Полный текст (2 732 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم.
ــ
ومع علا فيقال حيْهلا وحيعلا وفيهما عدة أوجه نظمها شيخنا أبو محمد بن مالك في هذا البيت:
حيهل حيهل احفظ ثم حيهلا ... أو نون أو حيهل ثم حي علا
وهي كلمة استعجال قال لبيد:
يتمارى في الذي قلت له ... ولقد يسمع قولي حيهلا
اهـ: وبقي عليه لغتان هما حيهلا بسكون الهاء والتنوين وحيهلا كذلك بألف من غير تنوين لإرادة التنكير وإسكان الهاء كراهة اجتماع الحركات وهذه اللغات السبع حسماها صاحب البسيط وقال ذهب أبو علي إلى أن في كل واحد منهما ضميرًا واحدًا لأنهما صار بمنزلة الكلمة الواحدة وجاء متعديًا بنفسه كحيهلا الثريد أي ائته أو احضره أو أقر به وبالباء كحيهلا بعمر أي ائت به وبإلى كحيهلا إلى كذا أي سارع وبادر إليه وبعلى كحيهلا على كذا أي أقبل عليه وقال ابن يعيش في شرح المفصل حيهلا من أسماء الأفعال مركب من حي وهل وهما صوتان معناهما الحث والاستعجال وجمع بينهما وبنى للمبالغة وكان الوجه ألا ينصرف كحضرموت إلَّا أنه وقع موقع فعل الأمر فبنى كصه ومه ويستعمل حي وحده نحو حي على الفلاح وهلا وحدها واستعمال حي وحدها أكثر من استعمال هلا وحده اهـ، والفلاح هو الفوز ومنه حديث استفلحي برأيك أي فوزي وقيل البقاء ومنه.
لكل هم من الهموم سعه ... والمسى والصبح لا فلاح معه
وقال في المطلع نقلًا عن الأزهري الفلاح الفوز بالبقاء والخلود في النعيم المقيم ويقال للفائز مفلح ولكل من أصاب خيرًا مفلح قال بعضهم ليس في كلام العرب كلمة أجمع للخير من الفلاح قال الأبي وعدي حي بعلى لأن أقبل يتعدى بها ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَأَقبَلُوا عليهم﴾ [يوسف: ٧١]. قوله: (الصلاةُ خير مِنَ النَّوْمِ) قال في المستعذب معناه اليقظة للصلاة وقيل الراحة التي يعتاضون بها يوم القيامة من شدة فرط قيام الليل ومكابدته خير من راحة النوم الذي هو الموت وقيل المعنى الخير في الصلاة لا في النوم اهـ. وقال بعضهم أقرب من هذا أن المراد صلاة الصبح التي شرع فيها التثويب فاللام فيها للعهد أي الصلاة التي دعيتم الآن لها خير من النوم عنها لأن الصلاة غنيمة وفي النوم سلامة فليست الخيرية منتفية عن النوم إذ السلامة
стр. 492
وقد جاءت الأحاديث بالترجيع والتثويب، وهي مشهورة.
واعلم أنه لو ترك الترجيع والتثويب
ــ
خير كثير لكن الغنيمة من حيث اشتمالها عليها، إذ لا غنيمة إلَّا بعد السلامة، خير منه فالتفضيل هنا على بابه نعم قد يقال إنما شرع التثويب خطابًا للمتيقظ حينئذٍ إما بالأذان أو غيره بأن لا ينام عن الصلاة بعد سماع مناديها فيعرضها للفوات وربما عصى به وذلك بأن يكون استيقاظه بعد طول الفجر ثم ينام ولا يغلب على ظنه استيقاظ فنومه حينئذٍ لا خير فيه أصلًا لأنه عاصٍ به اهـ.
قوله: (وَقدْ جاءَتِ الأَحادِيث فِي التَّرجيعِ وَالتَّثويب إلخ) قال الحافظ أما الترجيع فثبت فيه حديث أبي محذورة وجاء من وجه غريب عن سعد القرظ فعن أبي محذورة أن رسول الله ﷺ أمر نحوًا من عشرين رجلًا أن يؤذنوا فأعجبه صوت أبي محذورة فعلمه الأذان الله أكبر الله أكبر الله أكبر
الله أكبر أشهد أن لا إله إلَّا الله أشهد أن لا إله إلَّا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن لا إله إلَّا الله أشهد أن لا إله إلَّا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله قال الحافظ بعد تخريجه حديث صحيح أخرجه أبو داود وأخرجه الترمذي والنسائي والطحاوي وابن خزيمة ومن طريق آخر عن أبي محذورة قال قلت علمني سنة الأذان قال فمسح برأسي فقال تقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلَّا الله أشهد أن لا إله إلَّا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله تخفض بها صوتك ثم ترفع صوتك أشهد أن لا إله إلّا الله أشهد أن لا إله إلَّا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله فذكر بقيته وزاد فإذا كان أذان صلاة الصبح قلت الصلاة خير من النوم مرتين قال الحافظ أخرجه أبو داود وأخرج الحافظ من طريق الطبراني عن أبي محذورة قال كنت أؤذن للنبي ﷺ فأقول في أذان الفجر إذا قلت حي على الفلاح الصلاة خير من النوم مرتين قال الحافظ حديث حسن أخرجه النسائي وأخرج الحافظ عن أنس قال من السنة أن يقول المؤذن إذا قال حي على الفلاح في أذان الفجر الصلاة خير من النوم وقال حديث صحيح أخرجه الدارقطني وعن ابن المسيب عن بلال أنه أتى النبي ﷺ يؤذنه بالصلاة فقيل إنه نائم فنادى الصلاة خير من النوم فأقرت في صلاة الفجر حديث حسن أخرجه ابن ماجة ورجاله رجال الصحيح
стр. 493
صحَّ أذانه وكان تاركًا للأفضل، ولا يصحُّ أذان من لا يميز، ولا المرأةِ، ولا الكافر، ويصحُّ أذان الصبي المميز، وإذا أذن الكافر وأتى بالشهادتين كان ذلك إسلامًا على المذهب الصحيح المختار، وقال بعض أصحابنا: لا يكون إسلامًا، ولا
خلاف أنه لا يصحُّ أذانه، لأن أوَّله كان قبل الحكم بإسلامه، وفي الباب فروع كثيرة مقررة في كتب الفقه ليس هذا موضع إيرادها.
ــ
لكن اختلف على الزهري في سنده وسعيد لم يسمع من بلال وقد أخرجه أحمد من وجه آخر عن ابن المسيب مرسلًا اهـ. قوله: (صح أذانه) أي لأصح أعلى وإلا فقد سبق حكاية المصنف لقول أنه ركن. قوله: (وَلا يصح أَذَانُ مَنْ لَا يميِّز) أي كمجنون ومغمى عليه وصبي قبل التمييز لعدم تأهله للعبادة نعم يصح أذان السكران أوائل نشوته لانتظام قصده وفعله. قوله: (وَلَا المرأَةَ) ومثلها الخنثى فلا يصح أذانهما للرجال أو الخناثى كما لا يصح إمامتهما لهما ولا فرق بين المحارم وغيرهم كما اقتضاه كلام الشيخين وغيرهما خلافًا لما أشار إليه الأسنوي نعم إن بانت ذكورة الخنثى عقب أذانه فالوجه إجزاؤه أما أذانها للنساء فيجوز بلا كراهة كما في الروضة لكن لا يثاب عليه ثواب الأذان لكونه غير مطلوب منها بل ثواب التمجيد فإن جهرت فوق أسماع النساء حرم وهل تثاب معه لاختلاف الجهة أو لا محل نظر والأقرب كما في شرح العباب الأول كالصلاة في المغصوب قال في العباب وغيره والخنثى كالأنثى نعم لا تقيم المرأة له كما هو ظافر لاحتمال كونه رجلًا ولا يصح أذانه لمثله ولا للنساء لحرمة نظر الفريقين إليه وسيأتي لهذا مزيد في فصل آخر الباب. قوله: (ويصح أَذان المميزِ) أي ويتأدى بأذانه وإقامته الشعار وإن لم يقبل خبره بدخول الوقت وما في المجموع عن الجمهور من قبول خبره فيما طريقه المشاهدة دون الأخبار كرؤية النجاسة ضعيف كما ذكره هو في باب الشك في نجاسة الماء قال الأسنوي الأصح عند الأصوليين والمحدثين والفقهاء أنه لا يقبل خبره إلّا فيما احتفت به قرينة كالإذن في دخول الدار وإيصال الهدية والإخبار بطلب ذي وليمة عرس له فيلزمه إجابته إن وقع في قلبه صدقه. قوله: (وأَتَى بالشهادَتَينِ) أي مع الإيمان بالقلب. قوله: (كأن
ذلك) أي الإتيان بالشهادتين باللسان مع التصديق القلبي بالجنان
стр. 494
باب صفة الإقامة
المذهب الصحيح المختار الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة أن الإقامة إحدى عشرة
كلمة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
ــ
إسلامًا لنطقه بهما اختيارًا ولا نظر لاحتمال الحكاية وفي المجموع لغير العيسوي في نطقه بالشهادتين ثلاثة أحوال أحدها أن يقول سمعت الناس تقولهما فقلتهما حكاية فلا يصير مسلمًا قطعًا الثاني أن يقولهما بعد أن يؤمر بهما فيصير مسلمًا قطعًا الثالث أن يقولهما ابتداءً لا بحكاية ولا باستدعاء والأصح أنه يصير مسلمًا والكلام فيمن كفر بنفي التوحيد لما في الردة أن المشبه لا يسلم بالشهادتين حتى يعلم أن محمدًا جاء بنفي التشبيه وكذا من يزعم قدم شيء مع الله تعالى وكذا الوثني حتى يتبرأ من أن الوثن يقربه إلى الله ومحل الخلاف في غير العيسوي والعيسوية فرقة من اليهود تنسب إلى أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصبهاني كان في خلافة المنصور يعتقد إن محمدًا رسول الله إلى العرب خاصة فلا يحكم بإسلامه بذلك لأنه يدّعي الاختصاص بل لا بد من أن يقول وأن محمدًا رسول الله إلى جميع الخلق، ولا نظر إلى أنه يلزم العيسوي أن محمدًا ﷺ رسول إلى الناس كافة إذ النبي لا يكذب بإجماع أهل الملل، لأنه إما أن ينكر إخباره بذلك أو حقيقته وإن أخبر به فيكون كفره بتكذيبه له، فاندفع بنظير الزركشي في عدم إسلامه نظرًا إلى أنه يلزم من اعتقاده رسالته إلى العرب اعتقاد رسالته إلى غيرهم لأن النبي لا يكذب اهـ، ومع الحكم بالإسلام للكافر يقيده السابق بالأذان فلا يصح أذانه لوقوع ابتدائه في الكفر والله أعلم.
باب صفة الإقامة
قوله: (المذهبُ الصحيحُ المختارُ الذي جاءَتْ بهِ الأحادِيث الصحيحةُ) قال الحافظ الذي في الصحيحين حديث أنس أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة وفي رواية إلَّا الإقامة وفي أخرى إلَّا قوله قد قامت الصلاة وأخرجه النسائي
стр. 495
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأبو عوانة في صحيحه بلفظ أمر رسول الله ﷺ بلالًا وجاء في غيرهما عن بلال وجابر وسعد القرظ وسلمة بن الأكوع وعبد الله بن زيد بن عبد ربه رائي الأذان وعبد الله بن عمر وأبي جحيفة وأبي رافع وأبي محذورة وأبي هريرة ﵁ في شيء منها تفضيل الإقامة إلّا في حديث عبد الله بن زيد وهو في أحد طريقيه عند أبي داود والترمذي ونقل عن البخاري أنه صححه وصححه محمد بن يحيى الذهلي وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والحاكم قال الحافظ وكأنهم صححوه لموافقته ما دل عليه حديث أنس في الصحيحين ومما صحح أيضًا في هذا الباب حديث ابن عمر صححه أبو عوانة من وجهين وهو عند أصحاب السنن وابن خزيمة أيضًا وابن حبان من أحد الوجهين ولفظه كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين والإقامة مرة مرة إلّا قوله قد قامت الصلاة وأما حديث بلال وسائر من ذكر بعده ففي إسناد كل منها مقال وهي عند الطبراني والدارقطني إلَّا حديث جابر فعنده في الأفراد وإلَّا حديث أبي رافع ففي ابن ماجة وقد اختلفت الرواية على عبد
الله بن زيد في تثنية الإقامة وأخرج ابن خزيمة وأبو داود من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد ألفاظ الإقامة مرتين وأعله ابن خزيمة بالانقطاع والاضطراب أما الانقطاع فلأن عبد الرحمن لم يدرك عبد الله بن زيد لأنه استشهد باليمامة في خلافة الصديق وولد عبد الرحمن في خلافة عمر وأما الاضطراب فقيل عنه هكذا وقيل عنه عن معاذ وقيل عنه عن أصحابه وقيل عنه عن أصحاب محمد ﷺ واختلفت الرواية أيضًا عن أبي محذورة وأشهرها عنه الأذان بالترجيع والإقامة مرتين أخرجها أحمد وابن خزيمة وأصحاب السنن فذكروا فيها الإقامة كالأذان سواء لكن بغير ترجيع وزيادة قد قامت الصلاة مرتين واختصره بعضهم بلفظ علمني الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة ودعاء تشفيع الإقامة عن أبي جحيفة أيضًا عند الطبراني قال الحافظ وقد اختلف العلماء في الجمع بين هذه الإخبار فمنهم من رجح إفراد لفظ الإقامة ومنهم من رجح شفعها فمن حجة الأول كثرتها وأصحيتها ومن حجة الثاني تأخير قصة أبي محذورة عن قصة عبد الله بن زيد لأن رؤيا ابن زيد الأذان كانت في أوائل الهجرة إلى المدينة وتعليم أبي محذورة كان في أواخر الثامنة لما رجع النبي ﷺ من حنين ليكون ناسخًا وقد أجاب الإمام أحمد
стр. 496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بأن بلالًا أذن بعد ذلك للنبي شفعًا وأقام فرادى ومنهم من جعله من الاختلاف المباح وسلك ابن خزيمة في الجمع مسلكًا آخر فقال إن لم يرجع أفرد الإقامة على ما في حديث عبد الله بن زيد وإن رجع شفع الإقامة على ما في حديث أبي محذورة اهـ، وقد بسط الكلام على اختلاف العلماء في هذه المسألة ابن عبد البر فقال في التمهيد ما حاصله أما اختلافهم في الإقامة فذهب مالك والشافعي إلى أن الإقامة مفردة إلَّا قوله الله أكبر في الموضعين فإنه مكرر مرتين وقال الشافعي وإلا قد قامت الصلاة فمرتين وعند مالك مرة واحدة وأكثر الآثار على ما قاله الشافعي فيه وعليه أكثر الناس. قلت وفي حاشية عليه كل الأحاديث جاءت بتثنية قد قامت الصلاة في الإقامة وبه قال عامة العلماء وسائر المحدثين في كل الأقطار إلّا مالكًا فقال بالإفراد قال في التمهيد ومذهب الليث في هذا كله مذهب مالك وقال أبو حنيفة والثوري الإقامة والأذان سواء مثنى مثنى يقول في أول أذانه وإقامته الله أكبر أربع مرات وذهب أحمد وآخرون إلى إجازة القول بكل ما روي عنه ﷺ وحملوا ذلك على الإباحة والتخيير قالوا لأنه قد ثبت جميع ذلك عن النبي ﷺ وعمل به أصحابه بعده فمن شاء أفرد ومن شاء ثنّى اهـ. قال في شرح العباب ومعظم الأذان مثنى مثنى ومعظم الإقامة فرادى لورود ذلك في خبر عبد الله بن زيد وهو صحيح وفي خبر أنس أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة وهي في الصحيحين وغيرهما وخبر ابن عمر إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين والإقامة مرة مرة غير أنه يقول قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة وهو صحيح والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة ولمزيد شهرة رواتها وعدالتهم قدمها الشافعي وأصحابه على ما صح عند الترمذي من قول أبي محذورة علمني رسول الله ﷺ الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة على أن الرواية اختلفت عن أبي محذورة فروي عنه جمع أفرادها كما بينته وأيضًا فأنا والحنفية متفقون على عدم
العمل بظاهر حديثه هذا لأن فيه الترجيع وهم لا يقولون به وتثنيتها ونحن لا نقول به فلا بد لنا ولهم من تأويله فكان الأخذ بالإفراد أولى لأنه الموافق لباقي الروايات والأحاديث الصحيحة وقد بين البيهقي أن التعبير بسبع عشرة كلمة وقع
стр. 497
فصل: واعلم أن الأذان والإقامة سنتان عندنا على المذهب الصحيح المختار، سواء في ذلك أذان الجمعة وغيرها. وقال بعض أصحابنا: هما فرض كفاية، وقال بعضهم: هما فرض كفاية في الجمعة دون غيرها، فإن قلنا: فرض كفاية، فلو تركه أهل البلد أو محلَّة قوتلوا على تركه، وإن قلنا: سنة لم يقاتلوا على المذهب الصحيح المختار، كما لا يقاتلون على سُنة الظهر وشِبْهها، وقال بعض أصحابنا: يقاتَلون لأنه شعار ظاهر.
