Полный текст (2 732 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الرِّجسِ النجِسِ الخَبيثِ المُخْبِثِ: الشَّيْطانِ الرجِيمِ" رواه ابن السني، ورواه الطبراني في كتاب الدعاء.
ــ
له باسم المكان المبهم ونسبه الشلوبين لسيبويه ونسب للجمهور ونسب للمحققين أيضًا الثالث أنه مفعول به ودخل متعد بنفسه تارة وبحرف الجر أخرى وهذا مذهب الأخفش وجماعة قال القلقشندي وهو أضعفها. وله: (الرجْس) قال ابن النحوي نقلا عن التقي القشيري في الإمام بكسر الراء وسكون الجيم النجس قال البعلي في المطلع قال الجوهري الرجس القذر والنجس اسم فاعل من نجس ينجس فهو نجس كفرح يفرح فهو فرح قال الفراء إذا قالوه مع الرجس اتبعوه فقالوا رجس نجس يعني بكسر النون وبسكون الجيم وهو من ذكر الخاص بعد العام فإن الرجس النجس الشيطان الرجيم وقد دخل في الخبث والخبائث بتقدير كونهما للشياطين اهـ. ونقل ابن الملقن في تخريج أحاديث الشرح الكبير عن المتقي في الإمام مثله من كون النجس بكسر النون وإسكان الجيم اتباعًا للرجس. قوله: (الخبثِ المخبثِ) قال البيضاوي في شرح المصابيح ومن نسخته بخطه نقلت فالخبث في نفسه نجس والمخبثَ الذي أصابه خبث كقولهم قوي لمن يكون في نفسه قويًّا ومقوي لمن يكون دابته قوية ومثله ضعف ومضعف وقيل المخبث ما يخبث غيره وقيل الخبث الشر والخبائث الشياطين والخبث غش الجوهر والرديء منه وفي الحديث لا تزال الناس بخير ما لم يظهر فيهم أولاد الخبث يريد أولاد الزنى اهـ. قال ابن العماد وهذا الذكر يدل على إن إبليس نجس العين لكن ذكر البغوي في شرح السنة أنه طاهر العين كالمشرك واستدل بأنه ﷺ أمسك إبليس في الصلاة ولم يقطعها ولو كان نجسًا لما أمسكه فيها ولكنه نجس الفعل خبيث الطبع. قوله: (رواه ابن السني إلخ) وكذلك رواه من حديث ابن عمر أبو نعيم كما تقدم في كلام الحافظ قال في الجامع الصغير بعد إيراده بلفظ رواية المصنف رواه أحمد وابن ماجة
стр. 387
باب النهي عن الذكر والكلام على الخلاء
ــ
والطبراني عن فاطمة الزهراء. وقال في الجامع قبل ذلك أخرجه أبو داود في مراسيله عن الحسن مرسلًا وابن السني عنه عن أنس والأربعة عن بريدة وفي البدر المنير لابن الملقن رواه ابن ماجة في سننه من حديث عبد الله بن زحر الأفريقي وهو مختلف فيه وله مناكير ضعفه أحمد وقال النسائي لا بأس به عن علي بن يزيد وهو الألهاني وقد ضعفه جماعة عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة ولفظه قال ﷺ "لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه إن يقول اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم".
قلت ورواه بهذا اللفظ والسند الطبراني في كتاب الدعاء كما قاله الحافظ ولعل الشيخ أشار بالطبراني في كتاب الدعاء إلى حديث أبي أمامة المذكور وبه يندفع اعتراض الحافظ عليه أنه أهمل حديث أبي أمامة مع أنه أشهر من حديث ابن عمر لكن يبقى فيه عزوه للطبراني دون كتاب ابن ماجة مع أنه فيه والله أعلم، قال ابن الملقن ورواه أي حديث أبي أمامة أبو داود في مراسيله عن الحسن أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد دخول الخلاء قال فذكره بمثله سواء اهـ، ثم الذي وقفت عليه في الأصل
المصحح المضبوط من سنن ابن ماجة في باب ما يقول إذا دخل الخلاء كما قاله ابن الملقن من حديث أبي أمامة ولم أر فيه حديث فاطمة باللفظ الذي عزاه إليه صاحب الجامع الصغير فلعله ذكره في غير بابه وإن كان مخالفًا لعادته في سياقه والله أعلم.
باب النهي عن الذكر والكلام على الخلاء
ومثل الخلاء أي قضاء الحاجة حال الاستنجاء وقد اختلف العلماء في ذلك كما سبق في الباب
قبله وظاهر سياق ابن ماجة في سننه جواز ذلك كما تقدم نقله قال ابن بطال وهذا الحديث حجة لمن
أجاز ذلك ومن كره ذلك أن يقول الخبر
стр. 388
يكره الذكْر والكلام
ــ
عام مخصوص بالأخبار الواردة في النهي عن الكلام على
الخلاء وهذا إن قلنا بعموم مثل هذه العبارة من كان جمع بين الظهر والعصر وفيه خلاف للأصوليين
نعم هنا زيادة على كل أحواله وهي تقتضي التعميم ويحتمل جريان الخلاف معها أيضًا ولم أره والله
أعلم. قوله: (يكرهُ الذكرُ) أي ولو قرآنا حال قضاء الحاجة وقال ابن كج أنه يحرم ومال إليه الأذرعي
والزركشي كما سبق في الفصول ومنقول المذهب ما قررناه أولًا، وفي كتاب الحافظ ابن حجر
العسقلاني رجل قال يجوز قراءة القرآن على الغائط وأنه مكروه ليس بحرام واستدل بأن الفقهاء لم
يحرموا سوى استقبال القبلة واستدبارها ولم يتعرضوا لتحريم ذلك فهل يجوز تلاوة القرآن للجالس
على الغائط وهل ورد نص صريح بجواز ذلك.
فأجاب لم أر من تعرض للقراءة والذكر في كتب الفروع لأنهم اكتفوا فيه بمفهوم الموافقة لأنهم إذا صرحوا بكراهة الكلام حتى سقط رد وجوب السلام عن المتغوط فذكر الله أولى وتلاوة القرآن أولى وأولى وإذا كان مطلق الكلام مكروهًا كراهة تنزيه فالقياس إن يكون تلاوة القرآن ومداومة ذكر الله مكروهين كراهة تحريم وقد صرح في شرح المهذب بأنه إذا عطس في الخلاء فلا يحمد بلسانه بل بقلبه اهـ، وما أجاب به نفع الله به ضعيف ومن العجب عدم اطلاع هذا الشيخ الإمام الحبر البحر الهمام مع سعة اطلاعه وكمال حفظه وإتقانه على حكم ما ذكره في كتب الفروع وقد نص الأصحاب ومنهم المصنف في الروضة بكراهة الذكر في الخلاء وهو شامل للقرآن وغيره ومثل ذلك عبارة الكتاب وما شمله عموم كلام الأصحاب فهو من المنقول وأما مسألة العاطس فليس الإتيان به لفظًا منهيًّا عنه على سببل التحريم حتى يؤخذ منه كراهة التلاوة كذلك وقد صرح بحكم التلاوة حال خروج الخارج غير واحد من المتأخرين وعبارة المصنف هنا وفي الروضة وغيرها
стр. 389
حال قضاء الحاجة، سواء كان في الصحراء أو في البنيان، وسواء في ذلك جميع الأذكار والكلام، إلا كلام الضرورة حتى قال بعض أصحابنا: إذا عطس لا يحمَدُ الله تعالى، ولا يشمّت عاطسًا، ولا يرد السلام، ولا يجيب المؤذن، ويكون المسلِّمُ مقصرًا
لا يستحقُّ جوابًا، والكلام بهذا كله مكروه كراهة تنزيه، ولا يحرم، فإن عطس
ــ
تشمل ذلك والله أعلم. قوله: (حال قضَاءِ الخاجة) كذا تكره القراءة والذكر في محل قضاء الحاجة وإن لم يشتغل بقضائها بخلاف الكلام فلا يكره حينئذٍ وقيل بكراهته. قوله: (وسَواءٌ فِي ذلكَ) أي المذكور من كراهة جميع الأذكار أي ولو قرآنًا فيكره الإتيان به حينئذٍ. قوله: (لَا يحْمَدُ الله تَعَالى) أي بلسانه بل يحمده بقلبه
وجنانه ومثله في ذلك المجامع فيحمد إذا عطس بالجنان لا باللسان للنهي عن الكلام حال الجماع قال ابن الجزري في مفتاح الحصين وسبق في الفصول نقله عن الحرز كما سبق: الذكر عند نفس قضاء الحاجة أو الجماع لا يكره بالقلب بالإجماع وأما الذكر باللسان حالتئذٍ فليس مما شرع لنا ولا ندب إليه ﷺ ولا نقل عن أحد من أصحابه بل يكفي في هذه الحالة الحياء والمراقبة وذكر نعمة الله تعالى بتسهيل إخراج هذا المؤذي الذي لو لم يخرج لقتل صاحبه وهذا من أعظم الذكر ولو لم يقل باللسان اهـ، وأصله لابن القيم في "الوابل الصيب" وزاد واللائق بهذه الحالة التقنيع بثوب الحياء من الله وإجلاله وذكر نعمته عليه وإحسانه إليه في إخراج هذا المؤذي فالنعمة في تيسير خروجه كالنعمة في التعذي به اهـ. قوله: (ولا يشمّتُ عاطِسًا) التشميت بالمعجمة والمهملة وجهان يأتيان في أواخر الكتاب وسيأتي بيان أوجههما إن شاء الله تعالى والمراد به قول السامع للعاطس
стр. 390
فحمد الله تعالى بقلبه ولم يحرك لسانه فلا بأس، وكذلك يفعل حال الجماع.
وروينا عن ابن عمر ﵄ قال:
ــ
إذا حمد الله يرى حكم الله ولم أر لأحد في هذا المقام استحباب التشميت بالقلب والظاهر عدمه والفرق بينه وبين الحمد عند العطس ظاهر. قوله: (فحمِدَ الله تعالى بقلبِهِ) أي من غير حركة اللسان أو معه من غير إسماع صوت مفهم ولا مانع من السماع إذ الذكر لا يترتب عليه الأحكام إلّا إذا كان بحيث يسمع نفسه عند عدم نحو اللفظ كما سبق في الفصول. قوله: (فلا بأس) هي كلمة تدل على الإباحة وعدم الكراهة وسيأتي بيان أصلها المنقولة هي عنه في أذكار الوضوء إن شاء الله تعالى. قوله: (وكذا يفعلُ حال الجماع) أي ومثل ذا أي الحمد بالقلب حال قضاء الحاجة الحمد بالقلب أيضًا حال الجماع، فالجماع كحال قضاء الحاجة في كراهة الذكر والكلام باللسان.
