← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلى الجنة وغير ذلك من خصوص الكرامات الواردة لبعض دون بعض وقوله له أي يخص بشفاعة ليست بغيره أو تفرد شفاعته مما يحصل لغيره تشريفًا له وإن دخوله في الشفاعة لا بد منه وقد رأيت أذكر معنى الشفاعة وأقسامها في هذا المكان تتميمًا للفائدة فأقول ذكر الغزالي في معنى الشفاعة وسببها كلامًا نفيسًا حاصله أنها نور يشرف من الحضرة الإلهية على جوهر النبوة لشدة المحبة وكثرة الذكر بالصلاة على النبي ﷺ ومثاله نور الشمس إذا وقع على الماء فإنه ينعكس منه إلى محل مخصوص من الحائط دون جميعه وسبب الاختصاص المناسبة بينه وبين الماء في الموضع الذي أخرج منه خط إلى موضع النور حصلت منه زاوية تلي الأرض مساوية للزاوية الحاصلة من الخط الخارج من الماء إلى قرص الشمس بحيث لا يكون أوسع منها ولا أضيق ولهذا لا يمكن إلَّا في موضع مخصوص من الجدار فكما أن المناسبات الوضعية تقتضي الاختصاص بانعكاس النور فالمناسبات المعنوية العقلية تقتضي ذلك أيضًا في الجواهر المعنوية ومن استولى عليه التوحيد فقد تأكدت مناسبته مع الحضرة الإلهية وأشرق عليه النور من غير واسطة ومن استولى عليه السنن والاقتداء به ﷺ ومحبته ومحبة أتباعه ولم يرسخ قدمه في ملاحظة الوحدانية لم يستحكم مناسبته إلَّا مع الواسطة فافتقر إلى الواسطة في اقتباس النور كما يفتقر الحائط الذي ليس مكشوفًا للشمس إلى واسطة الماء المكشوف للشمس وإلى مثل هذا ترجع حقيقة الشفاعة في الدنيا فالوزير الأقرب للملك يحمله على العفو عن جرم أصحابه لا لمناسبة بينهم وبين الملك بل بينهم وبين الوزير المناسب للملك ففاضت عليهم العناية بواسطة الوزير لا بواسطة أنفسهم ولو ارتفعت الواسطة لم تشملهم العناية أصلًا لأن الملك لا يعرفهم ولا يعرف اختصاصهم بالوزير إلّا بتعريفه وإظهار الرغبة في العفو عنهم فسمي لفظه في التعريف إظهارًا للرغبة شفاعة مجازًا وإنما والشفيع مكانته عند الملك واللفظ والتسمية مستغن عن التعريف ولو عرف الملك حقيقة اختصاص غلام الوزير لاستغنى عن التعريف وحصل العفو بشفاعة لا نطق فيها ولا كلام والله تعالى عالم به ولو أذن للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما هو معلوم له لكانت ألفاظهم أيضًا ألفاظ الشفعاء وإذا أراد الله تعالى أن يمثل حقيقة الشفاعة بمحال يدخل في الحس والخيال لم يكن ذلك التمثيل إلّا بألفاظ مألوفة في

стр. 527

رواه مسلم في "صحيحه". وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قال المُؤذنُ: اللهُ أكْبَرُ اللهُ أكْبَرُ، ــ الشفاعة ويدل على انعكاس النور بطريق المناسبة إن جميع ما ورد من الأخبار على استحقاق الشفاعة معلق بما يتعلق به من صلاة عليه أو زيارة لقبره أو جواب مؤذن والدعاء له عقبه وغير ذلك مما يحكم علاقة المحبة والمناسبة معه ﷺ اهـ. وقال الرازي الشفاعة أن يستوهب أحد لأحد شيئًا ويطلب له حاجة وأصلها من الشفع ضد الوتر كأن صاحب الحاجة كان فردا فصار الشفيع له شفعًا أي صارا زوجًا اهـ. وأما أنواع شفاعته ﷺ فكثيرة حتى بلغ منها بعض المتأخرين إلى أحد وعشرين منها ما هو مختص به ومنها ما يشاركه فيه غيره من باقي الأنبياء أو الملائكة أو العلماء فمن ذلك الشفاعة العظمى يوم القيامة لأهل الجمع ليريحهم الله مما هم فيه بفصل القضاء وهو المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون كما سبق ولمن يدخل من أمته الجنة بغير حساب ولقوم عصاة دخلوا النار بذنوبهم فيخرجون ولقوم استحقوا دخول النار فلم يدخلوها وفي قوم حبستهم الأوزار ليدخلوا الجنة ولقوم من أهل الجنة في رفع درجاتهم فيعطى كل أحد ما يناسبه ولمن مات بالمدينة الشريفة ولمن زار قبره ولمن أجاب المؤذن ولمن سأل الله له الوسيلة ولفتح باب الجنة كما رواه مسلم ولقوم من الكفار لهم سابقة خدمة عنده ﷺ أو صدر منهم نوع خدمة في حقه فإنه يخفف عذابهم بشفاعته ﷺ والأوليان من خصائصه ﷺ ويجوز أن يشاركه في الرابعة والسادسة غيره من الأنبياء والعلماء والأولياء أفاده النووي في الروضة والأولى لا ينكرها أحد من فرق الأمة وكذا لا خلاف في وقوع السادسة أما الثانية فخصتها المعتزلة بمن لا تبعية عليه وأنكروا الثالثة لكن أطبق عليها أهل السنة لثبوت الأخبار الكثيرة فبادر للصلاة والسلام على النبي المختار وسؤال الوسيلة لتظفر بأنواع الشفاعة ولا تغفل عقب الأذان عن هذا المقام فبذلك تستوجب الشفاعة من سيد الأنام ﵊. قوله: (رَوَاه مُسلم فِي صحيحه) قال الحافظ بعد تخريجه حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود وقال بعد تخريجه من طريق أخرى قال فذكر بمثله إلّا أنه أتى بالواو بدل ثم في

стр. 528

فقال أحَدُكُمْ: اللهُ أكْبرُ اللهُ أكبرُ، ثم قال: أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، قال: أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلا اللهُ؛ ثم قال: أشْهَدُ أن مُحَمدًا رسول الله، قال: أشْهَدُ أن مُحمَّدًا رَسُولُ اللهِ ثمَّ قال: حَيَّ على الصَّلاةِ، قال: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله؛ ثم قال: حَي على الفَلاحِ، قال: لا حَوْلَ ولا قوّةَ إلا بالله ثم قال: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، قال: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، ثم قال: لا إلهَ إلا اللهُ، قال: لا إلهَ إلا اللهُ مِنْ قَلْبِهِ ــ الموضعين وقال في آخره حلت عليه شفاعتي يوم القيامة ثم قال أخرجه أحمد وأبو عوانة والترمذي وابن خزيمة والبيهقي والفاكهي قال السخاوي في القول البديع ورواه مسلم والأربعة إلَّا ابن ماجة والبيهقي وابن زنجويه وغيرهم وهو عند أبي عاصم في كتابه مطول ومختصر فالمطول بنحو الذي هنا والمختصر سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو من سألها لي حلت له شفاعتي يوم القيامة ورويناه في حديث الفاكهي. فائدة قال الحافظ: لعبد الله بن عمرو حديث آخر أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان ولفظ أن رجلًا قال يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا فقال قل كما يقولون فإذا انتهيت فسل تعطه وسيأتي الحديث في الدعاء بعد الأذان. قوله: (فَقَال أَحَدُكُمُ) عطف على الشرط. قوله: (ثُم قَال حيَّ عَلَى الصَّلاةِ قال لَا حَولَ وَلاقوة إلا بالله) أربع مرات عدد الحيعلات لكن ظاهر الخبر يقتضي أن الحوقلتين مرتين وهو قوله كما تقدم بيانه والحول الاحتيال والقوة القدرة وقد سبق الكلام على ذلك وإنما سنت الإجابة بها هنا لأن في الحيعلتين دعاء إلى الصلاة وفي الحوقلة تمام التفويض والخروج عن الحول والقوة فناسب الإتيان بها ومن ثم بحث بعض المتأخرين أنها يجاب بها قول: الصلاة جامعة أو الصلاة بالتكرير أو الصلاة رحمكم الله أو الصلاة، عندما شرع له الجماعة من النفل وقوله في الليلة المطيرة إلا صلوا في رحالكم ولم يقف عليه ابن المزجد فبحثه فقال في نظمه للإرشاد. لنحو عيد الصلاة جامعه. قلت وقد بحثت إن سامعه. يقول لا حول ولا كالحيعلة. قوله: (مِنْ قَلْبهِ) قيل الظاهر أنه متعلق بقوله لا إله إلَّا الله فقط

стр. 529

دَخَلَ الجَنَّةَ" رواه مسلم في "صحيحه". وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قال: "مَنْ قَال حِينَ يَسْمَعُ المُؤذّنَ: أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لهُ، وأن مُحَمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بالله ربا، وبمُحَمَدٍ رَسُولا، وبالإسْلامِ دِينًا، غُفِرَ لهُ ذَنْبُهُ" وفي رواية: "مَنْ قال حِينَ يَسْمَعُ المُؤذّنَ: وأنا أشهَدُ" ــ لا بالمجموع لكن روى النسائي وابن حبان من حديث أبي هريرة قال كنا مع رسول الله ﷺ فقام بلال ينادي فلما سكت قال رسول الله ﷺ من قال مثل ما قال هذا يقينًا دخل الجنة رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد ذكره ميرك. قوله: (دَخَلَ الجنّةَ) أي مع الناجين وإلا فكل مؤمن لا بد له من دخولها وإن سبقه عذاب بحسب جرمه إذا لم يعف عنه لأنه قال ذلك بلسانه مع اعتقاده بقلبه ما دل عليه وإخلاصه فيه. قوله: (رَوَاه مُسلم فِي صحَيِحه) قال المنذري في الترغيب ورواه أبو داود والنسائي زاد الحافظ وأخرجه أبو عوانة قال وجاء عن معاوية نحو حديث عمر ثم أخرجه من طريق الدارمي عن محمد بن عمرو يعني ابن علقمة بن وقاص الليثي عن أبيه عن جده إن معاوية سمع الأذان قال الله أكبر الله أكبر فقال الله أكبر الله أكبر فساق ألفاظ الأذان كلها والحوقلة في جواب الحيعلتين ثم قال هكذا فعل رسول الله قال الحافظ بعد تخريجه حديث حسن أخرجه أحمد والنسائي والطحاوي وأصل الحديث في البخاري من رواية عيسى بن طلحة عن معاوية بذكر التكبير والتشهد فقط وقال في آخره قال يحيى يعني ابن أبي كثير بلغني أنه لما قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلّا بالله قال الحافظ ولعل الذي بلغ عبد الله بن علقمة أو أخوه اهـ. قوله: (رضيتُ بالله رَبًا إلخ) قال القاضي عياض إنما كان قول هذا موجبًا للمغفرة لأن الرضا بالله يستلزم المعرفة بوجوده له ويستحيل عليه ويجوز والرضا بمحمد ﷺ العلم بصحة رسالته وهذه الفصول علم التوحيد والرضا بالإسلام دينا التزام بجميع تكاليفه اهـ. قوله: (غُفِرَ لَهُ ذنبهُ) بالبناء للمفعول وأفاد الحافظ أن بعضهم رواه عن الليث بن سعد أحد رواته عند من ذكر فزاد

стр. 530

رواه مسلم في "صحيحه". وروينا في "سنن أبي داود" عن عائشة ﵂ بإسناد صحيح: أن رسول الله ﷺ كان إذا سمع المؤذن يتشهد، قال: "وأنا وأنا". وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله قال: "مَنْ قال ــ في آخره غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال وأوضحت ذلك في كتاب الخصال المكفرة قال الحافظ ووجدت لحديث سعد هذا شاهدًا من حديث أبي هريرة، قلت وسبق ذكر لفظه في الكلام على قول الشيخ ثم يقول رضيت بالله ربًا قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث غريب أخرجه التيمي الأصبهاني في الترغيب ورجاله معروفون إلَّا واحدًا فلا يعرف اسمه ولا حاله اهـ. قوله: (رَوَاه مُسلم فِي صَحِيِحه) وهذه رواية قتيبة وفي رواية ابن رمح وأنا أشهد ذكره في السلاح قال وكذا رواه أصحاب السنن الأربعة لكن في الترغيب للمنذري لم يقل أبو داود أو ذنوبه وقال مسلم ذنبه وزاد في الحصين ابن السني وسبق لفظ رواية البيهقي له. قوله: (وَرَوينَا فِي سُنَنِ أَبي دَاودَ) ورواه ابن حبان والحاكم في مستدركه عن عائشة ﵂ أيضًا. قلت قال الحافظ وقال صحيح على شرطهما زاد الحافظ وأخرجه البزار وأشار الحافظ إلى اختلاف على هشام في سند الحديث فأرسله جماعة عنه ووصله حفص بن غياث وعلي بن مسهر عن هشام عن أبيه عن عائشة وذكر الدارقطني في العلل الخلاف فيه ورجح إرساله وأخرجه الحافظ من طريق الطبراني عن هشام عن أبيه قال فذكره مرسلًا مثل رواية حفص أي كان إذا سمع النداء قال وأنا وأنا قال وكذا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف عن أبي معاوية ووكيع كلاهما عن هشام وكذا أرسله عبد الله بن داود عن هشام اهـ. واقتصار المصنف على عزوه لأبي داود لأن اللفظ له كما في السلاح على إن المصنف إنما يعزو التخريج لمن عدا الستة عند الحاجة لذلك بأن لم يوجد أصل ذلك فيه والله أعلم. قوله: (بإسناد صحيحٍ) قال الحافظ ذكر المصنف أن أبا داود أخرجه بإسناد صحيح وهو كما قال وإنما قلت أي بعد تخريجه حديث حسن صحيح فجمعت بين الوصفين للاختلاف في وصله وإرساله ولمجيئه من وجه آخر اهـ. قوله: (سَمِعَ المُؤذنَ يتشهد) أي يقول أشهد أن لا إله إلّا الله أشهد أن محمدًا رسول الله. قوله: (وأَنَا وأَنَا) أي قال ﷺ وأنا أشهد وهو معطوف