فصل: ويُستحبُّ ترتيل الأذان
ــ
من تفسير بعض الرواة توهمًا منه أنه المراد من تثنية الإقامة وليس المراد بل تثنية كلمتي الإقامة وبين أيضًا أن اتفاق أبي محذورة وأولاده في حرم الله تعالى وسعد القرظ وأولاده في حرم رسول الله ﷺ على إثبات الترجيع وإفراد الإقامة مع توفر الصحابة ومن بعدهم يؤذن بضعف رواية تثنيتها واحتج على ذلك بكلام مالك والشافعي وغيرهما ومن ثم أجمع فقهاء أصحاب الحديث على إفراده اهـ، والحكمة في إفراد الإقامة وتثنية الأذان أنه للغائبين فكرر ليكون أبلغ في إعلامهم وهي للحاضرين فلا حاجة إلى تكرارها ولذا قال أصحابنا يكون صوته في الإقامة دونه في الأذان وإنما كرر لفظ الإقامة خاصة لأنه مقصود الإقامة ولما كان لفظ التكبير في الأذان أربعًا وفي الإقامة اثنين صار كأنه إفراد بالنظر لذلك ولذا استحب كون كل تكبيرتين في نفس والله أعلم.
فصل
قوله: (سنَّة) استشكل قول المصنف أنهما سنة مع قوله في الجماعة أنها فرض كفاية مع أنهما وسيلة وللوسائل حكم المقاصد وأيضًا ما لا يتم الواجب إلّا به واجب ويرد بمنع كونهما وسيلة لعدم توقفها عليهما على أن هذا إنما يأتي على الضعيف إن الأذان حق للجماعة والأصح خلافه. قوله: (قُوتِلُوا) أي بعد الإنذار والمقاتل لهم هو الإمام لأن ذلك لكونه محل نظر واجتهاد ليس للآحاد. قوله: (وَقَال بَعضُ أَصحابِنَا يقاتَلونَ لأَنه شِعار ظاهر) أي والإمام يقاتل على ترك السنة إذا كانت شعارًا ظاهرًا من شعار الإسلام ورد بأنه لا قتال على ترك سائر السنن وقتال الصحابة تاركيه لأن تركه كان في زمنهم علامة على الكفر.
فصل
قوله: (ويستحَب تَرْتيلُ الأَذَانِ وَرَفْعُ الصوتِ إلخ)
стр. 498
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أما الترتيل فقال الحافظ بعد تخريج حديث علي ﵁ كان النبي ﷺ يأمرنا أن نرتل الأذان وأن نحذف الإقامة هذا حديث غريب أخرجه الدارقطني في السنن ورجاله موثقون إلا ثلاثة منهم وجاء في معناه عن جابر قال قال ﷺ لبلال إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر قال الحافظ حديث غريب أخرجه الترمذي وقال لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه وإسناده مجهول قال الحافظ عبد المنعم معروف بالضعف وسائر رواته موثقون إلّا يحيى بن مسلم فإنه مجهول وعليه يصب كلام الترمذي وجزم البيهقي بأنه يحيي البكاء قال الحافظ وهو ضعيف
أيضًا وقد أخرج الحاكم في المستدرك هذا الحديث وأدخل بين عبد المنعم ويحيى بن مسلم عمرو بن فايد وقال ليس في رواته مطعون فيه إلَّا عمرو بن فايد قال الحافظ ويتعجب من كلامه فإنه إن كان ثابتًا في الإسناد وسلم عدم الطعن في الباقين فالحديث ضعيف بسبب عمرو فكيف يستدرك على الصحيحين والراجح أن زيادته في هذا الإسناد وهم فقد وقع التصريح عند الترمذي وغيره بالتحديث بين عبد المنعم ويحيى وأما قول الترمذي لا نعرفه إلّا من هذا الوجه فيرد عليه مجيئه من وجه آخر من طريق أبي هريرة مثل حديث جابر سواء أخرجه أبو الشيخ في كتاب الأذان وقال البيهقي الإسناد الأول أشهر من هذا قال الحافظ ورواة هذا موثقون إلَّا صبيح بن عمرو فلا يعرف إلّا في هذا الحديث وللمتن شاهد موقوف أخرجه الحافظ من طريق الدارقطني عن أبي الزبير مؤذن بيت المقدس قال جاءنا عمر ﵁ قال إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر هذا حديث موقوف حسن الإسناد ونقل عن الأصمعي أن الحدم والحدر بمعنى والمراد به الإسراع قال الحافظ وهو المراد بالإدراج في كلام المصنف وأما رفع الصوت بالأذان فتقدمت الإشارة إليه في فصل الأذان عن أبي محذورة في بعض طرقه أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع وعن سعد القرظ أنه ﷺ أمر بلالًا أن يجعل أصبعيه في أذنيه وقال أنه أرفع لصوتك قال الحافظ حديث حسن أخرجه ابن ماجة وجاء من فعل بلال أخرجه أبو داود اهـ. قال ابن حجر في شرح العباب ترتيل الأذان أي التأني فيه بأن يأتي بكلماته مبنية من غير تمطيط مجاوز الحد لما صح عند الحاكم لكن ضعفه الترمذي من الأمر به ومن ثم تأكد على المؤذنين أن يحترزوا من أغلاط يقعون فيها نحو مد همزة أشهد
стр. 499
ورفع الصوت به، ويستحبُّ إدراج الإقامة، ويكون صوتها أخفض من الأذان، ويستحبُّ أن يكون المؤذن حَسَن الصوت،
ــ
فتصير استفهامًا ومد باء أكبر فيصير جمع كبر بالفتح وهو طبل له وجه واحد قاله في المحكم ومن الوقف على إله والابتداء بإلا الله لأنه ربما يؤدي إلى الكفر ومن إدغام دال محمد في راء رسول الله لأنه لحن خفي عند القراء كذا في الخادم وهو غير معروف ولعل الأصل من عدم الإدغام فسقطت لفظة عدم إذ المعروف عند القراء هو الإدغام وإنما اختلفوا في كونه صغيرًا أو كبيرًا فتركه هو اللحن الخفي كذا في شرح العباب ومن مد ألف الله والصلاة والفلاح لأن الزيادة في حرف المد واللين على ما تكلمت به العرب لحن ومن فلب الألف هاء من إلا الله ومن عدم النطق بها الصلاة لئلا يصير دعاء إلى النار ويقع لهم أيضًا مد همزة أكبر ونحوها وهو خطأ ولحن فاحش ويحرم تلحين الأذان إن تولد منه بعض ما ذكر من الأغلاط وإلا فيكره والله أعلم. قوله: (ورفع الصوت به) قدر ما يسمع نفسه هذا للمنفرد لأن الغرض منه الذكر لا الإعلام وعلى هذا حمل ما نقل عن نصّ الشافعي من أنه لو أسر ببعض الأذان أجزأ وقدر ما يسمع واحدا إن كان يؤذن لجماعة ولا بد من إسماع الواحد جميع كلماته قال في المجموع لأن الجماعة تحصل بهما فلا يجزئ الإسرار ولو ببعضه ما عدا الترجيع لفوات الإعلام والإقامة في هذا التفصيل كالأذان فلا بد في الإقامة لهم من إسماع بعضهم ولو واحدًا جميع كلماتها ويبالغ كل منها في الرفع من غير أن يجهد نفسه لما سبق من حديث سعيد لا يسمع صوت المؤذن إلخ. قوله: (وَيُسْتَحَب إِدراجُ الإقامَةِ) أي إسراعها إذ أصل الإدراج الطي ثم استعير لإدخال بعض الكلمات في بعض لما صح من الأمر به وفارقت الأذان بأنه للغائبين والترتيب فيه أبلغ وهي للحاضرين فالإدراج فيها أشبه.
قوله: (وَيكُونُ صوتُها أَخفضَ مِنَ الأذَانِ) أي بحيث يكون بقدر الحاجة كما نقله الزركشي عن العراقي وأقره فمع اتساع المسجد وكثرة الجماعة يحتاج للرفع أكثر منه مع ضد ذلك وفي الحالين لا يبلغ رفعها رفع الأذان. قوله: (حَسَنَ الصوتِ) لأمره ﷺ نحوًا من عشرين رجلًا فأذنوا فأعجبه صوت أبي محذورة فعلمه الأذان رواه جماعة في رواية بلفظ
стр. 500
ثقةً، مأمونًا، خبيرًا بالوقت، متبرعًا، ويستحبُّ أن يؤذِّن ويقيم
ــ
فأعجبه صوت أبي محذورة وفي طريق آخر لقد سمعت في هؤلاء صوت إنسان حسن الصوت وكلاهما في السنن والثاني منهما عند ابن خزيمة ويؤخذ أيضًا من قوله ﷺ لعبد الله بن زيد رائي الأذان قم فألقه على بلال فإنه أندى صوتًا منك بناء على أن المراد أطيب وقيل المراد به أرفع ولأنه لترقيقه قلوب السامعين يكون أرق فيكون ميلهم إلى الإجابة أكثر ولو وجد متبرع بالأذان وطلب حسن الصوت أجرة قدم لعموم نفعه وفي شرح مسلم للأبي قال عمر بن عبد العزيز لمؤذن أذن أذانًا سمحًا وإلا فاعتزلنا.
قلت يذكر إن يهوديًّا كان يبعث ولده من سوق الصاغة بتونس فبطا عليه فسمع أن الولد يقف ينتظر أذان مؤذن حسن الصوت بمسجد سوق القلعة فخاف على ولده الإسلام وكان اليهودي يعرف مؤذنا فظيع الصوت بمسجد آخر فتحين أذانه ورفع ولده إليه حتى سمعه وقال له ذلك الذي يقوله المؤذن بسوق القلعة هو الذي يقوله هذا اهـ. قوله: (ثقة مأْمونًا) لخبر ضعيف وليؤذن لكم خياركم وفي الأم للشافعي وأحب أن يكون المؤذنون خيار الناس ولأنه أمين على الوقت ويطلع لعلو مكانه على العورات فإن أذن فاسق فيكره إذ لا يؤمن أن يؤذن في غير الوقت لكن يحصل بأذانه السنة وإن لم يقبل خبره. قوله: (مُتَبرِّعا) أي لا يأخذ عليه رزقا ولا أجرة لخبر من أذن سبع سنين محتسبا كتب الله له براءة من النار رواه الترمذي وغيره وفي إسناده مقال وروى الطبراني المؤذن المحتسب كالشهيد المتشحط في دمه إذا مات لم يدود في قبره.