قوله: (روينا عن ابن عمَرَ) قال الحافظ بعد تخريجه كذلك من طريقه هذا لفظ ابن خزيمة وزاد أبو نعيم في روايته حتى مس الحائط هذا حديث صحيح أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة وأبو داود بطرق قال الحافظ ولم يقع في رواية واحد منهم الزيادة التي نقلتها من رواية أبو نعيم وهي محفوظة في حديث أبي جهيم وهو حديث أصح ما ورد في هذا الباب كما قال الحافظ أخرجه البخاري موصولًا ومسلم تعليقًا ولفظ أبي جهيم أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه حتى أتى الجدار فمسح وجهه ويديه ثم رد عليه "قال الحافظ" وعجبت للترمذي كيف أغفله وللمصنف كيف أهمله "قلت" أما إهمال المصنف له فلأنه ليس مطابقًا لترجمة الباب فإنها فيمن سلم عليه بعد انقضاء البول قبل الطهارة والله أعلم، قال الحافظ والضحاك بن عثمان أي الراوي عن نافع عن ابن عمر شيخ مدني صدوق وقد خالفه أبو بكر بن عمر العمري عن نافع في المتن فقال أنه رد ﵇ فأخرجه الحافظ عن أبي بكر
стр. 391
"مر رجل بالنبي ﷺ وهو يبول فسلَّمَ عليهِ
ــ
عن نافع عن ابن عمر أن رجلًا مر بالنبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فرد عليه ثم قال أما أنه لم يحملني على الرد عليك إلَّا أني خشيت أن تقول "سلمت عليه" فلم يرد عليّ فإذا رأيتني على هذه الحالة فلا تسلم عليّ فإنك إن تفعل لا أرد عليك هذا حديث حسن أخرجه البزار وابن الجارود في المنتقى ولم ينسب أبو بكر إلى أبيه بل وقع في رواية البزار بل وقع
عنده حدثني أبو بكر رجل من ولد ابن عمر قال عبد الحق في الأحكام أبو بكر هذا أظنه ابن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر فإن يكن هو فالحديث صحيح لكن حديث الضحاك أصح منه ثم قال ويمكن أن يحمل على واقعتين وتعقب ابن القطان تصحيحه بأن أبا بكر لا يعرف وسكتا جميعًا عن سعيد بن سلمة الراوي عن أبي بكر وهو المعروف بابن أبي الحسام وهو صدوق فيه مقال أخرج له البخاري تعليقًا ومسلم مستشهدًا وقد تابعه إبراهيم بن يحيى عن أبي بكر عن عمر أخرجه الشافعي عن إبراهيم فقويت رواية إبراهيم وصدق ظن عبد الحق في نسبة أبي بكر وتعين الحمل على ما أشار إليه من تعدد الواقعة ويحتمل الجمع بتأويل لا يخلو من تكلف اهـ. قوله: (مرَّ رجلٌ) يحتمل أن يكون هذا الرجل المهاجر ويكون قوله في الخبر فلم يسلم عليه أي حتى توضأ ويحتمل أن يكون غيره ولم أو من تعرض لبيان ذلك لا المصنف ولا العراقي في مبهماتهما. قوله: (فسَلم عليه) قال ابن حجر في شرح المشكاة في الكلام على حديث المهاجر الآتي وينبغي حمله على إن السلام عليه كان بعد الفراغ لأن المروءة قاضية بأن من يقضي حاجته لا يتكلم فضلًا عن إن يسلم عليه اهـ، ويؤيده اعتذاره في خبره بقوله كرهت إن اذكر الله إلَّا على طهر لكن يأباه قوله في هذا الخبر الوارد عن ابن عمر "وهو يبول" وهو في صحيح مسلم ورواه ابن ماجة في حديث
стр. 392
فلم يَرُدّ عليهِ" رواه مسلم في "صحيحه".
وعن المهاجر بن قنفذ ﵁ قال: "أتيتُ النبي ﷺ وهو يبول، فسلمتُ
ــ
أبي هريرة قال مر رجل على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه فلما فرغ ضرب بكفه الأرض ثم رد ﵇ وحديث جابر بن عبد الله أن رجلًا مر على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فقال له رسول الله ﷺ إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم عليّ فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك، أوردهما ابن ماجة في سننه وعقد له باب الرجل يسلم عليه وهو يبول وصدره بحديث المهاجر وسبق في كلام الحافظ تخريج مثل حديث جابر من حديث ابن عمر من طريق أبي بكر العمري رواه البزار وغيره قال الحافظ وأخرج حديث جابر أبو يعلى أيضًا وسنده حسن اهـ، هو مقتض إن رده السلام على النبي ﷺ كان في حال البول وكون المروءة تقتضي المنع من ذلك هو كذلك لكن لا يعلم إن المروءة ذلك إلّا من جانب الشرع الشريف وفعل من ذكر ذلك كان قبل العلم به فلا إشكال في السلام عليه ﷺ في تلك الحال والله أعلم. قوله: (فلم يُردَّ عليه) قال المصنف فيه إن المسلم في مثل هذا الحال لا يستحق جوابًا وهذا متفق عليه اهـ. وقال الطبري إن ذلك كان منه ﷺ على وجه التأديب للمسلم عليه ألا يسلم بعضهم على بعض على الحدث وذلك نظير نهيه وهم كذلك إن يحدث بعضهم بعضًا لقوله لا يتحدث المتغوطان على طوفهما يعني حاجتهما فإن الله يمقت على ذلك اهـ. قوله: (ورواه مسلم) وذكرنا رواية ابن ماجة له. قوله: (وعن المهاجر بن قنفذ) وزاد ابن ماجة في سننه في نسبه فقال ابن عمرو بن جدعان زاد ابن الأثير في أسد الغابة ابن عمرو بن
стр. 393
عليه، فلم يرُد حتى توضَّأ، ثم اعتذر إليَّ وقال: إني
ــ
كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي التيمي قال السيوطي في حاشيته على سنن النسائي المهاجر بن قنفذ بذال معجمة وهما لقبان واسم المهاجر عمرو واسم قنفذ خلف وروي العسكري في الصحابة من طريق الحسن عنه أنه هاجر إلى النبي ﷺ فأخذه المشركون فأوثقوه إلى بعير فجعلوا يضربون البعير سوطًا ويضربونه سوطًا فأفلت فأتى النبي ﷺ فقال هذا
المهاجر حقًّا ولم يكن يومئذٍ اسمه المهاجر اهـ، زاد ابن الأثير في أسد الغابة وقيل أسلم يوم فتح مكة وولى الشرطة لعثمان وفرض له سبعة الآف قال الذهبي في الكاشف خرج عنه أبو داود والنسائي وابن ماجة روى عنه أبو ساسان حضين قلت وهو بالمهملة فالمعجمة فالتحتية آخره نون بصيغة التصغير كما ضبطه ابن الأثير. قوله: (عليه) أي بعد تمام قضاء حاجته لأن المروءة قاضية إن من كان كذلك لا يكلم فضلًا عن كونه يسلم عليه ومن ثم كره السلام عليه ولا يستحق جوابًا فضلًا عن أن يعتذر إليه فالاعتذار دليل على ما قلناه قاله ابن حجر وعلمت ما فيه ولعل الاعتذار جبر لما لحقه من الانكسار بتأخير رد سلامه إذ لا يستحق التأديب إلَّا من خالف، ومن ذكر سالم من ذلك لما قررناه أنه لا يعلم كون ذلك ليس من المروءة إلَّا من الشرع المأخوذ منه ﷺ ولعل هذا أقرب والله أعلم، وفي فتاوي المحقق السمهودي حال الاستنجاء كحال التبرز في كراهة ابتداء السلام ورده ولا يشكل إطلاق الفقهاء الإتيان بالحمد لله عند الفراغ من قضاء الحاجة لأن مرادهم أنه يقوله عند الخروج من محل قضاء الحاجة وربما يشعر به قولًا الإحياء وسن أن يقول عقب الفراغ من الاستنجاء اللهم طهر قلبي من النفاق وحصن فرجي من الفواحش اهـ، إذ لولا إن حال الاستنجاء ليس حال ذكر لكان الإتيان به حال الاستنجاء أولى كذكر أعضاء الوضوء اهـ. قوله: (حتى توضأ) قال الطحاوي هو على
стр. 394
كَرِهْت أنْ أذكُرَ اللهَ تعالى إلا على طُهْرٍ" أو قال: "على طَهارَةٍ" حديث صحيح،
ــ
الاختيار والأخذ بالاحتياط والفضل لأنه ليس من شرط رد السلام أن يكون على وضوء. قوله: (كرهت أَنْ أذكُرَ الله تعالى إلَّا عَلَى طُهْرٍ) يؤخذ منه إن الذكر يطلق على كل مطلوب قولي وأما أصل وضعه فهو ما تعبدنا به الشارع بلفظه مما يتعلق بتعظيم الحق والثناء عليه وهذا هو المراد بقول الفقهاء لا تبطل الصلاة بالذكر وجواب السلام ليس موضوعًا لذلك فإطلاق الذكر عليه مجاز شرعي سببه المشابهة "قلت" أو يكون ذلك لكون السلام في التحية هو من أسمائه الحسنى على ما سيأتي بيانه في كتاب السلام وفي الحديث السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض فأفشوه بينكم، رواه البخاري في الأدب المفرد من حديث أنس مرفوعًا والبزار من حديث ابن مسعود والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة وحينئذٍ فيؤخذ من الحديث إن الأفضل إلا توجد الأذكار الحقيقية أو المجازية إلَّا في أكمل الأحوال كالطهارة من المحدثين وطهارة الفم من الخبث.
قال الطيبي في الخبر أن من شرط الذكر أن يكون الذاكر طاهرا كيفما كان وإن ذكر الله وإن لم يكن صريحًا كما في السلام ينبغي أن يكون على الطهارة فإن المراد به السلامة لكنه مظنة لأن يكون اسما من أسمائه تعالى وفي إن رد السلام وإن كان واجبا فالمسلم في هذه الحالة مضيع لحق نفسه فلا يستحق الجواب ففيه دليل على كراهة الكلام حال قضائه الحاجة وعلى إن من قصر في جواب السلام لعذر يستحب إن يعتذر حتى لا ينسب إلى الكبر وعلى وجوب رد السلام لأن تأخيره للعذر مشعر بوجوبه اهـ. وقوله من شرط الذاكر إلخ، هو شرط الكمال في حصول فضل الذكر ونظر ابن حجر في شرح المشكاة في كلام الطيبي المذكور بإنظار لا يظهر ورود غالبها والله أعلم. قوله: (حديث صحيح) لا ينافيه قوله بعد بأسانيد صحيحة لأنه قد يصح
стр. 395
رواه أبو داود
ــ
السند دون المتن لعلة تعرض له ولذا كان
الحكم للسند بالصحة أو الحسن دون الحكم به للمتن على ما تقرر في محله، وفي نسخة مقروءة على ابن العماد وغيره "حديث صحيح" ومثله في الخلاصة للمصنف ووجهه حسن صريح وقال الحافظ بعد تخريجه حديث حسن صحيح أخرجه أحمد وابن ماجة وأبو داود والنسائي وابن خزيمة والحاكم والطبراني قال. ووقع عند الدارمي أيضًا عن المهاجر بن قنفذ أنه سلم على النبي ﷺ وهو يبول فلم يرد عليه حتى فرغ فلما توضأ رد ﵇ وهكذا أخرجه الحسن في مسنده وأبو نعيم في المعرفة وغيرهم قال الحافظ وليست هذه العلة بقادحة فإن قتادة أحفظهم وقد رواه عن الحسن عن حضين عند أبي ساسان عن المهاجر وهو عند أحمد ومن ذكر معه وقد جوده وصوب رواية ابن السكن وغيره لكن في السند علة أخرى هي إن سعيد بن أبي عروبة وقتادة والحسن موصوفون بالتدليس وقد عنعنوا هذا الحديث ولم أره مصرحا في شيء من طرقه عن واحد منهم بالتحديث وقد انجبرت رواية سعيد برواية هشام وحصين وتقدم ضبطه ابن المنذر بن وعلة بالعين الرقاشي بوزن النجاشي تابعي كبير وأبو ساسان لقب وكنيته في الأصل أبو محمد وكذا قيل قبل في شيخه إن المهاجر لقب واسمه خلق بن عمير وهو من بني تيم بن مرة قبيلة أبي بكر الصديق "قلت" تقدم أنه من بني جدعان وهم من تيم بن مرة قال الحاكم بعد تخريجه صحيح على شرط الشيخين وتعقب بأنهما لم يخرجا للمهاجر ولا خرج البخاري لأبي ساسان وعذر من صحح الحديث كثرة شواهده وإلَّا فغاية إسناده أن يكون حسنًا وأما قول الشيخ أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة بأسانيد صحيحة ففيه نظر إذ ليس له إلَّا إسناد واحد عند من ذكر من سعيد فصاعدا اهـ.
стр. 396
والنسائي وابن ماجه بأسانيد صحيحة.
