← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وقال أبو حنيفة: تصح. ــ تحريمها النكبير يقتضي الاستغراق وأن تحريمها لا يكون إلّا به اهـ، وتبعه ابن الرفعة فقال وظاهره الحصر إذ لم يقل التكبير تحريمها فإن العرب تفرق بين زيد صديقي وعكسه إذ الثاني يقتضي حصر الصداقة في زيد دون الأول لأنه يفهم أن المجهول هو الصداقة فأثبتها للسامع بالخبر وأما في صديقي زيد فهي المعلومة والمجهول محلها ولو كان محلها زيدًا وغيره لم يحسن الاقتصار على زيد فكذا في تحريمها التكبير فلا يكفي الله كبير لفوات معنى أفعل ولا الرحمن الرحيم الله أو الله أعظم وأجل وفارق أعظم أكبر بأن فيه من الفخامة ما ليس في أعظم بدليل الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما قصمته والرداء أعظم من الإزار في التجمل وغيره. قوله: (وَقَال أَبُو حنيفة يصح) قال الفاكهاني في شرح العمدة بعد ذكر ما تقدم عن مالك والشافعي وأحمد قال أبو حنيفة تنعقد الصلاة بكل ذكر يقصد به تعظيم الله تعالى ووافق على أنه لا ينعقد بنحو يالله ارحمني أو بالله أستعين وقال أبو يوسف تنعقد بألفاظ التكبير كالله أكبر أو الكبير فلو قال الله أو الرحمن واقتصر عليه فعن أبي حنيفة روايتان وحجة الشافعي قوله ﵊ مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم والتكبير يشتمل على الله أكبر والله الأكبر وأورد عليه الله الكبير فينبغي أن ينعقد به كما قال به أبو يوسف فإذا منع هذا لزم الاتباع وتعين ونزل الخبر عليه أقول المرجع للاتباع وهو إنما ورد بصيغة أفعل التفضيل منكرًا إلَّا أنه لما كان معنى التفضيل حاصلًا مع التعريف مع مبالغة كما تقدم جاز بخلاف كبير لفوات معنى أفعل كما قدمناه ثم قال نقلًا عن الشيخ أبي بكر الأبهري الفرق بين أكبر والأكبر نكرة ومعرفة بأنه إذا دخل أل على أكبر صار نعتًا كمصير الكبير ويبقى المبتدأ بلا خبر قال بعض المتأخرين من أصحابنا وفيه نظر إذ لا يمتنع كون الأكبر خبرًا لأن الخبر قد يكون معرفة إلَّا أنه صار بالتعريف مجملًا محتملًا للنعت والخبر فكيف يقوم مقام أكبر المتعين لكونه خبرًا وإنما يلحق الأصل بالفرع إذا ساواه وزاد عليه ولعل الشارع إنما جعل قوله الله أكبر عقدا للصلاة لا الأكبر لتعين كونه الخبر قال الأبهري وأيضًا فمعنى المنكر أكبر من كل شيء فيكون أبلغ في المدح ولا يبقى هذا المعنى مع أل إذ لا يجمع بينها وبين من في أفعل التفضيل فإذا قيل الأكبر جاز

стр. 562

ولو قال: أكبر الله، لم تصحّ على الصحيح عندنا، وقال بعض أصحابنا: تصحُّ، كما لو قال في آخر الصلاة: عليكم السلام، فإنه يصحُّ على الصحيح. واعلم أنه لا يصحُّ التكبير ولا غيره من الأذكار حتى يتلفظ بلسانه بحيث يُسمع نفسه ــ وجود مشارك له في الكبر بخلاف أكبر فإنه يدل على أنه ليس له نظير وفيه نظر فإن صيغة أفعل التفضيل تقتضي بوضعها المشاركة في أصل الشيء والزيادة عليه سواء كان فيه أل أم لا كزيد أفضل من عمرو وزيد الأفضل فتأمله وحاصله أن أصل الاشتراك والدلالة على زيادة الموصوف به مدلول لأفعل سواء كان معرفًا أو منكرًا ووجه باعتبار اعتقاد بعض القاصرين كبر بعض المخلوقين وإلا فلا مشارك للباري سبحانه في وصف من صفاته إلّا في مجرد الاسم وكيف يشارك الحادث القديم في حقيقة وصف ثم قال الأبهري وأما أصحاب أبي حنيفة فقولهم أقرب من قول غيرهم قال صاحب البيان والتقريب يعني أقرب من قول الشافعي وأبي يوسف فإنهما لم يطردا القياس في كل لفظ معناه التعظيم ولم يقتصرا على ما ورد وقول أبي حنيفة بعد ذلك ضعيف لأنه استعمل القياس في عبادة لا يعقل لها معنى قال صاحب البيان والتقريب ثم المعنى الذي استنبطوه من التكبير وقاسوا به ليس من معاني الشرع بل هو راجع إلى تفسير معنى اللفظ فلا يصح القياس به ولو تنزلنا على صحة ما قالوه للزمهم أن تنعقد الصلاة بنحو اللهم اغفر لي ولا تنعقد عندهم بذلك اهـ، ولك أن تقول إن الشافعي إنما أجاز الأكبر لكون قوله تحريمها التكبير شاملًا له مع أنه يشتمل على اللفظ الوارد عنه ﷺ مع زيادة مبالغة بخلاف الكبير فإنه ناقص عن اللفظ الوارد عنه ﷺ فيكون من تخصيص عموم حديث تحريمها التكبير بمنطوق ذلك الخبر وليس هو من القياس وأما أبو يوسف فلم ينظر إلى ما ذكر في الأخير فأخذ بعموم حديث تحريمها التكبير وما ألزم به أبا حنيفة من الانعقاد بنحو اللهم ارحمني غير لازم إذ هذا اللفظ ليس موضوعًا للدلالة على التعظيم والإجلال وإن كان ذلك من لازم السؤال نعم ما أورد عليه من كونه قياسًا فيما لا يعقل من التعبدي وارد والله أعلم. قوله: (وَلَو قَال أَكبرُ الله لَمْ يصح على الصحيح عندنا) قال أصحابنا لأنه لا يسمى تكبيرًا بخلاف عليكم السلام وإن كره فإنه يسمى تسليمًا لانتظامه واعتياده في كلام العرب وغيرهم

стр. 563

إذا لم يكن له عارض، وقد قدَّمنا بيان هذا في الفصول التي في أوّل الكتاب، فإن كان بلسانه خَرَسٌ أو عَيْبٌ حركه بقدر ما يقدر عليه وتصح صلاته. واعلم أنه لا يصحُّ التكبير بالعجمية لمن قَدَرَ عليه بالعربية، وأما من لا يقدر، فيصح، ويجب عليه تعلُّم العربية ــ قاله في المجيوع وبه يعلم أن سبب انتفاء التسمية عن الأول عدم اعتياده في كلام العرب وثبوتها للثاني اعتياد النطق به هكذا في كلامهم وبذلك يجاب عن منازعة الرافعي في ذلك بأن ذلك إن كان يسمى تسليمًا فهذا يسمى تكبيرًا ويفرق أيضًا بأن تأخير أكبر يمنع الإلباس فيه لوقوعه محمولًا على ما يعين حمله على المعنى اللائق بخلاف تقديمه فإنه لا مانع حينئذٍ من حمله على الأبلغية في الجسم ونحوه من صفات الحادث إلا حمل الجلالة عليه فكان قبلها ملبسًا ولا كذلك في السلام فتأمله وسيأتي إن الفاتحة يجب ترتيبها فلا يبني المتعمد لتركه بخلافه في الأذان مع الفرق وقضيته إلحاق التكبير هنا بالأذان في ذلك وليس ببعيد فله البناء قصر المرتب أو طال فيما يظهر لأن غير المرتب متقدم على كلمتي التكبير فلا يؤثر كالصفات اللاحقة لهما فإنها غير مؤثرة وإن طالت. قوله: (إِذَا لَمْ يَكن لَهُ عارضٌ) أي من خرس به أو لغط عنده فإن كان كذلك رفع بحيث يسمع لولا المانع ويقدر ذا سمع معتدل فيما يظهر. قوله: (فإِنْ كَانَ بلسانِهِ خَرسٌ) أي على أخرس طرأ عليه ذلك أو عقل الإشارة إلى الحركة لأنه حينئذٍ يحسن تحريك لسانه على مخارج الحروف كما بحثه الأذرعي وتبعه عليه الزركشي تحريك لسانه وشفتيه ولهاته قدر إمكانه لأن الميسور لا يسقط بالمعسور فإن عجز عن ذلك نواه يقلبه نظير ما ذكروه فيمن عجز عن كل الأركان أما من لا يحسن ذلك فلا يلزمه تحريك لأنه عبث وفارق الأول بأنه كناطق انقطع صوته فإنه متكلم بالقوة وإن لم يسمع صوته بخلاف هذا فإنه كعاجز عن الفاتحة وبدلها فيقف بقدرها ولا يلزمه تحريك بل قالا إن التحريك حينئذٍ نوع من اللعب فيشبه أن يكون مبطلًا. قوله: (لَا يصحُّ التَّكْبيرُ بالعجمية إلخ) بلا خلاف عندنا كما في شرح العباب قال الشاشي وذلك لشرفها بنزول القرآن بها وبأنها لسان أهل الجنة. قوله: (فَيصحُّ) ويترجم

стр. 564

فإن قصر في التعلُّم لم تصح صلاته، وتجب إعادة ما صلاه في المدة التي قصَّر فيها عن التعلُّم. واعلم أن المذهب الصحيح المختار أن تكبيرة الإحرام لا تمدَّ ولا تمطَّط، بل يقولها مُدْرَجة مسرِعة، وقيل: تمد، والصواب الأوَّل وأما باقي التكبيرات، فالمذهب الصحيح المختار استحبابُ مدِّها إلى أن يصلَ إلى الركن الذي بعدها، وقيل: لا تمد، فلو مَدَّ ما لَا يُمَدُّ، أو تركَ مدَّ ما يمَد، لم تبطل صلاته لكن فاتته الفضيلة. واعلم أن محلَّ المدّ بعد اللام من "الله" ولا يمد في غيره. ــ بأي لغة شاء وجوبًا ولا يعدل لذكر آخر وفارق القرآن بأنه معجز وإعجازه يفوق بالترجمة ولا إعجاز في التكبير. قوله (فإِنْ قصَّر فِي التعلم) أي بأن آخره مع التمكن منه لاتساع الوقت وعدم بلادته لم تصح صلاته وأعاد فإن لم يقصر بأن آخره لبلادة أو ضيق وقت فلا يلزمه الاعادة لأنه بذل ما في وسعه قال الأسنوي في باب صفة الأئمة وإمكان التعلم معتبر من الإسلام فيين طرأ عليه كما قاله البغوي وفي غيره المتجه اعتباره من التمييز لكون الأركان والشروط لا فرق فيها بين البالغ وغيره فلا تصح صلاة المميز إن أمكنه التعلم والاقتداء به ووافقه على ذلك أبو زرعة وغيره ويطرد ذلك في نظائره من كل واجب قولي والله أعلم. قوله: (لَا تُمدَّ وَلا تمطَّط) بالبناء للمفعول فيهما أي لا تمد تكبيرة الإحرام ولا تمطط لئلا تزول النية عن قلبه بالمد أو يخرجه عن موضوعه وعلى المد حمل الجزم في قول إبراهيم النخعي التكبير جزم وليس المراد بالجزم أحد أنواع الإعراب خلافًا لمن وهم لأن الجزم لا يدخل الأسماء وفي المجموع عن التبصرة لا يجوز المد إلّا على الألف التي بين اللام والهاء ولا يخرجها به عن حد الاقتصاد إلى الإفراط اهـ. قيل وينبغي ضبط الإفراد الإفراط بأن يطيله إلى حد لا يراه أحد من القراء وقيل يسن مده ولم يجر نظيره في السلام وكأنه لأن طلب المد في التكبير مشروع في بقية التكبيرات فقيس بها هذا على وجه بخلاف السلام فإنه لم يشرع مده أصلًا وعلم من قوله لا تمد إلخ، أنها لا تقصر بحيث لا يفهم

стр. 565

فصل: والسُّنَّةُ أن يجهر الإمام بتكبيرة الإحرام وغيرِها ليسمعه المأموم، ويسِرُّ المأموم بها بحيثُ يُسمِع نفسه، فإن جهر المأموم أو أسرّ الإمام، لم تفسد صلاته. وليحرص على تصحيح التكبير، فلا يمد في غير موضعه، فإن مدَّ الهمزةَ من "الله"، أو أشبع فتحة الباء من "أكبر" بحيث صارت على لفظ "أكبار" لم تصح صلاته. ــ والسنة إن يشرع به مع تبيين معناه لئلا تزول النية وفارق تكبيرات الانتقالات لئلا يخلو باقيها عن الذكر. تتمة سكت المصنف هنا عن النية وهو أول الأركان وذكرها في كل من أذكار الزكاة والصوم وكان وجه ذلك على ما فيه طول الكلام على أذكار الصلاة وقصره فيها ويستحب أن يجمع فيها بين التلفظ باللسان والقصد بالجنان فلو اقتصر على القلب كفى أو اللسان فلا ثم إن كانت الصلاة فرضا وجب قصد فعل الصلاة والفرضية وتعيين أنها ظهر مثلًا وإن كانت نفلًا ذا سبب أو ذا وقت وجب قصد الفعل أو التعين وإن كانت نفلا مطلقًا وجب قصد فعل الصلاة ولا يجب نية النفل ولا ذكر عدد الركعات ولا الأداء والقضاء ولا الإضافة إلى الله تعالى نعم يستحب ما جرى في وجوبه خلاف ويجب قرن ذلك كله بالتكبير على منقول المذهب وقيل يكفي المقارنة العرفية واختير والله أعلم. فصل قوله: (أَنْ يَجْهَر الإِمَامُ بتَكبيرَةِ الإحْرَامِ وغيرها) كالتسميع ليسمعه المأمومون أي فيعلموا أفعال صلاته فيتابعوه فيها وفي الجوَاهر ترفع أمامة النساء صوتها بالتكبير ندبًا أقل من رفع الرجل. قوله: (وَيُسِرّ المأْمومُ بِهَا) وكذا المنفرد لكن محله في المأموم إن لم يكن مبلغًا وإلَّا جهر بقدر الحاجة. قوله: (لمْ تَفسُدْ صَلاتهُ) لكن يكره جهر المأموم بقيده قياسًا على جهره بالفاتحة وظاهر كلامهم أنه لا يكره للمنفرد الجهر وقد يفرق بأن جهر المأموم يشعر بالاستقلال وعدم الارتباط بالغير مع أنه غالبًا لا يخلو عن إيذاء بعض المأمومين بخلاف المنفرد. قوله: (مدَّ الهَمْزَةَ مِنْ الله أَوْ أَشْبع فتحةَ البَاءِ مِنْ أَكْبر لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ) لأنه غير معناه فنقله في الأولى من الخبر للاستفهام وفي الثانية إلى جمع كبر وهو طبل ذو وجه واحد كما في المحكم تستعمله الحبشة بل إن قصد ذلك كفر.

