هؤلاء أصحاب الأعذار.. رفع عنهم الحرج في تخلفهم عن الوقعة في قتال المشركين.
وكذلك من كان له عذر في المجاهدة مع النفس.. فإنّ الله يحبّ أن تؤتى رخصه كما كما يحب أن تؤتى عزائمه «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١٨ الى ٢٠]
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢٠)
هذه بيعة الرضوان، وهي البيعة تحت الشجرة بالحديبية، وسميت بيعة الرضوان لقوله تعالى «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ... » .
وكانوا ألفا وخمسمائة وقيل وثلاثمائة وقيل وأربعمائة. وكانوا قصدوا دخول مكة، فلما بلغ ذلك المشركين قابلوهم صادّين لهم عن المسجد الحرام مع أنه لم يكن خارجا لحرب، فقصده المشركون، ثم صالحوه على أن ينصرف هذا العام، ويقيم بها ثلاثا ثم يخرج، (وأن يكون بينه وبينهم صلح عشرة أعوام بتداخل فيها الناس ويأمن بعضهم بعضا) «٢» وكان النبي قد رأى في منامه أنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين، فبشر بذلك أصحابه، فلما صدهم المشركون خامر قلوبهم شىء، وعادت إلى قلوب بعضهم تهمة حتى قال الصّدّيق: لم يقل العام! فسكنت قلوبهم بنزول الآية لأن الله سبحانه علم ما في قلوبهم من الاضطراب والتشكك. فأنزل السكينة في قلوبهم،
стр. 1717
وثبّتهم باليقين. «وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً» هو فتح خيبر بعد مدة يسيرة، وما حصلوا عليه من مغانم كثيرة من خيبر. وقيل ما يأخذونه إلى يوم القيامة «١» .
وفي الآية دليل على أنه قد تخطر ببال الإنسان خواطر مشكّكة، وفي الرّيب موقعة، ولكن لا عبرة بها فإنّ الله سبحانه إذا أراد بعبد خيرا لازم التوحيد قلبه، وقارن التحقيق سرّه فلا يضرّه كيد الشيطان، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ» «٢» .
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها ويدخل في ذلك جميع ما يغنمه المسلمون إلى القيامة فعجّل لكم هذه- يعنى خيبر «٣» ، وقيل: الحديبية.
«وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ» لما خرجوا من المدينة حرسهم الله، وحفظ عيالهم، وحمى بيضتهم حين هبّ اليهود «٤» فى المدينة بعد خروج المسلمين، فمنعهم الله عنهم.
أو يقال: كفّ أيدى الناس من أهل الحديبية.
«وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً» لتكون هذه آية للمؤمنين وعلامة يستدّلون بها على حراسة الله لهم.
«وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً» : فى التوكل على الله والثقة به.
ويقال: كفّ أيدى الناس عن العبد هو أن يرزقه من حيث لا يحتسب، لئلا يحتاج إلى أن يتكفّف الناس.
ويقال: أن يرفع عنه أيدى الظّلمة.
стр. 1718
ويقال: ألا تحمله المطالبة بسبب كثرة العيال ونفقتهم الكبيرة على الخطر بدينه فيأخذ من الأشياء- برخصة التأويل- ما ليس بطيّب «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٢١]
وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١)
قيل: فتح الروم وفارس «٢» . وقيل: فتح مكة «٣» .
وكان الله على كل شىء قديرا: فلا تعلقوا بغيره قلوبكم.
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٢٢]
وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢)
يعنى: خيبر وأسد وغطفان وغيرهم- لو قاتلوكم لانهزموا، ولا يجدون من دون الله ناصرا قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٢٣]
سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٢٣)
أي سنّة الله خذلانهم ولن تجد لسنة الله تحويلا.
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٢٤]
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤)
قيل إن سبعين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين يريدون قتله (فأخذناهم سلما فاستحييناهم) فأنزل الله هذه الآية في شأنهم «٤» .
стр. 1719
وقيل أخذ اثنى عشر رجلا من المشركين- بلا عهد- فمنّ عليهم الرسول ﷺ «١» وقيل: هم أهل الحديبية كانوا قد خرجوا لمنع المسلمين، وحصل ترامى الأحجار بينهم فاضطرهم المسلمون إلى بيوتهم، فأنزل الله هذه الآية يمن عليهم حيث كف أيدى بعضهم عن بعض عن قدرة من المسلمين لا عن عجز فأما الكفار فكفّوا أيديهم رعبا وخوفا وأمّا المسلمون فنهيا من قبل الله، لما في أصلابهم من المؤمنين- أراد الله أن يخرجوا، أو لما علم أن قوما منهم يؤمنون.
والإشارة فيه: أن من الغنيمة الباردة والنعم السنية أن يسلم الناس منك، وتسلم منهم.
وإن الله يفعل بأوليائه ذلك، فلا من أحد عليهم حيف، ولا منهم على أحد حيف ولا حساب ولا مطالبة ولا صلح ولا معاتبة، ولا صداقة ولا عداوة.. وكذا من كان بالحق- وأنشدوا:
فلم يبق لى وقت لذكر مخالف ... ولم يبق لى قلب لذكر موافق.
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٢٥]
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٢٥)
«كَفَرُوا» وجحدوا، «وَصَدُّوكُمْ» ومنعوكم عن المسجد الحرام سنة الحديبية.
«وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً «٢» » : أي منعوا الهدى أن يبلغ منحره، فمعكوفا حال من الهدى أي محبوسا.
стр. 1720
وكان النبي ﷺ قد ساق تلك السّنة سبعين بدنة.
قوله جل ذكره: «وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ «١» فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ» لو تسلطتم عليهم لأصابتهم معرة ومضرّة منكم بغير علم لسلّطناكم عليهم ولأظفرناكم بهم.
وفي هذا تعريف للعبد بأن أمورا قد تنغلق وتتعسّر فيضيق قلب الإنسان.. ولله في ذلك سرّ، ولا يعدم ما يجرى من الأمر أن يكون خيرا للعبد وهو لا يدرى.. كما قالوا:
كم مرة حفّت بك المكاره ... خير لك الله.. وأنت كاره
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٢٦]
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٢٦)
يعنى الأنفة «٢» أي دفعتهم أنفة الجاهلية أن يمنعوكم عن المسجد الحرام سنة الحديبية، فأنزل الله سكينته في قلوب المؤمنين حيث لم يقابلوهم بالخلاف والمحاربة، ووقفوا واستقبلوا الأمر بالحلم.
«وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى» وهي كلمة التوحيد تصدر عن قلب صادق: فكلمة التقوى يكون معها الاتقاء من الشّرك.
стр. 1721
«وَكانُوا أَحَقَّ بِها» حسب سابق حكمه وقديم «١» علمه.. «وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً» ويقال: الإلزام في الآية هو إلزام إكرام ولطف، لا إلزام إكراه وعنف وإلزام برّ لا إلزام جبر..
وكم باسطين إلى وصلنا ... أكفهمو ... لم ينالوا نصيبا!
ويقال كلمة التقوى: التواصي بينهم بحفظ حق الله.
ويقال: هى أن تكون لك حاجة فتسأل الله ولا تبديها للناس.
ويقال: هى سؤالك من الله أن يحرسك من المطامع.
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٢٧]
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧)
أي صدقه «٢» فى رؤياه ولم يكذبه صدقه فيما أراه «٣» من دخول مكة «آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ» كذلك أراه لما خرج إلى الحديبية وأخبر أصحابه. فوطّن أصحابه نفوسهم على دخول مكة في تلك السنة. فلمّا كان من أمر الحديبية عاد إلى قلوب بعض المسلمين شىء، حتى قيل لهم لم يكن في الرؤيا دخولهم في هذا العام، ثم أذن الله في العام القابل، فأنزل الله:
«لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ» فكان ذلك تحقيقا لما أراه، فرؤياه صلوات الله عليه حق لأن رؤيا الأنبياء حق
стр. 1722
وكان في ذلك نوع امتحان لهم: «فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا» أنتم من الحكمة في التأخير «١» .
وقوله: «إِنْ شاءَ اللَّهُ» معناه إذ شاء الله كقوله: «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» وقيل. قالها على جهة تنبيههم إلى التأدّب بتقديم المشيئة في خطابهم «٢» وقيل يرجع تقديم المشيئة إلى: إن شاء الله آمنين أو غير آمنين.
وقيل. يرجع تقديم المشيئة إلى دخول كلّهم أو دخول بعضهم فإن الدخول كان بعد سنة، ومات منهم قوم.
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٢٨]
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٢٨)
أرسل رسوله محمدا ﷺ بالدين الحنفي، وشريعة الإسلام ليظهره على كل ما هو دين «٣» فما من دين لقوم إلا ومنه في أيدى المسلمين سرّ وللإسلام العزة والغلبة عليه بالحجج والآيات.
وقيل: ليظهره وقت نزول عيسى ﵇ «٤» .
وقيل: فى القيامة حيث يظهر الإسلام على كل الأديان.
وقيل: ليظهره على الدين كله بالحجة والدليل.
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : آية ٢٩]
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩)
стр. 1723
«أَشِدَّاءُ» . جمع شديد، أي فيهم صلابة مع الكفار.
«رُحَماءُ» . جمع رحيم، وصفهم بالرحمة والتوادّ فيما بينهم.
« ... تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً» تراهم راكعين ساجدين يطلبون من الله الفضل والرضوان.
« ... سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ» أي علامة التخشع التي على الصالحين.
ويقال: هى في القيامة يوم تبيضّ وجوه، وأنهم يكونون غدا محجلين.
وقد قال ﷺ : «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» «١» ويقال في التفسير: «مَعَهُ» أبوبكر، و «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ» عمر و «رُحَماءُ بَيْنَهُمْ» :
عثمان، و «تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً» عليّ رضى الله عنهم «٢» وقيل: الآية عامة في المؤمنين.
«ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ» .
هذا مثلهم في التوراة، وأمّا مثلهم في الإنجيل فكزرع «٣» أخرج شطأه أي: فراخه.
стр. 1724
يقال: أشطأ الزرع إذا أخرج صغاره على جوانبه. «فَآزَرَهُ» أي عاونه. «فَاسْتَغْلَظَ» أي غلظ واستوى على سوقه وآزرت الصغار الكبار حتى استوى بعضه مع بعض. يعجب هذا الزرع الزرّاع ليغيظ بالمسلمين الكفار شبّه النبي ﷺ بالزرع حين تخرج طاقة واحدة ما ينبت حولها فتشتد، كذلك كان وحده في تقوية دينه بمن حوله من المسلمين.
فمن حمل الآية على الصحابة: فمن أبغضهم دخل في الكفر، لأنه قال: «لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ» أي بأصحابه الكفار. ومن حمله على المسلمين ففيه حجّة على الإجماع، لأنّ من خالف الإجماع- فالله يغايظ به الكفار- فمخالف الإجماع كافر قوله جل ذكره: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً» وعد المؤمنين والمؤمنات مغفرة للذنوب، وأجرا عظيما في الجنة فقوله: «مِنْهُمْ» للجنس أو للذين ختم لهم منهم بالإيمان.
стр. 1725
بسم الله الرّحمن الرّحيم [ «بِسْمِ اللَّهِ» : إخبار عن وجود الحقّ بنعت القدم.
«الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» : إخبار عن بقائه بوصف العلاء والكرم.
كاشف الأرواح بقوله: «بِسْمِ اللَّهِ» فهيمّها.
وكاشف النفوس بقوله: «الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» فتيّمها فالأرواح دهشى في كشف جلاله، والنفوس عطشى إلى لطف جماله] .
عبد الكريم القشيري فى بسملة «الشمس»
стр. 1726
سورة الحجرات
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» اسم كريم من تنصّل إليه من زلّاته تفضّل عليه بنجاته، ومن توسّل إليه بطاعاته تطوّل عليه بدرجاته.
«بِسْمِ اللَّهِ» اسم عزيز من تقرّب إليه بمناجاته قابله بلطف أفضاله، ومن تحبّب إليه بإيمانه أقبل عليه بكشف جلاله وجماله.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» : شهادة للمنادى بالشّرف.
«لا تُقَدِّمُوا» أمر بتحمّل الكلف. قدّم الإكرام بالشرف على الإلزام بالكلف أي لا تقدموا بحكمكم «بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» : أي لا تقضوا أمرا من دون الله ورسوله، أي لا تعملوا من ذات أنفسكم شيئا.
ويقال: قفوا حيثما وقفتم، وافعلوا ما به أمرتم، وكونوا أصحاب الاقتداء والاتّباع ...
