إليها. ويوم هم على النار يحرقون ويعذّبون يقال لهم: قاسوا عقوبتكم، هذا الذي كنتم به تستعجلون.
والإشارة فيه إلى الذين يكذبون في أعمالهم لما يتداخلهم من الرياء، ويكذبون في أحوالهم لما يتداخلهم من الإعجاب، ويكذبون على الله فيما يدّعونه من الأحوال.. قتلوا ولعنوا.. وسيلقون غبّ تلبيسهم بما يحرمون من اشتمام رائحة الصدق.
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ١٥ الى ١٦]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦)
فى عاجلهم في جنّات وصلهم وفي آجلهم في جنّات فضلهم فغدا درجات ونجاة، واليوم قربات ومناجاة، فما هو مؤجّل حظّ أنفسهم، وما هو معجّل حقّ ربّهم. هم آخذين اليوم ما آتاهم ربهم يأخذون نصيبهم منه بيد الشكر والحمد، وغدا يأخذون ما يعطيهم ربّهم في الجنة من فنون العطاء والرّفد.
ومن كان اليوم آخذه بلا واسطة من حيث الإيمان والإتقان، وملاحظة القسمة في العطاء والحرمان. كان غدا آخذه بلا واسطة في الجنان عند اللقاء والعيان. «إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ» كانوا ولكنهم اليوم بانوا «١» ولكنهم بعد ما أعدناهم حصلوا واستبانوا.. فهم كما في الخبر: «أعبد الله كأنك تراه ... » «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ١٧ الى ١٨]
كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) .
стр. 1752
المعنى إمّا: كانوا قليلا وكانوا لا ينامون إلا بالليل (كقوله تعالى: «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» «١» أو: كان نومهم بالليل قليلا، أو:) «٢» كانوا لا ينامون بالليل قليلا «٣» .
«وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» : أخبر عنهم أنهم- مع تهجدهم ودعائهم- ينزلون أنفسهم في الأسحار منزلة العاصين، فيستغفرون استصغارا لقدرهم، واستحقارا لفعلهم.
والليل.. للأحباب في أنس المناجاة، وللعصاة في طلب النجاة. والسّهر لهم في لياليهم دائما إمّا لفرط أسف أو لشدّة لهف، وإمّا لاشتياق أو لفراق- كما قالوا:
كم ليلة فيك لاصباح لها ... أفنيتها قابضا على كبدى
قد غصّت العين بالدموع وقد ... وضعت خدى على بنان يدى
وإمّا لكمال أنس وطيب روح- كما قالوا:
سقى الله عيشا قصيرا مضى ... زمان الهوى في الصبا والمجون
لياليه تحكى انسداد لحاظ ... لعينى عند ارتداد الجفون
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : آية ١٩]
وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)
السائل هو المتكفّف، والمحروم هو المتعفّف- ويقال هو الذي يحرم نفسه بترك السؤال..
هؤلاء هم الذين يعطون بشرط العلم «٤» ، فأمّا أصحاب المروءة: فغير المستحق لمالهم أولى من المستحق «٥» . وأما أهل الفترة فليس لهم مال حتى تتوجه عليهم مطالبة لأنهم أهل الإيثار- فى الوقت- لكلّ ما يفتح عليهم به.
стр. 1753
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٢٠ الى ٢٢]
وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢)
كما أنّ الأرض تحمل كلّ شىء فكذلك العارف يتحمّل كلّ أحد.
ومن استثقل أحدا أو تبرّم برؤية أحد فلغيبته عن الحقيقة، ولمطالعته الخلق بعين التفرقة- وأهل الحقائق لا يتصفون بهذه الصفة.
ومن الآيات التي في الأرض أنها يلقى عليها كلّ قذارة وقمامة- ومع ذلك تنبت كلّ زهر ونور.. كذلك العارف يتشرب كلّ ما يسقى من الجفاء، ولا يترشح إلّا بكل خلق علىّ وشيمة زكيّة «١» .
ومن الآيات التي في الأرض (أنّ ما كان منها سبخا يترك ولا يعمّر لأنه لا يحتمل العمارة- كذلك الذي لا إيمان له بهذه الطريقة يهمل، فمقابلته بهذه الصفة) «٢» كإلقاء البذر في الأرض السبخة.
«وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ» : أي وفي أنفسكم أيضا آيات، فمنها وقاحتها في همتها «٣» ، ووقاحتها في صفتها، ومنها دعاواها العريضة فيما ترى منها وبها، ومنها أحوالها المريضة حين تزعم أنّ ذرّة أو ( ... ) «٤» بها أو منها.
«وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ» : أي قسمة أرزاقكم في السماء، فالملائكة الموكّلون بالأرزاق ينزلون من السماء.
ويقال: السماء هاهنا المطر، فبالمطر ينبت الحبّ والمرعى.
стр. 1754
ويقال: على رب السماء أرزاقكم لأنه ضمنها.
ويقال: قوله: «وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ» وهاهنا وقف ثم تبتدئ: «وَما تُوعَدُونَ» .
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : آية ٢٣]
فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)
أي: إنّ البعث والنشر لحقّ.
ويقال: إنّ نصرى لمحمد ولدينى، وللذى أتاكم به من الأحكام- لحقّ مثل ما أنّكم تنطقون.
كما يقال: هذا حقّ مثل ما أنك هاهنا.
ويقال: معناه: «أنّ الله رازقكم» - هذا القول حقّ مثلما أنكم إذا سئلتم:
من ربّكم؟ ومن خالقكم؟ قلتم: الله.. فكما أنكم تقولون: إن الله خالق- وهذا حقّ..
كذلك القول بأنّ الله رازق- هو أيضا حقّ.