стр. 531

حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللهُم رَب هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامةِ وَالصلاةِ القائِمَةِ، آتِ مُحَمدًا الوَسِيلَةَ والفَضِيلَةَ، وابعثْهُ مَقامًا مَحْمُودًا الذي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفاعَتي يَومَ القِيامَةِ" رواه البخاري في "صحيحه". ــ على قول المؤذن أشهد على تقدير العامل لا الإنسحاب أي أنا أشهد كما يشهد وجاء عند أحمد بسند معظم رواته من رواة مسلم عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا سمع المؤذن يقول أشهد أن لا إله إلّا الله يقول وأنا أشهد أن لا إله إلَّا الله إذا سمعه يقول وأشهد أن محمدًا رسول الله يقول وأنا أشهد أن محمدًا رسول الله ففي هذه الرواية إشارة إلى أن قوله في الرواية الأولى وأنا وأنا اختصار بينته هذه الرواية وإن ذلك يختص بالشهادتين كما في رواية أبي داود لا يشمل جميع ألفاظ الأذان والتكرير في أنا راجع إلى الشهادتين وفيه أنه ﷺ كان مكلفًا بأن يشهد على رسالته كسائر أمته اهـ. قيل ويمكن أن يكون التكرير للتأكيد ويرده مع كونه خلاف الأصل أنه يحتاج لتقدير الشهادة الثانية والله أعلم. وفي حديث معاوية أنه سمع النبي ﷺ يقول كما قال المؤذن إلَّا في الحيعلتين فيبدلهما بالحوقلتين رواه أحمد وغيره فصريحه أنه كان يقول أشهد أن لا إله إلَّا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله ويجمع بينه وبين حديث عائشة المذكور أنه كان يقول هذا تارة وهذا أخرى وحينئذٍ فيؤخذ منه أن المجيب لو قال ما هنا حصل أصل هذه الإجابة ولم أر من صرح به وعليه فمعنى أمر المجيب السابق أن يقول مثل قول المؤذن أن يأتي بمماثل قوله في الدلالة على المقصود وإن اختلف لفظهما اهـ. قاله بعض المحققين. قوله: (حينَ يَسمعُ النداءَ) أي يفرغ من سماع النداء الشامل للأذان والإقامة والمراد بالنداء اتمامه إذ المطلق محمول على الفرد الكامل وهو الكل ويسمع حال الاستقبال قاله الكرماني. قوله: (رَوَاه البُخاري فِي صحِيحه) قال المنذري في الترغيب ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة زاد الحافظ وأخرجه أحمد وابن خزيمة والحاكم ووهم في استدراكه فقد أخرجه البخاري في موضعين من صحيحه في باب الأذان وفي تفسير سورة سبحان ووقع في روايته مقامًا محمودًا

стр. 532

وروينا في كتاب ابن السني عن معاوية: كان رسول الله ﷺ إذا سمع المؤذن يقول: حي على الفلاح، قال: "اللهُم اجْعَلْنا مُفْلِحِينَ". وروينا في "سنن أبي داود" عن رجل عن شَهْر بن حَوْشب عن أبي أمامة ــ كما قال الأكثر ووقع باللام في رواية النسائي وابن خزيمة والبيهقي في سننه الكبرى وزاد في آخره إنك لا تخلف الميعاد. قوله: (وَرَوينَا فِي كِتَاب ابن السنى إلخ) قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث غريب في سنده من هو متروك عندهم قال وقد روى أحمد والطبراني بهذا الإسناد إنه قال كما يقول المؤذن إلى قوله أشهد أن محمدًا رسول الله زاد الطبراني من طريق آخر عن عاصم ثم صمت فظهر أن الذي زاده نصر أي وهو ما في حديث ابن السني في جواب حي على الفلاح لم يتابع عليه ونصر هذا متروك عندهم كما تقدم في كلام الحافظ. قوله: (إِذَا سَمِعَ المؤذنَ يَقولُ حي على الفلاح يقول اللَّهم اجعلنا مفلحين) قال ابن حجر في شرح العباب ويسن ذلك أيضًا وإن لم يذكروه وقوله أيضًا أي مع لا حول ولا قوة إلَّا بالله وقد جرى على استحباب ذلك السيوطي في عمل اليوم والليلة وأذكار الأذكار وكأن المصنف لم يذكره فيما تقدم من ألفاظ الإجابة لكون الأصحاب لم ينصوا عليه وذكر خبره المقتضي للعمل به ولا يمنع منه سكوتهم عنه نعم ينبغي أنه إذا أدى الاشتغال به إلى تفويت إجابة آكد منه كأن يكون بطيء التلفظ يقدم الآكد والله أعلم. قوله: (وَرَوينَا فِي سُننِ أَبي دَاودَ) قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث غريب أخرجه أبو داود هكذا وسكت عليه وفي سنده راو مبهم وشهر بن حوشب فيه مقال لكن حديثه حسن إذا لم يخالف وقد روي الحديث من غير طريق شهر بن حوشب أخرجه الطبراني في الدعاء عن عبد الله بن أحمد عن أبيه عن وكيع قال الحافظ ولم أره في مسند أحمد ولا في معجم الطبراني وأخرجه ابن السني من طريق شهر وليس في روايته ولا رواية وكيع ما بعد قوله وأدمها اهـ. قال ابن حجر في شرح العباب وسنده ضعيف وكان ضعفه من إبهام الرجل في إسناده ثم رأيته. قاله في شرح المشكاة وفيه راو مجهول ولا يضر لأنه من أحاديث الفضائل. قوله: (عَنْ رَجُلٍ عَنْ شَهْرِ بِنْ حَؤشَبٍ) هو شهر بن حوشب الأشعري الشامي مولى أسماء بنت يزيد بن السكن صدوق كثير

стр. 533

الباهلي، أو عن بعض أصحاب النبي ﷺ أن بلالًا أخذ في الإقامة، فلما قال: قد قامت الصلاة، قال النبي ﷺ : "أقامَهَا اللهُ وأدامَها"، وقال في سائر ألفاظ الإقامة، كنحو حديث عمر في الأذان. وروينا في كتاب ابن السني عن أبي هريرة ﵁ أنه كان إذا سمع المؤذن يقيم الصلاة يقول: اللهمَّ رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، صلِّ على محمد وآته سؤْلَهُ يوم القيامة. ــ الإرسال والأَوهام من الئالثة أي من الطبقة الوسطى من التابعين مات سنة اثنتي عشرة خرج عنه البخاري في الأدب الفرد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة كذا في التقريب للحافظ ابن حجر. قوله: (أَوْ عَنْ بعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيّ ﷺ ) لا يضر هذا الشك في تعيين الصحابي لأن الصحابة كلهم عدول فلم يضر انبهام الراوي منهم بخلافه من غيرهم ما لم يكونا عدلين. قوله: (قَال رسول الله ﷺ أَقَامَهَا الله وَأَدَامَها) فيسن لمجيب الإقامة إذا انتهى إلى الإقامة أن يقول أقامها الله وأدامها وسبق زيادة وجعلني من صالحي أهلها وأنه لو أبدل الماضي بالأمر حصل أصل السنة لوروده كذلك في رواية. قوله: (وَقَال فِي سَائِرِ ألفاظِ الإقامةِ إلخ) أي أتى بمثل لفظه إلَّا في الحيعلتين فبالحوقلتين. قوله: (رَوَينَا فِي كِتَاب ابن السُّنيّ إلخ) قال الحافظ هكذا أخرجه أي ابن السني موقوفًا وقد خولف عطاء بن قرة وفيه مقال في صحابيه وفي رفعه فأخرج الطبراني في الدعاء عن عطاء بن قرة عن عبد الله بن ضمرة عن أبي الدرداء ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يقول إذا سمع المؤذن فذكره وزاد وكان يسمعها من حوله ويحب أن يقولوا مثله وقال من قال ذلك إذا سمع المؤذن وجبت له الشفاعة يوم القيامة قال الحافظ بعد تخريجه هذا حديث غريب وفي سنده جماعة من الضعفاء لكن لم يتركوا ويغتفر مثله في فضائل الأعمال لا سيما مع شواهده والله أعلم. قوله: (عَنْ أَبي هريرة) سبق ذكر مثل هذا الحديث من حديث الطبراني والكلام عليه فقيل الكلام على أحاديث الباب وهو من حديث أبي الدرداء ولفظه كما في الترغيب للمنذري عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا سمع المؤذن يقيم يقول اللهم

стр. 534

فصل: إذا سمع المؤذن أو المقيم وهو يصلي لم يجبه في الصلاة، فإذا سلم منها أجابه كما يجيبه من لا يصلي، فلو أجابه في الصلاة كره ولم تبطل صلاته، وهكذا إذا سمعه وهو على الخلاء لا يجيبه في الحال، فإذا خرج ــ رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة صل على محمد وأعطه سؤله يوم القيامة وكان يسمعها من حوله ويحب أن يقولوا مثل ذلك إذا سمعوا المؤذن قال ومن قال مثل ذلك إذا سمع المؤذن وجبت له شفاعة محمد يوم القيامة هذا لفظ المعجم الكبير ولفظ الأوسط كذلك إلَّا أنه قال على عبدك ورسولك واجعلنا في شفاعته يوم القيامة قال ﷺ من قال هذا عند النداء جعله الله تعالى في شفاعتي يوم القيامة وفي إسنادهما صدقة بن عبد الله السمين اهـ، وصدقه ضعيف. فصل قوله: (لَمْ يَجبه فِي الصلاةِ) بل يكره له الإجابة فيها ولو نفلًا بل يصبر إلى الفراغ منها. قوله: (فإِذَا سَلَّم مِنها إلخ) لكن تأكده بعد الصلاة دون تأكده لمن سمعه وليس في صلاة كما في المجموع عن أبي إسحاق. قوله: (وَلَمْ تَبطُلْ صلاتهُ) أي إلّا بقوله صدقت وبررت في أذان الصبح وبحي على الصلاة حي على الفلاح وبالتثويب وكذا قد قامت الصلاة فتبطل بواحد من هذه الخمسة إن صدر من عالم عامد لأنه كلام آدمي فإن نسي أو جهل لم تبطل ويسجد للسهو كما سيأتي ونص الأم على عدم البطلان بالحيعلة يحمل على ناس أو جاهل لا بأقامها الله وأدامها أو اللهم أقمها وأدمها لأنه دعاء. فإن قلت سيأتي عن الغزالي إن المأموم يقول الثناء سرًّا أو يسكت أو يقول صدقت وبررت فما وجه البطلان بهذا اللفظ هنا دون القنوت مع أنه خطاب آدمي في المقامين. قلت كأن الفرق أنه هناك متضمن للثناء إذ هو المقصود منه بطريق الذات وهذا ليس متضمنًا له إذ هو بمعنى الصلاة خير من النوم وهذا مبطل وذاك بمعنى إنك تقضي ولا يقضى عليك مثلًا وهو غير مبطل ولا نظر للخطاب فيه لأنه متضمن للثناء أيضًا على أن النسوية بين القنوت وما هنا في البطلان غير بعيدة لأن ما ذكر فيه من التعسف ما لا يخفى. قوله: (عَلَى الخلاءِ) ومثله المجامع لكراهة الكلام لهما قال الأذرعي ومن بمحل النجاسة لكراهة الذكر فيه وكذا من بالحمام على ما جزم به جماعة لكن حكى المصنف الاتفاق على خلافه ومن كان

стр. 535

أجابه، فأما إذا كان يقرأ القرآن أو يسبح أو يقرأ حديثًا أو عِلْمًا آخر أو غيرَ ذلك، فإنه يقطع جميع هذا، ويجيب المؤذن، ثم يعود إلى ما كان فيه، لأن الإجابة تفوت، وما هو فيه لا يفوت غالبًا، وحيث لم يتابعه حتى فرغ المؤذن يُستحبُّ أن يتدارك المتابعة ــ نجسًا ولم يجد ما يتطهر به قال الأذرعي ومما يظهر استثناؤه وإن لم أره ما إذا شرع الخطيب عقب الأذان وقبل إجابة المؤذن لأن الانصات آكد وكذا يدع اللهم رب هذه الدعوة التامة ويستمع ويحتمل أن يقوله سرًّا وأن يقوله بين السامع وغيره والبعيد والأصم اهـ، ونوقش في استثناء التخيير المذكور فالأوجه أنه يجب والأوجه من تردده الأخير أنه حيث سمع الخطيب سن له عدم الإجابة وإلا سنت لأنه يسن له حينئذٍ الاشتغال بالذكر وهي منه. قوله: (أَجَابه) أي إن قصد الفصل وكذا الصلاة قياسًا على سجود السهو وينظر فيه بوضوح الفرق فإن سجود السهو يعود للصلاة فاشترط عدم فاصل طويل لاشتراط الموالاة فيها بخلاف الإجابة بعدها فإنه لا ارتباط لها به وهو غير مقصر فالأوجه أخذًا من إطلاقهم أنه يجيب وإن طال الفصل وكذا يقال فيمن طلب منه ترك الإجابة لعذر كالمجامع ونحوه كذا في الإمداد. قوله: (لأَنَّ الإجَابة تَفُوتُ إلخ) قال الخادم قضيته أنه لا يرجع لما كان عليه إلَّا بعد فراغه من الإجابة ووجهه أنه كالمؤذن وهو يسن له عدم الكلام في أذانه لغير عذر ومنه يؤخذ أنه لا يشرع له سلام ولا جوابه وفيه نظر اهـ، والنظر واضح للفرق الواضح بين المؤذن والمجيب فإن تخلل الكلام أثناء الأذان ربما أخل بالإعلام فالأوجه أنه يسن السلام ويجب عليه رده كذا في شرح العباب والطائف بالبيت كالقارئ فيما ذكر فيقطع ما هو فيه أي بأن يقف لها وقضية سكوت المصنف عن الجنب والنفساء أنه يسن لهما الإجابة وهو ما جزم به الشيخان وخالفهما السبكي لخبر كرهت أن أذكر الله إلَّا على طهر قال والتوسط أنه يسن للمحدث لا للجنب والحائض لأنه ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه إلّا لجنابة وقال ابنه في التوشيح يمكن أن يتوسط فيقال