وقد نظمت بعض من لا يأكله الدود في قبره في بيتين فقلت:
لا يأكل الدود جسمًا للنبي ولا ... مؤذن باحتساب والشهيد ذكي
وعالم عامل لله مجتنبًا ... أكل الحرام كثير الدين والنسك
قال في الأنوار ويكره أن يأخذ له أجرة ويدل له خبر الترمذي وحسنه ورواه باقي أصحاب السنن الأربعة كما قال الحافظ عن عثمان بن أبي العاص آخر ما عهد إلى رسول الله ﷺ إن اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا ففيه دليل ظاهر للكراهة ولا يرزق الإمام مؤذنًا وهناك متطوع عدل فإن كان فاسقًا أو أمينًا وثم أمين أحسن صوتًا غير متطوع رزقه من المصالح قدر حاجته وحاجة مموِّنه أو رزقه من ماله
стр. 501
قائمًا على طهارة وموضعٍ عالٍ،
ــ
لا من الفيء ولا من الصدقات ولو تعدد المؤذنون والمساجد رزق الكل وإن تقاربت وأمكن جمع الناس بمسجد وقدم حتمًا الأهم كمؤذن الجامع إن ضاق سهم المصالح وإلا فندبا وللآحاد استئجاره بما تراضيا به وإذا استأجره الإمام لم يشترط ذكر الغاية فيكفي استأجرتك لتؤذن في هذا المسجد في أوقات الصلاة كل شهر بكذا وإن استأجره من ماله أو استأجره الآحاد اشترط ويستحق
الإقامة تبعًا فلا يجوز إفرادها بعقد كذا في العباب. قوله: (قَائِمًا) بالإجماع لأمره ﷺ بلالا به رواه الشيخان ولأنه أبلغ في الإعلام وكان القياس وجوبه كما قيل به إذ لم يرد ما يصرف الأمر به عن الوجوب وأذانه ﷺ على راحلته لا يحتج به خلافًا لما وقع في المجموع لأنه في السفر والكلام في غيره قال ابن المنذر أجمع كل من يحفظ عنه العلم على أن السنة الأذان قائمًا اهـ، فيكره للقاعد وللمضطجع أشد والراكب المقيم لا المسافر فلا يكره له ذلك لحاجته للركوب لكن الأولى له ألا يؤذن إلا بعد نزوله لأنه لا بد له منه للفريضة وقضية كلام الرافعي أنه لا كراهة له في فعله راكبا وقاعدا ويوجه بأن من شأن السفر التعب والمشقة فسومح له قال الأسنوي ولا يكره له ترك الاستقبال والمشي لاحتماله في صلاة النفل ففي أذانه أولى لكن محله في المشي بالنسبة لغيره أن يكون بحيث يسمع آخره من يسمع أوله وإلَّا فلا يجزئه لهم بل لنفسه فقط كما في شرح العباب وغيره قال ابن الملقن في البدر المنير روينا إن ابن عمر كان يؤذن على البعير فينزل ويقيم وفي حديث النسائي عن أبي محذورة خرجت في سفر وكنا في بعض طرق حنين الحديث وفيه قم فأذن بالصلاة وقال عبد الحق فيما رده على المحلي وكذا تلقاه الناس قال ولم يرو عن أحد منهم أنه أذن راكبًا لغير عذر اهـ. قال الحافظ ودليل القيام والطهارة ما أخرجه أبو الشيخ في كتاب الأذان عن وائل قال حق وسنة ألا يؤذن إلا وهو طاهر وأنه لا يؤذن إلا وهو قائم أخرجه البيهقي وقال عبد الجبار لم يسمع من أبيه وائل وعند الترمذي عن أبي هريرة لا يؤذن إلا متوضٍ أخرجه مرفوعًا وموقوفًا ورجح الموقوف وفي سند كل منهما انقطاع اهـ. قوله: (عَالٍ) كمنارة بفتح الميم وسطح للخبر الآتي في بلال وابن أم مكتوم أنه لم يكن بين أذانيهما
стр. 502
مستقبل القبلة، فلو أذن أو أقام مستدبر القبلة، أو قاعدًا، أو مضطجعًا،
ــ
إلَّا أن ينزل هذا ويرقي هذا وروى أبو داود عن امرأة من الأنصار من بني النجار كان بيتي طول بيت حول المسجد فكان بلال يؤذن فوقه من أول ما أذن إلى أن بنى رسول الله ﷺ مسجده فكان يؤذن بعد على ظهر المسجد وقد رفع له عن شيء فوق ظهره قال الحافظ عند أبي الشيخ في كتاب الأذان من حديث أبي برزة الأسلمي قال من السنة الأذان في المنارة وأخرجه البيهقي من طريقه وقال إسناده واهٍ اهـ، ولزيادة الإعلام ومن ثم بنى عثمان ﵁ المنائر، أما الإقامة فلا يسن فيها ذلك إلّا إن احتيج إليه لكبر المسجد كما في المجموع وفي البحر لو لم يكن للمسجد منارة يسن أن يؤذن على الباب وينبغي تقييده بما إذا تعذر في سطحه وإلّا فهو أولى كما هو ظاهر. قوله: (مستقبلَ القبلَةِ) لما وقع في بعض طرق حديث عبد الله في رؤياه الأذان قال فرأيت رجلًا عليه ثوبان أخضران استقبل القبلة فقال الله أكبر الله أكبر وساق الحديث هكذا في رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل في السنن وعبد الرحمن عن معاذ منقطع ولأنه المنقول سلفًا وخلفًا ولأنها أشرف الجهات نعم يسن فيه وفي الإقامة الالتفات بعنقه من غير تحويل صدره وقدميه عن الاستقبال ولو في منارة كالالتفات بسلام الصلاة أي بحيث يرى خده لا خداه يمينًا في كلمتي حي على الصلاة ثم يستقبل القبلة ثم يسارًا في كلمتي حي على الفلاح لأن بلالًا كان يفعل ذلك رواه الشيخان وفي رواية صحيحة فلما بلغ حي على الصلاة لوى عنقه يمينًا وشمالًا ولم يستدر ورواية فاستدار ضعيفة من سائر طرقها أو المراد بالاستدارة فيها الالتفات ليوافق رواية الالتفات قاله في المجموع وقول الحاكم إن الاستدارة سنة مستغربة صحيحة على شرط الشيخين مردود واختصت الحيعلتان بالالتفات لأن غيرهما ذكر الله وهما خطاب آدمي كالسلام في الصلاة يلتفت فيه دون غيره من الأذكار ويشرع في حيعلتي الإقامة كما هو ظاهر كلامهم لكن في الوسيط المشهور أنه مشروع عند قوله قد قامت الصلاة وظاهره ككلام البيان أنه يشرع عندهما فقط قال في شرح العباب ولو قيل يشرع عندهما وعند كلمة الإقامة لم يبعد وعليه فيقول يمينًا حي على الصلاة وشمالًا حي على الفلاح ويمينًا قد قامت الصلاة ثم يسارًا الأخرى وفارق ما مر في الأذان بأن
стр. 503
أو محدثًا، أو جنبًا صحَّ أذانه وكان مكروهًا،
والكراهة في الجنب أشدَّ من المحدث، وكراهة الإقامة أشدّ.
فصل: لا يشرع الأذان إلا للصلوات الخمس: الصبح والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وسواء فيها الحاضرةً
ــ
كلا من مر في الحيعلة الأولى جنس واحد فناسبه التفات واحد وكذلك الثانية بخلاف ما هنا فناسبه التفات جديد وإنما كره الالتفات في الخطبة لأنها وعظ للحاضرين فالأدب ألا يعرض عنهم وفارقت الإقامة بأن القصد منها الإعلام فليس فيها ترك أدب اهـ. قوله: (وَمُحْدثًا) أي غير متيمم أو سلس أو فاقد طهور ومن أحدث في أذانه ولو بالجنابة أتمه ولا يسن قطعه فإن تطهر عن قرب جاز له البناء والاستئناف أولى. قوله: (والكراهة في الجُنب أشد) أي الجنب غير المتيمم وفاقد الطهورين أشد لغلظ حدثه وكراهة الإقامة من كل منهما أشد منها في الأذان لذلك إن اختلف سببها وإلا فلا لأن الإقامة تعقبها الصلاة فإن انتظره القوم ليتطهر شق عليهم وإلا ساءت به الظنون وقضية كلام المصنف والرافعي وغيرهما أن كراهة إقامة المحدث أشد من كراهة أذان الجنب لكن بحث الأسنوي في تساويهما والحيض والنفاس أغلظ من الجنابة فتكون الكراهة معهما أشد منها معها وبه صرح الزركشي وغيره ثم الكراهة في أذان من ذكر أما لغيرها فلا كما يؤخذ من العلة.
فصل
قوله: (لا يُشرَعُ الأذان) أي وكذا الإقامة إلَّا للصلوات الخمس ولا يندبان في غيرها كالسنن وصلاة الجنازة والمنذورة وفي شرح العباب وكذا المعادة في جماعة كما اقتضاه كلام الشامل بل يكرهان فيه كما في الأنوار وغيره وسكت المصنف عن بيان حكم الإقامة مع أنها آكد من الأذان كما نقله ابن عبد البر عن الشافعي لأنه ﷺ تركه دونها في ثانية المجموعتين وبه يراد إفتاء بعض المتأخرين بأفضليته عليها إلّا أن يريد القيام بوظيفته أفضل لأنها أشق إما اكتفاء بالأذان إذ حيث سن سنت وحيث لم يسن هو لم تسن هي إلَّا فيما ذكر من المكتوبات إلَّا إذا صليت ولا يجمع أو قضاء قال في شرح العباب وتكره الصلاة جامعة في الفرائض بدلا عن الإقامة نعم ورد بسند حسن عن جابر يرفعه النداء بالصلاة جامعة في الخوف وهو غريب اهـ. قوله: (الصبح) يجوز فيه وجوه الإعراب الثلاثة فالجر على الاتباع بدل كل من كل بناء على سبق
стр. 504
والفائتة، وسواء الحاضرُ والمسافر، وسواء مَنْ صلى وحده أو
في جماعة،
ــ
العطف على الإبدال والنصب بإضمار أعني والرفع بإضمار هي وهذان الوجهان جاريان في بدل المفصل من المجمل إذا استوفى العدة فإن لم يستوفها تعين الاتباع. قوله: (وَالفائتة) طلب الأذان في الفائتة وهو القول القديم للشافعي وهو المعتمد لقوة دليله بثبوته عن النبي ﷺ في قصة الوادي في صلاة الصبح: ثم نزل فتوضأ ثم أذن بلال فصلى رسول الله
ﷺ ركعتين ثم صلى صلاة الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم متفق عليه وبقوله كما كان يصنع إلخ، مع رواية أبي داود عن عمرو بن أمية وعمران بن حصين أنه جمع بين الأذان والإقامة يندفع احتمال أن يراد بالأذان فيه الإقامة واقتصار مسلم عليها فيه اختصار وأما الخبر الصحيح عن أبي سعيد إنهم حبسوا يوم الخندق حين ذهبت طائفة من الليل فدعا ﷺ بلالًا فأمره فأقام الظهر وما بعدها فصلاهن كما كان يصليهن في وقتهن فلا يعارض الخبر الأول لأنه أصح منه مع أن مع رواته زيادة علم على أن في طريق أخرى عن ابن مسعود في قضية الخندق أن بلالا أمر فأذن ثم أقام ولا يضر انقطاعها لأن المنقطع يصلح للتقوية قيل وهذا أولى مما في المجموع من الجواب بأنهما قضيتان في أيام الخندق لأنه لا يأتي إلا على الضعيف أن المنقطع حجة أما على الأصح أنه غير حجة فليس هناك قضية ثانية وفي شرح العباب يسن للفائتة في القديم وإن صلى وحده كما يصرح به كلامهم خلافًا لمن زعم أن شرطه يصليها جماعة لأن القديم يشترط في الأذان للمؤداة الجماعة ويجاب بأنه لا يلزم من اعتمادهم للقديم في الثانية اعتمادهم له في اشتراطه في الأذان للمؤداة بجماعة على أن في كون القديم يشترط ذلك جزمًا أو على خلاف فيه نظرًا ومما يرده نقل الرافعي وغيره عن القديم أنه حق للمكتوبة وعن الجديد قولين حق للجماعة حق الوقت فهذا تصريح منهم بأن القديم لا يشترط الجماعة في المؤداة فضلًا عن الفائتة اهـ.
فإن قلت ما تقرر في كون الأذان حق المكتوبة يخالفه ما يأتي في قضاء الفوائت والمجموعتين من أنه لا يؤذن لغير الأولى.
قلت لا يناقضه خلافًا لمن توهمه لأن وقوع الثانية تابعة حقيقة في الجمع وصورة في غيره صيرها كجزء من أجزاء الأولى فاكتفى بالأذان لها. قوله: (مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ) ظاهر إطلاقه شمول ما إذا سمع الأذان من غيره فيقتضي استحبابه له حينئذٍ وهو ما في التحقيق والتنقيح ونقله في المجموع عن نص الأم والشيخ أبي حامد
стр. 505
وإذا أذَّن واحد كفى عن الباقين، وإذا قضى فوائت في وقت واحد أذَّن للأولى وحدها، وأقام لكل صلاة. وإذا جمع بين الصلاتين، أدن للأولى وحدها، وأقام لكل واحدة، وأما غير الصلوات الخمس
ــ
وغيره ولا ينافيه قول القاضي أبي الطيب عن عامة الأصحاب فيمن دخل مسجدا قبل إقامة الصلاة أو بعده يجزيه أذان المؤذن وإقامته لأنا نقول بموجبه من الإجزاء حتى لا يكره تركهما وإنما الكلام في الاستحباب ولا تعرض منهم لنفيه بل لإثباته لأن هذا هو شأن سنة الكفاية كفرضها لكن في شرح مسلم للمصنف أن من سمع أذان الجماعة لا يشرع له وقواه الأذرعي والزركشي قال ابن حجر وينبغي حمله على أن مراده لا يتأكد حتى لا يكره له تركه أو على ما إذا أراد الصلاة معهم ويحمل الاستحباب على خلافه اهـ. قوله: (وَلَوْ أَذّنَ وَاحدٌ كَفى عَنِ الباقِينَ) لأنه سنة كفاية كابتداء الإسلام وفرع الزركشي على كونه سنة كفاية أنه لو أذن واحد لجمع لم يسن لكل منهم أن يؤذن والظاهر أنه مبني على ما تقدم عن شرح مسلم وإلَّا فالقياس ندبه لكل كما أن التسمية سنة كفاية على الأكمل فإذا أتى بها أحد الآكلين لا يقال للبقية لا يسن لكم الإتيان بها بل يقال سقط عنكم حرج تركها فقط وفرق ظاهر بين المقامين ولو أذن واحد في جانب فقط من قرية كبيرة حصلت السنة في ذلك الجانب فقط. قوله: (وإِذَا جَمَعَ بَينَ صَلاتَينِ) أي سواء كان لسفر أو مطر. قوله: (أَذّنَ
للأُولى) سواء في جمع التأخير قدم الأولى أم الثانية كما في المجموع ونقل الزركشي عن النووي أنه يؤذن للثانية أيضًا سهو كيف وفي المجموع القول بالتأذين للثانية غلط. قوله: (وَأَقَامَ لِكُل وَاحدةٍ) ودليل ذلك أنه ﷺ جمع بين العشاءين بمزدلفة بأذان وإقامتين رواه الشيخان عن جابر ولا يعارضه روايتهما عن ابن عمر أنه صلاهما بإقامتين لأن مع العلم زيادة علم على أن جابر استوفى أمور حجة الوداع وأتقنها فهو أولى بالاعتماد لأنه أشد الصحابة عناية بضبط المناسك وأيضًا فهولم يختلف عليه وابن عمر اختلف عليه فقد روى أبو داود عنه أنه أذن وأقام للمغرب وتقاس الفوائت بالمجموعتين على أنه مر التصريح بذلك في خبر ابن مسعود يوم الخندق ولا يضر انقطاعه لما مر ولأن المنقطع يعمل به في الفضائل وسكت المصنف عما إذا والى بين فائتة ومؤداة وحكمه كما ذكر إلَّا إن قدم الفائتة ثم دخل وقت الحاضرة
стр. 506
فلا يؤذن لشيء منها بلا خلاف، ثم منها ما يستحب أن يقال عند إرادة صلاتها في جماعة: الصلاة جامعة مثل
ــ
فيعيد الأذان للحاضرة أيضًا وكذا يتكرر الأذان فيما إذا أخر مؤداة لآخر وقتها فإن أذن لها وصلى فدخل وقت ما بعدها فيؤذن لها قطعًا ومحل الاكتفاء بالأذان. إذا والى بين الصلاتين فيما ذكر، وإلَّا بأن طال الفصل أذن وأقام لكل قال في شرح العباب يظهر أن الطول في هذا الباب أزيد منه في صلاتي الجمع لأن ذلك رخصة فاحتيط فيه بما لم يحتط به في غيره والله أعلم. قوله: (فلا يُؤَذِّنُ لِشَيْءٍ مِنْهَا) بل يكره كالإقامة كما في الأنوار ويوافقه قول الشافعي لو أذن أقام للعيد كرهته نعم قد يسن لغير الصلاة كما في أذن المولود والمهموم والمصروع ومن ساء خلقه من بهيمة أو إنسان وعند مزدحم الجيش وعند الحريق وقيل عند إنزال الميت قبره قياسًا على أول خروجه للدنيا ورد وعند تغول الغيلان أي تمرد الجن لخبر صحيح فيه وهو والإقامة خلف المسافر. قوله: (ثُمّ مِنْها) وهوما يشرع فيه الجماعة. قوله: (عِنْدَ إِرادَة صَلاتِهَا إلخ) قال في شرح العباب قال الزركشي هل محله عند الصلاة كالإقامة أو عند دخول الوقت كالأذان لم أر فيه شيئًا وقال بعض مشايخنا الظاهر الثاني ليكون سببًا لاجتماع الناس ويؤيده أنه لما كسفت الشمس أرسل ﷺ مناديه فاجتمع الناس وقد يقال هذا كان في أول مشروعية هذه الصلاة فقدم النداء ليجتمع الناس إليها ولو قيل باستحبابه مرتين أو عند دخول الوقت وإرادة الصلاة ليكون بدلًا عن الأذان والإقامة لم يبعد لكن جزم في الأذكار بأنه يأتي به عند إرادة فعلها اهـ. قال ابن قاسم وفيه رمز إلى أنه بمنزلة الإقامة في الفرائض اهـ. قوله: (الصَّلاةُ جَامِعةٌ) بنصبهما الأول بالإغراء والثاني بالحالية ورفعهما على الابتداء والخبر ورفع أحدهما على أنه مبتدأ حذف خبره أو عكسه ونصب الآخر على الإغراء في الأول والحالية في الثاني كذا في شرح الروض وغيره ثم قوله ورفع أحدهما أراد به المفهوم العام الشامل لكل منهما وقوله غير أنه مبتدأ حذف خبره راجع للإحد باعتبار الأول وقوله أو عكسه راجع له باعتبار الثاني على طريق اللف والنشر فاندفع اعتراض من فهم أن مراده إن كلا من الوجهين راجع للإحد باعتبار كل من الفردين فاعترضه بأنه يلزم الابتداء بجامعة وهو نكرة بلا مسوغ على أنه لو سلمنا لقلنا المسوغ الفائدة
стр. 507
العيد والكسوف والاستسقاء. ومنها ما لا يستحب ذلك فيه، كسنن الصلوات، والنوافل المطلقة، ومنها ما اختلف فيه كصلاة التراويح، والجنازة، والأصحُّ أنه يأتي به في التراويح دون الجنازة.