ــ
قوله: (والنسائي) لكن إلى قوله توضأ وقال فلما توضأ رد عليه كذا في المشكاة وما صرح به في هذه الرواية مفهوم تلك الرواية. قوله: (بأسانيد صحيحة) قال في المشكاة رواه أبو داود قال ابن حجر في شرحها وابن ماجة سنده حسن اهـ، وهو محتمل أن يكون لخصوص ابن ماجة وأن يكون للحديث بطريقيه وعلى كل ففي كلامه مخالفة لكلام المصنف هنا والله أعلم، وسبق ما في قول الشيخ بأسانيد وإن إسناده عند من ذكرهم المصنف واحد إذ مدارهم فيه على سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن الحضين عن أبي ساسان عن المهاجر والله أعلم.
فائدة
قال الترمذي بعد تخريج حديث ابن عمر وفي الباب عن علقمة بن الفغواء بفتح الفاء وسكون المعجمة وحديثه عند المقانع وأبو نعيم في الصحابة وسنده ضعيف ولفظه كان ﷺ إذا أراق الماء لا يكلمنا ولا نكلمه، وعن جابر، قلت وحديثه عند ابن ماجة وأبي يعلى وسنده حسن، وعن البراء أنه سلم على النبي ﷺ وهو يبول فلم يرد عليه حتى فرغ قال الحافظ بعد تخريجه شذ راوي الحديث في قوله عن البراء إنما المحفوظ عن المهاجر قال الحافظ في الباب عن أبي جهيم قلت وسبق بيان لفظه ومن خرجه وأنه أصح ما ورد في الباب وعن عبد الله بن حنظلة وفي آخر سنده مبهم قال الحافظ إن كان صحابيًّا فالحديث صحيح وإن كان تابعيًّا فالحديث منقطع والحديث كذلك عند أحمد ولفظه عن رجل عن عبد الله بن حنظلة أن رجلًا سلم على النبي ﷺ وهو يبول فلم يرد عليه حتى قال بيده يعني
تيمم قال الحافظ ورجال ثقات إلَّا الرجل المبهم وعن عبد الله بن حنظلة صحابي صغير قتل يوم الحرة وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه ابن عدي في الكامل
стр. 397
باب النهي عن السلام علي الجالس لقضاء الحاجة
قال أصحابنا: يكره السلام عليه، فإن سلَّم لم يستحِقَّ جوابًا، لحديث ابن عمر والمهاجِر المذكورَين في الباب قبله.
ــ
بسند ضعيف وعن جابر بن سمرة وهو حديث حسن عند الطبراني في الكبير ولفظه قال دخلت على النبي ﷺ وهو يبول فسلمت عليه فلم يرد علي السلام ودخل حتى توضأ ثم رجع فقال عليك السلام وأخرجه في الأوسط أيضًا وقال لا يروى عن جابر ابن سمرة إلّا بهذا الإسناد تفرد به الفضل أي ابن قدامة وعن أبي هريرة أخرجه ابن عدي في الكامل وعن عثمان أنه كان بالمقاعد فتوضأ فسلم عليه حتى فرغ من وضوئه ثم ذكر خبرًا مرفوعًا خرجه أبو يعلى اهـ.
باب النهي عن السلام على الجالس لقضاء الحاجة
ومثله كما يعلم مما مر عن السمهودي حال الاستنجاء بعد قضائها. قوله: (فإن سَلم عليه لَمْ يَستحِقَّ جوابًا) هذا أحد المواضع التي لا يستحق فيها المسلم الجواب لتقصيره وقد نظم الإمام العالم العارف ابن رسلان منها اثنين وعشرين موضعًا فقال:
رد السلام واجب إلّا على ... من في الصلاة أو بأكل شغلا
أو شرب أو قراءة أو أدعيه ... أو ذكر أو في خطبة أو تلبيه
أو في قضاء حاجة الإنسان ... أو في إقامة أو الأذان
أو سلم الطفل أو السكران ... أو شابة يخشى بها افتتان
أو فاسق أو ناعس أو نائم ... أو حالة الجماع أو تحاكم
أو كان في الحمام أو مجنونا ... فهذه اثنان بعدها عشرونا
وفي بعضها نظر يعلم مما يأتي في كتاب السلام إن شاء الله تعالى. قوله: (لحديث ابن عُمَرَ والمُهاجِرِ) فيه إن حديث المهاجر مقتض أنه سلم عليه بعد أن توضأ وتقدم
стр. 398
باب ما يقول إذا خرج من الخلاء
يقول: "غُفْرَانَكَ، الحَمْدُ لِلهِ الذي أذْهبَ عَني الأذى وعافاني".
ثبت في الحديث الصحيح في "سنن أبي داود" و"الترمذي" أن رسول الله ﷺ كان يقول:
ــ
التصريح به في رواية النسائي وكذا حديث ابن عمر في طريق أبي بكر العمري كما سبقت الإشارة إليه نعم ظاهر حديث ابن عمر من طريق قتادة وهي الطريقة الراجحة كما تقدم يقتضي ما ذكر والله أعلم.
باب ما يقول إذا خرج من الخلاء
قوله: (ثبت في الحديث الصحيح إلخ) وفي الخلاصة للمصنف عن عائشة ﵂ كان
رسول الله ﷺ إذا خرج من الغائط قال غفرانك صحيح رواه الثلاثة يعني أبا داود والترمذي والنسائي في اليوم والليلة قال الترمذي حسن اهـ، وفي المشكاة رواه الترمذي وابن ماجة والدارمي قال شارحها بعد أن زاد أبا داود والنسائي ما لفظه وسنده حسن وكأنه أخذه من قول الترمذي في جامعه حديث غريب حسن لا نعرفه إلَّا من حديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة ولا يعرف في الباب إلّا حديث عائشة اهـ، ولم نقف على تصحيح المصنف المذكور، العلم الثبت المشهور مع إن كلام الترمذي لا ينافي كلام المصنف لأن الحديث الحسن يرتقي بالعاضد من الحسن إلى الصحة للغير وما هنا من ذلك لتعدد طرقه ورواته وحينئذٍ فيكون الحديث حسنًا لذاته وهو مراد الترمذي وصحيحًا لغيره وهو مراد المصنف والله أعلم وفي الجامع الصغير روى حديث عائشة أحمد والأربعة وابن حبان والحاكم في المستدرك اهـ. قال في السلاح ولفظ الترمذي وابن حبان كان ﷺ إذا خرج من الخلاء قال
стр. 399
"غفْرَانك"
ــ
غفرانك وسيأتي لهذا المقام مزيد. قوله: (غفرانَكَ) قال السيوطي في مرقاة الصعود وقع في بعض نسخ ابن خزيمة غفرانك ربنا وإليك المصير قال البيهقي وهي مدرجة ألحقت في حاشية الكتاب من غير علمه، نعم وقعت هذه الزيادة في حديث علي وبريدة كما سيأتي بيانه عند قول الشيخ وروى النسائي وابن ماجة باقيه، قال الخطابي الغفران مصدر كالمغفرة ونصب بإضمار أسألك ونحوه "قلت" قال في المجموع وهو المختار، أي ويجوز كونه منصوبًا على المفعولية المطلقة أي اغفر غفرانك وفي مناسبته هنا قولان: قيل من ترك الذكر أي باللسان مدة لبثه في الخلاء وكان لا يترك ذكر الله إلَّا في تلك الحالة وقيل خوفًا من تقصيره في أداء شكر هذه النعمة الجليلة إن أطعمه ثم هضمه ثم سهل خروجه فرأى شكره قاصرًا عن بلوغ حق هذه النعمة فتداركه بالاستغفار اهـ. ولذا رأى الشيخ نصر المقدسي تكرار ذلك مرتين ونقله السمهودي في حاشية الروضة عن القاضي الحسين والمحاملي والجرجاني وغيرهم، والمحب الطبري تكراره ثلاثًا واستغربه السمهودي، لكن ضعفا بأن الأخبار ساكتة عن طلب التكرار، وفي شرح المنهاج الصغير لابن شهبة الغفران مأخوذ من الغفر وهو الستر فكأنه يسأل من الله تمام المنة بتسهيل الأذى وعدم حبسه لئلا يفضي إلى شهرته وانكشافه وقيل أنه لما خلص من النجو المثقل للبدن سأل التخليص مما يثقل القلب وهو الذنب لتكمل الراحة اهـ. وفي شرح العباب قال بعضهم وأصح هذه الوجوه هو الثاني دون الأول لأن ترك الذكر حينئذٍ هو المشروع فكيف يكون تركه تقصيرًا ويرد بأن فيه تقصيرًا من حيث أنه تعاطى لأجل شهرته ما اقتضى ترك الذكر فكان في شهود التقصير حينئذٍ من إجلال الله والاعتراف بعدم الوفاء بشكر نعمته ما لا يخفى عظم وقعه اهـ، قوله يسأل تمام المنة إلخ، أي دوام ذلك عند الحاجة إليه لا التي ذكر بعدها لأنها تمت وخرج منها، قوله وهو الذنب، أي بالنسبة لسائر الأمة أما بالنسبة إليه ﷺ فأتى به خضوعًا لربه وتعليمًا لأمته ثم يجوز أن يكون غفرانك منصوبًا على
стр. 400
وروى النسائي وابن ماجة باقيه.
