Полный текст (2 732 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وروي: "سُبْحَانكَ اللهُم وبِحَمْدِكَ" إلى آخره: النسائي في "اليوم والليلة" وغيره
ــ
من التوابين واجعلني من المتطهرين فسقط من سند الترمذي ذكر عقبة وحديثه الأول أي قوله ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ الوضوء أو قال فيحسن الوضوء ثم يركع ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة وغفر له وأول حديثه ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلَّا الله
إلخ، وأشار الترمذي إلى أن الاختلاف الواقع في سنده على رواية زيد بن الحباب في إسقاط عقبة وقال أبو إدريس لم يسمع من عمر قال الحافظ والاختلاف والخطأ من شيخ الترمذي جعفر بن محمد بن عمران فقد اتفق أبو بكر وعثمان بن أبي شيجة على روايته عن زيد بن الحباب على الصواب بإثبات عقبة بن عامر وقال الحافظ هذه الزيادة التي عند الترمذي لم تثبت في هذا الحديث فإن جعفر بن محمد تفرد بها ولم يضبط الإسناد فإنه أسقط بين أبي إدريس وبين عمر في طريق عقبة فصار من حديث عمر وليس كذلك وإنما هو حديث عقبة وأسقط من حديث أخرى بين أبي عثمان وبين عمر جبير بن نفير وعقبة فصار الحديث منقطعًا بل معضلًا وخالفه كل من رواه عن معاوية بن صالح ثم زيد بن الحباب وقد رواه من طريق زيد مسلم وأبو داود والنسائي وأبو عوانة وابن نعيم في المستخرج وكلهم رووه على الصواب بإثبات عقبة بين أبي إدريس وعمر، قال الحافظ فاتفاق الجميع أولى من الواحد، قال وقد وجدت للزيادة شاهدا من حديث ثوبان قال قال ﷺ من توضأ وأحسن الوضوء ثم قال عند فراغه لا إله إلّا الله وحده لا شريك له اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فتح الله له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء قال الحافظ بعد تخريجه من طرق أخرجه الطبراني وأشار إلى تفاوت في الحديث عنده وله شاهد آخر غريب من حديث البراء وتقدم في الفصل قبل هذا والله أعلم، وفي الترغيب عن عثمان بن عفان ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول من توضأ فغسل رجليه ثم لم يتكلم حتى يقول أشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله غفر له ما بين الوضوءين رواه أبو يعلى والدارقطني. قوله: (وَرَوَى سُبْحَانَكَ اللهم وَبِحَمْدِكَ إلخ)
стр. 422
بإسناد ضعيف.
ــ
أي إلى قوله وأتوب إليك. قوله: (بإِسْنادٍ ضعِيفٍ) قال في المجموع وسنده غريب ضعيف ولفظه عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال من توضأ ففرغ من وضوئه ثم قال سبحانك اللهم وبحمدك إلخ، طبع عليها بطابع ثم رفعت تحت العرش فلم يكسر إلى يوم القيامة وقال النسائي هذا خطأ والصواب موقوف على أبي سعيد ورواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم وأقره عليه الشيخ زكريا في شروحه ومن بعده من المتأخرين لكن قال ابن حجر الهيتمي في شرح العباب أنه ضعيف وإن قال الحاكم أنه صحيح ولفظه ثم قال سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلّا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق ثم طبع بطابع فلم يكسر إلى يوم القيامة والطابع الخاتم ومعنى لم يكسر لم يتطرق إليه إبطال ورواه سفيان الثوري عن أبي هاشم فرفعه كذا في السلاح ورواه باللفظ الذي عند النسائي الطبراني في الأوسط ورواته رواة الصحيح وما ذكرته من كون لفظ رواية النسائي طبع عليها بطابع إلخ، هو ما في السلاح وفي الترغيب أنه كذلك لفظ الطبراني وإن لفظ النسائي ختم عليها بخاتم فوضعت تحت العرش فلم تكسر إلى يوم القيامة والله أعلم. وقال الحافظ كلام المصنف يوهم إن زيادة سبحانك اللهم إلخ، في حديث عقبة عن عمر كما في الذي قبله وليس كذلك بل هو حديث مستقل عن أبي سعيد الخدري وسنده مغاير لسند عقبة في جميع رواته وأما وصف الإسناد بالضعف
ففيه نظر أي لأن النسائي أخرجه من طريق شعبة عن الرماني بضم الراء وتشديد الميم واسمه يحيى عن أبي مجلز بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللام بعدها زاي اسمه لاحق بن حميد عن قيس بن عباد بضم المهملة وتخفيف الموحدة عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ إلى أن قال وإذا فرغ قال سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك ختم عليها بخاتم فوضعت تحت العرش فلم تكسر إلى يوم القيامة وقال الحافظ بعد تخريجه الحديث من طريق الثوري وشعبة وقيس بن الربيع كلهم عن أبي هاشم الرماني ما لفظه حديث صحيح الإسناد من طريق شعبة أخرجه النسائي عن يحيى بن محمد بن السكن عن شعبة بهذا الإسناد ثم قال بعد تخريجه هذا خطأ ثم خرجه عن بندار
стр. 423
وروينا في "سنن الدارقطني" عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ توضأ ثم قال: أشْهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، وأشْهَدُ أن مُحمدًا عَبْدُهُ ورَسُولهُ قبْلَ أن يتكلّم، غُفِرَ لهُ ما بَينَ الوضُوءَينِ" إسناده ضعيف.
وروينا في مسند أحمد بن حنبل وسنن ابن ماجة وكتاب ابن السني من رواية أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ توضأ
ــ
عن غندر عن شعبة به موقوفًا وقال الصواب أنه موقوف وأخرجه أيضًا عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن الثوري موقوفًا قال الحافظ وقد وقع لنا من رواية شعبة والثوري موقوفًا وخرجها من طريق الطبراني ثم قال قال الطبراني لم يروه عن شعبة مرفوعًا إلا يحيى بن كثير أي شيخ ابن السكن قال الحافظ وهو ثقة من رجال الصحيحين وكذا من فوقه إلى الصحابي وشيخ النسائي ثقة أيضًا من شيوخ البخاري ولم ينفرد به فقد أخرجه الحاكم من وجه آخر عن يحيى بن كثير فالسند صحيح بلا ريب إنما اختلف في رفع المتن ووقفه فالنسائي جرى على طريقته في الترجيح بالأكثر والأحفظ فلذا حكم عليه بالخطأ وأما على طريق الشيخ المصنف تبعا لابن الصلاح وغيرهم فالرفع عندهم مقدم لما مع الرافع من زيادة العلم وعلى تقدير العمل بالطريقة الأخرى فهذا مما لا مجال للرأي فيه فله حكم الرفع اهـ.
قوله: (وَرَوَيْنا فِي سنَنِ الدَارَقُطنيّ إلخ) عن ابن عمر قال قال النبي ﷺ من توضأ فغسل كفيه إلى أن قال ثم قال أشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا عبده ورسوله قبل أن يتكلم غفر له ما بين الوضوءين قال الحافظ حديث غريب قال الدارقطني بعد تخريجه انفرد به محمد بن البيلماني وهو ضعيف جدًّا قال الحافظ اتفقوا على ضعفه وأشد ما رأيت فيه قول ابن عدي كل ما يرويه ابن البيلماني فالبلاء فيه منه وذكر أنه كان يضع الحديث ويسرق الحديث وأبو يعلى والطبراني في الدعاء من طريق ابن البيلماني كذلك. قوله: (مَا بَينَ الْوُضوءَيْنِ) أي من الصغائر المتعلقة بحقوق الله لما علم من محله أن الكبائر لا يكفرها إلَّا التوبة أو فضل الله تعالى والتبعات يكفرها عفو مستحقها أو افضل المولى سبحانه.
قوله: (وَرَوَينَا فِي مُسنَدِ أَحْمَدَ إلخ) قال الحافظ حديث غريب أخرجه أحمد وابن ماجة وأبو يعلى وابن السني والطبراني ومدارهم على عمرو بن عبد الله بن وهب وهو
стр. 424
فأحْسنَ الوضُوءَ ثم قال ثلاثَ مَراتٍ: أشْهدُ أنْ
لا إله إلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَريكَ لهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمدًا عَبْدُهُ ورسولُه فُتِحَتْ لهُ ثمانِيَةُ أبوَابِ الجَنةِ مِنْ أيهَا شاءَ دخلَ" إسناده ضعيف.
وروينا تكرير شهادة: أن لا إله إلا الله، ثلاث مرات في كتاب ابن السني من رواية عثمان بن عفان ﵁ بإسناد ضعيف،
ــ
صدوق عن زيد العمي وهو بصري ضعيف عند الجمهور وقد رواه عن ولده فخالف في السند وليس فيه التكرار اهـ. قوله: (فأَحْسَنَ الْوُضوءَ) بأن أتى بواجباته ويحتمل ومكملاته فينبغي اعتبار سننه المشهورة لا مطلقًا فإن
الإحاطة بجميع سننه يعز على أكثر المتفقهة فضلًا عن العوام.
قوله: (مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) ولفظه قال من قال حين يفرغ من وضوئه أشهد أن لا إله إلّا الله ثلاث مرات لم يقم حتى تمحى ذنوبه حتى يصير كما ولدته أمه قال الحافظ أخرجه ابن السني من طريق عمرو بن ميمون بن مهران الجزري عن أبيه عن جده قال كنت عند عثمان بن عفان فحدث عن النبي ﷺ فقال من قال حين يفرغ من وضوئه إلخ، والراوي له عن عمرو ما عرفته وعمرو وأبوه ثقتان وجده مهران ذكره البغوي وابن السكن في الصحابة وأخرج له من رواية سليمان بن عبد الرحمن بن سدار عن عمرو عن أبيه عن جده حديثين وبهذا السند أخرج ابن السني هذا الحديث أيضًا لكن شيخ ابن السني فيه عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني قاضي مصر وقد اتهم بوضع الحديث آخر أمره اهـ. ورواه ابن ماجة وابن السني من حديث أنس ولفظ ابن ماجة من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال ثلاث مرات أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله فتح له ثمانية أبواب الجنة من أيها شاء دخل ولفظ ابن السني كذلك إلَّا أنه قال ما من عبد توضأ فيحسن الوضوء ثم يقول إلخ، وفي شرح العباب أن التثليث رواه أحمد وقد أخذ أصحابنا بذلك فقالوا باستحباب التثليث في الذكر المذكور وفي الأذكار المطلوبة في الوضوء من تسمية ونحوها للنص في البعض وقياسًا في الباقي ولا يضر ضعف السند لأن
стр. 425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الفضائل يعمل فيها بالضعيف بشرطه هذا.
وعثمان بن عفان بن أبي العاص واسمه الحارث بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي الأموي صاحب النبي ﷺ وصهره على ابنتيه رقية وأم كلثوم ولذلك سمي ذا النورين وقيل لأنه إذا تحول في الجنة من منزل إلى منزل تبرق له الجنة برقتين وقيل لأنه وزوجه رقية كانا أحسن زوجين في الإسلام فالنوران نور نفسه ونور رقية ولا يعرف شخص تزوج بنتي نبي غيره وهو صاحب الهجرتين وأحد السابقين الأولين وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي النبي ﷺ وهو عنهم راضٍ وأحد الذين كانوا معه بأحد فارتج فقال أثبت فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان وثالث الخلفاء الراشدين وأكبرهم سنًّا وأكثرهم إقامة في الخلافة أمه أروى بفتح الهمزة وسكون المهملة بنت كريز بكاف وراء وزاي مصغر ابن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس ولد في السنة السادسة من عام الفيل وأسلم في أول الإسلام على يد أبي بكر الصديق قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم وكان يقول إني رابع أربعة في الإسلام وهو أول من هاجر إلى الحبشة فارًا بدينه ومعه زوجه رقية فقال النبي ﷺ إن عثمان أول من هاجر إلى أرض بأهله بعد لوط أخرجه أبو يعلى في مسنده وشهد المشاهد إلا بدرًا تخلف لتمريض زوجه رقية فضرب له النبي ﷺ بسهمه وأجره وتخلف عن بيعة الرضوان لأن النبي ﷺ كان وجهه إلى مكة في صلح قريش فضرب النبي ﷺ بإحدى يديه على
الأخرى وقال هذه عن عثمان قال ابن عمر فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرًا من يد عثمان لنفسه وهو الذي جمع الناس بعد الاختلاف على مصحف واحد وأنفق الأموال في سبيل الله اشترى بئر رومة بعشرين ألفًا وسبلها وفي غزوة تبوك جهز جيش العسرة بسبعمائة وخمسين بعيرًا وخمسين فرسًا فقال النبي ﷺ ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين أخرجه الترمذي بسند جيد وقال ﷺ سألت ربي ألا أزوج أحدًا من أمتي ولا أتزوج إليه إلا كان معي في الجنة أخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر وأخرج الحاكم نحوه عن عبد الله بن أبي أوفى وقال النبي ﷺ في حديث القف لعائشة إلا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة وفي فتاوى الحافظ السخاوي سئلت عن تعيين المواضع التي استحيت فيها الملائكة من عثمان فأجبت لم أقف على ذلك في خبر ثابت ولا أثر
стр. 426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولكن ذكر شيخنا النسابة أنه وجد في بعض مجاميع جمال الدين الكازروني المدني في ذكر أنه لما آخى بين المهاجرين والأنصار بالمدينة في بيت أنس كانت الملائكة حاضرة ذلك فلما تقدم عثمان والملائكة حاضرون فجاء عثمان وصدره مكشوف فتأخرت الملائكة عن محالها فسألهم عن سبب تأخرهم فقالوا السبب كشف عثمان صدره فأمره النبي ﷺ بتغطية صدره فغطاه فعادت الملائكة إلى مكانها اهـ.
فإن قلت قد وقع مثل ذلك في حق خديجة في بدء الوحي.