ــ
أي ولا حاجة إلى غيرها مع وجودها كما جنح إليه الرضي نقلًا عن ابن الدهان واستحسنه كذا في حواشي المحقق ابن قاسم على شرح المنهج. قوله: (العيدِ والكسوفِ) الظاهر مثل الكسوف والعيد أي بتأخير العيد في
الذكر لأنه ورد في الصحيحين في الكسوف، والعيد والاستسقاء وغيرهما مما يشرع فيه الجماعة مقيس عليه في ذلك فكان تقديم العيد في الذكر لكونه أفضل وآكد حتى قيل أنه أولى فرض. قوله: (ومِنْهَا مَا لَا يُسْنِ فِيهِ) وهو ما لا يسن فيه جماعة وكذا ما يسن فيه إذا صلى فرادى والمنذورة وقول المحلي يسن في المنذورة إذا قلنا يسلك بها مسلك واجب الشرع قال في المجموع غلط وهو كثير الغلط وقد اتفقوا على أنه لا يقال فيها شيء أصلًا اهـ. قوله: (فِي الترَاويح) قال ابن حجر الذي يظهر أنه إذا صلى التراويح عقب العشاء لا يحتاج إلى نداء لها وكذا يقال في الوتر عقبها فمحل استحباب النداء للتراويح إذا أخرت عن فعل العشاء اهـ، وخالفه بعض المحققين فقال هذا بناء على القول بأن ذلك نائب عن الأذان والإقامة أما إذا قلنا أنه نائب عن الإقامة فيأتي فيه مطلقًا اهـ.
وأقول فيه نظر لأن ابن حجر وإن قال باستحباب ذلك في محل الأذان إلَّا أنه يقول باستحبابها ثانيًا نيابة عن القيامة لتكون نائبة عنهما كما سبق والظاهر أن علة ترك ذلك عنده حينئذٍ ما ذكروه في عدم طلبه ذلك على الجنازة من كون المشيعين لها حاضرين لا حاجة لإعلامهم وذلك لأنه حيث كان مريد صلاة التراويح بعد العشاء حاضرًا زال السبب الداعي لها من إعلام القوم بحضور وقتها ومن ثم لو كان بعضهم غائبًا أو يزيدوا بالنداء سن ذلك قياس ما يأتي في الجنازة. قوله: (دُونَ الجنازَةِ) خالف فيه جمع متقدمون ووجه ما رجحه المصنف هنا وفي الروضة ونقله عن نص الأم أن المشيعين لها حاضرون فلا حاجة لإعلامهم ومنه يؤخذ أنه لو لم يكن معها أحد وزادوا بالنداء سن النداء حينئذٍ لمصلحة الميت كما في شرح العباب.
стр. 508
فصل: ولا تصحُّ الإقامة إلا في الوقت وعند إرادة الدخول في الصلاة، ولا يصحُّ الأذان إلا بعد دخول وقت الصلاة، إلا الصبح، فإنه يجوز الأذان لها قبل دخول الوقت.
واختلف في الوقت الذي يجوز فيه، والأصح أنه يجوز
ــ
فصل
قوله: (وَعِنْدَ إِرَادةِ الدخولِ فِي الصَّلاةِ) حيث لا جماعة وإلا فأذان الإمام ولو بالإشارة فإن قدمت عليه اعتد بها وقيل لا ويشترط ألا يطول الفصل بينهما أي عرفًا كما في المجموع وفيه ما يعلم منه أن الكلام لحاجة لا يؤثر في طول الفصل أي كالأمر بتسوية الصفوف وإن كثرت لكن إن لم يفحش بأن لا يمضي زمن يقطع نسبة الإقامة عن الصلاة من كل وجه لأن ذلك من مصلحتها فلم يضر الإبطاء لأجله فإن فحش بأن مضى ذلك أعادها وظاهر أن الكلام في غير الجمعة لوجوب الموالاة فيها ويحتاط للواجب ما لا يحتاط لغيره ومن ثم ينبغي أن يضبط الطول المضر فيها بقدر ركعتين بأخف ما يمكن أخذًا مما في جمع التقديم ولا يضبط الطول هنا بذلك لما تقرر من الفرق بين الواجب والمندوب وأما الطول بالسكوت والكلام لا لحاجة فيقتضي إعادتها. قوله: (إلا الصبحَ) ونقل عن الخفاف وعن أبي حامد في الرونق والمحاملي أن مثله أذان الجمعة فإنه يؤذن له قبل وقتها نظرًا إلى أنه إنما يدخل بعد الخطبة وهو مردود بأن الخطبة شرط للصحة لا للوقت فهو كأذان المحدث قبل
طهارته. فاندفع قول الزركشي في هذا رد لقول النووي وغيره: ولا يجوز تقديم أذان غير الصبح إجماعًا. كذا في شرح العباب لابن حجر وهو مصرح بأن يجعل أذان الجمعة الذي في الظهر قبل وقتها لا أنه يجوز قبل الظهر لكن عبارة التحفة له فأذان الجمعة الأول ليس كالصبح في ذلك أي الأذان قبل الوقت خلافًا لما في الرونق لأنه لا مجال للقياس في ذلك انتهت وهي تقتضي أنه يجوز الأذان الأول قبل دخول وقتها وهو محتمل لأن يكون وقت الظهر كما هو المعتمد ويقربه قوله لأنه لا مجال للقياس في ذلك أو وقت الصلاة الذي لا يدخل إلّا بالخطبة كما تقدم عن شرح العباب والله أعلم. قوله: (فإنه يجوزُ الأذانُ لهَا إلخ) بل يسن لخبر الشيخين أن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم ورواية إن ابن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال لا تنافيه لأنها على تقدير صحتها محمولة على أنه
стр. 509
بعد نصف الليل، وقيل: عند السحر، وقيل: في جميع الليل، وليس بشيء، وقيل: بعد ثلثي الليل، والمختار الأول.
فصل: وتقيم المرأة والخنثى المشكل، ولا يؤذّنان لأنهما منهيان عن رفع الصوت.
ــ
كان بينهما نوبًا ثم ظاهر قوله فإنه يجوز إلخ، أنه لا يجوز الأذان قبل دخول الوقت في غير الصبح وهو كذلك لأنه عبادة فاسدة ونقل ابن قاسم عن الشمس الرملي والطبلاوي أنه صغيرة وبالغًا في رد ما نقل لهما عن بعض أنه كبيرة اهـ. قوله: (بَعْدَ نِصفِ الليْلِ) لأنه أقرب إلى وقت الصبح بل في ذيل فصيح ثعلب للموقف البغدادي من أول النصف الثاني من الليل إلى الزوال صباح ومن الزوال إلى آخر النصف الأول مساء اهـ، ويشهد له أن العرب تقول بعد مضي النصف الأول من الليل أنعم صباحًا وتشبيهًا بالدفع من مزدلفة ولتنبيه النائمين بالصلاة ليتأهبوا لإدراك فضيلة أول الوقت وقيل عند السحر واختاره جمع متقدمون ومن المتأخرين السبكي والأذرعي وغيرهما وفي المجموع أنه ظاهر المنقول من فعل بلال وابن أم مكتوم وبين ذلك بقوله في شرح مسلم في كلامه على أنه لم يكن بين أذانيهما إلّا أن ينزل ويرقي هذا قال العلماء معناه أن بلالًا كان يؤذن قبل الفجر ويتربص بعد أذانه للدعاء ونحوه ثم يرقب الفجر فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر ابن أم مكتوم فيتأهب ثم يرقي ويشرع في الأذان مع أول طلوع الفجر والمراد بالسحر على هذا ما بين الفجرين كما قاله المتولي قال أهل اللغة والكاذب يطلع وقد بقي من الليل سبعه وقال ابن أبي الصيف المراد به سدس الليل الأخير وقال الرافعي أنه بعد سبع الليل الأخير شتاء ونصف الليل صيفا قال في المجموع احتج له على خلاف عادته في التحقيق بحديث أورده الغزالي وغيره وهو حديث باطل والذي ورد من طرق ضعيفة أنه في الشتاء لسبع ونصف وفي الصيف لسبع اهـ.
فصل
قوله: (لأَنهُمَا مَنْهِيانِ عَنْ رَفْع الصوْتِ) فيحرم رفع صوتهما بهما فوق ما يسمع صواحباتها وإن لم تبالغ في الرفع مبالغة الرجل وذلك للافتتان بصوتها لوجهها وإنما جاز غناؤها مع الكراهة مع استماع
стр. 510
باب ما يقول من سمع المؤذن والمقيم
يستحب أن يقول من سمع المؤذّن والمقيم مثل قوله، إلا في قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه يقول في كل لفظة:
ــ
الرجل له لأنه يكره له استماعه مع أمن الفتنة والأذان يسن له استماعه فلو جوزناه لها لأدى إلى أن يؤمر الرجل باستماع ما يخشى منه الفتنة وهو ممتنع وأيضًا فالنظر للمؤذن حال الأذان سنة فلو
جاز لغير الذكر لأدى إلى الأمر بالنظر إليها وهو لا يجوز بخلاف الغناء فإنه من شأن النساء فليس فيه تشبه بالرجال بخلاف الأذان لاختصاهم به في سائر الأعصار والتشبه بهم حرام ومن فرق بينهما بأن فيه تلبسًا بعبادة فاسدة وهو حرام بخلاف الغناء يرد بأن محل حرمة التلبس بها إن احتاجت لنية وإلا فلا وإنما كره رفع صوتها بالتلبية ولو فوق ما تسمع صواحبها لأن كل أحد ثم مشتغل بتلبية نفسه بخلافه هنا وأيضًا فالتلبية لا يسن الإصغاء إليها وتسن للرجل والمرأة بخلاف الأذان فيهما وبما ذكر يندفع ما قيل في كلام النووي تناقض في رفع صوت المرأة.
باب ما يقول من سمع المؤذن والمقيم
قوله: (يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقولَ مَنْ سَمِعَ المؤَذنَ إلخ) في فتاوي السمهودي لا يستحب للمؤذن أن يجيب أذان نفسه وإن تردد في تلك الأسنوي في تمهيده وصنف فيه السمهودي جزءًا أودعه فتاويه المشرقة وتردد الأشخر في إجابة أذان غير الصلاة هل يطلب أم لا واستظهر الثاني قال لأن الجواب إنما هو للدعاء إلى الصلاة وغيره ذكر فلا يطلب إجابته قال ولم أر فيه شيئًا وهل يجاب الأذان المكروه أو المحرم مطلقًا أو يفرق بين ما حرمته أو كراهته ذاتية كأذان المرأة فلا يجاب أو لمعنى خارج فيجاب استوجه في شرح العباب الثاني بعد أن ذكر الإطلاق أولًا والمراد من سامع في العبارة من وصل الأذان إلى سمعه سواء قصده بالاستماع أو لا فيشمل المستمع أو يراد منه ما يقابل المستمع ويكون استحباب إجابته بالأولى وظاهر أن المراد بسماعه أن يفسر اللفظ وإلّا لم يعتد بالسماع فلا يجيب وقد ورد في فضل الإجابة أحاديث يأتي بعضها في الأصل لم يذكره فيه ما رواه الطبراني من سمع المؤذن فقال مثل ما يقول فله مثل أجره وبه يعلم تأكد إلاجابة وعظيم ثوابها لما تقدم من ثواب المؤذن. قوله: (إلا فِي قَوْلِهِ حَي عَلَى الصَّلاةِ حي عَلى الفَلاحَ) يقال لهما الحيعلتان. قوله: (فَإِنّهُ يَقولُ فِي دُبرِ كُل لَفظَةٍ مِنْهمَا
стр. 511
لا حول ولا قوة إلا بالله.