وروينا عن ابن عمر ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال:
ــ
أنه مصدر جعل بدلًا من اللفظ نحو ضربًا زيدا أو على أنه مفعول مطلق كما تقدم فعلى الأول يجب حذف عامله دون الثاني فافهم وقيل معناه أستغفرك فهو مصدر موضوع موضع الخبر قاله أبو حيان في النهر والله أعلم. قوله: (وروى النسائي وابن ماجة باقيه) فرواه ابن ماجة من حديث أنس والنسائي من حديث أبي ذر يرفعه قال ابن حجر في
شرح المشكاة وسنده حسن وكذا رواه من حديثه ابن السني في عمل اليوم والليلة وعبارة ابن حجر في الشرح توهم إن الحديث عبد ابن ماجة من حديث أبي ذر وليس مرادًا فلم يروه ابن ماجة في سننه إلَّا من حديث أنس وقال يقال إن ابا زرعة قال: إسماعيل ضعيف الحديث وهو مكي، وهذا مكي والحديث منكر فإن أبا حاتم قال أصح ما فيه أي الباب حديث عائشة اهـ. وفي الخلاصة للمصنف بعد أن أورده في فضل الضعيف من أحاديث ما لفظه قال الترمذي لا يعرف في الذكر عند الخروج إلَّا حديث عائشة اهـ، وكأن صاحب السلاح لم يذكره فيما يقال عند الخروج من الخلاء لذلك ولعل ابن حجر لم يقف على هذا الكلام أو قام عنده ما يدفع ذلك أو أراد أنه اعتضد بتعدد طرقه فارتفع عن درجة الضعف والنكارة إلى درجة الحسن للغير والاعتبار والله أعلم، والمراد بباقيه هو "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني" وقد روى ذلك ابن السني من حديث أبي ذر كما تقدم ثم ظاهر تقرير المصنف نفع الله به إن النسائي وابن ماجة رويا قوله الحمد لله إلخ، دون قوله غفرانك وليس مرادًا فقد رويا ذلك أيضًا من حديث عائشة كما أشرنا إليه في الكلام عليه والأوضح في التعبير المطابق
стр. 401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لما ذكرناه من التقرير "وثبت في الحديث الصحيح في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة أي عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقول غفرانك وروى النسائي وابن ماجة باقيه " أي في حديث مستقل على ما لا يخفى على المتقين المشتغل فهو عند النسائي من حديث أبي ذر وعند ابن ماجة من حديث أنس ثم رأيت الحافظ ابن حجر أشار إلى بعض ما ذكرته أولًا من قولي أولًا فقد رويا ذلك إلخ، وآخرًا من قولي فهو حديث مستقل، وعبارته كلام الشيخ يوهم إن الحديث واحد اختصره بعضهم وليس كذلك بل قوله غفرانك أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة كلهم عن عائشة والكلام الذي بعده أخرجه النسائي من حديث أبي ذر وابن ماجة من حديث أنس والأسانيد الثلاثة متباينة وحديث عائشة أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد أيضًا قال الحافظ وسنده حسن صحيح ومداره عند جميع رواته على إسرائيل بن يونس قال الدارقطني تفرد به إسرائيل عن يوسف ويوسف عن أبيه وأبوه عن عائشة وقال الترمذي حديث حسن غريب ولا نعرف في الباب إلَّا حديث عائشة قال الحافظ إن أراد هذا اللفظ بخصوصه ورد عليه حديث علي وبريدة وقدمناه في الباب قبله وإن أراد أعم من ذلك. وردت عليه أحاديث أبي ذر وأنس وشواهدها فلعله أراد مما يثبت ووقع في المهذب بلفظ "ما خرج النبي ﷺ من الخلاء إلّا قال غفرانك" قال المصنف في شرحه أخرجه الأربعة عن عائشة ولفظهم كلهم "كان إذا خرج من الغائط قال غفرانك" وبين اللفظين تعارض قال الحافظ أخرجه الترمذي بلفظ الخلاء والنسائي بلفظ ما خرج إلّا فاندفع الاعتراض وذكر ابن أبي حاتم في العلل إن حديث عائشة أصح شيء في الباب وفيه إشارة إلى أنه ورد فيه غيره وحديث أبي ذر حسن أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة من طريق سفيان الثوري عن أبي ذر موقوفًا أنه كان يقول إذا خرج من الخلاء الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني وأخرجه من طريق شعبة عن منصور
стр. 402
"الحَمْدُ لِلهِ الذي أذاقَني لذَّتَهُ، وأبقى فيَّ قوّتَهُ، وَدَفعَ عَني أذاهُ"
ــ
بن المعتمر مرفوعًا وموقوفًا لكن خالف سفيان في اسم شيخ منصور فإن سفيان رواه عن منصور هو ابن المعتمر عن أبي علي الأزدي عن أبي ذر ورواه شعبة عن منصور عن أبي الفيض عن أبي ذر وأبو
الفيض لا يعرف اسمه ولا حاله ورجح أبو حاتم رواية سفيان على رواية شعبة وهذا منفي عنه الاضطراب وقد مشى المصنف في شرح المهذب على ظاهره فقال رواه النسائي بسند مضطرب غير قوي قال الحافظ أبو علي الأزدي ذكره ابن حبان في ثقات التابعين فقوي ويزداد قوة بشاهده ومن طريقة الشيخ تقديم المرفوع على الموقوف إذا تعارضا فليكن ذلك هنا وحديث أنس أخرجه ابن ماجة ورواته ثقات إلّا إسماعيل بن مسلم وجاء عن أنس حديث آخر يأتي في شواهد حديث ابن عمر وله ولحديث أبي ذر شاهد من حديث حذيفة وأبي الدرداء أخرجه ابن أبي شيبة عنهما موقوفًا بلفظ حديث أبي ذر وأخرج البيهقي في حديث عائشة زيادة ولفظ غفرانك ربنا وإليك المصير وأشار إلى أن هذه الزيادة وهم وأخرج الحديث من طريق آخر بدون تلك الزيادة وقد وقعت الزيادة في حديث علي وبريدة ثم سبب الحمد في هذا المقام ترادف الفضل والإنعام على المتبرز بإزالة ضرر ما في جوفه الذي لو بقي منه أدنى شيء لأضر إضرارًا بينًا.
قوله: (الحمدُ لله الذي أذاقَني لَذَّته إلخ) في شرح العباب قلادة إن الطبراني أخرجه أيضًا كذلك ثم قال في رواية "وابقى في قوته ودفع عني أذاء" وفي أخرى "الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني وأمسك عليّ ما ينفعني" فينبغي الجمع بين ذلك كله اهـ. وفي كتاب ابن السني أيضًا من كتاب أنس كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الغائط قال الحمد لله الذي أحسن إلي في أوله وآخره وفي شرح العدة وكان علي ابن أبي طالب ﵁ إذا خرج من الخلاء مسح بطنه وقال يا لها من نعمة لو نعلم قدرها اهـ.
قوله: (رواه ابن السني) أي من جملة حديث هو "كان ﷺ إذا دخل الخلاء قال اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس
стр. 403
رواه ابن السني والطبراني.
ــ
الخبيث المخبث الشيطان الرجيم وإذا خرج قال الحمد لله الخ" قال الحافظ بعد تخريج ما ذكره الشيخ من حديث ابن عمر الحديث غريب أخرجه المعمري في اليوم والليلة وابن السني وفي سنده ضعيفان وانقطاع لكن للحديث شواهد منها عن عائشة مرفوعًا إن نوحًا ﵇ لم يقم عن خلاء قط إلَّا قال الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى منفعته في جسدي وأخرج عني أذاه حديث غريب أخرجه المعمري والخرائطي في فضيلة الشكر وفي مسنده الحارث بن شبل وهو ضعيف وأخرجه العقيلي وابن عدي فيما أنكره من حديثه وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج عن بعض أهل المدينة قال حدثت أن نوحًا كان يقول فذكر نحوه وأخرجه ابن أبي شيبة عن هشيم عن العوام بن حوشب قال حدثت إن نوحًا فذكره ومنها عن أنس أخرجه ابن السني عنه قال كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال الحمد لله الذي أحسن إلي في أوله وآخره وعبد الله بن محمد العدوي الذي أخرجه ابن السني من طريقه ضعيف ومنها عن طاوس قال قال رسول الله ﷺ فذكر حديثًا في آداب الخلاء وقال فيه ثم ليقل إذا خرج الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني وأبقى علي ما ينفعني أخرجه الطبراني وقال لم نجد من وصل هذا الحديث قال الحافظ وفيه مع إرساله ضعف رفعه ابن صالح أحد رواته وقد أخرجه عبد الرزاق عن زمعة من وجه آخر اهـ. وفي شرح المنهاج الصغير لابن شهبة وفي مصنف
عبد الرزاق وابن أبي شيبة أن نوحًا ﵇ كان يقول الحمد لله الذي أذاقني لذته إلخ. اهـ، وكأنه لم يقف على هذا الخبر المرفوع وإلَّا لما عدل عنه إلى غيره وبه يعتذر أيضًا عما في شرح العدة لابن جمعان وكان بعض السلف يقول الحمد لله إلخ، أو غفل عنه حال التأليف أو شك في كونه من المرفوع ولم يراجعا الأصول والله أعلم.
(تم الجزء الأول ويليه الثاني)
стр. 404
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب ما يقول إذا أراد صب ماء الوضوء أو استقاءه
يُستحبّ أن يقول: "بسم الله" كما قدَّمناه.
باب ما يقول على وضوئه
يُستحب أن يقول في أوله: بسم الله الرّحمن الرَّحيم وإن قال: "بسم الله" كفى. قال أصحابنا: فإن ترك التسمية في أول الوضوء
ــ
باب ما يقول إذا أراد صب ماء الوضوء أو استقاءه
أي استقاء الماء فاستقاء مصدر مضاف للمفعول الضمير الراجع إلى الماء والفاعل محذوف أي استقاء المتوضيء الماء. قوله: (لما قدمناه) أي في باب ما يقول إذا لبس ثوبه من قوله تستحب التسمية في جميع الأحوال وهو يبين أن المراد هنا البسملة جميعها وفي المجموع يمكن أن يحتج على المسألة أي التسمية أول الوضوء بحديث كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أو بذكر الله اهـ. وقدمنا عن ابن عبد السلام في ذلك تفصيلًا فليكن منك ببال وفي شرح مسلم للمصنف ويستحب البدء بالحمد لله في جميع الأعمال أيضًا.
باب ما يقول على وضوئه
هو بضم الواو عند أهل الشرع استعمال الماء في أعضاء مخصوصة مبدوءًا بنية إما بالفتح فيطلق على الماء المعد للوضوء وما يستعمل في الوضوء وما يبقى منه في الإناء بعد الوضوء وظاهر أنه لا بد عليه من تقدير المضاف أي استعمال الوضوء. قوله: (في أوّله) أي أول الوضوء الشرعي وأوله غسل الكفين فيسمى عند غسلهما
стр. 405
أتى بها في أثنائه،
ــ
لفظًا ويقرن بها نية الوضوء قلبًا ثم يتلفظ بالنية باللسان وقيل أول الوضوء السواك والمختار الأول وعليه فالسواك بعد غسل الكفين قبل المضمضة لكن من المقرر إن السواك يتأكد بالذكر والتسمية ذكر فيسن السواك قبلها لذلك لا لكونه من الوضوء قال ابن حجر الهيتمي وهذا ظاهر وإن لم يصرحوا به اهـ، ثم التسمية في الوضوء سنة عين وفارق الأكل بأن القصد من التسمية فيه عود البركة على الطعام ومنع الشيطان منه وهي حاصلة بتسمية واحد من الجماعة مجتمعين آكلين والقصد منها في الوضوء عود البركة على نفس الفاعل بتكميل عبادته وهذا لا يوجد بذكر الغير. قوله: (أتى بها في أثنائه) فيقول باسم الله أوله وآخره.
قوله: (كفى) أي في حصول أصل السنة قال في المجموع وهو محصل لفضيلة التسمية بلا خلاف ونقله عن جمع ثم محل كون أكملها أفضل بالنسبة لذي الحدث الأصغر أما ذو الحدث الأكبر
فيقتصر على بسم الله ويجوز زيادة الرحمن الرحيم نقله السمهودي عن شرح المذهب للمصنف وفي شرح العباب لابن حجر قيل الأولى للجنب باسم الله العظيم أو الحليم حتى يخرج بها عن نظر القرآن وحكي في المجموع عن بعضهم إن التسمية لا تسن للجنب وهو ضعيف لأن التسمية ذكر ولا تكون قرآنًا إلَّا بالقصد وحكاية وجه كراهة بسم الله الرحمن الرحيم نازع الإسنوي في ثبوته اهـ، بالمعنى وفي حواشي ابن قاسم على التحفة وقع السؤال هل يقوم مقام البسملة الحمد لله أو ذكر الله كما في بداءة الأمور فأجاب محمد الرملي بالمنع لأن البداءة ورد فيها طلب البداءة بالبسملة وبالحمدلة وبذكر الله وهذه لم يرد فيها إلّا طلب البسملة بقوله توضؤوا باسم الله أي قائلين ذلك كما فسره به الأئمة وأقول لقائل أن يقول إن حديث كل أمر ذي بال شامل للوضوء اهـ. قلت وقد صرح المصنف في شرح مسلم بأنه يستحب أن يحمد الله ويذكره أول كل أمر ذي بال آخذًا بالحديث
стр. 406
فإن ترکها حتى فرغ فقد فات
محلُّها فلا يأتي بها
ــ
المذكور وقد سبق نقل عبارته فيما يقول عند لبس ثوبه. قوله: (فإِنْ تَرَكَهَا حَتَّى فَرَغَ فَلَا يَأْتِي بِهَا لفَواتَ مَحَلهَا) قال في شرح الروض والظاهر أنه يأتي بها بعد فراغ الأكل ليتقي الشيطان ما أكله اهـ، ونظر فيه في الإمداد بأن القصد بالتسمية التبرك وتقايؤ الشيطان أمر زائد على ذلك، على أنه قيل ليس المراد حقيقة ثم رأيت حديثًا في الأوسط للطبراني ولفظه من نسي أن يذكر الله في أول طعامه فليذكر الله في آخره وهو يؤيد ما قاله الشيخ وإن كان في سنده ضعف لكنه مقيد بحال النسيان اهـ، ولك إن تقول يحتمل أن يكون المراد من النسيان في الخبر الترك كما في قوله تعالى: ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ [طه: ١٢٦]، أو تبقيه على ظاهره من قابل العمد ويكون خرج مخرج الغالب من أنه للمبسمل عادة غالبة لا يترك الذكر عند الطعام إلا نسيانًا فلا مفهوم له ويؤيد ذلك إن الإتيان بها أثناء الأكل لمن تركها أوله مقيد بالنسيان رواه أبو داود وغيره إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى أوله فإن نسي إن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل باسم الله أوله وآخره رواه ابن عطية في شرحه على الإرشاد وكذا رواه الترمذي في شمائله إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر اسم الله على طعامه فليقل بسم الله أوله وآخره فظهر إن لا نظر فيما اعتمده شيخ الإسلام من إطلاق استحباب التسمية على الطعام بعد تمامه سواء تركها عمدًا أو سهوًا ثم رأيت ابن حجر قال في شرح الترمذي المذكور فليقل أثناء الطعام وبعد فراغه كما شمله إطلاق الحديث وقول بعض المتأخرين لا يقول ذلك بعد فراغ الطعام لأنه إنما شرع ليمنع الشيطان وبالفراغ لا يمنع، يريد بأنا لا نسلم أنه إنما شرع لذلك فحسب، وما المانع أنه شرع بعد الفراغ أيضًا ليقيء الشيطان ما أكله والمقصود حصول ضده وهو
стр. 407
ووضوءه صحيح، سواء تركها عمدًا أو سهوًا، هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء، وجاء في التسمية أحاديث ضعيفة، ثبت عن أحمد بن حنبل ﵀ أنه قال: لا أعلم في التسمية في الوضوء حديثًا ثابتًا.
