← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ ... ﴾ الآية [النور: ٣٦، ٣٧] وقال تعالى: ﴿وَمَن يعُظِّم ــ الصحيحة في ذلك كثيرة مشهورة اهـ، ونقل غيره الإجماع على ذلك وفيها التصريح بأن ذلك سنة اهـ، كما صرح به في هذا الكتاب وقول شرح العباب أي لا الضعيفة الظاهر لا الموضوعة فإن الذي يحرم نقله من غير بيان حاله الموضوع لا الضعيف وفي العباب ويمنع قال ابن حجر أي وجوبًا كما دل عليه كلام المجموع مما ذكره المؤرخون من قصص الأنبياء وحكاياتهم وإن بعضهم جرى له كذا من فتنة كذا فهذا كله ممنوع منه اهـ، ووجهه إن غالب ذلك موضوع أو مأخوذ ممن لا يوثق به من أهل الكتاب وربما حمل جهلة الطغام على اعتقاد ما لا يليق بكمال الأنبياء الواجب اعتقاده على كل أحد ومن الموضوع فتوح الشام للواقدي فيحرم قراءته وكذا يحرم قراءة سيرة الدلهمة والبطال ونحوها مما هو كذب محض قال في شرح العباب بخلاف نحو مقامات الحريري فإنها ليست من الكذب في شيء وفي شرح مسلم للأبي وكان الشيخ يعني ابن عرفة يقول لا بأس بإعراب الأشعار به وقراءة المقامات ويحكى أن البراء أمام الجامع الأعظم كان لا يرويها به وإنما يرويها بالدويرة لأنها ليس لها حكم الجامع وهذا والله أعلم لما تضمنته من الأكاذيب أي صورة فلا ينافي ما سبق أنها ليست من الكذب في شيء أي باعتبار الحقيقة والله أعلم. قوله: (في بيُوتٍ) قال الإمام الواحدي في التفسير الوسيط يعني المساجد ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] أمر الله أن تبنى والمراد برفعها بناؤها كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧] وقال الحسن ترفع تعظم والمعنى لا يتكلم فيها بالخنا ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، قال مقاتل يوحد الله (يسبح لَه فِيهَا) [النور: ٣٦] في تلك البيوت يعني بالصلوات المفروضة (بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: ٣٦] بالبكر والعشاء وقرأ ابن عامر يسبح له بفتح الباء أي يصلي فيها لله تعالى ثم فسر من يصلي فقال رجال كأنه قيل من يسبح فقيل رجال وقوله. قوله: (الآيَة) بالنصب أي خذ أو اقرأ الآية أو بالرفع أي الآية معروفة وجوز الجر أي إلى آخر الآية ورد بأنه يلزمه حذف الجار وإبقاء عمله وهو لا يجوز قياسًا في مثلِ ذلك والمراد منها إلى

стр. 457

شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ ــ قوله بغير حساب قال الواحدي (لا تلهيهم) [النور: ٣٧] لا تشغلهم ﴿تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ [النور: ٣٧] قال الفراء التجارة لأهل الجلب والبيع ما باعه الرجل على يده وخص قوم التجارة هنا بالشراء لذكر البيع بعدها (عَن ذكر اللَّهِ) [النور: ٣٧] عن حضور المساجد لإقامة الجماعات قال الثوري كانوا يشترون ويبيعون ولا يدعون الصلاة في الجماعات في المسجد ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [النور: ٣٧] أدائها لوقتها وإتمامها وإنما ذكر الإقامة بعد قوله عن ذكر الله والمراد بالصلاة المفروضة لبيان أنهم يؤدونها في وقتها لأن من أخرها عن وقتها لا يكون من مقيمها. قلت وأصل إقام إقامة فحذفت التاء عند الإضافة ومثله في ذ"لك كلمات آخر جمعها من قال: ثلاثة تحذف هاآتها ... مضافة عند جميع النحاه منها إذا قيل أبو عذرها ... وليت شعري وإقام الصلاه و﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٧] قال الواحدي قال ابن عباس إذا حضر وقت الزكاة لم يحسبوها عن وقتها ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧] بين الطمع بالنجاة والخوف من الهلاك (والأبصار) النور من أي يؤتون كتبهم أمن قبل الإيمان أم من قبل الشمائل (لِيَجزيهم اللَّهُ) [النور: ٣٨] أي يسبحون الله ليجزيهم الله (أَحْسَنَ مَا عملوا) [النور: ٣٨] أي ليجزيهم بحسناتهم ولهم مساو من الأعمال لا يجزيهم بها (وَيَزِيدهم من فَضلِه) [النور: ٣٨] ما لم يستحقوه بأعمالهم ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٨]. أقول ولا يخفى ما في حذف المزاد من التعميم أي يزيدهم من فضله ما لا يخطر ببال من الفضل والنوال قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] (شعائر الله) الشعائر جمع شعيرة وهي البدن إذا أشعرت أي أعلمت بأن يجرح سنامها من الجانب الأيمن ليعلم أنها هدي ﴿اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] أضاف التقوى إلى القلوب لأن حقيقة التقوى تقوى القلب وفي النهر لأبي حيان والشعائر ما حرم الله مطلقًا سواء كان في الإحرام أو غيره والضمير في فإنها عائد على الشعائر على حذف مضاف أي فإن تعظيمها وأضاف التقوى إلى القلوب كما قال ﷺ التقوى ها هنا وأشار إلى صدره قال الزمخشري فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم المعنى إلّا بتقديرها لأنه لا بد من راجع من الجزاء

стр. 458

حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]. وروينا عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إنَّما بُنِيَتِ المَساجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ" رواه مسلم في "صحيحه". وعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال للأعرابي الذي بال في المسجد: "إنَّ هذِهِ المَساجِدِ لا تَصْلُحُ لِشَيءٍ مِنْ هَذا البَوْلِ ــ إلى من ليرتبط به وإنما ذكرت القلوب لأنها مراكز التقوى التي إذا ثبتت فيها وتمكنت ظهر سرها في سائر الأعضاء اهـ، وما قدره عار من الجزاء إلى من ألا ترى أي قوله فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب ليس في شيء منه ضهير يعود إلى من يربط جملة الجزاء بجملة الشرط الذي أداته من وإصلاح ما قاله أن يكون التقدير فإن تعظيمها منه فيكون الضمير في منه عائدًا على من فيرتبط الشرط بالجزاء فاعرفه اهـ، كلام النهر والظاهر أن المراد بالتعظيم بناء على أن المراد بالشعائر الحرمات اجتنابها والبعد عن حماها وساحتها كما يبعد عن حمى العظيم لخشية عقابه والله أعلم. قوله: (حُرماتِ الله) قال الليث الحرمة ما لا يحل انتهاكه وقال الزجاج الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط وفيه وهي في هذه الآية ما نهى عنها ومنع من الوقوع فيها وتعظيمها ترك ملابستها وقال ابن زيد المراد بالحرمات في الآية البيت الحرام والشهر الحرام والمسجد الحرام والإحرام يدل على هذا قوله ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] قوله: (فَهُوَ) أي التعظيم المفهوم من يعظم. قوله: (خَير لَهُ عِنْدَ رَبهِ) يعني في الآخرة. قوله: (عَنْ بُرَيْدَةَ) هو بالباء الموحدة المضمومة فالراء المهملة المفتوحة فالتحتية الساكنة فالمهملة المفتوحة بهاء مصغر ابن الحصيب بضم الحاء وفتح الصاد المهملة وإسكان التحتية والموحدة آخره ابن الحارث الأسلمي أسلم قبل بدر ولم يشهدها وقيل أسلم بعدها وشهد خيبر روي له فيما قيل مائة وأربعة وستون حديثًا اتفقا منها على حديث واحد وانفرد البخاري بحديث واحد ومسلم بأحد عشر وهو آخر الصحابة موتًا بخراسان كما في الرياض للعامري. قوله: (إِنَّمَا بُنِيتِ المَساجِدُ لمَا بُنِيتْ لَهُ) من ذكر الله وقراءة القرآن ونحو ذلك من أعمال البر. قوله: (رَوَاه مسلم) هو طرف من حديث سيأتي بتمامه في الباب الذي يليه. قوله: (لِلأَعْرَابي الَّذِي بال فِي المسجدِ) قال العراقي في شرح التقريب

стр. 459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأعرابي ساكن البادية وقيل من سكنها من العرب وجمع الأعرابي أعراب وقال ابن دقيق العيد الأعرابي منسوب إلى الاعراب وهم سكان البوادي قال وقعت النسبة إلى الجمع دون الواحد فقيل لأنه جرى مجرى القبيلة كأنمار وقيل لأنه لو نسب إلى الواحد فقيل عربي لاشتبه المعنى لأن العربي هو كل من ولد إسماعيل سواء كان ساكنًا بالبادية أو بالقرى وهذا غير المعنى الأول اهـ. وقوله إن الأعراب جمع عرب ليس بجيد إنما هو جمع أعرابي كما ذكره أهل اللغة وقال القلقشندي كلامه يعني ابن دقيق العيد مشعر بأن الأعراب له واحد من لفظه والخلاف إنما وقع في سبب العدول عن النسبة إلى واحده والمعروف خلافه قال الجوهري العرب جيل من الناس والنسبة إليهم عربي وهم أهل الأمصار والأعراب سكان البادية خاصة والنسبة إلى الأعراب أعرابي لأنه لا واحد له من لفظه وليس الأعراب جمعا للعرب كما أن الأنباط جمع للنبي وإنما العرب اسم جنس وقال المطرزي الأعراب أهل البدو واختلف في نسبتهم والأصح أنهم نسبوا إلى عربة بفتحات وهي من تهامة لأن أباهم إسماعيل نشأ بها والعربي واحد العرب وهم الذين استوطنوا المدن والقرى القريبة اهـ. قال العراقي ولم أر من صنف في المبهمات ذكر اسم هذا الأعرابي اهـ. وفي غاية الأحكام اختلف فيه فقال عبد الله بن نافع المدني أنه الأقرع بن حابس التميمي وقال ابن الملقن لم أر أحدًا ممن تكلم على المبهمات سماه وقد ظفرت في معرفة الصحابة لأبي موسى المديني لأنه روى من حديث سليمان بن يسار قال اطلع ذو الخويصرة اليماني وكان رجلًا جافيا على رسول الله ﷺ في المسجد وساق الحديث وفي آخره أنه بال فيه وأنه ﷺ أمر بسجل فصب على مباله. قلت وقد سبقه إليه الذهبي فقال في التجريد في ترجمة ذي الخويصرة اليماني يروي في حديث مرسل أنه هو الذي بال في المسجد اهـ. وفي سند أبي موسى راو مبهم والله أعلم اهـ. وفي تخريج أحاديث الشرح الكبير لابن الملقن بعد أن ذكر ما سبق عن المديني ولم نره عن غيره وهو أجل ما يستدل عليهم ويستفاد ورأيت منقولا من خط ابن الملقن إن اسمه حرقوص بن زهير وقيل عبد الله اهـ، وهو غلط قال الحافظ ابن حجر في تخريجه ذكر أبو موسى المديني في الذيل عن الصحابة إن اسم هذا الأعرابي ذو الخويصرة اليماني وهو غير ذي الخويصرة التميمي واسمه

стр. 460

ولا القذَرِ، إنما هِيَ لِذِكْرِ اللهِ تعالى ــ حرقوص بن زهير رأس الخوارج اهـ، ثم في كتب الفن كما رأيت ذو الخويصرة اليماني وفي شرح المشكاة والمنهاج كلاهما لابن حجر ذو الخويصرة التميمي وهو اشتباه ولعله من قلم الناسخ سرى إليه من وصف الأقرع بن حابس أو من وصف حرقوص اللذين قيل في كل منهما أنه الذي بال بالمسجد وقد علمت ما فيه وسيأتي في باب الإعراض عن الجاهلين زيادة بيان لهذا المقام والله أعلم. قوله: (والقذَرِ) بالقاف والذال المعجمة أي ما يستقذر ولو طاهرًا كالبصاق والمخاط فإذا توضأ فيه من غير إناء فقال الزركشي يشترط ألا يحصل تمخط بالاستنشاق وبصاق بالمضمضة والتنحنح وحكي عن بعضهم الجواز مع ذلك لأن البصاق إذا خالط الماء صار في حكم المستهلك فكان كالعدم وهو يبين أنه يحرم مع بقاء عينه ولا شك فيه قال وينبغي أن يبلع الماء الذي تمضمض به ليحصل الخلاص من ذلك ويحصل به سنة المضمضة اهـ، وما حكاه عن بعضهم بحثه الولي العراقي في فتاويه فقال لو توضأ فيه فمج المضمضة مختلطًا ببصاق لا يظهر أنه خطيئة لأن البصاق حينئذ مستهلك فليس فيه تنقيص لحرمة المسجد وقد يضطر إلى هذا المج لكونه صائمًا ولا يجد إناء فيه فلا يضايق في ذلك فيما يظهر اهـ، وكذا يحرم نضح المسجد بالماء المستعمل لاستقذاره وتردد ابن حجر في شرح العباب في جواز الاستنجاء فيه نظرًا لطهر الغسالة والمنع منه لفحش استقذاره بالنسبة لماء الوضوء ويجوز غسل الميت فيه حيث لا نجاسة به. قال المصنف في شرح مسلم في الخبر صيانة المساجد وتنزيهها عن الأقذار والقذى والبصاق ورفع الأصوات بالخصومات والبيع والشراء وسائر العقود وما في معنى ذلك وأجمع المسلمون على جواز الجلوس فيه مع الحدث الأصغر ندبًا بأن نوى الاعتكاف أو جلس لعبادة من نحو قراءة أو سماع نحو علم شرعي وجوازًا في غيره وفي المجموع وقول المتولي ويكره الجلوس للمحدث لغير غرض لا أعلم أحدًا وافقه عليه لكن اعترضه الزركشي بأن الروياني وافقه أي لخبر الباب إنما بنيت المساجد لذكر الله أي ومع ذلك فهو ضعيف وإن جرى عليه في الأنوار فينبغي كما قال ابن العماد أنه لا يقصد إلا بالعبادة كتعظيمه بالزيارة وإحيائه بالذكر اهـ، والنهي عن توطن الرجل المكان