ويقول في قوله: الصلاة خير من النوم: صَدَقْتَ
ــ
لَا حَولَ إلخ) فجملة ما يأتي به من الحوقلة أربع وهو ما في المجموع وقيل يأتي عند الحيعلة بمرتيها بحوقلة فجملة ما يأتي به على هذا مرتان واختاره ابن الرفعة لحديث فيه قال البقاعي من الواضح البين أن المعنى في إجابة السامع المؤذن الإيذان باعتقاده والإذعان لمراده وإن تخصيص الجواب في الدعاء إلى الصلاة والفلاح بالحوقلة المراد به سؤال المعونة على تلك الأفعال الكرام تبريًا من الحول والقوة على شيء بغير تقديره تعالى ورده الأمر إليه وأخذ الدين من معدنه وأصله اهـ. وقال الطيبي لما قيل حي أي أقبل قيل له على أي شيء أجيب على الصلاة ذكر نحوه في الكشاف في قوله تعالى: (﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] فالرجل إذا دعا بالحيعلتين كأنه قيل له أقبل بوجهك وجملتك على الصلاة عاجلًا وعلى الفلاح آجلًا فأجاب بأن هذا أمر عظيم وخطب جسيم فكيف أطيق هذا مع ضعفي وتشتت أحوالي ولكنني إذا وفقني الله تعالى بحوله وقوته لعلي أقوم بها اهـ، والحاصل أنها لما كانت فيها تفويض محض إلى الله ولذا كانت من كنوز
الجنة سنت للمجيب في هذا المقام وأيضًا من جهة المعنى إن ألفاظ الأذان غير الحيعلة يحصل الثواب بذكرها للمؤذن والمجيب والحيعلة يقصد بها الدعاء وهو خاص بالمؤذن فعوض المجيب من الثواب الذي يفوته بالحيعلة الثواب الذي يحصل بالحوقلة وفي فتح الباري ما ذكر هو المشهور عند الجمهور ولكن في بعض الأحاديث ما يقتضي أنه يقال هنا أيضًا ما قاله المؤذن حي على الصلاة حي على الفلاح فيحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح فتقول تارة كذا وتارة كذا أي كما قاله المنذري والجمع بين الحيعلتين والحوقلة وجه للحنابلة اهـ، ومما يقتضي بظاهره ذلك حديث أبي سعيد الآتي وفي شرح العباب رأيت بعض أصحابنا صرح به أي بأنه يقول الحيعلة والحوقلة وجعله وجهًا ولعله من حيث إن قائله يقول بالاقتصار عليهما ونحن لا نقول به بل نقول أنه يقول كلا منهما ثم يحوقل عقبهما اهـ، وقد جمع بينهما كذلك السيوطي في عمل اليوم والليلة وقال الأذرعي الأولى أن يقولهما احتياطًا اهـ. قال العلقمي في شرح الجامع الصغير وهو الأولى خروجًا من خلاف من قال به من الحنابلة اهـ. قال في الحرز وهو وجيه وجمع نبيه.
قوله: (وَيَقولُ فِي قَوْلِهِ الصَّلاةُ خَيرٌ منَ النوْم) أي
стр. 512
وبَرِرْتَ، وقيل: يقول: صَدَقَ رسول الله ﷺ الصلاة خير من النوم.
ويقول في كلمتي الإقامة: أقامها الله وأدامها، ويقول عقيب قوله: أشهد أن محمدًا
رسول الله: وأنا أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم يقول: رضيت بالله ربًا، وبمحمد ﷺ رسولًا، وبالإسلام دينًا، فإذا فرغ
ــ
عقب كل من مرتيه. قوله: (وَبرِرْتَ) أي بكسر الراء الأولى وحكي فتحها أي صوت ذا بر أي خير كثير لخبر ورد فيه قاله ابن الرفعة قال غيره ولم نره في كتب الحديث وقال بعض العارفين هو من قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وزاد في آخره وبالحق نطقت اهـ. قوله (وَقِيلَ يَقُولُ إلخ) وهو مناسب وسكت المصنف عن إجابة الترجيع والمختار من احتمالين أبداهما في المجموع إنه بحيث قال وهذا أظهر وأحوط قال غيره وهو كما قال خلافًا للبارزي ومن تبعه في قوله لا يجيبه لقوله ﷺ ما يقول ولم يقل مثل ما تسمعون وفارق عدم استحباب الإجابة لنحو الأصم بأن هذا سمع غير الترجيع فأجاب فيه تبعًا وذاك لم يسمع شيئًا أصلًا ومن ثم لو سمع بعضه فقط سن له أن يجيب في الجميع اهـ. قوله: (فِي كَلِمَةِ الإقَامَةِ) أي في كل من كلمتيها إذ المفرد المضاف من صيغ العموم. قوله: (أَقَامَها إلخ) للاتباع رواه أبو داود بإسناد ضعيف وزاد فيه وجعلني من صالحي أهلها ولما فيه من المناسبة وزاد في التنبيه بعد قوله وأدامها ما دامت السموات والأرض وفي النهاية أو يأتي بلفظ الأمر فيقول اللهم أقمها وأدمها واجعلني إلخ. قال الدميري وهو مروي أيضًا عن النبي ﷺ وسكت عن إجابة باقي ألفاظ الإقامة لكونه يجيبه بلفظه قال الأذرعي نقلا عن ابن كج لو ثني الإقامة عملًا باعتقاده أجيب مثنى لأنه هو الذي يقيم فأدير الأمر على ما يأتي به ويفرق بينه وبين الزيادة على الأذان حيث لا يجاب بأنه لا قائل بالزيادة فيه فلم يراع خلافه بخلاف تثنية كلمات الإقامة وخالف صاحب الإمداد فاختار إفراد الإجابة وإن ثناها المقيم اعتبارًا لعقيدة المجيب والأول أظهر فيما يظهر والله أعلم. قوله: (عَقِيبَ) بإثبات الياء وهي لغة ضعيفة الأفصح حذفها كما ذكره المصنف في
التحرير. قوله: (ثُمَّ يَقولُ رَضِيتُ بالله رَبًّا إلخ) في موجبات الرحمة وعزائم المغفرة للرد إذ اتفقت الأحاديث
стр. 513
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حديث أبي سعيد الخدري وعمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم على إن من سمع الأذان يقول مثل ما يقول وفي الحيعلة الحوقلة وانفرد سعد بن أبي وقاص بأن من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له إلخ، وهذا ليس بجواب للمؤذن والسنة الإجابة للمؤذن بمثل ما يقول وعلى ما سبق فحسن صالح لمن سمع المؤذن ولم يتحقق ألفاظه ولم يميز كلماته إما لبعد الصوت أو لعارض آخر أن يقول كما في حديث سعد وأما من عرف الألفاظ كلمة كلمة وميزها أجاب بمثل ما يقول المؤذن على ما وردت به الأحاديث ولا يقتصر على ما دون ذلك وإن قال بعد ذلك الذي روى سعد كان حسنًا اهـ، وما ذكره المصنف من الإتيان به مع إجابة الشهادتين أولى إن لم يترتب عليه ترك إجابة ما بعده وقد جرى على ذلك الحال السيوطي في كتابيه إذكار الأذكار والوظائف وزاد في الوظائف بعد قوله وبالاسلام دينًا وبالقرآن إمامًا وبالكعبة قبلة اللهم اكتب شهادتي هذه في عليين وأشهد عليها ملائكتك المقربين وأنبيائك المرسلين وعبادك الصالحين واختم عليها بآمين واجعلها لي عندك عهدًا توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد اهـ، وما زاده هو عند البيهقي ولفظه من سمع المؤذن يؤذن فقال كما يقول ثم قال رضيت بالله ربًا إلخ، برزت إليه بطاقة من تحت العرش فيها أمانة من النار وفي رواية للتميمي في الترغيب قد عتقت من النار وهو حديث غريب كما سيأتي بيان حاله وسكت ابن حجر الهيتمي في كتابه تنبيه الأخيار في ما في الكتابين لكنه تردد في شرحي المشكاة والعباب في ذلك وعبارته في شرح المشكاة يحتمل أن يقوله عند سماعه تشهد الأول أو عند الأخير أي عند قوله لا إله إلَّا الله والثاني أقرب لأن الأذان. مشتمل على سائر أصول الشريعة وفروعها وقوله المذكور فيه تصديق بالجميع فيناسب تأخيره عنه وأيضًا فذكره حال الإجابة ربما يفوت الإجابة في بعض الكلمات لتعذر أو لتعسر الإتيان به قبل أن يفرغ المؤذن ما بعد الشهادتين وزاد في شرح العباب حكاية التفضيل السابق عن الرداد ثم قال والوجه ما قدمته أي من تأخيره مطلقًا قال وكان عمر ﵁ يقول إذا سمع المؤذن مرحبًا بالقائلين عدلًا وبالصلاة أهلًا اهـ. وفي شرح العدة وللأذان خمس سنن إجابته وقوله رضيت باللهِ ربا حين يسمع التشهد
стр. 514
من المتابعة في جميع الأذان صلى وسلم على النبي ﷺ
ــ
وسؤال الله تعالى لرسوله الوسيلة والفضيلة والصلاة عليه ﷺ والدعاء لنفسه بما شاء اهـ، وينبغي أن يكون المراد من التشهد فيه قوله آخر الأذان لا إله إلَّا الله لما تقدم عن شرح العباب. قوله: (مِنَ المتابعةِ) أي يجيب عقب كل كلمة بحيث لا يقارن ولا يتأخر فلا يكفي المقارنة كما يدل عليه كلام المجموع قال ابن العماد والموافق للمنقول أنه لا تكفي المقارنة للتعقيب في الخبر وكما لو قارن المأموم الإمام في أفعال الصلاة بل أولى لأن ما هنا جواب وهو يستدعي التأخير قال ابن حجر الهيتمي ومراده من هذا القياس أن المقارنة ثمة مكروهة فليمتنع هنا الاعتداد وإن لم تمنعه ثم لأنما ثمة خارجية وهنا ذاتية كما أشار إليه تعليله للأولوية إذ مفهوم الجوابية يقتضي التأخير ومفهوم المتابعة يقتضي عدم التعدد وحاصله أن ما هنا جواب وذاته تقتضي التأخر فمخالفته ذاتية وما هناك أمر بمتابعة
لتعظيم الإمام ومخالفته مضادة لذلك فهي خارجية اهـ. وسيأتي في الكلام على الأحاديث مزيد بيان لهذا الشأن. قوله: (صَلى وَسَلم عَلَى النبي ﷺ ) وكذا تسن الصلاة لكل من المؤذن والمقيم بعد تمامهما وسكت عنه المصنف قال بعض المتأخرين وعند إرادة الإقامة ونقله عن المصنف في شرح الوسيط وألف فيه جزءًا وذكره العامري في آخر بهجة المحافل فيما يسن فيه الصلاة على النبي ﷺ فقال:
وعند ما تشرع في الإقامه ... تقربها في ساعة القيامه
قال في العباب وشرحه ويسن للمؤذن وسامعه والمقيم وسامعه لحديث فيه أورده ابن السني وذكره في الأذكار الصلاة والسلام على النبي ﷺ بعد الأذان والإقامة اهـ، وكأنه أراد حديث أبي هريرة الآتي لكنه في طلبها من السامع وهو خبر موقوف ولا حاجة في الاستدلال لطلبها من السامع المجيب إلى ذلك فقد ثبت في حديث ابن عمرو الآتي في صحيح مسلم طلبها منه والظاهر من صنيع السخاوي في القول البديع حيث لم يورد لطلبها من المؤذن خبرًا مرفوعًا بل ولا موقوفًا ولا مقطوعًا إن طلب ذلك منه بطريق القياس الأولوي
стр. 515
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على المجيب وفي شرح العباب أفتى شيخنا زكريا وغيره بأن ما يفعله المؤذنون الآن من الإعلان بالصلاة والسلام مرارًا حسن لأن ذلك مشروع عقب الأذان في الجملة فالأصل سنة والكيفية حادثة وفي القول البديع وقد اختلف في ذلك هل هو مستحب أو مكروه أو بدعة أو مشروع فاستدل للأول بقوله تعالى: (وَافعَلُوا الخَيرَ) [الحج: ٧٧] ومعلوم أن الصلاة والسلام عليه ﷺ من أجل القرب لا سيما وقد تواترت الأخبار على الحث على ذلك مع ما جاء في فضل الدعاء عقب الأذان والثلث الأخير من الليل وقرب الفجر والصواب أنه بدعة حسنة يؤجر فاعله بحسب نيته اهـ، وهو مصرح بدليل الصلاة عليه ﷺ عقب الأذان كما قدمته.