لا أرباب الابتداء والابتداع.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢)
стр. 1727
أمرهم بحفظ حرمته، ومراعاة الأدب في خدمته وصحبته، وألّا ينظروا إليه بالعين التي ينظرون بها إلى أمثالهم. وأنه إذا كان بخلقه يلاينهم فينبغى ألا يتبسّطوا معه متجاسرين، ولا يكونوا مع ما يعاشرهم به من تخلّقه عن حدودهم زائدين.
ويقال: لا تبدأوه بحديث حتى يفاتحكم.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ٣]
إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)
هم الذين تقع السكينة عليهم من هيبة حضرته، أولئك هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى بانتزاع حبّ الشهوات منها، فاتقوا سوء الأخلاق، وراعوا الأدب.
ويقال: هم الذين انسلخوا من عادات البشرية.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ٤ الى ٥]
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
أي لو عرفوا قدرك لما تركوا حرمتك، والتزموا هيبتك.
ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم ولم يستعجلوا، ولم يوقظوك وقت القيلولة بمناداتهم لكان خيرا لهم «١» .
أمّا أصحابه- صلوات الله عليه وسلامه- الذين يعرفون قدره فإنّ أحدهم- كما في الخبر:
«كأنه يقرع بابه بالأظافر» .
стр. 1728
قوله جل ذكره:
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦)
دلّت الآية «١» على ترك السكون إلى خبر الفاسق إلى أن يظهر صدقه.
وفي الآية إشارة إلى ترك الاستماع إلى كلام الساعي والنمّام والمغتاب للناس.
والآية تدلّ على قبول خبر الواحد إذا كان عدلا.
والفاسق هو الخارج عن الطاعة «٢» . ويقال هو الخارج عن حدّ المروءة.
ويقال: هو الذي ألقى جلباب الحياء.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ٧ الى ٨]
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)
أي لو وافقكم محمد رسول الله ﷺ في كثير مما تطلبون منه لوقعتم في العنت- وهو الفساد «٣» . ولو قبل قول واحد (قبل وضوح الأمر) لأصابتكم من ذلك شدة.
والرسول صلوات الله عليه لا يطيعكم في أكثر الأمور إذا لم ير في ذلك مصلحة لكم وللدين.
стр. 1729
«وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ» : الإسلام والطاعة والتوحيد، وزيّنها في قلوبكم.
«وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ..» : هذا من تلوين الخطاب.
وفي الآية دليل على صحة قول أهل الحقّ في القدر «١» ، وتخصيص المؤمنين بألطاف لا يشترك فيها الكفار. ولولا أنّه يوفّر الدواعي للطاعات لحصل التفريط والتقصير فى العبادات.
فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً: أي فعل هذا بكم فضلا منه ورحمة. والله عليم حكيم.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ٩]
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)
«٢» تدل الآية على أن المؤمن بفسقه- والفسق دون الكفر- لا يخرج عن الإيمان لأن إحدى الطائفتين- لا محالة- فاسقة إذا اقتتلا.
وتدل الآية على وجوب نصرة المظلوم حيث قال: «فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى ... » .
والإشارة فيه: أن النفس إذا ظلمت القلب بدعائه إلى شهواتها، واشتغالها في فسادها فيجب
стр. 1730
أن يقاتلها حتى تثخن بالجراحة بسيوف المجاهدة. فإن استجابت إلى الطاعة يعفى عنها لأنها هي المطيّة إلى باب الله.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ١٠]
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)
إيقاع الصلح بين المتخاصمين من أوكد عزائم الدّين.
وإذا كان ذلك واجبا فإنه يدل على عظم وزر الواشي والنّمام والمصدر في إفساد ذات البين.
(ويقال إنما يتم ذلك بتسوية القلب مع الله فإن الله إذا علم صدق همة عبد في إصلاح ذات البين) «١» فإنه يرفع عنهم تلك العصبيّة «٢» .
فأما شرط الأخوة: فمن حقّ الأخوة في الدّين ألا تحوج أخاك إلى الاستعانة بك أو التماس النصرة عنك، وألا تقصّر في تفقّد أحواله بحيث يشكل عليك موضع حاجته فيحتاج إلى مساءلتك.
ومن حقّه ألا تلجئه إلى الاعتذار لك بل تبسط عذره فإن أشكل عليك وجهه عدت باللائمة على نفسك في خفاء عذره عليك ومن حقه أن تتوب عنه إذا أذنب، وتعوده إذا مرض. وإذا أشار عليك بشىء فلا تطالبه بالدليل عليه وإبراز الحجّة- كما قالوا:
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأيّة حرب أم لأى مكان
ومن حقّه أن تحفظ عهده القديم، وأن تراعى حقّه في أهله المتصلين به في المشهد والمغيب، وفي حال الحياة وبعد الممات «٣» - كما قيل:
وخليل إن لم يكن ... منصفا كنت منصفا
стр. 1731
تتحسّى له الأمر ... ين وكن ملاطفا
إن يقل لك استو احترف ... ت رضى لا تكلّفا
قوله جل ذكره:
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ١١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)
نهى الله- عن ازدراء الناس، وعن الغيبة، وعن الاستهانة بالحقوق، وعن ترك الاحترام.
«وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ» : أي لا يعيبنّ بعضكم بعضا، كقوله: «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» «١» .
ويقال: ما استصغر أحد أحدا إلا سلّط عليه. ولا ينبغى أن يعتبر بظاهر أحوال الناس فإنّ في الزوايا خبايا. والحقّ يستر أولياءه في حجاب الضّعة «٢» وقد جاء في الخبر:
«ربّ أشعث أغبر ذى طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبرّه» «٣» .
قوله جل ذكره:
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ١٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)
стр. 1732
النّفس لا تصدق، والقلب لا يكذب. والتمييز بين النفس والقلب مشكل ومن بقيت عليه من حظوظه بقيّة- وإن قلّت- فليس له أن يدّعى بيان القلب بل هو بنفسه مادام عليه شىء من نفسه، ويجب أن يتّهم نفسه في كل ما يقع له من نقصان غيره.. هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال وهو يخطب. «كلّ الناس أفقه من عمر..
امرأة أفقه من عمر» .
«وَلا تَجَسَّسُوا» . والعارف لا يتفرغ من شهود الحقّ إلى شهود الخلق.. فكيف يتفرغ إلى تجسّس أحوالهم؟ وهو لا يتفرغ إلى نفسه فكيف إلى غيره؟ «وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً» : لا تحصل الغيبة للخلق إلّا من الغيبة عن الحقّ.
«أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً ... » جاء في التفسير أن المقصود بذلك الغيبة، وعلى ذلك يدل ظاهر الآية.. وأخسّ الكفّار وأقلّهم قدرا من يأكل الميتة.. وعزيز رؤية من لا يغتاب أحدا بين يديك.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ١٣]
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)
إنّا خلقناكم أجمعكم من آدم وحواء، ثم جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا لا لتكاثروا ولا لتنافسوا. فإذا كانت الأصول تربة ونطفة وعلقة ... فالتفاخر بماذا؟ أبا لحمأ المسنون؟ أم بالنطفة في قرار مكين؟ أم بما ينطوى عليه ظاهرك مما تعرفه؟! «١» وقد قيل:
стр. 1733
إنّ آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار
أم بأفعالك التي هي بالرياء مشوبة؟ أم بأحوالك التي هي بالإعجاب مصحوبة؟ أم بمعاملاتك التي هي ملأى بالخيانة؟
«إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ؟ أتقاكم أي أبعدكم عن نفسه، فالتقوى هي التحرّر من النفس وأطماعها وحظوظها. فأكرم العباد عند الله من كان أبعد عن نفسه وأقرب إلى الله تعالى.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ١٤]
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)
الإيمان هو حياة القلب، والقلب لا يحيا إلا بعد ذبح النّفس، والنفوس لا تموت ولكنها تغيب، ومع حضورها لا يتمّ خير، والاستسلام في الظاهر إسلام. وليس كلّ من استسلم ظاهرا مخلص في سرّه.
«وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ» فى هذا دليل على أن محلّ الإيمان القلب. كما أنه في وصف المنافقين قال تعالى:
«فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» ومرض القلب والإيمان ضدان.
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ١٥]
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)
جعل الله الإيمان مشروطا بخصال ذكرها، ونصّ عليها بلفظ «إِنَّمَا» وهي للتحقيق الذي يقتضى طرد العكس فمن خرج عن هذه الشرائط التي جعلها للإيمان فمردود عليه قوله.
والإيمان يوجب للعبد الأمان، فما لم يكن الإيمان موجبا للأمان فصاحبه بغيره أولى.
стр. 1734
قوله جل ذكره:
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ١٦]
قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦)
تدل الآية على أنّ الوقوف «١» فى المسائل الدينية يعتبر واجبا فالأسامى منه تؤخذ، والأحكام منه تطلب، وأوامره متّيعة «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ١٧]
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٧)
من لاحظ شيئا من أعماله وأحواله فإن رآها من نفسه كان شركا، وإن رآها لنفسه كان مكرا فكيف يمن العبد بما هو شرك أو بما هو مكر؟! والذي يجب عليه قبول المنّة ... كيف يرى لنفسه على غيره منّة؟! هذا لعمرى فضيحة! بل المنّة لله فهو وليّ النعمة. ولا تكون المنة منة إلا إذا كان العبد صادقا في حاله، فأمّا إذا كان معلو لا في صفة من صفاته فهى محنة لصاحبها لا منّة.
والمنّة تكدّر الصنيع إذا كانت من المخلوقين، ولكن بالمنّة تطيب النعمة إذا كانت من قبل الله.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ١٨]
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) .
стр. 1735
ومن وقف هاهنا تكدّر عليه عيشه إذ ليس يدرى ما غيبه فيه، وفي معنى هذا قول القائل:
أبكى.. وهل تدرين ما يبكينى؟
أبكى حذارا أن تفارقينى وتقطعى وصلي وتهجرينى «١»
стр. 1736
سورة ق
«بِسْمِ اللَّهِ» اسم جبر أحوال من رحمه، متجبّر بكبريائه على من أقماه فقهره وحرمه.
«بِسْمِ اللَّهِ» لطيف يعلم خفايا تصنّع العابدين، غافر لجلائل ذنوب العاصين.
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)
ق مفتاح أسمائه: «قوى وقادر وقدير وقريب» .. أقسم بهذه الأسماء وبالقرآن المجيد.
وجواب القسم محذوف ومعناه لتبعثنّ في القيامة.
ويقال جوابه: «قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ» أي لقد علمنا.
وحذفت اللام لمّا تطاول الخطاب.
ويقال: جوابه قوله: «ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ» .
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : آية ٢]
بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢)
«مُنْذِرٌ مِنْهُمْ» : هو محمد ﷺ والتعجّب نوع من تعبير النّفس عن استبعادها لأمر خارج العادة لم يقع به علم من قبل.
وقد مضى القول في إنكارهم للبعث واستبعادهم ذلك:
[سورة ق (٥٠) : آية ٣]
أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)
أي يبعد عندنا أن نبعث بعد ما متنا. فقال جل ذكره:
стр. 1737
[سورة ق (٥٠) : آية ٤]
قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤)
فى هذا تسلية للعبد فإنه إذا وسّد التراب، وانصرف عنه الأصحاب، واضطرب لوفاته الأحباب. فمن يتفقّده ومن يتعهّده ... وهو في شفير قبره، وليس لهم منه شىء سوى ذكره، ولا أحد منهم يدرى ما الذي يقاسيه المسكين في حفرته؟ فيقول الحقّ- سبحانه:
«قَدْ عَلِمْنا ... » ولعلّه يخبر الملائكة قائلا: عبدى الذي أخرجته من دنياه- ماذا بقي بينه من يهواه؟ هذه أجزاؤه قد تفرّقت، وهذه عظامه بليت، وهذه أعضاؤه قد تفتّتت! «وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ» : وهو اللّوح المحفوظ أثبتنا فيه تفصيل أحوال الخلق من غير نسيان، وبيّنّا فيه كلّ ما يحتاج العبد إلى تذكّره.
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : آية ٥]
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)
«مَرِيجٍ» أي مختلط وملتبس فهم يتردّدون في ظلمات تحيّرهم، ويضطربون في شكّهم.
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : آية ٦]
أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦)
أولم يعتبروا؟ أولم يستدلّوا بما رفعنا فوقهم من السماء، رفعنا سمكها فسوّيناها، وأثبتنا فيها الكواكب وبها زيّناها، وأدرنا فيها شمسها وقمرها؟ أولم يروا كيف جلّسنا عينها ونوّعنا أثرها؟
[سورة ق (٥٠) : آية ٧]
وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧)
والأرض مددناها فجعلناها لهم مهادا، وجعلنا لها الجبال أوتادا، وأنبتنا فيها أشجارا وأزهارا وأنوارا.. كل ذلك:
стр. 1738
[سورة ق (٥٠) : آية ٨]
تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)
علامة ودلالة لكل من أناب إلينا، ورجع من شهود أفعالنا إلى رؤية صفاتنا، ومن شهود صفاتنا إلى شهود حقّنا وذاتنا «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : آية ٩]
وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)
أنزلنا من السماء ماء مباركا كثير النفع والزيادة، فأنبتنا به «جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ» :
أي الذي يحصد- كما تقول: مسجد الجامع.