قلت النساء الاستحياء منهن معهود بخلافه من الرجال فعد من فضائل عثمان وقد ألف شيخنا الملا حميد السندي جزءًا في هذا المعنى وبشر النبي ﷺ عثمان بالجنة على بلوى تصيبه فقال الله المستعان أخرجه البخاري ومسلم وقال لكل نبي رفيق ورفيقي عثمان أخرجه الترمذي بسند منقطع ووسع مسجد النبي ﷺ وبناه بالحجارة والقصة وكان يصوم الدهر ويحيي الليل بركعة يقرأ فيها القرآن وقال علي بن أبي طالب كان عثمان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا وفتح في أيامه خراسان والمغرب وشبهه النبي ﷺ بإبراهيم خليل الرحمن فهو من المشبهين به ﷺ كما بينت ذلك بما فيه في مؤلفي "إتحاف الشرفا بمعرفة من حاز بشبه المصطفى ﷺ شرفًا" روي له عن النبي ﷺ مائة حديث وستة وأربعون حديثًا اتفقا منها على ثلاثة وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بخمسة بويع له بالخلافة بعد دفن عمر ﵁ بثلاثة أيام في يوم الجمعة غرة المحرم سنة أربع وعشرين وقال الواقدي لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين فقال عبد الله بن مسعود بايعنا خيرنا ولم نسأل وكان نقش خاتمه آمنت بالذي خلق فسوى قتل مظلومًا شهيدًا بعد أن حوصر في داره مدة قيل أنها تسعة وأربعون يومًا وقيل ثمانون وقيل غير ذلك وهو يومئذٍ صائم والمصحف بين يديه يقرأ فيه حتى قيل إن أول قطرة قطرت من دمه على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، ولم يلبس سراويل في جاهلية ولا إسلام إلا يوم قتله وكان ذلك يوم الجمعة وقيل ليلة الجمعة وقيل يوم الأربعاء لثماني عشرة خلمت من ذي الحجة وقيل لسبع عشرة منه وقيل يوم التروية وقيل أوسط أيام التشريق سنة خمس وثلاثين ودفن ليلة السبت في البقيع في حش كوكب ليلًا وأخفي
стр. 427
قال الشيخ نصر المقدسي: ويقول مع هذه الأذكار: اللهُم صل على محمد وعلى آلِ محمدٍ، ويضم إليه: وسلِّمْ. قال أصحابنا: ويقول
هذه الأذكار
ــ
قبره لغلبة قاتليه وقيل أنه دفن في ثيابه بدمائه واختلف في سنه حين مات الراجح أنه اثنتان وثمانون سنة واختلف فيمن صلى عليه قيل الزبير وقيل حكيم بن حزام وقيل جبير بن مطعم
ورجح وكانت مدة خلافته ثنتي عشرة سنة إلا ليالي ﵁. قوله: (قَال الشيخُ نَصْرٌ المَقْدِسِيُّ وَيَقول مَع هذِهِ الأذْكَارِ اللهُم صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ إلخ) قال الحافظ ولم يصرح الشيخ نصر بكونه حديثًا وأظن. قوله: (وَيَضمُّ إِلَيْهِ وَسَلمْ) من كلام الشيخ المصنف قال ثم رأيت عبارة المجموع وهي قال الشيخ نصر يقول مع ذلك صلى الله على محمد وعلى آل محمد فصح ما ظننته أن قوله ويضم إليه من كلام المصنف وظني أن مستند الشيخ نصر أن الصلاة عليه ﷺ مطلوبة في الدعاء، والذكر المذكور مشتمل عليه، فيشرع فيه ويحتمل أن مستنده ورود الأمر بذلك حديث ابن مسعود وسيأتي قال وقد علم ﷺ من سأله عن كيفية الصلاة عليه فقال اللهم صل على محمد وعلى آل محمد فلذا لم يذكر السلام والعلم عند الله ثم إن المراد أن يأتي بالصلاة على النبي ﷺ لمجد الأذكار أي عقبها كما بينه حديث أبي الشيخ الآتي وكذا نقله في المجموع وسكت عليه وسيأتي ما يشهد به من الأحاديث وكأن الأذرعي لم ير ذلك فوجه بأنه دعاء والصلاة عليه ﷺ عقب الدعاء محبوبة وفاقًا اهـ. وقياسه ندبها أول مرة عند تكريره لأنها تسن أول كل دعاء ووسطه وآخره وبه جزم ابن حجر في التحفة فقال ويكررها ثلاثًا كما هو ظاهر ثم رأيت بعض الأئمة صرح به اهـ. قال السيوطي في "الأعضاء عن دعاء الإعضاء" العجب ممن عد أدعية الأعضاء من سنن الوضوء اعتمادًا على الأحاديث الموضوعة ولم يعد منها الصلاة على النبي ﷺ عقب الوضوء مع ورود ذلك في الحديث أخرج أبو الشيخ في الثواب عن ابن مسعود قال قال ﷺ إذا فرغ أحدكم من طهوره فليقل أشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ثم ليصل عليّ فإذا قال ذلك فتحت له أبواب الرحمة اهـ، وأورده ابن حجر في شرح العباب من جملة خبر أوله إذا تطهر أحدكم أي
стр. 428
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أراد الطهر كما هو واضح فليذكر اسم الله فإنه يطهر جسده كله وإذا لم يذكر اسم الله على طهوره لم يطهر إلَّا ما مر عليه الماء وإذا فرغ أحدكم من طهوره إلخ. وقال أنه حديث ضعيف عند البيهقي وغيره يعمل به في الفضائل اهـ. وفي القول البديع للحافظ السخاوي رواه أبو الشيخ ومن طريقه أبو موسى المديني وفي سنده محمد بن جابر وقد ضعفه غير واحد وقد رويناه في الترغيب للتجمي بسند ضعيف أيضًا ولفظه إذا تطهر أحدكم فليذكر اسم الله الحديث وقد أخرجه الدارقطني والبيهقي وقال ضعيف ورواه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في جمعه لحديث الأعمش بلفظه إلّا أنه قال وإن محمدًا رسول الله ويصلي علي وفي سنده عمرو بن شمر وهو متروك ورواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان من وجه آخر بلفظ إذا فرغ أحدكم من طهوره فشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ثم يصلي علي فإذا قال ذلك فتحت له أبواب الجنة قال أبو موسى وهذا الحديث مشهور له طرق عن عمر بن الخطاب وعقبة بن عامر وثوبان طبوس لكن بدون الصلاة قلت وجاء أيضًا عن عثمان بن عفان ومعاوية بن قرة عن أبيه عن جده والبراء بن عازب وعلي بن أبي طالب وكلاهما في الدعوات للمستغفري وعن أبي سعيد الخدري والله أعلم.
وعن سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال لا وضوء لمن لم يصل على النبي ﷺ رواه ابن ماجة وابن أبي عاصم وسنده ضعيف وفي بعض طرقه من الزيادة لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه اهـ. ما في القول البديع، قال الحافظ في حديث سهل أنه حديث
غريب ومتنه أغرب وعبد المهيمن أحد رواته ضعيف والمحفوظ عنه بهذا الإسناد لا صلاة إلَّا بوضوء ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله أخرجه ابن ماجة وأخرجه الطبراني من طريق أبي بن العباس وهو أخو عبد المهيمن وفي الدر المنضود لابن حجر وللخبر طرق ربما يرقى بها إلى الحسن اهـ، وقد عزا "القسطلاني في مسالك الحنفا" تخريج حديث سهل المذكور إلى الطبراني في الكبير.
وأما ما ذكر الشيخ نصر من الصلاة على الآل فلعله أخذه من تعليم النبي ﷺ أصحابه صفة الصلاة عليه وكان ينبغي له أن يستحب مع ذلك السلام كما لا يخفى اهـ. قلت كأنه لم يقف على قول المصنف هنا ويضم إليه وسلم أي لأن إفراد الصلاة عن السلام مكروه كالصلاة
стр. 429
مستقبل القبلة، ويكون عقيب الفراغ.
فصل: وأما الدعاء على أعضاء الوضوء، فلم يجئ فيه شيء عن النبي ﷺ وقد قال الفقهاء: يُستحب فيه دعوات جاءت عن السلف، وزادوا ونقصوا فيها،
ــ
على الصحب قياسًا على الصلاة على الآل كما ذكره في القنوت وعللوه بأنها إذا سنت عليهم وفيهم من ليسوا صحابة فعلى الصحابة أولى ولا ينافيه إطباقهم على عدم ذكرهم في صلاة التشهد لأنهم ثم اقتصروا على الوارد وهنا لم يقتصروا عليه بل زادوا ذكر الآل بحثًا فقسنا بهم ذكر الأصحاب لما علمت وكأن الفرق أن مقابلة الآل بآل إبراهيم في أكثر الروايات ثم تقتضي عدم التعرض لغيرهم ولا مقتضى هنا لذلك والله أعلم، ثم رأيت ابن حجر في شرح العباب في أحكام المساجد قال وتستحب الصلاة على الصحب قياسًا على الآل أخذًا مما مر في القنوت اهـ. قوله: (مستقبِلَ الْقِبلَةِ) أي بصدره لأنها أشرف الجهات وفي الحديث خير المجالس ما استقبل به القبلة والاستقبال نقله في العزيز والمجموع عن جمع وقال الحافظ لم أر في الاستقبال شيئًا صريحًا يختص بالوضوء اهـ، وينبغي أن يقوله وهو رافع يديه وبصره ولو أعمي إلى السماء لما سبق من الحديث المرفوع فيه عند أبي داود والنسائي وابن السني قال الحافظ وقد ورد في حديث ثوبان السماء قبلة الدعاء اهـ، وبه يرد حكاية البحر له بقيل وكأن حكمة ذلك أن بعض هذا الذكر دعاء وبعضه وسيلة إليه والأول مندوب فيه قطعًا وكذا الثاني كذا في شرح العباب وهو يؤذن بأنه يرفع بصره في جميعه وقد تردد الولي العراقي في ذلك وقال يحتمل أن يكون رفع البصر في الابتداء خاصة وتردد في اختصاص ذلك بالبصر وفي مشاركة الأعمى واستقرب الثاني، نقله السيوطي في مرقاة الصعود. قوله: (عَقِبَ الفَرَاغ) قال في شرح العباب ويسن ألا يتكلم بين الوضوء والذكر لما ورد أن من توضأ ثم قاله قبل أن يتكلمَ غفر له ما بين الوضوءين.
فصل
فصل: (وَأَمَّا الدعاءُ عَلَى أَعْضاءِ الْوُضُوءِ فَلَمْ يَجِيء فِيهِ شَيْءٌ عَنِ النَّبِي ﷺ ) عبر المصنف في المنهاج بقوله وحذفت دعاء الأعضاء إذ لا أصل له ولم يذكره الشافعي والجمهور يعني الحديث الذي أورده الرافعي تبعًا للغزالي وفي شرح المهذب معترضًا مصنفه حيث أورده لا أصل له ولا ذكره المتقدمون وقال ابن الصلاح في مشكل الوسيط أما الأدعية على الأعضاء فلا يصح فيها حديث وتعقب ذلك الأسنوي
стр. 430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في المهمات بقوله ليس كذلك بل قد روي من طرق: منها عن أنس رواه ابن حبان في تاريخه في ترجمة عباد بن صهيب وقد قال أبو داود أنه صدوق قدري وقال أحمد ما كان
بصاحب كذب وافق الأسنوي على ذلك ابن الملقن في تخريج أحاديث الوسيط والزركشي في تخريج أحاديث الشرح الكبير وتبعهم الجلال المحلي في شرح المنهاج وشيخ الإسلام زكريا في شرح الروض وابن المزجد في العباب وعبارتهما لا أصل له أي في الصحة وإلا فقد جاء من طرق ضعيفة يعمل بمثلها في الفضائل قال ابن حجر في شرحه على العباب رواها ابن حبان في تاريخه وابن أبي حاتم في علله وغيرهما وجمع فيه ابن عساكر جزءًا كذا قال جمع متأخرون معترضين به قول النووي لا أصل له اهـ، وخالفهم الحافظ ابن حجر فقال في أماليه لو لم يقل في عباد إلا هذا لمشي الحال ولكن بقية ترجمته عند ابن حبان كان يروي المناكير عن المشاهير حتى يشهد المبتدئ في هذه الصناعة أنها موضوعة وساق منها هذا الحديث ولا تنافي بين قوله وقول أحمد وأبي داود لأنه يجمع بأنه كان لا يتعمد الكذب بل يقع ذلك في روايته من غلطه وغفلته ولذلك تركه البخاري والنسائي وأبو حاتم الرازي وغيرهم وأطلق عليه ابن معين الكذب وقال زكريا الساجي كتبه مملوءة من الكذب والراوي له عن عباد ضعيف اهـ، كلام الحافظ.
قال السيوطي في الإعضاء عن دعاء الأعضاء بعد أن أورد طرقه عند ابن حبان من حديث أنس وعند البخاري في التاريخ والمستغفري في الدعوات من طريقين وابن عساكر من طرق كلها تنتهي إلى علي بن أبي طالب ﵁ وذكر عند كل طريق ما فيها من العلة: فالحاصل أن طرقه كلها لا تخلو من المتهم بوضع اهـ، وزاد الحافظ في أماليه طريقًا لحديث علي أيضًا أخرجها الحارث بن أبي أسامة في مسنده وفي سنده حماد بن عمرو النصببي وقد وصف بأنه يضع الحديث اهـ، وانتصر بعض المحدثين للإمام النووي أيضًا بأن طرقه كلها لا تخلو عن كذاب أو متهم بالكذب كعباد بن صهيب وإن وثقه أحمد وغيره فقد صرح الذهبي بأن حديثه الذي رواه عنه ابن حبان باطل وممن جرحه البخاري والنسائي وابن المديني وابن حبان وزاد أنه يروي أشياء إذا سمعها المبتدئ يشهد لها بالوضع اهـ. قال والنووي من الحفاظ المرجوع إليهم في الحكم بورود الحديث أو ضعفه وليس في المعترضين
стр. 431
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه من هو كذلك وقد وافقه ابن القيم على ما قاله فصرح في كتابه الهدي بأن الأحاديث الواردة في ذلك كلها مختلفة موضوعة وسئل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن قول المصنف وحذفت دعاء الأعضاء إذ لا أصل له هل أراد بطلانه وكيف يقول الولي العراقي له أصل والجواب إذا قال المحدث لا أصل للحديث الفلاني فمراده أنه ليس له طريق يعتمد لا أنه لم يرو واصلا جميعًا.