стр. 566

فصل: اعلم أن الصلاة التي هي ركعتان يشرع فيها إحدى عشرة تكبيرةً، والتي هي ثلاث ركعات: سبع عشرة تكبيرةً، والتي هي أربع ركعات: اثنتان وعشرون تكبيرة، فإن في كل ركعة خمسَ تكبيرات: تكبيرةً للركوع، وأربعا للسجدتين والرفعِ منهما، وتكبيرةُ الإحرام، وتكبيرةُ القيام من التشهد الأول. ثم اعلم أن جميع هذه التكبيرات سُنة لو تركها عمدًا أو سهوًا، لا تبطل صلاتُه، ولا تحرم عليه، ولا يسجد للسهو، إلا تكبيرةَ الإحرام، فإنها لا تنعقد الصلاة إلَّا بها بلا خلاف، والله أعلم. باب ما يقوله بعد تكبيرة الإحرام اعلم أنه قد جاءت فيه أحاديث كثيرة يقتضي مجموعها أن يقول: "اللهُ أكبرُ كبيرًا، والحمْدُ للهِ كثيرًا، وسُبحانَ اللهِ بُكْرَةً وَأصيلًا". ــ فصل قوله: (وَلَا يُحْرَمُ عَلَيْهِ) لأنه لم يترك فرضًا. قوله: (وَلَا يسجد للسهو) لأنه لم يترك بعضًا. قوله: (إِلَّا تَكْبيرَةَ الإحْرَام فإنه لَا تَنعَقِدُ الصَلاةُ إلا بِها بِلا خِلافٍ) أي عند الشافعية أما الحنفية فسبق عن أبي حنيفة انعقاد الصلاة بها وبما في معناها من كل ما يدل على التعظيم كالله أعظم أو أجل أو أكرم. باب ما يقوله بعد تكبيرة الإحرام أي من دعاء الافتتاح وتعبيره ببعد التكبير أحسن من تعبير غيره بعقب التكبير إذ الظاهر أنه لو سكت طويلًا لم يفت عليه دعاء الافتتاح كما في الإيعاب. قوله: (أعْلمْ أَنّه جاءَتْ فِيهِ أَي المقول بَعْدَ التَّكْبِير إلخ) قال الحافظ جميع ما جاء فيه ثلاثة أحاديث أخرجها مسلم وأخرج الثالث منها فقط وسيأتي ذكرها عقب ذكر المصنف لكل ذكر منها. قوله: (الله أَكبرُ كَبيرًا وَالحَمْدُ لله كَثِيرًا وَسبحانَ الله بكْرَةً وأَصيلًا) روى أبو داود عن جبير بن مطعم أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي صلاة فقال الله

стр. 567

"وجَّهْتُ وَجْهي للذي فطرَ السَّمواتِ والأرضِ ــ أكبر كبيرًا الله أكبر كبيرًا الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا والحمد لله كثيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثًا ورواه ابن ماجة إلَّا أنه لم يذكر فيه والحمد لله كثيرًا وفي صحيح مسلم عن ابن عمر بينا نحن نصلي مع رسول الله ﷺ إذ قال رجل من القوم الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلا فقال ﷺ فقال ﷺ من القائل كلمة كذا وكذا فقال رجل من القوم أنا يا رسول قال عجبت لها فتحت لها أبواب السماء قال ابن عمر ما تركتهن منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك رواه الترمذي والنسائي وفي رواية له قد ابتدرها اثنا عشر ملكًا وكأنه معتمد المصنف في الاقتصار على مرة واحدة وإلا ففي الخبر السابق مكررًا ذلك ثلاثًا ثم قوله كبيرًا قال أبو عبيد نصب على القطع مع الله وهو معرفة وكبيرًا نكرة خرجت من معرفة وقد نصب بإضمار فعل كأنه أراد كبر كبيرًا اهـ، وهو حال مؤكدة ولا يصح أن يكون مفعولًا مطلقًا لأنه لا ينصبه إلّا فعل أو اسم فاعل أو اسم مفعول أو مصدر وقوله كثيرًا بالمثلثة فالتحتية وصف لحمدًا محذوفًا مفعولًا مطلقًا وقوله بكرة وأصيلا منصوبان على الظرف والبكرة بالضم أول النهار والأصيل ويقال الأصيلة العشية وجمع الأصيل أصل وآصال وجمع الأصيلة أصائل هذا أصلهما والمراد هنا سائر الأزمنة على حد قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] أراد دوام الرزق ووروده وخصا لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما. قوله: (وَجَّهْتُ وَجْهِي) بإسكان الياء عند أكثر القراء وفتحها والمراد بوجهي ذاتي وكني عنها بالوجه إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون المصلي حال قوله مقبلا على مولاه غير ملتفت بقلبه وقالبه إلى سواه فيكون على غاية من الحضور والإخلاص وإلا كان كاذبًا وأقبح الكذب ما يكون والإنسان واقف بين يدي من لا تخفى عليه خافية وقال المصنف معنى وجهت وجهي قصدت بعبادتي. قوله: (للذِي فَطَرَ السموَاتِ والأَرْضَ) أي أوجدهما وأبدعهما واخترعهما على غير مثال سابق ومن أوجد مثل هذه المبدعات التي هي على غاية من الإبداع والإتقان حقيق بأن تتوجه إليه الوجوه وأن تعول القلوب في سائر أحوالها عليه فلا يلتفت لغيره ولا يرجو إلّا دوام رضاه وخيره وجمع السموات

стр. 568

حَنيفًا مُسْلِمًا وما أنا من المُشرِكِينَ، إن صَلاتي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَماتِي للهِ رَبِّ العالمِينَ ــ لفضلها إذ هي أفضل من الأرض على المختار لأنها لم يعص الله عليها قط وعصيان إبليس كان خارجها ولأنها تشرف جميع طباقها بقدمه ﷺ ليلة الإسراء بخلاف الأرض فإنه لم يطأ بقدمه منها سوى العليا ولأنها محل الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم وتعقب الأخير بأن الصحيح في علم الكلام فضل نوع الإنسان على نوع الملك فلا يناسب هذا التعليل ويجاب بأن المذكور جزء علة لا علة كاملة وإلّا فالأرض سيع على الصحيح المختار واختار جمع أفضلية الأرض لأن منها طينة الأنبياء وفيها قبورهم وعليها فجمعت السموات للانتفاع بما بين طباقها بسكنى الملائكة ثمة بخلاف الأرض فإنه قيل أنها سبعة أطباق متلاصقة والله أعلم. قوله: (حَنِيفًا) حال من فاعل وجهت قال الأزهري وآخرون أي مستقيما وقال الزجاج والأكثرون الحنيف المائل ومنه أحنف الرجل مائلا عن كل وجهة وقصد إلى الحضور والإخلاص في عبادة فاطر السموات والأرض حال وهي مؤكدة لمعنى وجهت وجهي وفي المهذب الحنيف المسلم وعليه فيكون. قوله: (مُسْلَمًا) الثابت في رواية ابن حبان تأكيدا له ويمكن أن يكون تأسيسا بأن يكون معناه منقادا أو مخلصًا كما في قوله تعالى: ﴿بَلى مَن أَسلَمَ وَجهَه لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] ومنه قوله تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]. قوله: (وَمَا أَنا مِنَ المُشْرِكِينَ) حال مقررة لمضمون الجملة السابقة وقيل مبينة لمعنى حنيفا وموضحة لمعناه أو مؤسسة بجعل النفي عائدا إلى سائر أنواع الشرك الظاهر والخفي لكن لا يسوغ هذا إلّا للخواص في بعض المنازلات. قوله: (إِنّ صلاتِي) في إن شائبة تعليل لما قبلها والمراد بالصلاة العبادة المعروفة. قوله: (وَنُسُكِي) أي عبادتي من النسيكة وهي النقرة المصفاة من كل خلط عطف عام على خاص. قوله: (وَمَحْيايَ وَمَمَاتِي) أي حياتي وموتي وما بعده ويجوز فيهما فتح الياء وإسكانها لكن الأكثر فتح الأول وإسكان الثاني. قوله: (لله) متعلق بالجميع أي كل ما ذكر كائن لله تعالى وذلك في الصلاة والنسك بالإخلاص لوجهه تعالى وفي الحياة والموت بمعنى أنه خالقهما ومدبرهما لا تصرف لغيره فيهما. قوله: (رَبِّ العَالمينَ) أي مالكهم ومربيهم بسوابغ نعمه ومزايا كرمه وهم ما سوى

стр. 569

لا شَريكَ لهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ، وأنا مِنَ المُسْلمينَ، اللهُم أَنتَ المَلِكُ، لا إلهَ إلا أنتَ أنت رَبي وَأنا عَبدُكَ، ــ الله تعالى من سائر الأجناس. قوله: (لَا شَرِيكَ لَهُ) أي في تلك التربية البديعة الباهرة أو لا شريك له أي في جميع ما ذكر. قوله: (وَأَنَا مِنَ المُسْلمِينَ) هكذا رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة وابن حبان والطبراني من جملة حديث كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى رواه أبو داود وفي رواية له وأنا أول المسلمين فكان ﷺ يقول تلك تارة وهذه أخرى لأنه أول مسلمي هذه الأمة بل جاء أن النور الذي خلق منه ﷺ سبق إيجاده قبل خلق الخلق بأزمنة متطاولة ومن ثم قال في التحفة لأنه أول المسلصين مطلقًا أما غيره ﷺ فيقتصر على من المسلمين لا غير إلَّا أن يقصد لفظ الآية وحينئذٍ يفوته إن اقتصر عليها سنة دعاء الافتتاح وقال ابن الهمام من الحنفية لو قال وأنا أول المسلمين قيل تفسد صلاته للكذب وقيل لا وهو الأولى لأنه مخبر أو راو عن المخبر ﷺ كذا في الحرز ثم ظاهر كلام أئمتنا إن المرأة تقول وما أنا من المشركين وأنا من المسلمين لأن مثل ذلك سائغ لغة شائع استعمالًا وفي التنزيل وكانت من القانتين ووجهه أنه من باب التغليب أو على إرادة الأشخاص وقد لقن ﷺ إن صلاتي إلي وأنا أول المسلمين فاطمة الزهراء ﵂ في ذبح الأضحية وقياس ذلك إن تأتي بحنيفا مسلمًا بالتذكير على إرادة الشخص محافظة على الوارد ما أمكن وعليه فهما حالان من الفاعل أو المفعول لأن التذكير إذا لوحظ فيه معنى الشخص لم يظهر فرق بين ذينك. فإن قلت الوجه مراد به البدن فناسب التذكير بحذف التاء. قلت ممنوع بل الضمير صالح باعتبار تلك الإرادة للمذكر فإذا أريد به الشخص صح مجيء الحال المذكر منه. قوله: (أَنْتَ الملكُ لا إِله إلا أَنْتَ) إثبات الإلهية المطلقة له تعالى على سبيل الحصر بعد إثبات الملك له كذلك في أنت الملك لما دل عليه تعريف الخبر باللام ترق إلى الأعلى على طبق قوله تعالى: (﴿مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس: ٢ - ٣]. قوله: (أَنت رَبي وأَنا عبدُك) أي أنت مالكي وموجدي ومغذيني بأنواع المنن وأنا عبدك الذليل الخاضع لأمرك الراجي لفضلك وأحوج إليهما كون المقام للإطناب والتلذذ بالخطاب مع رب الأرباب مع إن فيهما تخصيصًا لوصف الربوبية بالإضافة لنفسه ومخرجها

стр. 570

ظَلَمتُ نَفْسِي واعتَرفتُ بذَنبِي فاغفِر لي ذُنوبي جَمِيعًا لا يَغفِرُ الذُّنوبَ إلا أنتَ، واهدِني لأحسَنِ الأخْلاقِ، لا يَهدِي لأحْسَنها إلا أنتَ، ــ عن الإطلاق وهذا لم يستفد مما قبله بطريق التصريح وفيه طباق لمقابلة العبد بالرب أي المالك. قوله: (ظلمتُ نفسي) أي بالمخالفة واعترفت بذنبي أي وأنت الكريم العفو وقدمت هاتان الجملتان على ما بعدهما لأنهما وسيلتان للغفران كما قال تعالى عن آدم وحواء ﴿ربنا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣ - ٢٣] [الأعراف: ٢٣] الآية. قوله: (ذنوبي جَمِيعًا) أي حتى الكبائر والتبعات لأن المسئول كريم له أن يعفو عما شاء من الكبائر والتبعات فإذا أراد أن يعفو عن التبعات عوض مستحقها حتى يعفو عنها وفي الدعاء إيماء إلى قوله تعالى (﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وقد قيل أنها أرجى آية في الكتاب. قوله: (لَا يغفرُ الذُّنوب) أي صغائرها وكبائرها وتبعاتها حقيرها وجليلها كما يؤذن به التعميم المستفاد من الجمع المحلى بأل إلّا أنت. قوله: (واهدِني) أي ارشدني وأوصلني. قوله: (لأَحسنِ الأخلاقِ) أي للأخلاق الحسنة الظاهرة والباطنة والخلق الحسن بضم الخاء المعجمة ملكة في النفس نفسانية ينشأ عنها جميع الأفعال وكمال الأحوال وهذا منه ﷺ لأداء مقام العبودية والخضوع لله تعالى وإلا فهو مجبول على الأخلاق الكريمة في أصل جبلته بالفضل الوهبي والجود الإلهي من غير رياضة ولا تعب بل لم تزل أنوار المعارف تشرق في قلبه حتى اجتمع فيه من خصال الكمال ما لا يحيط به حد ولا يحصره عد ومن ثم أثنى عليه تعالى في كتابه العزيز فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] فوصفه بأنه عظيم في قوته العلمية والعملية وبأنه مغمور في الثانية مستغرق فيها مشتغل عن الأولى ووصف بالعظيم مع أن الغالب وصف الخلق بالدماثة والسماحة إشارة إلى أن خلقه ﷺ لم يقصر على ذلك بل كان رحيما بالمؤمنين رؤوفًا بهم شديدًا على الكفار غليظًا عليهم كما قيل: يتلقى الندا بوجه صبيح ... وصدور القنا بوجه وقاح فبهذا وذا تتم المعاني ... طرق الجد غير طرق المزاح أو على سبيل التعليم للأمة. قوله: (لا يَهدِي لأحسَنِها إلا أَنتَ) لعجز الخلق طرا

