سقى للخير يمنعه قوله تعالى: (﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] "والثاني" تمثيله لا سقى في الشر بقوله: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]، أي كثيرًا مع أنها إنما استعملت في الخير لا في الشر وقال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] ولعل وجه الإتيان بالثلاثي كون أسقى مع ما فيه من المبالغة يوهم إرادة غير هذا المعنى إذ له معانٍ آخر على ما في القاموس. قوله: (منَّ عَلي) مأخوذ من المنة وهي النعمة مطلقًا أو بقيد كونها ثقيلة مبتدأة من غير مقابل بوجهيها ونعمه تعالى من محض فضله إذ لا يجب عليه شيء لأحد من خلقه خلافًا لزعم المعتزلة وجوب الأصلح عليه تعالى عن ذلك علوا كبيرًا. قوله: (وروينا إلخ) سبق نقل مثله عن قتادة في كلام الواحدي وأن الملائكة ترد عليه وسبق إن إسناده ضعيف قال الحافظ ضعفه الشيخ وليس في روايته من ينظر في حاله إلَّا الرجل
стр. 354
عبادِ اللهِ الصالِحِينَ".
باب ما يقول إذا استيقظ في الليل وخرج من بيته
يستحبُّ له إذا استيقظ من الليل وخرج من بيته أن ينظر إلى السماء ويقرأ الآيات الخواتم
ــ
المبهم أي الراوي له عن ابن عمر وقال وقد وجدت له شاهدًا من حديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ومسنده جميعًا عنه إن النبي ﷺ كان يقول إذا فرغ من طعامه "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا الحمد لله الذي كفانا وآوانا الحمد لله الذي أنعم علينا فأفضل نسأله أن يجيرنا من النار فرب غير مكفي لا يجد مأوى ولا منقلبا" وفي إسناده مبهم جاء من طريق آخر في محله ابن أبي نجيح قال الحافظ فإن كان هو المبهم في السند فالحديث حسن وإن ضعف ابن أبي ليلى وتكلم في سماع أبي سلمة من أبيه عبد الرحمن فيجبر ذلك بمجيء الحديث الذي قبله وسيأتي له من حديث أنس أصل صحيح في أبواب الأطعمة اهـ. وقوله: (عِبادِ الله الصالحِينَ) سبق إن عباد جمع عبد ومعنى العبد وباقي جموعه والصالح القائم بحقوق الله تعالى وحقوق عباده.
باب ما يقول إذا استيقظ في الليل وخرج من بيته
قوله: (أَنْ يَنْظُرَ إلى السماءِ) أي نظر تفكر في عجائب الملكوت ليستغرق في عالم الجبروت والرحموت حتى يفاض عليه من خزائنهما وما قيل بكراهة النظر إلى السماء مردود بأن الأحادبث جاءت بخلافه وسيأتي في الأدعية المتفرقة باب لذلك إن شاء الله تعالى. قوله: (ويقرأ الآياتِ الخَوَاتيمَ) هو بالياء في نسخة مصححة وبحذفها في أصل مصحح مقروء على ابن العماد الأقفهسي وغيره وهو بالنصب جمع ختام بمعنى الختم لا جمع خاتم كما توهمه بعض وإلَّا لم يكن للياء قبل الآخر وجه
стр. 355
من سورة آل عمران (﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخر السورة.
ــ
ولوجب تركها كما في النسخة الثانية. قوله: (مِنْ سُورَةِ آلِ عِمرانَ) عبر الصحابي بهذا اللفظ كما في الصحيحين ويؤخذ منه جواز سورة البقرة وسورة آل عمران وكرهه بعض المتقدمين وقال إنما يقال السورة التي يذكر فيها البقرة والصواب الأول وبه قال عامة العلماء والسلف والخلف وتظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة وقوله ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى آخر السورة بيان للآيات أو بدل منها، وتقدم بعض فوائد متعلقة بالآية في الفصول. ونذكر هنا بعضًا آخر "منها" ما قيل وجه ذكر أولي الألباب في آية آل عمران بعد آيتين وذكر العقل في آية البقرة بعد ثمان آيات مع إن العقل أعم واللب أخص والمعارف تزداد بزيادة المشاهدة إن كثرة الأدلة إنما يحتاج إليها في الابتداء حتى يقوى اليقين فناسب ختم آيتها بمطلق العقل وأما في الانتهاء فالشهود الأعظم حاصل بنظر أي دليل كان لوجود الجمع الأكبر المنافي لكثرة التعدد فناسب ختمها بأولي الألباب وكأن هذا هو حكمة إيثاره ﷺ قراءة هذه الآية على تلك مع ما اشتملت عليه من دوام الذكر الذي هو أعظم أسباب الوصول وعجائب الفكر وحقائق الخضوع والاعتراف بالتقصير وجوامع الدعاء والتشفع بالرسل المقرون بالإجابة ومدح المطيعين وذم غيرهم والأمر بالصبر وما صاحبه الذي لا يطيقه إلَّا الكمل "ومنها" ما في الكشاف عن ابن عمر قلت لعائشة ﵂ أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله ﷺ فبكت وأطالت ثم قالت كل أمره عجيب أتاني في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي ثم قال يا عائشة أتأذنيني الليلة في عبادة ربي فقلت يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك وما تهواه من العبادة فأذنت له فقام إلى قربة ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى
стр. 356
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رأيت دموعه قد بلت الأرض فأتاه بلال يؤذن بصلاة الغداة فراه يبكي فقال يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا ثم قال وما لي لا أبكي وقد أنزل الله علي في هذه ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى قوله: ﴿فَقِنَا عَذابَ النَّارِ﴾ ثم قال ﷺ ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها، وروي ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأملها، وحكي أن الرجل من بني إسرائيل كان إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة فعبد الله فتى من فتيانهم فلم تظله سحابة فقالت له أمه لعل فرطة فرطت منك في مدتك فقال ما ذكرت شيئًا قالت لعلك نظرت
مرة إلى السماء فلم تعتبر قال لعل ذلك قالت فما أوتيت إلا من ذلك، وعن سفيان الثوري أنه صلى خلف المقام ركعتين ثم رفع رأسه إلى السماء فلما رأى الكواكب غشي عليه وكان يبول الدم من طول حزنه وفكرته.
وفي النبي ﷺ أنه قال بينما رجل مستلق في فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال أشهد أن لك ربًّا وخالقًا اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له فقال ﷺ لا عبادة كالتفكر، وقيل الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية كما يحدث الماء للزرع النبات وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكرة.
وقد روي أن يونس ﵇ كان يرفع له في كل يوم مثل عمل أهل الأرض قالوا وإنما كان ذلك التفكر في أمر الله الذي هو عمل القلب لأن أحدا لا يقدر أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض اهـ، أما في الكشاف باختصار وفي شرح رسالة ابن أبي زيد المالكي لداود قال ابن عباس وأبو الدرداء فكرة ساعة خير من فيام ليلة وقال سري السقطي فكرة ساعة خير من عبادة سنة ما هو إلَّا إن تحل أطناب خيمتك فتجعلها في الجنة وقال ﷺ تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنكم لا
стр. 357
ثبت في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ كان يفعله، إلا النظر إلى السماء، فهو في "صحيح البخاري" دون "مسلم".
وثبت في الصحيحين، عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل
ــ
تقدرون قدره اهـ.
قوله: (ثبتَ في الصحيحينِ) أي من حديث ابن عباس. قوله: (كان يفعلهُ) قال المصنف في شرح مسلم فيه جواز القراءة للمحدث وهذا إجماع من المسلمين وإنما تحرم القراءة على الجنب والحائض وفيه استحباب قراءة هذه الآيات عند القيام من النوم. قوله: (إلا النظَر إلخ) أحسن المصنف في التنبيه إن ذلك من أفراد البخاري وقد تساهل صاحب المشكاة فعزا تخريج الحديث بجملته إلى الصحيحين وقال متفق عليه وكذا صاحب السلاح فعزا تخريجه إلى الستة ما عدا الترمذي لكن قال الحافظ إن النظر إلى السماء ثبت عند مسلم أيضًا وسبب خفائه على الشيخ إن مسلما جمع طرق الحديث كعادته وساقها في كتاب الصلاة ثلاثة وأفرد طريقًا منها في كتاب الطهارة وهي التي وقع عنده فيها التصريح بالنظر إلى السماء وقع ذلك في طريقين آخرين مما ساقه في كتاب الصلاة لكنه اقتصر في كل منهما على بعض المتن فلم يقع عنده التقييد يكون ذلك عند الخروج من البيت وليس في شيء من طرق الثلاثة التي أشرت إليها -أي فيما تقدم من كلامه- التصريح بالقراءة إلى آخر السورة إنما ورد ذلك في طريق أخرى ليس فيها النظر إلى السماء لكن الحديث في نفس الأمر واحد فذكر بعض الرواة ما لم يذكر بعض كل ثم قال بعد سياق روايات مسلم فتبين بهذه الروايات ما ذكرته أولًا مفصلًا وإن النظر إلى السماء ثابت عند مسلم صريحًا وحوالة والله أعلم اهـ.