وحينئذٍ فإن كان النووي اطلع على الحديث وعرف شدة ضعفه وإن طرقه لا تخلو من شخص نسب إلى الكذب والتهمة بالكذب فالمراد بقوله لا أصل له أنه ليس بصحيح ولا حسن فيحتج به ولا ضعيف يصلح للعمل به في فضائل الأعمال وإن كان لم يطلع على طرقه التي أشرت إليها في تخريج أحاديث الأذكار فلا يضره لأنه ليس فيها ما يصلح للعمل به لا منفردًا ولا منضمًا بعضه إلى بعض وقول من قال له أصل إن أراد به كونه ورد مع قطع النظر عن صلاحيته للعمل فمسلم ولكن لا يرد على النووي وإن أراد أن له أصلًا يعمل به فمردود اهـ. وقال ابن حجر في شرح العباب فيما نقله عن بعضهم فقول سائر المتأخرين إن تلك الطرق ضعيفة يعمل بها في الفضائل مردود وهو كما قال وغاية
أمر تلك الطرق أنها شديدة الضعف والحديث إذا اشتد ضعفه لا يعمل به في الفضائل ولا في غيرها كما اقتضاه كلام المجموع في باب صلاة النفل وبذلك صرح السبكي ثم حيث قال وفي ابن ماجة كان ﷺ يصلي قبل الجمعة أربعًا لا يفصل في شيء منهن وهو ضعيف جدًّا لا يصلح الاحتجاج به اهـ.
وقد نقل العلائي وغيره الاتفاق على أن شرط العمل بالضعيف أن يكون الضعف غير شديد قالوا فيخرج من انفرد من كذاب ومتهم به ومن فحش غلطه وقد علمت مما ذكرناه أن جميع روايات هذه الأدعية لا تخلو عن كذاب ومتهم به وحينئذٍ فقد بان صحة ما قاله المصنف العلم المفرد إلامام أدام الله به وله النفع والرفعة على الدوام ورد ما اعترض به عليه.
ومن ثم قال الأذرعي لا ينبغي ترك هذا الدعاء ولا يعتقد أنه سنة فإن الظاهر أنه لم يثبت فيه شيء وقد جمع الحافظ في عمل اليوم والليلة كتبًا مطولة كالنسائي والطبراني والبيهقي وابن السني ولم يذكروا ذلك اهـ، ويؤيد ما قاله قول المصنف السابق في التشهد الذي ذكره نصر سابقًا وهذا
стр. 432
فالمتحصل مما قالوه أنه يقول بعد التسمية: الحمد للهِ الذي جعل الماء
ــ
الذي قاله لا بأس به إلَّا أنه لا أصل له من جهة السنة اهـ. وإن كان جاء من السنة كما تقدم مستنده فكذا يقال في دعاء الأعضاء، نعم قال ابن حجر في شرح العباب ورد فيها حديث حسن وهو ما من عبد يقول حين يتوضأ باسم الله ثم يقول لكل عضو أشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله ثم يقول حين يفرغ اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين إلا فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء فإن قام من فوره ذلك فصلى ركعتين يقول فيهما ويعلم ما يقول انفتل من صلاته كيوم ولدته أمه ثم يقال له استأنف العمل فهذا مصرح بندب التشهد المذكور عند كل عضو وسنده حسن كما قاله المستغفري فتعين ألا يكون من محل الخلاف بين النووي وغيره في أدعية الوضوء فاستفده اهـ. قوله: (والمُتحصِّلُ مِمَا قَالوهُ إلخ) مراده من هذا الكلام أن ما ذكره من ذكر كل عضو لم يرد بهذا السياق في متن من المرويات في ذلك إنما هو مأخوذ من جملتها فبعضها من رواية وبعضها من أخرى وقد أورد أحاديثه بطرقها وذكر عللها الجلال السيوطي في جزئه المسمى بالإغضاء ومعظمه من تخريج الحافظ على هذا الكتاب. قوله: (بَعدَ التَّسميةِ) أي قوله بسم الله الرحمن الرحيم وليست من دعاء الأعضاء بل هي سنة للوضوء مستقلة بل هي أول سنة كما نقله في شرح العباب عن نص الشافعي وكثير من الأصحاب وجزم به في المجموع ونقله أبو زرعة عن الأصحاب وخبر كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم صريح في طلب تقديم التسمية على جميع أعضاء الوضوء وعلى التنزل وإن الحديث أي الذي عند مسلم دال على تقديم السواك على التسمية فيؤول بحمله للجمع بين الأحاديث على أن السواك كان للتسمية إذ هي قراءة أو ذكر وكل منهما يسن له السواك فأما السواك الذي من سنن الوضوء فيكون أثناءه وحينئذٍ فيسن مرتين كما في شرح العباب وسبق نقل مثله وكذا تكون النية القلبية المأتي بها لحصول سنن الوضوء من غسل الكفين وما بعده مقارنة لها عند غسل الكفين كما صرح به ابن الفركاح ونقله ابن
стр. 433
طهورًا، ويقول عند المضمضة: اللهُم اسْقِني من حوْضِ نبيك محمدٍ ﷺ كأسًا لا أظمأ بعده أبدًا، ويقول عند الاستنشاق: اللَّهُم لا تحرِمني رائحة نعِيمِكَ وجناتِكَ، ويقول عند غسل الوجه: اللهُم بَيِّضْ وجهي
ــ
الرفعة عن بعضهم ولم يتعقبه بأن يقرنها بها عند أول غسلهما كما يقرنها بتكبيرة الإحرام. قوله: (طَهُورًا) بفتح الطاء أي مطهرًا وعدل إليه للمبالغة فيه
وهذا شكر لما منَّ به الباري على عباده بقوله: (﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وفي الآية كما قيل دليل على حصر الطهورية في الماء المطلق إذ لو طهر غيره لفات الامتنان به وفيه أنه لعل وجه الامتنان كونه من جملة ما يطهر به. قوله: (أَسقني مِنْ حَوْضِ نَبِيكَ محمد ﷺ ) قال القرطبي هما حوضان الأول قبل الصراط وقبل الميزان على الأصح فإن الناس يخرجون عطاشى من قبورهم فيردونه قبل الميزان والصراط والثاني في الجنة وكلاهما يسمى كوثرًا وفي حديث مسلم عن أنس أتدرون ما الكوثر قلنا الله ورسوله أعلم قال فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد نجوم السماء يختلج العبد منهم أقول أنه من أمتي فيقال ما تدري ما أحدث بعدك قال الجلال السيوطي ليس المراد نفي الدارية على ظاهر اللفظ بل هو مؤول على معنى عملوا أعمالًا استحقوا بها ألا يشفع لهم وهو عالم بما صدر منهم اهـ. وفي الصحيح حديث حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من الورق وريحه أطيب من المسك كيزانه كنجوم السماء من شرب منه لم يظمأ بعده أبدًا وفي رواية لمسلم يخشب فيه ميزابان من الجنة وفي لفظ لغيره يفت فيه ميزابان من الكوثر وروى ابن ماجة حديث الكوثر نهر في الجنة حافتاه الذهب مجراه على الدر والياقوت تربته أطيب من المسك وأشد بياضًا من الثلج. قوله: (لَا أَظْمأُ بَعْدَهُ أَبَدًا) صفة للكأس أي من شرب منه لا يظمأ كما تقدم في الحديث هذا وزاد بعضهم قبل هذا الذكر عند المضمضة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وقال في الإحياء يقول اللهم أعني على تلاوة كتابك وكثرة الذكر لك وقال الروياني يقول اللهم أجر على لساني الصدق والصواب وما ينفع الناس. قوله: (وَجَناتِكَ) جمع جنة وقد ورد خبر إن عرف
стр. 434
يوم تَبيضُ وجوه وتسودُّ وجوه، ويقول عند غسل اليدين: اللهُم أَعطِني كتابي بيميني، اللهُم لا تعطني كتابي بشمالي، ويقول عند مسح الرأس: اللهُم حرِّم شعري وبشري على النار، وأظلني تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلكَ، ويقول عند مسح الأذنين: اللهُم أجعلني من الذين يستمعونَ القول فيتَبعون أحسنه، ويقول عند غسل الرجلين: اللهم ثبِّت قدميِّ على الصراط، والله أعلم.
وقد روى النسائي وصاحبه ابن السني في كتابيهما "عمل اليوم والليلة" بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: أتيتُ رسول الله ﷺ بوضوءٍ، فتوضأ، فسمعتُه يدعو ويقول: "اللهُم
ــ
الجنة يوجد من مسيرة خمسمائة عام وظاهر أن المسؤول حصول النعمة والجنة لأن النازل بها يهب نسيمها عليه ولذوق نعيمها وقال جمع وجرى عليه في المجموع أي بعد ما ذكر اللهم أوجدني رائحة الجنة وأنت على راض وزادوا عند الاستنشاق اللهم إني أعوذ بك من روائح أهل النار ومن سوء الدار وورد في رواية عند المضمضة والاستنشاق اللهم لقني حجتي ولا تحرمني رائحة الجنة. قوله: (يَوْمَ تَبْيضُّ وجُوهٌ) أي يوم القيامة قال ابن عباس تبيض وجوه المهاجرين والأنصار وتسود وجوده قريظة والنضير والذين كذبوا بمحمد ﷺ نقله عنه الواحدي في التفسير الوسيط ثم نقل أيضًا خبرًا مرفوعًا فيه تفسير الذين اسودت وجوههم بالخوارج. قوله: (اللَّهم أَعْطني كِتَابِي بيَمِيني) زاد بعضهم وحاسبني حسابًا يسيرًا. قوله: (وَلَا تَعْطني كِتْابِي بشِمالِي) زاد بعضهم ولا من وراءَ ظهري. قوله: (حرّمْ شَعرِي وَبَشَرِي عَلَى النَّارِ) قال القمولي كالرافعي وروي اللهم احفظ رأسي وما حوى وبطني وما وعى وفي الإحياء يقول اللهم غشني من رحمتك وأنزل عليّ من بركتك وأظلني تحت ظل عرشك أي اجعلني ممن يظلون تحته يوم القيامة. قوله: (ثَبِّتْ قَدَمَيَ) بتشديد الياء مثنى.
قوله: (بإسنادٍ صحيح) قال في السلاح رواه النسائي بسند رجاله رجال الصحيح إلا عباد بن عباد بن علقمة وقد وثقه أبو داود ويحيى ابن معين وذكره ابن حبان في الثقات ورواه الترمذي من حديث أبي هريرة بمعناه ولم يذكر الوضوء وفي روايته رايي بدل داري اهـ. وقال الحافظ وأخرجه الطبراني وليس عنده في الكبير من رواية مسدد وعارم والمقدمي كلهم عن معتمر بن سليمان
стр. 435
اغْفِرْ لي ذَنْبي، وَوَسعْ لي في دَارِي، وبارِكْ لي في رِزْقي"، فقلت: يا نبي الله سمعتك تدعو بكذا وكذا، قال: "وَهَلْ ترَكْنَ مِنْ شَيْءٍ؟ " ترجم ابن السني لهذا الحديث: باب ما يقول بين ظهراني وضوئه، وأما النسائي فأدخله في باب: ما يقول بعد فراغه من وضوئه، وكلاهما محتمل.
باب ما يقول عند اغتساله
يُستحب للمغتسِل أن يقول جميع ما ذكرناه في المتوضئ من التسمية
ــ
بن عباد عن أبي مجلز عن أبي موسى قال ووقع في روايتهم فتوضأ ثم صلى ثم قام وقال اللهم إلخ. وهذا يدفع ترجمة ابن السني لتصريحه بأنه قال بعد الصلاة ويدفع احتمال كونه بين الوضوء والصلاة وقال في حكم الشيخ على الإسناد بالصحة نظر لأن أبا مجلز لم يلق سمزة بن جندب ولا عمران بن حصين فيما قاله علي بن المديني وقد تأخرا عن أبي موسى ففي سماعه عن أبي موسى نظر وقد عهد منه الإرسال عمن لم يلقه ورجال الإسناد المذكور رجال الصحيح إلا عباد بن عباد اهـ. قوله: (اغفِرْ لِي ذَنْبي) أي ظاهرًا وباطنًا. قوله: (وَوَسعْ لِي فِي دَارِي) في الدنيا والبرزخ في العقبى. قوله: (وَبارِكْ لِي فِي رِزْقي) الحسين والمعنوي الدنيوي والديني. قوله: (تَرْجَمَ ابْنُ السُّنيّ إلخ) تبع صاحب الحصين ابن السني فذكره فيما يقال في أثناء الوضوء قال ميرك ورجح الشيخ عمل ابن السني قال في الحرز ويؤيد النسائي ظاهر فتوضأ فسمعته يقول اهـ، وسبق ما في هذين الاحتمالين في كلام الحافظ. قوله: (بين ظَهرانيْ وُضُوئه) أي بين وضوئه فظهراني زائدة، في النهاية يقال أقاموا بين ظهرانيهم وأظهرهم أي بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم وزيدت فيه ألف ونون مفتوحة تأكيدًا ومعناه أن ظهرًا منهم قدامه وظهرًا وراءه فهو محفوف من جانبيه ومن جوانبه إذا قيل بين أظهرهم ثم كثر فاستعمل في الإقامة بين القوم مطلقًا اهـ، فيحصل الذكر المذكور بالإتيان به مقارنًا لأي جزء منه والله أعلم.