стр. 461

[والصلاة] وقِراءَةِ القُرآنِ" ــ من المسجد كما يتوطن البعير أحد رجاله منظر فيه أو محمول كما قال ابن حبان على من فعل ذلك لغير القراءة والذكر لحديث فيه الحث على ذلك وبحث الزركشي في تقييد ما ذكر في المحدث بما إذا لم يضيق على المصلين والمعتكفين وإلا حرم كذا في شرح العباب لابن حجر وفي شرح مسلم للمصنف ونقل ابن المنذر جواز الوضوء فيه عن كل من يحفظ عنه العلم وعلمت شرطه مما سبق ويجوز النوم فيه عندنا نص عليه في الأم وكرهه مالك والأوزاعي لغير الغرباء وقال أحمد إن كان مسافرًا أو شبهه فلا بأس وإن اتخذه مقيلًا أو مبيتًا فلا ويجوز أن يمكن الكافر من دخول المسجد بإذن المسلمين ويمنع منه بغير إذنهم ويكره إدخال البهائم والمجانين والصبيان الذين لا يميزون المسجد لغير حاجة خشية التنجيس ولا يحرم لأنه محص طاف على بعير وفعله لبيان الجواز وليظهر فيستفتي فلا ينافي الكراهة ويحرم إدخال النجاسة المسجد ومن على بدنه نجاسة إن خشي تلويثه حرم وإلّا فلا والقصد في الإناء في المسجد مكروه وفي غير إناء حرام ويحرم البول فيه ولو في إناء ويجوز الاستلقاء ومد الرجل وتشبيك الأصابع فيه ويستحب كنسه وتنظيفه اهـ، مع يسير اختصار وفي شرح العباب وما في المجموع عن المتولي وغيره من كراهة إدخال غير المميز إذ لا يؤمن تلويثه ولا يحرم وكذا ما في شرح المسند من حل الدخول لمن معه متعهد وشرح مسلم من حله ولو مع الخوف يحمل على إذا لم يغلب تنجيسه وعلى خلافه يحمل إطلاق الرافعي وغيره حرمة مكث السكران ونحوه في المسجد اهـ. قوله: (وقراءَةِ القرآنِ) نقل ابن العماد عن المصنف أنه أفتى في قوم يجهرون بالقراءة وعندهم قوم يصلون ويتشوشون بذلك بأن المستمعين إذا كانوا أكثر من المصلين لم يحرم أو بالعكس حرم نظرًا إلى كثرة المصلحة وقلتها ثم نظر فيه وبحث المنع من الجهر بحضرة المصلي مطلقًا قال لأن المسجد وقف على المصلين أي أصالة لا على الوعاظ والقراء اهـ. قال في شرح العباب والذي في فتاوى النووي كره بدل قوله حرم وهو ما صرح به في المجموع وغيره وقد يحمل على بعد القول بالكراهة على ما إذا خف الضرر وبالحرمة على ما إذا اشتد لما هو معلوم من تحريم الإضرار وإن أمكن توجيه إطلاق

стр. 462

أو كما قال رسول الله ﷺ رواه مسلم في "صحيحه". فصل: وينبغي للجالس في المسجد أن ينويَ الاعتكاف، فإنه يصح عندنا ولو لم يمكث إلا لحظة، بل قال بعض أصحابنا: يصحُّ اعتكاف من دخل المسجد مارًّا ولم يمكثْ، فينبغي للمار أيضًا أنْ ينويَ الاعتكافَ ــ الكراهة بأن لنحو المصلي مندوحة عن الصلاة في ذلك المحل أو في ذلك الزمن ورأى مالك ﵁ كراهة قراءة القرآن في المصحف في المسجد وأنه بدعة أحدثها الحجاج وإن يقاموا من المساجد إذا اجتمعوا للقراءة يوم الخميس أو غيره قال الزركشي وهو استحسان لا دليل عليه والذي عليه السلف والخلف استحباب ذلك لما فيه من تعميرها بالذكر وفي الصحيح إنما بنيت المساجد لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن قال تعالى ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] وهو عام في المصاحف وغيرها اهـ. قوله: (أَوْ كَمَا قَال رَسولُ ﷺ قال ابن حجر في شرح المشكاة كأن إنسانًا شك فيما ساقه هل هو لفظ النبوة أو معناه فاحتاط وقال ذلك وهذه عادة الصحابة ﵃ في رعاية ألفاظه وعدم الخروج عنها ولو إلى مرادفها وإن جاز ذلك مبالغة في اتباعه ﷺ قال علماء الأثر إذا حصل عند الراوي شك في المروي أو في شيء من ألفاظه أتى بما يدل على ذلك من قوله أو كما قال أو نحو ذلك والله أعلم. قوله: (رَوَاه مسلم في صحيحه) وفي المشكاة متفق عليه وفي القلقشندي إن حديث بول الأعرابي في المسجد رواه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة والإسماعيلي وأبو عوانة والدارقطني والبرقاني والبيهقي وأبو نعيم وغيرهم. اهـ. فصل قوله: (أَنْ ينويَ الاعْتِكَافَ) قال المصنف في التبيان وهذا الأدب ينبغي أن يعتني به ويشاع ذكره ويعرفه الصغار والعوام فإنه مما يغفل عنه اهـ. قوله: (إلَّا لَحْظَةً) أي زائدة على قدر الطمأنينة ولا يكفي أقل ما يكفي كمجرد العبور لأن كلا منها لا يسمى اعتكافًا وإنما أجزأ في الصلاة لأن المدار فيها على فصل الهوي عن الرفع مثلًا وهو حاصل به وإن لم يسم لبثا ولا فرق في حصول الاعتكاف بلبث القدر المذكور بين كونه ساكنًا فيه أو مترددًا قدره ولا يشترط فيه الصيام لما صح

стр. 463

لتحصل فضيلتُه عند هذا القائل، والأفضل أن يقف لحظة ثم يمرُّ، وينبغي للجالس فيه أن يأمر بما يراه من المعروف وينهى عما يراه من المنكر، وهذا وإن كان الإنسان مأمورًا به في غير المسجد، إلا أنه يتأكد القولُ به في المسجد صيانة له وإعظامًا وإجلالًا واحترامًا، قال بعض أصحابنا: من دخل المسجد فلم يتمكن من صلاة تحية المسجد، إما لحدث، أو لشغل أو نحوه، يستحبُّ أن يقول أربع مرات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فقد قال به بعض السلف، وهذا لا بأس به. ــ من قوله ﷺ ليس على المعتكف صيام إلَّا أن يجعله على نفسه ولأنه ﷺ اعتكف العشر الأول من شوال وفيها يوم العيد وهو لا يصح صومه. قوله: (ليحصُلَ فَضِيلَتُهُ عِنْدَ هَذا القائِلِ) أي إن قلد القائل به وكان ممن يجوز تقليده وإلا حرم لكونه تعاطى عبادة فاسدة قال في الامداد وينبغي جريان ذلك في كل مسألة فيها فضيلة على مذهب الغير وعدم فضيلة على مذهبه اهـ. قوله: (أَنْ يَقِفَ لَحظَةً ثم يَمر) إن أراد بيان المتفق عليه عند الأصحاب فالمراد من اللحظة ما يزيد على قدر الطمأنينة مما يسمى لبثًا وإن أراد بيان الأفضل على ذلك القول المكتفي بأصل المرور أن الرتب عنده متفاوتة فالمراد منها ما هو أعم من ذلك. قوله: (يَنبَغِي لِلْجَالِسِ فيِهِ إلخ) فإن ذلك عمارة المسجد على ما قاله بعض المفسرين كما بينته في درر القلائد فيما يتعلق بزمزم والسقاية من الفوائد. قوله: (قَال بَعْضُ أَصْحابنَا إلخ) قال في الإحياء يكره دخول المسجد بغير الوضوء فإن دخل فليقل سبحان الله والحمد لله إلخ، فإنها تعدل ركعتين في الفضل وجزم به بعض كابن الرفعة وزاد ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم قال الأذرعي قيل وإنما استحبت هذه الكلمات لأنها صلاة الحيوانات والجمادات وهي المرادة من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] ولكنها الكلمات الطيبات والباقيات الصالحات والقرض الحسن والذكر الكثير في آيتيها اهـ، وتقدم أن الصحيح عدم كراهة دخول المحدث المسجد مطلقًا. قوله: (أَرْبَعَ مَراتٍ) ظاهر كلام الإحياء الاكتفاء بمرة واحدة. قوله: (فَقَط) قال به

стр. 464

باب إنكاره ودعائه على من ينشد ضالة في المسجد أو يبيع فيه روينا في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالةً في المسْجِدِ فلْيَقُلْ: لا رَدَّها اللهُ عَلَيكَ ــ بعض السلف قال ابن حجر في شرح المشكاة ويؤيده ما صح عن جابر بن زيد الإمام الكبير التابعي أنه قال إذا دخلت المسجد فصلى فيه فإن لم تصل فاذكر الله فكأنك قد صليت اهـ. ونقله عن جابر المذكور أيضًا ابن بطال في شرح البخاري وفي أحكام المساجد للزركشي وقد يحتج له بأنه ﷺ علم ذلك لمن لم يحسن قراءة الفاتحة فإذا صح قيامها مقام الفرض فالنفل أولى لكن هناك النائب والمنوب عنه من جنس واحد وهو القول وهنا نيابة قول عن فعل اهـ، وفي الحرز وإلا فليقل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلَّا الله والله أكبر عملا بقوله ﷺ "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قيل وما رياض الجنة قال المساجد قيل وما الرتع قال سبحان الله الخ"، اهـ، أي إن ما ذكر من جملة ما يتناوله الخبر لا أن الخبر محمول على ذلك كما لا يخفى. باب إنكاره ودعائه على من ينشد ضالة في المسجد أو يبيع فيه قوله: (وَرَوينَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ) وكذا رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان كلهم عن أبي عبد الله مولى شداد بن الهاد أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول فذكره وأبو عبد الله مولى شداد تابعي كبير لا يعرف اسمه ليس له في الصحيح عن أبي هريرة غير هذا الحديث. قوله: (يَنْشد) بفتح التحتية وإسكان النون وضم الشين المعجمة من النشد وهو رفع الصوت أي يرفع الصوت بطلبها قاله في مفتاح الحصن وفي القاموس نشد الضالة طلبها وعرفها وقال غيره يقال نشدت الضالة طلبتها وأنشدتها عرفتها. قوله لي: (لَا رَدّهَا الله عليكَ) أي أو ما يقوم مقامها من الدعاء عليه المناسب له لما يأتي في الحديث بعد لا وجدت قال المصنف في شرح مسلم وينبغي لسامعه أن يقول لا وجدت أو لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا وما في معناه كما قال ﷺ اهـ. ومثله في الحرز ثم قال ويمكن الاكتفاء بالدعاء نفسه فإن العلة إنما صدرت من صاحب الشريعة لتعلم الأمة جهة المنع من صاحب الشرع لكن المذكور في كتب الأصحاب الاقتصار على الدعاء من غير ذكر التعليل واختلف في قول ذلك هل هو على طريق الوجوب أو الندب على الخلاف في حمل أوامره ﷺ قال

стр. 465

فإن المساجِدَ لمْ تُبْنَ لهَذا". ــ القرطبي وكذا يدعى على من فعل في المسجد ما لا يليق بمقصوده اهـ. وقال القاضي عياض وأخذ من هذا الخبر كراهة نشد الضالة فيه اهـ. لكن استثنى المصنف المساجد الثلاثة وكنشدها فيما يظهر إنشادها أي تعريفها. قوله: (فإِن المَساجِدَ لَمْ تُبنَ لِهذَا) وفي الحديث إنما بنيت المساجد لما بنيت له أي من ذكر الله تعالى والعلم والصلاة والمذاكرة في الخير ونحوه قال القاضي عياض في الخبر دليل على منع عمل الصنائع في المسجد كالخياطة وشبهها قال وقد منع بعض العلماء من تعليم الصبيان في المسجد وقال بعض شيوخنا إنما يمنع في المساجد عمل الصنائع التي تختص بها آحاد الناس ويكتسب بها فلا يتخذ المسجد متجرًا وأما الصنائع التي يشمل نفعها المسلمين في دينهم كالمثاقفة وإصلاح آلات الجهاد مما لا مهانة للمسجد في عمله فلا بأس به اهـ، واستوجه في شرح العباب ما نقله عن بعض شيوخه قال ولا يبعد أن يعد من ذلك تجليد كتب العلوم الشرعية وترميمها لأنه مما يشمل نفعه المسلمين في دينهم وظاهر إن هذا مقيد بعدم الإزراء بالمسجد واتخاذها حانوتًا وإلا حرم ونقل الزركشي عن القفال المنع من تعليم الصبيان في المسجد لأن الأغلب منهم الضرر ثم قال كابن العماد وينبغي أن يقال إن كان على وجه يؤدي إلى انتهاك حرمة المسجد وقلة احترامه زاد الثاني أو التشويش على المصلين أو التضييق عليهم منع وإلا فلا وما قالاه أوجه والمنع في كلامهما واجب كما هو ظاهر وفي الحرز وكذا ما يشغل المصلي ويشوش عليه حتى قال بعض علمائنا رفع الصوت ولو بالذكر حرام في المسجد وكان بعض السلف يرى ألا يتصدق على السائل المتعرض في المسجد قال بعضهم إنه يحرم إعطاء السائل المتعرض برفع صوت أو إلحاح أو مبالغة أو بمجاوزة صف وخطوة على رقبة أو حال خطبة أو نحو ذلك اهـ. وتقدم ما في الجهر بالذكر في المساجد في الباب السابق وأما اعطاء السائل في المسجد فالمختار عند أصحابنا عدم الكراهة لما صح أنه ﷺ قال هل منكم من أحد أطعم مسكينًا فقال أبو بكر دخلت المسجد فإذا سائل يسأل فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن أي ولده فأخذتها ودفعتها إليه الحديث نعم إن تأذى الناس به بتخط أو إلحاف