الأجزاء متجانسة. ولكنّ أوصافها في الطعوم والروائح والألوان والهيئات والمقادير مختلفة.
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : الآيات ١٠ الى ١١]
وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١)
والنخل باسقات: طويلات، لها طلع منضود بعضه فوق بعض لكثرة الطّلع أو لما فيها من الثمار. وكيف جعلنا بعض الثمار متفرقة كالتفاح والكمثرى وغيرهما، وكيف جعلنا بعضها مجتمعة كالعنب والرطب وغيرهما.. كلّ ذلك جعلناه رزقا للعباد ولكى ينتفعوا به.
« ... وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ» .
وكما سقنا هذا الماء إلى بلدة جفّ نباتها، وكما فعلنا كلّ هذه الأشياء ونحن قادرون على ذلك- كذلك نجمعكم في الحشر والنشر، فليس بعثكم بأبعد من هذا.
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : الآيات ١٢ الى ١٤]
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)
стр. 1739
إنّا لم نعجز عن هؤلاء- الذين ذكر أسماءهم- وفيه تهديد لهم وتسلية للرسول.
[سورة ق (٥٠) : آية ١٥]
أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)
أي إنّا لم نعجز عن الخلق الأول.. فكيف نعجز عن الخلق الثاني- وهو الإعادة؟ لم يعتص علينا فعل شىء، ولم نتعب من شىء.. فكيف يشق علينا أمر البعث؟ أي ليس كذلك «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : آية ١٦]
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)
نعلم ما توسوس به نفسه من شهوات تطلب استنفاذها، مثل التصنّع مع الخلق، وسوء الخلق، والحقد.. وغير ذلك من آفات النّفس التي تشوّش على القلب والوقت.
«وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» فحبل الوريد أقرب أجزاء نفسه إلى نفسه، والمراد من ذلك العلم والقدرة، وأنه يسمع قولهم، ولا يشكل عليه شىء من أمرهم.
وفي هذه الآية هيبة وفزع وخوف لقوم، وروح وسكون وأنس قلب لقوم.
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : آية ١٧]
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧)
خوّفهم بشهود الملائكة وحضور الحفظة، وبكتابتهم عليهم أعمالهم، فهما قعيدا «٢» كلّ
стр. 1740
أحد: ويقال: إذا كان العبد قاعدا فواحد عن يمينه يكتب خيراته، وواحد على يساره يكتب معاصيه، وإذا قام فواحد عند رأسه وواحد عند قدمه، وإذا كان ماشيا فواحد قائم بين يديه وآخر خلفه.
ويقال: هما اثنان بالليل لكلّ واحد، واثنان بالنهار.
ويقال: بل الذي يكتب الخيرات اليوم يكون غيره غدا، وأمّا الذي يكتب الشر والمعصية بالأمس فإنه يكون كاتبا للطاعة غدا حتى يشهد طاعتك.
ويقال: بل الذي يكتب المعصية اثنان كل يوم اثنان آخران وكل ليلة اثنان آخران لئلا يعلم من مساويك إلا القليل منها، ويكون علم المعاصي متفرقا فيهم «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : آية ١٩]
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)
إذا أشرفت النّفس على الخروج من الدنيا فأحوالهم مختلفة فمنهم من يزداد في ذلك الوقت خوفه ولا يتبيّن إلا عند ذهاب الروح حاله. ومنهم من يكاشف قبل خروجه فيسكن روعه، ويحفظ عليه عقله «٢» ، ويتم له حضوره وتمييزه، فيسلم الرّوح على مهل من غير استكراه ولا عبوس.. ومنهم، ومنهم.. وفي معناه يقول بعضهم:
أنا إن متّ- والهوى حشو قلبى- فبداء الهوى يموت الكرام ثم قال جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : الآيات ٢٠ الى ٢١]
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)
سائق يسوقها إمّا إلى الجنة أو إلى النار، وشهيد يشهد عليها بما فعلت من الخير والشرّ.
стр. 1741
ويقال له:
[سورة ق (٥٠) : آية ٢٢]
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)
المؤمنون- اليوم بصرهم حديد يبصرون رشدهم ويحذرون شرّهم.
والكافر يقال له غدا: «فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ» أي: ها أنت علمت ما كنت فيه من التكذيب فاليوم لا يسمع منك خطاب، ولا يرفع عنك عذاب.
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : آية ٢٣]
وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣)
لا يخفى من أحوالهم شىء إلا ذكر، إن كان خيرا يجازون عليه، وإن كان غير خير يحاسبون عليه: إمّا برحمة منه فيغفر لهم وينجون، وإمّا على مقدار جرمهم يعذّبون.
[سورة ق (٥٠) : آية ٢٥]
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥)
منّاع للزكاة المفروضة.
ويقال: يمنع فضل مائه وفضل كلئه عن المسلمين.
ويقال: يمنع الناس من الخير والإحسان، ويسىء القول فيهما حتى يزهّد الناس فيهما.
ويقال: المناع للخير هو المعوان على الشّرّ.
ويقال: هو الذي قيل فيه: «وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ» «١» .
«مُرِيبٍ» : أي يشكّك الناس في أمره لأنه غير مخلص، ويلبّس على الناس حاله لأنه منافق.
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : آية ٢٧]
قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧)
يقول الملك من الحفظة الموكّل به: ما أعجلته على الزّلّة.
стр. 1742
وإنما «١» كتبتها بعد ما فعلها- وذلك حين يقول الكافر: لم أفعل هذا، وإنما أعجلنى بالكتابة علىّ، فيقول الملك: ربّنا ما أعجلته..
ويقال: هو الشيطان المقرون به، وحين يلتقيان في جهنم يقول الشيطان: ما أكرهته على كفره، ولكنه فعل- باختياره- ما وسوست به إليه.
فيقول جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : الآيات ٢٨ الى ٣٠]
قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)
لا تختصموا لديّ اليوم وقد أمرتكم بالرّشد ونهيتكم عن الغيّ.