فائدة
أول ما زيدت الصلاة والسلام على النبي ﷺ بعد كل أذان على المنارة في زمن السلطان المنصور حاجي بن الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون بأمر المحتسب نجم الدين الطنبدي في شعبان سنة إحدى وتسعين وسبعمائة وكان حدث قبل ذلك في أيام صلاح الدين بن أيوب أن يقال قبل أذان الفجر كل ليلة بمصر والشام السلام على رسول الله ﷺ واستمر إلى سنة سبع وستين وسبعمائة فزيد فيه بأمر المحتسب صلاح الدين البرلسي أن يقال الصلاة والسلام عليك يا رسول الله إلى أن جعل عقب كل أذان كما مر وأول ما حدث التسبيح بالأسحار على المنائر في زمن موسى ﵇ حين كان بالتيه واستمر إلى بناء داود ﵇ بيت المقدس فرتب فيه عدة يقومون به على الآلات وبغيره بلا آلات من ثلث الليل الأخير إلى الفجر إلى أن خرب بيت المقدس بعد قتل يحيى وحدوثه في ملتنا بمصر لأن مسلمة بن مخلد الصحابي أمير مصر لما اعتكف بجامع عمرو سمع أصوات النواقيس عالية فشكا إلى شرحبيل بن عامر عريف المؤذنين فقال إني أمد الأذان من نصف الليل إلى قريب الفجر فإنهم أن ينقسوا إذا أذنت ففعل ثم لما ولى أحمد بن طولون رتب جماعة نوبًا
يكبرون ويسبحون ويحمدون ويقولون قصائد زهدية وجعل لهم أرزاقًا واسعة ومن ثم اتخذ الناس قيام المؤذنين في الليل على المنائر فلما ولي صلاح الدين بن أيوب وحمل الناس على اعتقاد مذهب الأشعري أمر المؤذنين أن يعلنوا وقت التسبيح بذكر العقيدة الأشعرية التي تعرف بالمرشدية فواظبوا على ذكرها كل ليلة وفي القول البديع
стр. 516
ثم قال: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة
ــ
نقل عن أبي سهل من المالكية في كتابه الأحكام حكاية الخلاف في تسبيح المؤذنين في الثلث الأخير من الليل ووجه من منع ذلك أنه يزعج النوام وقد جعل الله الليل سكنًا وفي هذا نظر والله الموفق اهـ، وأول ما حدث التذكير يوم الجمعة ليتهيأ الناس لصلاتها بعد السبعمائة زمن الناصر بن قلاوون. قوله: (ثَم قَال) ظاهر عطفه هنا كالروضة بثم أن السنة لا تتأدى بتقديم هذا الدعاء على الإجابة والحديث الآتي في مسلم مقتض لذلك وهو ظاهر وأن عطف الرافعي وغيره بالواو المقتضي للحصول والله أعلم. قوله: (رَبّ هذِهِ الدعْوَةِ) بفتح الدال معناها الدعاء والمراد بها الأذان والإقامة ورب إما منادى أو بدل من اللهم لا وصف له لما تقدم أنه ممنوع عند سيبويه قال في النهاية رب هذه الدعوة أي صاحبها وقيل المتمم لها والزائد في أهلها والعمل بها والإجابة لها اهـ. قوله: (التَّامَّةِ) أي السالمة من تطرق نقص إليها والمشتملة على أصول الشريعة وفروعها بعضها بالتصريح وبعضها بالإشارة والتلويح كما مر وقيل سميت بذلك لكمالها وعظم موقعها وقال ابن التين لأن فيها أتم القول وهو لا إله إلا الله وقيل المراد بالتامة التي لا تغيرها ملة ولا تنسخها شريعة قال في الحرز وقال الخطابي في كتاب شأن الدعاء: وصفها بالتمام لأنها ذكر الله تعالى يدعي بها إلى طاعته وهذه الأمور التي تستحق وصف الكمال والتمام وما سواها من أمر الدين فمعرض للنقص والفساد وكان الإمام أحمد يستدل بذلك على أن القرآن غير مخلوق إذ ما من مخلوق إلَّا وفيه نقص اهـ، وقيل وصفت بالتمام لأن ما اشتملت عليه من أصول الشريعة وفروعها وما والاها هي المستحقة وصف التمام والكمال وما سواها من الأمور الدنيوية في معرض الفساد والنقص والزوال وقيل لأن هذه الكلمات محمية عن التغيير والتبديل باقية إلى النشور وقيل المراد من الدعوة التامة دعوة التوحيد كقوله تعالى: (دَعوَةُ الحَقِّ) [الرعد: ١٤] وقيل لدعوة التوحيد تامة لأن الشركة نقص. قوله: (وَالصلاةِ القائِمَةِ) التي ستقوم وتحضر أو الدائمة التي لا تغيرها ملة ولا تنسخها شريعة قال الحافظ ابن حجر والمراد بالصلاة المعهودة المدعو إليها حينئذٍ.
قلت وعليه الجمهور وقال الطيبي من أوله إلى محمد رسول الله ﷺ هي الدعوة التامة والحيعلة هي الصلاة القائمة في قوله ويقيمون الصلاة ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة الدعاء
стр. 517
والفضيلة، وابعثه مقامًا
محمودًا
ــ
وبالقائمة الدائمة من قام على الشيء دام عليه وعلى هذا فقوله الصلاة القائمة بيان الدعوة التامة اهـ. قوله: (وَالفَضِيلَةَ) زاد في أصل الروضة والدرجة الرفيعة قال جماعة ولا وجود لها في كتب الحديث ولكن لا بأس به والفضيلة معطوف على الوسيلة عطف بيان أي عطف نسق للبيان والتفسير فهو عطف تفسير كما عبر بذلك ابن حجر في شرحه على المنهاج وجوز فيه كونه من عطف الأعم وقال السيوطي قال الحافظ ابن حجر الفضيلة أي المرتبة الزائدة على سائر الخلق ويحتمل أن تكون منزلة أخرى أو تفسيرا للوسيلة اهـ، وظاهر أنه على الأول من عطف الأعم وعلى الثاني من عطف المغاير وعلى الأخير من
عطف التفسير. قوله: (مَقَامًا مَحْمُودًا) بالنصب على الظرفية في مقام ونكر كما في الآية تفخيمًا أي مقامًا أي مقام يكل أن تصفه السنة الحامدين وفي شرح العباب هو بالتنكير في رواية البخاري ورواه ابن حبان بالتعريف اهـ. وفي شرح دعاء أبي حربة للأهدل وقع في رواية المقام المحمود بالتعريف وتبعه كذلك البغوي في المصابيح والرافعي في المحرر وكذا في أكثر كتب الفقه قال الأسنوي في شرح المنهاج: وفي السنن الكبرى وصحيح ابن حبان عن شيخه ابن خزيمة وابعثه المقام المحمود أي بالتعريف اهـ. وفي حاشية سنن أبي داود للسيوطي هكذا ورد هنا معرفًا ورواه البخاري والترمذي منكرًا اهـ.
إن قلت يمنع من نصبه على الظرفية أنه اسم مكان غير مبهم وهو لا ينتصب على الظرفية.
قلت هو مشابه للمبهم فله حكمه ويجوز أن يكون ملاحظًا في البعث معنى الإعطاء فيكون مفعولًا ثانيًا ويجوز أن يكون منصوبًا على المصدرية أي ابعثه فأقمه مقامًا محمودًا أو ضمن ابعثه معنى أقمه ويجوز أن يكون حالًا أي أبعثه ذا مقام محمود كذا قرره صاحب الكشاف في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] والمقام المحمود هو المراد في تلك الآية وهو يطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات وقد اختلف في المراد به فيها فقيل شهادته على أمته بالإجابة من تصديق أو تكذيب وقيل إن الله أعطاه لواء الحمد يوم القيامة وقيل هو أن يجلسه الله على العرش وقيل على الكرسي حكاهما ابن الجوزي عن جماعة وقيل هو الشفاعة العظمى في فصل القضاء يحمده فيه الأولون والآخرون ويؤيد هذا الأخير تفسيره في عدة أحاديث
стр. 518
الذي وعدته.
ثم يدعو بما شاء من أمور الآخرة والدنيا.
روينا عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ
ــ
بالشفاعة وزعم الواحدي إجماع المفسرين عليه قال في القول البديع وعلى تقدير صحة الأقوال فلا تنافي بينها لاحتمال أن يكون الإجلاس علامة الإذن في الشفاعة فإذا جلس أعطاه الله اللواء وشهد بالإجابة ويحتمل أن يكون المراد بالمقام المحمود الشفاعة كما هو المشهور وأن الإجلاس هي المنزلة المعبر عنها بالوسيلة والفضيلة وقد ورد في صحيح ابن حبان يبعث الله الناس فيكسوني ربي حلة خضراء فأقول ما شاء الله أن أقول فذلك المقام المحمود وقال شيخنا ويظهر أن المراد بالقول المذكور هو الثناء الذي يقدمه بين يدي الشفاعة وإن المقام المحمود هو مجموع ما يحصل له في تلك الحالة اهـ.
فإن قلت ما الحكمة في سؤال ذلك مع كونه واجب التحقق إذ عسى في الآية للتحقق.
قلت إظهار شرفه وعظيم منزلته. قوله: (الذِي وَعَدْته) منصوب المحل صفة لمقام محمود إن قلنا إن المقام المحمود صار علمًا لذلك المقام وإن كان على صورة النكرة وظاهر أن المراد منه أنه وضع لذلك لا أنه صار علمًا بالغلبة لأن العلم بالغلبة لا يكون إلأفي المعرف بال أو المضاف إليه وما هنا ليس منهما أو بدل أو نصب على المدح بتقدير أعني أو خبر مبتدأ محذوف وعلى رواية المقام المحمود لا إشكال ويكون صفة ولا يجوز أن يكون صفة للنكرة باقيًا على نكارته والمراد وعدته أي بقولك ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ وأطلق عليه الوعد لأن عسى من الله واقع كما صح عن
ابن عيينة وغيره وزاد البيهقي في رواية على ما ذكر إنك لا تخلف الميعاد وأما زيادة بعضهم يا أرحم الراحمين فردوها بأنه لا وجود لها في كتب الحديث.
فائدة
روى الطبراني حديث إذا قال الرجل حين يؤذن المؤذن اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة أعط محمدًا سؤله يوم القيامة نالته شفاعة محمد ﷺ ويؤخذ منه استحباب ذلك وإن كان الأول أصح وظاهره أنه يقول الذكر المذكور حال الأذان ولا يتقيد بفراغه لكن يحتمل أن يكون المراد من الأذان تمامه إذ المطلق يحمل على الكامل ثم سؤله بضم السين المهملة وإسكان الهمزة معناه حاجته والسؤال والسؤلة مسألة الإنسان من حاجته والمراد به الشفاعة
стр. 519
"إذا سَمِعْتُمُ النداءَ
ــ
العظمى والدرجة العليا مما أعده الله لنبيه الأكرم ﷺ وروى ابن السني إذا سمعتم المؤذن يؤذن فقولوا اللهم افتح أقفال قلوبنا بذكرك وأتمم علينا نعمتك من فضلك واجعلنا من عبادك الصالحين قال في الإيعاب فينبغي ندب ذلك وإن لم يذكروه وقد ذكر في الحصن أذكارًا أخر تقال عند إجابة المؤذن وينبغي ندب جميع ذلك هنا كما تقدم نظيره عن الإيعاب.
فائدة أخرى
أفتى البلقيني فيمن وافق فراغ وضوئه فراغ الأذان قال وحسن أن يأتي بشهادتي الوضوء ثم دعاء الأذان لتعلقه بالنبي ﷺ ثم بالدعاء لنفسه وهذه الفائدة تقدم ذكرها فيما يقال بعد الوضوء وأعيدت هنا لمناسبتها بهذا الباب أيضًا. قوله: (إِذَا سَمِعْتُم الندَاءَ) أي الشامل للأذان والإقامة وظاهر قوله سمعتم اختصاص الإجابة بمن سمع المؤذن فوق المنارة مثلًاوعلم أنه يؤذن فلا يشرع له المتابعة قاله المصنف في شرح المهذب قيل وفيه بحث لجواز أن يكون التقييد بالسماع لكونه خرج مخرج الغالب لا مفهوم له قال ابن العماد ولأنهم عللوا استحباب وضع المؤذن أصبعيه في صماخيه بأن الأصم يستدل على كونه يؤذن وقضية ندب الإجابة له لأنه مدعو فليجب بالقول كالفعل واعترض بأنه ليس في محله وليس قضية علتهم هذه كما لا يخفى ولا يلزم من ندب ذلك حتى يجيب بالفعل أنه يجيب بالقول سيما والإجابة متعلقة بالسماع كما دل عليه الحديث قال الزركشي وغيره لو سمع البعض أجاب فيه وفيما لا يسمعه تبعًا وعليه فهل يبتدئ من أوله أو يجيب عما سمع ثم يقضي ما فات فيه تردد ويتجه ترجيح الثاني لأن الأولى أن لا يشتغل بغير إجابة ما سمعه وفي شرح المشكاة لابن حجر يسن لسامع الأذان والإقامة المشروعين وإن سمع صوتًا لا يفهمه إجابتهما اهـ. لكن في شرحه على المنهاج ويسن لسامعه كالإقامة بأن يفسر اللفظ وإلا لم يعتد بسماعه وهو مخالف للأول وعلى الأخير المعول إذ ذلك السماع كلا سماع ولذا يقرأ المأموم إذا كان يسمع قراءة الإمام كذلك والله أعلم وظاهر الحديث أيضًا أن الإجابة لا تختص بالمؤذن الأول حتى يجيب من أذن ثانيًا وفيه خلاف حكاه الطحاوي وغيره وقال المصنف في شرح المهذب لا نص فيه لأصحابنا والمختار أنه يختص بالأول
стр. 520
فقُولوا مِثْلَ ما يقُولُ المُؤذّنُ"
ــ
لأن الأمر لا يفيد التكرار وأما أصل الفضيلة والثواب في المتابعة فلا يختص اهـ. وقال ابن عبد السلام إن أذنوا معًا كفت إجابة واحدة أو مرتبًا فالظاهر ندب إجابة الكل والأول آكد وفي إيجاز الرافعي خطر لي أنه إذا سمع المؤذن الأول وأجابه وصلى في جماعة لا يجيب ثانيًا لأنه غير مدعو بهذا الأذان قال الأسنوي وهو حسن إلا أن استحباب الجماعة لمن صلى في جماعة يخدشه فالمختار الأول وقال الجلال البلقيني ما قاله الرافعي اختيار له والفتوى على الأول لأن أل في النداء في الحديث للجنس فاختيار الزركشي وغيره ما قاله الرافعي ضعيف ويوجه ما قاله الأسنوي من الخدش بأن قياس طلب الجماعة ثانيًا يقتضي ندب الإجابة ثانيًا لأنه مدعو بالثاني من حيث أنه يندب له الاعادة معهم ولا ينافيه ما مر من عدم ندب الأذان للمعادة كما لا يخفى لأن محله فيمن أراد أن يؤذن لها قصدًا وما هنا فيمن أراد أن يؤذن لجماعة غير معادة فيسن لمن سمعه إجابته لأنه مقتد به حتى بالنسبة إليه لكن تبعًا لا استقلالًا اهـ. وقضية كلام الأسنوي أنه لا يجاب الأذان الثالث إذا أعاد الصلاة مع الثاني لأنه غير مدعو إلى هذه الجماعة لأن الأصح إن الإعادة لا تزاد على مرة والله أعلم.