ــ
حاصل في الحالين اهـ. قوله: (وَوُضوؤُهُ صحيحٌ) هذا مذهب جماهير العلماء قال في شرح السنة وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لو ترك التسمية أعاد الوضوء وقال إسحاق إن ترك عمدًا أعاد وإن ترك ناسيا أو متأولًا أجزأه وذهب أهل الظاهر إلى أنها واجبة وعن أبي حنيفة رواية أنها ليست بمستحبة عن مالك أنها بدعة ورواية أنها مباحة لا فضيلة في فعلها وتركها وذهب أكثر أهل العلم إلى إن تركها لا يمنع صحة الطهارة قال السخاوي ولا أعلم من قال بوجوب التسمية إلّا ما جاء عن أحمد في إحدى
الروايتين عنه وبه قال ابن راهويه وأهل الظاهر. قوله: (ثبت عن أحمدَ بن حنبل) أنه قال لا أعلم في التسمية في الوضوء حديثًا ثابتًا نقله عنه المصنف في الخلاصة وابدل قوله ثابتًا بقوله صحيحًا وفي شرح السنة عن أحمد لا أعلم في هذا الباب حديثًا له إسناد جيد قال علماء الأثر إذا قال الحافظ الحاكم الذي أحاط بمعظم السنة أي كأحمد بن حنبل لم أقف على شيء في كذا ولا أعرفه أو نحو ذلك استفيد منه عدم وروده وما نقل عن بعض السلف لما قال في حديث لا أعلمه فقيل له أحطت بكل السنة فقال لا فقيل بالنصف قال أرجو قيل فاجعل هذا من النصف الذي لم تحط به محمول على ما قبل تدوين السنن "تنبيه" في الخلاصة للمصنف عن ثابت عن أنس ﵁ قال نظر أصحاب رسول الله ﷺ وضوءًا فلم يجدوا فقال رسول الله ﷺ ها هنا وضوء فرأيت النبي ﷺ وضع يده في الإناء الذي فيه الماء فقال توضؤوا باسم الله فرأيت الماء يفور من بين أصابعه والقوم يتوضؤون حتى توضؤوا عن آخرهم قال ثابت فقلت لأنس كم كانوا قال كانوا نحوًا من سبعين رجلًا رواه البيهقي بإسناد
стр. 408
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جيد وقال هذا أصح ما في الباب اهـ، وكذا رواه النسائي بإسناد جيد كما في شرح الروض والجيد عند علماء الأثر بمعنى الصحيح كما قاله الزركشي في حواشي ابن الصلاح قال قال ابن المبارك ليس جودة الحديث قرب الإسناد صحة الرجال ذكره ابن السمعاني في أدب الاستملاء اهـ. ولعله مستند ابن حجر حيث قال في شرح المشكاة في أثناء كلام للخبر الصحيح توضؤوا باسم الله اهـ. وقال في شرح العباب لما صح من قوله ﷺ توضؤوا باسم الله ونقل في الخلاصة بعده كلام أحمد كما سبق وسكت عليه، وبين كلاميه مخالفة لا تخفى لأن الإقرار على الكلام رضىً به وقد أخذ المحدثون ضعف المرسل عند مسلم من إيراده ذلك في سؤال وسكوته عليه وحينئذٍ فيكون آخر كلام المصنف المصرح بضعف أحاديث التسمية في الوضوء مخالفًا لأول المذكور في حديث البيهقي إذ المراد من قوله فيه توضؤوا باسم الله أي توضؤوا قائلين ذلك وقد يقال لا منافاة لما تقرر إن الحكم على الإسناد لا يلزم مجيئه في المتن فقد يكون السند مقبولًا والمتن معلولًا ويؤيد ذلك أنه لو كان صحيحًا في ذاته لقال وهو حديث صحيح في التسمية فعدوله عن ذلك. إلى قوله أصح ما في الباب قد يومئ إلى ما أشرنا إليه قال المصنف كما يأتي المحدثون يقولون هذا الحديث أصح ما في الباب ولا يريدون صحته في نفسه بل أنه أقل ضعفا من غيره من أحاديث الباب والله أعلم، أو يقال كلام أحمد مخصوص بغير حديث أنس المذكور والسكوت عن التعقب في الأخير اكتفاء بما يفهمه سابق الكلام من التصريح بجودة ذلك الخبر الصحيح على أنه تعقب البيهقي بأن حديثه غير صريح لاحتمال أن يكون المعنى باسم الله، الإذن كما سيأتي عند أواخر الباب وفي شرح التحرير للشيخ زكريا وسن تسمية عند غسل الكفين للأمر بها وللاتباع في الاخبار الصحيحة ثم رأيت الحافظ ابن حجر قال بعد نقل كلام أحمد المذكور لا يلزم من نفي العلم ثبوت العدم وعلى التنزل لا يلزم من نفي الثبوت ثبوت الضعف لاحتمال أن يراد بالثبوت الصحة فلا ينتفي الحسن وعلى التنزل لا يلزم من نفي الثبوت
عن كل فرد نفيه عن المجموع وكلام الإمام
стр. 409
فمن الأحاديث حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : لا وضوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَليهِ" رواه أبو داود وغيره.
ــ
أحمد جاء عنه من طرق فأخرج ابن عدي في الكامل عن أحمد بن حفص السعدي قال سئل أحمد عن التسمية في الوضوء فقال لا أعلم فيه حديثًا ثابتًا أقوى شيء من حديث كثير بن زيد عن ربيح بن عبد الرحمن وربيح ليس بالمعروف وسيأتي بيانه في حديث أبي سعيد ونقل الخلال في العلل عن أحمد قال ليس فيه شيء يثبت وأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق الأثرم قال قال أحمد أحسن شيء فيه حديث كثير بن زيد وقال ابن راهويه أصح شيء فيه حديث كثير بن زيد ونقل الترمذي عن أحمد نحو ما تقدم وعن البخاري قال أقوى شيء فيه عندي حديث عبد الرحمن بن رباح وهو غير ربيح بن عبد الرحمن وسيأتي الكلام على حديث عبد الرحمن في الكلام على حديث سعيد.
قوله: (فَمِنَ الأَحاديثِ) حديث أبي هريرة لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه هو من جملة حديث أورده في الخلاصة ولفظه عن أبي هريرة مرفوعًا لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء إلخ، ولم يذكر مخرجه وذكره هنا بقوله رواه أبو داود وغيره وقال الحافظ بعد تخريجه بجملة، حديث غريب أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة والدارقطني والحاكم في المستدرك ومدار الحديث عندهم على قتيبة وصححه الحاكم وتعقب بأنه وقع في رواية يعقوب بن أبي سلمة فظنه الماجشون أحد رواة الصحيح فصححه لذلك وهو خطأ إنما هو يعقوب بن سلمة الليثي لا ابن أبي سلمة وهو شيخ جليل الحديث ما روى عنه من الثقات سوى محمد بن موسى وأبوه يعقوب مجهول ما روى عنه سوى ابنه وقد نقل الترمذي عن البخاري يقول لا يعرف ليعقوب سماع من أبيه ولا لأبيه سماع من أبي هريرة وله شاهد من وجه آخر عن أبي هريرة أخرجه
стр. 410
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدارقطني عن محمود بن محمد المظفري حدثنا أيوب بن البخاري عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ ما توضأ من لم يسم وما صلى من لم يتوضأ وما آمن بي من لم يحبني وما أحبني من لم يحب الأنصار هذا حديث غريب تفرد به المظفري ورواته من أيوب فصاعدا مخرج لهم في الصحيح لكن قال الدارقطني في المظفري ليس بالقوي وقال ابن معين سمعت أيوب بن البخاري يقول لم أسمع من يحيى بن أبي كثير سوى حديث واحد وهو حديث احتج آدم وموسى فعلى هذا يكون في السند انقطاع إن لم يكن المظفري دخل عليه إسناد في إسناد وجاء عن أبي هريرة من طرف أخرى مختلفة الألفاظ والمعاني فأخرجه الدارقطني عنه مرفوعًا بلفظ من توضأ فذكر اسم الله تطهر جسده كله ومن توضأ فلم يذكر اسم الله لم يطهر سوى موضع الوضوء حديث غريب تفرد به مرداس من ولد أبي موسى الأشعري ضعفه جماعة ووثقه بعض وبقية رجاله ثقات اهـ. وفي الجامع الصغير عزو تخريج حديث أبي هريرة بجملته إلى أحمد وأبي داود وابن ماجة والحاكم ومن حديث سعيد بن أبي زيد إلى ابن ماجة فقط لكن في المشكاة أنه من حديث سعيد رواه الترمذي أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري عن أبيه رواه الدارمي اهـ. قلت ورواه من حديث أبي سعيد وسهل بن سعد بن ماجة وقال الترمذي قال محمد بن إسماعيل أحسن شيء في هذا الباب حديث عبد الرحمن بن رباح يعني هذا الحديث المروي عن أبي سعيد كما سيجيء تحقيقه ووقع في نسخة من شرح السنة للبغوي عزو تخريجه للبخاري وهو غلط
من الكتاب بلا ارتياب قال البيضاوي هذه الصيغة حقيقة في نفي الشيء ويطلق مجازًا على نفي الاعتداد به لعدم صحته نحو لا صلاة إلَّا بطهور أو كماله نحو لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد والأول أشيع وأقرب إلى الحقيقة فيتعين المصير إلى ذلك ما لم يمنع مانع وههنا محمول على نفي الكمال اهـ. قال العاقولي وهو محمول على الكمال خلافًا لأهل الظاهر لما روي مرفوعًا ومن
стр. 411
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