стр. 571

واصْرِفْ عَنِّي سيئهَا، لَا يَصرِف سَيِئَهَا إلا أنتَ، لبيكَ وسَعْديكَ، والخَيرُ كلهُ في يَديكَ، والشَّرُّ ليسَ إلَيكَ، أنا بِكَ وإليكَ، ــ عن أن يوجدوا شيئًا ولو ذرة بل الموجد لكل شيء أنت فبعضها عقب أفعالهم وبعضها ابتداء وفيه الإشعار بأن العقل لا يستقل بالاهتداء لما ينفعه فلا تحسين ولا تقبيح له في حال أو قال خلافًا لأرباب الاعتزال. قوله: (واصْرفْ عنِّي سَيِّئهَا) أي ادفع عني سيئها أي الأخلاق السيئة وهذا منه وإن لم تدع نفسه الشريفة إليه بل لا يتصور أن يصدر من بين يديه على سبيل التواضع والتذلل لعلا مقام ربه أو لتعليم أمته الطريق لينالوا إحسانه وأما قول ابن حجر في شرح المشكاة لا يصرف عني سيئها إلَّا أنت لا سيما ونفسي تدعو وتبذل في تحصيلها معظم جهدها وكلها اهـ. ففيه ما لا يخفى وكأنه غفل حال ذكره ذلك عن كون هذا الكلام الذي ذيله مما تقدم صادرًا من سيد الأنام ﵊ إذ نفسه الشريفة لا يخطر بها السوء فضلًا عن الدعاء إليه كما قال البوصيري: فلا يخطر السوء ... على باله ولا الفحشاء ويمكن أن يجاب بأن هذا اللفظ إنما هو تعليم لأمته فينبغي للعبد إذا أتى به إن يلحظ بقلبه هذا المعنى وينزل نفسه بهذا المنزل وأنه لما كان ﷺ في أعلى مقام التمكين وكلما ازداد العبد من ذلك المقام زاد في اتهام نفسه ورأى قصورها وإن لم يكن عندها قصور رأى أنه بالنظر إليّ على مقامه يقول هذا المقال على سبيل التخضع والتذلل لذي الجلال وهذا لا يستلزم صدور الذنب بحال والله أعلم بحقيقة المقام والمقال. في: (لَبيْكَ) مصدر لب أقام بالمكان وتثنية للتكثير المؤذن بالتكرير إلى غير نهاية أي إقامة على إجابتك لما أمرت به المرة بعد الأخرى. قوله: (وَسَعْديْكَ) أي أسعد وأحظى بإقامتي على طاعتك وإجابتي لسائر أوامرك سعادة بعد سعادة وسيأتي تحقيق الكلام في هذين اللفظين في أذكار الحج إن شاء الله تعالى. قوله: (والخيرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ) أي كل فرد من أفراده من طولك وإفضالك المكنى عنه باليدين أو أريد بهما القدرة والإرادة إذ لا يصدر شيء إلَّا عنهما. قوله: (أَنَا بكَ وإِليكَ) أي إيجادي وإنشائي بك أي بإيجادك وإمدادك ومنتهى أمري وغاية وجهتي ورغبتي وصلاح حالي معاشًا ومعادًا

стр. 572

تبارَكْتَ وتعاليتَ، أسْتغفِركَ وأتوبُ إليْكَ". ــ إليك أو التقدير أنا بك إيجادًا وتوفيقًا وإليك التجاءً واعتصامًا أو رجوعًا بعد البعث وهو قريب مما قبله أو أنا بك أعتمد وألوذ وإليك التجئ وأعوذ. قوله: (تباركتَ) أي تعاظمت أو تعظمت وتمجدت أو أدررت البركة على خلقك إذ تفاعل اللازم قد يأتي بمعنى فاعل المتعدي أصل الكلمة الدوام والثبات من البركة وهي الكثرة والاتساع ولا تستعمل إلّا في الله تعالى كما في الكتاب العزيز وفيه تنبيه على اختصاصه تعالى بالحركات الإبداعية والبركات المتوالية واختلف هل يلحق تبارك تاء التأنيث الساكنة والصحيح لحوقها سمع تباركت يا الله وتبارك أسماؤك كما في شرح التوضيح للشيخ خالد وغيره وقال البعلي تبارك فعل جامد لا يتصرف ومعناه دام دوام خيره وقال العزيزي في غريب القرآن تبارك تفاعل من البركة وهي الزيادة والنماء والكثرة والاتساع أي البركة تكتسب وتنال بذكرك ويقال تبارك تقدس والقدس الطهارة ويقال تبارك تعاظم اهـ. قوله: (وتعاليت) من العلو أي تنزهت عما لا يليق بذاتك وفي مفردات الراغب العلي هو الرفيع القدر من علا وإذا وصف به الباري تعالى كما في قوله: ﴿هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] فمعناه أنه يعلو عن أن يحيط به وصف الواصفين بل علم العارفين وعلى ذلك يقال تعالى وتخصيص التفاعل لمبالغة ذلك منه لا على سبيل التكلف كما يكون من البشر قال سبحانه ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤٣] وقد سبق بعضه. قوله: (أَستغفرُكَ وأَتوبُ إِليكَ) قال العز بن عبد السلام هذا وعد بطلب المغفرة إذ السين للطلب فمعنى أستغفر الله وأتوب إليه أطلب منه المغفرة فهو وعد بأن يطلبها منه ولا يلزم من الوعد حصول المطلوب الذي هو الطلب وكذا أتوب إليك وعد بالتوبة لا أنه توبة في نفسه والجواب أنه ليس وعدًا ولا خبرًا بل إنشاء أي المراد به الإنشاء وإلّا فلفظه خبر والله أعلم وبهذا يجاب عما يأتي في كتاب الاستغفار عن الربيع بن خثيم من كراهة ذلك وهذا الذكر أي وجهت وجهي إلى قوله وأتوب إليك رواه مسلم والأربعة وعبارة السلاح رواه الجماعة إلَّا البخاري ورواه ابن حبان والطبراني كلهم عن علي بن أبي طالب من جملة حديث قال علي كرم الله وجهه كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة المكتوبة وفي رواية إذا افتتح الصلاة كبر ثم قال وجهت وجهي إلخ، وذى فيه ما يقال في الركوع والاعتدال والسجود وبعد التشهد الأخير نعم انفرد ابن حبان

стр. 573

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بزيادة مسلمًا وفي رواية للشافعي بعد والشر ليس إليك والمهدي من هديت أنا بك وإليك لا منجا منك ولا ملجأ إلَّا إليك تباركت وقال الحافظ بعد تخريجه بجملته حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود وابن خزيمة والطحاوي وابن حبان وأخرجه البيهقي ووقع في رواية سويد بن عمرو أحد رواته في أوله إذ قام إلى الصلاة المكتوبة ومثله للبيهقي من وجه آخر عن الأعرج وأخرجه الشافعي وزاد فيه سبحانك وبحمدك بعد قوله لا إله إلّا أنت وفيه أيضًا والمهدي من هديت بعد قوله في يديك ووقع في رواية للبيهقي بعد قوله سعديك ولبيك أنا بك وإليك لا منجا منك إلا إليك فاقتصر المصنف فيما ساقه على لفظ مسلم ثم أورد الحديث من طرق في كل منها وأنا أول المسلمين ثم قال وهذا يشعر بأن المحفوظ في المرفوع على وفق الآية وإن من ذكره بلفظ من المسلمين أراد المناسبة لحال من بعد النبي ﷺ ولذا قال الشافعي بعد أن أخرجه على التردد في اللفظين أو أول المسلمين بدل وأنا أول المسلمين اهـ، ووقع في شرح العباب عزو قوله اللهم أنت الملك إلى قوله وأتوب إليك إلى رواية الشيخين ولم أر ذلك لغيره بل هم مصرحون بأن البخاري لم يخرج ذلك وقد تقدم ذكر ذلك في كلام الحافظ أول الباب والله أعلم، وما أفاده كلام المصنف كالحديث من أن السنة تقديم وجهت وجهي سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك أي تعاظمت ذاتك أو المراد بالاسم حقيقته كما قيل به في سبح اسم ربك بتوجيهه وتعالى جدك أي غناك عن أن تفتقر إلى أحد وقيل الجد العظمة أي ارتفعت عظمتك ومنه قوله تعالى إخبارًا عن الجن: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن: ٣] أي عظمته (ولا إلى غيرك) أي برفعهما وبناء الأول على الفتح مع نصب الثاني ورفعه ورفع إله ونصب غيرك لوقوعه موقع أداة الاستثناء كما نقله في المطلع عن ابن الأنباري في المزهر لأن هذا وإن ورد من طرق إلَّا أنها كلها ضعيفة بخلاف ذاك وظاهر كلام المصنف هنا تقديم الله أكبر كبيرًا إلخ، ثم وجهت وجهي إلخ، ثم اللهم باعد بيني وبين خطاياي إلخ، واعترض ما مر عن المجموع بأن الأول في مسلم والثاني في الصحيحين وبأن الثاني يتضمن الثناء والسؤال وبأنه ورد في الفرض والأول ورد في قيام الليل ويرد منع أن كلا من هذه الثلاثة يقتضي أفضلية الثاني وبأن الأول امتاز لأمره

стр. 574

ويقول: "اللهُمَّ باعِد بَيْني وبَينَ خَطايايَ كما باعَدْتَ بَينَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، اللهُم ــ تعالى لنبيه بأنه يقوله. قوله: (وَيقولُ اللهم إلخ) أي يقول ما رواه أحمد وابن راهويه والحميدي في مسانيدهم وثبت في الصحيحين ورواه النسائي وأبو داود وابن ماجة وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان والإسماعيلي وأبو عوانة والبرقاني وأبو نعيم والبيهقي والبغوي في شرح السنة وغيرهم عن أبي هريرة قال كان النبي ﷺ إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي رأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول قال أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي إلخ. قوله: (باعدْ بيني وبين خَطايايَ) المراد بالمباعدة إما محو الخطايا السابقة وترك المؤاخذة أو المنع من الوقوع فيها والعصمة منها بالنسبة للاحقة وهذا مجاز لأن المباعدة إنما تكون في المكان أو الزمان ثم أصلها لا يقتضي الزوال بالكلية كما هو المراد من الحديث بل يقتضي البقاء مع المباعدة وكذلك التشبيه بما بين المشرق والمغرب قال ابن دقيق العيد وموقع التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب مستحيل فكأنه أراد ألا يبقى للخطاب منه اقتراب بالكلية والإتيان بصيغة المفاعلة للمبالغة لعدم صحة المغالبة قال القرطبي وهو من باب المبالغة في طلب السلامة من الذنوب وكرر لفظ بين هنا بقوله وبين خطاياي لأن العطف على الضمير المجرور يعاد فيه الخافض والخطايا جمع خطيئة وأصلها خطاي بوزن فعايل فأبدلت الياء بعد ألف الجمع همزة فصار خطائئي بهمزتين ثم أبدلت الهمزة الثانية ياء لتطرفها ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار خطاءاي بألفين بينهما همزة فاجتمع شبه ثلاث ألفات فأبدلت الهمزة ياء فصار خطايا بعد خمسة أعمال والخطيئة فعيلة من الخطء بكسر أوله الذنب وفرق بينها وبين الإثم بأنها ما بين العبد وربه وهو بين المخلوقين ونظر فيه بأنه استعمل كلا منهما فيما قيل أنه للآخر وقد تقرر غير مرة أن هذا وأمثاله منه ﷺ من القيام بمقام العبودية وأداء حق الألوهية فلا ينافي عممته من سائر الذنوب صغائرها وكبائرها قبل النبوة وبعدها ومثله في ذلك جميع الأنبياء ﷺ أجمعين أو أعد أحواله كلها خطيئات وذنوبًا بالنسبة لعظيم جلاله تعالى وعظيم حقه سبحانه العاجز عن القيام بها على كمالها حتى الكل من الخلق كما أشار إليه ﷺ بقوله سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك أو المراد خطايا أمته أو مما وقع منه مما عتب عليه لمخالفته الأولى

стр. 575

نقني من خَطايايَ كما يُنقَّى الثوبُ الأبيَضُ من الدَّنَسِ، اللهُم اغْسِلْني من خَطايايَ بالثلْجِ والماءِ والبَرَدِ". فكل هذا المذكور ثابت في الصحيح عن رسول الله ﷺ وجاء في الباب أحاديث أُخر منها: حديث عائشة ﵂ كان النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة قال: ــ والأكمل نظرًا لعلو مقامه ﷺ كما في عفا الله عنك ونحوه أو أنه تعليم للأمة وإن استحال في حقه ﷺ قوله: (نقني من خطاياي) هو مجاز عن زوال الذنب ومحو أثره وفيه الإشارة إلى أن الذنب سبب لإظلام القلب. قوله: (مِنَ الدنَسِ) وفي رواية من الدرن وفي رواية من الوسخ وكلها متقاربة أو مترادفة إذ الدنس بفتح أوليه الوسخ فلما كان النقاء أظهر في الثوب الأبيض من غيره من الألوان وقع التشبيه به. قوله: (اغسِلْني مِنْ خَطايايَ) هذه رواية مسلم أي طهرني منها ورواية غيره اللهم اغسل خطاياي. قوله: (بالثلج والماءِ والبَرَدِ) كذا في نسخ الأذكار وفي المشكاة تقديم الماء عليهما قال الخطابي هذه أمثال ولم يرد الشارع أعيان هذه المسميات وإنما أراد بها التوكيد في التطهير من الخطايا والمبالغة في محوها عنه والثلج والبرد ماء إن لم تمسهما الأيدي ولم يمتهنهما استعمال فكان ضرب المثل بهما آكد وقال ابن دقيق العيد هذا مجاز ويحتمل أمرين أحدهما أن يكون أراد التعبير بذلك عن غاية المحو بالأمور الثلاثة فإن الثوب الذي يتكرر عليه ثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النقاء ثانيهما إن يكون كل واحد منها مجازًا عن صفة يقع بها التكفير والمحو ولعل ذلك في قوله تعالى: (﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فكل واحد من هذه الصفات له أثر في محو الذنب وإلى هذا أشار الطيبي بحثًا فقال يمكن أن يقال المطلوب من ذكر الثلج والبرد بعد الماء شمول أنواع المغفرة والرحمة بعد العفو لإطفاء حرارة عذاب النار التي هي في غاية الحرارة ومنه قولهم برد الله مضجعه أي رحمه ووقاه عذاب النار ويؤيده وصف الماء بالبارد في رواية مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى ولعله جعل الخطايا بمنزلة جهنم لأنها مسببة عنها فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيًا عن الماء إلى ما هو أبرد منه وبهذا ظهر السر في التعبير بالماء البارد والثلج والبرد مع إن الماء السخن أبلغ في إذهاب الوسخ من الماء البارد وقال التوربشتي إنما خص هذه الثلاثة بالذكر لأنها منزلة من السماء