قوله: (فَقولُوا مثلَ مَا يقولُ المؤَذّنُ) قال المصنف هذا عام مخصوص بحديث عمر أنه يقول في الحيعلتين لا حول ولا قوة إلَّا بالله اهـ. وفي البدر المنير حديث عمر يبين إطلاق حديث أبي سعيد وفي الأحكام للقلقشندي قال الحنابلة بقضية هذا الحديث أي أنه يجيب في الجميع بلفظ المؤذن ومشهور مذهب مالك أنه يحكيه إلى آخر الشهادتين لأنه ذكر وما بعده بعضه ليس بذكر وبعضه تكرار لما سبق ويحكي الشهادتين مرة واحدة وذهب الشافعي والجمهور إلى أن السامع يبدل الحيعلة بالحوقلة لحديث معاوية المخرج في البخاري وحديث عمر المخرج في مسلم ففيهما ذلك صريحًا فيخص بهما عموم هذا الحديث ونحوه اهـ. وحكى ابن عبد البر في التمهيد عن بعضهم أنه يجيب الشهادتين ثم يجيب الحيعلتين بالحوقلتين على حسب ما يأتي بهما المؤذن ثم لا يزيد على ذلك وليس عليه أن يختم الأذان وعن آخرين إنما يقول مثل ما يقول المؤذن في التشهد دون التكبير وسائر الأذان أخذًا من حديث سعد بن أبي وقاص الآتي ثم ظاهر هذا الحديث كما قال ابن سيد الناس أن يقول مثل ما يقول المؤذن عقب فراغ
стр. 521
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المؤذن لكن الأحاديث المتضمنة للإجابة على أن المراد المساوقة اهـ. وقال الكرماني إنما قال مثل ما يقول ولم يقل مثل ما قال ليشعر بأنه يجيب بعد كل كلمة بمثل كلمتها اهـ. ويدل له حديث عمر الآتي وحديث النسائي وغيره من حديث أم حبيبة أنه ﷺ كان يقول كما يقول المؤذن حتى يسكت وقال الشافعية يستحب التتابع عقب كل كلمة أي بحيث لا يقارن ولا يتأخر للحديث المذكور أي إذا سمعتم كل كلمة منها فقولوا مثلها وظاهر قول المصنف في المجموع ولا يقارنه إن المقارنة خلاف الأولى أو مكروهة وقال ابن العماد الموافق للمنقول إن المقارنة لا تحصل السنة للتعقيب المصرح به في الخبر وتقرر في باب الجماعة أن مقارنة المأموم في أفعاله مانعة من حصول فضل الجماعة لخبر وإذا ركع فاركعوا وهذا مثله وبل أولى إذ هو جواب وهو لا يسمى جوابًا إلا إذا تأخر ولك أن تقول الفاء التي للتعقيب هي العاطفة أما التي هنا فللربط فقط لأنها وقعت جواب الشرط فعليه لا يقتضي تأخر الجواب إلا على القول بتقدم الشرط على الجزاء
وقال قوم إن الجزاء مع الشرط ثم رأيت ابن العز الحجازي أشار إلى ذلك في خبر الصحيحين وإذا ركع فاركعوا وبحث الأسنوي في الاعتداد بالإجابة وإن ابتدأ مع ابتداء المؤذن أو بعده سواء فرغ المؤذن قبله من تلك الكلمة أم فرغا معًا بخلاف ما لو أتى ببعض الألفاظ قبل ابتداء المؤذن بها فإنه لا يعتد به قطعًا واستدل له بخبر أبي سعيد المذكور قبل والاستدلال له به عجب إذ هو نص في الرد كما هو أوضح عند من تأمل قوله فقولوا المرتب على السماع الصادق بسماع كل كلمة ثم الإجابة عقبها وسماع الكل ثم الإجابة عقبه وكل من الأمرين مناف لما قاله الأسنوي وحينئذٍ فهذا الخبر موافق لخبر عمر الآتي المعين لأحد ذينك الاحتمالين لكن باعتبار الأفضلية دون أصل السنة لحصولها وإن تأخرت الإجابة عن سماع كل الأذان هذا.
وأخذ ابن دقيق العيد من قوله مثل ما يقول إن لفظ المثل لا يقتضي المساواة من كل وجه إذ لم يرد مماثلة المؤذن في كل أوصافه حتى رفع الصوت وتعقبه في فتح الباري بأن المماثلة وقعت في القول لا في صفته والفرق بين المؤذن والمجيب في ذلك أن مقصود المؤذن الإعلام فاحتاج إلى رفع الصوت ومقصود المجيب ذكر الله وهو حاصل مع عدم رفع الصوت لكن لا يكفيه إجراؤه على الخاطر اهـ. وقيل ظاهر الخبر وجوب الإجابة قال ابن قدامة الحنبلي ولا أعلم أحدًا قال به قال القلقشندي حكى الطحاوي
стр. 522
رواه البخاري ومسلم في "صحيحيهما".
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا سَمِعْتُمُ المُؤذّنَ فقُولوا مِثلَ مَا يَقُولُ، ثم صَلُّوا عَلي،
ــ
والخطابي والقاضي عياض الوجوب عن بعض السلف قيل والصارف عن الوجوب ما وقع في الحديث الآخر ثم صلوا علي ثم سلوا لي الوسيلة وهما مستحبان وتعقب بأن هذا من دلالة الاقتران اهـ، وظاهر عموم الحديث أن المصلي يطلب منه إجابة الأذان وسيأتي تفصيله.
قوله: (رَوَاه البُخاري ومُسلم) وكذا رواه أصحاب السنن الأربعة كذا في الحصين وشرح العمدة للقلقشندي وزاد ومالك وأحمد وابن حبان والطبراني والإسماعيلي وأبو عوانة وابن السني والدارقطني في السنن وأبو نعيم والبيهقي وغيرهم كلهم من حديث أبي سعيد زاد الحافظ في تخريجه وأخرجه أحمد وأشار الحافظ إلى اختلاف على الزهري في الحديث فقال قال الترمذي روى معمر وغير واحد عن الزهري هكذا أي عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد ورواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة والصحيح رواية مالك ومن تابعه أي كمعمر فقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه رواية معمر ومالك عن الزهري ورواية الغير لعله يريد ابن جريج فقد أخرجه أبو عوانة من روايته عن الزهري وكذا رواه عبد الله بن وهب أخرجه أبو عوانة أيضًا ورواية عبد الرحمن بن إسحاق التي أشار إليها الترمذي أخرجها النسائي وابن ماجة من روايته وحكم أحمد بن صالح وأبو حاتم والدارقطني عليها بالشذوذ وحكى الدارقطني في غرائب مالك أن بعضهم روى الحديث عن مالك فقال عن الزهري عن أنس وأوردها أبو نعيم في الحلية في ترجمة مالك وخطأها هو والدارقطني وذكر الحافظ فيه اختلافًا آخر فقال ومعظم من رواه ذكره بصيغة الأمر وأغرب زيد بن حبان فذكره بلفظ كان إذا سمع المؤذن قال مثل ما يقول أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عنه اهـ.
قوله: (إِذَا سَمعتُمُ المُؤَذّنَ) على حذف مضاف أي أذان المؤذن ولكونه مقدرًا اقتصر على
المفعول وإلا فسمع إذا دخل على غير مسموع تعين أن يؤتى بجملة اختلف فيها فقيل مفعول ثانٍ ليسمع بناء على أنه متعد لاثنين والصحيح أن الجملة حال إن كان المفعول معرفة ووصف إن كان نكرة. قوله: (ثُمَّ صَلُوا عَليّ) قضية الإتيان بثم فيه وفيما بعده اعتبار الترتيب في حصول السنية وهو كذلك
стр. 523
فإنَّهُ مَنْ صَلى عَلي صَلاةَ صَلى اللهُ عَلَيْهِ بِها عَشْرًا، ثم سَلُوا اللهَ لِيَ
ــ
كما تقدم. قوله: (فإِنهُ مَنْ صلى عَليَّ صَلاةً صلى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا) استشكل بأن هذا الثواب غير مختص بالصلاة عقب الإجابة إذ كل من فعل حسنة فإنها تضاعف بعشر أمثالها قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] فجعل كل حسنة مضاعفة بعشر أمثالها والصلاة عليه ﷺ من جملة المضاعف إلى ما ذكر فما فائدة ما ذكر في الحديث.
وأجيب بأن فيه فائدة أي فائدة فإن القرآن إنما اقتضى إن من جاء بالحسنة تضاعف له عشرًا فالصلاة على النبي ﷺ اقتضى القرآن أن يعطي بها عشر درجات في الجنة واقتضى الحديث الإخبار بأنه كما لم يجعل جزاء ذكره إلا ذكره كما في الحديث القدسي إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه كذلك جعل جزاء الصلاة على النبي ﷺ ذكره تعالى له وهذا كما قال ابن العماد في كشف الأسرار إنما يكون إذا قصد بالصلاة عليه ﷺ التحية والطاعة والقرب أما إذا اتخذها عادة كالبياع الذي يقولها على معاشه فإنه لا يثاب عليها لأنه يقولها للتعجب من حسن بضاعته تنفيقًا لها بل حكى الحليمي في المنهاج أنه يكفر بذلك اهـ، وسيأتي لهذا المقام مزيد في الربع الأخير في باب التسبيح والتهليل عند التعجب في شرح مسلم للأبي نقل القاضي عياض عن بعض شيوخه أنه كان يرى اختصاص ذلك بمن قاله مخلصًا مستحضرًا جلال النبي ﷺ أما من قصد بذلك مجرد الثواب ونحوه فلا وفيه نظر اهـ. وقال الحافظ ابن حجر أنه تحكم غير مرضي اهـ. ولو أخرج الغافل والساهي لكان أشبه ثم ما في هذا الخبر من كون جزاء من صلى عليه ﷺ عشرًا أقل ما ورد فيه، وورد في خبر آخر بسند ضعيف من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها سبعين فليستكثر أحدكم أو ليقل وسيأتي من الأخبار جملة صالحة إن شاء الله تعالى في باب الصلاة على النبي ﷺ ثم قال صاحب اللواء المعلم صريح كلام الأصحاب قاطبة هنا يقتضي الاقتصار على الصلاة دون السلام للحديث المذكور فإنه ليس فيه إلَّا الصلاة لكن جزم النووي في أذكاره باستحبابه أيضًا من غير ذكر دليل على ذلك فإنه استدل بالحديث المذكور وليس
стр. 524
الوَسِيلَةَ، فإنها مَنزِلةٌ في الجَنّةِ
ــ
فيه إلا ذكر الصلاة فكأنه أخذ من القول بكراهة الإفراد وقد تبعه الأردبيلي في أنواره فجزم باستحباب السلام لكن النووي اقتصر في سائر كتبه على السلام فقط اهـ، وأشار إلى تناقض وقع للمصنف والظاهر لا أنه لا تناقض لأن قوله في المنهاج كغيره ولكل أن يصلي على النبي ﷺ يعني مع السلام لأنه نص على الكراهة في أذكاره وأيضًا فإطلاق الصلاة على هذا يستلزم السلام كاستلزام إطلاق سورة الحمد على الفاتحة مع البسملة كما هو مقرر فلا تناقض. قوله: (الْوَسِيلَةَ) قال اللغويون هي ما يتقرب به إلى الملك والكبير وتطلق على المنزلة العلية كما صرح به قوله في الحديث فإنها منزلة في الجنة ويمكن ردها إلى الأول بأن الواصل إلى تلك المنزلة قريب من الله فتكون كالقربة التي يتوسل بها وقال المصنف قال أهل اللغة الوسيلة منزلة عند الملك وقال هي أن تكون عند الله بمنزلة الوزير عند الملك لا يخرج لأحد رزق ولا منزلة إلّا
على يديه وبواسطته.
قلت وما أحسن قول بعض العارفين:
وأنت باب الله أي امرئ ... أتاه من غيرك لا يدخل
واختلف المفسرون في المراد بالوسيلة في قوله تعالى ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] فقيل القربة وحكي عن ابن عباس ومجاهد وآخرين قال عطاء تقربوا إليه بما يرضيه واختاره الواحدي والبغوي والكشاف فقال الوسيلة كل ما يتوسل به أي يتقرب من قراءة أو صنيعة ومن هذا القول التوسل إلى الله تعالى بنبيه وقيل المحبة أي تحببوا إليه تعالى حكاه الماوردي وأبو الفرج عن أبي زيد وهو راجع إلى معنى الأول قال السيوطي نقلًا عن القرطبي في قوله ثم سلوا لي الوسيلة أنه ﷺ قال ذلك قبل أن يوحى إليه أنه صاحبها ثم أخبر بذلك ومع ذلك فلا بد من الدعاء بها فإن الله تعالى يزيده بكثرة دعاء أمته رفعة كما زاده بصلاتهم ثم أنه يرجع ذلك عليهم بنيل الأجور ووجوب شفاعته اهـ، وفيه نظر لأن في الخبر أنه يرجو ذلك ورجاؤه لا يخيب كما في القول البديع فالأولى أن سبب سؤال ذلك مع كونه حاصلًا له التواضع والخضوع لربه وأداء حق مقام السؤال مع ما في ذلك من الثواب العائد إلى الداعي له بذلك من أمته والله أعلم ثم رأيت في كلام بعض المحققين ما يشهد لما قلته وهو. قوله: فائدة ذلك إعلامنا بأن الله لا يجب عليه أن يفعل شيئًا لأحد من خلقه دان له أن يفعل
стр. 525
لا تَنْبَغي إلا لِعَبْدِ مِنْ عِبادِ اللهِ وأرجُو أن أكُونَ أنا هوَ، فَمَنْ سأل لِيَ الوَسِيلة حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ"
ــ
بمن شاء ما شاء وإن جلمت مرتبته ففي ذلك أعظم إظهار تواضعه وخوفه المقتفي لمزيد رفعته وعلوه ففيه فائدة عائدة عليه ﷺ وعلينا وقد غفل من لم يمعن النظر في هذا المقام عما ذكرته فأجاب بانحصار فائدة ذلك لنا بامتثال ما أمرنا به في حقه الشريف اهـ، وهو في غاية الحسن. قوله: (لَا تَنْبَغِي إِلَّا لعبد إلِى إلخ) أي يختص بها دون غيره. قوله: (وَأَرْجُو أَنْ أَكونَ أَنَا هُوَ) قال الأبي في شرح مسلم قيل أنا تأكيد للضمير المستتر في أكون وهو خبر وضع موضع إياه ويحتمل أن يكون أنا مبتدأ وهو خبر والجملة خبر أكون ويمكن أن يقال أن "هو" وضع موضع اسم الإشارة أي أكون أنا ذلك العبد كقوله:
فيها سواد من خطوط وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق
قيل لقائله إن أردت المخطوط فقل كأنها وإن أردت السواد والبلق فقل كأنهما فقال أردت كأن ذلك اهـ، ثم ذكر لفظ الرجاء مع أن ذلك له قطعًا أدبًا وإرشادًا وتعليمًا للأمة وتذكيرًا بالخوف وتفويضًا إليه تعالى بحسب مشيئته ليكون، ليكون الطالب للشيء بين الخوف والرجاء وسيأتي في كتاب المدح أن الرجاء من الله تعالى ومن نبيه ﷺ واقع. قوله: (حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ) أي وجبت كما في عدة روايات منها رواية الطحاوي، أو نزلت عليه فعلى الأولى يكون مضارعه يحل بكسر الحاء وعلى الأخير بضمها ولا يجوز أن يكون حلت من الحل لأنها لم تكن قبل ذلك محرمة واللام بمعنى على ويؤيده رواية لمسلم حلت عليه شفاعتي ثم رواية مسلم هذه كرواية البخاري الآتية خالية عن الإشكال ووقع في رواية النسائي والترمذي إلا حلت له شفاعتي بزيادة إلا وهو مشكل لأن جزاء الشرط لا يقترن بإلا
وأول بان حمل على معنى لا يسأل ذلك أحد إلا وجبت له شفاعتي ثم معنى وجبت له الشفاعة أنها ثابتة لا بد منها بالوعد الصادق وفي الخبر بشرى عظيمة لقائل ذلك أنه يموت على الإسلام إذ لا تجب شفاعته ﷺ إلا لمن مات كذلك وشفاعته ﷺ لا تختص بالمذنبين بل تكون برفع الدرجات أو تضعيف الحسنات أو بالكرامة بإيوائه إلى ظل العرش أو كونه في برزخ أو على منابر والإسراع بهم
стр. 526
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلى الجنة وغير ذلك من خصوص الكرامات الواردة لبعض دون بعض وقوله له أي يخص بشفاعة ليست بغيره أو تفرد شفاعته مما يحصل لغيره تشريفًا له وإن دخوله في الشفاعة لا بد منه وقد رأيت أذكر معنى الشفاعة وأقسامها في هذا المكان تتميمًا للفائدة فأقول ذكر الغزالي في معنى الشفاعة وسببها كلامًا نفيسًا حاصله أنها نور يشرف من الحضرة الإلهية على جوهر النبوة لشدة المحبة وكثرة الذكر بالصلاة على النبي ﷺ ومثاله نور الشمس إذا وقع على الماء فإنه ينعكس منه إلى محل مخصوص من الحائط دون جميعه وسبب الاختصاص المناسبة بينه وبين الماء في الموضع الذي أخرج منه خط إلى موضع النور حصلت منه زاوية تلي الأرض مساوية للزاوية الحاصلة من الخط الخارج من الماء إلى قرص الشمس بحيث لا يكون أوسع منها ولا أضيق ولهذا لا يمكن إلَّا في موضع مخصوص من الجدار فكما أن المناسبات الوضعية تقتضي الاختصاص بانعكاس النور فالمناسبات المعنوية العقلية تقتضي ذلك أيضًا في الجواهر المعنوية ومن استولى عليه التوحيد فقد تأكدت مناسبته مع الحضرة الإلهية وأشرق عليه النور من غير واسطة ومن استولى عليه السنن والاقتداء به ﷺ ومحبته ومحبة أتباعه ولم يرسخ قدمه في ملاحظة الوحدانية لم يستحكم مناسبته إلَّا مع الواسطة فافتقر إلى الواسطة في اقتباس النور كما يفتقر الحائط الذي ليس مكشوفًا للشمس إلى واسطة الماء المكشوف للشمس وإلى مثل هذا ترجع حقيقة الشفاعة في الدنيا فالوزير الأقرب للملك يحمله على العفو عن جرم أصحابه لا لمناسبة بينهم وبين الملك بل بينهم وبين الوزير المناسب للملك ففاضت عليهم العناية بواسطة الوزير لا بواسطة أنفسهم ولو ارتفعت الواسطة لم تشملهم العناية أصلًا لأن الملك لا يعرفهم ولا يعرف اختصاصهم بالوزير إلّا بتعريفه وإظهار الرغبة في العفو عنهم فسمي لفظه في التعريف إظهارًا للرغبة شفاعة مجازًا وإنما والشفيع مكانته عند الملك واللفظ والتسمية مستغن عن التعريف ولو عرف الملك حقيقة اختصاص غلام الوزير لاستغنى عن التعريف وحصل العفو بشفاعة لا نطق فيها ولا كلام والله تعالى عالم به ولو أذن للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما هو معلوم له لكانت ألفاظهم أيضًا ألفاظ الشفعاء وإذا أراد الله تعالى أن يمثل حقيقة الشفاعة بمحال يدخل في الحس والخيال لم يكن ذلك التمثيل إلّا بألفاظ مألوفة في
стр. 527
رواه مسلم في "صحيحه".