باب ما يقول عند اغتساله
وفي نسخة على اغتساله فعلي في الترجمة بمعنى عند ومنه حديث ليس شيء أكرم على الله من
стр. 436
وغيرها، ولا فرق في ذلك بين الجُنُب والحائض وغيرهما، وقال بعض أصحابنا: إن كان جنبًا أو حائضًا لم يأت
بالتسمية، والمشهور أنها مستحبة لهما كغيرهما، لكنهما لا يجوز لهما أن يقصدا بها القرآن.
باب ما يقول على تيممه
يُستحب أن يقول في ابتدائه: "بسم اللهِ" فإن كان جنبًا أو حائضًا، فعلى ما ذكرنا في اغتساله، وأما التشهد بعده وباقي الذكْر المتقدم في الوضوء والدعاء على الوجه والكفين، فلم أو فيه شيئًا لأصحابنا ولا غيرهم، والظاهر أن حكمه على ما ذكَرنا في الوضوء، فإن التيمم طهارة كالوضوء.
ــ
لدعاء. قوله: (وَغَيرِهَا) حتى دعاء الأعضاء قال المحاملي ويسن بعده الذكر المشروع عقب الوضوء اهـ، ويدل له قول المصنف الآتي في التيمم والظاهر أن حكمه على ما ذكرنا في الوضوء فإن التيمم طهارة كالوضوء، إذ قوله فإن إلخ، جار في الغسل أيضًا إذ هو طهارة كالوضوء وقد صرح باستحباب
الذكر بعد كل من الغسل والتيمم كثير من المتأخرين والظاهر أن دعاء الاعضاء على القول باستحبابه كذلك وكأن السكوت مقدم استحبابه ولأنه يعلم من ذكر قرينه في بابه والله أعلم. قوله: (قَال بَعضُ أَصْحابِنَا إلخ) قال في المجموع وهو ضعيف لأن التسمية ذكر ولا يكون قرآنا إلَّا بالقصد وفي شرح العباب قيل الأولى له بسم الله العظيم الحليم حتى يخرج بها عن نظم القرآن وحكاية وجه بالكراهة نازع الإسنوي في ثبوته اهـ. وفي التجريد لابن المزجد صفة التسمية في الغسل كالوضوء والأولى زيادة الرحمن الرحيم لا بقصد القرآن وقيل الأولى بسم الله العظيم الحليم الحمد لله على الإسلام ليخالف نظمه القرآن وقيل يندب وصححه القاضي ونقل المتولي عنه كراهتها اهـ، وعبارة المصنف محتملة لنفي السنية والكراهة لكن تقدم عن الأسنوي المنازعة في ثبوت الأخير وتقدم في باب التسمية في الوضوء نقل السمهودي عن المجموع جواز زيادة الرحمن الرحيم للجنب لا أولويتها والله أعلم. تموله: (بابُ مَا يقولُ عَلَى تَيمّمِهِ إلَى قَولِهِ والظاهِرُ أَن حُكْمَه عَلى مَا ذَكَرْنا فِي الْوضوءِ إلخ) وافقه عليه المتأخرون.
стр. 437
باب ما يقول إذا توجه إلى المسجد
قد قدَّمْنا ما يقوله إذا خرج من بيته إلى أي موضع خرج، وإذا خرج إلى المسجد فيستحب أن يضم إلى ذلك.
ما رويناه في "صحيح مسلم" في حديث ابن عباس ﵄ في مبيته في
بيت خالته ميمونة ﵂، ذكر الحديث في تهجد النبي ﷺ قال: "فأذَّن المؤذن: يعني الصبح، فخرج إلى الصلاة وهو يقول:
ــ
باب ما يقول إذا توجه إلى المسجد
قوله: (في صَحِيحِ مْسْلم) قال الحافظ بعد تخريجه حديث ابن عباس وفيه ثم أتاه المؤذن فخرج إلخ، هذا حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود وزاد في طريق له وأعظم لي نورًا واختلف الرواة على علي بن عبد الله بن عباس وابن جبير وغيرهما عن ابن عباس في محل الدعاء هل هو عند الخروج إلى الصلاة أو قبل الدخول في صلاة الليل أو في أثنائها أو عقب الفراغ منها ويجمع بإعادته قال وقد أوضحت ذلك في فتح الباري قلت وكذا روى هذه الجملة أبو داود والنسائي وأبو عيسى المديني من حديث عائشة عن أبي سعيد بلفظ وأعظم لي النور. قوله: (فِي مَبِيتِهِ إلخ) قال المصنف في شرح مسلم ورد عن ابن عباس بتُّ عند خالتي في ليلة كانت فيها حائضًا وهذه اللفظة وإن لم
تصح طريقًا فهي حسنة المعنى جدًّا إذ لم يكن ابن عباس يطلب المبيت في ليلة للنبي ﷺ حاجة إلى أهله ولا يرسله أبوه إلّا إذا علم عدم الحاجة إلى أهله لأنه معلوم أنه لا يفعل حاجته مع حضرة ابن عباس معها في الوسادة مع أنه كان مراقبًا لأفعال النبي ﷺ ولعله لم ينم أو نام قليلًا اهـ. قوله: (فِي بَيْتِ خَالتِهِ مَيْمونَة ﵂ وهي أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث بن حزن ضد السهل بن بحيرة بموحدة فجيم فمثناة فمهملة فهاء مصغر ابن الهرم بن روبية بن عبد الله بن هلال الهلالية العامرية قيل كان اسمها برة فسماها النبي ﷺ ميمونة كذا روي عن ابن عباس وأبي هريرة وكانت تحت مسعود بن عمرو الثقفي في الجاهلية ففارقها فتزوجها أبو رهم براء مهملة مضمومة وسكون الهاء ابن عبد العزى فلما مات عنها خطبها النبي ﷺ فأجابت وجعل أمرها إلى العباس بن عبد المطلب وكان زوج أختها أم الفضل لبابة
стр. 438
اللهُم اجْعَلْ في قلْبي نورًا، وفي لِساني نورًا، واجْعَلْ
في سمْعِي نورًا، وَاجْعَلْ في بَصَرِي نورًا، واجْعَلْ مِن خَلْفِي نورًا، ومِنْ أمامي نورًا، واجْعَلْ مِنْ فَوقي نورًا ومِنْ تحْتي نورًا، اللهُم أعْطِني نورًا".
ــ
فتزوجها لما فرغ من عمرة القضية بسرف وهو موضع على عشرة أميال من مكة إلى جهة المدينة وقيل غير ذلك سنة سبع من الهجرة في ذي القعدة وقيل سنة ست وهي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ قاله ابن عباس وقتادة والزهري وقيل الواهبة زينب وتزوج ميمونة على خمسمائة درهم وهي آخر من تزوج بها واختلف هل كان النبي ﷺ محرمًا حال تزوجه بها أم حلالًا فروي عنها أنها قالت تزوجني النبي ﷺ ونحن حلال بعد ما رجعنا من مكة أخرجه أحمد وأخرج عنها أيضًا أنه تزوجها حلالًا وبنى بها حلالًا وأخرجه أيضًا هو ومسلم وأصحاب السنن من طريق يزيد بن الأصم عنها وكانت خالته أن رسول الله ﷺ تزوجها وهي حلال وأما ما روي في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي ﷺ تزوجها وهو محرم فقد روي عنه أيضًا أنه تزوجها وهي حلال وقال ابن عبد البر رواية أنه تزوجها وهي حلال تواترت عن ميمونة ولا أعلم أحدًا من الصحابة وافق ابن عباس على قوله أنه كان محرمًا روي لها عن النبي ﷺ فيما قيل ستة وسبعون حديثًا اتفقا منها على خمسة وانفرد البخاري بحديث ومسلم بخمسة وكانت تحلق رأسها بعد النبي ﷺ للتبذل وتوفيت بسرف سنة إحدى وخمسين وقيل سنة اثنين وخمسين وقيل إحدى وقيل ثلاث وقيل خمس وقيل ست وستين وقيل غير ذلك وفي الحديث الصحيح أنها توفيت قبل عائشة وصلى عليها عبد الله بن عباس ودخل قبرها هو ويزيد بن الأصم وعبد الله بن شداد وهي خالتهم ومعهم ربيبها عبد الله الخولاني ولها ثمانون سنة أو إحدى وثمانون سنة وزعم الواقدي أنها آخر أمهات المؤمنين موتًا وليس كما قال قاله القلقشندي. قوله: (اللهم اجْعل في قَلبي نُورًا إلخ) قال المصنف في شرح مسلم قال العلماء وسأل النور في أعضائه وجهاته والمراد بها بيان الحق وضياؤه والهداية إليه فسأل النور جميع أعضائه وجسمه وتصرفاته وتقلباته وحالاته وجملته وجهاته الست حتى لا يزيغ شيء منها عنه اهـ. وفي الإكمال للقاضي عياش ويحتمل أن يراد بالنور هنا في أعضائه قوتها بالحلال فإن القلب
стр. 439
وروينا في كتاب ابن السني
ــ
يصلح بأكل الحلال ويشرح معه الصدر ويصفو الخاطر وينصقل الذهن اهـ. ثم خص القلب والسمع والبصر بفي دون ما بعده لأن القلب مقر العلوم والمعارف الإلهية وكل من السمع والبصر يجعل له من أسبابها كنظر المسموعات وسماع الآيات حظًّا وفرًا وجر باقي الجهات بمن إشارة إلى أن مبدأ عود الهداية إلى من في تلك
الجهات من الخلق من القلب وقع في رواية للبخاري في كتاب الدعوات وعن يميني نورًا وعن شمالي نورًا قال الشيخ زكريا خصمها بعن إيذانًا بتجاوز الأنوار التي دعا بها النبي ﷺ عن قلبه وسمعه وبصره إلى من عن يمينه وشماله من أتباعه اهـ. وقال القرطبي هذه الأنوار التي دعا بها النبي ﷺ يمكن أن تحمل على ظاهرها فيكون معنى سؤاله أن يجعل الله له في كل عضو من أعضائه يوم القيامة نورًا يستضيء به في تلك الظلم هو ومن تبعه والأولى أن يكون مستعارة للعلم والهداية اهـ. وقال ابن عبد السلام اعلم أن النور عبارة عن أجسام قام بها عرض لكنه ليس مرادًا هنا لكنه يعبر بالنور عن المعارف وبالظلمة عن الجهل من مجاز التشبيه لأن المعارف والإيمان تنبسط لها النفوس ويذهب الغم عنها بها وتبشر بالنجاة من المعاطب كما يتفق لها ذلك في النور الحقيقي وتغتم بالجهالات وتنقبض ويخاف الهلاك بسببها كما يتفق لها ذلك في الظلمات الحسية فلما تشابها عبر بأحدهما عن الآخر إلا أن هذا يصح جوابًا عن القلب وأما في سائر ما ذكر معه فليس كذلك لأن المعارف مختصة بالقلب إلَّا أن ما عداه مما ذكر يتعلق بها التكاليف أما اللسان فمن جهة الكلام والبصر من جهة النظر وكذلك ينظر في سائرها ويثبت له من التكاليف ما يناسبه إذا تقرر ذلك فاعلم أن التكليف فرع عن العلم بالله والإيمان به فمن لم يكن كذلك لا يوقع شيئًا من القرب وإذ كانت مسببة عن الإيمان والمعارف التي هي النور المجازي فسماها نورًا من باب إطلاق المسبب على السبب فالمراد بالنور الذي في القلب الإيمان والمعارف وبالذي في غيره غيره اهـ.
قوله: (وَرَوَينا فِي كِتَابِ ابنِ السُّني إلخ) قال الحافظ بعد تخريجه من طريق ابن السني بهذا اللفظ هذا حديث واهٍ جدًّا أخرجه الدارقطني في الأفراد من هذا الوجه وقال تفرد به الوازع وهو متفق على ضعفه وأنه منكر الحديث قال الحافظ والقول فيه أشد من ذلك فقال ابن معين والنسائي ليس بثقة وقال أبو حاتم وجماعة متروك
стр. 440
عن بلال ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج إلى الصلاة قال:
ــ
وقال الحاكم روي أحاديث موضوعة قال ابن عدي أحاديثه كلها غير محفوظة قال الحافظ وقد اضطرب في هذا الحديث أخرجه أبو نعيم في اليوم والليلة من وجه آخر عنه فقال عن سالم بن عمر عن بلال محل قوله في الطريق الأول عن نافع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله عن بلال قال الحافظ ولم يتابع عليه اهـ. قوله: (عَن بِلالِ) هو بلال بن رباح الحبشي القرشي التيمي بالولاء الصحابي الجليل مؤذن رسول الله ﷺ اختلف في كنيته فقيل أبو عبد الكريم وقيل أبو عبد الله وقيل أبو عبد الرحمن وقبل أبو عمر وأمه حمامة مولاة لبني جمح اشتراه أبو بكر ﵁ بخمس أواق وقيل بسبع وقيل بتسع وأعتقه وكان خازنًا له وهو أحد السابقين الأولين أسلم قديمًا وأظهر اسلامه وكان يعذب في الله فيصبر على العذاب كان أبو جهل يبطحه على وجهه في الشمس ويضع الرحى عليه حتى تصهره الشمس ويقول له اكفر برب محمد فيقول أحد أحد وكان أمية بن خلف يتابع عليه العذاب قدر الله أن بلالا قتله أول الإسلام.
فإن قلت لم لم يوافقهم بلال بلسانه مع ثبوت إيمانه في جنانه وهو جائز للإكراه.