قوله: (وثبتَ في الصحيحين) وكذا رواه باقي الستة كما في السلاح وفيه أيضًا زاد
стр. 358
يتهجد قال: "اللهم لكَ الحَمْدُ،
ــ
البخاري في بعض طرقه في أوله اللهم ربنا لك الحمد وبعد قوله وما أعلنت وما أنت أعلم به مني وفي رواية مسلم
وبعض روايات البخاري أنت الهي لا إله إلَّا أنت ورواه أبو عوانة في مسنده الصحيح وزاد بعد وإليك حاكمت أنت ربنا وإليك المصير اهـ. وقال الحافظ بعد تخريجه بنحو ما ذكره الشيخ حديث صحيح أخرجه أحمد والشيخان والنسائي وأخرجه الطبراني في كتاب الدعاء بخلافه في آخره وهو كذلك عند الشيخين من طريق أخرى اهـ، بمعناه. قوله: (يتهجدُ) من التهجد وهي اسم لدفع النوم بالتكلف والهجود هو النوم يقال هجد إذا نام وتهجد إذا أزال النوم كما يقال حرج إذا إثم وتحرج إذا تورع من الإثم وقيل أنه من الأضداد يقال تهجدت إذا سهرت وتهجدت إذا نمت كذا في السلاح وعلى الأول كون تهجد بمعنى أزال الهجود كتحرج وتأثم أي أزال الحرج والإثم ثم يقوي بحثه الكرماني في أول شرح البخاري في قول الخطابي لم يأت تفعل بهذا المعنى إلَّا في تحنث وتحوب وتأثم أي ألقى الحوب والإثم عن نفسه قال وليس في كلامهم تفعل بهذا المعنى غير هذه اهـ، من قوله هذه شهادة نفي وكيف وقد ثبت في الكتب الصرفية إن باب تفعل يجيء للتجنب كثيرًا، نحو تحرج وتخون أي اجتنب الحرج والخيانة وغير ذلك اهـ، وفي التوشيح للسيوطي وقيل التهجد السهر بعد نوم وقيل صلاة الليل خاصة اهـ، والتهجد شرعًا صلاة نفل بليل بعد النوم والأصح إن بينه وبين الوتر عمومًا وخصوصًا وجهان فيجتمعان فيما إذا صلاها بعد نوم والصحيح أيضًا كما صححه المصنف إن نسخ وجوب التهجد عام في حقه ﷺ وحق غيره. قوله: (لكَ الحمدُ) قدم الظرف لإفادة الحصر والاختصاص
стр. 359
أنتَ قيِّمُ السمواتِ والأرضِ
ــ
وفي الحمد للاستغراق أو للجنس أو للعهد واختار الزمخشري الثاني ومنع الأول ولم يبين وجهه قيل ولعله إن القصد بالجملة إنشاء الحمد لا الإخبار به وهذا مانع من كونها للاستغراق إذ لا يمكن العبد إنشاء جميع المحامد منه ومن غيره وفي أول المطول للسند التفتازاني تحقيق ذلك فراجعه، وقال العارف بالله أبو العباس المرسي قلت لابن النحاس النحوي ما تقول في ال في الحمد أجنسية أم عهدية فقال يا سيدي قالوا إنها جنسية فقلت الذي أقول أنها عهدية وذلك إن الله تعالى لما علم عجز خلقه عن كنه حمده حمد نفسه بنفسه في أزله نيابة عن خلقه قبل أن يحمدوه فقال يا سيدي أشهدك أنها عهدية كذا في إيضاح السالك على المشهور من مذهب مالك للشيخ داود واللام في لك للاستحقاق لاستحقاقه تعالى الحمد من الخلق لذاته وإن انتقم والحمد أي الثناء بكل جميل يليق بك أي لك الحمد أولًا على ما أنعمت به علي من التوفيق لطاعتك والشهود لمعارفك لا سيما أوقات تجليك وسعة تفضلك. قوله: (أَنت قيم السمواتِ والأَرْضِ إلخ) وفي نسخة قيوم وأتى بالجملة كالتعليل للحصر في الجملة قبله ووجه المناسبة مما أشير إليه من قولًا: (على ما أنعمت إلخ) وما ذكر هنا جار فيما يأتي أيضًا وقيم مبالغة قائم قال المصنف في شرح مسلم بعد أن أورد القيام من جملة روايات مسلم قال العلماء من صفته القيام والقيم كما صرح به الحديث والقيوم بنص القرآن ومنه قوله: (﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ﴾ [الرعد: ٣٣] قال الهروي ويقال قوام قال ابن عباس القيوم الذي لا يزول وقال غيره هو القائم على كل شيء ومعناه مدبر أمر خلقه وهما سائغان في تفسير الآية والحديث اهـ. وفي تفسير الواحدي قال مجاهد القيوم القائم على كل شيء وتأويله أنه قائم بتدير أمر الخلق في إنشائهم وإرزاقهم وقال الضحاك القيوم الدائم الوجود وقال أبو عبيدة هو
الذي لا يزول لاستقامة وصفه بالوجود
стр. 360
ومَنْ فيهِنَّ، ولكَ الحَمْدُ، لكَ مُلْكُ السماواتِ وَالأرضِ ومَنْ فِيهِنَّ، ولكَ الحَمْدُ
ــ
حيث لا يجوز عليه التغيير بوجه من الوجوه اهـ، وهي قريبة مما نقله المصنف وفي زاد المسير في القيوم ثلاث لغات القيوم وهي قراءة الجمهور والقيام وبه قرأ عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن أبي عيلة والأعمش والقيم وبه قرأ رزين وعلقمة كذلك في مصحف ابن مسعود وأصل القيوم قيووم فلما اجتمعت الواو والياء والسابق ساكن جعلتا ياء مشددة وأصل القيام قيوام.
تنبيه
وقع في نسخة السيد صديق الأهدل قيوم السموات والأرض وكتب على الهامش إن الحديث كذا ساقه مسلم في صحيحه إلا قيوم فإن فيه قيام وقيم فحسب والذي في الكتاب لفظ البخاري وهو الواقع في أكثر النسخ اهـ، وكونه أكثر النسخ كذلك ممنوع فيما وقفت عليه من الأصول المصححة والذي فيها قيم وهو المروي فيها. قوله: (ومَنْ فيهِنَّ) غلب فيه العقلاء على غيرهم لشرفهم وقد يعكس لغلبة أولئك. قوله: (ولَكَ الحمدُ) أي لك الحمد ثانيًا على ما مننت به من دوام الإنعام والإمداد خصوصًا بما خصصت به أرباب الاختصاص والإسعاف والإسعاد من نور الهداية والعرفان المذكور أثره في البيان وكرر الحمد ثالثا. بقوله: (ولَكَ الحمدُ أنتَ مُلْكُ السمواتِ إلخ) نظرًا إلى ما مَنَّ به مشهود معالم القهر وخوارق الملك والملكوت أي لك الحمد على ما مننت به من إشهادنا معالم قهرك وملكك وخوارق ملكوتك ثم في الأصول المصححة من الأذكار "لك ملك السموات والأرض" وفي المشكاة وفي بعض نسخ الأذكار أنت ملك السموات والأرض والظاهر إن الجملة على الروايتين كالتعليل لما تضمنت الجملة قبله من الحصر، ورابعًا نظرًا إلى ما مَنَّ به من إشهاد فناء ما سواه
стр. 361
أنتَ نورُ السمواتِ والأرْضِ
ــ
وأنه لا باقي إلا وجهه. بقوله: (أَنتَ الحق إلخ) ومنتهاه وهذا هو المقصود للسالك وبه ينال أشرف الخصال ويقبل على مولاه ذي الجلال ويكتسب بذلك أشرف الخلال. قوله: (أَنتَ نور السمواتِ والأَرض) قال المصنف في شرح مسلم قال العلماء معناه منورهما أي خالق نورهما "قلت" وفي شرح المشكاة لابن حجر أي منورهما بما أوجدت فيهما من الآيات الدالة على باهر قدرتك وظاهر عظمتك ليستدل بها الحائرون ويسترشد بها المرشدون أي سواء كانت تلك الآيات حسية كالأجرام النيرة أو معنوية كاللطائف المذكورة من العقل والحواس الظاهرة والباطنة وفسر ابن عباس النور في قوله تعالى: (﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] بالهادي وفيه استعارة الهداية للسموات والأرض أي جاعلهما محل الهداية لكونهما نصبتا دلائل على وحدانيته واتصافه بأوصاف الكمال وتنزهه من سمات النقص ونظيره قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّه لَا الهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] أي أقام الأدلة على وحدانيته ناطقة بالشهادة له بها وبهذا مع ما هو مقرر من أن العطف كثيرًا ما يكون للتفسير رد قول من قال تفسير النور بالهادي أي في خبر مسلم هذا فيه نظر لإضافتة للسموات والأرض المانع لصحته إلا بتأويل بعيد لا حاجة إليه بل بدفعه عطف ومن فيهن على ما قبله لإشعار العطف بالمغايرة اهـ، هذا كله إن فسرت الهداية بما يقابل الضلال فإن فسرت بالدلالة والإرشاد فلا توقف في صحته لأن كلا من المخلوقين يهتدون بما فطرهم الله عليه إلى منافعهم
قال تعالى: (﴿قَال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أي أعطى كل حيوان نظيره ليسكن إليه حتى يحصل التوالد ثم هدى أي أرشد كيف يرتفق بما أعطي وكيف يتوصل إليه فرجع المعنى إلى الله هادي ذوي العلم وغيرهم كلا بما يليق بحاله ويناسبه من عبادة أو غيرها (﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ
стр. 362
وَمَنْ فيهِنَّ، ولكَ الحَمْدُ
ــ
تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] اهـ، كلام شرح المشكاة قال المصنف وقال أبو عبيدة معناه بنورك يهتدي أهل السموات والأرض وقال الخطابي في تفسير اسمه النور معناه الذي بنوره يبصر ذو العماية وبهدايته يرشد ذو الغواية قال ومنه (﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] أي منه نورهما قال ويحتمل إن يكون معناه ذو النور ولا يصح أن يكون النور صفة ذات الله وإنما هو صفة فعل أي هو خالقه وقال غيره معنى النور: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] مدبر شمسها وقمرها ونجومها اهـ. وفي التوشيح للسيوطي وقيل المعنى أنت المنزه عن كل عيب وقيل هو اسم مدح يقال فلان نور البلد أي مزينه اهـ. "فإن قيل" يشكل على صرف النور عن ظاهره فيما ذكر قوله ﷺ لما سئل هل رأيت ربك قال نور أنى أراه "قلنا" صرفه عن ظاهره لكونه من صفات الأجرام المحالة على الباري لاستلزامها الحدوث واجب بالإجماع وبضرورة العقل ومعنى نور أنى أراه أي نور باهر للعقل حجبني عن رؤيته فكيف أراه مع ذلك والخبر صريح فيه إذ النور من شأنه أنه يرى فكيف يستبعد رؤيته فتعين إن المراد إن النور حجبه عن رؤيته تعالى لا إن الحق نور تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا قيل ولعل هذا الخبر كان أولًا أو أخبر به من لم يتأهل لفهم الأخبار بالرؤية وإلا فالذي صح أن النبي ﷺ رأى ربه بعين بصره بأن أعطاه في الدنيا القوة التي كان يعطيها للمؤمنين المناسبة لخلقهم للبقاء حتى يروه بأبصارهم من غير تكييف ولا إحاطة وبما تقرر علم إن من جملة أسمائه تعالى النور وإن حكمة تسميته به ما اختص به تعالى من إشراق نور الجلال وسبحات العظمة التي تضمحل الأنوار الحسية دونها وهو بهذا المعنى لا يشاركه فيه أحد من خلقه. قوله: (ومن فيهنَّ) أي ونور من فيهن أي موجدهم أو نور من فيهن لاستضاءتهم بنورك المكنى به عما يفاض منك عليهم من العلوم والمعارف فيبصر ذو العماية ويرشد
стр. 363
أنتَ الحق، ووَعْدُكَ الحق،
ــ
ذو الغواية. قوله: (أَنتَ الحقُّ) قال العلماء الحق في أسمائه تعالى معناه المتحقق وجوده وكل شيء صح وجوده وتحقق فهو حق ومنه الحاقة أي الكائنة حقًّا بلا شك وقيل الحق الذي لا يعتريه نقص ولا تغير بخلاف غيره قال ﷺ أصدق كلمة قالها الشاعر:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
قال المصنف وقيل أنت صاحب الحق وقيل محق الحق وقيل الإله الحق دون ما يقوله الملحدون كما قال تعالى ذلك بأن الله هو الحق وإن ما يدعون من دونه الباطل اهـ. قال القرطبي وهذا الوصف أي المتحقق بالوجود الثابت بلا شك فيه خاص به تعالى بالحقيقة ولا ينبغي لغيره أي وجوده لذاته فلم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم بخلاف غيره اهـ. قوله: (وَوَعْدُكَ الحق) أي وعدك المطيع بالجنة الحق الذي لا يمكن تخلفه أما وعيد العاصي بالنار فإيعاد على المختار قال كعب:
أنبئت أن رسول الله أوعدني ... والوعد عند رسول الله مأمول
قال آخر:
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وبه يعلم ما في إدراجه تحت الوعد الواقع في كلام ابن حجر في شرح المشكاة حيث قال ووعدك لمن أطاعك بالجنة ولمن عصاك بالنار ما لم تعف عنه مع أنه قال في قوله ﷺ اللهم لا يهزم جندك ولا يخلف وعدك بإثابة الطائع بخلاف تعذيب العاصي فإن خلف الوعيد كرم وخلف الوعد بخل قال الكرماني في شرح البخاري وهو أي الوعد يطلق ويراد به الخير والشر كلاهما أو الخير أو الشر فقط قال تعالى: ﴿الشَّيطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨] وظاهر عدم الفرق في الإطلاق بين الخلائق والخلاق فزعم صاحب المرقاة إن هذا الفرق في حق العباد ممنوع بأنه حيث
стр. 364
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كان خلف الوعيد من الكرم فلا مانع من قيامه بالباري تعالى وفي شرح العقائد والله تعالى لا يغفر إن يشرك به بإجماع المسلمين لكنهم اختلفوا هل يجوز عقلًا أو لا فذهب بعضهم إلى أنه يجوز عقلًا وإنما علم عدمه بدليل السمع وبعضهم إلى أنه يمتنع عقلًا لأن قضية الحكمة المتفرقة بين المحسن والمسيء وللكفر نهاية في الجفاية لا يحتمل الإباحة ورفع الحرمة أصلًا فلا يحتمل العفو ورفع الغرامة اهـ. وقال صاحب العمدة من الحنفية تخليد المؤمن في النار والكافر في الجنة يجوز عقلًا عندهم أي الأشاعرة إلّا إن السمع ورد بخلافه وعندنا لا يجوز أي عقلًا أيضًا اهـ، وظاهر إن المراد من الوعيد الذي يجوز خلفه وقوعًا ما يتعلق بعصاة المؤمنين لا ما يتعلق بالكافرين فقد قام القطع على إن الجنة محرمة عليه وإن مثواه النار تحمي وتجيء عليه وبه يعلم ما في حمل صاحب المرقاة كلام ابن حجر المذكور آخرًا على الكافر من البعد عن المقام وإن أطال في تأييد حمله على ذلك الكلام قال ابن حجر في شرح المشكاة وكان حكمة تعريف الحق هنا وتنكيره في جميع ما يأتي بعده أنها جزئيات من الوعد الشامل له وللوعيد نص عليها اعتناء بها وقال آخر حكمة التنكير التفخيم والتعظيم ورد بأن ما قبله أحق بذلك اهـ. وقال الكرماني في الجواب عن ذلك المعرف بلام الجنس والنكرة المسافة بينهما قريبة بل صرحوا بأن مؤداهما واحد لا فرق إلا بأن في المعرفة إشارة إلى أن الماهية التي دخل عليها اللام معلومة للسامع وفي النكرة لا إشارة إليه وإن لم تكن إلّا معلومة له وتنكير حق خبر قول للبخاري وهو في مسلم معرف والجميع منكر في رواية النسائي وعلى ما في الكتاب من تعريف الأولين فقال الطيبي عرفهما للحصر لأن الله هو الحق الثابت الباقي وما عداه في معرض الزوال وكذا وعده مختص بالإنجاز دون وعد غيره وتنكير البواقي للتعظيم اهـ. وبقوله عرفهما للحصر يندفع قول ابن حجر السابق ما قبلهما أحق بذلك أي أنه كان ينبغي تنكيره لكن عارضه ما العناية به أولى من الدلالة على حصر جعل الحق مختصا به محصورا فيه وبالتنكير يفوت وأما تعريف خبر القول
стр. 365
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في صحيح مسلم فلعل وجهه ما ذكر في تعريف خبر الوعد إذ الوعد من أقسام الكلام المعبر عنه هنا بالقول والله أعلم وسيأتي توجيه آخر في كلام ابن النحوي ورواية النسائي تؤيد ما أشار إليه الكرماني من تساوي معنى المنكر فالمعرف بأل الجنسية وإن كان في المعرف بها تلك الإشارة إلى الماهية وهي لا تخالف ما ذكر من الحكمة في تعريف ما عرف إذ هي نكات لزيادة أل فيها دون غيرها والله أعلم قال ابن
النحوي في التوضيح في شرح الجامع الصحيح "أن قيل" كيف يجمع ما في هذا الحديث من قوله حق في كل من الجنة والنار مع قوله ﷺ أصدق كلمة قالها الشاعر:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
"فعنه جوابان" ذكرهما السهيلي: أحدهما إن مراده ما عدا الله وما عدا رحمته التي وعد بها وعقابه الذي توعد به إذ وعده حق لباطل ما سوى ذلك والجنة ما وعد به من رحمته والنار ما توعد به من عقابه وما سوى ذلك فباطل مضمحل.
والثاني إن الجنة والنار وإن كانتا حقًّا فإن الزوال جائز عليهما لذاتهما وإنما يبقيان بإبقاء الله لهما وإن يخلق الدوام لأهلهما على قول من يجعل البغاء والدوام معنى زائدًا على الذات وهو قول الأشعري وإنما الحق في الحقيقة من لا يجوز عليه الزوال وهو القديم الذي انعدامه محال، ولذا قال ﷺ أنت الحق معرفًا أي أنت المستحق لهذا الاسم بالحقيقة وقولك الحق لأنه قديم وليس بمخلوق فيبيد ووعدك الحق كذلك إذ وعده كلامه هذا يقتضي أل ثم قال والجنة حق والنار حق بغير أل لأن هذه محدثات والمحدث لا يجب له البقاء من جهة ذاته وإنما علمنا بقاءهما من جهة خبر الصادق الذي لا يجوز عليه الخلف لا من جهة استحالة الفناء عليهما كما يستحيل على القديم سبحانه الذي هو الحق سبحانه وما خلاه باطل إذ هو إما عرض أو جوهر وكل منهما يفنى ويزول اهـ. قال المصنف في هذا الحديث قوله ووعدك الحق إلخ، أي كله متحقق لا شك فيه وقيل معناه خبرك حق وصدق وفي التوشيح للسيوطي إطلاق الحق على ما ذكر من الأمور بمعنى أنه مما يجب أن يصدق
стр. 366
ولِقاؤُكَ حَق، وقولُكَ حَق، والجنةُ حَق، والنَّارُ حَق، ومحَمَّد حق، والساعَةُ حَق، اللهُم
ــ
به وكرر لفظه للتأكيد اهـ. قوله: (ولقَاؤكَ) أي البعث وقيل الموت قال المصنف وهذا باطل في هذا الموطن إنما نبهت عليه لئلا يغتر به والصواب الذي يقتضيه سياق الكلام وما بعده البعث وهو الذي يرد به على الملحد لا بالموت اهـ. وفي شرح المشكاة لابن حجر ويصح تفسيره بالموت لكونه مقدمة لذلك اللقاء اهـ. وقيل المراد من اللقاء النظر إليه تعالى حكاه في الحرز. قوله: (وَقَوْلُكَ) أي الذي جاء به رسلك في كتبك المنزلة عليهم أي فالمصدر بمعنى اسم المفعول والظاهر أنه غير متعين فيصح بقاؤه على أصله فتأمل. قوله: (ومحمد حق) وقع في رواية المشكاة والنبيون حق ومحمد حق وهي من روايات البخاري قال ابن حجر في شرح المشكاة خص نفسه بعد شمول النبيين له لأنه لا يجب عليه الإيمان بنفسه ولذا كان يقول وأشهد أن محمدًا رسول الله وليعلم أمته أنه رئيسهم المقدم عليهم كيف وكلهم تحت لوائه يوم القيامة.