стр. 576

"سُبحانكَ اللهُم وبحَمْدكَ، وتَباركَ اسْمُكَ، وتعالى جَدُّكَ، ولا إلهَ غَيرُكَ" رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه بأسانيد ضعيفة، ــ ولا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلَّا بواحدة منها فكان تبيانًا لأنواع المغفرة التي لا يخلص من الذنوب إلا بها أي طهرني من الخطايا بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمنزلة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس ورفع الأحداث والأنجاس وقال بعضهم عبر بالماء عن الرحمة وبالثلج عن العفو وبالبرد عن المغفرة وفي فتح الإله ويصح أن يشار بجمع الثلاثة إلى المبالغة بطلب أنواع من المغفرة والرحمة والرضا تطفئ حرارة العذاب المتولد من تلك الخطايا ثم يبوأ رياض النعيم ثم يمنح معاني الشهود ودوام القرب ولا يضر كون مفاد الجملتين واحدًا لأن المقام مقام إطناب على إن الثانية أبلغ لأنها أفادت من المقابلة الأول كما علم مما تقرر في الأخيرين على الماء إشارة إلى ما هو المقرر عندنا من أنهما مثله في تطهير الحدث والخبث الحسيين اهـ. وقال الكرماني يحتمل إن تكون الدعوات الثلاث فيها إشارة إلى الأزمنة الثلاثة فالمباعدة للمستقبل والتنقية للحال والغسل للماضي وفي فتح الباري الحكمة في تقديم المستقبل الاهتمام بدفع ما يأتي قبل رفع ما حصل والثلج معروف والبرد بفتح الموحدة والراء المهملة هو حب الغمام قال الهروي سمي بردًا لأنه يبرد وجه الأرض. قوله: (سبحانك الله إلخ) اقتصر المصنف على ما ذكر ورواه جابر وزاد في حديثه بعد قوله غيرك وجهت وجهي إلخ، وبتلك الزيادة أخذ في الروضة فقال يقدم سبحانك اللهم وبحمدك إلخ، على وجهت وجهي إلخ، قال في شرح العباب ويشهد له حديث البيهقي فساقه ثم ذكر نحو ما تقدم من تقديم وجهت وجهي إلخ. وفي شرح الهداية لابن الهمام من الحنفية الأولى العمل برواية جابر عنه ﵁ أنه كان إذا استفتح الصلاة قال سبحانك اللهم وبحمدك إلخ، وجهت وجهي إلى الله رب العالمين أخرجه البيهقي كذلك قال في الحرز فيستفاد منه تقديم التسبيح على التوجه اهـ، وكأن من ذكر لم ينظروا لقول المصنف هنا بأسانيد ضعيفة إلخ، أو أراد أن ذلك الضعف غير مؤثر لأنه في الفضائل ويعمل بالضعيف فيها بشرطه. قوله: (رَوَاه الترمذيُّ وأَبُو دَاودَ إلخ) قال الحافظ ليس له عند هؤلاء الثلاثة سوى إسنادين أخرج أحدهما أبو داود والآخر عند الآخرين

стр. 577

وضعَّفَهُ أبو داود والترمذي والبيهقي وغيرهم، ــ ثم ذكرهما وبين حال كل منها فقال في السند الأول أخرجه أبو داود بهذا السند وأخرجه الحاكم وهو شيخ البيهقي فيه وقال صحيح على شرط الشيخين قال الحافظ ابن حجر رجاله من رجالهما في الجملة وليس على شرط واحد منهما ثم بين ذلك وقال قال أبو داود بعد تخريجه هذا الحديث ليس بالمشهور لم يروه إلا طلق بن غنام عن عبد السلام بن حرب أي عن بديل بن ميسرة عن أبي الجوزاء عن عائشة وقد روى جماعة الحديث عن بديل بن ميسرة يعني بالسند المذكور فلم يذكروا فيه شيئًا من هذا اهـ، كلامه وأشار به إلى ما أخرجه مسلم وغيره من طريق شعبة وغيره عن بديل بلفظ كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين الحديث بطوله فظاهر رواية عبد السلام تقتضي الزيادة على ما رواه أولئك وهم أحفظ منه وأتقن لكن طريقة المصنف الحكم بقبول الزيادة من الثقة مطلقًا كما صرح بذلك في غير موضع وهذا من هذا القبيل فأقل درجاته أن يكون حسنًا لا سيما إذا انضم إليه الطريق الآتي والشواهد الآتية وقال الحافظ في السند الثاني أخرجه الترمذي وابن ماجة والحاكم وابن خزيمة كلهم عن أبي معاوية عن حارثة بن محمد عن عمرة عن عائشة قال الترمذي بعد تخريجه لا نعرفه إلَّا من حديث حارثة بن محمد وقد تكلم فيه من قبل حفظه وقال ابن خزيمة بعد تخريجه حارثة بن محمد لا يحتج أهل الحديث بحديثه وقال الحاكم حارثة بن محمد لم يرتضه مالك ورضيه غيره من أقرانه قال العراقي حارثة متفق على ضعفه ومراد الحاكم ممن رضيه غير مالك أنهم رووا عنه ولا يلزم من رواية الثقة أن يكون المروي عدلًا عنده اهـ. وقال البيهقي بعد تخريج الحديث حارثة ضعيف وله طريق أخرى عن عائشة ضعيفة ساقها في الخلافيات وأخرجها الطبراني في كتاب الدعاء والدارقطني وفي سند الجميع سهل بن عامر وهو متروك وورد من طريق أخرى عن عطاء موقوفًا عليه قال الحافظ وهذا وإن كان مقطوعًا ففيه إشعار بأن لهذا المرفوع أصلًا اهـ. قوله: (وضعفهُ أَبو دَاودَ والترمذيّ إلخ) قال الحافظ لم يصرح أبو داود بضعفه وإنما أشار إلى غرابته كما قدمته، نعم لما أخرج الدارقطني الحديث المذكور بسنده إلى أبي داود إلّا قوله ليس

стр. 578

ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي من رواية أبي سعيد الخدري ــ بالمشهور فعبر بقوله ليس بالقوي وأما الترمذي فضعفه من طريق حارثة ولم يعرج على الطريق الأولى بل صرح بتفرد حارثة به ولو وقعت له الطريق الأولى لكانت على شرطه في الحسن وأما البيهقي فحكى كلام أبي داود الأول بعد إن أخرجه من طريقه ثم ساق طريق حارثة وضعفها به ثم ذكر أنه روي من طريق ثالثة عن عائشة وأما قوله وغيرهم فقد يوهم الاتفاق على تضعيفه وليس كذلك بل هم مختلفون. قوله: (وَرَوَاه أَبو دَاودَ والترمذيُّ إلخ) قال الحافظ ولم أر عن واحد منهم التصريح بتضعيفه كما سأبينه ثم قال بعد تخريجه الحديث بإسناده من طرق حديث حسن أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي فأما الترمذي فقال حديث أبي سعيد أشهر شيء في الباب وبه يقول أكثر أهل العلم وقد تكلم بعضهم في سنده كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي الرفاعي وأما النسائي فسكت عليه فاقتضى أنه لا علة له عنده وأما ابن ماجة فلم يتكلم عليه أصلًا كعادته وأما البيهقي فحاصل كلامه في السنن الكبرى وفي الخلافيات أن حديث علي في وجهين أرجح من هذا الحديث لكون حديث علي مخرجًا في الصحيح ولكون هذا وإن جاء من طرق متعددة لا يخلو سند منها من مقال وإن أفاد مجموعها القوة وهذا أيضًا حاصل كلام ابن خزيمة في صحيحه وأشار إلى أن حديث أبي سعيد أرجح وقال العقيلي بعد أن أخرجه من طريق حارثة في ترجمته في الضعفاء هذا الحديث روي بأسانيد حسان غير هذا قال الحافظ وسائر رواة أبي سعيد المذكور رواة الصحيح إلَّا علي بن علي الرفاعي فقد وثقه ابن معين. قوله: (قَال البيهقي إلخ) قال الحافظ عبارة البيهقي بعد ذكر حديث ابن مسعود رواه ليث عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه وليس بالقوي وروي عن حميد عن أنس مرفوعًا ثم ساقه بسنده إليه ولم أر الكلام الأخير في كلامه وقد أخرج الطبراني في الدعاء حديث ابن مسعود بسندين آخرين وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن حميد ومن وجه ثالث عن أنس وأخرجه في المعجم الكبير من حديث واثلة بن الأسقع ومن حديث الحكم بن عمير ومن حديث عمرو بن العاص وأخرجه البيهقي بسند جيد عن جابر بن عبد الله كما سنذكره بعد اهـ، والله أعلم. قوله: (مِنْ روايةِ أَبي سعيد) أي ولفظه كان ﷺ إذا قام من الليل كبر ثم يقول سبحانك اللهم

стр. 579

وضعَّفوه. قال البيهقي: وروي الاستفتاح "بِسُبْحانكَ اللهُم وبِحَمدِكَ" عن ابن مسعود مرفوعًا، وعن أنس مرفوعًا، وكلها ضعيفة. قال: وأصح ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁، ثم رواه بإسناده عنه: أنه كبر ثم قال: "سُبْحانكَ اللهُم وبحَمْدِكَ، تَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالى جَدُّكَ، ولا إلهَ غَيْرُكَ". والله أعلم. ــ وبحمدك ثلاثًا ثم يقول الله أكبر كبيرًا ثلاثًا أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ثم يقرأ وقال الترمذي حديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب وقال أيضًا قد تكلم في إسناد حديث أبي سعيد كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي يعني ابن نجاد وقال أحمد لا يصح هذا الحديث اهـ. قوله: (وضعفوهُ) قال الترمذي هذا حديث لا نعرفه إلَّا عن حارثة بن أبي الرجال وقد تكلم فيه من قبل حفظه أي لكونه لم يوجد فيه شرط الاحتجاج وهو الحفظ إن حدث من غير كتاب وقول بعض شراح المشكاة إن الترمذي لم يضعف متنه إنما ضعف بعض أسانيده ولا يلزم منه تضعيف المتن كما هنا لروايته من طريق أخرى محتج بها فما أوهمه كلام المصنف مما يخالف ذلك معترض قال وقد رواه أبو داود بإسناد حسن اهـ. فيه نظر فإن الذي صرح به الحافظ والمرجع إليهم في ذلك أن طرقه كلها ضعيفة لكن قال ابن الجوزي يقوي بعضها ببعض فيصل إلى حد الحسن فيحتج به وهذا يتوقف على أن ذلك الضعف مما يقبل الانجبار وإلا فكذب الراوي أو اتهامه بالكذب مثلًا لا ينجبر وإن تعددت طرقه كما سبق. قوله: (وَرُويَ الاستفتاح إلخ) ورواه الدارقطني عن عثمان من قوله ورواه سعيد بن منصور عن أبي بكر الصديق من قوله نقله في الحرز. قوله: (وأصح ما رُوي فِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخطابِ) ثم رواه عنه يعني البيهقي قال الحافظ بعد تخريجه من طريق البيهقي موقوفًا على عمر هذا موقوف صحيح ثم خرجه أيضًا من طريق الدارقطني وقال الدارقطني هذا صحيح عن عمر من قوله وقد روي عنه مرفوعًا ثم ساقه من رواية عبد الرحمن بن عمرو بن شيبة عن أبيه عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال الدارقطني رفعه هذا الشيخ عن أبيه ورواه يحيى بن أيوب عن عمر بن شيبة عن نافع عن ابن عمر موقوفًا على عمر وهو الصواب قال الحافظ كذا

стр. 580

وروينا في "سنن البيهقي" عن الحارث عن علي ﵁ قال: "كان النبي ﷺ إذا استفتح الصلاة قال: لا إله إلا أنتَ سُبْحانك، ظلَمْتُ نَفْسي، وعَمِلتُ سُوءا فاغْفِر لي إنهُ لا يَغْفِرُ الذُّنوبَ إلا أنتَ، وجَّهْتُ وَجْهي .. " إلى اخرِهِ، وهو حديث ضعيف، فإن الحارث الأعور: متفق على ضعفه، وكان الشعبي يقول: الحارث كذاب، والله أعلم. ــ وقع في الأصل عمرو بن شيبة بفتح العين في السند الأول وبضمها في السند الثاني وفي إحداهما تصحيف وغفل ابن الجوزي في التحقيق فصحح المرفوع ظنًّا منه أن عبد الرحمن بن عمرو بن شيبة أحد شيوخ البخاري في صحيحه وليس كذلك فإن شيخ البخاري إنما هو عبد الرحمن بن أبي شيبة ولا ذكر لعمرو في نسبه وعلى التنزل فوائد عبد الرحمن لا يعرف اهـ. وفي الخلاصة للمصنف إنما الحديث صحيح عن عمر موقوف عليه اهـ. وقال السلاح بعد أن روى الحديث موقوفًا على عمر رواه مسلم ثم قال ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم في المستدرك مرفوعًا إلى النبي ﷺ وقال الحاكم فيه صحيح على شرط الشيخين اهـ، وسبق شرحه في أثناء الكلام على ما تقدم من أدعية الافتتاح قال ابن حجر في شرح المشكاة وأخذ به ابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة واختاره للافتتاح به أبو حنيفة وغيره وذهب إليه الأجلة من علماء الحديث كسفيان وأحمد وغيرهم اهـ. قوله: (وَرَوينا فِي سُنن الْبيْهقي) قال الحافظ بعد تخريجه بسند له بلفظ قال البيهقي ذكره الشافعي عن هشيم بلا رواية لكن قال عن أبي الخليل بدل الحارث فيحتمل أن يكون لأبي إسحاق الراوي عن الحارث شيخان في الحديث وعلى هذا الاحتمال فيكون الحديث صحيحًا ويقوي ذلك أن الرواية الصحيحة عن علي بطولها تشتمل على ألفاظ هذا الطريق وليس فيها إلَّا الاختصار وتأخير وجهت ثم أجاب عن قول المصنف في الحارث بما سيأتي نقله عنه. قوله: (فإِن الحارثَ الأَعور متفَق عَلَى ضَعْفِهِ) قال الحافظ هو متعقب فيما قاله فقد وثقه يحيى بن محين في سؤالات الدارمي وفي تاريخ العباس الدوري وأما ما نقله عن الشعبي فقد أوضح أحمد بن صالح الحارث صاحب علي ثقة ما أحفظه