قلت هو وإن كان جائزًا إلَّا أن ما فعله أفضل ففي الحديث الشريف أن مسيلمة أتى برجلين من أصحاب النبي ﷺ فقال لأحدهما ما تقول في محمد فقال رسول الله فقال وأنا فقال وأنت كذلك فأطلقه ثم سأل الآخر عن النبي ﷺ فقال رسول الله فقال وأنا فقال لا أسمع فلم يزل به حتى قطعه إربًا إربًا فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال أما أحدهما فقد أخذ برخصة الله وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئًا له أورده في الكشاف وغيره وروي عن ابن مسعود أول من أظهر الإسلام سبعة النبي ﷺ وأبو بكر وعمار وأمه وصهيب وبلال والمقداد فمنع الله نبيه بعمه أبي طالب وأبا بكر بقومه وأما باقيهم فعذبهم المشركون وهاجر بلال وشهد المشاهد كلها وكان يؤذن لرسول الله ﷺ حضرًا وسفرًا، روى أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب الأذان له من طريق الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن بلالًا أول من أذن في الإسلام وهذا من الأحاديث التي لم يسمعها الحكم من مقسم وروي
стр. 441
"بِسْم اللهِ، آمَنْتُ بالله، توكَّلْتُ على اللهِ، لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ، اللهُم بِحَق السائِلِينَ عَلَيْكَ،
ــ
أنه أذن عام الفتح فوق الكعبة وقال مالك وغيره أنه لم يؤذن لأحد بعده ﷺ إلَّا مرة واحدة لعمر حين دخل الشام فبكى الناس بكاء شديدًا وقيل أنه أذن مرة في قدمة قدمها إلى المدينة بسؤال الصحابة ولم يتم الأذان وروى ابن أبي شيبة عن سعد القرظ أن بلالًا أذن لأبي بكر مدته وفي السنن لأبي داود من مرسل ابن المسيب أن بلالًا ذهب إلى الشام في حياة أبي بكر فكان بها حتى مات وأخرج الطبراني في الصغير عنه ﷺ بلال سابق الحبشة وعن أنس نحوه وفي الصحيحين أنه قال لبلال دخلت الجنة فسمعت دف نعليك بين يدي الحديث عنه وروي عن زيد بن أرقم مرفوعًا نعم بلال سيد المؤذنين وفي البخاري كان عمر يقول أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلالًا وفيه عن قيس بن أبي حاتم قال قال بلال لأبي بكر إن كنت إنما اشتريتني لنفسك فأمسكني وإن كنت إنما اشتريتني لله فدعني وعامل الله وهو أحد الأربعة الذين أراد الأقرع بن حابس وعيينة بن حصين طردهم عن النبي ﷺ فنزلت: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢]، روي له عن النبي ﷺ فيما قيل أربعة وأربعون حديثًا وقيل نيف وعشرون اتفقا منها على حديث واحد وانفرد البخاري بحديثين غير مسندين ومسلم بحديث وفضائله كثيرة مات بدمشق سنة عشرين وقيل إحدى وقيل ثمان وعشرون وقيل سبع وقيل ثمان عشرة وله أربع وستون سنة وقيل ثلاث وستون وقيل سبعون وقيل مات بحلب وقيل بدارما ودفن بباب لبان قاله ابن زبر وقال الواقدي دفن بباب الصغير وقيل بحلب ولم يعقب ﵁. قوله: (باسْم الله) أي خرجت. قوله: (بحَق السائِليِنَ عَلَيْكَ) أي بالحق الذي جعلته لهم عليك من محض فضلكَ بوعدك الذي لا يخلف وفيه التوسل بحق أرباب الخير على سبيل العموم من السائلين ومثلهم بالأولى الأنبياء والمرسلون أما السؤال بحق معين فمنعه ابن عبد السلام إلَّا بحقه ﷺ لمزيد كرامته دون غيره وأجازه آخرون حتى بالأولياء والعارفين وقال العارف بالله تعالى أبو العباس المرسي من له إلى الله حاجة فليتوسل إليه بحق حجة الإسلام
стр. 442
وَبِحَق مَخْرَجِي هَذَا فَإني لَمْ أخْرُجْهُ أشرًا ولا بَطَرًا ولا رِياءَ ولا سُمْعَةً، خَرَجْتُ ابتِغاءَ مَرْضاتِكَ، واتِّقَاءَ سَخَطِكَ، أسألُكَ أنْ تُعِيذَني مِنَ النارِ وأنْ تُدْخِلَني الجَنَّةَ"، حديث ضعيف، أحد رواته الوازع بن نافع العقيلي، وهو متفق على ضعفه وإنه منكر الحديث.
وروينا في كتاب ابن السني معناه من رواية
ــ
الغزالي. قوله: (وبحَق مَخْرَجِي إليك) أي خروجي إلى ساحة فضلك طالبًا رضاك، ورواه ابن الجوزي بحق السائلين عَليك وبحق الراغبين إليك وليس
فيه وبحق مخرجي. قوله (أَشِرًا) بفتح الهمزة وكسر الشين المعجمة بوزن اسم الفاعل وعلى وزنه بطر قال في النهاية الأشر البطر وقيل أشد البطر وفيها البطر الطغيان عند النعمة وطول الغي اهـ، والعطف على القول الأول من عطف المترادفين وعلى الثاني من عطف العام على الخاص. قوله: (وَلَا رِياء وَلَا سُمْعَة) مصدران بمعنى اسم الفاعل ليكون على طريق ما قبله أو على حذف مضاف أي ولا ذو رياء ولا سمعة وتقدم معنى الرياء في فضل الإخلاص وقريب منه السمعة إذ المرائي يقصد أن يراه الناس الحاضرون لعبادته والمسمع قصده أن يسمع بعبادته وفضله الغائبون قال الشيخ زكريا في تحفة القارئ في باب الرياء والسمعة من كتاب الرقاق الرياء بالمد إظهار العبادة ليراها الناس فيحمدوا صاحبها والسمعة بضم السين وسكون الميم التنويه بالعمل ليسمعه الناس اهـ. قوله: (ابْتِغاءَ مَرْضاتِكَ) بالنصب مفعول له والمرضاة مصدر ميمي أي رضاك. قوله: (سَخطِكَ) بفتح أوليه أو بضم أوله وسكون ثانيه وفي النهاية السخط والسخط كراهية الشيء وعدم الرضا به. قوله: (الوازعُ بْنُ نافِعِ) في كتاب الجرح والتعديل لأبي حاتم الوازع بن نافع العقيلي أصله من المدينة سكن الجزيرة يروي عن سالم بن عبد الله وأبي سلمة بن عبد الرحمن روى عنه أهل الجزيرة وكان ممن يروي الموضوعات عن الثقات على قلة روايته ويشبه أنه لم يكن المتعمد لذلك بل وقع ذلك في روايته لكثرة وهمه فبطل الاحتجاج به لما انفرد به عن الثقات بما ليس من أحاديثهم حدثنا الحنبلي قال حدثنا أحمد بن زهير عن يحيى بن معين قال وازع بن نافع ليس بثقة ثم نقل عنه أحاديث تكلم في إسناد بعضها بأنه موضوع أو مقلوب اهـ، وتقدم فيه كلام الحافظ في تخريج الحديث. قوله: (وَرَوَينْا معناهُ) هو قوله ﷺ إذا خرج الرجل من بيته إلى الصلاة فقال اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرًا
стр. 443
عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ وعطية أيضًا ضعيف.
باب ما يقول عند دخول المسجد والخروج منه
يُستحب أن يقول: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم الحمد لله،
ــ
ولا بطرًا ولا رياغ ولا سمعة خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي أنه لا يغفر الذنوب إلَّا أنت وكل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له وأقبل الله عليه بوجهه حتى يقضي صلاته قال الحافظ بعد تخريجه حديث حسن أخرجه أحمد وابن ماجة وابن خزيمة في كتاب التوحيد وأبو نعيم الأصبهاني وفي كتاب الصلاة لأبي نعيم عن فضيل عن عطية قال حدثني أبو سعيد فذكره لكن لم يرفعه فقد أمن بذلك تدليس عطية العوفي قال الحافظ وعجبت للشيخ كيف اقتصر على سوق رواية بلال دون أبي سعيد وعزو رواية أبي سعيد لابن السني دون ابن ماجة وغيره والله الموفق اهـ. قوله: (عطيةَ العوفِيّ) قال الذهبي في الكاشف هو أبو الحسن عطية بن سعد عن أبي سعيد وطائفة وعنه أبناؤه عمر والحسن ومسعر وقرة ضعف، مات سنة مائة وإحدى عشرة خرج عنه أبو داود والترمذي والنسائي اهـ. وفي تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر عطية بن سعد بن جنادة بضم الجيم وبعدها نون خفيفة العوفي الجدلي بفتح الجيم والدال المهملة الكوفي أبو الحسن صدوق يخطئ كثيرًا وكان شيعيًّا مدلسًا من الثالثة روى عنه البخاري في التاريخ
وأبو داود والنسائي اهـ، ومن كلام التقريب ظهر وجه ضعفه وقد صرح بذلك في تخريجه فقال ضعف عطية إنما جاء من قبل تشيعه وقبل تدليسه وإلا فهو صدوق وقد أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأخرج له أبو داود عدة أحاديث ساكتًا عليها وحسن له الترمذي عدة أحاديث بعضها من أفراده فلا يظن أنه مثل الوازع اهـ، والله أعلم.
باب ما يقول عند دخول المسجد والخروج منه
قوله: (أَعوذُ بالله العظيم)
стр. 444
اللهُم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، ثم يقول: بسم الله، ويقدم رجله اليمنى في الدخول، ويقدم اليسرى في الخروج، ويقول جميع ما ذكرناه إلا أنه يقول: "أبوابَ فضلك"، بدل "رحمتك".
رويناه عن أبي حميد أو أبي أسيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :
ــ
أتَى بوصف الاسم الكريم هنا وكرر المستعاذ به من الوجه والسلطان هنا دون ما يأتي في تعوذ القرَاءة والصلاة وكأن حكمة ذلك عظم وسواس الشيطان بالمساجد وكثرة حليله في صرف القاصدين عنه إلى ضده. قوله: (وَصَلَّى الله عَلَى مُحمَّدٍ وعلى آل محمد) عبارة المجموع اللهم صَل على محمد وعلى آل محمد وسلم قال في شرح العباب وينبغي ذكر الصحب أيضًا لما مر في القنوت اهـ، وهو موافق لما ذكرته من الإتيان بذلك في الوضوء والله أعلم. قوله: (ثَم يَقُولُ باسْم الله) جرى بعضهم على تقديم البسملة على الحمد له وزيادة واو قبل الحمد لله. قوله: (وَيُقدِّمُ رِجلهُ الْيُمنى) أي أو بدلها من مقطوعها وكذا اليسرى في الخروج وخصت اليمنى بالدخول لشرفه واليسرى بالخروج لخسته وهذا مما ينبغي الاعتناء به كغيره من الآداب، حكي أن سفيان الثوري قدم رجله اليسرى في الدخول غفلة فقيل له أي في سره أنت مثل الثور فنسب لذلك وحكي عن حاتم الأصم أنه قدم اليسرى عند الدخول فتغير لونه وخرج مذعورًا وقدم رجله البمنى فقيل له في ذلك فقال لو تركت أدبًا من الآداب خفت أن يسلبني الله جميع ما أعطاني كذا في خلاصة الحقائق. قوله: (وَيقولُ جَمِيعَ مَا ذَكَرْناهُ) قال المصنف في المجموع فإن طال عليه ذلك اقتصر على ما في مسلم أي الآتي في الدخول والخروج. قوله: (عَنْ أَبي حُمَيْدٍ) هو أبو حميد الساعدي واسمه المنذر وقيل عبد الرحمن شهد أحدًا وما بعدها وعاش إلى أول زمن يزيد سنه ستين واتفقا على الرواية عنه وروى عنه غيرهما كذا في الرياض. قوله: (أَوْ أَبي أُسيْدٍ) بضم الهمزة وهو مالك بن ربيعة بن البدن بفتح الموحدة والمهملة الأنصاري الساعدي البدري روي له عن النبي ﷺ . اتفقا على حديث وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بواحد وخرج عنه الأربعة
стр. 445
"إذا دَخَلَ أحدُكم المَسْجِدَ فَلْيُسَلِّم على النبي ﷺ ثم لْيَقُل: اللهُم افْتَحْ لي أبوَابَ رَحْمَتكَ، وإذا خَرَجَ فلْيَقُلْ: اللهُم إني أسألُكَ مِنْ فَضْلِكَ"
ــ
روى عنه ابناه حمزة وزبير وأبو سلمة مات بالمدينة سنة ثلاثين وقال ابن المديني سنة ستين قال وهو آخر من مات من البدريين وكان له عقب منهم المنذر بن أبي أسيد الذي جيء به إلى النبي ﷺ حين ولد فوضعه في حجره وسماه منذرًا كما يأتي بيانه في كتاب الأسماء ولا يضر في صحة الحديث الشك في عين الصحابي لأن كل الصحابة
﵃ عدول وكذا لا يضر الشك في عين الراوي من غيرهم إذا كان ثقة. قوله: (إِذَا دَخَلَ أَحدكم) قال الأبي هذا التركيب لا يتعين فيه إن يكون التقدير إذا أراد أحدكم أن يدخل بل الظاهر حمله على ظاهره وأنه يقوله بعد الدخول هـ. وفي شرح المشكاة لابن حجر إذا دخل أي أراد الدخول اهـ، ومثله في الحرز ويؤيده قول المصنف هنا بعد أن قال يستحب أن يقول أعوذ بالله إلخ، ثم يقول بسم الله وقدم رجله اليمنى فظاهره أن الذكر يأتي به قبل الدخول عند إرادته وعلى هذا يُقدر في الترجمة مضاف أي عند إرادة دخول المسجد لأن عند اسم للحضور الحسي أو المعنوي أو لا يحتاج إلى تقدير لأن عند يكون للقرب كذلك نحو عند سدرة المنتهى كما في المغني لكن قضية كلام المصنف وغيره أن يقول ذلك عند الدخول لا بعده. قوله: (وإِذَا خرَجَ فَلْيقُلِ إلخ) الحكمة في تخصيص ذكر الرحمة بالذخول والفضل بالخروج أن الداخل طالب للآخرة والرحمة أخص مطلوب له والخارج طالب للمعاش في الدنيا وهو المراد بالفضل وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] كذا في كشف المشكل وفي شرح المشكاة للطيبي لعل السر أن من دخل يشتغل بما يزلفه إلى الله تعالى وإلى ثوابه وإلى جنته فناسب ذكر الرحمة وإذا خرج انتشر في الأرض ابتغاء فضل الله من الرزق الحلال فناسب الفضل اهـ. وقال بعضهم العرف الشرعي خص استعمال الرحمة المقابلة للفضل في المنح