قلت وإذا تقدم عليهم في الذكر مع تأخره في الزمن وفي الصلاة ليلة الإسراء وأما على رواية الكتاب فالحكمة في الاقتصار على ذكره إن اعتقاد ذلك فيه اعتقاد فيهم فاكتفى بهذه الجملة عن تلك إذ جملة ما جاء به نبوة الأنبياء وإن ذلك حق من عند الله تعالى والله أعلم. قوله: (والساعة) أي القيامة وخصت بهذا الاسم مع أنها لمطلق القطعة من الزمان إشارة إلى أنها قطعة يسيرة يحدث فيها أمور جليلة وخطوب مدلهمة وقيل لكونها مع طولها قدر خمسين ألف سنة ساعة من أيام الآخرة أو تفسير ساعة على أهل الطاعة أو سميت لطولها ساعة تسمية بالأضداد كإطلاق الزنجي على الكافر
وربما يومئ تقديم ذكر الجنة والنار على الساعة إلى الإشارة إلى أنهما موجودان الآن خلافًا
стр. 367
لكَ أَسلَمْتُ، وبِكَ آمَنْتُ، وعلَيكَ تَوَكَّلْتُ، وإليكَ أنبْتُ،
ــ
لأرباب الاعتزال وتقديم ما يتعلق به ﷺ عليها لأنها لا تعلم إلَّا من جانب السمع الذي جاء هو ﷺ به إلينا ثم هذه كلها وسائل وقدمها ﷺ أمام السؤال تعليمًا لأمته أنه ينبغي المبالغة في الثناء قبل السؤال ليكون ذلك وسيلة لسرعة الإجابة بالنوال. قوله: (لكَ أسلمتُ) أي لا لغيرك كما يفيده تقديم الظرف أسلمت نفسي وسائر متعلقاتها أي شهدت ذلك لأرضي بقاءك وأتنعم ببلائك كذا قال ابن حجر في شرح المشكاة وقال غيره أي استسلمت وانقدت لأمرك ونهيك والأقرب أن يكون المراد من أسلمت مدلوله الشرعي من الإتيان بالشهادتين مع القوام بباقي أركان الإسلام أي دخلت في الإسلام "ولا ينافيه" إن الإيمان والإسلام متحدان في الماصدق شرعًا فيكون تأكيدًا والتأسيس خير منه "لأنا نقول" المقام للإطناب والقصد للمبالغة في أداء مقام العبودية والتذلل لحق الربوبية على أن لفظ الشارع إذا تردد بين المعنى اللغوي والشرعي فحمله على الأخير أولى لأنه بعث لبيان الشرعيات لا لبيان اللغويات كما نقله في حديث إنما الأعمال بالنيات وفي التمهيد أما قوله هنا لك أسلمت فمعناه استسلمت لحكمك وأمرك وسلمت ورضيت وآمنت وصدقت وأيقنت وقد مضى معنى الإيمان والإسلام والله أعلم. قوله: (وبكَ آمنتُ) أي بذاتك وما يليق بها من صفات الكمال آمنت أي صدقت. قوله: (وعَليْكَ توكلْتُ) أَي فوضت إلى جنابك دون غيرك أمري. قوله: (أَنَبتُ) من الإنابة أي رجعت إلى عبادتك والإقبال على ما يقرب إليك وقيل رجعت بالتوبة واللجأ والذلة والمسكنة وفي التمهيد والإنابة الرجوع إلى الخير ولا يكون الرجوع إلى الشر إنابة قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبكم﴾ [الزمر: ٥٤]
стр. 368
وبِكَ خاصَمْتُ، وإليكَ حاكمتُ، فاغْفِرْ لي
ــ
أي عودوا إلى ما يرضى به عنكم اهـ. وقيل المراد من قوله إليك أنبت رجعت إليك في أمري كله فيكون بمعنى قوله وعليك توكلت. قوله: (وبكَ خاصمتُ) أي بما أعطيتني من البرهان والحجج القولية أو بالنص ونحوه من الحجج الفعلية خاصمت أعداءك أعداء الدين فقصمت ظهورهم بالبراهين القوية أو قطعت دابرهم بالألسنة السنية. قوله: (وَإليْكَ حاكَمْت) أي جعلتك دون غيرك مما يتحاكم إليه في الجاهلية من كاهن وصنم وشيطان الحكم بيني وبين الأخصام في الدين الذين أبوا قبول ما جئت به كبرا وعنادا فلا أرضى إلا بحكمك ولا أتوكل إلَّا عليك لتحقق الحق وتبطل الباطل ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]. قوله: (فاغْفرْ لِي) أي فبسبب ما مننت به علي من مقام الجمع الأكبر الذي شهدته في قولي أسلمت وما بعده ومقام الفرق الذي تضمنه قولي وبك خاصمت وما بعده اغفر لي وترتيب الغفران لما تقدم وتأخر على هذين المقامين كترتيبه على الفتح الأكبر الذي هذان المقامان من مقدماته وأسبابه في قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ [الفتح: ١ - ٢] الآية المشتمل على إتمام النعمة والنصر على الأعداء المسبب عن المخاصمة والمحاكمة المذكورين هنا قال ابن حجر في شرح المشكاة ثم سؤاله ﷺ مغفرة ما ذكر على سبيل التواضع وأداء مقام العبودية والتعليم لأمته كذا في التوشيح وفي شرح الأنوار السنية ودعاء النبي ﷺ بمثل هذا من المغفرة من الإشفاق والاعتراف والاستسلام وخوف المكر فإنه لا يأمن من مكر الله إلَّا القوم الخاسرون ولتقتدي به أمته
ويشتد إشفاقهم بحسب حالهم من حاله ومقامهم من مقامه وسيأتي في أذكار الصلاة إن شاء الله تعالى زيادة في هذا المقام وفي التمهيد في هذا الحديث ما كان عليه ﷺ من المداومة على قيام الليل والإخبات عند قيامه والدعاء والتضرع والإخلاص والثناء
стр. 369
ما قَدَّمْتُ وما أَخَّرْتُ وما أَسْرَرْتُ وما أَعلَنْت، أنت المُقدمُ وأنت المؤَخرُ، لا إِلهَ إلا أنْتَ" زاد بعض الرواة: "ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلا بالله".
ــ
على الله بما هو أهله والإقرار بوعده ووعيده والابتهال وفيه الأسوة الحسنة فطوبى لمن وفق وأعين على ذلك اهـ. قوله: (ما قَدّمتُ وما أَخرتُ) محتمل فيما مضى وفيما يأتي وسيأتي الكلام على معنى غفران ما تأخر من الذنب في آخر أذكار الصلاة إن شاء الله تعالى. قوله: (أنت المقدِّمُ إلخ) أي ليس لغيرك دخل في شيء من ذلك أنه لا يعز من عاديت ولا يذل من واليت من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له قال ابن العز الحجازي قال المهلب أشار بذلك إلى نفسه لأنه المقدم في البعث في الآخرة والمؤخر في البعث في الدنيا اهـ، وعليه فالمعنى أنت المقدم لي في البعث وأنت المؤخر أي لي فيه وقال القاضي عياض قيل معناه المنزل للأشياء منازلها تقدم ما تشاء وتؤخر ما تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء وجعل عباده بعضهم فوق بعض وقيل هو بمعنى الأول والآخر إذ هو مقدم كل متقدم فهو قبله ومؤخر كل مؤخر فهو بعده ويكون المقدم والمؤخر بمعنى الهادي والمضل قدم من شاء بطاعته لكرامته وأخر من شاء بقضائه لشقاوته اهـ. قوله: (زاد بعض الرواة إلخ) قال في السلاح وزاد عبد الكريم أبو أمية ولا حول ولا قوة إلَّا بالله قال سفيان قال سليمان بن أبي مسلم سمعته من طاوس عن ابن عباس قال كان النبي ﷺ رواه الجماعة يعني الستة اهـ. وقال الحافظ بعد تخريجه الحديث بسنده إلى طاوس عن ابن عباس قال كان ﷺ إذا قام من الليل فذكر الحديث بطوله لكن قال في روايته أنت قيام السموات والأرض وقال في آخره لا إله إلَّا أنت أو لا إله غيرك شك سفيان أي ابن عيينة وزاد عبد الكريم
стр. 370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا حول ولا قوة إلّا بالله قال الحافظ أخرجه مسلم عن ابن أبي عمر عن سفيان عن سليمان الأحول عن طاوس وليس فيه ما في آخره ووقع عند البخاري من طريق علي بن عبد الله عن سفيان في آخر الحديث قال سفيان وزاد عبد الكريم ولا حول ولا قوة إلَّا بالله ووقع في مستخرج أبي نعيم على البخاري من طريق إسماعيل بن إسحاق عن علي بن عبد الله بعد سياقه إلخ. قال سفيان فكنت إذا قلت آخر حديث سليمان لا إله غيرك قال عبد الكريم ولا حول ولا قوة إلَّا بالله ولم يذكر أكثر الرواة عن سفيان هذه الزيادة وأدرجها بعضهم في السياق للحديث الأول منهم قتيبة عند النسائي فقال في آخره لا إله إلّا أنت ولا حول ولا قوة إلَّا بالله وكذا أخرجه الإسماعيلي من رواية محمد بن عبد الله عن سفيان واقتصر أكثر الرواة عن سفيان على قوله لا إله إلّا أنت وشك بعضهم عنه فقال لا إله إلّا الله ولا إله غيرك وجمع هشام بن عمار عن سفيان بين الألفاظ الثلاثة فقال لا إله إلّا الله ولا إله غيرك ولا حول ولا قوة إلا بالله والصواب التفصيل وإن الحوقلة مدرجة على رواية سفيان عن سليمان قلت وهي التي صدر بها الشيخ هنا بقوله وثبت في الصحيحين إلخ وإنما هي عند سفيان عن عبد الكريم وهو أبو أمية بن أبي المخارق البصري نزيل مكة وهو ضعيف عندهم وليس له ذكر في البخاري إلَّا في هذا الموضع والله أعلم وبه يعلم أن قول صاحب السلاح قال سفيان قال سليمان ابن أبي مسلم سمعته
إلخ، راجع إلى أصل الحديث من غير زيادة عبد الكريم لا معها كما قد يوهمه عبارته هذا وقال الكرماني ولا يخفى إن هذا الخبر من جوامع الكلم إذ لفظ القيم إشارة إلى إن وجود الجوهر وقيامه منه والنور إلى إن الإعراض منه والملك إلى أنه حاكم فيها إيجادًا وإعدامًا يفعل ما يشاء وكل هذه نعم من الله على عباده ولذا قرن كل منها وخصص الحمد به، ثم قوله أنت الحق إلى آخره إشارة إلى المبدأ والقول ونحوه إلى المعاش والساعة إلى المعاد وفيه إشارة إلى النبوة والجزاء ثوابًا وعقابًا وفيه وجوب الإيمان والإسلام والتوكل والإنابة والتضرع إلى الله تعالى
стр. 371
باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء
ثبت في "الصحيحين" عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول
ــ
والاستغفار وغيره وقوله "أنت المقدم وأنت المؤخر" أي أخر عن غيرها في البعث وقدم عليهم يوم القيامة بالشفاعة وغيره كقوله نحن الآخرون السابقون اهـ. هذا بناء على قول المهلب السابق نقله عند قوله أنت المقدم إلخ.
باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء
الخلاء بالفتح والمد وتقدم أنه في الأصل اسم للمكان الخالي ثم جعل اسمًا لمحل قضاء الحاجة لخلوه ولخو من فيه غالبًا وقيل لغير ذلك مما سيأتي ويقال لمكان قضاء الحاجة الكنيف والبراز بفتح الموحدة وبالراء المهملة آخره زاي والحش بالمهملة المفتوحة فالمعجمة المشددة وهي في الأصل البستان وسمي به محل قضاء الحاجة لأنهم كانوا يتبرزون فيه قال الشعبي ما حدثوك عن رسول الله ﷺ فاقبله وما حدثوك عن رأيهم فاجعله في الحش يعني المرحاض قال الفاكهاني قال ابن بزيزة إشارة إلى بطلان الرأي والقياس في الدين اهـ. والمرفق والمذهب الغائط والمرحاض وهل الخلاء علم لمحل قضاء الحاجة منقول فيكون حقيقة شرعية أو هو إطلاق مجازي بالأول صرح ابن حجر في شرح المشكاة وبالثاني شارح العمدة ويمكن الجمع بأن أصل الإطلاق مجاز ثم تصرف فيه فوضع لذلك فصار حقيقة شرعية أشار إليه القلقشندي في شرح العمدة. قوله: (ثبتَ في الصحيحين إلخ) قال الحافظ لم أر العندية في واحد من الصحيحين إنما علق البخاري الإرادة والذي اتفقا عليه بلفظ كان إذا دخل إلخ، وفي شرح العمدة للقلقشندي بعد ذكر حديث الصحيحين ما لفظه ولذا رواه
стр. 372
عند دخول الخلاء: "اللهُم إني
ــ
أصحاب السنن الأربعة ولفظ النسائي أعوذ بالله من الخبث والخبائث وأخرجه الطيالسي وأحمد والدارمي في مسانيدهم وابن السني والبزار والطبراني في الدعاء والإسماعيلي وأبو عوانة والدارقطني والبرقاني وأبو نعيم والبيهقي وغيرهم قوله كان أكثر استعمالهم لها في المداومة والملازمة وليس أصل وضعها وقد سبق تحقيقه في باب كيفية لباس الثوب. قوله: (عِندَ دُخولِ الخلاءِ) لفظ الصحيحين عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال إلخ، أورده كذلك المقدسي في عمدته وصاحب المشكاة وعزاه في السلاح كذلك إلى رواية الجماعة يعني الستة وراجعت الصحيحين فرأيته فيهما كما ذكره الجماعة ولعل المصنف نفع الله به أراد أنهما رويا هذا الحديث لا بخصوص هذا المبنى ولا يضر الاختلاف من العبارتين المذكورتين لتقاربهما وعادة بعض المحدثين عزو الحديث إلى مخرج وإن لم
يرد فيه بذلك اللفظ مريدًا به أنه روي هذا المعنى وقد تقدم بما فيه وسبق في كلام الحافظ الإشارة إلى أن الحديث باللفظ المذكور لم يجده في الصحيحين وبما ذكر من قوله أنهما رويا هذا الحديث إلخ، يجاب عنه والمراد يدخل فيها أراد دخول الخلاء كما وقع كذلك في بعض طرقه عند البخاري في صحيحه تعليقًا كان إذا أراد أن يدخل ووصله في الأدب المفرد وأخرجه البيهقي من وجه آخر على شرط البخاري وقوله في رواية الكتاب عند دخول الخلاء يمكن أن يكون على تقدير مضاف أي إرادة دخوله ويمكن إبقاءه على ظاهره وسيأتي ما يترتب على هذين الاحتمالين في حديث ابن عمر ومثل الخلاء أي المكان المعد لقضاء الحاجة جديدًا كان أو لا في جميع ما يأتي المحل الذي يريد قضاء الحاجة فيه بالصحراء أو غيرها فيأتي عند دخول الخلاء ولو جديدًا ووصوله لمحل أراد قضاء الحاجة فيه من صحراء وغيرها بالذكر الآتي وإن كان قضية التعبجر بالدخول اختصاص ذلك بالمعد إلَّا أنه ورد
стр. 373
أعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبْثِ والخبائِث" يقال: الخبث بضم الباء
ــ
عند البخاري تعليقًا بصيغة الجزم كان إذا أتى الخلاء وهو شامل للصحراء وأما إذا بال في إناء مثلًا في البيت قال القلقشندي وهو مذهبنا وقيل سمي محل قضاء الحاجة بالخلاء لأن الإنسان يختلي فيه بنفسه وقيل لخلائه في غير أوقات الحاجة وقال الحكيم الترمذي في العلل سمي باسم الشيطان الموكل بمكان قضاء الحاجة فإن اسمه خلاء وأورد فيه حديثًا مرفوعًا وبه يزاد في عدة اسم الشياطين أعاذنا الله منهم أجمعين. قوله: (أعود) أي أستجير وأعتصم وأصله أعوذ بوزن انصر فنقلت حركة الواو إلى العين تخفيفًا ومصدره عوذ وعياذ ومعاذ قال في فتح الباري وكان ﷺ يستعيذ إظهارًا للعبودية ويجهر بها للتعليم وقد روى المعمري هذا الحديث بسند على شرط مسلم بلفظ الأمر قال إذا دخلتم الخلاء فقولوا بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث قلت وأخرج الترمذي في العلل سبب هذا التعوذ عن يزيد بن أرقم عن النبي ﷺ قال إن هذه الحشوش محتضرة فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث قال في شرح العمدة ومعلوم أن هذه الاستعاذة منه تواضع وتعليم لأمته كما تقرر وإلا فهو محفوظ من الجن والإنس كما يدل عليه خبر "إلَّا إن الله أعانني عليه فأسلم" وربطه عفريتًا في سارية من سواري المسجد وفيه دليل على مراقبته لربه ومحافظته على أوقاته وحالاته واستعاذته عندما ينبغي أن يستعاذ منه ونطقه بما ينبغي إن ينطق به وسكوته عندما ينبغي السكوت عنده اهـ. قوله: (بضم الباء) أي والخاء مضمومة بلا خلاف وهو جمع خبث كما ذكره الخطابي وغيره قال البعلي في المطالع وهو مشكل من جهة أن فعيلا إذا كان وصفا لا يجمع على فعل نحو كريم وبخيل اهـ، ويمكن أن يدعى إن خبيث اسم لذكران الشياطين لا وصف لهم كرغيف أو
стр. 374
وبسكونها، ولا يصح قول من أنكر الإسكان.
ــ
إن ما ذكروه من منع ذلك وهو القياس الأكثر وهذه لغة قليلة كما نبه على مثله المصنف في شرح مسلم في قول أنس لما سئل عن الأكل قائمًا فقال أخبث وأشر. قوله: (وسكونها) يحتمل أن يكون مخففًا من المضموم وهو جائز قياسًا ككتب وعتق وما أشبه، تخفيف لا خلاف فيه عند أهل العربية قال التوربشتي وهو مستفيض لا يسع أحدًا مخالفته ويحتمل أن يكون أصله كذلك غير مخفف من شيء قال ابن الأعرابي أصل الخبث في كلام العرب المكروه فإن كان من الكلام فهو الشتم أو من الملل فالكفر أو من الطعام فالحرام أو من الشراب فالضار قال أبو عبيد: الخبث بسكون الباء الشر وقيل
الكفر قال القاضي عياض ولا يبعد الاستعاذة من الكفر والشيطان وسائر الأخلاق المذمومة وإنما جاء بلفظ الخبث لمجانسة الخبائث اهـ. وقال ابن معن في كلامه على المهذب ومنهم من يسكن الباء وهو غلط إلا إن يريد الاستعاذة من الكفر والشر وقوله بالنسبة إلى الأول وهو غلط فيه نظر يعلم وجهه مما سيذكر وبقوله إلّا إلخ، وبما قبله يندفع قول ابن التين الذي قرأناه الخبث بإسكان الباء والأظهر أنه بضمها جمع خبيث قال وليس هذا موضع الكفر إنما هذا موضع الشيطان وقول ابن حجر الخبث أي بالإسكان قيل الكفر فهو مصدر وليس مرادًا هنا اهـ. وأغرب من قال استعاذ بهما من البول والغائط أي من صررهما ثم كل من ضم الباء وإسكانها رواية في هذا الحديث قال المصنف في شرح مسلم الخبث بضم الباء وإسكانها وجهان مشهوران في رواية أصل الحديث ونقل القاضي عياض إن أكثر روايات الشيوخ الإسكان اهـ. وما قاله القاضي من كون الإسكان أكثر الروايات نوزع فيه قال القرطبي رويناه بالضم والإسكان وفي شرح المشكاة لابن حجر بالضم وقيل وأولى لئلا يوهم المصدر اهـ، وما حكاه بقيل هو كلام التوربشتي وسيأتي ما فيه، غير خاف إن اشتهار الرواية سبب للأولوية فالأولى في
стр. 375
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التعبير هو بالضم أشهر فهو أولى من الإسكان مع أنه بالإسكان يوهم المصدر فتأمل ولا يصح قول من أنكر الإسكان قال المصنف في شرح مسلم قال الإمام أبو سليمان الخطابي الخبث بضم الباء جمع خبيث والخبائث جمع خبيئة قال يريد ذكران الشياطين وإناثهم قال وعامة المحدثين يقولون الخبث بإسكان الباء وهو غلط والصواب الضم اهـ. وهذا الذي غلطهم فيه ليس بغلط ولا يصح إنكار جواز الإسكان فإن الإسكان جائز على سبيل التخفيف بلا خلاف عند أهل العربية وهو باب معروف من أبواب التصريف لا يمكن إنكاره، ولعل الخطابي أراد الإنكار على من يقول أصله الإسكان فإن كان أراد هذا فعبارته موهمة وقد صرح جماعة بأن الباء هنا ساكنة منهم الإمام أبو عبيد إمام هذا الفن والعمدة فيه واختلفوا في معناه فقيل الشر وقيل الكفر وقيل الخبث الشياطين والخبائث المعاصي اهـ. وقال ابن دقيق العيد لا ينبغي إن يعد هذا غلطًا لأن فعلا بضم أوليه تخفف عينه قياسًا ثم قال نعم من حمله وهو ساكن الباء على ما لا يناسب فهو غالط في الحمل على هذا المعنى لا في اللفظ وتعقب الزركشي ما ذكر بأنه إن أريد بالخبث هنا المصدر لم يناسب قوله الخبائث إذ لا ينتظم أعوذ بالله من أن يكون خبث ومن إناث الشياطين وإن أريد جمع خبث بالضم وخفف فينبغي المنع لأن التخفيف إنما يطرد فيما لا يلبس كعنق وأذن من المفرد ورسل وسبل من الجمع ولا يطرد فيما لا يلبس كحمر وخضر فإن التخفيف في حمر ملبس بجمع أحمر وحمراء وفي خضر بالمفرد ولذا لم يقرأ في السبعة ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] إلا بالضم وقرئ رسلنا وسبلنا والأذن بالتخفيف فلا ينبغي أن يخفف الخبث إلَّا مسموعًا من
стр. 376
وروينا في غير الصحيحين:
ــ
العرب لئلا يلتبس بالمصدر ورده العلامة البرماوي فقال لجواز أن يكون المعنى أعوذ بك من شر المخبثين أو ضرر خبثهم وإن الخبث نفسه هو الشيء على أحد التفاسير فيصح إرادة المصدر حينئذ وعلى تسليم عدم صلاحية المصدر هنا ففي كون المحل غير قابل له دليل على أنه مخفف من المضموم الذي هو الجمع فلا التباس إذ الالتباس إنما يقع في الصالح ويكون المراد أحدهما معينًا.