стр. 466

وروينا في "صحيح مسلم" أيضًا عن بريدة ﵁: أن رجلًا نشد في المسجد فقال: ــ كره إعطاؤه لما فيه من الإعانة على الأذى بل قد يحرم إن حرم السؤال كما في شرح العباب قال ابن العماد والسؤال فيه مكروه إلَّا إذا شوش على مصل فيحرم أو مشى أمام صف أو تخطى رقابهم اهـ. وفي شرح المشكاة لابن حجر وما ذكره آخرا ضعيف بل الحرمة مقيدة بمن مشى أمام مصل إلى سترة معتبرة وما ذكره أولًا هو قول بعضهم لكن كلام النووي في شرح المهذب وغيره أنه يكره رفع الصوت بحضرة المصلى صريح في الكراهة لا الحرمة وإطلاق كراهة السؤال في المسجد قد ينافيها ما في الأم من تقييد كراهة السؤال يوم العيد بحالة الخطبة فإن فعلوا فقد تركوا الفضل من السماع لكنه حمل على من بمصلى العيد لأنه غير مسجد اهـ. قوله: (وَرَوينَا فِي صَحِيح مُسْلِم إلخ) قال الحافظ بعد تخريجه من طريق الإمام أحمد بن حنبل حديث صحيح وقد رواه جابر وَأنس بَلفظ نشد ضالة في المسجد قال الحافظ وهو رواية لمسلم في حديث بريدة وحديث جابر قال سمع رسول الله ﷺ رجلًا ينشد ضالة في المسجد فقال لا وجدت قال الحافظ حديث صحيح أخرجه محمد بن إسحاق السراج في مسنده عن أبي بكر الأعين عن أحمد بن حنبل وأخرجه النسائي وقال الحافظ ما رأيته في مسند أحمد وحديث أنس أخرجه الحافظ بسنده إلى إسحاق بن إبراهيم قال قلت لأبي قرة ذكر موسى بن عقبة عن عمرو بن أبي عمرو عن أنس بن مالك أن رجلًا دخل المسجد ينشد ضالة فقال النبي ﷺ لا وجدت فأقر به أبو قرة وقال نعم قال الحافظ حديث صحيح أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده وأخرجه البزار من وجه آخر عن عمرو بن أبي عمرو ما وجدته في سنن النسائي الصغرى ولا الكبرى وأخرجه البزار أيضًا من حديث سعد بن أبي وقاص بنحو حديث أنس وسنده ضعيف وأخرج أبو العباس السراج عن أبي عثمان قال سمع ابن مسعود رجلًا ينشد ضالة في المسجد فغضب وسبه فقال له رجل ما كنت فاحشًا فقال بهذا أمرنا قال الحافظ حديث صحيح أخرجه ابن خزيمة في صحيحه وأخرجه البزار وقال في آخره بهذا أمرنا إذا وجدنا من ينشد ضالة في المسجد أن نقول له لا وجدت قال وفي الباب

стр. 467

من دعا إلى الجمل الأحمر، فقال النبي ﷺ : "لا وَجَدْتَ إنَّما بُنِيَت المَساجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ". وروينا في "كتاب الترمذي" في آخر "كتاب البيوع" منه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رَأَيْتُم مَنْ يَبيعُ أوْ يَبْتاعُ في المَسجدِ فَقُولُوا: لا أرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ، وإذا رأيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فيهِ ضالةً فقُولوا: لا رَدَّ اللهُ عَلَيكَ"، قال الترمذي: حديث حسن. ــ عن ابن عمرو وثوبان جد محمد بن عبد الرحمن وسأذكره في الباب الذي يليه اهـ. قوله: (مَنْ دَعا إلي الجَمَلَ الأحمَرَ) قال الحافظ هو بتشديد الياء معناه من يعرف الجمل فدعا صاحبه اهـ. قوله: (وَرَوينَا فِي كِتَابِ التُّرْمِذِي) وكذا رواه النسائي وابن السني والحاكم وابن خزيمة وابن حبان عنه كلهم من حديث أبي هريرة وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم وقال الحافظ أخرج مسلم لرجاله من الداروردي فصاعدًا وأخرج لمحمد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة حديثًا غير هذا لكن مقرونًا فهو على شرطه في المتابعات لا في الأصول اهـ. ورواية ابن حبان بمعنى حديث الترمذي المذكور في الأصل كما نبه عليه في السلاح في آخر كتاب البيوع منه قال الحافظ يزاد عليه أنه لم يترجم له اكتفاء بما قدمه في أبواب المساجد فقال "باب ما جاء في كراهية البيع والشراء وإنشاد الشعر والضالة في المسجد" وأورد فيه حديث ابن عمرو وتكلم عليه وسنذكره في الباب بعده. قوله: (مَنْ يبِيعُ أَوْ يَبْتاعُ) أي يشتري في المسجد، يكره نحو البيع والشراء من سائر العقود في المسجد ولو لغير معتكف وإن لم يكثر منه كما هو حاصل كلام المجموع في باب الاعتكاف ومحله ما لم يتخذه حانوتًا وإلَّا فيحرم وما لم يحتج إليه لتحصيل قوته وما لا بد منه وإلا فلا يكره ويستثني من العقود عقد النكاح. قوله: (فِي المسجِد) لخبر الترمذي أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد. قوله: (لَا أَرْبَح الله تِجَارَتَكَ) أي لا جعلها رابحة أو لا جعلك رابحًا وما اشتهر عن بعض العوام أن المراد من الخبر لا تفعل أربح الله تجارتك فهو من التأويل البعيد الذي لا يعول عليه ولا يلتفت إليه كيف وهو مخالف لظاهر الحديث والله أعلم. قال الترمذي حديث حسن غريب والعمل عليه عند بعض أهل العلم وهو قول أحمد وإسحاق ورخص فيه بعضهم

стр. 468

باب دعائه على من ينشد في المسجد شعرًا ليس فيه مدح للإسلام ولا تزهيد والحث علي مكارم الأخلاق ونحو ذلك ــ وتقدم الجواب عن السكوت عن بيان الغرابة من كونها غير منافية للحسن المطلوب إثباته. باب دعائه على من ينشد في المسجد شعرًا ليس فيه مدح للإسلام ولا تزهيد والحث علي مكارم الأخلاق ونحو ذلك قال الحافظ ليس في المتن الذي ساقه دلالة على التخصيص وكأنه أشار إلى أن لذلك دليلًا من خارج وكان لا بأس بالتنبيه عليه اهـ. قال الأبي في شرح مسلم أما إنشاد الشعر فيه أي في المسجد فأجازه الجمهور لحديث مر عمر على حسان وهو ينشد فيه فلحظ إليه عمر شذرًا ثم قال أي حسان كنت أنشده وفيه خير منك ثم التفت إلى أبي هريرة فقال أنشدك الله أسمعت رسول الله ﷺ يقول لي أجبهم عني اللهم أيده بروح القدس، فقال نعم ولم يراجعه عمر وروح القدس جبريل وفي بعض الآثار إن جبريل أعانه بالأبيات من الشعر قلت في بعض شروح شمائل الترمذي قيل لما دعا النبي ﷺ لحسان أعانه جبريل بسبعين بيتًا أهـ، وترجم البخاري باب إنشاد الشعر في المسجد وقال بعضهم أحاديث النهي عنه ضعيفة اهـ، وفي شرح المهذب للمصنف ولا بأس بإنشاد الشعر فيه إذا كان مدحًا للنبوة أو الإسلام أو كان حكمة أو في مكارم الأخلاق أو الزهد أو نحو ذلك من أعمال الخير فإن لم يكن فيه شيء من ذلك كره للنهي عن تناشد الأشعار فيه بإسناد حسن ما لم يكن فيه مذموم كنحو محرم أو صفة خمر أو ذكر نساء أو مرد أو مدح ظالم أو افتخار بمنهي عنه فيحرم اهـ. قال في شرح العباب بعد نقله عنه وهو صريح في تحريم كثير من الأشعار التي فيها صفات الخمر ولو بالتشبيهات وذكر صفات النساء والمرد وينافيه ما يأتي في الشهادات من أنه لا يحرم التشبب إلَّا بامرأة أو غلام معين ويمكن أن يفرق بأن الحرمة هنا جاءت من حيث المسجد فيحرم فيه ذلك مطلقًا لما فيه من الفحش بخلافه خارجه وأما ذكر صفات الخمر المقتضية مدحها فالظاهر إنما اقتضاه صريح كلامه من حرمته في المسجد وأما خارجه فللنظر فيه مجال والأقرب الحرمة ومن ثمة افتيت بحرمة مطالعة الكميت

стр. 469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قيل ما طالعها أحد إلا شربها هذا كله حيث لم يقع منه إشارة أو قرينة تعين المراد غير الخمر المحرمة كما يقع لكثير من أنهم يعنون ريق المحبوب أو فواتح الحق على عباده ونحو ذلك فحينئذٍ لا حرمة وعلى هذا يحمل ما جاء عن الصحابة كما وقع لكعب بن زهير ﵁ في بانت سعاد وأنشدها بين يدي النبي ﷺ ولم ينكر عليه. فإن قلت هذه واقعة حال يحتمل أنه كان قبل تحريم الخمر. قلت هذا الاحتمال بعيد فلا يسقط بمثله الأدلة الظاهرة على أن الكلام في الخمر غير الحقيقية فلا يرد السؤال من أصله ثم رأيت إنه كان بعد تحريم الخمر، وعلى الشعر المذموم حمل قوله ﷺ من رأيتموه ينشد شعرًا في المسجد فقولوا له فض الله فاك ثلاث مرات رواه ابن السني وحمله ابن بطال على ما يتشاغل به كل من بالمسجد حتى يغلب عليه كما قال أبو عبيد حديث لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا بأنه الذي يغلب على صاحبه اهـ. وفي التوشيح للسيوطي روى ابن خزيمة والترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نهى ﷺ عن تناشد الأشعار في المسجد، والجمع بينه وبين حديث الباب أي حديث حسان يحمل النهي على أشعار الجاهلية ونحوها اهـ، وظاهر أن المراد غالب أشعار الجاهلية وإلّا فما اشتمل منها على المحاسن كالتوحيد في شعر أمية بن أبي الصلت لا يكره إنشاده ولعل الإطلاق لأن غالب أشعارهم خال عن ذلك وقال ابن خزيمة ذكر الخير في خبر لأن يمتلئ جوف أحدكم إلخ، دليل على أن النبي ﷺ إنما نهى عن تناشد بعض الأشعار في المساجد لا عن جميعها ثم ذكر حديث البخاري كذلك في بدء الخلق وذكره في باب الشعر أيضًا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع حسان بن ثابث يستشهد أبا هريرة هل سمعت رسول الله ﷺ يقول يا حسان أجب عن رسول الله ﷺ اللهم أيده بروح القدس قال نعم قال ابن بطال وليس في هذه الرواية أنه أنشد شعرًا في المسجد بحضرة النبي ﷺ لكنه ذكر ذلك في روايته التي في باب بدء الخلق وأشار بهذه الترجمة أي باب إنشاد الشعر في المسجد إلى تلك الرواية نته عليه شراح البخاري. فائدة قال الترمذي قد روي في غير حديث رخصة في إنشاد الشعر في المسجد قال الحافظ وجمع العلماء بين الأحاديث التي في الرخصة وبين أحاديث النهي بنحو مما أشار إليه الشيخ في الترجمة ومنهم من حمل النهي على التنزيه والفعل على بيان الجواز ومنهم من فصل فحمل النهي على ما فيه

стр. 470

روينا في كتاب ابن السني ــ فحش أو أذى لمسلم أر نحو ذلك والإذن على ما فيه مدح النبي ﷺ ونحو ذلك وما عدا ذلك إن أكثر منه أو غلب عليه التحق بالأول وإلا جاز قال الحافظ فمن أحاديث الرخصة إنشاد كعب بن زهير قصيدته في مدحه ﷺ في المسجد ومنها حديث عائشة إن النبي ﷺ كان يصنع لحسان منبرًا في المسجد يقوم عليه يهجو الذي كان يهجو النبي ﷺ فقال ﵇ إن روح القدس مع حسان ما دام ينافح عن رسول الله ﷺ حديث حسن صحيح أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح وهو حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد يعني تفرد به وهو ثقة عند الجمهور وتكلم فيه بعضهم بما لا يقدح فيه ولبعض حديثه شواهد في الصحيحين عن البراء وغيره وذكر المزي في الأطراف أن البخاري أخرج هذا الحديث في الصحيح تعليقًا فقال قال عبد الرحمن عن أبيه عن عروة عن عائشة فذكره ولم أقف عليه في صحيح البخاري إلى الآن وفي صحيح البخاري عن ابن المسيب مر عمر وحسان ينشد في المسجد الشعر فلحظ إليه قال قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك يعني النبي ﷺ كلام الحافظ وقال الشيخ زكريا في تحفة القارئ اهـ. حديث أبي هريرة وشهادته لحسان في إنشاد الشعر في المسجد علم به جواز إنشاده في المسجد وهو محمول على الحق وأما خبر ابن خزيمة نهى ﷺ عن تناشد الأشعار في المساجد فضعفه جماعة وبتقدير صحته فهو محمول على الشعر الباطل كما حمل عليه خبر الصحيحين لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له أن يملأه شعرًا وحمله بعضهم على من يمتلئ قلبه حتى يغلب عليه اشتغاله به عن القرآن والذكر والحاصل أن إنشاد الشعر في المسجد جائز بلا كراهة إن كان حقًّا ومكروه كراهة تحريم إن كان باطلًا وكراهة تنزيه إذا غلب عليه اشتغاله به أي ولم يكن باطلا اهـ. قوله: (رَوينَا فِي كِتَاب ابْنِ السني) خرجه الحافظ من طريق الطبراني إلى عباد بن كثير عن يزيد بن خصفة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبيه عن جده فذكر قصة فيها إن رسول الله ﷺ قال من رأيتموه ينشد شعرًا في المسجد فقولوا فض الله فاك ثلاث مرات ومن رأيتموه يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك ثلاث مرات كذا قال لنا رسول الله ﷺ قال الحافظ حديث منكر السند وبعض المتن