توضأ ولم يذكر اسم الله كان مطهرًا لأعضاء وضوئه اهـ. وفي شرح السنة للبغوي وتأوله آخرون على النية وجعلوا الذكر ذكر القلب وهو أن يذكر أنه يتوضأ لله امتثالًا وسيأتي توجيه أقرب من هذا وحكي هذا المعنى عن ربيعة شيخ مالك وجعل هذا القائل الاسم في قوله لمن لم يذكر اسم الله مقحمًا اهـ. وفي المجموع بعد نقل هذا الجواب أي الأخير عن الدارمي والقاضي حسين وآخرين حكاه عنهم الخطابي اهـ. وفي مرقاة الصعود للسيوطي هذا التأويل أي المنقول عن ربيعة نقله الخطابي عن جماعة من العلماء وإنهم تأولوه على النية وذلك أنهم قالوا إن الأشياء قد تعتجر بأضدادها فلما كان النسيان محله القلب كان محل ضده الذي هو الذكر القلب وإنما ذكر القلب النية والعزيمة قال ابن العربي قال علماؤنا المراد بهذا الحديث وذكر نحوه قال الولي العراقي وفي كلام ربيعة إن لفظ الحديث لمن لم يذكر الله عليه والتأويل الذي ذكره أقرب إلى اللفظ الذي حكاه وهو بعيد من لفظ الحديث اهـ. قلت وليس ببعيد على الرواية المذكورة لما تقدم إن القائلين بذلك التأويل يقولون إن اسم مقحم في الحديث وفي شرح التحرير للشيخ زكريا وإنما يجب لآية الوضوء المبينة لواجباته ولقوله ﷺ للأعرابي توضأ كما أمرك الله رواه الترمذي وحسنه وليس فيما أمر الله تسمية وأما خبر لا وضوء لمن لم يسم الله ففي الإمداد أنه ضعيف كما قال النووي لكنه متعقب أو محمول على الكمال اهـ. "قلت" ويؤيد التعقب إن السيوطي جعل بجانب الحديث علامة الصحة في الجامع الصغير "تنبيه" وقع لبعض المتأخرين إن أحمد أخذ وجوب التسمية من هذا الحديث ورده أصحابنا بضعفه أو بحمله على الكمال للحديث الصحيح لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله فيغسل وجهه ويديه ويمسح رأسه ويغسل رجليه اهـ، وفيه نظر لما نقله المصنف وغيره عن الحافظ كالترمذي عنه من عدم ثبوت حديث في التسمية عنده فكيف يقال بأخذه الوجوب من هذا الخبر من تصريحه بضعفه؟ وقد قدمنا في الفصول أن ما يعزى إلى أحمد من الاستدلال
стр. 412
ورويناه من رواية سعيد بن زيد وأبي سعيد وعائشة وأنس بن مالك وسهل بن سعد ﵃، رويناها كلها في "سنن البيهقي" وغيره،
ــ
بضعيف الخبر عنه فقد غيره المراد به الحسن فإنه ضعيف بالنسبة للصحيح لا الضعيف المقابل للمقبول لأنه لا يحتج به في شيء من الأحكام الظاهر إن أحمد له مستند صريح صحيح أخذ منه الوجوب وهو غير مذكرر وتوهمه البعض أنه الخبر المسطور والله أعلم، وفي المجموع احتج من أوجبها بحديث لا وضوء لمن لم يسم الله عليه ولأنها عبادة يبطلها الحدث فوجب في أولها نطق كالصلاة واحتج من لم يوجبها بآية الوضوء وبأنه عبادة لا يجب في آخرها ذكر فلا يجب في أولها كالطواف اهـ. وهي لإجمال من قال بالإيجاب أبعد عن الإيراد السابق لاحتمال إن المراد منه ما عدا أحمد والقرينة على هذا المراد، ما تقدم عنه من ضعف كل خبر في التسمية ولعله ممن استدل بالدليل الثاني المشار إليه في كلام المجموع والله أعلم، ثم رأيت في شرح العباب لابن حجر فيما يقوم مقام الفاتحة من اشتراط سبعة أنواع من الدعاء بحديثه الآتي بما فيه
ومنه قوله وضعفه النووي في المجموع ثم نقل عن جمع أن النووي أخذ بمقتضى ذلك الحديث في التنقيح وتعقبه بأن هذا الأخذ إنما يتم عند من يصحح الحديث دون من يضعفه كالنووي فأخذه في التحقيق بقضيته مع تضعيفه له في المجموع قادح في التضعيف اهـ، فالاعتراض بالأخذ يقتضيه الخبر مع التضعيف متوجه لوجود التصريح بأنه أخذ بذلك الحديث ولعل ما ذكر عن أحمد من ذلك وأنهم أخذوه مما أسند عنه من العمل بالخبر الضعيف وقد بيَّنا فيما مرّ آنفا مراده به والله أعلم. قوله: (ورويناهُ من رواية سعيدٍ إلخ) أما حديث سعيد بن زيد وهو أحد العشرة فلفظه قال قال رسول الله ﷺ لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله ولا يؤمن بالله من لا يؤمن بي ولا يؤمن بي من لا يحب الأنصار حديث غريب أخرجه الترمذي وابن ماجة
стр. 413
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والدارقطني ومداره على أبي ثفال بكسر المثلثة وتخفيف الفاء واسمه ثمامة بن وائل بن حصن وشيخه رباح بن عبد الرحمن يكنى أبا بكر وأبوه عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب بن عبد العزى لجده حويطب صحبة وربما نسب أبو بكر إلى جده الأعلى حويطب ولا يعرف عنه راويًا سوى أبي ثفال ورباح يروي الحديث عن جدته ووقع في بعض طرق الحديث أن اسمها أسماء ولها صحبة وهي بنت سعيد بن زيد وليس في رجال سنده من يتوقف فيه سوى رباح وتقدم النقل عن البخاري إن حديثه هذا أحسن أحاديث الباب قاله الحافظ وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل القرشي العدوي ابن عم عمر بن الخطاب يجتمع معه في نفيل كان أبوه زيد ممن اعتزل الجاهلية وجهالاتهم ووحد الله تعالى بغير واسطة وكان ذهب وورقة يطلبان الدين فتهود ورقة ثم تنصر وأبي زيد إلا الحنيفية وكان يبكي ويقول وعزتك لو أعلم الوجه الذي تعبد به لعبدتك به قيل ونزل فيه وفي سلمان وأبي ذر ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر: ١٧]، أمه فاطمة بنت بعجة الخزاعية أسلم هو وزوجه أم جميل فاطمة أخت عمر بن الخطاب في أول الإسلام وكان عمر يعذبهما في الإسلام وبسببهما كان إسلامه وأسلمت عاتكة أخت سعيد وكانت بارعة الجمال، كان سعيد من السابقين في الإسلام والهجرة وشهد المشاهد كلها إلَّا بدرا كان النبي ﷺ بعثه وطلحة يتجسسان الأخبار في طريق الشام فقدما المدينة وقعة بدر فأثبت النبي ﷺ سهمهما وأجرهما فلذا غدا في البدريين وشهد له النبي ﷺ بالجنة وبالشهادة في حديث العشرة وفي حديث تحرك "حراء" فهو أحد العشرة المبشرة والستة أصحاب الشورى وكان موصوفًا بالزهد محترمًا عند الولاة ولما فتح أبو عبيدة دمشق ولاه إياها ثم نهض بمن معه للجهاد فكتب إليه سعيد أما بعد فإني ما كنت لأوثرك وأصحابك بالجهاد على نفسي وعلى ما تدنيني عن مرضاة ربي فإذا جاء كتابي فأبعث إلى عملك من هو أرغب مني فإني قادم عليك
стр. 414
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وشيكًا إن شاء الله تعالى والسلام فعزله يزيد بن أبي سفيان، وكان أخوه من الأنصار ابن كعب، روي لسعيد ثمانية وأربعون حديثًا اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بحديث توفي بالعقيق وحمل على أعناق الرجال إلى المدينة فدفن بالبقيع سنة خمسين أو إحدى وخمسين وهو ابن بضع وسبعين سنة وصلى عليه ابن عمر ونزل في قبره هو وسعد بن أبي وقاص، له ثلاثة عشر ولدا ذكرًا وثمانية عشر أنثى والله أعلم، وأما حديث أبي سعيد فلفظه قال ﷺ ولا وضوء لمن لم
يذكر اسم الله عليه هذا حديث حسن رواه الترمذي والدارمي وابن ماجة والحاكم من طرق متعددة إلى كثير بن زيد وهو صدوق، وربيح براء مهملة وموحدة وتحتية ومهملهَ مصغر مختلف فيه وسائر رواته من رجال الصحيح وتقدم النقل عن أحمد أنه أحسن أحاديث الباب وعن إسحاق بن راهويه أصحها وصححه الحاكم وأخرج له حديث أبي هريرة المبدوء بذكره شاهدًا وتقدمت ترجمة أبي سعيد الخدري وأما حديث عائشة فلفظه قالت عائشة كان رسول الله ﷺ حين يقوم للوضوء يكفي الإناء ويسمي الله ثم يسبغ الوضوء هذا حديث غريب أخرجه ابن ماجة وأحمد وإسحاق وابن أبي شيبة في مسانيدهم من طرق عن حارثة بمهملتين ثم مثلثة مدني ضعفوه وباقي رجال السند من رجال الصحيح وقد نقل حرب الكرماني عن أحمد أنه نظر في كتاب إسحاق فقال هذا يزعم أنه يخرج أصح أحاديث الباب وقد بدأ بحديث حارثة هذا وهو أضعف أحاديث الباب انتهى وأما حديث أنس فأخرجه عبد الملك بن حبيب بلفظ لا إيمان لمن لا صلاة له ولا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يسم وهو ضعيف ولأنس حديث آخر صحيح قال طلب بعض أصحاب النبي ﷺ وضوءًا فلم يجدوا فقال النبي ﷺ ها هنا ماء فأتي
стр. 415
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بماء فوضع يده في الإناء الذي فيه الماء ثم قال توضؤوا باسم الله فرأيت الماء يفور من بين أصابعه ﷺ حديث صحيح أخرجه النسائي وابن حبان والبيهقي وقال هذا أصح شيء ورد في التسمية وتعقبه المصنف بأنه غير صريح لاحتمال أن يكون المعنى بقوله باسم الله الإذن في التناول ولا يتم المراد إلّا أن يكون المعنى توضؤوا قائلين باسم الله وقد أخرج أحمد من حديث جابر قال عطشنا ونحن مع رسول الله ﷺ فأتى بتور من ماء فوضع يده فيه فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأنها عيون ثم قال خذوا باسم الله وسنده صحيح وأصله في الصحيح وهذا يدل على أن قول باسم الله للتبرك ولذا حمله متأخرو الفقهاء عليه فقالوا التقدير توضؤوا قائلين ذلك والعلم عند الله وأما حديث سهل بن سعد فلفظه قال قال ﷺ لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه حديث غريب أخرجه ابن ماجة عن رواية عبد المهيمن بن العباس بن سهل بن سعد وعبد المهيمن ضعيف قال الحافظ وقد اقتصر الترمذي بعد تخريج حديث سعيد بن زيد على ذكر الخمسة الذين ذكرهم المصنف ووقع لي في الباب زيادة على ذلك فورد عن علي ولفظه نحو حديث سهل بن سعد وسنده ضعيف وعن أبي سبرة ولفظه مثل حديث سهل أيضًا وحديثه غريب أخرجه البغوي في كتاب الصحابة وقال عيسى بن سبرة الراوي له عن أبيه عن جده أبي سبرة منكر الحديث وعن عبد الله بن مسعود أخرجه البيهقي عنه مرفوعًا ولفظه إذا تطهر أحدكم فليذكر اسم الله فإنه يطهر جسده كله فإن لم يذكر اسم الله لا يطهر إلّا ما مر عليه الماء تفرد به يحيى بن هشام الكوفي عن الأعمش وهو متروك الحديث متفق على ضعفه وعن ابن عمر أخرج البيهقي أيضًا عنه مرفوعًا ولفظه من توضأ فذكر اسم الله عليه كان طهرا لجسده ومن توضأ فلم يذكر اسم الله عليه لم يطهر إلَّا مواضع الوضوء منه تفرد به أبو بكر الداهري واسمه عبد الله بن حكيم وهو متروك الحديث أيضًا وقد تقدم في هذا المعنى حديث لأبي هريرة وسنده ضعيف
стр. 416
وضعفها كلها البيهقي وغيره.