قلت وأما السماع من العرب بالإسكان فقال ابن سيد الناس وهذا الذي أنكره الخطابي هو الذي حكاه ابن عبيد والقاسم بن سلام وناهيك به جلالة اهـ، واختلفوا في المراد هنا فقيل الخبث جمع خبيث وقال أبو عبيد هو الشر وقال ابن الأنباري هو الكفر وقال الداودي هو الشيطان وقال ابن الأثير هو خلاف طيب الفعل من فجور وغيره وتقدم قوله ابن الأعرابي والخبائث الأفعال المذمومة والخصال الرديئة وقيل الخبائث المعاصي وقيل البول والغائط قال القلقشندي قال شيخنا في فتح الباري بعد أن ساق كلام ابن الأعرابي وعلى هذا فالمراد بالخبائث المعاصي ومطلق الأفعال المذمومة ليحصل التناسب ولهذا وقع في رواية الترمذي وغيره أعوذ بالله من الخبث والخبيث أو الخبث والخبائث هكذا على الشك الأول بالإسكان مع الإفراد والثاني بالتحريك مع الجمع أي من الشيء المكروه ومن الشيء المذموم أو من ذكران الشياطين وإناثهم ونقل القاضي عياض عن بعضهم أنه حمل الخبث بالإسكان على الشياطين والخبائث على البول والغائط فقال أنه استعاذ أولًا من الشياطين لتضاحكها من عورة الإنسان عند انكشافها فلما استعاذ منها ولت هاربة فاستعاذ من الخبائث وهو البول والغائط لئلا يناله مكروه منهما وفي هذه الروايات اللهم إني أعوذ بك إلخ، ورواه ابن ماجة وأبو داود بسند حسن أعوذ بالله من الخبث والخبائث فيتخير بين الصيغتين قاله في فتح الإله. قوله: (وروينا في غير الصحيحين إلخ) تقدم
стр. 377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حديث المعمري وهو بسند على شرط مسلم وقال الحافظ في التخريج بعد ذكر حديث الطبراني الآتي ووردت التسمية أيضًا من وجه آخر عن أنس من فعله ﷺ أخرجها الطبراني بسند فيه أبو معشر المدني وفيه ضعف.
قلت وكذا أخرجه ابن أبي شيبة من حديث أنس مرفوعًا بلفظ كان إذا دخل الخلاء قال بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث أورده في الجامع الصغير والله أعلم. قال الحافظ وروى المعمري في كتاب اليوم والليلة ورواته موثقون إذا دخلتم الخلاء فقولوا بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث قال في فتح الباري بعد إيراده وفيه زيادة التسمية ولم أرها في غير هذه الرواية اهـ. قال القلقشندي وروى التسمية أيضًا في أوله الطبراني وابن السني والدارقطني في الأفراد وغيرها اهـ، والذي رأيته في ابن السني التسمية عند دخول الخلاء مفردة عن هذا الذكر ولم أرها فيه أول هذا الذكر وسيأتي روايته وقد روى التسمية عند دخول الخلاء مجردة عن هذا الذكر جماعة منهم الترمذي فروي عن علي ﵁ وسيأتي في الأصل وابن السني فروي عن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا جلس أحدهم على الخلاء فليقل بسم الله حين يجلس وروى ابن السني أيضًا عن أنس عن رسول الله ﷺ قال هذه الحشوش محتضرة فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل بسم الله، وفي شرح العمدة عن أبي سعيد المقبري إذا دخل الرجل الكنيف لحاجته ثم ذكر اسم الله نظر إليه الجن يسخرون ويستهزئون به ثم رأيت في الحافظ في التخريج إشارة إلى ما ذكرته في رواية ابن السني من أن البسملة عنده مجردة عن الذكر وعبارته أخرج الطبراني في الدعاء بسنده عن أنس قال قال رسول الله ﷺ إن هذه الحشوش محتضرة فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث وأخرجه ابن السني عن عبدان وأبي يعلى
كلاهما عن قطن أي ابن بشير وهو شيخ، شيخ الطبراني فيه باختصار فقوله باختصار يشير إلى ما ذكرته
стр. 378
"بِسْمِ اللهِ اللهُم إني أعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبْثِ والخَبائِثِ".
وروينا
ــ
قال وأخرجه الدارقطني في الأفراد من هذا الوجه وقال تفرد به عدي عن قتادة أي عن أنس وقال الطبراني لم يقل أحد عن قتادة فيه باسم إلا عدي بن أبي عمارة قال الحافظ وهو بصري مختلف فيه ذكره ابن حبان في الثقات والعقيلي في الضعفاء اهـ. قال ابن التين ويقول ذلك في نفسه غير جاهر به، ولا يسلم له ذلك بل يبتغي الجهر به اهـ. قال العاقولي قال ابن البزري بكسر الموحدة وسكون المهملة وكسر الزاي نسبة للبرز وهو الجزري في فتاويه ليس الموضع موضع ذكر فالسنة إلا يزيد على هذا ولا يتمم البسملة و. قوله: (باسْم الله) متعلقه فعل يناسب المقام أي أتحصن بالله من الشيطان وقدمت البسملة هنا على التعود لتعودَ بركتها عليه وقدم عليها في القراءة لكونها من القرآن المأمور بالاستعاذة له وأيضًا فالتسمية هنا للستر عن أعين الجن والتعوذ للكفاية من شرهم فلا ارتباط لأحدهما بالآخر وفي المجموع عن جمع لا تحصل تأدية السنة إلا بتأخير الاستعاذة عن التسمية اهـ. قال الزين العراقي في شرح الترمذي وفيه مناسبة لتقديم ذكر الله تعالى على الدعاء كما قال في الحديث الآخر إذا فعل أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي ﷺ ثم ليدع بما شاء اهـ.
قوله: (روينا عن علي إلخ) قال الحافظ بعد تخريجه لكن بلفظ ستر ما بين الجن وعورات بني آدم أن يقول أحدهم إذا دخل الكنيف باسم الله هذا حديث غريب من هذا الوجه أخرجه الترمذي ووقع في روايته ما بين أعين الجن وإذ دخل الخلاء والباقي سواء وقال غريب لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه وليس إسناده بذلك القوى وقد روي عن أنس شيء من هذا قال الحافظ ورواته موثقون وفي كل من محمد بن حميد أي الراوي لحديث علي وشيخه وشيخ شيخه مقال وأشدهم ضعفًا محمد بن حميد ولكن لم يفرد به فقد أخرجه البزار
стр. 379
عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "سَتْرُ ما بينَ أعْيُنِ الجِن وعَوْرَاتِ بَني آدَمَ
ــ
عن عبد الرحمن بن الحكم بن بشير عن أبيه أي وهو شيخ محمد بن حميد فيه بسنده المذكور وقال لا نعرفه إلَّا بهذا الإسناد وجاء نحوه عن أنس وتقدم حديث أنس في باب ما يقول إذا خلع ثوبه وبينا هناك أنه ورد بلفظ وضع ثوبه وبلفظ إذا دخل الخلاء وهذا اللفظ الثاني هو المراد هنا اهـ. قوله: (عَنْ عَليٍّ ﵁ هو أمير المؤمنين أبو تراب وأبو الحسن علي بن أبي طالب واسمه عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي المكي صاحب النبي ﷺ وابن عمه وصهره وأخوه وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف أسلمت وهاجرت وهي أول هاشمية ولدت هاشميا وتوفيت في حياة النبي ﷺ بالمدينة فألبسها قميصه واضطجع معها في قبرها وقال لم يكن بعد أبي طالب أبر لي منها فألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة واضطجعت معها ليهون عليها ولما ولدت عليا كان أبوه غائبا فسمته حيدرة فلما قدم سماه عليًّا أسلم صغيرًا واختلف في سنه وقت إسلامه والصحيح أنه أسلم دون البلوغ روى البيهقي بسند ضعيف عن علي أنه كان يقول:
سبقتكمو إلى الإسلام طرا ... صغيرًا ما بلغت أوان حلمي
"فإن قلت" المقرر في باب الحجر إن عبارة الصبي ملغاة في الإسلام وغيرها إلَّا في أشياء
стр. 380
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مستثناة فكيف حكموا بإيمان علي الواقع منه حال الصغر "قلت" الأحكام إنما صارت معلقة بالبلوغ
بعد الهجرة في عام الخندق أما قبله فكانت منوطة بالتمييز قاله البيهقي وقال جمع من المجتهدين ببقاء الاعتداد بإيمان المميز إلى هذه الأزمان واختلف في أول من أسلم من الأمة قال ابن الصلاح وغيره وإلا ورد أن يقال أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر ومن الصبيان علي ومن النساء خديجة ومن الموالي زيد بن حارثة ومن العبيد بلال وهاجر وشهد المشاهد كلها إلا غزوة تبوك فإن النبي ﷺ كان خلفه على نسائه فقال تخلفني في النساء والصبيان فقال أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلَّا أنه لا نبي بعدي أخرجه الترمذي وصححه وأخرج البخاري المرفوع منه أصابه يوم أحد ست عشرة ضربة وأعطاه النبي ﷺ الراية يوم خيبر وأخبر إن الفتح يكون على يده وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى وأحد المهاجرين وأحد الشجعان المشهورين والعلماء الزهاد الربانيين ورابع الخلفاء وأقضى الأمة وأول خليفة أبواه هاشميان، قال القلقشندي ولم يك بعده أبواه هاشميان إلا محمد الأمين وكأنه غفل عن سيدنا الحسن بن علي كزم الله وجههما إما سهوا أو تركها لقصور زمنها كان من أكابر علماء الصحابة حتى قال عبد الله بن عباس أعطي علي تسعة أعشار العلم ووالله لقد شاركهم في العشر الباقي روي له عن النبي ﷺ خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثًا اتفقا منها على عشرين وانفرد البخاري بتسعة ومسلم بخمسة عشر كان يقول أبا عبد الله وأخو رسول الله لا يقولها غيري إلَّا كذاب، له الفضائل الواردة في الأحاديث النبوية قال الإمام أحمد لم يصح لأحد من أصحاب النبي ﷺ ما ورد لعلي وسيأتي حكمة ذلك في باب المدح تزوج فاطمة سنة اثنتين من الهجرة فقال لها النبي ﷺ زوجتك سيدًا في الدنيا والآخرة وبويع له بالخلافة يوم قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس
стр. 381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وثلاثين ومات بالكوفة شهيدًا قتله عبد الرحمن بن ملجم الخارجي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان وقيل ليلة الجمعة لثلاث عشرة مضت منه من رمضان سنة أربعين وعمره ثلاث وستون عامًا على الصحيح وقيل أربع وستون وقيل ثمان وخمسون قال المصنف نقلوا عنه آثارا تدل على أنه علم السنة والشهر والليلة التي يقتل فيها وأنه لما خرج إلى صلاة الصبح خرج حين صاحت الزواقي أي الديوك في وجهه فطردوها عنه فقال دعوهن فإنهن نوائح اهـ. وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص وحنط بحنوط فضل من حنوط رسول الله ﷺ وصلى عليه الحسن وكان له من الولد أربعون إلا ولدا، خمسة من فاطمة الزهراء والباقون من غيرها ولا يعرف قبره ﵄ وكان آدام اللون ربعة أبيض الرأس واللحية وكانت لحيته كثة طويلة حسن الوجه كأنه القمر ليلة البدر ضحوك السن قال الحافظ زين الدين العراقي في شرح الترمذي الحديث يعني حديث على هذا روي من حديث أنس أخرجه ابن عدي في الكامل في ترجمة محمد بن أحمد بن سهيل الواسطي المؤدب عنه عن أبيه عن يزيد بن هارون عن حميد عن أنس عن النبي ﷺ قال أي ابن عدي وهو بهذا الإسناد باطل والآفة فيه من ابن سهيل هذا ورواه أيضًا في ترجمة زيد ابن الحواري العمي عن أنس، وزيد ضعفه الجمهور ورواه ابن عدي أيضًا والطبراني في الأوسط والمعمري في عمل اليوم والليلة من رواية سعيد بن مسلمة الأموي عن الأعمش عن زيد العمي عن أنس وروي الحديث من حديث أبي سعيد الخدري اهـ، وهو يقتضي
إن الحديث واحد تعددت طرقه وبقي من طرقه طريق ابن عمر وسبق بيان ما فيه فيما يقول إذا خلع ثوبه.