стр. 446
رواه مسلم في "صحيحه" وأبو داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم
بأسانيد صحيحة،
ــ
الإلهية المفاضة على المتعبدين والمسجد بني لذلك فناسب ذكرها عند دخوله وأيضًا فالمصلي تواجهه الرحمة كما ورد فناسب سؤالها عند دخوله لمحل الصلاة وإن لم يقصد الدخول للصلاة واستعمال الفضل في المنح الإلهية المفاضة على المتسجبين في حصول أرزاقهم ألا ترى قوله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وبما قررنا علم اندفاع ما يورد من أن الرحمة نوع من الفضل فلم أتي بالخاص في الدخول والعام في الخروج وكان العكس أولى، لأن في العام من طلب المزيد ما ليس في الخاص ويدفع هذا أيضًا بأنه قد يمنع ويقال الفضل نوع من الرحمة أو مساويها إذ المراد في حقه تعالى غايتها وهو التفضل والإنعام على أن التحقيق أنهما باعتبار الأصل متساويان وقد يستعمل أحدهما في غير ما يستعمل فيه الآخر لمناسبة المقام أو غيره اهـ. قوله: (رَوَاه مسلم فِي صحيحه إلخ) قال الحافظ بعد تخريجه من طرق عديدة إلى عبد الملك بن سعيد الأنصاري قال سمعت أبا حميد أو أبا أسيد يقول فذكره ثم قال حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود وقال مسلم سمعت يحيى بن يحيى يقول كتبته من كتاب سليمان بن بلال أي الراوي له عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الملك بن سعيد الأنصاري قال وبلغني أن يحيى الحماني يقول عن سليمان بسنده المذكور عن أبي حميد وأبي أسيد يعني أن الحماني رواه بواو العطف وأن يحيى بن يحيى رواه بأو التي للتردد قال الحافظ ولم ينفرد الحماني بذلك فقد أخرجه أحمد عن أبي عامر العقدي عن سليمان بواو العطف أيضًا وكذا أخرجه النسائي وأبو يعلى وابن حبان من رواية سليمان ولم ينفرد به سليمان بل جاء أيضًا من رواية عمارة بن غزية عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن بهذا السند عن أبي حميد فقط ولم يذكر أبا أسيد اهـ. وفي الحرز
رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي حميد أو أبي أسيد ورواه ابن ماجة عن أبي حميد وابن حبان والحاكم وابن السني عن أبي هريرة اهـ، ولفظ ابن ماجة في سننه من حديث أبي هريرة إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ وليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليسلم على النبي ﷺ وليقل اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم وروي بمعناه من حديث فاطمة ﵂ بإسناد فيه كلام ورواه النسائي في
стр. 447
وليس في رواية مسلم: "فليسلم على النبي ﷺ وهو في رواية الباقين. زاد ابن السني في روايته "وإذا خَرَجَ فَلْيُسَلِّمْ على النبي ﷺ وَلْيَقُلْ: اللهُم أعِذْني مِنَ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ" وروى هذه الزيادة
ــ
عمل اليوم والليلة من حديث أبي هريرة بلفظ ابن ماجة إلا أن قوله الرجيم عند ابن ماجة فقط ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه كذا في السلاح قال السخاوي وأعلم النسائي برواية المقبري له عن أبي هريرة عن كعب وذكر أنها أولى بالصواب أفاده شيخنا وحكي فيه غير ذلك وقال ما ملخصه وقد خفيت هذه العلة على من صحح هذا، هذا الحديث لكن في الجملة هو حسن لشواهده اهـ، وكلامه في حديث أبي هريرة الآتي فلا يخالفه كلام المصنف وقوله: بأسانيد صحيحة، لأنه في حديث أبي حميد أو أبي أسيد وقد وافق المصنف على قوله ذلك القسطلاني في كتاب المسالك وهو تلميذ السخاوي والله أعلم. وفي السلاح ورواه أبو عوانة من حديث أبي حميد وحده ولفظه إن النبي ﷺ يقول: إذا دخل المسجد اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وسهل لنا أبواب رزقك قوله وليس في رواية مسلم "فَلْيُسَلم عَلَى النبيِّ ﷺ " وَهُوَ فِي رِوَايَة البَاقِينَ) قال في السلاح لفظ أبي داود إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ ثم ليقل اللهم إلخ، ورواه أبو عوانة أيضًا في مسنده الصحيح بنحو رواية أبي داود زاد فيه وإذا خرج فليسلم على النبي ﷺ اهـ، لكنه عند أبي عوانة بهذا اللفظ من حديث أبي حميد فقط لا من حديث أبي أسيد كما نبه علمه الحافظ وتقدم بيانه وهو بهذا اللفظ من حديث أبي حميد وأبي أسيد عند الطبراني في كتاب الدعاء أخرجه الحافظ من طريقه فيه وفي الحصين فليسلم على النبي ﷺ رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وابن السني قال في الحرز كلهم عن أبي هريرة إلّا أبا داود فعن أبي حميد أو أبي أسيد على الشك وبه يعلم أن حديث الكتاب بلفظ أبي داود وإنما قدم مسلمًا مع أنه لم يرو قوله فليسلم إلخ، لأن مرتبته أعلى ومقامه أغلى وفي القول البديع للسخاوي عن أبي حميد أو أبي أسيد الساعدي قال قال رسول الله ﷺ إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ ثم ليقل اللهم افتح لي
стр. 448
ابن ماجة وابن خزيمة وأبو حاتم بن حِبان بكسر الحاء في "صحيحيهما".
ــ
أبواب رحمتك وإذا خرج من المسجد فليسلم على النبي ﷺ ثم ليقل اللهم افتح لي أبواب فضلك أخرجه الطبراني والبيهقي في الدعاء وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن السني وأبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان في صحاحهم وأصله في مسلم اهـ، وظاهره أن الجميع رووه هكذا بأو التي للشك فيخالف ما سبق عن الحافظ من أنه عند النسائي وأبي يعلى وابن حبان من رواية سليمان بالواو وأنه عند الطبراني من رواية عمارة بالواو أيضًا والله أعلم، وسيأتي في بعض طرق حديث فاطمة استحباب الصلاة على النبي ﷺ في هذا الموطن قال الحافظ وهو أقوى ما ورد فيه وإن كان فيه مقال اهـ. قوله: (ابْنُ مَاجه) أي لكن بإبدال أعذني
بقوله اعصمني وفي الحصين وليقل اللهم اعصمني من الشيطان رواه النسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وابن السني كلهم عن أبي هريرة الرجيم رواه ابن ماجة هـ، وهو مبين للإجمال في عبارة المصنف هنا الموهمة أن لفظ الرجيم في رواية جميع من ذكر وليس كذلك إنما انفرد بزيادتها ابن ماجة كما تقدم عن السلاح وأن لفظ رواية الجميع أعذني وقد علمت أن لفظ ابن ماجة واعصمني وظاهر كلام السلاح أنها كذلك عند النسائي وأفاد في الحصين أنه كذلك عند الجميع ثم رأيت السخاوي في القول البديع أورده من حديث أبي هريرة باللفظ السابق عند ابن ماجة آخره وليقل اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم وذكر مخرجيه ومرتبته كما سبق بيانه وهو يقتضي تقوية ما في الكتاب من أن الرجيم في رواية الجميع فيخالف ما سبق عن السلاح والحصن والظاهر تقديم ما فيهما لأن الأول صرح بأن الرجيم عند ابن ماجة خاصة والثاني بين ذلك على عادته فذكر رموز السابقين من غير ذكر الرجيم ثم ذكر وأفرد رمز ابن ماجة والعذر عن المصنف والسخاوي بأن المراد أن أصل هذا الحديث مروي عند من ذكر ولا يضر تخالف لفظ اعصمني وأعذني لأنهما متقاربان وكذا زيادة لفظ الرجيم وتركه من وصف الشيطان والله أعلم، ثم ظاهر كلام المصنف يوهم أن الزيادة عند المذكورين في حديث أبي حميد أو أبي أسيد المذكور أولًا وليس مرادًا كما قاله الحافظ إنما الزيادة في حديث أبي هريرة ولفظه مرفوعًا إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ ثم ليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليسلم
стр. 449
وروينا عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد يقول: "أعُوذُ بالله العَظِيمِ وَبِوَجْهِه الكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ القَدِيمِ مِنَ الشَّيطَانِ الرجِيمِ، قال: فإذا قال ذلكَ قال الشَّيطَانُ: حُفِظَ مِني سائِرَ اليَوْمِ" حديث حسن،
ــ
على النبي ﷺ وليقل اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم قال الحافظ أخرجه النسائي في اليوم والليلة وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان وابن السني وأخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ووقع في رواية النسائي باعدني وفي نسخة أعذني وهي رواية ابن ماجة وابن السني وفي رواية ابن خزيمة وابن حبان أجرني ورجال الحديث رجال الصحيح لكن أعله النسائي بأن راويه مرفوعًا الضحاك بن عثمان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة فرفعه وقد خالف في رفعه محمد بن عجلان وابن أبي ذئب وأبي معشر فرووه عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ولم يرفعوه وزاد ابن أبي ذئب في السند راويًا وقد خفيت هذه العلة على من صحح الحديث من طريق الضحاك وفي الجملة هو حسن لشواهده اهـ.
قوله: (وَرَوينا عَنْ عَبْدِ الله بن عَمْرو إلخ) قال الحافظ حديث حسن غريب رجاله موثقون وهم رجال الصحيح إلا اثنين إسماعيل بن بشر وعقبة بن مسلم اهـ. قوله: (وبوجهِهِ الكرِيم) أي بذاته النافع أو المكرم. قوله: (وسلطانِهِ القَدِيم) وفي نسخة وبسلطانه بإعادة الجار القديم أي الأزلي المقرون بالنعت الأبدي إذ ما ثبت قدمه استحال عدمه والقديم يصح أن يوصف به كل من الذات والسلطان لكن خص به السلطان لأنه فيهم أفخمه كما لا يخفى. قوله: (مِنَ الشيْطَانِ الرجيمِ) أي المطرود من رحمة الرحيم. قوله: (فإذَا قَال ذَلِكَ) قال ابن حجر الهيتمي الفاء فيه فصيحة أي فقال رسول الله ﷺ إذا قال العبد ذلك إلخ. قوله: (قَال الشيْطَانُ حُفظِ مني سَائِرَ اليَوْمِ) أي بقيته ولا يبعد
أن المراد باليوم قطعة من الزمان وأنه إذا قال في ليل يقول الشيطان حفظ مني سائر الليلة ثم إن أريد حفظه من جنس الشياطين تعين حمله على حفظه من شيء مخصوص كأكبر الكبائر أو من إبليس فقط بقي الحفظ فيه على عمومه وما يقع منه فمن إغواء جنوده وإنما ذكرت ذلك لأنا نرى ونعلم من يقول ذلك ويقع في كثير من العيوب فتعين حمله على ما ذكر كذا في فتح الإله وما ذكره من التعين على الأول غير ظاهر ووقوع العصيان لا ينافي الحفظ من الشيطان فمن الجائز
стр. 450
رواه أبو داود بإسناد جيد.
وروينا في كتاب ابن السني عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: "بِسْمِ اللهِ، اللهُم صَل على مُحَمدٍ، واذَا خَرَجَ قال: بِسْمِ اللهِ، اللهُم صَل على مُحَمدٍ".
وروينا الصلاة على النبي ﷺ عند دخول المسجد والخروج منه من رواية ابن عمر أيضًا.
وروينا في كتاب ابن السني
ــ
أن يكون مترتبًا على وسوسة منه سابقة على ذلك المقال أو يكون لسوء نفسه وخبث ما بها من الأحوال أخذًا مما قالوه في وقوع العصيان في شهر رمضان مع تصفيد الشياطين فيه والله أعلم. قوله: (رَوَاه أَبو داود) ووقع في نسخة من الحصين رمز النسائي وابن ماجة قال في الحرز وهو سهو قلت أو غلط من الكتاب وهو أليق بالآداب.
قوله: (وروينا في كتاب ابنِ السني إلخ) قال السخاوي وفي سنده من لا يعرف. قوله: (صل على محمد ﷺ ) كأن حكمته بعد التعليم للأمة أنه ﷺ كان يجب عليه الإيمان بنفسه كما يجب على غيره فطلب منه تعظيمًا بالصلاة منه عليها كما طلب ذلك من غيره وفي هذا أشرف منقبة له ﷺ إذ الأصل في تعظيم النفس الامتناع فهذا الممتنع في حق غيره لكونه يجر إلى محذور من كبر أو نحوه ممدوح ومحبوب في حقه لا من ذلك المحذور مع إظهار ما له من الشرف الأعلى لأمته حتى يوفوه بعض حقه. قوله: (وَرَوينا الصلاةَ عَلَى النَّبي ﷺ عِنْدَ دُخُولِ المَسْجِدِ والخروج منه من رِوَايَة ابن عمر) قال السخاوي في القول البديع وعن ابن عمر ﵄ قال علم النبي ﷺ الحسن بن علي إذا دخل المسجد أن يصلي على النبي ﷺ ويقول اللهم اغفر لنا ذنوبنا وافتح لنا أبواب رحمتك فإذا خرج منه قال مثل ذلك لكن يقول افتح لنا أبواب فضلك أخرجه الطبراني وابن السني وسنده ضعيف جدًّا اهـ، والظاهر إن المصنف إنما لم يصرح بمخرجه اكتفاء بكونه مأخوذًا من كلامه بالاستصحاب وإنما أعاده في الحديث بعده للفصل بينه وبين ما تقدم بالحديث الثاني أو تفنن في التعبير والله أعلم.