стр. 536

ما لم يَطُل الفصلُ. باب الدعاء بعد الأذان روينا عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (لا يُرَد الدُّعاءُ بَينَ الأذّانِ والإقامةِ" ــ تجيب الحائض لطول أمرها بخلاف الجنب والخبران لا يدلان على غير الجنابة وليس الحيض في معناها لما ذكرت اهـ. قال شيخ الإسلام زكريا وفي دعواه إن الخبرين لا يدلان على غير الجنابة نظر بل ظاهر الأول الكراهة للثلاثة وقد يقال يؤيدها كراهة الأذان والاقامة لهم ويفرق بأن المؤذن والمقيم مقصران حيث لم يتطهرا عند مراقبتهما الوقت والمجيب لا تقصير منه لأن إجابته تابعة لأذان غيره وهو لا يعلم غالبًا وقت أذانه اهـ. قال في شرح العباب وهو حسن متجه. قوله: (مَا لَمْ يطُلِ الفَصل) فإن طال فلا تدارك ولو لعذر كما يصرح به ما في المجموع من عدم الإجابة بعد الصلاة إذا طال الفصل كذا في شرح العباب والإمداد لكنه نظر في الإمداد في اعتبار قصر الفصل قياسًا على اعتباره في تدارك سجود السهو بما مر آنفًا وهو يقتضي طلب تدارك الإجابة وإن طال الفصل حيث كان معذورًا وقد صرح بذلك كما سبق عنه وعلى الأول ففارق تدارك الناسي التكبير المشروع عقب الصلاة أيام النحر والتشريق والأذكار التي بعد السلام وإن طال الفصل لوجود ما يدل على التعقيب هنا وهو الفاء في خبر مسلم السابق ولانقطاع الإجابة مع الطول لشبهها برد السلام لما فيه من الخطاب بخلاف ترك التكبير ونحوه فيما ذكره الزركشي وابن العماد وبقاء التعقيب بقيد الإطلاق في كلام الأصحاب بأن لا يطول الفصل والله أعلم. باب الدعاء بعد الأذان قوله: (لَا يُرَد) أي يستجاب كما في رواية لابن حبان. قوله: (بَيْنَ الأذانِ والإقامَةِ) ولم أر من تعرض لما إذا أذن مؤذنو المسجد الحرام دفعة ثم أقامت الجماعة ثم قامت جماعة كما هو في سائر البلدان من تعدد الجماعة وترتبها جماعة فجماعة فهل يقال تنتهي الإجابة إلى الإقامة الأولى حملا على ما كان في زمنه ﷺ من أن الجماعة واحدة ويؤيده أنه ورد بين كل أذانين أي أذان وإقامة صلاة مع أنها غير متكررة بتكرار الإقامة أو يقال بدوامها وإن تعددت الإقامات لصدق اللفظ عليه لأن أل

стр. 537

رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن السني وغيرهم، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وزاد الترمذي في روايته في "كتاب الدعوات" من "جامعه"، قالوا: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: ــ في الأذان للجنس الصادق بالجميع قال الأصوليون من العام اسم الجنس المحلى بأل أو يفصل بين من لم يكررها كما إذا حضر قوم بعد تمام الجماعة السابقة فيدوم أولًا فلا كل محتمل ولعل الأخير أقرب والله أعلم. قوله: (رَوَاه أَبو دَاودَ) وسنده صحيح كما في شرح المشكاة لابن حجر وسيأتي ما فيه في كلام الحافظ وقال الحافظ الحديث حسن وهو غريب من هذا الوجه. قوله: (وغيرهم) كالترمذي والنسائي في الكبرى ورواه عبد الرزاق وسكت عليه أبو داود إما لحسن رأيه في زيد العمي وإما لشهرته في الضعف وإما لكونه في فضائل الأعمال وأما الترمذي فقال حديث حسن وقد رواه أبو إسحاق يعني السبيعي عن يزيد بن أبي مريم عن أنس قال أبو الحسن بن القطان وإنما يصححه لضعف زيد العمي وأما يزيد فموثق وينبغي أن يصحح من طريقه وقال المنذري طريق يزيد أجود من طريق معاوية التي رواها زيد العمي وقد رواها قتادة عن أنس موقوفًا ورواه سليمان التيمي عن أنس مرفوعًا اهـ، وقد نقل المصنف إن الترمذي صححه قال الحافظ ولم أر ذلك في شيء من النسخ التي وقفت عليها منها بخط أبي علي الصدفي ومنها بخط الكروخي وكلام ابن القطان والمنذري يعطي ذلك ويبعد أن الترمذي يصححه مع تفرد زيد العمي به وقد ضعفوه نعم طريق يزيد التي أشار إليها صححها ابن خزيمة وابن حبان وزاد ابن خزيمة في آخره بعد قوله في الإقامة فادعوا. قلت وهذه الزيادة عند أبي يعلى أيضًا ورواه من طريق أخرى من غير هذه الزيادة وأخرجه ابن حبان ووقع في روايته مستجاب بدل لا يرد. قوله: (وَزَادَ الترمذي إلخ) قال الحافظ هو كما قال لكن ليست هذه الزيادة في الرواية الأولى

стр. 538

"سَلوا الله العَافِيَةَ في الدنْيا والآخرَةِ". وروينا عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رجلًا قال: "يا رسول الله إن المؤذنين يفضُلوننا، فقال رسول الله ﷺ : "قُلْ كما يَقُولُونَ فإذا انتهَيْتَ فَسَلْ تُعْطَه" رواه أبو داود ــ التي حسنها أو صححها وإنما أخرجها من وجه آخر من رواية يحيى بن يمان عن الثوري وقال تفرد بهذا الحرف يعني الزيادة يحيى بن يمان وكان رجلًا صالحًا لكنهم اتفقوا على أنه كان كثير الخطأ ولا سيما في حديث الثوري قال ابن حبان شغلته العبادة عن إتقان الحديث وقد أخرج هذا الحديث أيضًا الحاكم من رواية حميد عن أنس لكن الراوي له عن حميد ضعيف جدًّا وكأنه خفي حاله على الحاكم فاستدركه ورواه أيضًا عن أنس يزيد بن أبان الرقاشي وهو ضعيف أخرجه الطبراني من طريقه مختصرًا ومطولا اهـ. قوله: (سَلُوا الله العَافيةَ) وردت الأخبار الكثيرة بطلب العافية فمنها خبر الترمذي أيضًا من فتح له باب من الدعاء افتتحت له أبواب الرحمة وما سئل الله شيئًا أحب إليه من أن يسأله العافية وقد تقدم تعريفها في باب ما يقول إذا استيقظ من منامه. قوله: (أَن رَجُلًا) لم أقف على من سماه وقد راجعت مبهمات المصنف والعراقي فلم أر فيهما شيئًا. قوله: (إِن المُؤَذنينَ يُفضلُونَنا) الظاهر أنه خبر أي فما تأمرنا به من عمل نلحقهم به فقال قل كما يقولون أي على ما سبق من الإتيان بالحوقلة بدل الحيعلة اهـ. قوله: (فإِذَا انْتهيتَ) أي من الإجابة (فَسلْ تُعطَهْ) بهاء السكت في الأصول لئلا تعود الألف المحذوفة للجازم لضرورة الوقف على الساكن ويمكن أن يكون الهاء مفعولًا عائدة إلى المسؤول المفهوم من سل، وذلك لأنك بين الأذان والإقامة والظاهر أن جملة فإذا انتهيت إلخ، زائدة على جواب السؤال فإن قوله قل كما يقولون أفاد أنه يقرب من ثواب المؤذن ثم نبهه على أمر يشترك فيه المؤذن والمجيب وغيرهما وهو استجابة الدعاء ممن دعا بين الأذان والإقامة ويؤيد ذلك حديث الطبراني من سمع المؤذن فقال مثل ما يقول فله مثل أجره وبه يعلم فضل الإجابة وعظيم ثوابها لما تقدم في الأذان من عظيم الثواب أشار إليه بقوله في شرح العباب. قوله: (رَوَاه أَبو دَاودَ) قال الحافظ بعد تخريجه من طريق الطبراني في كتاب الدعاء حديث حسن أخرجه أبو داود والنسائي في الكبرى ورجاله موثقون من رجال الصحيح

стр. 539

ولم يضعفه. وروينا في "سنن أبي داود" أيضًا في "كتاب الجهاد" بإسناد صحيح، عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثِنْتان لا تُرَدّان، أو قَل ما تُرَدّان: الدُّعاءُ ــ إلَّا واحدًا فاختلف فيه لكن تابعه فيه غيره فأخرجه الطبراني بسند ضعيف عن عمر مولى عفرة عن الحبلي عن ابن عمرو. قوله: (وَلَمْ يُضَعِّفْهُ) أي فيكون صحيحًا أو حسنًا وكان اقتصار ابن حجر في شرح المشكاة على التحسين لما تقدم في كلام ابن الصلاح من أنه الأمر المتيقن وزيادة رتبة الصحيح متوقف فيها أو لما نبه عليه الحافظ من الاختلاف في حال يحيى بن عبد الله راوي الحديث عن عبد الرحمن الحبلي عن ابن عمرو ثم الحديث رواه النسائي وابن حبان في صحيحه أيضًا ولفظهم سواء إلَّا إن عند النسائي تعط أي بغيرها. قوله: (وَرَوينَا فِي سُنن أَبي دَاودَ) قال الحافظ بعد تخريجه حديث حسن صحيح أخرجه أبو داود والدارمي وابن خزيمة وابن الجارود والحاكم ورجاله رجال الصحيح إلّا اثنين فأحدهما مجهول والثاني مختلف فيه اهـ. وفي السلاح رواه الحاكم في المستدرك بهذا اللفظ أي الذي أورده المصنف وأخرجه ابن حبان بلفظ ثنتان لا يردان وهذا الحديث أورده في السلاح في إجابة الدعاء عند النداء بالصلاة ولم يورده في إجابة الدعاء بين الأذان والإقامة وقضيته أن يكون حال النداء إليها الشامل للأذان والإقامة لا بينهما ويؤيده ما أورده عن سهل ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء وقل داع ترد عليه دعوته حضرة النداء بالصف والصف في سبيل الله رواه مالك في الموطأ موقوفًا قال الحافظ هذا ما اتفق عليه رواة الموطأ ورواه بعض الثقات عن مالك مرفوعًا عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال قال ﷺ ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء فذكره وزاد وعند الصف في سبيل الله أخرجه الدارقطني في غرائب مالك وأخرجه ابن حبان في صحيحه من وجه آخر وأخرجه الحافظ كذلك من طريق الطبراني والحديث محتمل لهما وزيادة في سبيل الله في الطريق الأولى لها شاهد من حديث ابن عمر عند الطبراني في كتاب الدعاء بلفظ تفتح أبواب السياء لقراءة القرآن وللقاء الزحف ولنزول القطر ولدعوة المظلوم وللأذان تفرد به حفص بن سليمان وهو ضعيف

стр. 540

عِنْد النِّدَاءِ وَعِنْدَ البأسِ حِينَ يُلْجِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا" قلت: في بعض النسخ المعتمدة: "يلحم" بالحاء، وفي بعضها بالجيم، وكلاهما ظاهر. ــ والحديث كما قال ابن رسلان ظاهر في أن الدعاء منه مقبول ومردود عند الله فيقبل ما شاء ويرد ما شاء قال تعالى: (﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١] وهذه الآية مقيدة لقوله تعالى: ﴿أَستَجِبْ لَكم﴾ [غافر: ٦٠] ولقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. قوله: (عِنْدَ النداءِ) أي الأذان كما استظهره الجلال السيوطي قال ابن رسلان رواية ساعتان لا يرد فيهما على داع دعوته حين تقام الصلاة فيحتمل أن يراد بالنداء إقامة الصلاة كما في هذه الرواية لكن الظاهر أن المراد بالنداء الأذان لحديث الحاكم إذا نادى المنادي فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء فليتحين المنادي أن ينتظر بدعوته حين يؤذن المؤذن فيجيبه ثم يسأل الله تعالى حاجته اهـ، وعند يحتمل أن يكون بمعنى بعد آخذًا من الأحاديث المذكورة آنفًا وأن تكون على حالها وتكون هذه الرواية مفيدة ما لم تفده تلك من استجابة الدعاء المقارن لا وله وأثنائه أيضًا لكن ظاهر إيراد المصنف الخبر في هذا الباب أن عند بمعنى بعد. قوله: (البأْسِ) أي الحرب والشدة. قوله: (حِينَ يُلْحِمُ بَعْضهُمْ بَعْضًا) بدل مما قبله لبيانه أي يقتله ويتسبب فيه حتى لا يجد له عنه مفرًا. قوله: (يلحمُ بالحاءِ) المهملة قال في السلاح يقال لحم الرجل واستلحم إذا نشب في الحرب فلم يجد مخلصًا ولحم إذا قتل فهو ملحوم ولحم وفي شرح المشكاة من لحمه وألحمه إذا التصق به التصاق اللحم بالعظم أو من لحم إذا قتل كأنه جعله لحمًا وفي النهاية ألحم الرجل إذا نشب في الحرب فلم يجد له مخلصًا وألحمه غيره فيها ولحم إذا قتل ولحمته إذا قتلته والملحمة المقتلة اهـ. وقال ابن رسلان أي ينشب بعضهم ببعض في الحرب كما يلحم الثوب بالسدي يقال لحم الرجل واستلحم إذا نشب في الحرب فلم يجد له مخلصًا منه اهـ. قوله: (بالجيم) لكن اقتصر على الأول الجمهور حتى ضبطه السيوطي في حاشيته بالحاء المهملة والحكمة في قران النداء بالجهاد ما في كل منهما من مجاهدة أعداء الله إذ في الأول جهاد الشياطين كما سبق أنه يفر عند سماع الأذان وله ضراط وفي الثاني جهاد الكفار المشركين فلما تم استسلامه لأمر ربه وجهاده لأعدائه