стр. 382
إذا دخلَ الكنِيفَ أنْ يَقُولَ: بسْم اللهِ" رواه الترمذي وقال: إسناده ليس بالقوي، وقد قدمنا في الفصول أن الفضائل يعمل فيها بالضعيف. قال أصحابنا: ويُستحبُّ هذا الذِّكْر سواء كان في البنيان أو في الصحراء، قال أصحابنا ﵏: يُستحبُّ أن يقول أولًا: "بِسْمِ اللهِ" ثم يقول: "اللهُم إني أعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبْثِ والخبائِثِ".
ــ
قوله: (إدْا دَخَلَ) أي وقت الدخول أو عند إرادته دخول الخلاء على ما سيأتي وإذا ظرف لستر وخبر المبتدأ أعني ستر قوله إن يقول باسم الله أي قول تلك الكلمة نعم الظاهر إن الخبر في رواية ابن السني السابقة محذوف وما بعد الفاء مرتب عليه والتقدير ستر أحدكم إذا جلس على الخلاء أن يقول بسم الله فليقل بسم الله إلخ، قال ابن النحوي فيستحب الإتيان ببسم الله قبل الدخول ولا يسلم لابن التين قوله يقول ذلك في نفسه غير جاهر به بل ينبغي الجهر به اهـ. قوله: (أن الفضائلَ يُعْمل فِيهَا بِالضعيفِ) وتقدم أن شرطه ألا يشتد ضعفه ولا يعارضه خبر أصح منه وألا يعتقد ثبوته وألا يكون فيه هيئة اختراع ليس لها أصل شرعي وقول ابن حجر في شرح المشكاة في الكلام على هذا الحديث وما هنا من الفضائل وهي يكتفي فيها بالضعيف بسائر أنواعه مراده ما أشرنا إليه إذ ما اشتد ضعفه كحديث مسح الرقبة وأذكار الأعضاء في الوضوء لم يعمل بمقتضاه. قوله: (قال أصْحابنَا وَيُسْتَحَب هذا الذكْرُ إلخ) عبارة المصنف في شرح مسلم وهذا الأدب مجمع على استحبابه ولا فرق فيه بين البنيان والصحراء انتهت، وظاهر إن المجمع عليه استحباب الذكر لا عمومه للبناء وغيره وقد نقل القلقشندي عن بعضهم اختصاص ذلك بالبنيان دون غيره قال وهو مذهب مالك ويؤيده حديث زيد بن أرقم عند أبي داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم إن هذه الحشوش
стр. 383
وروينا عن ابن عمر ﵄ قال:
ــ
محتضرة ففيه إيماء لخصوص ذلك بالأبنية دون غيرها اهـ. قالوا ولفظ دخل أقوى في الدلالة على الكنف المبنية منها على المكان من نحو البراز ولأنه قد بيّن في حديث آخر أنها محتضرة للجن والشياطين وذلك إنما يكون في المعد، ونقل العمراني عن الشيخ أبي حامد مثل ذلك أي اختصاص الذكر بالأبنية قال لأن الموضع لم يصر مأوى الشيطان بعد، وقضية تعليله أنه يأتي بذكر الخروج من الخلاء ولو في غير المعد لأنه صار مأوى للشيطان ولك أن تقول كون الموضع لم يصر مأوى إلخ، مسلم لكنه سيصير بخروج الخارج مأوى وهو في تلك الحالة منهي عن الكلام فطلب الإتيان به قبل دخول وقت النهي عن الكلام ليكون حرزًا منهم عند خروج الخارج وسبقت رواية البخاري تعليقًا بصيغة الجزم كان إذا أتى الخلاء إلخ، وهو يشمل الصحراء والبنيان قال القلقشندي ويكون الدعاء في غير الأبنية عند الشروع لتشمير الثياب مثلًا وفي الأبنية عند إرادة الدخول وأقول ينبغي أن يأتي بالدعاء عند وصول المحل الذي يريد قضاء الحاجة فيه في غير الأبنية أخذًا من تصريح الفقهاء بتقديم اليسرى عند ذلك المحل.
قوله: (وروينا عنِ ابنِ عُمَر إلخ) قال الحافظ بعد تخريجه بهذا اللفظ هذا حديث حسن غريب وحبان ابن عافية ضعيف وكذا شيخه إسماعيل بن رافع لكن للحديث شواهد منها حديث أنس مثله سواء غريب من هذا الوجه أخرجه ابن السني وأخرجه أبو نعيم وزاد في أوله باسم الله ومداره على
إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف ومنها عن علي وبريدة أن رسول الله ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال فذكره مثل حديث ابن عمر سواء وزاد وإذا خرج قال "غفرانك ربنا وإليك المصير" حديث غريب أخرجه ابن عدي في الكامل في ترجمة حفص بن عمر
стр. 384
كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "اللهُم إني أعُوذُ بِكَ مِنَ
ــ
بن ميمون وضعفه اهـ، وشيخه فيه علباء راويه عن علي وعن ابن بريدة عن أبيه تابعي لا بأس وورد هذا المتن من حديث أبي أمامة بمعنى الأمر وهو أشهر ما في الباب ثم خرجه من طريق الطبراني في الدعاء بسنده إلى أبي أمامة قال لا يعجزن أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم أخرجه ابن ماجة قال الحافظ وعجب للشيخ كيف أغفله وعدل إلى حديث ابن عمر مع أنهما في المرتبة سواء وحديث أبي أمامة أشهر لكونه في إحدى السنن والله أعلم. قوله: (كَان رَسولُ الله ﷺ إذا دَخَلَ الخلاءَ) أي أراد إن يدخل وقد وقع ذلك في بعض طرق أنس السابق عند البخاري تعليقًا ولفظه كان إذا أراد أن يدخل الخلاء ووصله في الأدب المفرد وأخرجه البيهقي من وجه آخر على شرط البخاري وهذا التأويل يحتاجه من كره الكلام في محل قضاء الحاجة المعد لذلك كالكنيف، ومن أجازه استغنى عن هذا التأويل ويحمل دخل على حقيقته وقال ابن بطال المعنى متقارب في قوله إذا دخل وفي قوله إذا أراد أن يدخل إلا ترى قوله تعالى: (﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] والمراد إذا أردت أن تقرأ غير أن الاستعاذة بالله لمن أراد القراءة متصلة بها لا زمان بينهما وكذا الاستعاذة من الخبث والخبائث لمن أراد الدخول متصلًا بالدخول فلا يمنع من إتمامها في الخلاء مع إن رواية أتى أولى من رواية إذا أراد
стр. 385
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنها زيادة فالأخذ بها أولى قال ابن النحوي في هذا تطويل ورواية إذا أراد مبينة لرواية إذا أتى اهـ. ولو نسي التعوذ ودخل فذهب ابن عباس ﵁ إلى كراهة التعوذ واختاره جمع منهم ابن عمر قال ابن بطال وفي الحديث جواز ذكر الله تعالى على الخلاء وليس كما ذكر إذا قلنا المراد بالدخول إرادته وهذا مما اختلف فيه الآثار فعند ابن ماجة في سننه باب في ذكر الله تعالى على الخلاء وأورد فيه حديث عائشة كان ﷺ يذكر الله تعالى على كل أحيانه فروي عن ابن عباس أنه كره إن يذكر الله عند الخلاء وهو قول عطاء ومجاهد والشعبي وقال عكرمة لا يذكر بلسانه بل بقلبه وبهذا قال أصحابنا الشافعية وأجازه جماعة من العلماء روى ابن وهب إن عبد الله بن عمرو كان يذكر الله تعالى في المرحاض وسأل بعضهم الشعبي أعطس وأنا في الخلاء أحمد الله تعالى؟ فقال لا حتى تخرج فأتيت النخعي فسألته فقال أحمد الله تعالى فأخبرته بقول الشعبي فقال النخعي إن الحمد يصعد ولا يهبط، وسبق في الفصل الثامن حديث البيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن سلام قال قال موسى يا رب ما الشكر الذي ينبغي لك إلخ. الحديث وفي الذكر حال قضاء الحاجة، ثم قوله دخل الخلاء بنصب الخلاء على المفعولية على سبيل التوسع أي إجراء اللازم مجرى المتعدي لا الظرفية لأنهم عدوا دخل إلى كل ظرف لمكان مختص كما عدوًا ذهب إلى الشأم خاصة فقالوا ذهبت الشأم ولم يقولوا ذهبت العراق واليمن قاله ابن الملقن وهو ابن النحوي وتبعه البرماوي لكن في شرح الشذور لشيخي عبد الملك العصامي وألحق الفراء بدخلت ذهبت وانطلقت وحكي عن العرب أنهم
عدوهما إلى أسماء الأماكن والبلاد وقال أبو حيان وهذا وإن لم يحفظه سيبويه ولا غيره فالفراء ثقة فيما ينقله فيرد ذلك على تخصيص الحكم المذكور به خلت اهـ، ثم ما ذكر من كونه منصوبًا على التوسع يدخل أحد مذاهب ثلاثة المذكور منها مذهب الفارسي وابن مالك ونسبه لسيبويه والثاني أنه منصوب على الظرفية تشبيها
стр. 386
الرِّجسِ النجِسِ الخَبيثِ المُخْبِثِ: الشَّيْطانِ الرجِيمِ" رواه ابن السني، ورواه الطبراني في كتاب الدعاء.