قوله: (فِي كِتاب ابن السني) ورواه أحمد والترمذي وابن ماجة وفي المشكاة عن فاطمة بنت الحسين عن جدتها فاطمة الكبرى رضي الله
стр. 451
عن عبد الله بن الحسن عن أمه
ــ
عنها قالت كان النبي ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد ﷺ وقال رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج صلى على محمد ﷺ وقال رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك رواه الترمذي وأحمد وابن ماجة وفي روايتهما قالت إذا دخل المسجد وكذا إذا خرج قال بسم الله والصلاة على رسول الله بل صل على محمد اهـ. قوله:
(عَنْ عبدِ الله بن الحسَنِ) هو عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب روى عنه أصحاب السنن الأربعة وهذا الحديث مرسل قال الترمذي إسناده ليس بمتصل لأن فاطمة الصغرى لم تدرك فاطمة الكبرى كذا في المشكاة وفي شرحها ومع ذلك هو حجة في ندب البسملة والصلاة على النبي ﷺ عند الدخول والخروج اهـ. وقال الحافظ رجال إسناده ثقات إلَّا أن فيه انقطاعًا قال الترمذي حديث فاطمة بنت الحسين لم تدرك جدتها فاطمة الكبرى لأنها عاشت بعد النبي ﷺ أشهرًا قال الحافظ كان عمر الحسين عند موت أمه دون ثمان سنين.
فائدة
قال الحافظ وقع في حديث عبد الله بن الحسن زيادة الصلاة فيه فقال الحافظ بسنده إلى ابن علية عن ليث عن عبد الله عن أمه فاطمة بنت الحسين عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلَّى على محمد وسلم ثم قال اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج صلَّى على محمد وسلم ثم قال اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك قال إسماعيل أي المعروف بابن علية فلقيت عبد الله بن حسن فسألته عن هذا الحديث فقال كان إذا دخل قال رب افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج قال افتح لي أبواب فضلك وهكذا أخرجه الترمذي وأخرجه ابن ماجة ولم يذكر قول ابن علية فلقيت عبد الله ثم ذكر له طرقًا أخرى بنحو ذلك قال الحافظ روينا الصلاة على رسول الله ﷺ عند دخول المسجد في بحض طرق حديث أبي هريرة قلت وقد سلف وفي حديث فاطمة وهو أقوى ما ورد فيه وإن كان فيه مقال اهـ، وعبد الله هذا والدًا الطالبيين القائمين على بني العباس وهم محمد ويحيى وإدريس مات إدريس بإفريقية فارًا من الرشيد مسموما في دلاعة أكلها والدلاعة العقبوس. قوله: (عَنْ أُمِّهِ) هي فاطمة الصغرى بنت الحسين بن علي بن أبي طالب زوج الحسن
стр. 452
عن جدته قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد حَمِدَ الله تعالى وسَمَّى وقال:
ــ
المثنى ثقة من الرابعة أي من أواسط أتباع التابعين مات سنة سبع عشرة ومائة وقد جاوز الثمانين وفي الكاشف تروي عن أمها وعمتها زينب أي وأما جدتها فاطمة الزهراء فلم تدركها ولم تسمع منها لأن جدتها توفيت في السنة الحادية عشرة وولادة فاطمة هذه بعد ذلك بزمن طويل ولوجد في بعض النسخ في محل عن أمه عن أبيه وهو من تحريف الكتاب كما لا يخفى على النبيه. قوله: (عَنْ جَدّتِهِ) كذا في نسخ الأذكار تبعًا لما في كتاب ابن السني وفيه تجوز لأنها جدته العليا وهو عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ففاطمة البتول جدة أبيه وجدة أمه ووقع في الرواية التي أخرجها الحافظ من طريق الطبراني عن عبد الله بن الحسن عن أمه عن جدتها أي وهي فاطمة بنت رسول الله ﷺ وأشبه الناس به سيدة نساء العالمين تلقب بالزهراء قيل لأنها لم تحض أصلًا وبالبتول لتبتلها أي انقطاعها إلى الله ولدت قبل النبوة بخمس سنين وروى الدولابي أن العباس دخل على علي وفاطمة وهما يتراجعان في مواليدهما فقال العباس ولدت يا علي قبل بناء الكعبة بسنوات وولدت فاطمة وهي تبني وقيل ولدت سنة إحدى وأربعين من موالد النبي ﷺ والصحيح إن ولد النبي ﷺ كلهم قبل النبوة إلَّا إبراهيم وتزوجها علي في السنة الثانية من الهجرة قيل ولها يومئذٍ خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصف ولعلي يومئذٍ إحدى وعشرون سنة وخمسة أشهر
وكان تزوجها في صفر وبنى بها في ذي الحجة بعد وقعة أحد وقيل بعد تزويج النبي ﷺ بأربعة أشهر وعلى هذا فبين التزويج والبناء تسعة أشهر ونصف ولم يتزوج على غيرها حتى ماتت كأمها خديجة مع النبي ﷺ واشتهر إن عليًّا أصدقها درعه التي سلحه النبي ﷺ وتسمى بالحطمية قيل بالحاء المهملة لأنها تحطم السلاح وقيل بالخاء المعجمة نسبة إلى بني خطمة بن عبد القيس وقيل أصدقها أربعمائة مثقال فضة واشتهر في كتب الحديث أن النبي ﷺ لم يزد في صداق بناته وأزواجه على خمسمائة درهم وحضر عقدها جماعة من النبلاء ودعا ﷺ برطب وزبيب وقال انتهبوا روي أنه خطبها قبل علي جمع من الصحابة وإن تزويجها من علي كان بوحي من الله ودعا
стр. 453
"اللهُم اغْفِرْ لي، وافْتَحْ لي أبواب رَحْمَتِكَ، وإذا خَرَجَ قال مِثْلَ ذلكَ، وقال: اللهُم افْتحْ لي أبوابَ فَضْلِكَ".
وروينا فيه عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن أحدَكُمْ إذا أرادَ أنْ يَخْرُجَ من المَسْجدِ
ــ
لهما النبي ﷺ حين اجتمعا فقال جمع الله شملكما وأسعد جدكما وبارك عليكما وأخرج منكما كثيرًا طيبا قال جابر ﵁ فوالله لقد أخرج الله منهما الكثير الطيب ولدت الحسن والحسين قيل ومحسن وأم كلثوم وزينب توفيت ﵂ بعد النبي ﷺ بستة أشهر وقيل بثمانية أشهر وقيل غير ذلك ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة واختلف في سنها يوم وفاتها فقيل ثمان وقيل تسع وعشرون وقيل ثلاثون وقيل خمس وثلاثون وقطع الحافظ ابن حجر أنها ماتت وقد جاوزت العشرين بقليل والخلاف في عمرها بحسب الخلاف في ميلادها وغسلها علي وأسماء بنت عميس وكانت أوصتها بذلك وقالت لها يا أسماء إني أستقبح أن يطرح على المرأة ثوب وتحمل عليّ النعش كالرجل فوصفت لها أسماء فعل أهل الحبشة ودعت بجرائد رطبة فأرتها ذلك فأوصتها أن يعم لها مثله فهي أول من غطى نعشه ودفنت ليلًا وتولى ذلك علي والعباس وأخفي قبرها وذكر ابن عبد البر أن الحسن دفن إلى جنب أمه اهـ، وقبر الحسن معروف في قبة واحدة هو والعباس بن عبد المطلب ويؤيد ذلك ما ذكره المحب الطبري في تاريخ المدينة أن الشيخ أبا العباس المرسي كان يسلم على فاطمة أمام قبة العباس ويذكر أنه كشف له عن قبرها ثم والله أعلم. قوله: (اللهم اغْفِرْ لِي) قال بعض المحققين لما كان النقصان ملازمًا للإنسان طلب الغفران عند كل شأن أي هذا بالنسبة إلى الأمة الذين شرع لهم النبي ﷺ هذا المقال حضًّا وحثًّا على دوام اللجأ والإقبال أما بالنسبة إليه ﷺ فمن أداء حق الربوبية والقيام بأوصاف العبودية.
قوله: (وَرَوينَا فيه عَنْ أَبي أُمَامَة إلخ) ترجم له ابن السني بقوله ما يقول إذا قام على باب المسجد وأخرجه من طريق محمد بن يحيى بن حمزة الدمشقي عن هاشم بن زيد عن سهل عن أبي أمامة وهاشم ضعيف ومحمد بن يحيى ذكره ابن حبان في الثقات لكن قال يبقى حديثه من رواية ابنه أحمد وعبيد فإنهما كانا يدخلان عليه ما ليس من
стр. 454
تَدَاعَتْ جُنُودُ إبليسَ، وَأجْلَبَتْ واجْتَمَعَتْ كَما تَجْتَمِعُ النَّحْلُ على يَعْسُوبِها، فإذا قام أحدُكُمْ عَلى بابِ المَسْجِدِ فَلْيَقُلِ: اللهُم إني أعوذُ بِكَ مِنْ إبليسَ وَجُنُودِهِ، فإنهُ إذا قالها لم يَضُرَّهُ".
اليعسوب: ذَكَرُ النحل، وقيل: أميرها.
ــ
حديثه قلت وهذا من رواية ابنه أحمد عنه وورد في البإب من حديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه الدارقطني في الأفراد وسنده ضعيف وعن أبي الدرداء موقوفًا أخرجه ابن أبي عمر في مسنده ورواته ثقات لكن فيه انقطاع وعن علي من قوله وعن عبد الله بن سلام كذلك أخرجهما ابن أبي شيبة وأخرج عبد الرزاق في مصنفه من مرسل أبي بكر بن محمد
ابن عمرو بن حزم قال كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قال السلام على النبي ورحمة الله وبركاته اللهم أجرني من الشيطان ومن الشر كله ورجاله ثقات ليس فيه سوى الإرسال قاله الحافظ. قوله: (تداعَتْ جنودُ إلخ) أي لطلب إغوائه وإيذائه. قولهه: (وَأَجْلَبتْ) يقال جلب يجلب كنصر ينصر وأجلب في النهاية يقال أجلبوا إذا تجمعوا وتألبوا عليه وأجلب عليه إذا صاح به واستحثه اهـ. وفي التنزيل وأجلب عليهم أي صح عليهم بخيلك ورجلك بفتح الراء أي إما من الشياطين أو من قرنائهم من المفسدين قال الزمخشري فإن قلت ما معنى استفزاز إبليس بصوته وإجلابه بخيله ورجله.
قلت هو كلام وارد مورد المثل مثلت حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار رفع على قوم فصوت بهم صوتًا يستفزهم من أمكنتهم ويقلبهم عن مراكزهم اهـ. قوله: (عَلَى يَعْسُوبِها) اليعسوب ذكر النحل في التذكرة للقرطبي يعاسيب النحل فحولها واحدها يعسوب ووجه الشبه أن يعاسيب النحل يتبع كل واحد منها طائفة من النحل وتراها جماعات في تفرقة اهـ. وقيل يعسوب النحل أمبرها وفي النهاية يعسوب النحل مقدمها وسيدها وفيها أيضًا اليعسوب فحل النحل هـ. قوله: (لمْ يضرُّهُ) يحتمل أن يكون في جميع النهار ويحتمل أن يكون مقصورا على بعض الأوقات والأول أظهر والله أعلم.