стр. 541

باب ما يقول بعد ركعتي سنة الصبح وروينا في كتاب ابن السني عن أبي المليح، واسمه عامر بن أسامة عن أبيه رضي الله عنه أنه صلى ركعتي الفجر، وأن رسول الله ﷺ صلى ــ استحق أن يجاب دعوته وترحم عبرته وأخرج أحمد والطبراني أنه ﷺ قال من قال حين ينادي المنادي اللهم رب هذه الدعوة القائمة والصلاة النافعة صل على محمد وارض عني استجاب الله له دعوته وقد ذكر في الحصين وغيره أدعية أخرى في هذا المقام. تتمة من لازم سن الدعاء بين الأذان والإقامة سن الحمد والصلاة على النبي ﷺ قبله وبعده لأنها من سننه المتأكدة وعلى ذلك يحمل قول المصنف وغيره وتسن الصلاة على النبي ﷺ بينهما كذا في شرح العباب اهـ. باب ما يقول بعد ركعتي سنة الصبح إضافة الركعتين إلى سنة من إضافة البيان أو إضافة العام إلى الخاص. قوله: (رَوَينَا فِي كِتاب ابْن السني) قال الحافظ بعد تخريجه حديث حسن أخرجه الدارقطني في الأفراد وقال تفرد به مبشر وهو بضم الميم وفتح الموحدة وكسر المعجمة ذكره ابن حبان في الثقات واسم أبيه أبو المليح عامر وهو من رجال الصحيح وأما عباس بن سعيد أي الراوي عن مبشر فلم أر فيه جرحًا ولا تعديلًا إلَّا أن ابن حبان ذكر في الثقات عباد بن سعد ولم يذكر ما يتميز به وأخرج هذا الحديث الحاكم في المستدرك من طريق آخر قال الحافظ ووجدت للحديث شاهدًا من حديث عائشة بسند ضعيف لأن في سنده من هو متروك ومن فيه مقال قال وأبو يعمر المليح إن كان هو ابن أسامة المذكور أولًا فقد اختلف عليه في إسناده وإن كان غيره فهو مجهول اهـ. قوله: (وَاسْمُهُ عَامِرُ) وقيل زيد وقيل زياد ثقة من أوساط التابعين مات سنة ثمان وتسعين وقيل ثمان ومائة وقيل بعد ذلك خرج عنه أصحاب السنن الأربعة. قوله: (أُسَامَةَ) هو أسامة بن عمير وقيل ابن عامر بن عمير بن حفيف بن ناجية الهذلي في باب الكنى من التقريب وفي الأسماء منه أسامة بن عمير بن عامر بن الأقيشر الهذلي البصري والد أبي المليح صحابي تفرد عنه ولده روي له أصحاب السنن الأربعة اهـ، ومثل الأخير في أسد الغابة وزاد واسم

стр. 542

قريبًا منه ركعتين خفيفتين، ثم سمعه يقول ــ أقيشر أي بضم الهمزة وفتح القاف وإسكان التحتية ثم المعجمة ثم المهملة مصغر عمير بن عبد الله بن حبيب بن يسار بن ناجية وبه يعلم ما في كلام التقريب في الموضعين ومن حديثه كما سيأتي أواخر الكتاب قال كنت ردف النبي ﷺ فعثر بعيرنا فقلت تعس الشيطان فقال النبي ﷺ لا تقل تعس الشيطان فإنه يعظم حتى يصير مثل البيت ويقول تقوَّ بي ولكن قل بسم الله فإنه يصغر حتى يصير مثل الذباب أخرجه الثلاثة يعني ابن عبد البر وابن منده والمديني اهـ. قوله: (قَرِيبًا مِنْهُ) حال من فاعل صلى. قوله: (ركعتَينِ خَفِيفَتَينِ) قال ابن حجر في شرح الشمائل قد صح وصف ركعتي الفجر بأنهما خفيفتان من طرق في الصحيحين وغيرهما فيسن تخفيفهما اقتداء به ﷺ والحديث المرفوع في تطويلهما من مرسل سعيد بن جبير على أن فيه راويًا لم يسم فلا حجة فيه لمن قال يندب تطويلهما ولو لمن فاته شيء من قراءته في صلاة الليل وإن صح ذلك في الحسن البصري ولا ينافي ذلك ما في صحيح مسلم كان ﷺ كثيرًا ما يقرأ في الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] آية البقرة وفي الثانية ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا﴾ [آل عمران: ٦٤] إلي قوله (مسلمون) آية ال عمران لأن المراد بتخفيفهما التخفيف النسبي أو التخفيف لما عدا القيام من القرآن أو أن ذلك في بعض الأحيان أو أن المراد عدم تطويلهما على الوارد فيهما حتى لو قرأ المصلي في الأولى آية البقرة وألم نشرح والكافرون وفي الثانية آية آل عمرأن وألم تر كيف والإخلاص لم يكن مطولًا تطويلًا يخرج به عن حد السنة والاتباع وروي أبو داود أنه ﷺ قرأ في الثانية ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٥٣]، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] ولا تسأل عن أصحاب الجحيم فيسن الجمع ليتحقق الإتيان بالوارد أخذا مما قاله المصنف في ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا كبيرًا واعترض وسيأتي بما فيه وروي مسلم وغيره أنه قرأ فيهما بسورتي الإخلاص والكافرون وصح نعم السورتان تقرأ بهما في ركعتي الفجر قل يأيها الكافرون وقل هو الله أحد رواه الترمذي وحكمه جمعهما

стр. 543

وهو جالس: "اللهُم رَب جِبرِيلَ وإسْرَافِيلَ وَمِيكائِيلَ ومُحَمدٍ النبي ﷺ أعُوذُ بِكَ مِنَ النار ــ توحيد العلم وتوحيد العمل وتوحيد المعرفة وتوحيد الاعتقاد فقل هو الله أحد متضمنة للتوحيد العلمي والاعتقادي لاشتمالها على ما يجب إثباته له تعالى من الأحدية والصمدية المثبتان كل كمال ومنه نفي النقائص ومنها الوالد والولد وإثبات الكفؤ وما يجوز وما يستحيل وتضمنت أكمل كمال ونفى كل شبه له وهذه هي مجامع التوحيد ومن ثم عدلت ثلث القرآن إذ هو إما إنشاء وهو إما أمر أو نهي أو إباحة وهذا ثلث هاما خبر وهو إما عن الخلق وهذا ثلث ثان أو عن الخالق وصفاته وأحكامه وهذا ثلث ثالث مندرج في سورة الإخلاص فلذا عدلت ثلث القرآن وخلصت قارئها من الشرك العلمي كما خلصته سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] من الشرك العملي. قوله: (وهُو جالِس) الجملة حالية وهي في رواية ابن الحاكم كما يفهم من كلام صاحب السلاح وكذا النعت بقوله النبي ﷺ . قوله: (اللهم رب جبريل إلخ) إنما خصهم بالذكر وإن كان تعالى رب كل شيء لما تقرر في القرآن والسنة من نظائره من الإضافة إلي كل عظيم المرتبة وكبير الشأن دون ما يستحقر ويستصغر فيقال له سبحانه رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم ورب الملائكة ورب المشرقين ورب المغربين ونحوه مما هو وصف له بدلائل العظمة وعظم القدرة والملك ولم يستعمل فيما يستحقر ويستصغر فلا يقال رب الحشرات وخالق القردة والخنازير وشبهها على سبيل الإفراد وإنما يقال خالق المخلوقات وحينئذٍ تدخل هذه في العموم وقال القرطبي خص هؤلاء الملائكة بالذكر تشريفًا لهم إذ بهم ينتظم هذا الوجود إذ أقامهم الله تعالى في ذلك قال في الحرز والظاهر أن مراتب فضلهم على ترتيب ذكرهم اهـ. وقال ابن الجزري في مفتاح الحصين خصهم بالذكر وكذا رب العرش العظيم ونحوه من دلائل العظمة لعظمة شأنه فإنه رب كل شيء اهـ، وقد يقال إن حياة القلب بالهداية وهؤلاء الثلاثة موكلون بالحياة فجبريل بالوحي وهو سبب حياة القلوب ميكائيل بالقطر الذي هو سبب حياة الأبدان وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم وعودة الأرواح إلى الأجساد فالتوسل إلى الله سبحانه بربوبية هذه

стр. 544

ثَلاثَ مَرَاتٍ". وروينا فيه عن أنس عن النبي ﷺ قال: "مَنْ قال صَبيحَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ قَبْلَ صَلاةَ الغَدَاةِ: أسْتَغْفِرُ اللهَ الذِي لا إلهَ إلَّا هُوَ ــ الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة له تأثير عظيم في حصول الحاجات ووصول المهمات وورد في أثر أن اسم جبريل عبد الله وإسرافيل عبد الرحمن وذكر الجزولي من المالكية في شرح الرسالة إنما سمي إسرافيل لكثرة أجنحته وسمي ميكائيل لكونه وكل بالمطر والنبات يكيله ويزنه. قوله: (ثَلاثَ مَرَات) ظرف ليقول. قوله: (وَرَوينَا فيهِ) أي في كتاب ابن السني قال الحافظ بعد تخريجه من طريق الطبراني هذا حديث غريب وسنده ضعيف جدًّا وذكر الطبراني أنه لا يروي عن خصيف إلَّا بهذا الإسناد وخصيف بمعجمة مهملة فتحتية ففاء مصغر محدث مشهور فيه مقال لم يسمع من أنس أي ففي الحديث راو محذوف بينه وبين أنس والراوي عن خصيف متروك قال الحافظ وأخرج ابن السني الحديث من طريق إسحاق بن خالد عن عبد العزيز بن عبد الرحمن البالسي عن خصيف عن أنس وقد ذكر ابن حبان في الضعفاء أن إسحاق بن خالد روى عن عبد العزيز هذا شبيهًا بمائة حديث كلها مقلوبة قال الحافظ ولأصل هذا الذكر شاهد حسن أخرجه أبو داود والترمذي من رواية بلال بن يسار بن زيد مولى النبي ﷺ عن أبيه عن جده وليص فيه تقييد بوقت وفي آخره وإن كان فر من الزحف بدل وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر وسيأتي في كتاب الاستغفار إلَّا أن المصنف أخرجه من حديث ابن مسعود وقال أخرجه أبو داود والترمذي وفيه نظر وله شاهد آخر عن أبي سعيد أخرجه الترمذي وآخر عن ابن مسعود أخرجه الحاكم وليس فيهما أيضًا تقييد بوقت اهـ. قوله: (قَبل صَلاةِ الغداةِ) يعني صلاة الفرض وفي الحديث الدليل على جواز إطلاق الغداة على الصبح أي وسيأتي في كتاب حفظ اللسان دليل عدم كراهة ذلك. قوله: (أَسْتَغْفِرُ الله) أي أطلب غفرانه على سبيل الدعاء والسؤال وأستغفر يتعدى إلى مفعولين ثانيهما بنفسه تارة كقول الشاعر: أستغفر الله ذنبًا لست محصيه وبحرف الجر أخرى كقول

стр. 545

الحَيَ القَيومَ وأتُوبُ إلَيْهِ ثلَاثَ مَرَات، غَفَرَ اللهُ تعالى ذُنوبَهُ ولو كانتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ". باب ما يقول إذا انتهى إلى الصف روينا عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رجلًا جاء إلى الصلاة ورسول الله ﷺ يصلي، فقال حين انتهى إلى الصف: اللهُم آتني أفضل ما تؤتي عِبادَك الصالحين، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاةَ قال: "مَنِ المُتَكَلِّمُ آنفًا؟ " قال: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، قال: "إذَنْ يُعْقَرُ جَوَادُكَ وَتُسْتَشْهَدُ في سَبِيلِ اللهِ تعالى" رواه النسائي وابن السني، ورواه البخاري في "تاريخه" في ترجمة محمد بن مسلم بن عائذ. ــ الآخر أستغفر الله من قول بلا عمل وحذف المفعول الثاني في الخبر لطلب التعميم ورجاء حصول الفضل العميم. قوله: (الحي القيومَ) بنصبهما صفة لله ورفعهما صفة لهو وسيأتي له في باب الاستغفار مزيد. قوله: (زَبَدِ البَحْر) تقدم ضبطه وأنه كناية عن الكثرة وسبق إن المكفر بالطاعات من الذنوب الصغائر المتعلقة بحقوق الله تعالى. باب ما يقول إذا انتهى إلى الصف قوله: (إذا يُعْقَر) إذًا هي حرف جواب وجزاء ويعقر بالبناء للمفعول وفي التهذيب للمصنف عقرت الفرس عقرًا قطعت قوائمه اهـ، وفيه فرس جواد إذا كان يعدو كثيرًا. قوله: (وَتُسْتشْهد فِي سبيلِ الله) فيه عظيم فضل الجهاد وأنه أفضل ما أوتي صالحو العباد لكن تقدم أن مثل هذا محمول على اختلاف الأحوال وإلا فالصلاة أفضل الأعمال وتقدم التفضيل في التفضيل بين الذكر والجهاد في باب فضل الذكر. قوله: (رَوَاه النسائي إلخ) قال الحافظ بعد تخريجه من طريق الطبراني في كتاب الدعاء ومن طريق غيره حديث حسن أخرجه النسائي في الكبرى وأخرجه ابن السني وأخرجه ابن حبان عن ابن خزيمة وأخرجه