ــ
له باسم المكان المبهم ونسبه الشلوبين لسيبويه ونسب للجمهور ونسب للمحققين أيضًا الثالث أنه مفعول به ودخل متعد بنفسه تارة وبحرف الجر أخرى وهذا مذهب الأخفش وجماعة قال القلقشندي وهو أضعفها. وله: (الرجْس) قال ابن النحوي نقلا عن التقي القشيري في الإمام بكسر الراء وسكون الجيم النجس قال البعلي في المطلع قال الجوهري الرجس القذر والنجس اسم فاعل من نجس ينجس فهو نجس كفرح يفرح فهو فرح قال الفراء إذا قالوه مع الرجس اتبعوه فقالوا رجس نجس يعني بكسر النون وبسكون الجيم وهو من ذكر الخاص بعد العام فإن الرجس النجس الشيطان الرجيم وقد دخل في الخبث والخبائث بتقدير كونهما للشياطين اهـ. ونقل ابن الملقن في تخريج أحاديث الشرح الكبير عن المتقي في الإمام مثله من كون النجس بكسر النون وإسكان الجيم اتباعًا للرجس. قوله: (الخبثِ المخبثِ) قال البيضاوي في شرح المصابيح ومن نسخته بخطه نقلت فالخبث في نفسه نجس والمخبثَ الذي أصابه خبث كقولهم قوي لمن يكون في نفسه قويًّا ومقوي لمن يكون دابته قوية ومثله ضعف ومضعف وقيل المخبث ما يخبث غيره وقيل الخبث الشر والخبائث الشياطين والخبث غش الجوهر والرديء منه وفي الحديث لا تزال الناس بخير ما لم يظهر فيهم أولاد الخبث يريد أولاد الزنى اهـ. قال ابن العماد وهذا الذكر يدل على إن إبليس نجس العين لكن ذكر البغوي في شرح السنة أنه طاهر العين كالمشرك واستدل بأنه ﷺ أمسك إبليس في الصلاة ولم يقطعها ولو كان نجسًا لما أمسكه فيها ولكنه نجس الفعل خبيث الطبع. قوله: (رواه ابن السني إلخ) وكذلك رواه من حديث ابن عمر أبو نعيم كما تقدم في كلام الحافظ قال في الجامع الصغير بعد إيراده بلفظ رواية المصنف رواه أحمد وابن ماجة
стр. 387
باب النهي عن الذكر والكلام على الخلاء
ــ
والطبراني عن فاطمة الزهراء. وقال في الجامع قبل ذلك أخرجه أبو داود في مراسيله عن الحسن مرسلًا وابن السني عنه عن أنس والأربعة عن بريدة وفي البدر المنير لابن الملقن رواه ابن ماجة في سننه من حديث عبد الله بن زحر الأفريقي وهو مختلف فيه وله مناكير ضعفه أحمد وقال النسائي لا بأس به عن علي بن يزيد وهو الألهاني وقد ضعفه جماعة عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة ولفظه قال ﷺ "لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه إن يقول اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم".
قلت ورواه بهذا اللفظ والسند الطبراني في كتاب الدعاء كما قاله الحافظ ولعل الشيخ أشار بالطبراني في كتاب الدعاء إلى حديث أبي أمامة المذكور وبه يندفع اعتراض الحافظ عليه أنه أهمل حديث أبي أمامة مع أنه أشهر من حديث ابن عمر لكن يبقى فيه عزوه للطبراني دون كتاب ابن ماجة مع أنه فيه والله أعلم، قال ابن الملقن ورواه أي حديث أبي أمامة أبو داود في مراسيله عن الحسن أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد دخول الخلاء قال فذكره بمثله سواء اهـ، ثم الذي وقفت عليه في الأصل
المصحح المضبوط من سنن ابن ماجة في باب ما يقول إذا دخل الخلاء كما قاله ابن الملقن من حديث أبي أمامة ولم أر فيه حديث فاطمة باللفظ الذي عزاه إليه صاحب الجامع الصغير فلعله ذكره في غير بابه وإن كان مخالفًا لعادته في سياقه والله أعلم.
باب النهي عن الذكر والكلام على الخلاء
ومثل الخلاء أي قضاء الحاجة حال الاستنجاء وقد اختلف العلماء في ذلك كما سبق في الباب
قبله وظاهر سياق ابن ماجة في سننه جواز ذلك كما تقدم نقله قال ابن بطال وهذا الحديث حجة لمن
أجاز ذلك ومن كره ذلك أن يقول الخبر
стр. 388
يكره الذكْر والكلام
ــ
عام مخصوص بالأخبار الواردة في النهي عن الكلام على
الخلاء وهذا إن قلنا بعموم مثل هذه العبارة من كان جمع بين الظهر والعصر وفيه خلاف للأصوليين
نعم هنا زيادة على كل أحواله وهي تقتضي التعميم ويحتمل جريان الخلاف معها أيضًا ولم أره والله
أعلم. قوله: (يكرهُ الذكرُ) أي ولو قرآنا حال قضاء الحاجة وقال ابن كج أنه يحرم ومال إليه الأذرعي
والزركشي كما سبق في الفصول ومنقول المذهب ما قررناه أولًا، وفي كتاب الحافظ ابن حجر
العسقلاني رجل قال يجوز قراءة القرآن على الغائط وأنه مكروه ليس بحرام واستدل بأن الفقهاء لم
يحرموا سوى استقبال القبلة واستدبارها ولم يتعرضوا لتحريم ذلك فهل يجوز تلاوة القرآن للجالس
على الغائط وهل ورد نص صريح بجواز ذلك.
فأجاب لم أر من تعرض للقراءة والذكر في كتب الفروع لأنهم اكتفوا فيه بمفهوم الموافقة لأنهم إذا صرحوا بكراهة الكلام حتى سقط رد وجوب السلام عن المتغوط فذكر الله أولى وتلاوة القرآن أولى وأولى وإذا كان مطلق الكلام مكروهًا كراهة تنزيه فالقياس إن يكون تلاوة القرآن ومداومة ذكر الله مكروهين كراهة تحريم وقد صرح في شرح المهذب بأنه إذا عطس في الخلاء فلا يحمد بلسانه بل بقلبه اهـ، وما أجاب به نفع الله به ضعيف ومن العجب عدم اطلاع هذا الشيخ الإمام الحبر البحر الهمام مع سعة اطلاعه وكمال حفظه وإتقانه على حكم ما ذكره في كتب الفروع وقد نص الأصحاب ومنهم المصنف في الروضة بكراهة الذكر في الخلاء وهو شامل للقرآن وغيره ومثل ذلك عبارة الكتاب وما شمله عموم كلام الأصحاب فهو من المنقول وأما مسألة العاطس فليس الإتيان به لفظًا منهيًّا عنه على سببل التحريم حتى يؤخذ منه كراهة التلاوة كذلك وقد صرح بحكم التلاوة حال خروج الخارج غير واحد من المتأخرين وعبارة المصنف هنا وفي الروضة وغيرها
стр. 389
حال قضاء الحاجة، سواء كان في الصحراء أو في البنيان، وسواء في ذلك جميع الأذكار والكلام، إلا كلام الضرورة حتى قال بعض أصحابنا: إذا عطس لا يحمَدُ الله تعالى، ولا يشمّت عاطسًا، ولا يرد السلام، ولا يجيب المؤذن، ويكون المسلِّمُ مقصرًا
لا يستحقُّ جوابًا، والكلام بهذا كله مكروه كراهة تنزيه، ولا يحرم، فإن عطس
ــ
تشمل ذلك والله أعلم. قوله: (حال قضَاءِ الخاجة) كذا تكره القراءة والذكر في محل قضاء الحاجة وإن لم يشتغل بقضائها بخلاف الكلام فلا يكره حينئذٍ وقيل بكراهته. قوله: (وسَواءٌ فِي ذلكَ) أي المذكور من كراهة جميع الأذكار أي ولو قرآنًا فيكره الإتيان به حينئذٍ. قوله: (لَا يحْمَدُ الله تَعَالى) أي بلسانه بل يحمده بقلبه
وجنانه ومثله في ذلك المجامع فيحمد إذا عطس بالجنان لا باللسان للنهي عن الكلام حال الجماع قال ابن الجزري في مفتاح الحصين وسبق في الفصول نقله عن الحرز كما سبق: الذكر عند نفس قضاء الحاجة أو الجماع لا يكره بالقلب بالإجماع وأما الذكر باللسان حالتئذٍ فليس مما شرع لنا ولا ندب إليه ﷺ ولا نقل عن أحد من أصحابه بل يكفي في هذه الحالة الحياء والمراقبة وذكر نعمة الله تعالى بتسهيل إخراج هذا المؤذي الذي لو لم يخرج لقتل صاحبه وهذا من أعظم الذكر ولو لم يقل باللسان اهـ، وأصله لابن القيم في "الوابل الصيب" وزاد واللائق بهذه الحالة التقنيع بثوب الحياء من الله وإجلاله وذكر نعمته عليه وإحسانه إليه في إخراج هذا المؤذي فالنعمة في تيسير خروجه كالنعمة في التعذي به اهـ. قوله: (ولا يشمّتُ عاطِسًا) التشميت بالمعجمة والمهملة وجهان يأتيان في أواخر الكتاب وسيأتي بيان أوجههما إن شاء الله تعالى والمراد به قول السامع للعاطس
стр. 390
فحمد الله تعالى بقلبه ولم يحرك لسانه فلا بأس، وكذلك يفعل حال الجماع.
وروينا عن ابن عمر ﵄ قال:
ــ
إذا حمد الله يرى حكم الله ولم أر لأحد في هذا المقام استحباب التشميت بالقلب والظاهر عدمه والفرق بينه وبين الحمد عند العطس ظاهر. قوله: (فحمِدَ الله تعالى بقلبِهِ) أي من غير حركة اللسان أو معه من غير إسماع صوت مفهم ولا مانع من السماع إذ الذكر لا يترتب عليه الأحكام إلّا إذا كان بحيث يسمع نفسه عند عدم نحو اللفظ كما سبق في الفصول. قوله: (فلا بأس) هي كلمة تدل على الإباحة وعدم الكراهة وسيأتي بيان أصلها المنقولة هي عنه في أذكار الوضوء إن شاء الله تعالى. قوله: (وكذا يفعلُ حال الجماع) أي ومثل ذا أي الحمد بالقلب حال قضاء الحاجة الحمد بالقلب أيضًا حال الجماع، فالجماع كحال قضاء الحاجة في كراهة الذكر والكلام باللسان.
قوله: (روينا عن ابن عمَرَ) قال الحافظ بعد تخريجه كذلك من طريقه هذا لفظ ابن خزيمة وزاد أبو نعيم في روايته حتى مس الحائط هذا حديث صحيح أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة وأبو داود بطرق قال الحافظ ولم يقع في رواية واحد منهم الزيادة التي نقلتها من رواية أبو نعيم وهي محفوظة في حديث أبي جهيم وهو حديث أصح ما ورد في هذا الباب كما قال الحافظ أخرجه البخاري موصولًا ومسلم تعليقًا ولفظ أبي جهيم أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه حتى أتى الجدار فمسح وجهه ويديه ثم رد عليه "قال الحافظ" وعجبت للترمذي كيف أغفله وللمصنف كيف أهمله "قلت" أما إهمال المصنف له فلأنه ليس مطابقًا لترجمة الباب فإنها فيمن سلم عليه بعد انقضاء البول قبل الطهارة والله أعلم، قال الحافظ والضحاك بن عثمان أي الراوي عن نافع عن ابن عمر شيخ مدني صدوق وقد خالفه أبو بكر بن عمر العمري عن نافع في المتن فقال أنه رد ﵇ فأخرجه الحافظ عن أبي بكر
следующие страницы →