стр. 471

عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "مَنْ رأيْتُموهُ يُنْشِدُ شِعْرًا في المسجِدِ فقُولُوا لَهُ: فَضَّ اللهُ فاكَ"، ثلاثَ مراتٍ. باب فضيلة الأذان روَينا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ــ أخرجه ابن السني وهو قصة الشعر وأخرجه ابن منده في معرفة الصحابة بجملته كما أخرجه الحافظ وقال غريب تفرد به محمد بن حُمَير قال الحافظ وهو ثقة من رجال البخاري وإنما تفرد بوصله ورواه أبو خيثمة الجعفي عن عباد بن كثير عن يزيد بن خصفة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ولم يقل عن جده والافة من عباد وهو ضعيف جدًّا وقال خالف فيه الداروردي والذاروردي ثقة وسنده هو المعروف فقال حدثنا يزيد بن خصفة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة كما تقدم في آخر الباب قبله ثم لم يرو عن عبد الرحمن بن ثوبان إلا ولده محمد فهو في عداد المجهولين وقد ورد النهي عن إنشاد الشعر في المسجد عن عبد الله بن عمرو قال نهى النبي ﷺ عن البيع والشراء في المسجد وأن ينشد فيه الأشعار وأن ينشد فيه الضالة الحديث قال حديث حسن أخرجه أصحاب السنن الأربعة وفي سنده ثوبان وهو غير مولى النبي ﷺ المشهور هذا رجل لا يعرف إلَّا في هذا السند. قوله: (عَنْ ثَوْبَانَ) هو ابن مجدد بضم الميم وسكون الجيم وضم الدال المهملة الأولى الهاشمي مولى رسول الله ﷺ أصله من حُمَيِّر فسي في الجاهلية فاشتراه رسول الله ﷺ وأعتقه فلازمه حضرًا وسفرًا فلما توفي رسول الله ﷺ خرج إلى الشام فنزل الرملة ثم انتقل إلى حمص وابتنى بها دارًا روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وسبعة وعشرون حديثًا روى منها مسلم عنه عشرة أحاديث وخرج عند الأربعة وروى عنه أبو أسماء وخالد بن معدان وخلق توفي سنة خمس وأربعين أو أربع وخمسين. قوله: (فَض الله فَاكَ) بالفاء المفتوحة والضاد المعجمة المشددة أي أسقط أسنانك قال في النهاية قل لا يفضض الله فاك أي لا يسقط أسنانك وتقديره لا يسقط الله أسنان فيك فحذف المضاف يقال فضه إذا كسره اهـ. باب فضيلة الأذان

стр. 472

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويقال الأذين والتأذين بالمعجمة وهو لغة الإعلام ومنه (وَأَذَانٌ من اللهِ وَرَسُولِهِ) [التوبة: ٣] وشرعًا قول مخصوص يعلم به وقت الصلاة أصالة وبقولنا يعلم إلخ، خرج الأذان لغير الصلاة فليس مما نحن فيه وشرع الأذان قيل في السنة الثانية من الهجرة والذي في المجموع أنه في الأولى بعد بنائه ﷺ مسجده والروايات المصرحة بأنه شرع بمكة قبل الهجرهَ لم يصح منها شيء لرؤيا عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه الأنصاري فإنه صح عنه أنه قال لما أمر النبي ﷺ بالناقوس يعمل ليضرب به الناس لجمع الصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده فقلت أتبيع الناقوس فقال وما تصنع به فقلت ندعو به إلى الصلاة قال أولًا أدلك على ما هو خير من ذلك فقلت بلى قال تقول الله أكبر الله أكبر إلى آخر الأذان، ثم استأخر عني غير بعيد، ثم تقول إذا أقمت الصلاة الله أكبر الله أكبر إلى آخر الإقامة فلما أصبحت أتيت النبي ﷺ فأخبرته بما رأيت فقال أنها رؤيا حق إن شاء الله قم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتًا منك فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه فيؤذن به فسمع ذلك عمر بن الخطاب ﵁ وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت فيما يرى النائم ولو قلت إني لم أكن نائمًا لصدقت رأيت شخصًا عليه ثوبان أخضران فاستقبل القبلة فقال الله أكبر إلخ، في رواية ضعيفة عند ابن ماجة أن رؤياه كانت ليلة تشاوروا أي فيما يجعلونه علامة للصلاة من الناقوس أو النار وفي أوسط الطبراني أن أبا بكر ﵁ رآه أيضًا وفي الوسيط رآه بضعة بمشر رجلًا وفي الجيلي أربعة عشر وأنكره المصنف كابن الصلاح ومن ثم قال بعض المحققين لم يثبت إلّا رؤيا عبد الله بن زيد وقصة عمر جاءت في بعض الطرق. وفي سنن ابن ماجة بعد إيراده خبر الأذان عنه قال أبو عبيد فأخبرني أبو بكر الحكمي أن عبد الله بن زيد الأنصاري قال في ذلك: أحمد الله ذا الجلال وذا الإكـ ... ـرام حمدًا على الأذان كبيرا إذ أتاني به البشير من اللـ ... ـه فأكرم به لدي بشيرا في ليال وإلى بهن ثلاث ... كلما جاء زادني توقيرا وثبت حكم الأذان بالرؤيا مع أن رؤيا غير الأنبياء لا يثبت بها شيء من الأحكام

стр. 473

"لو يَعْلمُ الناسُ ما في ــ لاحتمال مقارنة وحي لذلك ويؤيده رواية عبد الرزاق وأبي داود في مراسيله من طريق عبيد بن عمير الليثي من كبار التابعين أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر النبي ﷺ فوجد الوحي قد ورد بذلك فما راعه إلَّا أذان بلال فقال له النبي ﷺ سبقك بذلك الوحي وهو أصح مما حكى الداودي أن جبريل أتى به قبل هذه الرؤيا بثمانية أيام وفي مسند الحارث أول من أذن بالصلاة جبريل أذن في سماء الدنيا فسمعه عمر وبلال فسبق عمر إلى النبي ﷺ وأخبره فقال ﷺ لبلال سبقك بها عمر وظاهره أنهما سمعاه يقظة والحديث الصحيح السابق يرد ذلك وجزم المصنف بأنه ﷺ أذن مرة في السفر وعزاه لخبر الترمذي وقواه وعورض بأن أحمد أخرجه في مسنده من طريق الترمذي بلفظ فأمر بلالًا فأذن وبه يعلم اختصار رواية الترمذي وإن معنى أذن فيها أمر الأذان كما يقال أعطى الخليفة فلانا الفا ورواه الدارقطني أيضًا بلفظ فأمر بلالًا فأذن قال البيهقي والمفصل يقضي على المجمل المحتمل كذا قال الحافظ ابن حجر. وفي التوشيح للسيوطي قلت قد ظفرت بحديث آخر مرسل أخرجه سعد بن منصور في مسنده حدثنا أبو معاوية حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي عن أبي مليكة قال أذن رسول الله ﷺ مرة فقال حي على الفلاح وهذه رواية لا تقبل التأويل اهـ، وعلى أنه أذن فهل كان يتشهد مثلنا أو كان يقول أشهد أني رسول الله ظاهر كلام الرافعي الثاني فإنه قال أنه المنقول في تشهده لكن رد عليه بأن المنقول أنه كان يتشهد كتشهدنا كما رواه مالك في الموطأ ويؤيده خبر مسلم عن معاوية أنه قال في إجابة المؤذن وأشهد أن محمدًا رسول الله إلخ، ثم قال سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك. قوله: (لَوْ يعلمُ النَّاسُ) وضع المضارع موضع الماضي ليفيد استمرار تجدد العلم قاله الطيبي وقال أطلق مفعول أعلم لأنه لا يدخل تحت الوصف والمعنى لو يجدوا شيئًا من وجوه الأولوية أما في الأذان فبأن يستووا في معرفة الأوقات وحسن الصوت ونحو ذلك وأما الصف الأول فبأن يصلوا دفعة واحدة ويستووا في الفضل فيقرع بينهم إذا لم يتراضوا اهـ. نقله عنه الحجازي. وفي شرح المشكاة وأطلق ولم يبين حقيقة الفضل الذي في ذلك إعلامًا بأنه لا يدخل تحت الحصر والوصف ونظيره ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] وقال المصنف في شرح مسلم لو علموا فضيلة الأذان

стр. 474

النداءِ والصف الأوَّلِ، ثُمّ لَمْ يَجِدُوا إلا أنْ يَسْتَهِمُوا عليهِ لاسْتَهمُوا" ــ وأجرها وقدرها ثم لم يجدوا طريقًا يحصلونه به لضيق الوقت عن أذان بعد أذان أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلّا مؤذن واحد لاقترعوا في تحصيله ولو يعلمون في فضيلة الصف الأول نحو ما سبق وجاؤوا إليه دفعة واحدة وضاق عنهم ولم يسمح بعضهم لبعض لاقترعوا عليه اهـ. ففيه التنبيه على التعميم المستفاد من الموصول ووقع في رواية أبي الشيخ لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول من الخير والبركة الحديث. قوله: (النداء) هو بكسر النون والدال المهملة بعدها ألف ممدودة أي الأذان وروي بهذا اللفظ عند السراج كذا في حاشية سنن النسائي للسيوطي وقدم النداء على ما بعده لأن النداء وسيلة ومقدمة له. قوله: (والصف الأَولِ) وهو عندنا الذي يلي الإمام وإن يتخلل أو حجز بينهما بنحو سارية أو منبر وقال القرطبي اختلف في الصف الأول هل هو الذي يلي الإمام أو هو المبكر والصحيح الأول وعلم من قولنا الذي يلي الإمام أن ما هو أقرب من الإمام إلى الكعبة في غير جهته ليس بالصف الأول فقول القارئ الحنفي إنه هو الصف الأول وألف فيه جزءأً سماه القول المعول مردود وقيل الصف الأول أول صف خلف المقصورة حكاه القرطبي. قوله: (يَستَهِمُوا) بتخفيف الميم أي يقترعوا وقيل للاقتراع استهام لأنهم كانوا يكتبون أسماءهم على سهام فمن خرج سهمه فاز بالحظ المقسوم وقيل الاستهام تمثيل واستعارة لتحصيل السبق إليه وعبر بالاستهام إشارة إلى غاية تعظيم ذلك إذ لا يقع إلّا في أمر من شأنه التنافس فيه وزاد ذلك مبالغة وتأكيدًا أخرجه مخرج الاستثناء والحصر وفي هذا أعظم باعث على فعل الأذان وحضور الجماعة سيما الصف الأول قال المأزري وفي قوله لاستهموا عليه حجة للعمل بالقرعة في الحقوق التي يزدحم عليها اهـ. قوله: (عَلَيهِ) استشكل افراد الضمير مع تقدم متعاطفين بالواو وقال السيوطي في التوشيح افراد الضمير باعتبار ما ذكر. وفي شرح الأنوار السنية قال عياض حمل الباجي الاستهام على أنه في النداء والصف الأول وهو ظاهر اللفظ وقال أبو عمر المراد الصف

стр. 475

رواه البخاري ومسلم في "صحيحيهما". وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ أدْبَرَ الشَّيْطَانُ وله ضُراطٌ ــ وحده وهو وجه الكلام وكلا الوجهين لا يصح أما الأول فلأن الضمير الواحد لا يعود على الاثنين وأما الثاني فلأنه يبقى النداء بلا جواب فلا يفيد والأولى عندي أن يعود على الثواب المفهوم من السياق أي لو يعلم الناس ثواب النداء والصف الأول ثم لم يجدوا الوصول إليه إلّا بالاستهام لاستهموا قال الأبي وأقرب مما قال أن يعود على لفظ ما اهـ. وفي شرح المشكاة إلّا أن يستهموا عليه أي على السبق إليه اهـ، فالسبق مفهوم من السياق نظير ما تقدم في الثواب. قوله: (رَوَاه البخارِي ومُسْلم) أي من جملة حديث تتمته ولو يعلمون ما في الهجير لاستبقوا إليه ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا وفي المشكاة بعد إيراده كذلك متفق عليه وفي الجامع الصغير بعد إيراده بجملته كذلك رواه أحمد وابن ماجة والنسائي ولم يذكر الشيخين فيمن رواه قلت ورواه كذلك مالك في الموطأ وكذا الترمذي من طريق مالك وأشار الحافظ إلى اختلاف فيه عند رواته والله أعلم. قوله: (نُودِيَ لِلصلاةِ) أي بالأذان ويمنع من حمله على ما يعم الإقامة وإن كان الشيطان يذهب عندها وله ضراط أيضًا ذكرها في آخر الخبر فإذا قضي النداء أقبل حتى إذا ثوب للصلاة أدبر وفي الكرماني الفرق بين ما في قوله تعالى: (﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٥٨] وما في قوله تعالى: (﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ [الجمعة: ٩] من التعدية بإلى في الأولى واللام في الثانية هو أن صلاة الأفعال تختلف بحسب مقاصد الكلام فقصد في الأولى معنى الانتهاء وفي الثانية معنى الاختصاص اهـ. قال الحجازي ويحتمل أن تكون اللام بمعنى إلى والعكس اهـ، ولك أن تقول كلام الكرماني في حكمة مغايرة الحرفين واستعمال كل منهما فيما ذكر من الآيتين وهو لا يخالف احتمال توافق معنى ذينك الحرفين والله أعلم. قوله: (وَلَهُ ضُرَاطٌ) قال