стр. 546

باب ما يقول عند إرادته القيام الي الصلاة روينا في كتاب ابن السني ــ البخاري في التاريخ وأبو يعلى في مسنده وابن أبي عاصم في الدعاء وأخرجه الحاكم من وجه آخر وقال صحيح على شرط مسلم ثم تعقبه الحافظ في قوله على شرط مسلم بأن محمد بن مسلم بن عائذ الراوي عن عامر بن سعد بن أبي وقاص لم يخرج له مسلم وقد قال أبو حاتم الرازي أنه محمول وما وجدت له راويًا إلا سهل بن أبي صالح وهو من أقرانه نعم وثقه العجلي فأقوى رتب حديثه أن يكون حسنًا وابن خزيمة وابن حبان ومن تبعهما لا يفرقون بين الصحيح والحسن اهـ. باب ما يقول عند إرادة القيام إلى الصلاة قوله: (رَوَينَا فِي كِتَاب ابْنِ السُّني) قال الحافظ ابن حجر بعد تخريجه حديث حسن خرجه ابن السني ورجاله موثقون لكن في عطاف بن خالد مقال يتعلق بضبطه وقد توبع فيه عن شيخه ثم ذكر الحافظ متابعه وسمى أم رافع فقال عن سلمى أم بني أبي رافع فذكر الحديث نحوه لكن أطلق موضع القول والشيخ حمله على الإرادة قال ووقع لنا من وجه آخر ما قد يدل على أنه داخل الصلاة ثم أخرج عن أم رافع قالت يا رسول الله أخبرني بشيء أفتتح به صلاتي فذكر الحديث نحوه وأخرج الترمذي عن أم سليم قالت يا رسول الله علمني كلمات أقولهن في صلاتي فذكر نحوه وأخرج أبو يعلى من وجه آخر عن أنس بلفظ إذا صليت المكتوبة اهـ، وقد أفرد الحافظ جزءًا ألفه في حديث أم رافع فقال أخرجه ابن السني فقال باب ما يقول إذا قام إلى الصلاة ولم يتصرف في لفظ الخبر كما تصرف فيه الشيخ النووي فذكر الحديث بسنده من طريق علي بن عياش عن عطاف بن خالد عن زيد بن أسلم عن أم رافع وفي آخره قد غفرت لك بدل قوله قد فعلت فلعل النسخ اختلفت وفي الحديث علتان إحداهما أن بين زيد بن أسلم وأم رافع واسطة فالحديث منقطع الثانية إن عطاف بن خالد مختلف في توثيقه وتخريجه وباقي رواته رجال الصحيح وأخرجه ابن منده في المعرفة من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم وزاد فيه عبيد الله

стр. 547

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بن زيد بن أسلم وأم رافع ولا بد منه ولفظه عنها قالت يا رسول الله أخبرني عن شيء أفتتح به صلاتي قال إذا قمت إلى الصلاة فقولي الله أكبر عشرًا فإنك كلما قلت قال الله هذا لي واحمدي الله عشرًا ثم قولي سبحان الله وبحمده عشرًا فإنك إذا قلت قال الله هذا لي إليّ واحمدي الله عشرًا فإذا قلت ذلك قال الله هذا لي واستغفري الله عشرًا فإنك إذا قلت ذلك قال الله قد غفرت لك فزاد في المتن الفاظًا منها مطابقة الجواب لسؤالها ومنها الترتيب في الكلمات المذكورة ومنها زيادة وبحمده وقد وجدناه من رواية راو ثالث وهو بكير بن مسمار فأخرجه الطبراني في المعجم الكبير من طريقه عن زيد بن أسلم فوافق عطافًا في حذف الواسطة واختصر المتن ولفظه أنها قالت يا رسول أخبرني بكلمات ولا تكثر علي فقال قولي الله أكبر عشر مرار يقول الله هذا لي وقولي سبحان الله عشر مرار يقول الله هذا لي وقولي اللهم اغفر لي يقول الله قد فعلت فتقوليهن عشر مرار فيقول قد فعلت. هكذا اقتصر فيه على التكبير والتسبيح فقط وأطلق محل القول وبكير وهشام من رجال مسلم والذي يقتضيه النظر ترجيح رواية هشام لما اشتملت عليه روايته من تحرير السياق في السند والمتن معًا وقد جاء نحو هذه القصة عن أم سليم الأنصارية أخرجه الترمذي عن أنس ولفظه أن أم سليم غدت على رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله علمني كلمات أقولهن في صلاتي فقال سبحي الله عشرًا واحمدي الله عشرًا وكبريه عشرًا ثم سلي حاجتك يقول نعم وأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق عبد الله بن المبارك وقال صحيح على شرط مسلم وقد عين ابن خزيمة محل هذا الذكر المخصوص في افتتاح الصلاة لكن بغير هذا العدد فأخرج في دعاء الافتتاح حديث جبير بن مطعم إن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة قال الله أكبر كبيرًا ثلاث مرات والحمد لله كثيرا ثلاث مرات وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاث مرات ثم يتعوذ وأخرجه أبو داود وابن جبان في صحيحه ولفظ ابن حبان أنه رأى رسول

стр. 548

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الله ﷺ يصلي صلاة فقال الله أكبر كبيرًا الله أكبر كبيرًا الله أكبر كبيرًا الحمد لله كثيرًا سبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثًا أعوذ باللهِ الحديث ولفظ أبي داود رأى رسول الله ﷺ حين دخل الصلاة قال الله أكبر كبيرًا ثلاثًا الحديث وقد جاء نحو ذلك في غير هذا المحل من غير تقييد بعدد وذلك ما أخرجه مسلم عن ابن عمر قال بينا نحن نصلي مع رسول الله ﷺ إذ قال رجل من القوم الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلا فقال من القائل كذا وكذا فقال الرجل أنا فقال لقد رأيت أبواب السماء فتحت لها وفي الباب عن عبد الله بن أبي أوفى عند أحمد والطبراني بسند حسن ولفظه نحو حديث عمر وفي آخره فلما فرغ رسول الله ﷺ فقال من هذا العالي الصوت فقالوا هو هذا فقال لقد رأيت كلامه يصعد في السماء حتى فتح له باب يدخل فيه، وعن وائل بن حجر أخرجه مسدد في مسنده والطبراني نحو حديث ابن عمر لكن قال في آخره فقال من صاحب الكلمات فقال الرجل أنا وما أردت إلا خيرًا قال رأيت أبواب السماء قد فتحت فما تناهت دون العرش ويؤيده مشروعية هذا الذكر في دعاء الافتتاح حديث عائشة فإنه ورد مقيدًا بالعدد الذي ورد في حديثي أم رافع وأم سليم أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة وجعفر الغرياني وتقدم بعضه في باب ما يقول إذا استيقظ من منامه فهذه الأحاديث عمدة من جعل محل الذكر المذكور عند دعاء الافتتاح وقبل القراءة وجاءت أحاديث فيها هذه الأذكار عقب الصلاة وأورد الترمذي حديث أم سليم فيما يقال في صلاة التسبيح وتبعه عليه غيره لكن تعقبه الزين العراقي في شرحه بأن في بعض طرق الحديث ما يدل على أنه بعد الصلاة المكتوبة وساقه ثم قال ويمكن الجمع بين هذه الأقوال بأن يقال يشرع هذا الذكر في كل محل عينه فيه إمام أي من أراد القيام إلى الصلاة أو بعد الدخول فيها إما في دعاء الافتتاح أو في الصلاة المسماة بصلاة التسبيح ويؤيد هذا الجمع اختلاف الألفاظ الواردة فيه مع الاختلاف في العدد وكذا اختلاف الصلاة التي يقال فيها هل يعم جميع الصلوات أو يخص صلاة مخصوصة والثاني أولى في الجمع قال فيقول يشرع قول الباقيات الصالحات عشرًا عشرًا عند إرادة الصلاة في الليل ويضاف إليها سؤال المغفرة ويشرع في دعاء الافتتاح أو

стр. 549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يقال له حالان فمن ذكرها قبل الدخول قالها قبلها ومن نسيها استدركها بين دعاء الافتتاح والقراءة وعليه ينطبق إذا قمت إلى الصلاة فإنه يفهم منه ما قبل الدخول على تقدير الإرادة ويفهم منه ما بعد الدخول فيها ويشرع أيضًا في صلاة التسبيح التي لها هيئة مخصوصة كما ذكرت في موضعها إليه جنح الترمذي ويشرع أيضًا عند الفراغ من التشهد والصلاة على النبي ﷺ فيذكر الذكر المذكور فإذا فرغ منه دعا بما ورد مأثورًا وبما كان له من طلب ثم يسلم إلى هذا جنح النسائي فترجم باب الذكر بعد التشهد وأورد حديث أنس في سؤال أم سليم المذكور ولعله أخذه من قوله في رواية لعبد الله بن عمرو وغيره عنها في دبر كل صلاة فإن دبر الشيء حقيقته هو جزء منه مؤخر ويطلق أيضًا على ما يلحقه ولا تخلل بينهما فعلى الأول فالأليق به ما بين التشهد والسلام فإنه الجزء الأخير من الصلاة اتفاقا إن كان المراد بدبر الصلاة الحقيقة وعلى الثاني فهو موافق لما ورد به حديث الصحيحين عن أبي ذر في قصة فقراء المهاجرين ذهب أهل الدثور بالأجور وفيه تسبحون دبر كل صلاة إلخ، فقد اتفق على أن المراد فيه بدبر الصلاة ما بعد السلام بخلاف حديث معاذ لا تدعهن دبر كل صلاة أن تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك فإنهم اختلفوا في المراد بدبر فيه هل هو ما بعد التشهد أو بعد السلام فلعل النسائي ممن يرجح أنه قبل السلام فألحق به الذكر المذكور ويكون عنده أن الذكر المذكور في قصة أهل الدثور خاصًّا بما بعد السلام فهذا طريق الجمع بين الروايات المختلفة في هذا الخبر أما إذا قلنا بالترجيح فإنا نقول يمكن رد الجمع إلى ما بعد السلام من الصلاة ويكون قوله إذا قمت إلى الصلاة أي صليت وفرغت فقولي ويحمل قوله أفتتح به صلاتي أي دعائي إذا فرغت من المكتوبة أو غيرها أو يحمل قوله في الصلاة أي عقبها ويكون أطلق ذلك مجازًا للمجاورة ولا يخفى تكلف ذلك كله فالأولى ما تقدم وتحرر مما ذكر من طريق الترجيح أنه لا مدخل لذلك فيما يقال قبل الدخول في الصلاة أصلًا وتحرر مما ذكر من طريق الجمع إنه يشرع قبل الصلاة لكنه مخصوص بصلاة الليل وهو منزل على الحالتين اللتين ذكرتهما من حال المستحضر للذكر المذكور عند إرادة الدخول في صلاة الليل ومن حال من نسي ذلك فيستدركه في الافتتاح هذا الذي يقتضيه

стр. 550

عن أم رافع ﵂ أنها قالت: يا رسول الله دلني على عمل يَأجُرُني الله عليه؟ قال: "يا أمَّ رَافِع إذَا قُمْتِ إلى الصَّلاةِ فَسَبِّحِي اللهَ تَعالى عَشْرًا، وَهَلِّلِيهِ عَشرًا، واحمَدِيهِ عَشْرًا، وَكبِّرِيهِ عَشْرًا، وَاسْتَغْفِرِيهِ عَشْرًا، فإنكِ إذا سَبَّحْتِ قال: هذا لي، وإذا هَلَّلْتِ قال: هذا لي، وإذا حَمِدْتِ قال: هذا لي، وإذا كبرْتِ قال: هذا لي، وإذا اسْتَغْفَرْتِ قال: قَدْ فَعَلْتُ". باب الدعاء عند الإقامة ــ النظر مما دل عليه اختلاف ألفاظ هذا الحديث من حمل مطلقها على مقيدها ورد بحملها إلى مبينها وبالله التوفيق اهـ. قوله: (عَنْ أُم رَافعٍ) واسمها سلمى وهي خادمة رسول الله ﷺ ومولاة صفية ويقال مولى النبي ﷺ وزوجة أبي رافع وكانت قابلة بني فاطمة بنت رسول الله ﷺ وقابلة إبراهيم ابن رسول الله ﷺ هي التي غسلت فاطمة مع زوجها علي ومع أسماء بنت عميس وشهدت خيبر مع رسول الله ﷺ ومن حديثها ما يكون برسول الله ﷺ قرحة أو نكبة إلا أمرني أن أضع عليها الحناء وعن عائشة جاءت سلمى امرأة أبي رافع مولى النبي ﷺ تستأذنه على أبي رافع وقالت أنه يضربني فقال النبي ﷺ لأبي رافع مالك ولها يا أبا رافع فقال تؤذيني يا رسول الله قال بماذا آذيتيه يا سلمى قالت يا رسول الله ما آذيته بشيء ولكنه أحدث وهو يصلي فقلت له يا أبا رافع إن رسول الله ﷺ قد أمر المسلمين إذا خرج من أحدهم ريح أن يتوضأ فقام يضربني فجعل رسول الله ﷺ يضحك ويقول يا أبا رافع أنها لم تأمرك إلَّا بخير وقال لا تضربها أخرجه ابن عبد البر وابن مندة وابن المديني كذا في أسد الغابة وفيه تخريج حديث الباب من طريق هشام بن سعد وعطاف بن خالد كما ذكره الحافظ فيما تقدم. باب الدعاء عند الإقامة تقدم النقل عن المصنف في شرح الوسيط أنه يستحب للمقيم الصلاة والسلام على النبي ﷺ عند الإقامة وذكره كذلك العامري في بهجة المحافل