стр. 581

وأما قوله ﷺ : "والشرُّ ليسَ إليكَ" فاعلم أن مذهب أهل الحق من المحدثين والفقهاء والمتكلمين من الصحابة والتابعين ومَن بعدَهم من علماء المسلمين أن جميع الكائنات خيرَها وشرَّها، نفعَها وضرَّها كلها من الله ، وبإرادته وتقديره، وإذا ثبت هذا ــ وما أحسن ما روي عن علي قيل له فما يقوله الشعبي فيه قال لم يكن يكذب في حديثه وإنما كان يكذب في رأيه اهـ، وأبدى الذهبي ذلك احتمالًا والمراد بالرأي المذكور التشيع وبسببه ضعفه الجمهور ثم رأيت عن أبي حاتم في حق الحارث شيئًا يصلح أن يحمل تكذيب الشعبي عليه قال كان الحارث أعلم الناس بالفرائض وكان يروي ذلك عن علي فقيل له سمعت هذا كله من علي فقال سمعت منه بعضًا وبعضًا أقيسه على قوله وقد بسط ابن عبد البر في كتاب بيان العلم ما يتعلق بذلك اهـ. قوله: (وأَمَا قَولهُ والشرُّ ليسَ إِليَكَ فاعلَمْ أَن مَذهَبَ أَهْلِ الحق إلخ) أنكرت المعتزلة إرادته تعالى للشر والقبيح حتى قالوا أنه تعالى أراد من الكافر والفاسق الإيمان والطاعة لا الكفر والمعصية زعمًا منهم أن إرادة القبيح قبيحة كخلقه وإيجاده واستدلوا بهذا الحديث أي قوله والشر ليس إليك بناء على تقدير متعلق الجار منسوبًا ومنعه أهل السنة وقالوا القبيح كسب القبيح والاتصاف به ومتعلق الظرف ليس منسوبًا بل متقربًا أو منسوبًا أي لا يليق بالأدب نسبته إليك وإن كنت فاعله وعند المعتزلة أكثر ما يقع من أفعال العباد على خلاف إرادة الله تعالى وهذا شنيع جدًّا والمعتزلة اعتقدوا أن الإرادة والمشيئة والرضا والمحبة والأمر بمعنى ونحن لا نقول به بل نقول الإرادة والمشيئة بمعنى والرضا والمحبة كذلك والأمر لا يستلزم الإرادة فقد يكون الشيء غير مراد ويؤمر به وقد يكون مرادًا وينهى عنه لحكم ومصالح يحيط بها علمه تعالى ولأنه لا يسأل عما يفعل واستدلت المعتزلة بنحو ولا يرضى لعباده الكفر، إن الله لا يأمر بالفحشاء، ولا دليل لأنا نقول بمقتضاهما لما تقرر من أن الإرادة غير الرضا والأمر ولنا قوله تعالى: (﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] وقول السلف قبل ظهور أهل البدعة "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" وليس هذا محل تحقيق المرام ومجمله أن كتب أهل السنة مختلفة في هذه المسألة فقال إمام الحرمين إن من حقق لم يشك أن المعاصي بمحبته ونقله بعضهم

стр. 582

فلا بد من تأويل هذا الحديث، فذكر العلماء فيه أجوبة: ــ بمعناه عن الأشعري لتقارب الإرادة والمحبة في المعنى اللغوي فإن من أراد شيئًا أو شاءه فقد رضيه وأحبه قال ابن الهمام وهذا الذي قاله إمام الحرمين خلاف كلمة أكثر أهل السنة اهـ. وقال شارح العقيدة المنظومة لليافعي الإرادة والمشيئة والمحبة والرضا معناها واحد عند جمهور أهل السنة لكن قال بعضهم ما سبق إلَّا المحبة والرضا مترادفان وهما غير الإرادة والمشيئة واستدل لذلك بقوله تعالى ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] وأجيب بأنه لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر لأنه لم يرده ويرضاه للكفار لأنه أراده لهم أو أنه لا يرضاه شرعًا ودينًا يثيب عليه ويرضاه معصية ومخالفة يعاقب عليها اهـ، وحاصله أن النفي والإثبات واردان على مختلفين بالحيثية مع اتحادهما بالذات كما قيل في الإشكال المشهور أن الرضا بالقضاء واجب والرضا بالكفر كفر مع أن الكفر بالقضاء مجيبًا بأنه يرضى به من حيث أنه فعل الله تعالى ولا يرضى به من حيث أنه كسب للعبد أو أن الكفر مقضي لا يجب الرضا به إذ هو إنما يجب بالقضاء لا بالمقضي وقال الشيخ عطية السلمي في تفسيره ما تعلق به الثواب يقال فيه إن الله رضيه وأحبه وأراده وشاءه وما تعلق به العقاب يقال فيه أراده وشاءه ولا يقال أحبه ورضيه بل يقال كرهه ونهى عنه ومعنى ذلك أنه لا يثيب عليه لا أنه وقع عليه قهرًا كسائر مكروهات العباد فإن العبد يقع عليه المكروه قهرًا ولو قدر على دفعه والله متعال عن ذلك وهذا مذهب كثير من السلف قال قتادة والله ما يرضى الله لعبد ضلالة ولا أمره بها ولا دعاه إليها وقال ابن عباس والسدي وجماعة إن الله يرضى الكفر للكفار كما يرضى الإيمان للمؤمنين اهـ، والحق إن الخلاف لفظي كذا في المرقاة. قوله: (فَلَا بد مِنْ تأْويلِ هذَا الحديثِ إلخ) قال ابن حجر في شرح المشكاة قال بعضهم وإنما أولنا الحديث لأنه لم يقل أحد من المسلمين بقضيته بل أهل السنة على أن الخير والشر من الله تعالى لا صنع للعبد فيهما والمعتزلة على أنهما من العبد لا صنع لله فيهما ولم يقل عالم سنين ولا بدعي إن الخير من الله والشر من النفس وإنما سمع ذلك من همج العامة اهـ. وفيه نظر ونقله في شرح العباب عن المجموع وعن الشيخ أبي حامد وتعقب بأنه قد نقل ذلك عن المعتزلة كثيرون والظاهر أنهم فرقتان فرقة على الأول وفرقة على الثاني ومن ثم

стр. 583

أحدها وهو أشهرها قاله النضر بن شميل والأئمة بعده: معناه: والشر لا يتقرب به إليك، والثاني: لا يصعد إليك، إنما يصعد الكلم الطيب، والثالث: لا يضاف إليك أدبًا، فلا يقال: يا خالق الشر وإن كان خالقَه، كما لا يقال: يا خالق الخنازير وإن كان خالقَها، والرابع: ليس شرًّا بالنسبة إلى حِكْمَتِكَ، فإنك لا تخلق شيئًا عبثًا، والله أعلم. ــ اختلف كلام الزمخشري منهم في ذلك اهـ. قوله: (أَحدُهَا وَهُوَ أَشهرُها قَالهُ النضْرُ بْنُ شُمَيلٍ) أي والخليل بن أحمد وإسحاق بن راهويه ويحيى بن معين وأبو بكر بن خزيمة والأزهري وغيرهم قال صاحب أنوار البروق في أنواء الفروق استدلت المعتزلة على أن الشر من العبد لا من الله تعالى بقوله ﷺ والشر ليس إليك وهذا سلب عام تقوم به الحجة على الأشعري وجوابه أن قوله ﷺ ليس إليك لا بد له من عامل يتعلق به فالمعتزلة يقدرونه ليس منسوبًا إليك حتى يكون من العبد على زعمهم ونحن نقدره والشر ليس قربة إليك لأن الملوك كلهم يتقرب بالشر إليهم إلّا الله تعالى لا يتقرب إليه إلا بالخير وهذا معنى حسن جميل يحمل اللفظ عليه وعليه فيكون اللفظ محتملا لما قلناه ولما قالوه وليس اللفظ ظاهرًا في أحدهما من حيث الوضع بل الاحتمالان منسوبان فيسقط استدلال المعتزلة به لحصول الإجمال فيه اهـ، وأصل هذا الكلام لشيخه العز بن عبد السلام كما نقله عنه السيوطي في حواشيه على النسائي. قوله: (والثَّالثُ) وحكاه الشيخ أبو حامد عن المزني وقاله غيره أيضًا ويؤيده إن عادة العرب ينسبون ما كان يعجبهم إلى الله وإن كانت الأشياء كلها له في الحقيقة. قوله: (لَا يُضافُ إِليك) أي على انفراده. قوله: (فَلَا يُقالُ يا خالِقَ الشَّرِّ ونحوه) بل يا خالق كل شيء وحينئذٍ يدخل الشر في العموم. قوله: (ليسَ شَرًّا إلخ) قال التفتازاني في شرح العقائد فإن قيل كيف كان كسب القبيح سببًا موجبًا لاستحقاق الذم بخلاف خلقه قلنا لأنه قد ثبت أن الخالق حكيم لا يخلق شيئًا إلا وله عاقبة حميدة وإن لم نطلع عليها فجزمه بأن ما نستقبحه من الأفعال قد يكون فيها حكم ومصالح كما في خلق الأجسام الخبيثة الضارة المؤلمة

стр. 584

فصل: هذا ما ورد من الأذكار في دعاء التوجه، فيستحب الجمع بينها كلَّها لمن صلى منفردًا، ــ بخلاف الكاسب فإنه قد يفعل قبيحًا سفهًا موجبًا لاستحقاق الذم والعقاب اهـ. وفي شرح المشكاة لابن حجر وقيل ليس الشر قضاك فإنك لا تقضي الشر من حيث هو شر بل لما يصحبه من الفوائد الراجحة فالمقضي به بالذات هو الخير والشر داخل تحت القضاء اهـ، وهو بكونه جوابًا أشبه وفي شرح الأربعين له ما في الوجود من الشر فهو إضافي بالنسبة لبعض الأشياء وليس شرًّا مطلقًا بحيث عدمه خير من وجوده بل وجوده مع ذلك خير من عدمه ويصح أن يراد هذا في خبر والشر ليس إليك أي الشر المحض الذي عدمه خير من وجوده ليس موجودًا في ملكك اهـ، وذكر المصنف في شرح مسلم جوابًا خامسا حكاه عن الخطابي أنه كقولك فلان إلى بني فلان إذا كان عداده فيهم أو أضافوه إليهم. فصل قوله: (هَذَا مَا وَرَدَ مِنَ الأذكار فِي دعاءِ التوجُّهِ) قال الحافظ هذا يشعر بالحصر وليس كذلك بل ورد فيه غير ذلك ذكره الطبراني في الدعاء وكذا غيره اهـ. قوله: (فَيُستَحَبُّ الجمعُ بينَها كلها) قال الحافظ لم يرد بذلك حديث وقد استحب الجمع بين وجهت وسبحانك أبو يوسف صاحب أبي حنيفة وأبو إسحاق المروزي من أكابر الشافعية وبوب البيهقي لذلك وأورد فيه حديثًا عن جابر أن النبي ﷺ كان إذا استفتح الصلاة قال سبحانك اللهم وبحمدك إلى ولا إله غيرك وجهت وجهي إلى قوله العالمين وسنده قوي فإن رجاله رجال الصحيح إلَّا عبد السلام بن محمد الحمصي وأما الراوي عن عبد السلام إبراهيم بن يعقوب فمن كبار الحفاظ الأثبات من شيوخ أبي داود والترمذي والنسائي وأخرج الحافظ من طريقين أحدهما للطبراني في الدعاء من حديث جابر كان ﷺ إذا افتتح الصلاة كبّر ثم قال إن صلاتي ونسكي إلى قوله أول المسلمين اللهم اهدني لأحسن الأخلاق ولا يهدي لأحسنها إلَّا أنت وقني سيئ الأعمال والأخلاق ولا يقي سيئها إلَّا أنت قال الحافظ وهكذا أخرجه النسائي ورجاله

стр. 585

وللإمام إذا أذِنَ له المأمومون. فأما إذا لم يَأذَنوا له فلا يُطَوِّل عليهم، بل يقتصر على بعض ذلك، وحَسُن اقتصاره على: وجهت وجهي إلى قوله: من المسلمين، وكذلك المنفرد الذي يؤثر التخفيف. واعلم أن هذه الأذكار مستحبة في الفريضة والنافلة، فلو تركه في الركعة الأولى عامدًا أو ساهيًا لم يفعله بعدها لفوات محله، ولو فعله كان مكروهًا ولا تبطل صلاته، ولو تركه عقيب التكبيرة حتى شرع في القراءة أو التعوذ، فقد فات محله فلا يأتي به، فلو أتى به لم تبطل صلاته، ــ ثقات كالذي قبله وكأن الحديث كان عند شعبة مطولًا فحدث عبد السلام عنه ببعضه وحدث أبو حيوة عنه ببعضه ثم أشار الحافظ إلى اختلاف وقع لبعضهم في بعض هذا الحديث غير من ذكرناه اهـ. وفي شرح المشكاة لابن حجر قول النووي يستحب الجمع إلخ. لا ينافيه قول الشافعي فإن زاد فيه أو نقص كرهته لأنه محمول على الزيادة من غير الوارد وقول بعض أئمتنا لم يرد في تلك الأدعية شيء عن السلف بل يأتي بكل مرة يرده أن الأصل الإتيان والتأسي بجميع ما ورد حتى يقوم دليل على خلافه ولم يوجد وكذا في كل محل وردت فيه أذكار متعددة اهـ. فإن علم أنه لا يمكنه الجمع لا يأت به أو يمكنه البعض فقط مع التعوذ والفاتحة أتى به نص عليه في الأم. قوله: (وللإِمامِ إِذَا أَذِنَ لَهُ المأمُومُونَ) أي وهم محصورون راضون بالتطويل لم يتعلق بعينهم حق للغير بأن لم يكونوا مملوكين ولا مستأجرين إجارة عين على عمل ناجز ولا نساء متزوجات ولم يطرأ غيرهم وإن قل حضوره ولم يكن المسجد مطروقًا ولو أذن الجمع المحصورون إلَّا واحدًا فينظر فإن كان ملازمًا للحضور فلا ينظر لقوله بل يطول لئلا يفوت ثواب أولئك بقوله وإلا اقتصر رعاية له أفتى به ابن الصلاح واستحسنه من بعده. قوله: (وَحَسُنَ اقْتصارُهُ عَلى وجهتُ) أي لأن الله تعالى أمر نبيه في كتابه أن يقوله وكذا المأموم الذي يسمع قراءة الإمام يقتصر على وجهت وجهي إلخ، ويسْرع فيه حتى يسمع قراءة إمامه. قوله: (والنَّافِلَةِ) سواء كانت مطلقة أو راتبة وسيأتي في باب التراويح أن ما يفعله الناس من ترك الافتتاح والتسبيحات فيها وغير ذلك من السنن تساهل والصواب ما سبق وسكت المصنف عن الجنازة لأنه لا يسن فيها ولو