стр. 476

حتَّى لا يَسْمَعَ التَّأذِينَ" ــ القاضي يمكن حمله على ظاهره لأنه جسم متغذ يصح منه خروج الريح ويحتمل أنه كناية عن شدة غيظه ونفاره وقد حكاه عنه شراح مسلم المصنف والأبي والسيوطي وغيرهم من شراح السنن ومن الغريب ما في شرح المشكاة لابن حجر يحتمل الحقيقة وهو الظاهر وإن لم أر من صرح به إذ لا استحالة في أن يصدر منه تلك الأصوات القبيحة وإن كانت على خلاف عنصره مبالغة في إهانته وتحقيره وإعلامًا بأنه يحصل له من سماع الأذان ذهول مفرط يفزعه ويخرجه عن شعوره وإحساسه فتنحل قواه ويخرج منه تلك الأصوات ويحتمل المجاز وأنه شبه شغله نفسه أي بالهرب عن سماع صوت الأذان بصوت يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره تقبيحا له اهـ، والوجه الأخير ذكره الطيبي وزاد بعد قوله ويمنعه عن سماع غيره قوله ثم سماه ضراطًا تقبيحا له اهـ، ولعل سقوط ثم سماه ضراطًا من كلام شرح المشكاة من قلم الناسخ كما لا يخفى وفي شرح مسلم للأبي لكن سبق أن الأولى الكناية عن المعنى المستقبح سماع لفظه إلَّا أن تدعو ضرورة لذكر اللفظ أو يتضمن ذكره مصلحة كالتقبيح المتقدم ذكره. قوله: (حَتَّى لَا يَسْمع التأْذِينَ) حتى تعليلية لإدباره وقيل ذهابه هروب أن يسمع الأذان بالإيمان كما يفعل بعرفة لما يرى من اجتماع الناس على البر والتقوى وما ينزل عليهم من الرحمة، وقيل لئلا يسمع ذلك فيشهد لقائله لخبر لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن الحديث، ورد بأنه عام مخصوص بالمؤمن منهما قال المصنف وهذا لا يقبل من قائله لما جاء في الآثار من خلافه وبإخراج غير الناطق وما لا يسمع كالجماد، ورد بأنه عام فيهما بإدراك يخلقه الله تعالى لغير الناطق وادراك وحياة يخلقهما للجمادات ليشهد الجميع ولهذا ذهب ابن عمر فقال المؤذن يشهد له كل رطب ويابس، وقيل إنما يهرب لئلا يسمع الدعاء إلى السجود الذي بسببه عصى، ورد بمجيئه للمصلى بعد انقضاء التثويب قال الأبي وهذا لا يلزم لاحتمال أن يكون رجوعه مغالطة أنه لم يسمع دعاء ولا خالف أمرًا وقيل هروبه لانقطاع طمعه من الوسوسة عند الإعلان بالتوحيد إذ لا يقدر أن يصرف الناس عنه حينئذٍ فإذا سكت المؤذن رجع إلى حالته التي أقدره الله عليها من تشويش الخاطر على المصلي. وبقولنا لئلا يسمع وما بعده يجاب عما يقال ما الحكمة في هربه

стр. 477

رواه البخاري ومسلم. وعن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المُؤَذِّنُونَ ــ عند الأذان دون نحو الذكر في الصلاة وسماع القرآن ثم الشيطان المذكور يحتمل أنه قرين المؤذن ويحتمل أنه جنس الشياطين لا يقال كيف يهرب عند الأذان والضرورة تقتضي ثبوت المخالفة حين الأذان إما من المؤذن أو السامع لأنا نقول فعل تلك المخالفة يكون من وسوسة سبقت ذلك الأذان وإن لم يقم دليل على أن كل المخالفات من الشيطان إذ قد يكون من النفس قال السيوطي نقلًا عن ابن بطال ويشبه أن يكون الزجر عن خروج الإنسان من المسجد بعد الأذان مأخوذا من هذا المكان لئلا يكون متشبهًا بالشيطان اهـ. قال أصحابنا يكره الخروج من المسجد بعد الأذان بلا عذر حتى يصلي لقول أبي هريرة في فاعل ذلك أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ رواه مسلم قال بعض المحققين ولك أن تقول القول بالكراهة مع ذلك مشكل لأن قول الصحابي ذلك في حكم المرفوع فيكون نصًّا في التحريم كيف وقد أخذوا تحريم الصوم بعد نصف شعبان من قول عمار بن ياسر نظير ذلك اهـ. وقول عمار بن ياسر إنما هو في يوم الشك لا في النصف الأخير من شعبان والله أعلم، وهل المراد حتى يصلي ولو وحده أو مع الجماعة كل محتمل وإطلاقهم يؤيد الأول وعلى الثاني قال في شرح العباب فالظاهر أن من العذر كون الإمام يكره الاقتداء به والإفراد أفضل من الاقتداء به أي بالمخالف اهـ. والراجح أن الاقتداء بالمخالف أفضل من الانفراد وقد اقتصر البخاري في باب فضل الأذان على هذا الخبر قال ابن العز الحجازي في شرحه قد ورد في فضل الأذان أحاديث كثيرة اقتصر المصنف على هذا الخبر هنا لأنه تضمن فضلًا لا ينال بغير الأذان بخلاف غيره من الأخبار فإن الثواب المذكور فيها ينال بأنواع أخرى من العبادات اهـ، والله أعلم. قوله: (رَوَاه البُخَاري ومُسلم) من جملة حديث آخره فإذا قضي النداء أقبل حتى إذا ثوب للصلاة أدبر حتى إذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول اذكر كذا واذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يضل الرجل لا يدري كم صلى، ورواه مالك وأبو داود والنسائي قال الخطابي ﵀ التثويب

стр. 478

أطوَلُ الناسِ أعْناقا يَوْمَ القِيامةِ" ــ هنا الإقامة وكذا قال الحافظ والعوام لا تعرف التثويب إلا قول المؤذن في صلاة الفجر الصلاة خير من النوم ومعنى التثويب الإعلام بالشيء والإنذار بوقوعه وإنما سميت الإقامة تثويبًا لأنه إعلام بإقامة الصلاة والأذان إعلام بوقت الصلاة والله أعلم. وأخرج الحافظ من طريق أبي نعيم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة أحال له ضراط حتى لا يسمع صوته فإذا سكت رجع فوسوس فإذا سمع الإقامة ذهب حتى لا يسمع صوته فإذا سكت رجع فوسوس وأخرج من هذا الطريق ومن طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعًا قال إن الشيطان إذا أذن المؤذن هرب حتى يحول بالروحاء وهي على ثلاثين ميلا حديث صحيح أخرجه مسلم وبين أن ذكر اليسافة في الحديث من جهة الراوي اهـ. قوله: (أطولُ النَّاسِ أَعْنَاقًا) هو بفتح الهمزة جمع عنق بضمتين واختلف في معناه فقيل معناه أكثر الناس تشوفًا إلى رحمة الله لأن المتشوف يطيل عنقه لما يطلع إليه فمعناه كثرة ما يرونه من الثواب قال الحافظ وفسره ابن حبان في صحيحه بذلك لما ذكر حديث أبي هريرة وهو مثل حديث معاوية قال وقال غيره يمتد لكونهم كانوا يمدونها عند رفع الصوت في الدنيا فمدت في القيامة ليمتازوا بذلك عن غيرهم وفي ذلك إبقاء للطول على حقيقته اهـ. وقيل معناه أنهم سادة رؤساء والعرب تصف السادة بطول العنق وفيه استعارة لأنهم شبهوا بالأعناق كما قيل هم الرؤوس والنواصي والصدور وقيل معناه أكثر اتباعا فهو جمع عنق أي جماعة أي أن جمعهم يكون أكثر لأن من أجاب دعوتهم يكون معهم فالطول مجاز عن الكثرة لأن الجماعة إذا توجهوا لمقصدهم يكون لهم امتداد في الأرض وقال ابن الأعرابي معناه أكثر الناس أعمالًا يقال لفلان عنق من الخير أي قطعة منه سمي العمل عنقًا لنقله وجيء بأطول كالترشيح لهذا المجاز وقيل معناه القرب من الله تعالى لأن طول العنق يدل غالبًا على طول القامة وطولها لا يطلب لذاته بل لدلالته على تمييزهم على الناس وارتفاع شأنهم عليهم كما وصف المتوضئون يأنهم يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء وقيل معناه لا يأخذهم العرق لأن العرق يأخذ الناس بقدر

стр. 479

رواه مسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يَسْمَعُ ــ أعمالهم وقيل معناه عدم الخجل من الذنب لأن الخجل ينكس رأسه قال تعالى ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم، وفي مصباح الزجاجة للسيوطي في سنن البيهقي من طريق أبي بكر بن أبي داود سمعت أبي يقول ليس معنى الحديث إن أعناقهم وقيل معناه عدم الخجل من الذنب لأن الخجل ينكس رأسه قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]، وفي مصباح الزجاجة للسيوطي في سنن البيهقي من طريق أبي بكر بن أبي داود سمعت أبي يقول ليس معنى الحديث إن أعناقهم تطول ولكن ذلك إن الناس يعطشون يوم القيامة فإذا عطش الإنسان انطوت عنقه والمؤذنون لا يعطشون فأعناقهم قائمة اهـ، وخرجه الحافظ في تخريجه وقال فيه إبقاء الطول على حقيقته اهـ. هذا وجعل شارح الأنوار السنية قوله ﷺ أطول الناس أعناقًا إلخ، كناية عن كل من هذه المعاني فقال وقال المأزري هو حقيقة لأن العرق إذا ألجم الناس طالت أعناقهم لئلا يصيبها. قلت قال الحافظ هذا إذا انضم إلى القول قبله أي مما فيه إبقاء الطول على حقيقته بين ثمرته اهـ. وفي فتح الإله والوصف على هذا بطول العنق ليس لذاته بل للنجاة من العرق اهـ، ثم قال شارح الأنوار السنية وقيل هو كناية عن كثرة تشوفهم لما يرونه من ثواب الله تعالى وفعل ذلك في باقي الأقوال التي نقلها فيه وذكرناها في جملة ما سبق من الأقوال وهذا منه يقتضي أنها ليست مجازًا إذ الكناية ليست حقيقة ولا مجازًا كما هو مقرر في علم البيان لكن ظاهر كلام غيره أنها مجاز في غالب تلك المعاني التي أريدت منها وحقيقة في بعضها وروي إعناقًا بكسر الهمزة أي أشد إسراعًا إلى الجنة وهو سير العنق أي أكثر إسراعًا وأعجل إلى الجنة يقال أعنق يعنق إعناقًا والاسم العنق بالتحريك وقال الحافظ شذ بعضهم فكسر الهمزة وقال الأعناق بمعنى العنق إلخ، فأشار إلى أن ذلك من شذوذه لا أنه رواية خلاف ما يوهمه قول ابن حجر المكي وروي بكسر الهمزة إلخ، من أنه رواية والله أعلم. قوله: (رَوَاه مُسلم) وأخرجه النسائي وأبو عوانة كما أشار إليه الحافظ وللحديث شاهد من حديث زيد بن أرقم قال قال ﷺ بلال سيد المؤذنين يوم القيامة ولا يتبعه إلَّا مؤمن والمؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة قال الحافظ بعد تخريجه حديث غريب أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه والبزار وقال لا نعلمه عن زيد بن أرقم إلّا بهذا الإسناد وتفرد به

стр. 480

مَدَى صوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شَيءٌ إلَّا شَهِدَ لهُ يَوْمَ القِيامة" ــ حسام بن مصك وهو بصري روى عنه جماعة وأخرجه ابن عدي في ترجمته ونقل تضعيف حسام عن جماعة ثم قال عامة أحاديثه غرائب وأفراد وهو مع ضعفه حسن الحديث قال الحافظ لعله أراد الحسن المعنوي وإلا فحسام متفق على تضعيف حديثه ولم يسمه ابن أبي شيبة في روايته عن يزيد عنه بل قال حدثنا شيخ وكأنه أبهمه لضعفه وهو بضم الحاء وتخفيف السين وأبوه مصك بكسر أوله وفتح الصاد المهملة وتشديد الكاف قال الحافظ ووجدت لهذا الحديث سببًا من حديث بلال قال يا رسول الله إن الناس يتجرون ويبتغون معايشهم ولا نستطيع أن نفعل ذلك فقال ألا ترضى إن المؤذنين أطول الناس أعناقًا يوم القيامة قال الحافظ بعد تخريجه حديث حسن أخرجه البزار وقال لم يرو قبيصة عن بلال إلَّا هذا الحديث ولا نعلم له إلّا هذا الإسناد وقال الحافظ ولا بأس برواته إلَّا أن في رواية البزار مخالفة في بعض رواته قال ومع ذلك فالحديث حسن. قوله: (مَدَى صَوْتِ المُؤَذنِ) قال ابن النحوي في البدر المنير المدى بفتح الميم مقصور يكتب بالياء وهو الغاية اهـ، وإنما أتى به ولم يقتصر على صوت المؤذن تنبيهًا على أن من ينتهي إليه صوته يشهد له وإن لم يسمع إلّا همسه ففيه الحث على استفراغ الجهد في رفع الصوت بالأذان وقال الخطابي في الحديث يغفر للمؤذن مدى صوته، مدى الشيء غايته والمعنى أنه يستكمل مغفرة الله إذا استوفى وسعه في رفع الصوت فيبلغ الغاية من المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت قال الحافظ المنذري في الترغيب ويشهد لهذا رواية من قال يغفر له مد صوته بتشديد الدال أي بقدر مد صوته قال الخطابي وفيه وجه آخر وهو أنه كلام تمثيل وتشبيه يريد أن المكان الذي ينتهي إليه ضوته لو يقدر أن يكون ما بين أقصاه وبين مقامه الذي هو فيه ذنوبًا تملأ تلك المسافة غفرها الله تعالى اهـ. قوله: (جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ) قدم الجن إما للترقي منه إلى الإنس الأشرف أو للاهتمام لأن شهادة الإنس بعضهم لبعض لا تستبعد لاتحاد الجنس بخلاف الجن لاختلافه وتضاده فإذا شهدوا مع ذلك فالإنس أولى. قوله: (وَلَا شَيْءٌ) من عطف العام على الخاص ليعم سائر الحيوان والجماد بأن يخلق الله تعالى فيه فهما وسمعًا فيسمع ويعقل. قوله: (إلا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ) بلسان القال بفضله وعلو درجته تكميلا لسروره وتطييبًا لقلبه كما أنه تعالى يفضح