стр. 551

روى الإمام الشافعي بإسناده في "الأم" حديثًا مرسلًا أن رسول الله ﷺ قال: "اطْلُبُوا اسْتِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْتِقَاءِ الجُيُوشِ وإقامَةِ الصَّلاةِ ونُزولِ الغَيْثِ". وقال الشافعي: وقد حفظت عن غير واحد ــ والقسطلاني في مسالك الحنفا وغيرهما. قوله (رَوَى الإمامُ الشَافِعي إلخ) أخرجه آخر الاستسقاء عمن لا يتهم عن عبد العزيز بن عمرو عن مكحول أنَّ رسول الله ﷺ قال فذكره وهو مرسل أو معضل لأن جل رواية مكحول عن التابعين وله شاهد عن عطاء بن أبي رباح قال تفتح السماء عند ثلاث خلال فتحروا فيهن الدعاء فذكر مثل مرسل مكحول لكن قال الأذان بدل الإقامة أخرجه سعيد بن منصور في سننه قال الحافظ وهو مقطوع جيد له حكم المرسل لأن مثله لا يقال من قبل الرأي. قوله: (اطْلبُوا اسْتِجابَةَ الدُّعَاءِ) تقدم وجه قرني الأذان والإقامة بأن فيهما محاربة أعداء الدين من الشياطين بالأول ومن الإنس بالثاني ووجه قرنه بالإقامة أنها كذلك بالنسبة للشياطين لأنهم يفرون عندها كما تقدم في الخبر حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر ووجه قرنهما بنزول الغيث أنه لما لحق بإجابة الدعاء لكونه خرج عن نفسه وحظها في الأولين وكان نزولها الغيث حال رحمة محضة فأشار إلى أن الأولين يناسبهما من إفراغ سجال الرحمة عليهما ما يناسب الناس من إفراغ سجال الغيث عليهم إذا احتاجوا إليه وأيضًا فوقت نزول الغيث من أوقات النفحات التي أمر الشارع بالتعرض لها في الحديث الشريف وقد عقدته في بيتين وهما: لله ﷻ في خلقه ... نفحات أنس لم تزل متواصله فالجأ له متعرضًا لنواله ... فعساك تظفر بالهبات الواصله قوله: (وقَال الشَّافِعيُّ وَقَدْ حَفِظْتُ مِنْ غَيرِ وَاحِدٍ إلخ) قال الحافظ وورد في ذلك عدة أحاديث منها حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن عند التقاء الصفين في سبيل الله وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلاة وعند رؤية الكعبة حديث غريب أخرجه البيهقي في المعرفة وأشار إليه في السنن وإلى ضعفه بعفير بن معدان أحد رواته شامي ضعيف وله شاهد من حديث ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ تفتح أبواب السماء لخمس فذكر نحوه لكن الأذان

стр. 552

طلبَ الإجابة عند نزول الغيث وإقامة الصلاة. باب ما يقول إذا دخل في الصلاة اعلم أن هذا الباب واسع جدًّا، وجاءت فيه أحاديثُ صحيحة كثيرة من أنواع عديدة، وفيه فروع كثيرة في كتب الفقه ننبه هنا منها على ــ بدل الإقامة ولم يذكر رؤية الكعبة وزاد ولقراءة القرآن ولدعوة المظلوم وسنده ضعيف أيضًا وإذا انضم إلى الذي قبله كانت الخصال سبعًا ومن الأخبار الواردة في نزول الغيث زيادة تقدمت في حديث سهل بن سعد ولحديث ابن عمر شاهد من رواية عبد الرحمن بن سابط أحد التابعين أخرجه محمد بن فضيل في كتاب الدعاء ومن الأخبار الواردة في الإقامة حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ إذا أقيمت الصلاة فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء حديث حسن أخرجه البيهقي والحاكم في الكنى والدارقطني في الأفراد ورجاله رجال الصحيح إلَّا سهل بن زياد أي الراوي عن سليمان التيمي عن أنس ﵁ وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا وذكره ابن حبان في الثقات ومنها حديث أنس أيضًا قال قال ﷺ إذا كان عند الأذان فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء فإذا كان عند الإقامة فإنه لا ترد دعوة حديث غريب أخرجه المعمري في اليوم والليلة ورجاله موثقون إلا يزيد الرقاشي أي الراوي عن أنس ففيه ضعف والترمذي محسن له إذا اعتضد بالمتابعات وهو بفتح الراء وتخفيف القاف وشين معجمة أهـ. قوله: (طَلَبَ الإجَابَة) أي الاستجابة أو المراد بالدعاء الإجابة لكونها ملزومة له بطريق الوعد الذي لا يخلف ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] فيكون فيه مجاز مرسل. باب ما يقول إذا دخل في الصلاة كذا في النسخ المصححة وفي نسخة قبل هذه الترجمة كتاب الصلاة وفي العبارة تشبيه الصلاة باسم المكان المختص فلذا نصب بدخل على التوسع نحو دخلت المسجد وسبق ما يتعلق بدخل في باب ما يقول إذا دخل الخلاء وفي نسخة إذا دخل في الصلاة بزيادة في والصلاة لغة قيل مطلق الدعاء وقيل الدعاء بخير وشرعًا أقوال

стр. 553

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأفعال مفتتحة بالتكبير المقترن بالنية مختتمة بالتسليم وهي جامعة للعمل اللساني والأركاني والقلبي كالإيمان وخرج بجمع الأفعال سجدة التلاوة والشكر وصلاة الجنازة وإطلاق الصلاة على الأخير مجاز وذكرها كالأقوال للغالب إذ صلاة الأخرس لا قول فيها وصلاة المريض الجارية على قلبه لا شيء فيها من الأفعال الظاهرة التي هي المراد وسبب وضع الصلاة لهذا المعنى ما بينهما من المناسبة واختلف فيها فقيل هي من إطلاق اسم الجزء على الكل لأن الدعاء جزؤها فيكون من علاقة المجاز المرسل وقيل هي من باب التشبيه الذي هو علاقة مجاز الاستعارة لأن كل مصل خاضع ذليل فهو كالداعي فعلى هذا فهو مجاز لغوي اشتهر في عرف الشرع فصار حقيقة عرفية وأشار بعض أرباب الإشارات إلى أنها مشتقة من الصلا وهي النار فكما يقوم اعوجاج نحو العود بعرضه عليها كذلك الصلاة الناشئة عن تجلي الحق سبحانه أو سبحات وجهه الكريم لو كشف حجابها لأحرقت من أدركت من خلقه تقوم اعوجاج العبد الناشئ عن نفسه الأمارة قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وبهذا الصلا المزيل للاعوجاج يكون العرض على النار في الآخرة كتحلة القسم فقط اهـ، وأصل هذا القول لابن فارس وقد تعقبه المصنف بأن لام الكلمة في الصلاة واو ولذا كتبت الواو في المصحف وفي صليت ياء فلا يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف الأصلية وتعقب بأن المشدد تقلب فيه الواو ياء نحو زكيت المال وصليت الظهر ولعل المصنف توهم أنها من صليت اللحم بالتخفيف صليًا كرميته رميًا إذا شويته قال المصنف وأشهر الأقوال وأظهرها أنها مشتقة من الصلوين وهما عرقان من جانبي الذنب وعظمان ينحنيان في الركوع والسجود وهذا نقله الزجاج عن أهل اللغة وضعفه السبكي بأن الأصل والغالب في الاشتقاق أن يكون من المصادر وفيه أيضًا مسامحة في الاشتقاق من المثنى وإنما الصواب لو صح أن يقال من الصلا بالقصر الذي هو مفرد الصلوين وهو ما عن يمين الذنب ويساره كما قاله الجوهري وقال ابن سيدة الصلا وسط الظهر من الإنسان ومن كل ذي أربع واختار السبكي أنها من الصلو بوزن الغزو هو استرخاء الصولين لأن ابن القطاع حكي صلت الناقة صلوا إذا استرخى

стр. 554

أصولها ومقاصدها دون دقائقها ونوادرها، وأحذفُ أدلَّة مُعْظَمها إيثارًا للاختصار، إذ ليس هذا الكتاب موضوعًا لبيان الأدلة، إنما هو لبيان ما يُعمَل به، والله الموفق. باب تكبيرة الإحرام اعلم أن الصلاة لا تَصِحُّ إلا بتكبيرة الإحرام فريضة كانت أو نافلة، ــ صلواها فوجد مصدر واوي اللام مناسب يمكن الاشتقاق منه فتعين ثم قال: فإن قلت إنما يعتبر الاشتقاق من المصادر في اسمي الفاعل والمفعول ونحوها وأسماء الأجناس يعتبر فيها التلاقي في الحروف والمعنى والصلاة اسم مصدر فلا يكون اشتقاقها من المصدر أولى. قلت اسم المصدر تابع للفعل والفعل هنا لا يشتق إلَّا من مصدر وقد أمكن اشتقاقه من الصلو فكذا اسم المصدر اهـ. قوله: (أُصُولِهَا) أي القواعد التي يرجع إليها كثير من الأحكام الجزئية. باب تكبيرة الإحرام (باب تكبيرة الإحرام) سميت بذلك لأن المصلي يحرم عليه بها ما كان حلالاله قبل مفسدات الصلاة وفي الحديث تحريمها التكبير أي يحرم عليه بتمام الراء ما ينافي الصلاة مما كان حلالا له قبل ذلك. قوله: (لَا يَصحُّ إلا بتَكْبيرَةِ الإحرام) لقوله ﷺ للمسيء صلاته وهو خلاد بن رافع الزرقي الأنصاري لما صلى ثلاث مَراتَ والنبي ﷺ يقول له أثر كل مرة ارجع فصل فإنك لم تصل إذا قمت إلى الصلاة فكثر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها رواه الشيخان وفي رواية للبخاري ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم ارفع حتى تستوي قائمًا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها وفي صحيح ابن حبان بدل قوله حتى تعتدل قائمًا حتى تطمئن وفي رواية صححها أحمد والبيهقي وابن حبان بدل ما تيسر معك ثم اقرأ بأم القرآن فقول الإمام لم يذكر له ﷺ الطمأنينة في الاعتدال والجلوس بين السجدتين غفلة عما ذكر قال المصنف وهو أحسن الأدلة لأنه لم يذكر فيه سوى الأركان أي ولم يذكر فيه باقي الأركان لعله إما لعلمه بأنه يعلمه أو لفرضه بعد ذلك فإنه قضية كانت في أوائل الهجرة كما في

стр. 555

والتكبيرة عند الشافعي والأكثرين جزءٌ من الصلاة وركن من أركانها، ــ شرح المشكاة لابن حجر وحكمة الاستفتاح بتكبيرة الإحرام استحضار المصلي عظمة من تهيأ لخدمته والوقوف بين يديه ليمتلئ هيبة فيخشع ويحضر قنبه ويسكن جوارحه. قوله: (وركن مِنْ أَركَانها) الركن والشرط مشتركان في أن كلا منهما لا توجد العبادة بدونه لكن إن كان داخلًا في الماهية فيسمى ركنًا وإن كان خارجًا فيسمى شرطًا أو يقال إن كان ما ذكر يعتبر متقدمًا على العبادة موجودًا فيها كالطهارة فشرط وإن كان لا يوجد إلَّا فيها فركن وبعبارة أخرى إن كان ما اعتبر فيها بحيث يقارن كل معتبر سواه كالطهر فشرط وإلا فركن وأورد عليه خروج الاستقبال عن كونه شرطًا إذ لا يقارن كل معتبر إذ هو إنما يقارن القيام والقعود وأجيب بأن التوجه إليها في غيرهما حاصل عرفًا إذ يقال على المصلي أنه متوجه إليها لا ينحرف عنها مع أن التوجه إليها ببعض مقدمه حاصل. قوله: (عِنْدَ الشافعي) اعلم أنه لما تقدم في الفصول ترجمة الإمامين مالك وأحمد تعين ترجمة الإمامين الباقيين من الأربعة الشافعي وأبي حنيفة وقد صنف في مناقبهما كما صنف في مناقب من ذكر قبلهما الكتب الكثيرة بعضها على سبيل الانفراد وبعضها على سبيل إجمال الأربعة الأمجاد الأنجاد لأنهم قدوة الأمة ومصابيح الظلمة نفع الله بهم فنقول "أما الشافعي" فهو الإمام القرشي المطلبي الملتقي مع النبي ﷺ في جده الرابع عبد مناف، محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف إمام الأئمة علمًا وورعًا وزهدًا ومعرفةً وذكاءً وحفظًا ونسبًا فإنه برع في كل مما ذكر وفاق فيه أكثر من سبقه لا سيما مشايخه كمالك وسفيان بن عيينة ومشايخهم واجتمع له من تلك الأنواع وكثرة الاتباع في أكثر أقطار الأرض وقد تقدم مذهبه وأهله فيها لا سيما في الحرمبن والأرض المقدسة وهذه الثلاثة وأهلها أفضل أهل الأرض واجتمع له ما لم يجتمع لغيره وهذا هو حكمة تخصيصه في الحديث المعمول به في مثل ذلك وزعم وضعه حسد أو غلط فاحش وهو قوله ﷺ عالم قريش يملأ طباق الأرض علمًا قال أحمد وغيره من أئمة الحديث والفقه نراه الشافعي أي لأنه لم يجتمع لقرشي حين الشهرة كما ذكر ما اجتمع له فلم ينزل الحديث إلّا عليه وكاشف أصحابه بوقائع وقعت بعد موته كما أخبر ورأى النبي - صلى الله عليه

стр. 556

وعند أبي حنيفة: هي شرط ليست من نفس الصلاة. واعلم أن لفظ التكبير أن يقول: ــ وسلم - وقد أعطاه ميزانًا فأولت له بأن مذهبه أعدل المذاهب وأوفقها للسنة الغراء التي أعدل الملل وأوفقها للسنة للحكمة العلمية والعملية ولد بغزة على الأصح سنة خمسين ومائة ثم أجيز بالإفتاء وهو ابن خمس عشرة سنة ثم رحل لمالك فأقام عنده مدة ثم لبغداد ولقب ناصر السنة لما ناظر أكابرها وظفر عليهم كمحمد بن الحسن وكان أبو يوسف إذ ذاك ميتًا ثم بعد عامين رجع لمكة ثم لبغداد سنة ثمان وتسعين ثم بعد سنة لمصر فأقام بها كهفًا لأهلها إلى أن تقطب ومن الخوارق التي لم يقع نظيرها لمجتهد غيره استنباطه وتحريره لمذهبه الجديد على سعته المفرطة في نحو أربع سنين قال المزني دخلت عليه في مرض موته فقلت له كيف أصبحت قال أصبحت من الدنيا راحلًا ولسوء أعمالي ملاقيًا وعلى الله واردأ فلا أدري روحي تفسير إلى الجنة فأهنيها أو إلى النار فأعزيها ثم بكى وأنشأ يقول: ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت رجائي نحو عفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منة وتكرما وتوفي آخر يوم من رجب ليلة الخميس أو ليلة الجمعة أو في شهر ربيع آخر يوم منه أقوال أشهرها الأول سنة أربع ومائتين بها وقبره بقرافة مصر وأريد بعد أزمنة نقله لبغداد فظهر من قبره لما فتح روائح عطلت الحاضرين عن إحساسهم فتركوه ﵁ وله شعر كثير جدًّا غالبه في المواعظ والحكم ومنه: عزيز النفس من لزم القناعه ... ولم يكشف لمخلوق قناعه أنالته القناعة كل عز ... وهل عز أعز من القناعه فصيرها لنفسك رأس مال ... وصير بعدها التقوى بضاعه أحب الصالحين ولست منهم ... لعلي أن أنال بهم شفاعه وأكره من تجارته المعاصي ... ولو كنا سواء في البضاعه قوله: (وَعِنْدَ أَبي حنيفة هِي شرط) وفي المهمات للأسنوي أما التكبير ففي البحر للروياني وجه