стр. 586

ولو كان مسبوقًا أدرك الإمام في إحدى الركعات أتى به إلا أن يخاف من اشتغاله به فواتَ الفاتحة، فيشتغل بالفاتحة، فإنها آكد، لأنها واجبة، وهذا سُنةٌ. ولو أدرك المسبوق الإمامَ في غير القيام، إما في الركوع، وإما في السجود، وإما في التشهد، أحرم معه، ــ على غائب وقبر على الأوجه، ومحل استحباب الافتتاح ما لم يدرك الإمام في غير القيام ما لم يسلم قبل أن يجلس أو في الاعتدال بل يقول في الأخير سمع الله لمن حمده إلى آخر ما يأتي من ذكر الاعتدال حينئذٍ ولو أدركه في أثناء الفاتحة فأتمها الإمام أمن المأموم لقراءته ثم افتتح ونفى مالك استحباب الافتتاح من أصله لعدم ذكره في خبر المسيء صلاته ولخبر كان ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين قال في شرح العباب عجيب إذ لا جواب له عن تلك الأحاديث وخبر المسيء صلاته لم يذكر فيه إلّا الفرائض أو النوافل والثاني معناه تفتتحون القراءة بل لو صرح صحابي بنفيه لكان محجوبًا بإثبات غيره اهـ. قوله: (وَلَوْ كَانَ مسبوقًا إلخ) المسبوق هو من لم يدرك مع الإمام زمنًا يسع الفاتحة بالنسبة إلى القراءة المعتدلة لا لقراءة الإمام ولا لقراءة المأموم. قوله: (أَتَى بِه) أي إذا ظن إدراك الفاتحة مع إمامه بأن كان الإمام بطيء القراءة ومدرك سريعها. قوله: (إلا أَنْ يَخافَ) أما بأن جهل حال إمامه أو ظن منه الإسراع وأنه لا يدركها ولو اشتغل به فيشتغل بها لأنها أهم ويشرع فيها ليدركها ثم إذا ركع الإمام قبل إتمام الفاتحة نظر فإن لم يشتغل بافتتاح ولا تعوذ ركع مع الإمام وتمت ركعته وتحمل عنه الفاتحة أو ما بقي منها وإن اشتغل بهما أو بأحدهما أو سكت لزمه أن يقرأ من الفاتحة قدر ذلك في ظنه كما هو ظاهر أو زمن سكوته لتقصيره في الجملة بالعدول عن الفرض إلى غيره وإن كان قد أمر بالافتتاح والتعوذ لظنه إدراك الركوع فركع على خلاف ظنه واختار جمع أنه يركع ويسقط عنه بقية الفاتحة وأطالوا في الاستدلال له وإن كلام الشيخين يقتضيه وعلى الأول متى ركع قبل وفاء ما لزمه بطلت صلاته إن علم وتعمد وإلا لم يعتد بما فعله ومشى ركع الإمام وهو متخلف لما

стр. 587

وأتى بالذِّكْر الذي يأتي به الإمام، ولا يأتي بدعاء الاستفتاح في الحال ولا فيما بعد. واختلف أصحابنا في استحباب دعاء الاستفتاح في صلاة الجنازة، والأصحّ أنه لا يستحب، لأنها مبنية على التخفيف، واعلم أن دعاء الاستفتاح سُنة، ليس بواجب، ولو تركه لم يسجد للسهو، والسُّنَّة فيه الإسرار، فلو جهر به كان مكروهًا، ولا تبطل صلاته. باب التعوذ بعد دعاء الاستفتاح اعلم أن التعوذ بعد دعاء الاستفتاح سُنَّةٌ بالاتفاق، وهو مُقَدّمة للقراءة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] معناه عند ــ لزمه وقام من الركوع فأتته الركعة بناء على أنه متخلف بغير عذر ومن عبر بعذره فعبارته مؤولة ثم إذا فرغ قيل هوى الإمام للسجود وافقه ولا يركع وإلا بطلت إن علم وتعمد وكذا حيث فاته الركوع فإن لم يفرغ وقد أراد الإمام الهوي للسجود فقد تعارض في حقه وجوب وفاء ما لزمه وبطلان صلاته بهوي الإمام للسجود لما تقرر من أن تخلفه لغير عذر فلا مخلص له عن هذين إلَّا بنية المفارقة فتتعين عليه حذر من بطلان صلاته عند عدمها بكل تقدير، ثم رأيت شيخنا أطلق نقلًا عن التحقيق واعتمده أنه يلزمه متابعته في الهوي حينئذٍ ويمكن توجيهه بأنه لما لزمته المتابعة قبل المفارقة استصحب وجوبها وسقط موجب تقصيره من التخلف لقراءة قدر ما لحقه فغلب واجب المتابعة فعليه إن صح لا يلزمه مفارقة أما إذا جهل إن واجبه ذلك فهو بتخلفه لما لزمه متخلف لعذر قاله القاضي كذا في التحفة لابن حجر وفي الإمداد له الأقرب للمنقول وعليه أكثر المتأخرين أنه متخلف لعذر وعليه فيدرك الركعة وإن لم يدرك الركوع مع الإمام فيصير حكمه كالموافق وناقش فيما ذكره فيه في التحفة بأن قوله ومن عبر بعذره فعبارته مؤولة بأنه يحتاج في ذلك لسند وأطال في المقال والله أعلم. قوله: (وأَتَى بالذكرِ الذي يأتي به الإمامُ) هذا إذا لم يسلم الإمام قبل لجوسه وإلا فيأتي به كما مر. قوله: (والسُّنَّةُ فيه الإسرارُ) أي كغالب أذكار الصلاة. باب التعوذ بعد دعاء الاستفتاح قوله: (سنةٌ بالاتفاقِ) لكنه نفاه مالك لنظير ما تقدم في الافتتاح مع جوابه ولما

стр. 588

جماهير العلماء: إذا أردت القراءة فاستعذ. واعلم أن اللفظ المختار في التعوذ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وجاء: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ولا بأس به، ولكن المشهور المختار هو الأول. وروينا في سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، ــ كان مستدركه ضعيفًا حكي الاتفاق مع وجوده. قوله: (جَماهِير العلماءِ إلخ) وقال جمع من السلف هي على ظاهرها وأخذوا بها كذلك قال في شرح المشكاة وهو شاذ. قوله: (أَن اللفظَ المختارَ إلخ) ثم بعده أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ثم أعوذ بالله العلي من الشيطان الغوي هذا ما في المجموع عن الماوردي لكن في الكفاية عنه أن الأفضل الأول ثم هو بزيادة من همزه ونفخه ونفثه ثم الأخير والذي يتجه إن الأفضل بعد الأول هو بتلك الزيادة للحديث الآتي ثم الثاني بتلك الزيادة لوروده كذلك في الرواية الثانية ثم هو بدونها ثم الثالث ورجح الأذرعي الثاني أي أعوذ بالله السميع إلخ، حتى على الأول للحديث المذكور الآتي ولأن فيه الجمع بين قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] وقوله ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] ويرى بأن الحديث ضعيف كما ستعلمه وليست الآية الثانية بيانًا لصيغة الاستعاذة حتى يطلب موافقته لفظها كالأول بل أمره بها ثم علل ذلك الأمر بأنه سميع للدعاء عليم به فهو حث عليه ذكره في المجموع قال والآية التي أخذنا بها أقرب إلى صفة الاستعاذة فكانت أولى اهـ، ويؤيده قول صاحب النشر إن الأول هو المختار لجميع القراء من حيث الرواية ثم نقل عن جمع أنهم حكوا الاتفاق عليه وعن السخاوي أنه الذي عليه إجماع الأمة وعن الحافظ أبي عمرو الداني أنه الذي أخذ به عامة الفقهاء كالشافعي وأبي حنيفة وأحمد وأنه الوارد عنه ﷺ ثم نازع في دعوى الإجماع وحصر الوارد فيه وبين ذلك بما فيه فوائد. قوله: (أَعُوذُ بالله! إلخ) أعوذ لفظه لفظ الخبر ومعناه الدعاء قالوا وفي ذلك تحقيق الطلب كما في غفر الله لك بلفظ الماضي والباء للإلصاق وهو إلصاق معنوي لأنه لا يلصق شيء بالله تعالى

стр. 589

وابن ماجه، والبيهقي ــ ولا بصفاته لكنه التصاق تخصيص لأنه خص الرب بالاستعاذة قال الإمام الرازي جاء الحمد لله ولله الحمد وتقدم المعمول يفيد الحصر فما الحكمة أنه جاء أعوذ بالله ولم يسمع باللهِ أعوذ قلنا إن الإتيان بلفظ التعوذ امتثال لأمره تعالى وقال بعضهم تقديم المعمول في الكلام تفنن وانبساط والتفنن فيه غير لائق لأنه لا يكون إلّا حالة خوف وقبض والحمد حالة شكر وتذكر إحسان ونعم اهـ. ذكره القسطلاني وسبق معنى الشيطان واشتقاقه في باب الذكر، والرجيم أي المرجوم بالطرد واللعن أو الذي يرجم به الغير بالإضلال والإغواء أو بمعنى فاعل لرجمه الغير بوسوسته. قوله: (وابن ماجة) وانفرد بزيادة الرجيم في وصف الشيطان وهي زيادة فيعمل بها صحابي الحديث جبير بن مطعم وذكر أوله الله أكبر كبيرًا الحمد لله كثيرًا سبحان الله وبحمده ثلاثًا ثلاثًا ثم ذكر التعوذ باللفظ المذكور هنا قال الحافظ والحديث حسن وللحديث شواهد من حديث ابن مسعود وأبي أمامة الباهلي وأبي سعيد الخدري رواه من حديث ابن مسعود ووقع فيها التصريح بأن التفسير للألفاظ المذكورة فيه مرفوع ولفظه عن النبي ﷺ أنه كان يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه قال وهمزه المؤتة ونفخه الكبر ونفثه الشعر، قال الحافظ بعد أن أخرجه من طريق آخر إلى عطاء بن السائب قلت وهو الراوي للطريق الأول عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود ما لفظه حديث حسن أخرجه ابن ماجة وابن خزيمة وعطاء بن السائب وإن اختلط فحماد بن سلمة أبي الراوي عنه في الطريق الأول ممن سمع منه قبل الاختلاط إلّا أنه لم يقع في روايتنا من طريقه التصريح برفع الحديث فلذا توقفت عن تصحيحه اهـ. ورواه من حديث أبي أمامة الباهلي ولفظه كان ﷺ إذا افتتح الصلاة قال سبحانك إلى ولا إله غيرك ثم يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أخرجه أحمد ورجال إسناده ثقات إلا التابعي فإنه لم يسم وهذه الأحاديث فيها الاقتصار على قوله أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأما زيادة السميع العليم فوقعت في حديث أبي سعيد الخدري رواه الترمذي والنسائي وهو حديث حسن وقول ابن خزيمة

стр. 590

وغيرها، أن النبي ﷺ قال قبل القراءة في الصلاة: "أعُوذُ بالله مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيم مِنْ نَفْخِهِ وَنَفْثِهِ وَهَمْزِهِ". وفي رواية: "أعُوذُ بالله السمِيعِ العَلِيم مِنَ الشَّيطانِ الرجِيم مِنْ هَمْزِهِ ونَفْخِهِ ونَفْثِهِ" وجاء تفسيره في الحديث، أن همزه: المؤتة وهي الجنون، ونفخه: الكِبْر، ونفثه: الشِّعْرُ، والله أعلم. ــ عقب تخريجه أنه لم يسمع أحدًا من أهل العلم ولا بلغه عن أحد منهم أنه استعمل هذا الخبر على وجهه قال الحافظ لا يستلزم عدم نقل استعماله وانكاره عن أحد توهينه والعلم عند الله قال الحافظ وفي الباب عن عائشة أخرجه أبو داود في قصة فيها أن النبي ﷺ قال أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ثم قرأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ [النور: ١١] الحديث اهـ. قوله: (وغيرها) رواه كذلك أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم وابن خزيمة وابن أبي شيبة والبيهقي في السنن الكبرى كلهم من حديث جبير. قوله: (وَفي روَايةٍ) أي عن أبي سعيد خرجها الثلاثة كما في الخلاصة للمصنف ومراده بالثلاثة أبو داود والترمذي والنسائي قال وممن ضعفه أحمد والترمذي ولفظ حديثه كان ﷺ إذا قام يصلي بالليل كثر ثم قال سبحانك اللهم وبحمدك إلى ولا إله غيرك لا إله إلّا الله ثلاثًا ثم يقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ثم يقرأ وتقدم الكلام على مرتبته في كلام الحافظ آنفًا ثم استعاذته ﷺ مما ذكر في الخبر الشريف مع أنه عصم منه إنما هو ليستلزم خوف الله تعالى وإعظامه والافتقار إليه وليقتدي به الأمة وليعين لهم صفة الدعاء والمهم منه. قوله: (وَجَاءَ فِي تفسيرِهِ فِي الحدِيثِ) أي رواه ابن ماجة عن عمر ﵁ وتقدم في حديث ابن مسعود مرفوعًا. قوله: (الْمُؤْتَةُ) بضم الميم وهمزة مضمومة وقيل بلا همز وفتح الفوقية نوع من المجنون والصرع يعتري الإنسان فإذا أفاق عاد إليه كمال عقله كالسكران وقيل خنق الشيطان وقيل أرض بالشام قال أبو عبيدة المؤتة المجنون سماه همزًا لأنه حصل من الهمز والنخس وكل شيء دفعته فقد نخسته. قوله: (ونفخَهُ الكِبْرُ) أي لأنه ينفخ في الإنسان بوسوسته فيعظمه في عين نفسه ويحقر غيره عنده فيزدريه ويتعاظم عليه. قوله: (ونفثَهُ الشعْرُ) أي لأنه ينفثه من فيه كالرقية والمراد الشعر المذموم لخبر أبي داود إن من