ــ
أيضًا قال أبو الفتح اليعمري أحاديث الباب إما
صريح غير صحيح وإما صحيح غير صريح وقال ابن الصلاح يثبت بمجموعها ما يثبت لعله: بالحديث الحسن والله أعلم اهـ، وسيأتي مزيد لهذا في ذكر الصلاة على النبي ﷺ بعد الوضوء وسبقت ترجمة عائشة وأنس بن مالك وأما سهل بن سعد فهو ابن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي الخزرجي المدني- الصحابي الجليل كان اسمه حزنا فسماه النبي ﷺ سهلا ورأى النبي ﷺ وسمع منه وشهد قضاءه في المتلاعنين وكان سنه حين توفي النبي ﷺ خمس عشرة سنة وكان يخضب بالصفرة وأحصن سبعين امرأة وطال عمره حتى أدرك الحجاج بن يوسف وامتحن معه أرسل الحجاج إليه في سنة أربع وسبعين فقال له ما منعك من نصر أمير المؤمنين عثمان فقال قد فعلت فقال كذبت ثم أمر فختم في عنقه وختم في عنق أنس بن مالك أيضًا وختم جابر بن عبد الله في يده حتى ورد عليه كتاب عبد الملك بن مروان يريد بذلك إذلالهم وإن يجتنبهم الناس ولا يسمعوا منهم روي لسهل عن النبي ﷺ مائة حديث وثمانية وثمانون حديث اتفقا منها على ثمانية وعشرين وانفرد البخاري بأحد عشر ولم ينفرد عنه مسلم بشيء مات ﵁ بالمدينة سنة ثمان وثمانين وله ست وتسعون سنة وقيل مات سنة إحدى وتسعين وقد بلغ مائة وجزم به ابن دقيق العيد وتعقب بأن على هذا سنة ست وتسعون لا مائة، وهو آخر من بقي من الصحابة بالمدينة بلا خلاف قاله ابن سعد ونوزع في نفيه الخلاف. قوله: (وضَعفها كُلها البيهقيُّ إلخ) قال في المجموع إن البيهقي في كتابه معرفة السنن والآثار جود إسناد حديث أنس وضعف الأحاديث الباقية وأما قول الحاكم أبي عبد الله في المستدرك على الصحيحين في
стр. 417
فصل: قال بعض أصحابنا، وهو الشيخ أبو الفتح نصر المقدسي الزاهد: يُستحبُّ
للمتوضيء أن يقول في ابتداء وضوئه بعد التسمية: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" وهذا الذي قاله
ــ
حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال "من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهورًا لجميع بدنه ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورًا لما مر عليه الماء أنه حديث صحيح الإسناد فليس بصحيح لأنه انقلب عليه إسناده واشتبه كذا قاله الحافظ وتقدم بيانه اهـ، وفي شرح العباب قال النووي حديث لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ضعيف وصح عن أحمد أنه قال لا أعلم في التسمية حديثًا ثابتًا لكن اعترضه العز بن جماعة بأن له طرقًا تقويه وقال المنذر لا شك أن أحاديث التسمية تكتسب قوة وتتعاضد بكثرتها انتهى وتقدم نحوه عن الحافظ.
فصل
قوله: (قال بعض أصحابنا إلخ) قال في المجموع وهذا الذي ذكره غريب لا نعلمه لغيره ولا أصل له وإن كان لا بأس به انتهى لكن تبعه ابن حجر في شرح المشكاة فقال يستحب قبلها التعوذ وبعدها الشهادتان والحمد لله الذي جعل الماء طهورًا وفي الإمداد يستحب قبلها التعوذ لما نقله المحب الطبري وبعدها الشهادتان لما قاله الشيخ نصر وبعدها الحمد لله الذي جعل الماء طهورًا لما قاله الرافعي ونصر بالنون فالصاد فالراء المهملتين وكل ما جاء من أسماء رواة الحديث على هذه
الصورة منكرًا فهو كذلك أو معرفًا فهو بالضاد المعجمة نبه عليه الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح وما قاله نصر سبقه إليه شيخه سليم وقبلهما الصيمري قال ابن حجر الهيتمي في شرح العباب أخرج المستغفري أي في
стр. 418
لا بأس به، إلا أنه لا أصل له من جهة السُّنَّة، ولا نعلم أحدًا من أصحابنا وغيرهم قال به، والله أعلم.
فصل: ولقول: بعد الفراغ من الوضوء: "أشْهدُ أنْ لا إله إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأشْهَدُ أن مُحَمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، اللهُم اجْعَلْني مِنَ
ــ
كتاب الدعوات وقال حسن غريب أنه ﷺ قال ما من عبد يقول حين يتوضأ بسم الله ثم يقول لكل عضو أشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا سْريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ثم يقول حين يفرغ اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين إلا فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء فإن قام من فوره ذلك فصلى ركعتين فقرأ فيهما ويعلم ما يقول انفتل من صلاته كيوم ولدته أمه ثم يقال له استأنف العمل وأشار ابن حجر الهيتمي إلى إن هذا الحديث يصرح بما قاله الشيخ نصر اهـ، وسبقه لذلك الحافظ فقال بعد تخريجه فيما يقال بعد الوضوء وهذا الحديث فيه تعقب على المصنف في قوله إن التشهد بعد التسمية لم يرد اهـ. قوله: (لا بأسَ بهِ) قال الحافظ السيوطي في مرقاة الصعود قال في المحكم البأس الحرب ثم كثر حتى قيل لا بأسَ عليك ولا بأس أي لا خوف قال الشيخ ولي الدين العراقي لا بأس أي لا خوف في ارتكاب ذلك فإنه جاء اهـ.
فصل
قوله: (ويقولُ بعد الفراغ) والأكمل أن يكون عقبه فورًا كما يدل عليه الفاء في. قوله: ( ﷺ من توضأ فقال إلخ) وهي مبينة لِمَ في رواية أبي داود ثم يقول حين يفرغ من وضوئه بدليل حين يفرغ وفي المجموع اتفق أصحابنا وغيرهم على استحباب هذا الذكر عقب الوضوء ولا يؤخره عن الفراغ لرواية أبي داود المذكورة وغيرها اهـ. وهو صريح في اشتراط العقبية لكن في التحفة لعله أراد بيان الأكمل اهـ، وقياس ذلك أن يقول هنا عقب
стр. 419
التَّوَّابينَ واجْعَلْني مِنَ المُتَطهِّرينَ، سُبْحانكَ اللَّهُم وَبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إلا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إليْكَ".
روينا عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ توَضأ فقال: أشْهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وحْدَهُ لا
ــ
الفراغ من الوضوء قال المحاملي أو الغسل ومثلهما التيمم كما بحثه المصنف وأفهم تعبير المصنف وغيره ببعده المأخوذ من الحديث أنه لو أتى بالذكر المذكور أول الوضوء أو قبل تمامه فلا ثواب له اهـ.
فائدة
أفتى البلقيني أنه لو وافق فراغه من وضوئه فراغ المؤذن أتى بالذكر عقب الوضوء فإنه ذكر العبادة التي فرغ منها ثم يأتي بذكر الأذان قال وفي الذكر عقب الوضوء الشهادتان وحسن أن يأتي بهما أولًا ثم يردفهما بالدعاء بعد الأذان والصلاة المتعلقة بالنبي ﷺ ثم يأتي بالدعاء لنفسه اهـ. قوله: (التَّوَّابين) عدل إليه عن التائبين مبالغة في تكرار التوبة والإكثار منها أو للمبالغة في تطهير الظاهر والباطن من كل نقص حسي أو معنوي. قوله: (أَسْتَغْفِرُكَ) أي أطلب منك المغفرة أي تستر ما صدر
مني من نقص بمحوه فهي لا تستدعي سبق ذنب خلافًا لمن يزعمه وبفرضه فمن يخلو عن الذنب سوى من عصمه أو حفظه الرب وفي إعراب السفاقسي السين في أستغفرك للطلب ويتعدى لاثنين الثاني منهما بحرف الجر وهو من ويجوز حذفه كقوله:
أستغفر الله ذنبًا لست محصيه
ومذهب ابن الطراوة أنه يتعدى بنفسه إليهما ومجيئه بمن في الثاني على سبيل التضمين كأنه قيل تبت إلى الله من الذنب ورد قول سيبويه ونقل عن العرب وجاء معدة باللام كقوله واستغفروا لذنوبهم والظاهر والله أعلم أنها لام العلة اهـ، وحذف المفعول الثاني في الخبر طلبا للتعميم فالمسؤول كريم والفضل عميم وظاهر كلام أصحابنا أنه يأتي بقوله وأتوب إليك ولو غير متلبس بها واستشكل بأنه كذب ويجاب بأنه خبر بمعنى الإنشاء أي أسألك أن تتوب علي أو هو باق على خبريته والمعنى إنه بصورة التائب الخاضع الذليل.
قوله: (وَحْدَهُ لَا
стр. 420
شريك لهُ، وأشْهَدُ أن مُحَمدًا عَبْدُهُ ورسوله، فُتِحَتْ لهُ أبْوابُ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أيها شاءَ" رواه مسلم في "صحيحه"، ورواه الترمذي وزاد فيه:
"اللهُم اجْعَلني مِنَ التوَّابينَ واجْعَلْني مِنَ المُتَطَهرينَ".
ــ
شَرِيكَ لَهُ) ثبوت هذه الجملة في الحديث في رواية لمسلم وحذفت في أخرى من رواياته قال ابن حجر في شرح العباب وتوهم من حذف هذه في رواية لمسلم عدم ثبوتها وليس كذلك بل ثبتت في رواية أخرى لمسلم. قوله: (فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنّةِ الثمانِيَةُ) لا ينافيه خبر باب الريان لا يدخل منه إلَّا الصائمون لأن ما سواهم لا يشاء الدخول منه إن لم يكن كذلك أشار إليه الأبي في كتاب الإيمان من شرح مسلم وإنما فتحت له أبواب الجنان وخير في الدخول من أيها شاء مع أن دخوله من أحدها تشريفا له وتعظيمًا وذكر مثله ابن دقيق العيد وزاد قوله كما روي أن الله تعالى أخذ الميثاق على الأنبياء أن يؤمنوا بالنبي ﷺ إن أدركوه مع العلم بأنه لا يظهر في زمن أحد منهم وإنما ذلك لإظهار الشرف. قوله: (رواه مسلم) وأورده الحميدي من افراد مسلم أي عن البخاري وابن الأثير في جامع الأصول وكذا رواه النسائي ورواه أبو داود وابن ماجة بإسقاط وأشهد ثانيًا وفي لفظ لأبي داود من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع نظره إلى السماء فقال: ومنها يؤخذ استحباب رفع الطرف إلى السماء قال في شرح العباب ولو أعمي لخبر مرفوع بذلك عند أبي داود والنسائي وابن السني وبه يرد حكاية البحر له بقيل اهـ. ثم حديث الباب عند مسلم ومن ذكر من طريق معاوية بن صالح من حديث ربيعة عن أبي إدريس ومن حديث أبي عثمان عن جبير بن نفير ومن حديث عبد الوهاب بن بخت عن الليث بن سليم كلهم يحدث به عن عقبة بن عامر الجهني فذكر حديثًا آخره ما ذكره وليس عند مسلم طريق عبد الوهاب. قوله: (ورواه الترمذيّ) قال في السلاح ورواه الترمذي من حديث أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان عن عمر مختصرًا وزاد فيه أي في آخره اللهم اجعلني
стр. 421
وروي: "سُبْحَانكَ اللهُم وبِحَمْدِكَ" إلى آخره: النسائي في "اليوم والليلة" وغيره
ــ
من التوابين واجعلني من المتطهرين فسقط من سند الترمذي ذكر عقبة وحديثه الأول أي قوله ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ الوضوء أو قال فيحسن الوضوء ثم يركع ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة وغفر له وأول حديثه ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلَّا الله
إلخ، وأشار الترمذي إلى أن الاختلاف الواقع في سنده على رواية زيد بن الحباب في إسقاط عقبة وقال أبو إدريس لم يسمع من عمر قال الحافظ والاختلاف والخطأ من شيخ الترمذي جعفر بن محمد بن عمران فقد اتفق أبو بكر وعثمان بن أبي شيجة على روايته عن زيد بن الحباب على الصواب بإثبات عقبة بن عامر وقال الحافظ هذه الزيادة التي عند الترمذي لم تثبت في هذا الحديث فإن جعفر بن محمد تفرد بها ولم يضبط الإسناد فإنه أسقط بين أبي إدريس وبين عمر في طريق عقبة فصار من حديث عمر وليس كذلك وإنما هو حديث عقبة وأسقط من حديث أخرى بين أبي عثمان وبين عمر جبير بن نفير وعقبة فصار الحديث منقطعًا بل معضلًا وخالفه كل من رواه عن معاوية بن صالح ثم زيد بن الحباب وقد رواه من طريق زيد مسلم وأبو داود والنسائي وأبو عوانة وابن نعيم في المستخرج وكلهم رووه على الصواب بإثبات عقبة بين أبي إدريس وعمر، قال الحافظ فاتفاق الجميع أولى من الواحد، قال وقد وجدت للزيادة شاهدا من حديث ثوبان قال قال ﷺ من توضأ وأحسن الوضوء ثم قال عند فراغه لا إله إلّا الله وحده لا شريك له اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فتح الله له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء قال الحافظ بعد تخريجه من طرق أخرجه الطبراني وأشار إلى تفاوت في الحديث عنده وله شاهد آخر غريب من حديث البراء وتقدم في الفصل قبل هذا والله أعلم، وفي الترغيب عن عثمان بن عفان ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول من توضأ فغسل رجليه ثم لم يتكلم حتى يقول أشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله غفر له ما بين الوضوءين رواه أبو يعلى والدارقطني. قوله: (وَرَوَى سُبْحَانَكَ اللهم وَبِحَمْدِكَ إلخ)
стр. 422
بإسناد ضعيف.