стр. 557

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنه شرط لا ركن وعلله قائله إن الركن هو الداخل في الماهية والمصلي لا يدخل في الصلاة إلَّا بفراغه منه وأجاب عنه الروياني بأن المصلي إذا فرغ منه تبينا دخوله بأوله والنووي في شرح المهذب حكى هذا عن أبي حنيفة قال وفائدة الخلاف في كونه شرطًا أو ركنًا فيما لو افتتح بمانع ما من النجاسة أو استدبار القبلة أو غيره وهي فائدة صحيحة فاعلمها اهـ. قال الفاكهاني في شرح العمدة ما لفظه نقلًا عن شيخه عبد الحميد: الذي عندي إن فائدة الخلاف في ذلك صحة تقديم الإحرام على وقت تقديم العبادة إن كان شرطًا وعدم صحته إن كان ركنًا إذ لا يشترط في إيقاع شرط العبادة المؤقتة دخول وقت العبادة كالطهارة اهـ. وقال بعض متأخري الشافعية تظهر فائدة الخلاف فيما لو كبر وفي يده نجاسة فألقاها في أثناء التكبير أو شرع في التكبير قبل ظهوره لزوال الشمس ثم ظهر الزوال قبل فراغها فلا تصح صلاته عندنا في الصورتين أي على القول المعتمد أنه ركن وتصح على القول بأنها شرط كستر العورة اهـ. "والإمام أبو حنيفة" فهو الإمام الأعظم والعلم المفرد المكرم إمام الأئمة المتفق على علو مرتبته ووفور علمه وزهده وتجليه من العلوم الباطنة فضلًا عن الظاهرة بما فاق به أهل عصره وفاق بحسن الثناء عليه وإذاعة ذكره من أكابر التابعين أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي بضم الزاي وفتح الطاء ماه مولى تيم الله بن ثعلبة الكوفي روى الخطيب بإسناده عن حفيدة عمر بن حماد بن أبي حنيفة إن ثابتًا ولد على الإسلام وزوطي كان مملوكا لبني تيم فأعتقوه فصار ولاؤه لهم وأنكر إسماعيل أخو عمر حفيد أبي حنيفة ذلك وقال إن والد ثابت من أبناء فارس وأنهم أحرار والله ما وقع علينا رق قط ولد جدي سنة ثمانين وذهب بثابت ابنه إلى علي بن أبي طالب وهو صغير فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته ونحن نرجو الله أن يكون ذلك قد استجيب فينا اهـ، وهو كما رجا فقد بارك الله في جده أبي حنيفة بركة لا نهاية لأقصاها ولا حد لمنتهاها وبارك في أتباعه فكثروا في سائر الأقطار وظهر عليهم من بركة إخلاصه وصدقه ما اشتهر به في سائر الأمصار أخذ الفقه عن حماد بن أمية وأدرك أربعة من الصحابة بل ثمانية منهم أنس وعبد الله بن أبي أوفى وسهل بن سعد وأبو الطفيل وقد نظم بعضهم أسماء بعض من روى عنه الإمام أبو حنيفة من الصحابة فقال: أبو حنيفة زين التابعين روى ... عن جابر وابن جزء والرضى أنس

стр. 558

الله أكبر، ــ ومعقل وحريثي وواثلة ... وبنت عجرد علم الطيبين قبس وقيل لم يلق أحدًا منهم وسمع من عطاء وأهل طبقته وروى عنه ابن المبارك ووكيع بن الجراح وآخرون وطلب منه المنصور أن يلي القضاء فامتنع فحبسه على ذلك وضربه وهو مصر على الامتناع حتى مات في السجن ﵁ قال عبد الله بن المبارك في حقه أتذكرون رجلًا عرضت عليه الدنيا بحذافيرها ففر منها وكان حسن الثياب طيب الريح يعرف بريح الطيب إذا أقبل حسن المجلس كثير الكرم حسن المواساة لإخوانه ربعة وقيل كان طوالا أحسن الناس منطقًا وأحلاهم نغمة قال قدمت البصرة فظننت أني لا أسأل عن شيء إلّا أجبت عنه فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب فجعلت على نفسي ألا أفارق حمادًا حتى أموت فصحبته ثماني عشرة سنة ثم ما صليت صلاة إلَّا استغفرت له مع والدي وإني لأستغفر لمن تعلمت منه علمًا أو تعلم مني علمًا قال سهل بن مزاحم بذلت له الدنيا فلم يردها وضرب عليها بالسياط فلم يقبلها وكان خرازا أي يبيع الخرز ودكانه في دار عمر بن حريث ولما بلغ ابن جريج موته توجع وقال أي علم ذهب وقال الفضيل بن عياض وناهيك بها شهادة من هذا الحبر كان أبو حنيفة معروفًا بالفقه مشهورًا بالورع واسع العلم معروفًا بالأفضال صبورًا على تعليم العلم بالليل والنهار قليل الكلام حتى ترد مسألة في الحلال والحرام وفضائله كثيرة قال زفر كان يحيي الليل كله بركعة يقرأ القرآن فيها وقال أسد بن عمر وصلى أبو حنيفة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة وكان عامة الليل يقرأ القرآن في ركعة وكان يسمع بكاؤه حتى يرحمه جيرانه وحفظ أنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف ختمة ولما غسله الحسين بن عمارة قال له غفر الله لك لم تفطر منذ ثلاثين سنة ولم تتوسد يمينك في الليل أربعين سنة وكان يجمع القرآن في ركعتين ولد ﵁ سنة ثمانين من الهجرة وتوفي ببغداد قيل في السجن على أن يلي القضاء سنة خمسين على المشهور أو إحدى أو ثلاث وخمسين ومائة في شهر رجب وقبره ببغداد يزار ويتبرك به ومن فضله قول إمامنا الشافعي الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة ﵀. قوله: (الله أَكبرُ) رواه عنه ﷺ البزار بإسناد على شرط مسلم والترمذي وابن ماجة وغيرهما وقد قال كما في البخاري

стр. 559

أو يقول: الله الأكبر، فهذان جائزان عند الشافعي وأبي حنيفة وآخرين، ومنع مالك الثاني، والاحتياط أن يأتيَ الإنسانُ بالأوَّل ليخرج من الخلاف، ولا يجوز التكبير بغير هذين اللفظين، ــ صلوا كما رأيتموني أصلي أي كما علمتموني حتى لا ترد الأقوال فإنها لا تبصر وهو وإن كان خطابًا لمالك بن حويرث فيجري في جميع الأمة كما صرح به ابن دقيق العيد وبه اندفع ما أوهمه كلام الزركشي من أنه لا يصح الاستدلال به إلّا إن كان خطابًا لجميع الأمة وصح أنه ﷺ إذا استفتح الصلاة استقبل القبلة ورفع يديه وقال الله أكبر ومعنى أكبر قيل كبير لأن أفعل قد يجيء نعتًا بمعنى فعيل كأمر أهون أي هين وقيل أكبر كبير كأعز عزيز وقيل أكبر من أن يشرك به أو يذكر بغير الثناء الحسن قال في المجموع عن التيمي من أصحابنا في شرح مسلم وهذا أحسن الأقوال لا سيما على أصلنا من عدم جواز كبير بدل أكبر وقيل أكبر مما سواه واعترضه المبرد بأن أفعل إنما يستعمل بين متجانسين وأجاب الفخر الرازي بأن الناس قد يستعظمون غير الله فقصد بهذا تنبيههم على أنه تعالى أولى بالتعظيم والإجلال من غيره اهـ، والحكمة في افتتاح الصلاة بها تنبيه المصلي على عظم مقام من قام لأداء عبادته من وصفه بأنواع الكمال وإن كل ما سواه حقير وأنه جل عن أن يكون له شبيه من مخلوق فإن فيخضع قلبه وتخشع جوارحه ويخلو قلبه من الأغيار فيمتلئ بالأنوار. قوله: (أَوْ يَقولَ الله الأكبرُ) لوجود اللفظ الوارد فيه وزيادة أل لا تغير المعنى بل تفيد المبالغة في التعظيم بإفادتها حصر الكبرياء والعظمة بسائر أنواعها فيه ويفرق بينه وبين الله هو أكبر حيث أبطل مع إفادته ما ذكر بأن هو كلمة مستقلة غير تابعة بخلاف أل ويجوز أيضًا الله الكبير الأكبر كما في المجموع. قوله: (وَمَنَع مالِك الثَّانيَ) وعزا الفاكهاني في شرح العمدة منع إجزاء ذلك عن أحمد وداود قال الشيخ داود المالكي في شرح رسالة ابن أبي زيد يقول الله أكبر لا يجزي غيرها إذ لم يرو أحد أنه ﷺ دخل الصلاة بغير الله أكبر اهـ، وسيأتي عن الفاكهاني تحقيق لهذا المقام. قوله: (لِيَخْرُجَ مِنَ الخِلافِ) أي فالإتيان بالأكبر بالتعريف خلاف الأولى "ولمراعاة الخلاف شروط" أن يكون مأخذه قويًّا فإن كان واهيًا لم يراع كما نقل من بطلان

стр. 560

فلو قال: الله العظيم، أو الله المتعالي، أو الله أعظمُ، أو أعز أو أجلُّ وما أشبه هذا، لم تصحُّ صلاته عند الشافعي والأكثرين، ــ الصلاة عن بعض الأئمة لكن ظاهر كلام بعضهم قبول الخلاف وإن ضعف مأخذه إذا كان فيه احتياط، وألا يؤدي مراعاته إلى خرق إجماع كما نقل عن غسل الأذنين مع الوجه ومسحهما مع الرأس ومنفردين مراعاة لمن قال إنهما من الوجه أو من الرأس أو مستقلان فوقع في خلاف الإجماع إذ لم يقل بالجمع أحد لكن قال المصنف من غلطه في ذلك فهو غالط فإن الشافعي والأصحاب استحبوا غسل النزعتين مع الوجه ومسحهما مع الرأس خروجًا من خلاف من قال أنهما من الوجه أو من الرأس، وألا يصادم الخلاف سنة صحيحة إلا كما ينقل من نجاسة المائع بوجود ميتة نحو الذباب فيه عن بعض الأئمة لا يراعى، وإن يكون الجمع بين المذاهب ممكنًا فإن لم يكن كذلك فلا تترك الراجح عند معتقده لمراعاة المرجوح لأن ذلك عدول عما وجب عليه من اتباع ما غلب على ظنه وهو لا يجوز قطعًا مثاله ما روي من اعتبار المصر الجامع في انعقاد الجمعة لا يمكن مراعاته عند من يقول إذا بلغ أهل القرية العدد الذي تنعقد به الجمعة لزمتهم ولا يجزيهم الظهر فلا يمكن الجمع بين القولين، وألا يؤدي إلى المنع من العبادة كالمنع من تكرار العمرة المشهور من قول مالك لا تكرر العمرة في السنة أكثر من مرة فلا ينبغي للشافعي مراعاته لضعف مأخذه ولما يفوته من كثرة الاعتمار وهو من القربات الفاضلة فإن لم يكن كذلك سن الخروج منه سيما إن كان فيه زيادة تعبد كالمضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة تجب عند الحنفية والاستنشاق في الوضوء يجب عند الحنابلة والدلك فيهما يجب عند مالك، وأصل هذا الاحتياط قول الشافعي في مختصر المزني فأما أنا فأحب أن لا أقصر في أقل من ثلاثة أيام احتياطًا لنفسي قال الماوردي أفتي بما قامت الأدلة عنده عليه من القصر في مرحلتين ثم احتاط لنفسه اختيارًا لها قال القاضي أبو الطيب أراد خلاف أبي حنيفة كذا يؤخذ من قواعد الزركشي. قوله: (فَلَو قَال الله العظيمُ) أي لأنه ﷺ قال مفتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم قال في المجموع وليس تمسكًا بدليل الخطاب بل بمنطوقه وهو أن