стр. 591

فصل: اعلم أن التعوذ مستحب ليس بواجب، فلو تركه لم يأثم، ولا تبطل صلاته سواء تركه عمدًا أو سهوًا، ولا يسجد للسهو، وهو مستحب في جميع الصلوات، الفرائض والنوافل كلها، ويستحب في صلاة الجنازة على الأصح، ويستحب للقارئ خارج الصلاة بإجماع أيضًا. فصل: واعلم أن التعوذ مستحب في الركعة الأولى بالاتفاق، فإن لم يأت به في الأولى أتى به في الثانية، فإن لم يفعل ففيما بعدها، فلو تعوذ في الأولى، هل يستحب في الثانية؟ فيه وجهان لأصحابنا، أصحهما: أنه يستحب، لكنه في الأولى آكد، إذا تعوذ في الصلاة التي يسر فيها بالقراءة، أسر بالتعوذ، فإن تعوذ في التي يُجْهَر فيها بالقراءة، فهل يجهر؟ فيه خلاف، من أصحابنا من قال: يُسرُّ، وقال الجمهور: للشافعي في المسألة قولان. أحدهما: يستوي الجهر والإسرار، وهو نصه ــ الشعر حكمًا أي مواعظ وأمثالًا يتعظ بها الناس ومفهوم من التبعيضية أن منه ما ليس كذلك وفي البخاري إن من الشعر حكمة أي قولًا صادقًا مطابقًا للحق أيضًا وفي الأدب المفرد والشمائل أنه ﷺ استنشد من الشريد من شعر أمية بن أبي الصلت فأنشده مائة قافية وبه يرد على من كره الشعر مطلقًا وحديث إن الشيطان لما أهبط إلى الأرض قال رب اجعل لي قرآنا قال قرآنك الشعر ضعيف وإن صح حمل على الإفراط فيه والإكثار منه. فصل قوله: (اعلم أَن التَّعوذَ مُستَحَبٌّ) قال في المجموع دليل الجمهور الآية واستدلوا بأحاديث ليست ثابتة. قوله: (لَوْ تركه لم يأثم) أي لكن يكره كما في المجموع عن نص الشافعي. قوله: (ويستحَبُّ فِي صلاةِ الجَنَازَةِ) وكذا يستحب في القيام الثاني من ركعتي الكسوف للفصل بين القراءتين. فصل قوله: (بالاتفاقِ) ولذا كان فيها آكد منه في باقي الركعات ولأن افتتاح قراءته إنما يكون فيها. قوله: (أَصحهما أَنه يستحب) أي للفصل بين القراءتين. قوله: (فإن تعوَّذَ فِي التي يُجْهَرُ فِيها بالقراءَةِ) الظرف الأول متعلق بتعوذ والأخيران بيجهر. قوله: (فِيهِ خِلافَ إلخ) قضية العبارة هنا أن الشيخ أبا حامد يصحح استحباب

стр. 592

في "الأم". والثاني: يسنُّ الجهر، وهو نصه في "الإملاء". ومنهم من قال: فيه قولان. أحدهما: يجهر، صححه الشيخ أبو حامد الإسفراييني إمام أصحابنا العراقيين، وصاحبه المحاملي وغيرهما، وهو الذي كان يفعله أبو هريرة ﵁. وكان ابن عمر ﵄ يُسِرُّ، وهو الأصح عند جمهور أصحابنا، وهو المختار، والله أعلم. باب القراءة بعد التعوذ اعلم أن القراءة واجبة في الصلاة بالإجماع مع النصوص المتظاهرة، ومذهبنا ومذهب الجمهور، أن قراءة الفاتحة واجبة لا يجزئ غيرها لمن قدر عليها. ــ الجهر بالتعوذ سكت عن نقل ذلك عنه في الروضة وعبارتها ولا يجهر به في الصلاة السرية ولا في الجهرية أيضًا على الأظهر وعلى الثاني يستحب الجهر فيها كالتسمية والتأمين والثالث أنه يجهر بين الجهر والإسرار ولا ترجيح وقيل يستحب الإسرار قطعًا اهـ. لكن زاد فيها نقل قول باستحباب الإسرار قطعًا وتعقبه فيه في المهمات بأن الرافعي لم يحكه في الشرح وقضية كلامهم أنه خارجها يجهر به للفاتحة وغيرها وعليه أئمة القراء للاتباع ومحله إن كان ثم من يسمعه لينصت لئلا يفوته من المقروء شيء والتعوذ للقراءة خارج الصلاة سنة عين ثم محل التعوذ بعد الافتتاح إذا أرادهما فيفوت الافتتاح بالتعوذ والتعوذ بالشروع في القراءة. قوله: (وهو الذي كان يفعله أَبو هُرَيرَةَ) قال الحافظ أخرجه الشافعي في الأم من طريق صالح بن أبي صالح أنه سمع أبا هريرة وهو يؤم الناس رافعًا صوته يقول ربنا أننا نعوذ بك الشيطان الرجيم قال وكان ابن عمر يتعوذ سرًّا قال الشافعي وأيهما فعله الرجل أجزأه اهـ. باب القراءة بعد التعوذ قوله: (القِرَءَةَ واجبة) أي للأدلة الآتية وما ورد عن عمر وعلي ﵄ من عدم وجوب القراءة من أصلها ضعيف وقول زيد بن ثابت ﵁ القراءة سنة

стр. 593

للحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُجْزِئُ صَلاةٌ لا يُقْرَأ فيها بِفاتِحَةِ الكِتَاب"، رواه ابن خزيمة وأبو حاتم بن حِبان، بكسر الحاء، في "صحيحيهما" بالإسناد الصحيح وحَكما بصحته. وفي "الصحيحين" عن رسول الله ﷺ : ــ أي طريق متبعة وإن خالفت مقاييس العربية. قوله: (للحديثِ الصحيح) هو بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة كما في الخلاصة قال رواه ابن خزيمة وابن حبان وصححاه ثم هذا اللفظ لشعبة واتفق غيره من رواة الخبر عن إيراده بلفظ كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهي خداج فهي خداج وفيه أن الراوي عن أبي هريرة قال فإني أكون أحيانًا وراء الإمام قال فأخذ بيدي فقال اقرأ بها في نفسك يا فارسي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي الحديث رواه مسلم والبخاري في خلق أفعال العباد وأبو داود والنسائي والترمذي قال الحافظ فخالف شعبة جميع رواة الحديث في سياق المتن اهـ. وقال المصنف في الخلاصة بعد ذكر حديث الباب ما لفظه وقد ورد من حديث عبادة بن الصامت بهذا اللفظ لكن بإسقاط الباء من قوله بفاتحة ورواه الدارقطني وقال إسناده حسن وعدي القراءة بالباء في الرواية الأولى قيل على تضمين يقرأ معنى يبدأ ورد بأنه يلزمه بطلان صلاة من لم يبدأ بها وأتى بها بعد وهو باطل قيل والصواب أنها زائدة في المفعول للتأكيد. قوله: (رَوَاه ابْنُ خزَيمَةَ وابْنُ حِبانَ إلخ) ورواه الحاكم في مستدركه والدارقطني بإسناد حسن قال في المجموع ورجاله ثقات كلهم وقدمه على حديث الصحيحين الآتي ولذا قال بعض المحققين وبه يتعين حمل النفي في خبر الصحيحين على الأجزاء. قوله: (وفِي الصَّحِيحينِ إلخ) هو من حديث عبادة بن الصامت قال الحافظ لم أر هذا اللفظ في الصحيحين ولا في أحدهما والذي فيهما حديث عبادة بن الصامت ﵁ بلفظ لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب أخرجاه جميعًا من رواية ابن عيينة عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت

стр. 594

"لا صَلاة إلا بِفاتِحَةِ الكتابِ". ويجب قراءة: بسم الله الرحمن الرحيم، ــ وأخرجه مسلم لكن بلفظ بأم القرآن وفي لفظ آخر له لم يقرأ ويجاب بأن مراد المصنف في الصحيحين بهذا المعنى وإن لم يكن بخصوص هذا المبنى ومثله كثير في استعمال المحدثين، قال الحافظ ووقع لي الحديث أي حديث عبادة المذكور باللفظ الذي صدر به المصنف هذا الباب ثم أخرج عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب وقال هكذا أخرجه الإسماعيلي في مستخرجه على صحيح البخاري ورجاله حفاظ ثقات ورواه الدارقطني اهـ. وفي شرح العمدة للقلقشندي بعد إيراد حديث الصحيحين كما رواه المصنف ما لفظه وقد أخرجه مالك والشافعي وأحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهم والطبراني في الكبير والإسماعيلي وأبو عوانة والبرقاني وأبو نعيم في مستخرجاتهم والدارقطني والبيهقي في سننهما وغيرهم اهـ. قوله: (لَا صَلاةَ إلا بفاتحةِ الكتاب) وقع في بعض طرقه عند مسلم كما تقدم لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن ووقع عند الشافعي والحَميدي ويعقوب بن سفيان والبيهقي في آخره زيادة لفظة فيها وهي زيادة لفظ فصاعدًا وأعلها البخاري في كتاب القراءة خلف الإمام وقال ابن حبان تفرد بها معمر عن الزهري وهذا الخبر دليل وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة وبه قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم وهو مذهب مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وآخرين ووجه الاستدلال أنه نفي للحقيقة الشرعية لأن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه فإنه بعث لبيان الشرعيات لا لبيان موضوع الألفاظ في اللغة والحقيقة الشرعية تنتفي بانتفاء جزئها وإن وجد ما يصدق عليه اسم الصلاة لغة وبه يندفع ما نقل عن الباقلاني وغيره من الأصوليين من التوقف وإن اللفظ مجمل من حيث أنه يدل على نفي الحقيقة وهي غير منفية فيحتاج إلى إضمار ولا سبيل إلى إضمار كل المحتملات لأن الإضمار إنما احتيج إليه للضرورة وهي تندفع بإضمار كل فرد كالكمال مثلًا ولأن إضمار الكل قد يتناقض كالكمال يقتضي إثبات الصحة والإجزاء يقتضي نفيها فيتعارضان وإذا تعين إضمار فرد فليس الإجزاء بأولى من الكمال ولا عكسه فتعين الإجمال وأجيب أيضًا بأن نفي الإجزاء أي نفي الصحة أقرب لكونه أقرب إلى نفي الحقيقة من نفي الكمال مع

стр. 595

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أن نفي الإجزاء يستلزم نفي الكمال ولا عكس ونفي الكمال خلاف الحقيقة والظاهر والسابق للفهم فكان إضمار الإجزاء متعينًا لا يقال الإجزاء يستعمل إثباتًا ونفيًا في غير الواجب ولا يثبت منه المقصود لأنا نقول محل ذلك فيما إذا لم تنف فيه العبادة بانتفاء بعضها أما في ذلك فلا يكون الإجزاء فيه إلا بمعنى الواجب أي لا بد للصحة منه وهذا غير محل الخلاف في الأصول في الموصوف بالإجزاء إثباتًا ونفيًا هل هو المطلوب أو الواجب الأرجح الأول وعلى الثاني يتم الاستدلال بالحديث السابق ويظهر قول أصحابنا إن الإجزاء لا يقال إلّا في الواجب وإن كان خلاف ترجيحهم إذ الحديث بناء على المخالف القائل أنه لا يوصف بالإجزاء إلَّا الواجب أول على ما قلناه وأبلغ في إلزامه هذا ومما يعين حمل الخبر على ما سبق خبر مسلم من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا غير تمام الحديث ولفعله ﷺ كما في مسلم مع خبر صلوا كما رأيتموني أصلي ثم هي عندنا واجبة في كل ركعة قيل والحديث بناء على إطلاق الصلاة على الركعة يدل لذلك ويدل له خبر المسيء صلاته ثم افعل ذلك في صلاتك كلها وخبر مسلم إنه ﷺ كان يقرأ الفاتحة في العصرين في الركعات كلها وهو مقدم على ما صح عن ابن عباس أنه لم يكن يقرأ فيهما لأنه نفى على أن رواة الأول وما بمعناه أكبر منه سنًّا وأقدم صحبة وأكثر احتياطًا وأيضًا قد صح أنه شك في ذلك فقال لا أدري أكان يقرأ في الظهر والعصر أم لا وغيره مع كثرتهم جزموا بالقراءة فكانوا أحق بالتقديم وفي حق المأموم وإن كانت الصلاة جهرية والمأموم يسمع واستدل له بعموم هذا الخبر ويدل لدخوله في هذا العموم ما صح بسند لا مطعن فيه وعنعنة راو فيه مدلس لا تضر لأنه صرح بالتحديث في طريق أخرى صحيحة أيضًا وممن صححه الترمذي والدارقطني والحاكم والبيهقي والخطابي وغيرهم عن عبادة بن الصامت ﵁ كنا خلف رسول الله ﷺ في صلاة الفجر فثقلت عنه القراءة فلما فرغ قال لعلكم تقرأون خلفي قلنا نعم قال لا تفعلوا إلّا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها وأما خبر مسلم إذا قرأ فأنصتوا فمحمول على السورة جمعًا بين الأدلة. فائدة ذكر الثعلبي وغيره أن لفاتحة الكتاب عشرة أسماء أخر سورة الفاتحة وأم الكتاب وأم القرآن وقع تسميتها بهذا وما قبله في الصحيح وبه يرد على