стр. 481

رواه البخاري، ــ أقوامًا ويهينهم بشهادة الألسن والأيدي والأرجل وغيرها بخسارهم ووبالهم. قوله: (رَوَاه البُخَاري) عن عبد الله بن عبد الرحمن بن صعصعة عن أبيه أن أبا سعيد الخدري قال له إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة قال أبو سعيد سمعته من رسول الله ﷺ ورواه مالك والنسائي وابن ماجة وزاد ولا حجر ولا شجر إلَّا شهد له وابن خزيمة في صحيحه ولفظه قال فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يسمع مدى صوته شجر ولا مدر ولا جن ولا إنس إلا شهد له يوم القيامة ثم قوله سمعته من رسول الله ﷺ اختلف فيه فقيل المراد سمعت جميع ما قلته لك بخطابه لي وهذا ما فهمه الرافعي والغزالي وقال ابن الصلاح في مشكل الوسيط لا أصل لذلك في شيء من طرق الحديث إنما وقع ذلك من أبي سعيد التابعي وقد رواه الشافعي في الأم عن مالك على الصواب اهـ. وقال المصنف وغيره المحقق عوده إلى قوله لا يسمع إلخ، دون ما قبله من قوله إني أراك إلخ، قال ابن الرفعة ولعل أولئك اطلعوا على ما دلهم على ذلك وفيه نظر فإن رواية ابن خزيمة مصرحة بما قاله النووي وغيره ونقل الحافظ عن ابن الرفعة أنه اعتذر عن الغزالي بأنه فهم من قول أبي سعيد سمعته من رسول الله ﷺ أي جمع ما تقدم فذكره بالمعنى والعلم عند الله، وتعقبه الحافظ بأن الحديث قد رواه جماعة من الصحابة وليس في شيء من طرقهم الثابتة الأمر برفع الصوت إنما يؤخذ ذلك بطريق الاستنباط من الحديث المذكور اهـ. ثم خرج من حديث أبي هريرة يقول سمعت النبي ﷺ يقول المؤذن يغفر له مد صوته ويشهد له كل رطب ويابس وقال حديث حسن أخرجه أحمد والبخاري في خلق الأفعال خارج الصحيح وأبو داود والنسائي ورجاله رجال الصحيح إلَّا واحدًا فلم يسم ولم ينسب وأخرج من حديث البراء بن عازب عن النبي ﷺ إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول والمؤذن يغفر له مدّ صوته ويشهد له من سمعه من رطب ويابس ويكتب له أجر من صلى معه حديث حسن أخرجه أحمد والنسائي ورجاله رجال الصحيح إلَّا

стр. 482

والأحاديث في فضله كثيرة. واختلف أصحابنا في الأذان والإمامة، أيهما أفضل على أربعة أوجه: الأصح أن الأذان أفضل، ــ أن فيه عنعنة قتادة وشيخه أبي إسحاق السبيعي وهما مدلسان اهـ. قوله: (وَالأَحاديث في فضله كثيرة) فمنها حديث عبد الله بن أبي أوفى قال قال ﷺ إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والأظلة لذكر الله تعالى أخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط البخاري وتعقبه الحافظ بأن عبد الجبار بن العلاء الذي أخرجه الحاكم من طريقه لم يخرج له البخاري ومع كون باقي رجاله بعده أي سفيان بن عيينة عن مسعر عن إبراهيم السكسكي عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄ ثقات فهو معلول لأن ابن المبارك رواه عن مسعر عن السكسكي قال حدثنا بعض أصحابنا عن أبي الدرداء فذكره موقوفًا من قوله وقد اعترف الحاكم بهذه العلة قال إلَّا أنها لا تؤثر اهـ. قال الحافظ وقد وجدت من حديث ابن أبي أوفى شاهدًا من حديث أنس مرفوعًا لو أقسمت لبررت إن أحب عباد الله إلى الله الذين يراعون الشمس والقمر وإنهم ليعرفون يوم القيامة بطول أعناقهم يعني المؤذنين كذا في الأصل قال حديث غريب أخرجه الطبراني انفرد به عن أنس الحارث بن النعمان وهو ابن أخت سعيد بن جبير اختلف فيه اهـ.: (علي أربعَةِ أَوجهٍ) بقي وجه خامس جرى عليه المصنف في نكت التنبيه واعتمده ابن الرفعة والقمولي وغيرهما هو أن مجموع الأذان والإقامة أفضل لكن قال أبو زرعة ظاهر كلام الجمهور إن التفضيل بين الأذان والإمامة وحدهما اهـ. قوله: (الأَصَحُّ أَن الأَذَانَ أَفضلُ) وهذا الذي رجحه المصنف في كتبه ونقله عن نص الأم وأكثر الأصحاب قال المحاملي وهو مذهب الشافعي وعامة أصحابنا اهـ، وذلك لأنه علامة على الوقت فإنه أكثر نفعا منها ولقوله تعالى: (﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت: ٣٣] قالت عائشة نزلت في المؤذنين قيل وفيه نظر وإن وافقها على ذلك عكرمة لقول كثيرين منهم ابن عباس أنه النبي ﷺ وفي رواية عنه أنه أبو بكر وفي أخرى عنه أنصاره وأصحابه ومما يرد الأول أن السورة مكية والأذان مدني وأيضًا فالأحسنية إنما جاءت من مجموع الدعاء إلى الله وما بعده

стр. 483

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وخبر البخاري السابق لو يعلم الناس إلخ، وخبر أحمد لو يعلم الناس ما لهم في التأذين لتضاربوا عليه بالسيوف ولخبر الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين لكنه ضعيف نعم في رواية صححها ابن حبان والعقيلي وإن أعلها ابن المديني وقال أحمد ليس لها أصل فقد صححها من المتأخرين الضياء وغيره: الأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء فأرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين وضمانهم لنحو الإسرار بالقراءة وللدعاء بأن يعم القول أو لتحمل القراءة عن المسبوق أو لسقوط فرض الكفاية بفعلهم أقوال والأمانة أعلى من الضمان إذ الأمين متطوع بعمله والضامن ملزم به قال الرافعي والدعاء بالمغفرة أعلى من الدعاء بالإرشاد ووجه قول الماوردي دعا للإمام بالإرشاد خوف زيغه وللمؤذن بالمغفرة لعلمه بسلامة حاله وقول البحر الإرشاد سبب المغفرة وسبب الشيء دونه وقول بعضهم الدعاء بالإرشاد إنما يكون بما فهي خطر لأن المعنى أرشدهم لما كلفوه واغفر للمؤذنين ما عسى أن يكون من تفريط اهـ. وفي حاشية السيوطي على سنن أبي داود وزاد البيهقي بعد واغفر للمؤذنين فقال رجل يا رسول الله لقد تركتنا ونحن نتنافس الأذان بعدك زمانًا فقال إن بعدكم زمانًا شغلتهم مؤذنهم أورده البيهقي من طريق أبي حمزة السكري عن الأعمش اهـ، وبأن المؤذن له مثل أجر من صلى بأذانه لأنه دعاه لذلك. واستشكل ترجيح المصنف أفضلية الأذان مع كونه سنة على الإمامة والجماعة فرض كفاية. وأجيب بأنه كرد السلام مع ابتدائه على أن موجبه الإمامة ليس من جهة الجماعة بل من جهة خصوص ما فيها من الضمان وكونها مظنة التقصير قال الشافعي أحب الأذان لحديث اللهم اغفر للمؤذنين وأكره الإمامة للضمان وكما صح مع اختلاف الجهة الحكم بالفرضية والكراهة صح معها تفضيل المندوب على فرض الكفاية على أن الجماعة قدر مشترك بين الإمام والمأموم إن نواها وإلا حصلت بنية المأموم وحده بخلاف نية الإمام وحده فنيته محصلة لثواب الجماعة من غير أن يتوقف عليها ومن ثم لم يشترط مقارنتها للتحريم فلم تكن الإمامة وحدها فرضًا ولم يحصل تفضيل نفل على فرض وأيضًا فالأذان عبادة مستقلة والجماعة صفة وتفضيل الفرض على النفل إنما هو في صفتين أو مستقلتين أما صفة ومستقلة فقد يختلف أو في متحدى الجنس فمع اختلافهما قد يختلف ويبعد أن يفضل بعض رذائل الصنائع

стр. 484

والثاني: الإمامة، والثالث: هما سواء، والرابع: إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة واستجمع خصالها فهي أفضل، وإلا فالأذان أفضل. ــ لكونه فرض كفاية على تطوع الصلاة وإن سلم لما فيه من الخروج عن الإثم ففي فضل تطوع الصلاة ما يجبر ذلك أو يزيد عليه ذكره وما قبله السبكي. قوله: (والثاني الإمامة) أي أفضل من الأذان سواء قام بحقوقها أو لا كما أن الأذان عند المصنف أفضل منها سواء قام بحقوقها أو لا وتقييد بعضهم ترجيحه الإمامة بمن قام بحقوقها ليس في محله لأن التفضيل وجه آخر وقول الشافعي فإن فعل أي قام بحقوقها رجوت أن يكون أحسن حالًا من غيره لا يشهد للتقييد ولا لما قال الرافعي بل للوجه المفصل الذي حكاه المصنف هنا آخرا على أن قوله من غيره مقيد بغير الأذان لما مر عن الأم إن الأذان أفضل من الإمامة. واستدل من فضلها بمواظبة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين بعده عليها دون الأذان وأجيب بأن ذلك لاشتغالهم بمهمات الدين التي لا يقوم غيرهم فيها مقامهم ولذا صح عن عمر ﵁ لو كنت أطيق مع الخليفي لأذنت والخليفي بكسر الخاء المعجمة وتشديد اللام مصدر ولا نظر إلى كونه ﷺ كان يتفرغ في بعض الأوقات لأنه لو أذن ﷺ واظب عليه لأن عمله كان ديمة ومداومته تقتضي وجوب الإجابة خلافًا لمن نازع فيه ولأن تعاطي غيره للأذان أفخم لشأنه كما بينه السهيلي ولأنه ﷺ لو أذن لوجب حضور الجماعة بالاعتبار الذي قدمناه على أن الأصل في الأمر الوجوب قال في شرح العباب ورد الأسنوي لهذا بأن النبي ﷺ أذن في بعض أسفاره كما في المجموع عن الترمذي بإسناد جيد فيه نظر لما مر أن معنى أذن أمر بالأذان، قلت تقدم نقلًا عن التوشيح أنه جاء في رواية صريحة غير قابلة للتأويل أنه ﷺ أذن وعلى ذلك فالجماعة الذين أذن لهم كانوا حاضرين معه فلا دلالة فيه على رد ذلك وبأنها أشق من الأذان ويجاب بأن غير الأشق قد يفضل الأشق على أنا لا نسلم أنها أشق منه وبحديث الصحيحين ليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم ويجاب بأن هذا الخبر معارض بخبر أبي داود وابن ماجة ليؤذن لكم خياركم وليؤمكم أقرؤكم وبأنه لا يحتاج في صحته إلى كثير شروط ومزيد تبصر فطلب من كل أحد

стр. 485

باب صفة الأذان اعلم أن ألفاظه مشهورة، ــ بخلافها فطلبت من الأكبر قال الإمام الشافعي ولأن أظهر الأغراض منه الدعاء للجماعة ومنها القيام بها والقيام بالشيء أفضل من الدعاء إليه قال بعض المحققين والحق إن أدلة الفريقين قريبة من التكافؤ وأن المنقول من كلام الشافعي وأكثر الأصحاب ترجيح الأذان ومما يرجحه ورود ثواب فيه لم يرد في الإمامة وأفتى البلقيني بأن الرئيس الذي يراعي نحو الشمس والنجوم والأظلة لذكر الله تعالى وينصب محاريب المسلمين أفضل من المؤذن الذي يجهل ذلك من حيث أنه قائم بفرض والمؤذن قائم بسنة وهو أفضل منه من حيث القيام بالشعار وفضيلة الأذكار اهـ. باب صفة الأذان قوله: (علَمْ أَن أَلفاظَهُ مشهورَةٌ) قال القاضي عياض في الإكمال اعلم أن الأذان كلمات جامعة لعقيدة الإيمان ومشتملة على نوعيه من العقليات والسمعيات فابتدأ بإثبات الذات بقوله الله وما يستحق من الكمالات والتنزيه عن أضدادها متضمنة بحث قوله الله أكبر فإن هذه اللفظة مع قلة حروفها واختصار صيغتها مشعرة بما قلناه لمتأمله. قلت قال ابن حجر في شرح المشكاة وللاعتناء بشأن هذا المقام الأكبر كرر الدال عليه أربعًا إشعارًا بعظيم رفعته وكأن حكمة خصوص الأربع أن القصد بهذا التكرير تطهير شهود النفس بشهود ذلك عن شهواتها الناشئة عن طبائعها الأربع الناشئة عن أخلاطها الأربع وفي شرح العباب له وكان حكمة الأربع أن الطبائع أربع لكل منها كمال ونقص يخصه بإزاء كل منها كلمة من تلك ليزيد في كمالها ويطهر نقصها وكذا يقال بذلك في كل محل ورد فيه التربيع اهـ. قال القاضي ثم صرح بإثبات الوحدانية والألوهية ونفي ضدها من الشركة المستحيلة في حقه وهذه عمدة الإيمان والتوحيد المتقدمة على سائر وظائف الدين ثم جاء بإثبات النبوة لنبينا محمد ﷺ ورسالته إلى هداية الخلق أجمعين ودعائه إلى الله تعالى إذ هي ثابتة بالشهادتين وموضعها بعد التوحيد لأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع وتلك المقدمات التي قبلها من باب الواجبات وهنا كمل تراجم العقائد العقليات فيما يجب ويستحيل ويجوز في