стр. 561

وقال أبو حنيفة: تصح. ــ تحريمها النكبير يقتضي الاستغراق وأن تحريمها لا يكون إلّا به اهـ، وتبعه ابن الرفعة فقال وظاهره الحصر إذ لم يقل التكبير تحريمها فإن العرب تفرق بين زيد صديقي وعكسه إذ الثاني يقتضي حصر الصداقة في زيد دون الأول لأنه يفهم أن المجهول هو الصداقة فأثبتها للسامع بالخبر وأما في صديقي زيد فهي المعلومة والمجهول محلها ولو كان محلها زيدًا وغيره لم يحسن الاقتصار على زيد فكذا في تحريمها التكبير فلا يكفي الله كبير لفوات معنى أفعل ولا الرحمن الرحيم الله أو الله أعظم وأجل وفارق أعظم أكبر بأن فيه من الفخامة ما ليس في أعظم بدليل الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما قصمته والرداء أعظم من الإزار في التجمل وغيره. قوله: (وَقَال أَبُو حنيفة يصح) قال الفاكهاني في شرح العمدة بعد ذكر ما تقدم عن مالك والشافعي وأحمد قال أبو حنيفة تنعقد الصلاة بكل ذكر يقصد به تعظيم الله تعالى ووافق على أنه لا ينعقد بنحو يالله ارحمني أو بالله أستعين وقال أبو يوسف تنعقد بألفاظ التكبير كالله أكبر أو الكبير فلو قال الله أو الرحمن واقتصر عليه فعن أبي حنيفة روايتان وحجة الشافعي قوله ﵊ مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم والتكبير يشتمل على الله أكبر والله الأكبر وأورد عليه الله الكبير فينبغي أن ينعقد به كما قال به أبو يوسف فإذا منع هذا لزم الاتباع وتعين ونزل الخبر عليه أقول المرجع للاتباع وهو إنما ورد بصيغة أفعل التفضيل منكرًا إلَّا أنه لما كان معنى التفضيل حاصلًا مع التعريف مع مبالغة كما تقدم جاز بخلاف كبير لفوات معنى أفعل كما قدمناه ثم قال نقلًا عن الشيخ أبي بكر الأبهري الفرق بين أكبر والأكبر نكرة ومعرفة بأنه إذا دخل أل على أكبر صار نعتًا كمصير الكبير ويبقى المبتدأ بلا خبر قال بعض المتأخرين من أصحابنا وفيه نظر إذ لا يمتنع كون الأكبر خبرًا لأن الخبر قد يكون معرفة إلَّا أنه صار بالتعريف مجملًا محتملًا للنعت والخبر فكيف يقوم مقام أكبر المتعين لكونه خبرًا وإنما يلحق الأصل بالفرع إذا ساواه وزاد عليه ولعل الشارع إنما جعل قوله الله أكبر عقدا للصلاة لا الأكبر لتعين كونه الخبر قال الأبهري وأيضًا فمعنى المنكر أكبر من كل شيء فيكون أبلغ في المدح ولا يبقى هذا المعنى مع أل إذ لا يجمع بينها وبين من في أفعل التفضيل فإذا قيل الأكبر جاز

стр. 562

ولو قال: أكبر الله، لم تصحّ على الصحيح عندنا، وقال بعض أصحابنا: تصحُّ، كما لو قال في آخر الصلاة: عليكم السلام، فإنه يصحُّ على الصحيح. واعلم أنه لا يصحُّ التكبير ولا غيره من الأذكار حتى يتلفظ بلسانه بحيث يُسمع نفسه ــ وجود مشارك له في الكبر بخلاف أكبر فإنه يدل على أنه ليس له نظير وفيه نظر فإن صيغة أفعل التفضيل تقتضي بوضعها المشاركة في أصل الشيء والزيادة عليه سواء كان فيه أل أم لا كزيد أفضل من عمرو وزيد الأفضل فتأمله وحاصله أن أصل الاشتراك والدلالة على زيادة الموصوف به مدلول لأفعل سواء كان معرفًا أو منكرًا ووجه باعتبار اعتقاد بعض القاصرين كبر بعض المخلوقين وإلا فلا مشارك للباري سبحانه في وصف من صفاته إلّا في مجرد الاسم وكيف يشارك الحادث القديم في حقيقة وصف ثم قال الأبهري وأما أصحاب أبي حنيفة فقولهم أقرب من قول غيرهم قال صاحب البيان والتقريب يعني أقرب من قول الشافعي وأبي يوسف فإنهما لم يطردا القياس في كل لفظ معناه التعظيم ولم يقتصرا على ما ورد وقول أبي حنيفة بعد ذلك ضعيف لأنه استعمل القياس في عبادة لا يعقل لها معنى قال صاحب البيان والتقريب ثم المعنى الذي استنبطوه من التكبير وقاسوا به ليس من معاني الشرع بل هو راجع إلى تفسير معنى اللفظ فلا يصح القياس به ولو تنزلنا على صحة ما قالوه للزمهم أن تنعقد الصلاة بنحو اللهم اغفر لي ولا تنعقد عندهم بذلك اهـ، ولك أن تقول إن الشافعي إنما أجاز الأكبر لكون قوله تحريمها التكبير شاملًا له مع أنه يشتمل على اللفظ الوارد عنه ﷺ مع زيادة مبالغة بخلاف الكبير فإنه ناقص عن اللفظ الوارد عنه ﷺ فيكون من تخصيص عموم حديث تحريمها التكبير بمنطوق ذلك الخبر وليس هو من القياس وأما أبو يوسف فلم ينظر إلى ما ذكر في الأخير فأخذ بعموم حديث تحريمها التكبير وما ألزم به أبا حنيفة من الانعقاد بنحو اللهم ارحمني غير لازم إذ هذا اللفظ ليس موضوعًا للدلالة على التعظيم والإجلال وإن كان ذلك من لازم السؤال نعم ما أورد عليه من كونه قياسًا فيما لا يعقل من التعبدي وارد والله أعلم. قوله: (وَلَو قَال أَكبرُ الله لَمْ يصح على الصحيح عندنا) قال أصحابنا لأنه لا يسمى تكبيرًا بخلاف عليكم السلام وإن كره فإنه يسمى تسليمًا لانتظامه واعتياده في كلام العرب وغيرهم

стр. 563

إذا لم يكن له عارض، وقد قدَّمنا بيان هذا في الفصول التي في أوّل الكتاب، فإن كان بلسانه خَرَسٌ أو عَيْبٌ حركه بقدر ما يقدر عليه وتصح صلاته. واعلم أنه لا يصحُّ التكبير بالعجمية لمن قَدَرَ عليه بالعربية، وأما من لا يقدر، فيصح، ويجب عليه تعلُّم العربية ــ قاله في المجيوع وبه يعلم أن سبب انتفاء التسمية عن الأول عدم اعتياده في كلام العرب وثبوتها للثاني اعتياد النطق به هكذا في كلامهم وبذلك يجاب عن منازعة الرافعي في ذلك بأن ذلك إن كان يسمى تسليمًا فهذا يسمى تكبيرًا ويفرق أيضًا بأن تأخير أكبر يمنع الإلباس فيه لوقوعه محمولًا على ما يعين حمله على المعنى اللائق بخلاف تقديمه فإنه لا مانع حينئذٍ من حمله على الأبلغية في الجسم ونحوه من صفات الحادث إلا حمل الجلالة عليه فكان قبلها ملبسًا ولا كذلك في السلام فتأمله وسيأتي إن الفاتحة يجب ترتيبها فلا يبني المتعمد لتركه بخلافه في الأذان مع الفرق وقضيته إلحاق التكبير هنا بالأذان في ذلك وليس ببعيد فله البناء قصر المرتب أو طال فيما يظهر لأن غير المرتب متقدم على كلمتي التكبير فلا يؤثر كالصفات اللاحقة لهما فإنها غير مؤثرة وإن طالت. قوله: (إِذَا لَمْ يَكن لَهُ عارضٌ) أي من خرس به أو لغط عنده فإن كان كذلك رفع بحيث يسمع لولا المانع ويقدر ذا سمع معتدل فيما يظهر. قوله: (فإِنْ كَانَ بلسانِهِ خَرسٌ) أي على أخرس طرأ عليه ذلك أو عقل الإشارة إلى الحركة لأنه حينئذٍ يحسن تحريك لسانه على مخارج الحروف كما بحثه الأذرعي وتبعه عليه الزركشي تحريك لسانه وشفتيه ولهاته قدر إمكانه لأن الميسور لا يسقط بالمعسور فإن عجز عن ذلك نواه يقلبه نظير ما ذكروه فيمن عجز عن كل الأركان أما من لا يحسن ذلك فلا يلزمه تحريك لأنه عبث وفارق الأول بأنه كناطق انقطع صوته فإنه متكلم بالقوة وإن لم يسمع صوته بخلاف هذا فإنه كعاجز عن الفاتحة وبدلها فيقف بقدرها ولا يلزمه تحريك بل قالا إن التحريك حينئذٍ نوع من اللعب فيشبه أن يكون مبطلًا. قوله: (لَا يصحُّ التَّكْبيرُ بالعجمية إلخ) بلا خلاف عندنا كما في شرح العباب قال الشاشي وذلك لشرفها بنزول القرآن بها وبأنها لسان أهل الجنة. قوله: (فَيصحُّ) ويترجم

стр. 564

فإن قصر في التعلُّم لم تصح صلاته، وتجب إعادة ما صلاه في المدة التي قصَّر فيها عن التعلُّم. واعلم أن المذهب الصحيح المختار أن تكبيرة الإحرام لا تمدَّ ولا تمطَّط، بل يقولها مُدْرَجة مسرِعة، وقيل: تمد، والصواب الأوَّل وأما باقي التكبيرات، فالمذهب الصحيح المختار استحبابُ مدِّها إلى أن يصلَ إلى الركن الذي بعدها، وقيل: لا تمد، فلو مَدَّ ما لَا يُمَدُّ، أو تركَ مدَّ ما يمَد، لم تبطل صلاته لكن فاتته الفضيلة. واعلم أن محلَّ المدّ بعد اللام من "الله" ولا يمد في غيره. ــ بأي لغة شاء وجوبًا ولا يعدل لذكر آخر وفارق القرآن بأنه معجز وإعجازه يفوق بالترجمة ولا إعجاز في التكبير. قوله (فإِنْ قصَّر فِي التعلم) أي بأن آخره مع التمكن منه لاتساع الوقت وعدم بلادته لم تصح صلاته وأعاد فإن لم يقصر بأن آخره لبلادة أو ضيق وقت فلا يلزمه الاعادة لأنه بذل ما في وسعه قال الأسنوي في باب صفة الأئمة وإمكان التعلم معتبر من الإسلام فيين طرأ عليه كما قاله البغوي وفي غيره المتجه اعتباره من التمييز لكون الأركان والشروط لا فرق فيها بين البالغ وغيره فلا تصح صلاة المميز إن أمكنه التعلم والاقتداء به ووافقه على ذلك أبو زرعة وغيره ويطرد ذلك في نظائره من كل واجب قولي والله أعلم. قوله: (لَا تُمدَّ وَلا تمطَّط) بالبناء للمفعول فيهما أي لا تمد تكبيرة الإحرام ولا تمطط لئلا تزول النية عن قلبه بالمد أو يخرجه عن موضوعه وعلى المد حمل الجزم في قول إبراهيم النخعي التكبير جزم وليس المراد بالجزم أحد أنواع الإعراب خلافًا لمن وهم لأن الجزم لا يدخل الأسماء وفي المجموع عن التبصرة لا يجوز المد إلّا على الألف التي بين اللام والهاء ولا يخرجها به عن حد الاقتصاد إلى الإفراط اهـ. قيل وينبغي ضبط الإفراد الإفراط بأن يطيله إلى حد لا يراه أحد من القراء وقيل يسن مده ولم يجر نظيره في السلام وكأنه لأن طلب المد في التكبير مشروع في بقية التكبيرات فقيس بها هذا على وجه بخلاف السلام فإنه لم يشرع مده أصلًا وعلم من قوله لا تمد إلخ، أنها لا تقصر بحيث لا يفهم

стр. 565

فصل: والسُّنَّةُ أن يجهر الإمام بتكبيرة الإحرام وغيرِها ليسمعه المأموم، ويسِرُّ المأموم بها بحيثُ يُسمِع نفسه، فإن جهر المأموم أو أسرّ الإمام، لم تفسد صلاته. وليحرص على تصحيح التكبير، فلا يمد في غير موضعه، فإن مدَّ الهمزةَ من "الله"، أو أشبع فتحة الباء من "أكبر" بحيث صارت على لفظ "أكبار" لم تصح صلاته. ــ والسنة إن يشرع به مع تبيين معناه لئلا تزول النية وفارق تكبيرات الانتقالات لئلا يخلو باقيها عن الذكر. تتمة سكت المصنف هنا عن النية وهو أول الأركان وذكرها في كل من أذكار الزكاة والصوم وكان وجه ذلك على ما فيه طول الكلام على أذكار الصلاة وقصره فيها ويستحب أن يجمع فيها بين التلفظ باللسان والقصد بالجنان فلو اقتصر على القلب كفى أو اللسان فلا ثم إن كانت الصلاة فرضا وجب قصد فعل الصلاة والفرضية وتعيين أنها ظهر مثلًا وإن كانت نفلًا ذا سبب أو ذا وقت وجب قصد الفعل أو التعين وإن كانت نفلا مطلقًا وجب قصد فعل الصلاة ولا يجب نية النفل ولا ذكر عدد الركعات ولا الأداء والقضاء ولا الإضافة إلى الله تعالى نعم يستحب ما جرى في وجوبه خلاف ويجب قرن ذلك كله بالتكبير على منقول المذهب وقيل يكفي المقارنة العرفية واختير والله أعلم. فصل قوله: (أَنْ يَجْهَر الإِمَامُ بتَكبيرَةِ الإحْرَامِ وغيرها) كالتسميع ليسمعه المأمومون أي فيعلموا أفعال صلاته فيتابعوه فيها وفي الجوَاهر ترفع أمامة النساء صوتها بالتكبير ندبًا أقل من رفع الرجل. قوله: (وَيُسِرّ المأْمومُ بِهَا) وكذا المنفرد لكن محله في المأموم إن لم يكن مبلغًا وإلَّا جهر بقدر الحاجة. قوله: (لمْ تَفسُدْ صَلاتهُ) لكن يكره جهر المأموم بقيده قياسًا على جهره بالفاتحة وظاهر كلامهم أنه لا يكره للمنفرد الجهر وقد يفرق بأن جهر المأموم يشعر بالاستقلال وعدم الارتباط بالغير مع أنه غالبًا لا يخلو عن إيذاء بعض المأمومين بخلاف المنفرد. قوله: (مدَّ الهَمْزَةَ مِنْ الله أَوْ أَشْبع فتحةَ البَاءِ مِنْ أَكْبر لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ) لأنه غير معناه فنقله في الأولى من الخبر للاستفهام وفي الثانية إلى جمع كبر وهو طبل ذو وجه واحد كما في المحكم تستعمله الحبشة بل إن قصد ذلك كفر.
следующие страницы →