قوله جل ذكره: «يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ» «٢» «نَقُولُ لِجَهَنَّمَ» ، «وَتَقُولُ» : القول هنا على التوسّع لأنه لو كانت جهنم ممن يجيب لقالت ذلك بل يحييها حتى تقول ذلك.
«هَلْ مِنْ مَزِيدٍ» : على جهة التغليظ، والاستزادة من الكفار.
ويقال: بل تقول «هَلْ مِنْ مَزِيدٍ» : أي ليس فيّ زيادة كقوله ﵇ لمّا قيل له:
يوم فتح مكة: هل ترجع إلى دارك؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل دارا؟! «٣» أي لم يترك، فإن الله- تعالى- يملأ جهنم من الكفار والعصاة، فإذا ما أخرج العصاة من المؤمنين ازداد غيظ الكفار حتى تمتلئ بهم جهنم.
стр. 1743
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : آية ٣١]
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١)
يقال: إنّ الجنّة تقرّب من المتقين، كما أنّ النار تجرّ بالسلاسل إلى المحشر نحو المجرمين.
ويقال: بل تقرب الجنة بأن يسهل على المتقين حشرهم إليها.. وهم خواص الخواص.
ويقال: هم ثلاثة أصناف: قوم يحشرون إلى الجنة مشاة وهم الذين قال فيهم: «وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً «١» » - وهم عوام المؤمنين «٢» وقوم يحشرون إلى الجنة ركبانا على طاعاتهم المصوّرة لهم بصورة حيوان، وهم الذين قال فيهم جلّ وعلا: «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً» «٣» - وهؤلاء هم الخواص وأمّا خاص الخاص فهم الذين قال عنهم:
«وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ» أي تقرّب الجنة منهم وقوله: «غَيْرَ بَعِيدٍ» تأكيد لقوله: «وَأُزْلِفَتِ» .
ويقال: «غير بعيد» : من العاصين تطييبا لقلوبهم.
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : آية ٣٢]
هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢)
الأوّاب: الراجع إلى الله في جميع أحواله.
«حَفِيظٍ» : أي محافظ على أوقاته، (ويقال محافظ على حواسه في الله حافظ لأنفاسه مع الله) «٤» .
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : آية ٣٣]
مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)
الخشية من الرحمن هي الخشية من الفراق. (والخشية من الرحمن تكون مقرونة بالأنس ولذلك لم يقل: من خشى الجبّار ولا من خشى القهّار) «٥» .
стр. 1744
ويقال: الخشية من الله تقتضى العلم بأنه يفعل ما يشاء وأنه لا يسأل عمّا يفعل.
ويقال: الخشية ألطف من الخوف، وكأنها قريبة من الهيبة «١» .
«وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ» : لم يقل بنفس مطيعة بل قال: بقلب منيب ليكون للعصاة في هذا أمل لأنهم- وإن قصّروا بنفوسهم وليس لهم صدق القدم- فلهم الأسف بقلوبهم وصدق النّدم.
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : آية ٣٤]
ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤)
أي يقال لهم: ادخلوها بسلامة من كل آفة، ووجود رضوان ولا يسخط عليكم الحقّ أبدا.
ومنهم من يقول له الملك: ادخلوها بسلام، ومنهم من يقول له: لكم ما تشاءون فيها قال تعالى:
[سورة ق (٥٠) : آية ٣٥]
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥)
لم يقل: «لهم ما يسئلون» بل قال: «لَهُمْ ما يَشاؤُنَ» : فكلّ ما يخطر ببالهم فإنّ سؤلهم يتحقق لهم في الوهلة، وإذا كانوا اليوم يقولون: ما يشاء الله فإنّ لهم غدا منه الإحسان.. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
«وَلَدَيْنا مَزِيدٌ» : اتفق أهل التفسير على أنه الرؤية، والنظر إلى الله سبحانه «٢» . وقوم يقولون: المزيد على الثواب في الجنة- ولا منافاة بينهما.
стр. 1745
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : آية ٣٦]
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦)
أي اعتبروا بالذين تقدّموكم انهمكوا في ضلالتهم، وأصرّوا، ولم يقلعوا.. فأهلكناهم وما أبقينا منهم أحدا.
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : آية ٣٧]
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)
قيل: «لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» : أي من كان له عقل. وقيل: قلب حاضر. ويقال قلب على الإحسان مقبل. ويقال: قلب غير قلّب.
«أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ» : استمع إلى ما ينادى به ظاهره من الخلق وإلى ما يعود إلى سرّه من الحق «١» . ويقال: لمن كان له قلب صاح لم يسكر «٢» من الغفلة. ويقال: قلب يعد أنفاسه مع الله. ويقال: قلب حيّ بنور الموافقة. ويقال: قلب غير معرض عن الاعتبار والاستبصار.
ويقال: «القلب- كما في الخبر- بين إصبعين من أصابع الرحمن» : أي بين نعمتين وهما ما يدفعه عنه من البلاء، وما ينفعه به من النّعماء، فكلّ قلب منع الحقّ عنه الأوصاف الذميمة وألزمه النعوت الحميدة فهو الذي قال فيه: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» .
وفي الخبر: «إن لله أوانى ألا وهي القلوب، وأقربها من الله ما رقّ وصفا» شبّه القلوب بالأوانى فقلب الكافر منكوس لا يدخل فيه شىء، وقلب المنافق إناء مكسور، ما يلقى فيه من أوّله يخرج من أسفله، وقلب المؤمن إناء صحيح غير منكوس يدخل فيه الإيمان ويبقى.
стр. 1746
ولكنّ هذه القلوب مختلفة فقلب ملطّخ بالانفعالات وفنون الآفات فالشراب الذي يلقى فيه يصحبه أثر، ويتلطخ به.
وقلب صفا من الكدورات وهو أعلاها قدرا.
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : آية ٣٨]
وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)
وأنى يمسّه اللّغوب. وهو صمد لا يحدث في ذاته حادث؟! قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : آية ٣٩]
فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)
إن تأذّ سمعك بما يقولون فيّ من الأشياء التي يتقدّس عنها نعتى فاصبر على ما يقولون، واستروح عن ذلك بتسبيحك لنا.
[سورة ق (٥٠) : آية ٤٠]
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠)
فالليل وقت الخلوة- والصفاء في الخلوة أتمّ وأصفى.