стр. 596

وهي آية كاملة من أول الفاتحة، وتجب قراءة جميع الفاتحة بتشديداتها وهي أربع عشرة تشديدة: ثلاث في البسملة، والباقي بعدها، فإن أخل بتشديدة واحدة بطلت قراءته. ويجب أن يقرأها مرتبة متوالية، فإن ترك ترتيبها أو موالاتها، لم تصح قراءته، ويعذر في السكوت بقدر التنفس. ولو سجد المأموم مع الإمام للتلاوة، أو سمع تأمين الإمام فأمَّن لتأمينه، أو سأل الرحمة، أو استعاذ من النار ــ قوم كرهوا ذلك زاعمين أن أم الكتاب اسم اللوح المحفوظ وغلط قائله بأنه ورد ذلك في الخبر المرفوع في مسلم وغيره وأطلقا عليها لأنها مقدمة في المصحف وقيل لأن أصل القرآن منها بدئ وأم الشيء أصله والصلاة لحديث قسمت الصلاة إلخ، وسميت به لتوقف صحة الصلاة أو كمالها عليها والسجع المثاني لحديث الحمد لله السبع المثاني قيل سميت بذلك لأنها تثنى في كل صلاة وقال مجاهد سميت المثاني لأن الله تعالى استثناها لهذه الأمة وأدخرها لهم والوافية بالفاء أي لا تبعض بأن يقرأ بعضها في ركعة وباقيها في أخرى والكافية لأنها تكفي عن غيرها ولا يكفي غيرها عنها والأساس روي تسميتها به عن ابن عباس والشفاء لحديث مرفوع به والكنز والله أعلم. قوله: (وهي آية كاملةٌ مِنْ أَولِ الفاتحةِ) من فيه زائدة على مذهب الأخفش أو بيانية أو تبعيضية بناء على أن المراد بالأول الأول النسبي وكونها آية من أول الفاتحة باعتبار العمل لا باعتبار الاعتقاد وكذا هي عندنا آية من كل سورة غير براءة بالإجماع للأحاديث الصحيحة الدالة على ذلك. قوله: (فإِنْ أَخَلَّ بتشديدةٍ) ولو بأن قرأ الرحمن بفك الإدغام ولا نظر لكون أل لما ظهرت خلفت الشدة فلم يحذف شيء لأن ظهورها لحن فلم يمكن قيامه مقامها. قوله: (بطلَتْ قراءَتُهُ) أي لأن المشدد حرفان أولهما ساكن لا عكسه بل لو علم معنى إياك بالتخفيف من أنه ضوء الشمس وأتى به عمدًا كفر أو سهوًا أعاد القراءة وسجد للسهو. قوله: (مُرَتَّبةً) أي لأنه مناط الإعجاز ولذا وجب فيها خارج الصلاة أيضًا. قوله: (بِقدْرِ التنفسِ) وفي نسخة بقدر النفس وكذا سكتة الاستراحة والعي ثم هذا حد السكوت القصير الذي لا يضر في حصول الموالاة ما لم ينوبه قطع القراءة والتطويل بخلافه قاله المتولي والأكثرون ودل عليه كلام المجموع

стр. 597

لقراءة الإمام ما يقتضي ذلك، والمأموم في أثناء الفاتحة، لم تنقطع قراءته على أصح الوجهين، لأنه معذور. ــ قيل هو أولى من ضبط الروضة كأصلها كالإمام للطويل بما يشعر بقطع القراءة وإعراضه عنها مختارًا أو لعائق لما في المجموع وغيره عن الإمام أن السكوت للإعياء ونحوه لا يؤثر وإن طال لأنه معذور فإطلاقهما إن السكوت عمدًا العائق قاطع مخالف للنص المذكور ويستثنى من كلام الضابطين ما لو نسي آية فسكت طويلًا ليتذكرها فإنه لا يؤثر وإن طال فإن سكت المصلي طويلًا فإن كان ناسيًا أو جاهلا لم يضر لعذره أو عامد عالما ضر واستأنف القراءة. قوله: (لقراءَةِ الإِمامِ) وكقراءة الإمام فيما ذكر قراءة نفسه وأفهم كلام المصنف أنه لا يتعين لسؤاله ما ذكر من الرحمة ونحوها صيغة وهو كذلك لأنه لم يثبت فيه شيء فيأتي ما يناسب اللفظ المتلو وبما يتضمن امتثال ما مر نحو اللهم إني أسألك من فضلك الله من فضله وسبحان ربي العظيم فسبح باسم ربك العظيم قال الزركشي والمتجه إن الإمام يجهر بسؤال الرحمة والاستعاذة من العذاب أي في الجهرية بخلاف المأموم والمنفرد فإن أهمله الإمام فينبغي للمأموم أن يجهر بهما لينبه الإمام على قياس ما ذكروه في التأمين اهـ، وبما بحثه من ندب الجهر بذلك صرح في المجموع وجعله أصلًا مقيسًا عليه الجهر بالقنوت اهـ. ثم مثل سؤال الرحمة وما ذكر معه الاستغفار عند قوله: (استَغفِرُوا رَبَّكُم) [هود: ٥٢] ولا يكفي إعادة الآية إلَّا أن صلح لفظها للاستغفار كقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الممتحنة: ٥] وقوله بلى وإنا على ذلك من الشاهدين عند آخر سورة التين وما في معناه والله أعلم. قوله: (لمْ تنقطع إلخ) جواب لو أي لا تنقطع القراءة لما ذكر وإن طال ذلك كما اقتضاه إطلاقهم لأنه لما ندب إليه لمصلحة الصلاة كان الاشتغال به عند عروض سببه غير مشعر بالإعراض وإن طال لكنه يسن له استئنافها كما في المجموع خروجًا من الخلاف واستئنافها قبل فراغها لا خلاف فيه كما حققه ابن الرفعة ونقله عن الأصحاب بخلاف كلها فقيل بأنه مبطل وفرق بأن تكرار كلها مشبه لتكرار الركوع بخلاف تكرار بعضها أما استئنافها بعد إكمالها فقيل يبنى على تقديم أقوى الخلافين إذا تعارضا بأن يكون فيه من صفات الترجيح المذكور في القضاء ما ليس في الآخر فإن استويا تخير أشار إليه في شرح

стр. 598

فصل: فإن لحن في الفاتحة لحنًا يخل المعنى، بطلت صلاته، وإن لم يخل المعنى صحت قراءته، فالذي يُخلُّه مثل أن يقول: أنعمت بضم التاء أو كسرها، أو يقول: إياك نعبد، بكسر الكاف، والذي لا يخل مثل أن يقول: رب العالمين، بضم الباء أو فتحها، أو يقول: نستعين، بفتح النون الثانية أو كسرها، ولو قال: ولا الضالين بالظاء بطلت صلاته على أرجح الوجهين، إلا أن يعجز عن الضاد بعد التعلم فبعذر. فصل: فإن لم يحسن الفاتحة قرأ بقدرها من غيرها، فإن لم يحسن شيئًا من القرآن ــ العباب. فصل قوله: (فِي الفَاتِحةِ) ظاهر سكوته عن غير الفاتحة إن اللحن المغير للمعنى لا يضر فيه مطلقًا وهو ما اقتضاه كلام المجموع والمنهاح وغيرهما لكن في شرح العباب الأوجه فيه التفصيل الذي في الفاتحة بين العدو فتبطل الصلاة وإلا فلا. قوله: (يُخلّ المَعْنى) أي يغير إلى معنى آخر. قوله: (بطَلَتْ صَلاتهُ) أي إن كان قادرا أو مقصرا عالمًا بالتحريم وإن لم يكن كذلك بطلت قراءته فإن طال الفصل استأنف الفاتحة وإلَّا أعادها على الصواب وكمل عليها ومثل ما ذكر إبدال الذال المعجمة في الذين دالا مهملة وكذا سائر إبدال حروف الفاتحة حتى إبدال ياء العالمين بواو مبطل للصلاة وبما يذكر يعلم إن الإبدال ليس من قبيل اللحن حتى يجري فيه التفصيل بين أن يغير المعنى فتبطل أولًا لأن في الإبدال تركًا لحرف من حروف الفاتحة بخلاف الحركات الإعرابية فإنما في إبدالها تغيير وصف للحرف وهو أخف. قوله: (بفتح النون الثانية أو كسرها) أما كسر النون أول الفعل فلغة لبني تميم قال البيضاوي وقرئ بكسر النون في الفعلين أي شاذا فحكم كسر النون الأولى بحكم القراءة بالشاذ اهـ. في له: (إِلَّا أَنْ يعجِزَ) بكسر الجيم على الأفصح وكذا إذا لم يكن فيه أهلية للتعلم فيعذر أي تصح صلاته لنفسه ولمن كان مثله في خصوص ذلك الحرف أو يقتدي به لا لقارئ لنقصه بالنسبة إليه. فصل قوله: (فإِنْ لَمْ يُحسنِ الفاتحَةَ) كلها أي بأن عجز عنها في الوقت لنحو ضيقه أو بلادة أو عدم معلم أو مصحف ولو عارية أو بأجرة مثل كتب وجدها فاضلة عما يعتبر في الفطرة. قوله: (قرأ بقدْرِها مِنْ غَيرِها) أي يقرأ سبع آيات ولا بد أن تكون بقدر

стр. 599

أتى من الأذكار كالتسبيح والتهليل ونحوهما ــ حروف الفاتحة في العدد ولا يعتبر أن يكون عدد حروف الآي فيها وفي الفاتحة متساويان قيل المعتجر تساوي مجموع حروف الآيات بمجموع حروف الفاتحة حروفها بالبسملة والتشديدات مائة وخمسة وعشرون حرفًا ولو بالإدغام خلافًا لبعضهم لأن غايته أنه يجعل المدغم مشددًا وهو حرفان من الفاتحة والبدل أما دون السبع فلا يجزئه وإن طال اتفاقًا لرعاية العدد فيها في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧] وقوله ﷺ هي السبع المثاني وكذا ما نقص عن حروفها على الأصح وإنما أجزأ صوم يوم قصير عن طويل لعسر رعاية الساعات فرعاية العدد في آياتها آكد منه في حروفها للنص على الأول دون الثاني وقضية إطلاق المصنف الاكتفاء بسبع الآيات المتفرقة ولو مع حفظه المتوالية وهو ما صححه هو ونقله عن النص وجمع وبالعدد المذكور وإن لم تفد معنى منظومًا قال في المجموع والتنقيح المختار ما أطلقه الأصحاب أي من شمول ما ذكر من المتفرقة والمتوالية والمفيدة معنى أو لا قال الزركشي وهو ظاهر لأن ذلك لا يخرجه عن كون كل كلمة قرآنًا وإنما يجوز له الانتقال إلى الذكر عند عدم شيء من القرآن اهـ. وقال غيره أنه القياس كما يحرم على الجنب قراءة ذلك وإن لم يفد. قوله: (أَتى مِنَ الأذكارِ) أي سبعة أنواع منها لقوله ﷺ إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد وأقم ثم كبّر فإن كان معك قرآن فاقرأ به وإلَّا فأحمد الله وهلله وكبِّره رواه الترمذي وحسنه وليكون كل نوع مكان آية وقول الإمام لا تجب رعاية أنواعه ضعيف وإن رجحه ابن الرفعة واستبدل له بالحديث فإنه كالنص في عدم اعتبار سبعة أنواع اهـ، ويرد بأن ظاهر الحديث وجوب ثلاثة أنواع ولم يقل به الإمام فالحديث إذا ليس فيه متمسك لأحد المقالتين وقد صح أن ما قيل لكن بين في المجموع ضعفه أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال إني لا أستطيع أن أجد من القرآن شيئًا فعلمني ما يجزئني منه في صلاتي فقال قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلَّا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم وهذا مشتمل على خمسة أنواع بل ستة والظاهر أنه كان يحفظ البسملة فهو على تقدير صحته دليل على اعتبار الأعداد فكان أولى بالاعتماد ومن ثم قال المصنف كالرافعي أنه

стр. 600

بقدر آيات الفاتحة، فإن لم يحسن شيئًا من الأذكار، وضاق الوقت عن التعلُّم، ــ أقرب تشبيهًا لمقاطع الأنواع بغايات الآي والأولى أن تضيف إلى الأنواع الخمسة في الحديث ما روي في بعض الأخبار ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن قاله ابن الرفعة وصاحب البيان وغيرهما ويجزئ ما ذكر من الذكر ولو بغير العربية كما في شرح العباب أي بشرط العجز عن العربية. قوله: (بقدْرِ آياتِ الفاتِحةِ) أي وحروفها وكان الاقتصار على الآيات لكونها منصوصًا عليها كما سبق أو لكون فيها الخلاف السابق بيانه قال الإمام ويجزئ عن الذكر سبعة أنواع من الدعاء المحض الأخروي وإن لم يعرف إلَّا ما يتعلق بالدنيا أجزأه الدنيوي اهـ، وهو متجه ومنازعة الأسنوي تبعًا للسبكي وابن عبد السلام بأن الشافعي نص على أنه لا يجزئ غير الذكر وليس الدعاء بذكر، لحديث من شغله ذكري عن مسألتي أجاب شيخ الإسلام زكريا عنها بحمله على ما إذا قدر على الذكر أو مراده بغير الذكر الدعاء المحض الدنيوي إذ الفاتحة نفسها مشتملة على الدعاء والدعاء الأخروي كافٍ اهـ، وناقشه تلميذه ابن حجر في شرح العباب بأن الحمل الأول تبع فيه بحث الأذرعي أنه لا يجزئ الدعاء للقادر على الذكر وفيه نظر بل الأوجه إجزاء الدعاء وإن قدر على الذكر وقوله والدعاء ليس بذكر ممنوع ولا دلالة في الحديث لأنه كما يدل عليه الاصطلاح الشرعي إن قوبل بالذكر كان غيره باعتبار وهو ما في الحديث وإلَّا شمله وهو ما في كلام الإمام الشافعي فاندفع ما ذكر اهـ، ويشترط ألا يقصد بالذكر والدعاء غير البدلية ولو معها فلو افتتح أو تعوذ بقصد السنة والبدل لم يكف وظاهر قول المصنف هنا "فإن لم يحسن شيئًا من القرآن الخ" أنه لو عرف بعض آية لم يجز له العدول إلى الأذكار وليس مرادًا بل حكم المسألة أنه إذا عرف آية كاملة أتى بها ثم إن لم يعرف شيئًا من الأذكار كرر الآية قدر حروف الفاتحة وإن عرف شيئًا من الأذكار فإن كانت الآية من أول الفاتحة أتى بها أولًا ثم بالذكر وإن كانت من آخرها بدأ بالذكر ثم أتى بالآية التي يحفظها من آخرها وكذا يأتي بالآية قبل الذكر إذا كانت من غير الفاتحة ثم يأتي بالذكر ولا يجزئه تكرارها لأنه إنما يكتفي به عند عدم حفظ شيء من الأذكار والله أعلم، ولو شرع في البدل وقدر
следующие страницы →