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قال المُؤذنُ: اللهُ أكْبَرُ اللهُ أكْبَرُ،
ــ
الشفاعة ويدل على انعكاس النور بطريق المناسبة إن جميع ما ورد من الأخبار على استحقاق الشفاعة معلق بما يتعلق به من صلاة عليه أو زيارة لقبره أو جواب مؤذن والدعاء له عقبه وغير ذلك مما يحكم علاقة المحبة والمناسبة معه ﷺ اهـ. وقال الرازي الشفاعة أن يستوهب أحد لأحد شيئًا ويطلب له حاجة وأصلها من الشفع ضد الوتر كأن صاحب الحاجة كان فردا فصار الشفيع له شفعًا أي صارا زوجًا اهـ. وأما أنواع شفاعته ﷺ فكثيرة حتى بلغ منها بعض المتأخرين إلى أحد وعشرين منها ما هو مختص به ومنها ما يشاركه فيه غيره من باقي الأنبياء أو
الملائكة أو العلماء فمن ذلك الشفاعة العظمى يوم القيامة لأهل الجمع ليريحهم الله مما هم فيه بفصل القضاء وهو المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون كما سبق ولمن يدخل من أمته الجنة بغير حساب ولقوم عصاة دخلوا النار بذنوبهم فيخرجون ولقوم استحقوا دخول النار فلم يدخلوها وفي قوم حبستهم الأوزار ليدخلوا الجنة ولقوم من أهل الجنة في رفع درجاتهم فيعطى كل أحد ما يناسبه ولمن مات بالمدينة الشريفة ولمن زار قبره ولمن أجاب المؤذن ولمن سأل الله له الوسيلة ولفتح باب الجنة كما رواه مسلم ولقوم من الكفار لهم سابقة خدمة عنده ﷺ أو صدر منهم نوع خدمة في حقه فإنه يخفف عذابهم بشفاعته ﷺ والأوليان من خصائصه ﷺ ويجوز أن يشاركه في الرابعة والسادسة غيره من الأنبياء والعلماء والأولياء أفاده النووي في الروضة والأولى لا ينكرها أحد من فرق الأمة وكذا لا خلاف في وقوع السادسة أما الثانية فخصتها المعتزلة بمن لا تبعية عليه وأنكروا الثالثة لكن أطبق عليها أهل السنة لثبوت الأخبار الكثيرة فبادر للصلاة والسلام على النبي المختار وسؤال الوسيلة لتظفر بأنواع الشفاعة ولا تغفل عقب الأذان عن هذا المقام فبذلك تستوجب الشفاعة من سيد الأنام ﵊. قوله: (رَوَاه مُسلم فِي صحيحه) قال الحافظ بعد تخريجه حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود وقال بعد تخريجه من طريق أخرى قال فذكر بمثله إلّا أنه أتى بالواو بدل ثم في
стр. 528
فقال أحَدُكُمْ: اللهُ أكْبرُ اللهُ أكبرُ، ثم قال: أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، قال: أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلا اللهُ؛ ثم قال: أشْهَدُ أن مُحَمدًا رسول الله، قال: أشْهَدُ أن مُحمَّدًا رَسُولُ اللهِ ثمَّ قال: حَيَّ على الصَّلاةِ، قال: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله؛ ثم قال: حَي على الفَلاحِ، قال: لا حَوْلَ ولا قوّةَ إلا بالله ثم قال: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، قال: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، ثم قال: لا إلهَ إلا اللهُ، قال: لا إلهَ إلا اللهُ مِنْ قَلْبِهِ
ــ
الموضعين وقال في آخره حلت عليه شفاعتي يوم القيامة ثم قال أخرجه أحمد وأبو عوانة والترمذي وابن خزيمة والبيهقي والفاكهي قال السخاوي في القول البديع ورواه مسلم والأربعة إلَّا ابن ماجة والبيهقي وابن زنجويه وغيرهم وهو عند أبي عاصم في كتابه مطول ومختصر فالمطول بنحو الذي هنا والمختصر سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو من سألها لي حلت له شفاعتي يوم القيامة ورويناه في حديث الفاكهي.
فائدة
قال الحافظ: لعبد الله بن عمرو حديث آخر أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان ولفظ أن رجلًا قال يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا فقال قل كما يقولون فإذا انتهيت فسل تعطه وسيأتي الحديث في الدعاء بعد الأذان. قوله: (فَقَال أَحَدُكُمُ) عطف على الشرط. قوله: (ثُم قَال حيَّ عَلَى الصَّلاةِ قال لَا حَولَ وَلاقوة إلا بالله) أربع مرات عدد الحيعلات لكن ظاهر الخبر يقتضي أن الحوقلتين مرتين وهو قوله كما تقدم بيانه والحول الاحتيال والقوة القدرة وقد سبق الكلام على ذلك وإنما سنت الإجابة بها هنا لأن في الحيعلتين دعاء إلى الصلاة وفي الحوقلة تمام التفويض والخروج عن الحول والقوة فناسب الإتيان بها ومن ثم بحث بعض المتأخرين أنها يجاب بها قول: الصلاة جامعة أو الصلاة بالتكرير أو الصلاة رحمكم الله أو الصلاة، عندما شرع له الجماعة من النفل وقوله
في الليلة المطيرة إلا صلوا في رحالكم ولم يقف عليه ابن المزجد فبحثه فقال في نظمه للإرشاد.
لنحو عيد الصلاة جامعه.
قلت وقد بحثت إن سامعه.
يقول لا حول ولا كالحيعلة.
قوله: (مِنْ قَلْبهِ) قيل الظاهر أنه متعلق بقوله لا إله إلَّا الله فقط
стр. 529
دَخَلَ الجَنَّةَ" رواه مسلم في "صحيحه".
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قال: "مَنْ قَال حِينَ يَسْمَعُ المُؤذّنَ: أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لهُ، وأن مُحَمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بالله ربا، وبمُحَمَدٍ رَسُولا، وبالإسْلامِ دِينًا، غُفِرَ لهُ ذَنْبُهُ" وفي رواية: "مَنْ قال حِينَ يَسْمَعُ المُؤذّنَ: وأنا أشهَدُ"
ــ
لا بالمجموع لكن روى النسائي وابن حبان من حديث أبي هريرة قال كنا مع رسول الله ﷺ فقام بلال ينادي فلما سكت قال رسول الله ﷺ من قال مثل ما قال هذا يقينًا دخل الجنة رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد ذكره ميرك. قوله: (دَخَلَ الجنّةَ) أي مع الناجين وإلا فكل مؤمن لا بد له من دخولها وإن سبقه عذاب بحسب جرمه إذا لم يعف عنه لأنه قال ذلك بلسانه مع اعتقاده بقلبه ما دل عليه وإخلاصه فيه. قوله: (رَوَاه مُسلم فِي صحَيِحه) قال المنذري في الترغيب ورواه أبو داود والنسائي زاد الحافظ وأخرجه أبو عوانة قال وجاء عن معاوية نحو حديث عمر ثم أخرجه من طريق الدارمي عن محمد بن عمرو يعني ابن علقمة بن وقاص الليثي عن أبيه عن جده إن معاوية سمع الأذان قال الله أكبر الله أكبر فقال الله أكبر الله أكبر فساق ألفاظ الأذان كلها والحوقلة في جواب الحيعلتين ثم قال هكذا فعل رسول الله قال الحافظ بعد تخريجه حديث حسن أخرجه أحمد والنسائي والطحاوي وأصل الحديث في البخاري من رواية عيسى بن طلحة عن معاوية بذكر التكبير والتشهد فقط وقال في آخره قال يحيى يعني ابن أبي كثير بلغني أنه لما قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلّا بالله قال الحافظ ولعل الذي بلغ عبد الله بن علقمة أو أخوه اهـ. قوله: (رضيتُ بالله رَبًا إلخ) قال القاضي عياض إنما كان قول هذا موجبًا للمغفرة لأن الرضا بالله يستلزم المعرفة بوجوده له ويستحيل عليه ويجوز والرضا بمحمد ﷺ العلم بصحة رسالته وهذه الفصول علم التوحيد والرضا بالإسلام دينا التزام بجميع تكاليفه اهـ. قوله: (غُفِرَ لَهُ ذنبهُ) بالبناء للمفعول وأفاد الحافظ أن بعضهم رواه عن الليث بن سعد أحد رواته عند من ذكر فزاد
стр. 530
رواه مسلم في "صحيحه".
وروينا في "سنن أبي داود" عن عائشة ﵂ بإسناد صحيح: أن رسول الله ﷺ كان إذا سمع المؤذن يتشهد، قال: "وأنا وأنا".
وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله قال: "مَنْ قال
ــ
في آخره غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال وأوضحت ذلك في كتاب الخصال المكفرة قال الحافظ ووجدت لحديث سعد هذا شاهدًا من حديث أبي هريرة، قلت وسبق ذكر لفظه في الكلام على قول الشيخ ثم يقول رضيت بالله ربًا قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث غريب أخرجه التيمي الأصبهاني في الترغيب ورجاله معروفون إلَّا واحدًا فلا يعرف اسمه ولا حاله اهـ. قوله: (رَوَاه مُسلم فِي صَحِيِحه) وهذه رواية قتيبة وفي رواية ابن رمح وأنا أشهد ذكره في السلاح قال وكذا رواه أصحاب
السنن الأربعة لكن في الترغيب للمنذري لم يقل أبو داود أو ذنوبه وقال مسلم ذنبه وزاد في الحصين ابن السني وسبق لفظ رواية البيهقي له.
قوله: (وَرَوينَا فِي سُنَنِ أَبي دَاودَ) ورواه ابن حبان والحاكم في مستدركه عن عائشة ﵂ أيضًا.
قلت قال الحافظ وقال صحيح على شرطهما زاد الحافظ وأخرجه البزار وأشار الحافظ إلى اختلاف على هشام في سند الحديث فأرسله جماعة عنه ووصله حفص بن غياث وعلي بن مسهر عن هشام عن أبيه عن عائشة وذكر الدارقطني في العلل الخلاف فيه ورجح إرساله وأخرجه الحافظ من طريق الطبراني عن هشام عن أبيه قال فذكره مرسلًا مثل رواية حفص أي كان إذا سمع النداء قال وأنا وأنا قال وكذا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف عن أبي معاوية ووكيع كلاهما عن هشام وكذا أرسله عبد الله بن داود عن هشام اهـ. واقتصار المصنف على عزوه لأبي داود لأن اللفظ له كما في السلاح على إن المصنف إنما يعزو التخريج لمن عدا الستة عند الحاجة لذلك بأن لم يوجد أصل ذلك فيه والله أعلم. قوله: (بإسناد صحيحٍ) قال الحافظ ذكر المصنف أن أبا داود أخرجه بإسناد صحيح وهو كما قال وإنما قلت أي بعد تخريجه حديث حسن صحيح فجمعت بين الوصفين للاختلاف في وصله وإرساله ولمجيئه من وجه آخر اهـ. قوله: (سَمِعَ المُؤذنَ يتشهد) أي يقول أشهد أن لا إله إلّا الله أشهد أن محمدًا رسول الله. قوله: (وأَنَا وأَنَا) أي قال ﷺ وأنا أشهد وهو معطوف
следующие страницы →