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : الآيات ٤١ الى ٤٢]
وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)
النداء من الحقّ- سبحانه- وارد عليهم، كما أنّ النجوى تحصل دائما بينهم. والنداء الذي يرد عليهم يكون بغتة ولا يكون للعبد في فعله اختيار.
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : آية ٤٣]
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)
إلينا مرجع الكلّ ومصيرهم.
стр. 1747
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : آية ٤٤]
يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤)
هذا يسير علينا: سواء خلقناهم جملة أو فرادى «١» قال تعالى: «ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ» » .
قوله جل ذكره:
[سورة ق (٥٠) : آية ٤٥]
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥)
ما أنت عليهم بمتسلّط تكرههم.
وإنما يؤثّر التخويف والإنذار والتذكير في الخائفين، فأمّا من لا يخاف فلا ينجح فيه التخويف- وطير السماء على ألّافها تقع.
стр. 1748
سورة الذّاريات
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» بسم الله كلمة عزيزة من ذكرها عزّ لسانه، ومن عرفها اهتزّ بصحبتها جنانه «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة للألباب غلّابة، كلمة لأرواح المحبّين سلّابة.
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤)
إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦)
وَالذَّارِياتِ: أي الرياح الحاملات «وِقْراً» أي السحاب «فَالْجارِياتِ» أي السفن.
«فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً» أي الملائكة.. أقسم بربّ هذه الأشياء وبقدرته عليها. وجواب القسم:
«إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ..» والإشارة في هذه الأشياء أن من جملة الرياح. الرياح الصيحية «١» تحمل أنين المشتاقين إلى ساحات العزّة فيأتى نسيم القربة إلى مشامّ أسرار أهل المحبة..
فعندئذ يجدون راحة من غلبات اللوعة، وفي معناه أنشدوا:
وإنى لأستهدى الرياح نسيمكم ... إذا أقبلت من أرضكم بهبوب
وأسألها حمل السلام إليكمو ... فإن هي يوما بلّغت.. فأجيبى
ومن السحاب ما يمطر بعتاب الغيبة، ويؤذن بهواجم النّوى والفرقة. فإذا عنّ لهم من ذلك شىء أبصروا ذلك بنور بصائرهم، فيأخذون في الابتهال، والتضرّع في السؤال استعاذة منها.. كما قالوا:
стр. 1749
أقول- وقد رأيت لها سحابا ... من الهجران مقبلة إلينا
وقد سحّت عزاليها «١» ببين ... حوالينا الصدود ولا علينا
وكما قد يحمل الملّاح بعض الفقراء بلا أجرة طمعا في سلامة السفينة- فهؤلاء «٢» يرجون أن يحملوا في فلك العناية «٣» فى بحار «٤» القدرة عند تلاطم الأمواج حول السفينة.
ومن الملائكة من يتنزّل لتفقد أهل الوصلة، أو لتعزية أهل المصيبة، أو لأنواع من الأمور تتصل بأهل هذه القصة، فهؤلاء القوم يسألونهم عن أحوالهم: هل عندهم خير عن فراقهم ووصالهم- كما قالوا:
بربّكما يا صاحبيّ قفا بيا ... أسائلكم عن حالهم واسألانيا
«إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ. وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ» : الحقّ- سبحانه- وعد المطيعين بالجنة، والتائبين بالرحمة، والأولياء بالقربة، والعارفين بالوصلة، ووعد أرباب المصائب بقوله:
«أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ «٥» » وهم يتصدون لاستبطاء حسن الميعاد- والله رءوف بالعباد.
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٧ الى ٨]
وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)
«ذاتِ الْحُبُكِ» أي ذات الطرائق الحسنة- وهذا قسم ثان، وجوابه: «إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ» يعنى في أمر محمد ﷺ فأحدهم يقول: إنه ساحر، وآخر يقول:
مجنون، وثالث يقول: شاعر.. وغير ذلك.
стр. 1750
والإشارة فيه إلى القسم بسماء التوحيد ذات الزينة بشمس العرفان، وقمر المحبة، ونجوم القرب.. إنكم في باب هذه الطريقة لفى قول مختلف فمن منكر يجحد الطريقة، ومن معترض يعترض على أهلها يتوهّم نقصانهم في القيام بحق الشريعة «١» ، ومن متعسّف «٢» لا يخرج من ضيق حدود العبودية ولا يعرف خبرا عن تخصيص الحقّ أولياءه بالأحوال السنية، قال قائلهم:
قد سحب الناس أذيال الظنون بنا ... وفرّق الناس فينا قولهم فرقا
فكاذب قد رمى بالظنّ غيرتكم ... وصادق ليس يدرى. أنه صدقا
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : آية ٩]
يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)
أي يصرف عنه من صرف، وذلك أنهم كانوا يصدّون الناس عنه «٣» ويقولون:
إنه لمجنون.
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ١٠ الى ١١]
قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (١١)
لعن الكذّابون الذين هم في غمرة الضلالة وظلمة الجهالة ساهون لاهون.
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ١٢ الى ١٤]
يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)
يسألون أيان يوم القيامة؟ يستعجلون بها، فلأجل تكذيبهم بها كانت نفوسهم لا تسكن
стр. 1751
إليها. ويوم هم على النار يحرقون ويعذّبون يقال لهم: قاسوا عقوبتكم، هذا الذي كنتم به تستعجلون.
والإشارة فيه إلى الذين يكذبون في أعمالهم لما يتداخلهم من الرياء، ويكذبون في أحوالهم لما يتداخلهم من الإعجاب، ويكذبون على الله فيما يدّعونه من الأحوال.. قتلوا ولعنوا.. وسيلقون غبّ تلبيسهم بما يحرمون من اشتمام رائحة الصدق.
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ١٥ الى ١٦]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦)
فى عاجلهم في جنّات وصلهم وفي آجلهم في جنّات فضلهم فغدا درجات ونجاة، واليوم قربات ومناجاة، فما هو مؤجّل حظّ أنفسهم، وما هو معجّل حقّ ربّهم. هم آخذين اليوم ما آتاهم ربهم يأخذون نصيبهم منه بيد الشكر والحمد، وغدا يأخذون ما يعطيهم ربّهم في الجنة من فنون العطاء والرّفد.
ومن كان اليوم آخذه بلا واسطة من حيث الإيمان والإتقان، وملاحظة القسمة في العطاء والحرمان. كان غدا آخذه بلا واسطة في الجنان عند اللقاء والعيان. «إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ» كانوا ولكنهم اليوم بانوا «١» ولكنهم بعد ما أعدناهم حصلوا واستبانوا.. فهم كما في الخبر: «أعبد الله كأنك تراه ... » «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ١٧ الى ١٨]
كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) .