ــ
أي إلى قوله وأتوب إليك. قوله: (بإِسْنادٍ ضعِيفٍ) قال في المجموع وسنده غريب ضعيف ولفظه عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال من توضأ ففرغ من وضوئه ثم قال سبحانك اللهم وبحمدك إلخ، طبع عليها بطابع ثم رفعت تحت العرش فلم يكسر إلى يوم القيامة وقال النسائي هذا خطأ والصواب موقوف على أبي سعيد ورواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم وأقره عليه الشيخ زكريا في شروحه ومن بعده من المتأخرين لكن قال ابن حجر الهيتمي في شرح العباب أنه ضعيف وإن قال الحاكم أنه صحيح ولفظه ثم قال سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلّا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق ثم طبع بطابع فلم يكسر إلى يوم القيامة والطابع الخاتم ومعنى لم يكسر لم يتطرق إليه إبطال ورواه سفيان الثوري عن أبي هاشم فرفعه كذا في السلاح ورواه باللفظ الذي عند النسائي الطبراني في الأوسط ورواته رواة الصحيح وما ذكرته من كون لفظ رواية النسائي طبع عليها بطابع إلخ، هو ما في السلاح وفي الترغيب أنه كذلك لفظ الطبراني وإن لفظ النسائي ختم عليها بخاتم فوضعت تحت العرش فلم تكسر إلى يوم القيامة والله أعلم. وقال الحافظ كلام المصنف يوهم إن زيادة سبحانك اللهم إلخ، في حديث عقبة عن عمر كما في الذي قبله وليس كذلك بل هو حديث مستقل عن أبي سعيد الخدري وسنده مغاير لسند عقبة في جميع رواته وأما وصف الإسناد بالضعف
ففيه نظر أي لأن النسائي أخرجه من طريق شعبة عن الرماني بضم الراء وتشديد الميم واسمه يحيى عن أبي مجلز بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللام بعدها زاي اسمه لاحق بن حميد عن قيس بن عباد بضم المهملة وتخفيف الموحدة عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ إلى أن قال وإذا فرغ قال سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك ختم عليها بخاتم فوضعت تحت العرش فلم تكسر إلى يوم القيامة وقال الحافظ بعد تخريجه الحديث من طريق الثوري وشعبة وقيس بن الربيع كلهم عن أبي هاشم الرماني ما لفظه حديث صحيح الإسناد من طريق شعبة أخرجه النسائي عن يحيى بن محمد بن السكن عن شعبة بهذا الإسناد ثم قال بعد تخريجه هذا خطأ ثم خرجه عن بندار
стр. 423
وروينا في "سنن الدارقطني" عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ توضأ ثم قال: أشْهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، وأشْهَدُ أن مُحمدًا عَبْدُهُ ورَسُولهُ قبْلَ أن يتكلّم، غُفِرَ لهُ ما بَينَ الوضُوءَينِ" إسناده ضعيف.
وروينا في مسند أحمد بن حنبل وسنن ابن ماجة وكتاب ابن السني من رواية أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ توضأ
ــ
عن غندر عن شعبة به موقوفًا وقال الصواب أنه موقوف وأخرجه أيضًا عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن الثوري موقوفًا قال الحافظ وقد وقع لنا من رواية شعبة والثوري موقوفًا وخرجها من طريق الطبراني ثم قال قال الطبراني لم يروه عن شعبة مرفوعًا إلا يحيى بن كثير أي شيخ ابن السكن قال الحافظ وهو ثقة من رجال الصحيحين وكذا من فوقه إلى الصحابي وشيخ النسائي ثقة أيضًا من شيوخ البخاري ولم ينفرد به فقد أخرجه الحاكم من وجه آخر عن يحيى بن كثير فالسند صحيح بلا ريب إنما اختلف في رفع المتن ووقفه فالنسائي جرى على طريقته في الترجيح بالأكثر والأحفظ فلذا حكم عليه بالخطأ وأما على طريق الشيخ المصنف تبعا لابن الصلاح وغيرهم فالرفع عندهم مقدم لما مع الرافع من زيادة العلم وعلى تقدير العمل بالطريقة الأخرى فهذا مما لا مجال للرأي فيه فله حكم الرفع اهـ.
قوله: (وَرَوَيْنا فِي سنَنِ الدَارَقُطنيّ إلخ) عن ابن عمر قال قال النبي ﷺ من توضأ فغسل كفيه إلى أن قال ثم قال أشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا عبده ورسوله قبل أن يتكلم غفر له ما بين الوضوءين قال الحافظ حديث غريب قال الدارقطني بعد تخريجه انفرد به محمد بن البيلماني وهو ضعيف جدًّا قال الحافظ اتفقوا على ضعفه وأشد ما رأيت فيه قول ابن عدي كل ما يرويه ابن البيلماني فالبلاء فيه منه وذكر أنه كان يضع الحديث ويسرق الحديث وأبو يعلى والطبراني في الدعاء من طريق ابن البيلماني كذلك. قوله: (مَا بَينَ الْوُضوءَيْنِ) أي من الصغائر المتعلقة بحقوق الله لما علم من محله أن الكبائر لا يكفرها إلَّا التوبة أو فضل الله تعالى والتبعات يكفرها عفو مستحقها أو افضل المولى سبحانه.
قوله: (وَرَوَينَا فِي مُسنَدِ أَحْمَدَ إلخ) قال الحافظ حديث غريب أخرجه أحمد وابن ماجة وأبو يعلى وابن السني والطبراني ومدارهم على عمرو بن عبد الله بن وهب وهو
стр. 424
فأحْسنَ الوضُوءَ ثم قال ثلاثَ مَراتٍ: أشْهدُ أنْ
لا إله إلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَريكَ لهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمدًا عَبْدُهُ ورسولُه فُتِحَتْ لهُ ثمانِيَةُ أبوَابِ الجَنةِ مِنْ أيهَا شاءَ دخلَ" إسناده ضعيف.
وروينا تكرير شهادة: أن لا إله إلا الله، ثلاث مرات في كتاب ابن السني من رواية عثمان بن عفان ﵁ بإسناد ضعيف،
ــ
صدوق عن زيد العمي وهو بصري ضعيف عند الجمهور وقد رواه عن ولده فخالف في السند وليس فيه التكرار اهـ. قوله: (فأَحْسَنَ الْوُضوءَ) بأن أتى بواجباته ويحتمل ومكملاته فينبغي اعتبار سننه المشهورة لا مطلقًا فإن
الإحاطة بجميع سننه يعز على أكثر المتفقهة فضلًا عن العوام.
قوله: (مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) ولفظه قال من قال حين يفرغ من وضوئه أشهد أن لا إله إلّا الله ثلاث مرات لم يقم حتى تمحى ذنوبه حتى يصير كما ولدته أمه قال الحافظ أخرجه ابن السني من طريق عمرو بن ميمون بن مهران الجزري عن أبيه عن جده قال كنت عند عثمان بن عفان فحدث عن النبي ﷺ فقال من قال حين يفرغ من وضوئه إلخ، والراوي له عن عمرو ما عرفته وعمرو وأبوه ثقتان وجده مهران ذكره البغوي وابن السكن في الصحابة وأخرج له من رواية سليمان بن عبد الرحمن بن سدار عن عمرو عن أبيه عن جده حديثين وبهذا السند أخرج ابن السني هذا الحديث أيضًا لكن شيخ ابن السني فيه عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني قاضي مصر وقد اتهم بوضع الحديث آخر أمره اهـ. ورواه ابن ماجة وابن السني من حديث أنس ولفظ ابن ماجة من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال ثلاث مرات أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله فتح له ثمانية أبواب الجنة من أيها شاء دخل ولفظ ابن السني كذلك إلَّا أنه قال ما من عبد توضأ فيحسن الوضوء ثم يقول إلخ، وفي شرح العباب أن التثليث رواه أحمد وقد أخذ أصحابنا بذلك فقالوا باستحباب التثليث في الذكر المذكور وفي الأذكار المطلوبة في الوضوء من تسمية ونحوها للنص في البعض وقياسًا في الباقي ولا يضر ضعف السند لأن
стр. 425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الفضائل يعمل فيها بالضعيف بشرطه هذا.
وعثمان بن عفان بن أبي العاص واسمه الحارث بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي الأموي صاحب النبي ﷺ وصهره على ابنتيه رقية وأم كلثوم ولذلك سمي ذا النورين وقيل لأنه إذا تحول في الجنة من منزل إلى منزل تبرق له الجنة برقتين وقيل لأنه وزوجه رقية كانا أحسن زوجين في الإسلام فالنوران نور نفسه ونور رقية ولا يعرف شخص تزوج بنتي نبي غيره وهو صاحب الهجرتين وأحد السابقين الأولين وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي النبي ﷺ وهو عنهم راضٍ وأحد الذين كانوا معه بأحد فارتج فقال أثبت فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان وثالث الخلفاء الراشدين وأكبرهم سنًّا وأكثرهم إقامة في الخلافة أمه أروى بفتح الهمزة وسكون المهملة بنت كريز بكاف وراء وزاي مصغر ابن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس ولد في السنة السادسة من عام الفيل وأسلم في أول الإسلام على يد أبي بكر الصديق قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم وكان يقول إني رابع أربعة في الإسلام وهو أول من هاجر إلى الحبشة فارًا بدينه ومعه زوجه رقية فقال النبي ﷺ إن عثمان أول من هاجر إلى أرض بأهله بعد لوط أخرجه أبو يعلى في مسنده وشهد المشاهد إلا بدرًا تخلف لتمريض زوجه رقية فضرب له النبي ﷺ بسهمه وأجره وتخلف عن بيعة الرضوان لأن النبي ﷺ كان وجهه إلى مكة في صلح قريش فضرب النبي ﷺ بإحدى يديه على
الأخرى وقال هذه عن عثمان قال ابن عمر فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرًا من يد عثمان لنفسه وهو الذي جمع الناس بعد الاختلاف على مصحف واحد وأنفق الأموال في سبيل الله اشترى بئر رومة بعشرين ألفًا وسبلها وفي غزوة تبوك جهز جيش العسرة بسبعمائة وخمسين بعيرًا وخمسين فرسًا فقال النبي ﷺ ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين أخرجه الترمذي بسند جيد وقال ﷺ سألت ربي ألا أزوج أحدًا من أمتي ولا أتزوج إليه إلا كان معي في الجنة أخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر وأخرج الحاكم نحوه عن عبد الله بن أبي أوفى وقال النبي ﷺ في حديث القف لعائشة إلا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة وفي فتاوى الحافظ السخاوي سئلت عن تعيين المواضع التي استحيت فيها الملائكة من عثمان فأجبت لم أقف على ذلك في خبر ثابت ولا أثر
следующие страницы →