стр. 486

والترجيع عندنا سُنَّةٌ، وهو أنه إذا قال بعالي صوته: ــ حقه تعالى ثم دعا إلى ما دعاهم إليه من العبادات فصرح بالصلاة ثم رتبها بعد إثبات النبوة إذ معرفة وجوبها من جهته ﷺ لا من جهة العقل زاد غير القاضي ثم أشار إلى بقية الفروع إجمالًا تعذر تفصيلها ولئلا يشذ عن الأذان شيء كما لم يشذ من العقائد عنه شيء فقال حي على الفلاح وقال القاضي عياض هو البقاء في النعيم وفيه الإشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء وهي آخر تراجم العقائد الإسلامية ثم كرر التكبير آخره إشارة إلى الاعتناء السابق لأن هذا المقام هو الأصل المبني عليه جميع ما تقرر من العقائد والقواعد وختم ذلك بكلمة التوحيد إشارة للتوحيد المحض ومن ثم كانت مرة فقط وسقط منها لفظ أشهد قصدًا لسرعة الانتقال إلى ذلك وكان آخره اسم الله ليطابق البداءة به إشارة إلى أنه الأول والآخر في كل شيء قال القاضي ثم كرر ذلك عند إقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها وفي ذلك تأكيد الإيمان وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان ليدخل المصلي فيها على بينة من أمره وبصيرة من إيمانه ويستشعر عظيم ما دخل فيه وعظيم حق من عبده وجزيل ثوابه على عباده اهـ. قال في شرح العباب وكرر ذلك مكررًا أهمه فقط في الصلاة قصد التأكيد الإيمان إلخ. قوله: (وَالترجيع عِنْدَنَا سُنَّة) لخبر مسلم عن أبي محذورة أنه ﷺ علمه الأذان كذلك ورواه أبو داود والنسائي وفي التمهيد لابن عبد البر واتفق مالك والشافعي على الترجيع في الأذان وقال أبو حنيفة وأصحابه لا ترجيع في الأذان اهـ. وفي شرح الهداية لابن الهمام ويرجح عدم الترجيع بأن حديث عبد الله بن زيد هو الأصل في الأذان وليس فيه ترجيع اهـ. وقال البيهقي اتفاق أبي محذورة وأولاده في حرم الله تعالى وسعد القرظ في حرم رسول الله ﷺ على إثبات الترجيع وإفراد الإقامة مع توافر الصحابة فمن بعدهم مؤذن بضعف ما سواه اهـ. بمعناه وفي قول إن الترجيع ركن لا يصح الأذان إلَّا به حكاه المصنف في شرح مسلم ورد بحذفه من أحاديث صحيحة مع عدم إخلال حذفه بالإعلام المشروع له الأذان وحكمته تدبر كلمتي الإخلاص لكونهما المنجيتين من الكفر المدخلتين في الإسلام وتدبر هذا الفضل العظيم من ظهورهما بعد مزيد خفائهما في أول الإسلام وظاهر كلامه إن الترجيع اسم لمجموع السر والجهر وهو ظاهر

стр. 487

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، قال سرًّا بحيث يُسمِع نفسه ــ كلام الروضة وأصلها لكن في التحقيق والمجموع والدقائق والتحرير أنه اسم للأول وصوبه الأذرعي وجرى عليه صاحب العباب وفي شرح مسلم أنه اسم للثاني قال في شرح العباب وفي نص ما يشهد له ومال إليه الزركشي وسمي بذلك لأنه رجع إلى الرفع بعد تركه أو إلى الشهادتين بعد ذكرهما وبين المصنف المراد بالأسرار قال في العباب فإن جهر بالأولين أسر بالآخرين قال شارحه هو ما بحثه الزركشي ثم قال أنه راه نص عليه في الأم وما ذكره من النص لا يشهد لما قاله وعلى التنزل فهو إنما يأتي على أن الترجيع اسم لهما أو للثاني الذي مال هو إليه لأنه لم يفت وقته أما على المعتمد للأسرار فلا لأنه بالجهر فوت سنة الترجيع فلا يأتي بعد الشهادتين اللتين جهر بهما بشيء لفوات وقت الترجيع بفوات محله اهـ، باختصار. قوله: (الله أَكبر الله أَكبر) قال المصنف في المجموع قال البندنيجي وصاحب البيان ويستحب وقوف المؤذن على آخر الكلمات قال الهروي وعوام الناس يقولون الله أكبر بضم الراء وكان المبرد يفتح الراء من أكبر الأولى ويسكن الثانية قال لأن الإتيان روي موقوفًا كقوله حي على الصلاة حي على الصلاة فكان الأصل أن يقول الله أكبر الله أكبر بإسكان الراء فحولت فتحة الألف من اسم الله في اللفظة الثانية إلى الراء قبلها ففتحت كقوله تعالى (الم (١) اللَّهُ لَا إلَهَ إِلا هُوَ) [آل عمران: ١، ٢] قال صاحب التتمة يجمع كل تكبيرتين بصوت لأنه خفيف انتهت عبارة المجموع وقد بين هذا المقام وأطنب فيه ابن حجر في شرح العباب بما لم يوجد مجموعًا لغيره في كتاب فلذا أحببت نقله برمته وإن كان فيه طول لعموم نفعه وجزيل عائدته. قال بعد نقل كلام المجموع وهو ظاهر في اعتماد الأول لتقديمه وتقدير علته وهو أنه روي موقوفًا على أن ما بعده لا ينافيه كما هو ظاهر لأنه بيان لما هو الجائز أو الأفصح عند إرادة ترك السنة التي هي الوقف ولا ينافيه أيضًا ما ذكره عن صاحب التتمة لأنه لا يلزم من القرآن تحريك الراء الأولى بل يوجد مع الوقف عليها بسكتة لطيفة وبهذا يعلم أن لقول المبرد وجهًا وجيهًا ومن ثم وافقه ابن الأنباري وجماعة وإن قول ابن هشام في المغني نقل عن المبرد وجمع إن حركة الراء فتحة وأنه وصل بنية الوقف ثم

стр. 488

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قيل هي حركة الساكنين وقيل حركة الراء نقلت وكل هذا خروج عن الظاهر لغير داعٍ والصواب إن حركة الراء إعرابية وليس لهمزة الوصل

стр. 489

ومن بقربه: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. ثم يعود إلى الجهر وإعلاء الصوت، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. والتثويب أيضًا مسنون عندنا، وهو أن يقول في أذان الصبح خاصة بعد فراغه ــ ثبوت في الدرج فتنقل حركتها اهـ. وقول شيخنا زكريا تبعًا لكلام الهروي وهو القياس وما علل به المبرد ممنوع إذ الوقف ليس على أكبر الأولى وليس هو مثل الميم من الم كما لا يخفى اهـ، ممنوع وإن قال ابن دحية ما قاله المبرد خطأ عند البصريين وقال في الخادم إن المبرد نوزع في ذلك وذلك لما علمت أنه يسن الوقف على أكبر الأول أيضًا فيرجع الفتح لذلك وإن سلمنا أنه ليس مثل ميم من حيث أنه مبني قياسه الفتح لأنه أخف وأكبر معرب مرفوع لأن طلب الوقف على أكبر الأول صيره كالساكن أصالة فحرك بالفتح لالتقاء الساكنين فالحركة لالتقائهما بالاعتبار وبه اندفع تخطئة ابني دحية وهشام السابقة لأنهما بنياها على هذا المنفي وكأن من قال لو وصل كلمات الأذان لم يجز غير الفتح وعلله بما ذكره المبرد نظر إلى ما ذكرته من ذلك الاعتبار لكن نفيه الجواز غريب بعيد وظهر أن لما نقله الزركشي من جواز الكسر أيضًا وجها وإنما اختير الفتح عليه حفظا لتفخيم اللام وإن قوله يجوز الإسكان بسكتة لطيفة فيه نظر لما تقرر أن الإسكان بذلك سنة وإن قوله في أحكام المساجد كل من الرفع والفتح غلط هو الغلط اللهم إلَّا أن يكون مراده إن كلا منهما غلط من حيث مخالفته للسنة ثم رأيت بعض المحققين من المتكلمين على المغني صرح بما ذكرته فقال ردًّا عليه بل هو خروج عن الظاهر لداع صحيح إذ الأذان لم يسمع إلّا موقوفًا قال النخعي الأذان جزم ففي نقل الحركة إيذان بأنه واقف حكمًا ولولا ذلك لما نقل وإنما فعله حرصًا على عدم الخروج بالكلية عن السنة في الأذان من إيراد كلماته موقوفًا على أواخرها فهو إن لم يقف حسًّا فقد وقف حكمًا من جهة أنه اعتبر آخر الكلمة ساكنًا لأجل الوقف ثم نقل إليها حركة الهمزة ووصل مع نية الوقف ولو ضم الراء بالحركة الإعرابية كما استصوبه المصنف كان غير واقف لا حسًّا ولا حكمًا فخرج عن سنة الأذان بالكلية فبان إن ثم غرضًا صحيحًا وداعيًا مقبولًا إلى ارتكاب ذلك واحتجاج المصنف بأن همزة الوصل لا ثبوت لها في الدرج لا يفيد إذا فرضنا إن الناقل حركتها إلى الراء واقف حكمًا لا وصلًا فلهمزة الوصل ثبوت إذ الدرج مفقود حكمًا فتأمله اهـ. فإن قلت لا نسلم أن الوقف على أكبر الأولى سنة وكلام المجموع لا يدل لذلك لأنه إنما ذكر الوقف على آخر كلمات الأذان والآخر في كلمتي التكبير هو الثانية ونقله ما مر عن الهروي والمبرد ليس معارضًا لما قبله لأنه في أواخر الكلمات وما قالاه في الراء الأولى وليست من الآخر وحينئذٍ فليس معنى الوقف فيها إلا قوليهما والأرجح منه كلام الهروي لأن كلام المبرد مبني على أن الوقف على الراء وقد تقرر أنه لا وقف عليها. قلت هذا كله ممكن إلَّا أنه صريح عبارة المجموع السابقة فتأملها ثم رأيت القمولي وغيره فهموا من عبارة المجموع ما ذكرته فقالوا يسن الوقف على آخر كلمات الأذان وقال الهروي إلى آخر ما مر فجعلوا كلام الهروي والمبرد مقابلًا لندب الوقوف على الآخر الشامل لا كبر الأول ثم قضية علة المبرد أن الأولى في الإقامة الضم لأنه ليس الأصل فيها الوقف أي لأنه يسن إدراج كلماته كما سيأتي انتهى برمته والله أعلم. قوله: (ومَنْ بِقُرْبِهِ) أي عرفًا أو يسمعه أهل المسجد الذي هو واقف عليه المعتدل الخطة بكسر الخاء المعجمة أي المتوسطها. قوله: (والتَّثويبَ سنة عِنْدَنا) هو بالمثلثة ويقال التثويب من ثاب إذا رجع لأن المؤذن دعا إلى الصلاة بالحيعلتين ثم عاد فدعا إليها بذلك. فإن قلت إذا كان كل من الحيعلات فيه دعاء إلى الصلاة فهو بالتثويب مستمر في الدعاء إليها لا عائد إليه. قلت هو عائد إلى الدعاء إليها بخصوصها بعد أن دعا إليها وإلى غيرها بقوله حي على الفلاح فهو أولًا دعا إلى الخصوص بحي على الصلاة ثم إلى العموم بحي على الفلاح ثم عاد إلى الدعاء بالخصوص بقوله الصلاة خير من النوم وقيل أصل التثويب أن يجيء الرجل مستصرخًا فيلوح بثوبه ليرى ويشتهر فسمي الدعاء إلى الصلاة تثويبًا لذلك وكل داع مثوب ودليل استحبابه ذكره في أذان الصبح في حديث أبي محذورة رواه أبو داود وفي التمهيد وروي عنه ﷺ أيضًا من حديث عبد الله بن زيد ورواه ابن خزيمة عن أنس بلفظ من السنة

стр. 490

من حيَّ على الفلاح: ــ إذا قال المؤذن في أذان الفجر حي على الفلاح قال الصلاة خير من النوم وقول الصحابي من السنة كذا حكمه حكم المرفوع على الأصح وسيأتي لهذا مزيد عند قول المصنف وقد جاءت الأحاديث بالتثويب والترجيع وفي التمهيد اختلفوا في التثويب لصلاة الصبح فقال مالك والثوري والليث يثوب وهو قول الشافعي بالعراق وقال بمصر لا يقول ذلك وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يثوب في نفس الأذان ويثوب بعده إن شاء وروي عنه جوازه في الأذان وعليه عمل الناس اهـ، وسكت شارح الحصين مع كونه حنفيا على قوله في الأصل ويزاد في أذان الصبح الصلاة خير من النوم وقال قال ابن الهمام روى ابن ماجة عن سعيد بن المسيب عن بلال أنه أتى النبي ﷺ يؤذنه بصلاة الفجر فقيل له هو نائم فقال الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم مرتين فأقرت في تأذين الفجر وابن المسيب لم يدرك بلالا فهو منقطع وهو حجة عندنا بعد عدالة الرواة وثقتهم على أنه روي في حديث أبي محذورة اهـ، وخص التثويب بالصبح لما يعرض للنائم من التكاسل بسبب النوم والصحيح أن التثويب في أذانيه كما صرح به في التحقيق ونقله في المجموع عن كلام الأصحاب ويمكن حمل عبارته هنا على ذلك لأن المفرد المضاف للعموم وقال البغوي وأقره في الروضة ورجحه في الشرح الصغير والسبكي وغيره إن ثوب في الأول لا يثوب في الثاني وضعفه بعض المتأخرين ويثوب في أذان الفائت أيضًا كما صرح به ابن عجيل اليمني وأقره الزركشي وأبو زرعة وغيرهما نظرًا إلى أصله قيل التثويب هو المحفوظ من فعل بلا ولم ينقل إن ابن أم مكتوم كان يقوله وخرج بأذان الصبح غيره فيكره لقوله ﷺ من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد رواه الشيخان وفي حديث ضعيف عن بلال أمرني ﷺ إن أثوب في الفجر ونهى إن أثوب في العشاء وفي رواية لا يثوب إلَّا في صلاة الصبح وهو ضعيف ومرسل كما في الخلاصة للمصنف. قوله: (من حَيَّ عَلَى الفَلاح) أي يأتي بالتثويب بعد فراغه من هذا القول قال الأبي في شرح مسلم حي اسم فعل بمعنى هلم وأقبل ومنه قول ابن مسعود إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر أي اقبل وهلم بذكره قال ابن الأنباري وفتحت فيه الهاء لسكونها مع الياء التي قبلها كليت اهـ. وقال الأزهري معنى حي هلم وعجل قال البعلي وقد يتركب حي مع هلا