стр. 1752
المعنى إمّا: كانوا قليلا وكانوا لا ينامون إلا بالليل (كقوله تعالى: «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» «١» أو: كان نومهم بالليل قليلا، أو:) «٢» كانوا لا ينامون بالليل قليلا «٣» .
«وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» : أخبر عنهم أنهم- مع تهجدهم ودعائهم- ينزلون أنفسهم في الأسحار منزلة العاصين، فيستغفرون استصغارا لقدرهم، واستحقارا لفعلهم.
والليل.. للأحباب في أنس المناجاة، وللعصاة في طلب النجاة. والسّهر لهم في لياليهم دائما إمّا لفرط أسف أو لشدّة لهف، وإمّا لاشتياق أو لفراق- كما قالوا:
كم ليلة فيك لاصباح لها ... أفنيتها قابضا على كبدى
قد غصّت العين بالدموع وقد ... وضعت خدى على بنان يدى
وإمّا لكمال أنس وطيب روح- كما قالوا:
سقى الله عيشا قصيرا مضى ... زمان الهوى في الصبا والمجون
لياليه تحكى انسداد لحاظ ... لعينى عند ارتداد الجفون
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : آية ١٩]
وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)
السائل هو المتكفّف، والمحروم هو المتعفّف- ويقال هو الذي يحرم نفسه بترك السؤال..
هؤلاء هم الذين يعطون بشرط العلم «٤» ، فأمّا أصحاب المروءة: فغير المستحق لمالهم أولى من المستحق «٥» . وأما أهل الفترة فليس لهم مال حتى تتوجه عليهم مطالبة لأنهم أهل الإيثار- فى الوقت- لكلّ ما يفتح عليهم به.
стр. 1753
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٢٠ الى ٢٢]
وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢)
كما أنّ الأرض تحمل كلّ شىء فكذلك العارف يتحمّل كلّ أحد.
ومن استثقل أحدا أو تبرّم برؤية أحد فلغيبته عن الحقيقة، ولمطالعته الخلق بعين التفرقة- وأهل الحقائق لا يتصفون بهذه الصفة.
ومن الآيات التي في الأرض أنها يلقى عليها كلّ قذارة وقمامة- ومع ذلك تنبت كلّ زهر ونور.. كذلك العارف يتشرب كلّ ما يسقى من الجفاء، ولا يترشح إلّا بكل خلق علىّ وشيمة زكيّة «١» .
ومن الآيات التي في الأرض (أنّ ما كان منها سبخا يترك ولا يعمّر لأنه لا يحتمل العمارة- كذلك الذي لا إيمان له بهذه الطريقة يهمل، فمقابلته بهذه الصفة) «٢» كإلقاء البذر في الأرض السبخة.
«وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ» : أي وفي أنفسكم أيضا آيات، فمنها وقاحتها في همتها «٣» ، ووقاحتها في صفتها، ومنها دعاواها العريضة فيما ترى منها وبها، ومنها أحوالها المريضة حين تزعم أنّ ذرّة أو ( ... ) «٤» بها أو منها.
«وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ» : أي قسمة أرزاقكم في السماء، فالملائكة الموكّلون بالأرزاق ينزلون من السماء.
ويقال: السماء هاهنا المطر، فبالمطر ينبت الحبّ والمرعى.
стр. 1754
ويقال: على رب السماء أرزاقكم لأنه ضمنها.
ويقال: قوله: «وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ» وهاهنا وقف ثم تبتدئ: «وَما تُوعَدُونَ» .
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : آية ٢٣]
فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)
أي: إنّ البعث والنشر لحقّ.
ويقال: إنّ نصرى لمحمد ولدينى، وللذى أتاكم به من الأحكام- لحقّ مثل ما أنّكم تنطقون.
كما يقال: هذا حقّ مثل ما أنك هاهنا.
ويقال: معناه: «أنّ الله رازقكم» - هذا القول حقّ مثلما أنكم إذا سئلتم:
من ربّكم؟ ومن خالقكم؟ قلتم: الله.. فكما أنكم تقولون: إن الله خالق- وهذا حقّ..
كذلك القول بأنّ الله رازق- هو أيضا حقّ.
ويقال: كما أنّ نطقك لا يتكلم به غيرك فرزقك لا يأكله غيرك.
ويقال: الفائدة والإشارة في هذه الآية أنه حال برزقك على السماء، ولا سبيل لك إلى العروج إلى السماء لتشتغل بما كلفك ولا تتعنّى في طلب مالا تصل إليه.
ويقال: فى السماء رزقكم، وإلى السماء يرفع عملكم.. فإن أردت أن ينزل عليك رزقك فأصعد إلى السماء عملك- ولهذا قالوا: الصلاة قرع باب الرزق، وقال تعالى: «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً» «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : آية ٢٤]
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)
стр. 1755
قيل في التفاسير: لم يكن قد أتاه خبرهم قبل نزول هذه الاية.
وقيل: كان عددهم اثنى عشر ملكا. وقيل: جبريل وكان معه سبعة. وقيل:
كانوا ثلاثة.
وقوله: «الْمُكْرَمِينَ» قيل لقيامه- ﵇ بخدمتهم. وقيل: أكرم الضيف بطلاقة وجهه، والاستبشار بوفودهم.
وقيل: لم يتكلّف إبراهيم لهم، وما اعتذر إليهم- وهذا هو إكرام الضيف- حتى لا تكون من المضيف عليه منّة فيحتاج الضيف إلى تحملها.
ويقال: سمّاهم مكرمين لأن غير المدعوّ عند الكرام كريم.
ويقال: ضيف الكرام لا يكون إلا كريما.
ويقال: المكرمين عند الله.
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : آية ٢٥]
إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)
أي سلّمنا عليك (سلاما) فقال إبراهيم: لكم منى (سلام) .
وقولهم: «سَلاماً» أي لك منّا سلام، لأنّ السلام: الأمان.
«قَوْمٌ مُنْكَرُونَ» : أي أنتم قوم منكرون لأنه لم يكن يعرف مثلهم في الأضياف.
ويقال: غرباء.
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٢٦ الى ٢٨]
فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨)
أي عدل إليهم من حيث لا يعلمون «١» ، وكذلك يكون الروغان «٢» .