стр. 455
باب ما يقول في المسجد
يُستحب الإكثار فيه من ذِكرِ الله تعالى والتسبيحِ والتهليل والتحميدِ والتكبيرِ وغيرها من
الأذكار، ويستحب الإكثار من قراءة القرآن، ومن المستحب فيه قراءة حديث رسول الله ﷺ وعلم الفقه وسائر العلوم الشرعية، قال الله تعالى:
ــ
باب ما يقول في المسجد
قوله: (بالتسبيحِ وَالتهليل إلخ) قال ابن حجر في شرح المشكاة في حديث يسيرة السابق في باب فضل الذكر في قوله ﷺ عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس هذا على عادة العرب أن الكلمة إذا تكررت على ألسنتهم اختصروها بضم حروف أحدها إلى الأخرى كالحوقلة والحيعلة والبسملة وكالتهليل فإنه مأخوذ من لا إله إلَّا الله يقال هيلل الرجل وهلل إذا قال ذلك اهـ. قال في المرقاة وهو غير مستقيم من وجوه الأول أن البسملة ونحوها من الكلمات المصنوعة لا العربية الموضوعة الثاني إن هذا مسلم في الحيعلة والحوقلة والبسملة أما التسبيح والتهليل فمصدران قياسيان وكذا التقديس ومعناها جعلت الله مسبحًا ومقدسًا أي منزهًا بالذكر والاعتقاد عن صفات الحلول والاتحاد ومهللًا أي مرفوع الصوت بذكر توحيده وإثبات تفريده نعم هيلل وسبحل من قبيل بسمل وكذا قدسل لو سمع أو بني لوجود دلالة بعض من كل منهما على كلمة في مقابلهما بخلاف ما ذكر من التهليل والتسبيح والتقديس وأيضًا فهذه مصادر باب التفعيل على طبق الموضوع والمصدر المصنوع بباب الفعللة ملحق
به في التصريف كما هو مقرر ومحقق ولا يضرنا تفسيرهم التسبيح بسبحان الله والتهليل بلا إله إلَّا الله فإنه تفسير معنوي وبيان نحوي من معنى كلي هو المفهوم المصدري اهـ. قوله: (قِراءَةِ حديث رسول الله ﷺ ) قال في شرح العباب عبارة المجموع في باب الاعتكاف ولا بأس بالوعظ في المساجد بقراءة الأحاديث المشهورة أي لا الضعيفة إلّا مع بيانها والمغازي والرقائق ونحوها مما يحتمله عقول العوام وليس موضوعًا أي كذبًا وعبارته هنا يستحب عقد حلق العلم في المساجد وذكر المواعظ والرقائق ونحوها والأحاديث
стр. 456
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ ... ﴾ الآية [النور: ٣٦، ٣٧] وقال تعالى: ﴿وَمَن يعُظِّم
ــ
الصحيحة في ذلك كثيرة مشهورة اهـ، ونقل غيره الإجماع على ذلك وفيها التصريح بأن ذلك سنة اهـ، كما صرح به في هذا الكتاب وقول شرح العباب أي لا الضعيفة الظاهر لا الموضوعة فإن الذي يحرم نقله من غير بيان حاله الموضوع لا الضعيف وفي العباب ويمنع قال ابن حجر أي وجوبًا كما دل عليه كلام المجموع مما ذكره المؤرخون من قصص الأنبياء وحكاياتهم وإن بعضهم جرى له كذا من فتنة كذا فهذا كله ممنوع منه اهـ، ووجهه إن غالب ذلك موضوع أو مأخوذ ممن لا يوثق به من أهل الكتاب وربما حمل جهلة الطغام على اعتقاد ما لا يليق بكمال الأنبياء الواجب اعتقاده على كل أحد ومن الموضوع فتوح الشام للواقدي فيحرم قراءته وكذا يحرم قراءة سيرة الدلهمة والبطال ونحوها مما هو كذب محض قال في شرح العباب بخلاف نحو مقامات الحريري فإنها ليست من الكذب في شيء وفي شرح مسلم للأبي وكان الشيخ يعني ابن عرفة يقول لا بأس بإعراب الأشعار به وقراءة المقامات ويحكى أن البراء أمام الجامع الأعظم كان لا يرويها به وإنما يرويها بالدويرة لأنها ليس لها حكم الجامع وهذا والله أعلم لما تضمنته من الأكاذيب أي صورة فلا ينافي ما سبق أنها ليست من الكذب في شيء أي باعتبار الحقيقة والله أعلم. قوله: (في بيُوتٍ) قال الإمام الواحدي في التفسير الوسيط يعني المساجد ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] أمر الله أن تبنى والمراد برفعها بناؤها كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧] وقال الحسن ترفع تعظم والمعنى لا يتكلم فيها بالخنا ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، قال مقاتل يوحد الله (يسبح لَه فِيهَا) [النور: ٣٦] في تلك البيوت يعني بالصلوات المفروضة (بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: ٣٦] بالبكر والعشاء وقرأ ابن عامر يسبح له بفتح الباء أي يصلي فيها لله تعالى ثم فسر من يصلي فقال رجال كأنه قيل من يسبح فقيل رجال وقوله. قوله: (الآيَة) بالنصب أي خذ أو اقرأ الآية أو بالرفع أي الآية معروفة وجوز الجر أي إلى آخر الآية ورد بأنه يلزمه حذف الجار وإبقاء عمله وهو لا يجوز قياسًا في مثلِ ذلك والمراد منها إلى
стр. 457
شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ
ــ
قوله بغير حساب قال الواحدي (لا تلهيهم) [النور: ٣٧] لا تشغلهم ﴿تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ [النور: ٣٧] قال الفراء التجارة لأهل الجلب والبيع ما باعه الرجل على يده وخص قوم التجارة هنا بالشراء لذكر البيع بعدها (عَن ذكر اللَّهِ) [النور: ٣٧] عن حضور المساجد لإقامة الجماعات قال الثوري كانوا يشترون ويبيعون ولا يدعون الصلاة في الجماعات في المسجد ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [النور: ٣٧] أدائها لوقتها وإتمامها وإنما ذكر الإقامة بعد قوله عن ذكر الله والمراد بالصلاة المفروضة لبيان أنهم يؤدونها في وقتها لأن من أخرها عن وقتها لا يكون من مقيمها.
قلت وأصل إقام إقامة فحذفت التاء عند الإضافة ومثله في ذ"لك كلمات آخر جمعها من قال:
ثلاثة تحذف هاآتها ... مضافة عند جميع النحاه
منها إذا قيل أبو عذرها ... وليت شعري وإقام الصلاه
و﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٧] قال الواحدي قال ابن عباس إذا حضر وقت الزكاة لم يحسبوها عن وقتها ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧] بين الطمع بالنجاة والخوف من الهلاك (والأبصار) النور من أي يؤتون كتبهم أمن قبل الإيمان أم من قبل الشمائل (لِيَجزيهم اللَّهُ) [النور: ٣٨] أي يسبحون الله ليجزيهم الله (أَحْسَنَ مَا عملوا) [النور: ٣٨] أي ليجزيهم بحسناتهم ولهم مساو من الأعمال لا يجزيهم بها (وَيَزِيدهم من فَضلِه) [النور: ٣٨] ما لم يستحقوه بأعمالهم ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٨].
أقول ولا يخفى ما في حذف المزاد من التعميم أي يزيدهم من فضله ما لا يخطر ببال من الفضل والنوال قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] (شعائر الله) الشعائر جمع شعيرة وهي البدن إذا أشعرت أي أعلمت بأن يجرح سنامها من الجانب الأيمن ليعلم أنها هدي ﴿اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] أضاف التقوى إلى القلوب لأن حقيقة التقوى تقوى القلب وفي النهر لأبي حيان والشعائر ما حرم الله مطلقًا سواء كان في الإحرام أو غيره والضمير في فإنها عائد على الشعائر على حذف مضاف أي فإن تعظيمها وأضاف التقوى إلى القلوب كما قال ﷺ التقوى ها هنا وأشار إلى صدره قال الزمخشري فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم المعنى إلّا بتقديرها لأنه لا بد من راجع من الجزاء
стр. 458
حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠].
وروينا عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إنَّما بُنِيَتِ المَساجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ" رواه مسلم في "صحيحه".
وعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال للأعرابي الذي بال في المسجد: "إنَّ هذِهِ المَساجِدِ لا تَصْلُحُ لِشَيءٍ مِنْ هَذا البَوْلِ
ــ
إلى من ليرتبط به وإنما ذكرت القلوب لأنها مراكز التقوى التي إذا ثبتت فيها وتمكنت ظهر سرها في سائر الأعضاء اهـ، وما قدره عار من الجزاء إلى من ألا ترى أي قوله فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب ليس في شيء منه ضهير يعود إلى من يربط جملة الجزاء بجملة الشرط الذي أداته من وإصلاح ما قاله أن يكون التقدير فإن تعظيمها منه فيكون الضمير في منه عائدًا على من فيرتبط الشرط بالجزاء فاعرفه اهـ، كلام النهر والظاهر أن المراد بالتعظيم بناء على أن المراد بالشعائر الحرمات اجتنابها والبعد عن حماها وساحتها كما يبعد عن حمى العظيم لخشية عقابه والله أعلم. قوله: (حُرماتِ الله) قال الليث الحرمة ما لا يحل انتهاكه وقال الزجاج الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط وفيه وهي في هذه الآية ما نهى عنها ومنع من الوقوع فيها وتعظيمها ترك ملابستها وقال ابن زيد المراد بالحرمات في الآية البيت الحرام والشهر الحرام والمسجد الحرام والإحرام يدل على هذا قوله ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] قوله: (فَهُوَ) أي التعظيم المفهوم من يعظم. قوله: (خَير لَهُ عِنْدَ رَبهِ) يعني في الآخرة.
قوله: (عَنْ بُرَيْدَةَ) هو بالباء الموحدة المضمومة فالراء المهملة المفتوحة فالتحتية الساكنة
فالمهملة المفتوحة بهاء مصغر ابن الحصيب بضم الحاء وفتح الصاد المهملة وإسكان التحتية والموحدة آخره ابن الحارث الأسلمي أسلم قبل بدر ولم يشهدها وقيل أسلم بعدها وشهد خيبر روي له فيما قيل مائة وأربعة وستون حديثًا اتفقا منها على حديث واحد وانفرد البخاري بحديث واحد ومسلم بأحد عشر وهو آخر الصحابة موتًا بخراسان كما في الرياض للعامري. قوله: (إِنَّمَا بُنِيتِ المَساجِدُ لمَا بُنِيتْ لَهُ) من ذكر الله وقراءة القرآن ونحو ذلك من أعمال البر. قوله: (رَوَاه مسلم) هو طرف من حديث سيأتي بتمامه في الباب الذي يليه.
قوله: (لِلأَعْرَابي الَّذِي بال فِي المسجدِ) قال العراقي في شرح التقريب
стр. 459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأعرابي ساكن البادية وقيل من سكنها من العرب وجمع الأعرابي أعراب وقال ابن دقيق العيد الأعرابي منسوب إلى الاعراب وهم سكان البوادي قال وقعت النسبة إلى الجمع دون الواحد فقيل لأنه جرى مجرى القبيلة كأنمار وقيل لأنه لو نسب إلى الواحد فقيل عربي لاشتبه المعنى لأن العربي هو كل من ولد إسماعيل سواء كان ساكنًا بالبادية أو بالقرى وهذا غير المعنى الأول اهـ. وقوله إن الأعراب جمع عرب ليس بجيد إنما هو جمع أعرابي كما ذكره أهل اللغة وقال القلقشندي كلامه يعني ابن دقيق العيد مشعر بأن الأعراب له واحد من لفظه والخلاف إنما وقع في سبب العدول عن النسبة إلى واحده والمعروف خلافه قال الجوهري العرب جيل من الناس والنسبة إليهم عربي وهم أهل الأمصار والأعراب سكان البادية خاصة والنسبة إلى الأعراب أعرابي لأنه لا واحد له من لفظه وليس الأعراب جمعا للعرب كما أن الأنباط جمع للنبي وإنما العرب اسم جنس وقال المطرزي الأعراب أهل البدو واختلف في نسبتهم والأصح أنهم نسبوا إلى عربة بفتحات وهي من تهامة لأن أباهم إسماعيل نشأ بها والعربي واحد العرب وهم الذين استوطنوا المدن والقرى القريبة اهـ. قال العراقي ولم أر من صنف في المبهمات ذكر اسم هذا الأعرابي اهـ. وفي غاية الأحكام اختلف فيه فقال عبد الله بن نافع المدني أنه الأقرع بن حابس التميمي وقال ابن الملقن لم أر أحدًا ممن تكلم على المبهمات سماه وقد ظفرت في معرفة الصحابة لأبي موسى المديني لأنه روى من حديث سليمان بن يسار قال اطلع ذو الخويصرة اليماني وكان رجلًا جافيا على رسول الله ﷺ في المسجد وساق الحديث وفي آخره أنه بال فيه وأنه ﷺ أمر بسجل فصب على مباله.
قلت وقد سبقه إليه الذهبي فقال في التجريد في ترجمة ذي الخويصرة اليماني يروي في حديث مرسل أنه هو الذي بال في المسجد اهـ. وفي سند أبي موسى راو مبهم والله أعلم اهـ. وفي تخريج أحاديث الشرح الكبير لابن الملقن بعد أن ذكر ما سبق عن المديني ولم نره عن غيره وهو أجل ما يستدل عليهم ويستفاد ورأيت منقولا من خط ابن الملقن إن اسمه حرقوص بن زهير وقيل عبد الله اهـ، وهو غلط قال الحافظ ابن حجر في تخريجه ذكر أبو موسى المديني في الذيل عن الصحابة إن اسم هذا الأعرابي ذو الخويصرة اليماني وهو غير ذي الخويصرة التميمي واسمه
стр. 460
ولا القذَرِ، إنما هِيَ لِذِكْرِ اللهِ تعالى
ــ
حرقوص بن زهير
رأس الخوارج اهـ، ثم في كتب الفن كما رأيت ذو الخويصرة اليماني وفي شرح المشكاة والمنهاج كلاهما لابن حجر ذو الخويصرة التميمي وهو اشتباه ولعله من قلم الناسخ سرى إليه من وصف الأقرع بن حابس أو من وصف حرقوص اللذين قيل في كل منهما أنه الذي بال بالمسجد وقد علمت ما فيه وسيأتي في باب الإعراض عن الجاهلين زيادة بيان لهذا المقام والله أعلم. قوله: (والقذَرِ) بالقاف والذال المعجمة أي ما يستقذر ولو طاهرًا كالبصاق والمخاط فإذا توضأ فيه من غير إناء فقال الزركشي يشترط ألا يحصل تمخط بالاستنشاق وبصاق بالمضمضة والتنحنح وحكي عن بعضهم الجواز مع ذلك لأن البصاق إذا خالط الماء صار في حكم المستهلك فكان كالعدم وهو يبين أنه يحرم مع بقاء عينه ولا شك فيه قال وينبغي أن يبلع الماء الذي تمضمض به ليحصل الخلاص من ذلك ويحصل به سنة المضمضة اهـ، وما حكاه عن بعضهم بحثه الولي العراقي في فتاويه فقال لو توضأ فيه فمج المضمضة مختلطًا ببصاق لا يظهر أنه خطيئة لأن البصاق حينئذ مستهلك فليس فيه تنقيص لحرمة المسجد وقد يضطر إلى هذا المج لكونه صائمًا ولا يجد إناء فيه فلا يضايق في ذلك فيما يظهر اهـ، وكذا يحرم نضح المسجد بالماء المستعمل لاستقذاره وتردد ابن حجر في شرح العباب في جواز الاستنجاء فيه نظرًا لطهر الغسالة والمنع منه لفحش استقذاره بالنسبة لماء الوضوء ويجوز غسل الميت فيه حيث لا نجاسة به.
قال المصنف في شرح مسلم في الخبر صيانة المساجد وتنزيهها عن الأقذار والقذى والبصاق ورفع الأصوات بالخصومات والبيع والشراء وسائر العقود وما في معنى ذلك وأجمع المسلمون على جواز الجلوس فيه مع الحدث الأصغر ندبًا بأن نوى الاعتكاف أو جلس لعبادة من نحو قراءة أو سماع نحو علم شرعي وجوازًا في غيره وفي المجموع وقول المتولي ويكره الجلوس للمحدث لغير غرض لا أعلم أحدًا وافقه عليه لكن اعترضه الزركشي بأن الروياني وافقه أي لخبر الباب إنما بنيت المساجد لذكر الله أي ومع ذلك فهو ضعيف وإن جرى عليه في الأنوار فينبغي كما قال ابن العماد أنه لا يقصد إلا بالعبادة كتعظيمه بالزيارة وإحيائه بالذكر اهـ، والنهي عن توطن الرجل المكان
следующие страницы →