стр. 491

الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم. ــ ومع علا فيقال حيْهلا وحيعلا وفيهما عدة أوجه نظمها شيخنا أبو محمد بن مالك في هذا البيت: حيهل حيهل احفظ ثم حيهلا ... أو نون أو حيهل ثم حي علا وهي كلمة استعجال قال لبيد: يتمارى في الذي قلت له ... ولقد يسمع قولي حيهلا اهـ: وبقي عليه لغتان هما حيهلا بسكون الهاء والتنوين وحيهلا كذلك بألف من غير تنوين لإرادة التنكير وإسكان الهاء كراهة اجتماع الحركات وهذه اللغات السبع حسماها صاحب البسيط وقال ذهب أبو علي إلى أن في كل واحد منهما ضميرًا واحدًا لأنهما صار بمنزلة الكلمة الواحدة وجاء متعديًا بنفسه كحيهلا الثريد أي ائته أو احضره أو أقر به وبالباء كحيهلا بعمر أي ائت به وبإلى كحيهلا إلى كذا أي سارع وبادر إليه وبعلى كحيهلا على كذا أي أقبل عليه وقال ابن يعيش في شرح المفصل حيهلا من أسماء الأفعال مركب من حي وهل وهما صوتان معناهما الحث والاستعجال وجمع بينهما وبنى للمبالغة وكان الوجه ألا ينصرف كحضرموت إلَّا أنه وقع موقع فعل الأمر فبنى كصه ومه ويستعمل حي وحده نحو حي على الفلاح وهلا وحدها واستعمال حي وحدها أكثر من استعمال هلا وحده اهـ، والفلاح هو الفوز ومنه حديث استفلحي برأيك أي فوزي وقيل البقاء ومنه. لكل هم من الهموم سعه ... والمسى والصبح لا فلاح معه وقال في المطلع نقلًا عن الأزهري الفلاح الفوز بالبقاء والخلود في النعيم المقيم ويقال للفائز مفلح ولكل من أصاب خيرًا مفلح قال بعضهم ليس في كلام العرب كلمة أجمع للخير من الفلاح قال الأبي وعدي حي بعلى لأن أقبل يتعدى بها ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَأَقبَلُوا عليهم﴾ [يوسف: ٧١]. قوله: (الصلاةُ خير مِنَ النَّوْمِ) قال في المستعذب معناه اليقظة للصلاة وقيل الراحة التي يعتاضون بها يوم القيامة من شدة فرط قيام الليل ومكابدته خير من راحة النوم الذي هو الموت وقيل المعنى الخير في الصلاة لا في النوم اهـ. وقال بعضهم أقرب من هذا أن المراد صلاة الصبح التي شرع فيها التثويب فاللام فيها للعهد أي الصلاة التي دعيتم الآن لها خير من النوم عنها لأن الصلاة غنيمة وفي النوم سلامة فليست الخيرية منتفية عن النوم إذ السلامة

стр. 492

وقد جاءت الأحاديث بالترجيع والتثويب، وهي مشهورة. واعلم أنه لو ترك الترجيع والتثويب ــ خير كثير لكن الغنيمة من حيث اشتمالها عليها، إذ لا غنيمة إلَّا بعد السلامة، خير منه فالتفضيل هنا على بابه نعم قد يقال إنما شرع التثويب خطابًا للمتيقظ حينئذٍ إما بالأذان أو غيره بأن لا ينام عن الصلاة بعد سماع مناديها فيعرضها للفوات وربما عصى به وذلك بأن يكون استيقاظه بعد طول الفجر ثم ينام ولا يغلب على ظنه استيقاظ فنومه حينئذٍ لا خير فيه أصلًا لأنه عاصٍ به اهـ. قوله: (وَقدْ جاءَتِ الأَحادِيث فِي التَّرجيعِ وَالتَّثويب إلخ) قال الحافظ أما الترجيع فثبت فيه حديث أبي محذورة وجاء من وجه غريب عن سعد القرظ فعن أبي محذورة أن رسول الله ﷺ أمر نحوًا من عشرين رجلًا أن يؤذنوا فأعجبه صوت أبي محذورة فعلمه الأذان الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلَّا الله أشهد أن لا إله إلَّا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن لا إله إلَّا الله أشهد أن لا إله إلَّا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله قال الحافظ بعد تخريجه حديث صحيح أخرجه أبو داود وأخرجه الترمذي والنسائي والطحاوي وابن خزيمة ومن طريق آخر عن أبي محذورة قال قلت علمني سنة الأذان قال فمسح برأسي فقال تقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلَّا الله أشهد أن لا إله إلَّا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله تخفض بها صوتك ثم ترفع صوتك أشهد أن لا إله إلّا الله أشهد أن لا إله إلَّا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله فذكر بقيته وزاد فإذا كان أذان صلاة الصبح قلت الصلاة خير من النوم مرتين قال الحافظ أخرجه أبو داود وأخرج الحافظ من طريق الطبراني عن أبي محذورة قال كنت أؤذن للنبي ﷺ فأقول في أذان الفجر إذا قلت حي على الفلاح الصلاة خير من النوم مرتين قال الحافظ حديث حسن أخرجه النسائي وأخرج الحافظ عن أنس قال من السنة أن يقول المؤذن إذا قال حي على الفلاح في أذان الفجر الصلاة خير من النوم وقال حديث صحيح أخرجه الدارقطني وعن ابن المسيب عن بلال أنه أتى النبي ﷺ يؤذنه بالصلاة فقيل إنه نائم فنادى الصلاة خير من النوم فأقرت في صلاة الفجر حديث حسن أخرجه ابن ماجة ورجاله رجال الصحيح

стр. 493

صحَّ أذانه وكان تاركًا للأفضل، ولا يصحُّ أذان من لا يميز، ولا المرأةِ، ولا الكافر، ويصحُّ أذان الصبي المميز، وإذا أذن الكافر وأتى بالشهادتين كان ذلك إسلامًا على المذهب الصحيح المختار، وقال بعض أصحابنا: لا يكون إسلامًا، ولا خلاف أنه لا يصحُّ أذانه، لأن أوَّله كان قبل الحكم بإسلامه، وفي الباب فروع كثيرة مقررة في كتب الفقه ليس هذا موضع إيرادها. ــ لكن اختلف على الزهري في سنده وسعيد لم يسمع من بلال وقد أخرجه أحمد من وجه آخر عن ابن المسيب مرسلًا اهـ. قوله: (صح أذانه) أي لأصح أعلى وإلا فقد سبق حكاية المصنف لقول أنه ركن. قوله: (وَلا يصح أَذَانُ مَنْ لَا يميِّز) أي كمجنون ومغمى عليه وصبي قبل التمييز لعدم تأهله للعبادة نعم يصح أذان السكران أوائل نشوته لانتظام قصده وفعله. قوله: (وَلَا المرأَةَ) ومثلها الخنثى فلا يصح أذانهما للرجال أو الخناثى كما لا يصح إمامتهما لهما ولا فرق بين المحارم وغيرهم كما اقتضاه كلام الشيخين وغيرهما خلافًا لما أشار إليه الأسنوي نعم إن بانت ذكورة الخنثى عقب أذانه فالوجه إجزاؤه أما أذانها للنساء فيجوز بلا كراهة كما في الروضة لكن لا يثاب عليه ثواب الأذان لكونه غير مطلوب منها بل ثواب التمجيد فإن جهرت فوق أسماع النساء حرم وهل تثاب معه لاختلاف الجهة أو لا محل نظر والأقرب كما في شرح العباب الأول كالصلاة في المغصوب قال في العباب وغيره والخنثى كالأنثى نعم لا تقيم المرأة له كما هو ظافر لاحتمال كونه رجلًا ولا يصح أذانه لمثله ولا للنساء لحرمة نظر الفريقين إليه وسيأتي لهذا مزيد في فصل آخر الباب. قوله: (ويصح أَذان المميزِ) أي ويتأدى بأذانه وإقامته الشعار وإن لم يقبل خبره بدخول الوقت وما في المجموع عن الجمهور من قبول خبره فيما طريقه المشاهدة دون الأخبار كرؤية النجاسة ضعيف كما ذكره هو في باب الشك في نجاسة الماء قال الأسنوي الأصح عند الأصوليين والمحدثين والفقهاء أنه لا يقبل خبره إلّا فيما احتفت به قرينة كالإذن في دخول الدار وإيصال الهدية والإخبار بطلب ذي وليمة عرس له فيلزمه إجابته إن وقع في قلبه صدقه. قوله: (وأَتَى بالشهادَتَينِ) أي مع الإيمان بالقلب. قوله: (كأن ذلك) أي الإتيان بالشهادتين باللسان مع التصديق القلبي بالجنان

стр. 494

باب صفة الإقامة المذهب الصحيح المختار الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة أن الإقامة إحدى عشرة كلمة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. ــ إسلامًا لنطقه بهما اختيارًا ولا نظر لاحتمال الحكاية وفي المجموع لغير العيسوي في نطقه بالشهادتين ثلاثة أحوال أحدها أن يقول سمعت الناس تقولهما فقلتهما حكاية فلا يصير مسلمًا قطعًا الثاني أن يقولهما بعد أن يؤمر بهما فيصير مسلمًا قطعًا الثالث أن يقولهما ابتداءً لا بحكاية ولا باستدعاء والأصح أنه يصير مسلمًا والكلام فيمن كفر بنفي التوحيد لما في الردة أن المشبه لا يسلم بالشهادتين حتى يعلم أن محمدًا جاء بنفي التشبيه وكذا من يزعم قدم شيء مع الله تعالى وكذا الوثني حتى يتبرأ من أن الوثن يقربه إلى الله ومحل الخلاف في غير العيسوي والعيسوية فرقة من اليهود تنسب إلى أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصبهاني كان في خلافة المنصور يعتقد إن محمدًا رسول الله إلى العرب خاصة فلا يحكم بإسلامه بذلك لأنه يدّعي الاختصاص بل لا بد من أن يقول وأن محمدًا رسول الله إلى جميع الخلق، ولا نظر إلى أنه يلزم العيسوي أن محمدًا ﷺ رسول إلى الناس كافة إذ النبي لا يكذب بإجماع أهل الملل، لأنه إما أن ينكر إخباره بذلك أو حقيقته وإن أخبر به فيكون كفره بتكذيبه له، فاندفع بنظير الزركشي في عدم إسلامه نظرًا إلى أنه يلزم من اعتقاده رسالته إلى العرب اعتقاد رسالته إلى غيرهم لأن النبي لا يكذب اهـ، ومع الحكم بالإسلام للكافر يقيده السابق بالأذان فلا يصح أذانه لوقوع ابتدائه في الكفر والله أعلم. باب صفة الإقامة قوله: (المذهبُ الصحيحُ المختارُ الذي جاءَتْ بهِ الأحادِيث الصحيحةُ) قال الحافظ الذي في الصحيحين حديث أنس أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة وفي رواية إلَّا الإقامة وفي أخرى إلَّا قوله قد قامت الصلاة وأخرجه النسائي

стр. 495

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأبو عوانة في صحيحه بلفظ أمر رسول الله ﷺ بلالًا وجاء في غيرهما عن بلال وجابر وسعد القرظ وسلمة بن الأكوع وعبد الله بن زيد بن عبد ربه رائي الأذان وعبد الله بن عمر وأبي جحيفة وأبي رافع وأبي محذورة وأبي هريرة ﵁ في شيء منها تفضيل الإقامة إلّا في حديث عبد الله بن زيد وهو في أحد طريقيه عند أبي داود والترمذي ونقل عن البخاري أنه صححه وصححه محمد بن يحيى الذهلي وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والحاكم قال الحافظ وكأنهم صححوه لموافقته ما دل عليه حديث أنس في الصحيحين ومما صحح أيضًا في هذا الباب حديث ابن عمر صححه أبو عوانة من وجهين وهو عند أصحاب السنن وابن خزيمة أيضًا وابن حبان من أحد الوجهين ولفظه كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين والإقامة مرة مرة إلّا قوله قد قامت الصلاة وأما حديث بلال وسائر من ذكر بعده ففي إسناد كل منها مقال وهي عند الطبراني والدارقطني إلَّا حديث جابر فعنده في الأفراد وإلَّا حديث أبي رافع ففي ابن ماجة وقد اختلفت الرواية على عبد الله بن زيد في تثنية الإقامة وأخرج ابن خزيمة وأبو داود من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد ألفاظ الإقامة مرتين وأعله ابن خزيمة بالانقطاع والاضطراب أما الانقطاع فلأن عبد الرحمن لم يدرك عبد الله بن زيد لأنه استشهد باليمامة في خلافة الصديق وولد عبد الرحمن في خلافة عمر وأما الاضطراب فقيل عنه هكذا وقيل عنه عن معاذ وقيل عنه عن أصحابه وقيل عنه عن أصحاب محمد ﷺ واختلفت الرواية أيضًا عن أبي محذورة وأشهرها عنه الأذان بالترجيع والإقامة مرتين أخرجها أحمد وابن خزيمة وأصحاب السنن فذكروا فيها الإقامة كالأذان سواء لكن بغير ترجيع وزيادة قد قامت الصلاة مرتين واختصره بعضهم بلفظ علمني الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة ودعاء تشفيع الإقامة عن أبي جحيفة أيضًا عند الطبراني قال الحافظ وقد اختلف العلماء في الجمع بين هذه الإخبار فمنهم من رجح إفراد لفظ الإقامة ومنهم من رجح شفعها فمن حجة الأول كثرتها وأصحيتها ومن حجة الثاني تأخير قصة أبي محذورة عن قصة عبد الله بن زيد لأن رؤيا ابن زيد الأذان كانت في أوائل الهجرة إلى المدينة وتعليم أبي محذورة كان في أواخر الثامنة لما رجع النبي ﷺ من حنين ليكون ناسخًا وقد أجاب الإمام أحمد
следующие страницы →