ويقال: كما أنّ نطقك لا يتكلم به غيرك فرزقك لا يأكله غيرك.
ويقال: الفائدة والإشارة في هذه الآية أنه حال برزقك على السماء، ولا سبيل لك إلى العروج إلى السماء لتشتغل بما كلفك ولا تتعنّى في طلب مالا تصل إليه.
ويقال: فى السماء رزقكم، وإلى السماء يرفع عملكم.. فإن أردت أن ينزل عليك رزقك فأصعد إلى السماء عملك- ولهذا قالوا: الصلاة قرع باب الرزق، وقال تعالى: «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً» «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : آية ٢٤]
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)
стр. 1755
قيل في التفاسير: لم يكن قد أتاه خبرهم قبل نزول هذه الاية.
وقيل: كان عددهم اثنى عشر ملكا. وقيل: جبريل وكان معه سبعة. وقيل:
كانوا ثلاثة.
وقوله: «الْمُكْرَمِينَ» قيل لقيامه- ﵇ بخدمتهم. وقيل: أكرم الضيف بطلاقة وجهه، والاستبشار بوفودهم.
وقيل: لم يتكلّف إبراهيم لهم، وما اعتذر إليهم- وهذا هو إكرام الضيف- حتى لا تكون من المضيف عليه منّة فيحتاج الضيف إلى تحملها.
ويقال: سمّاهم مكرمين لأن غير المدعوّ عند الكرام كريم.
ويقال: ضيف الكرام لا يكون إلا كريما.
ويقال: المكرمين عند الله.
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : آية ٢٥]
إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)
أي سلّمنا عليك (سلاما) فقال إبراهيم: لكم منى (سلام) .
وقولهم: «سَلاماً» أي لك منّا سلام، لأنّ السلام: الأمان.
«قَوْمٌ مُنْكَرُونَ» : أي أنتم قوم منكرون لأنه لم يكن يعرف مثلهم في الأضياف.
ويقال: غرباء.
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٢٦ الى ٢٨]
فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨)
أي عدل إليهم من حيث لا يعلمون «١» ، وكذلك يكون الروغان «٢» .
стр. 1756
«فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ» فشواه، وقرّبه منهم وقال: «أَلا تَأْكُلُونَ؟» وحين امتنعوا عن الأكل:
فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ توهّم أنهم لصوص فقالوا له: «لا تَخَفْ» .
«وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ» : أي بشّروه بالولد، وببقاء هذا الولد إلى أن يصير عليما والعليم مبالغة من العلم، وإنما يصير عليما بعد كبره.
[سورة الذاريات (٥١) : آية ٢٩]
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)
«فِي صَرَّةٍ» أي في صيحة شديدة، «فَصَكَّتْ وَجْهَها» أي فضربت وجهها بيدها كفعل النساء «وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ» : أي أنا عجوز عقيم. وقيل: إنها يومها كانت ابنة ثمان وتسعين سنة، وكان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة.
[سورة الذاريات (٥١) : آية ٣٠]
قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)
أي قلنا لك كما قال ربّك لنا، وأن نخبرك أنّ الله هو المحكم لأفعاله، «الْعَلِيمُ» الذي لا يخفى عليه شىء «١»
[سورة الذاريات (٥١) : آية ٣١]
قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١)
سألهم: ما شأنكم؟ وما أمركم؟ وبماذا أرسلتم؟
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٣٢ الى ٣٦]
قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)
стр. 1757
هم قوم لوط، ولم نجد فيها غير لوط ومن آمن به.
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : آية ٣٧]
وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٣٧)
تركنا فيها علامة يعتبر بها الخائفون- دون القاسية قلوبهم «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٣٨ الى ٤٧]
وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)
وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٤٦) وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)
أي بحجة ظاهرة باهرة «٢» .
.... إلى قوله: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ: أي جعلنا بينها وبين الأرض سعة، و «إِنَّا لَقادِرُونَ» : على أن نزيد في تلك «٣» السعة.
[سورة الذاريات (٥١) : آية ٤٨]
وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨)
أي جعلناها مهادا لكم. ثم أثنى على نفسه قائلا: «فَنِعْمَ الْماهِدُونَ» .
دلّ بهذا كلّه على كمال قدرته، وعلى تمام فضله ورحمته.
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : آية ٤٩]
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)
أي صنفين في الحيوان كالذّكر والأنثى، وفي غير الحيوان كالحركة والسكون، والسواد والبياض، وأصناف المتضادات.
стр. 1758
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : آية ٥٠]
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)
أي فارجعوا إلى الله- والإنسان بإحدى حالتين إمّا حالة رغبة في شىء، أو حالة رهبة من شىء، أو حال رجاء، أو حال خوف، أو حال جلب نفع أو رفع ضرّ.. وفي الحالتين ينبغى أن يكون فراره إلى الله فإنّ النافع والضارّ هو الله.
ويقال: من صحّ فراره إلى الله صحّ قراره مع الله.
ويقال: يجب على العبد أن يفرّ من الجهل إلى العلم، ومن الهوى إلى التّقى، ومن الشّكّ إلى اليقين، ومن الشيطان إلى الله.
ويقال: يجب على العبد أن يفرّ من فعله- الذي هو بلاؤه إلى فعله الذي هو كفايته، ومن وصفه الذي هو سخطه إلى وصفه الذي هو رحمته، ومن نفسه- حيث قال: «وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» إلى نفسه حيث قال: «فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ» «١» :
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٥١ الى ٥٣]
وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣)
أخوّفكم أليم عقوبته إن أشركتم به- فإنّه لا يغفر أن يشرك به.
ثم بيّن أنه على ذلك جرت عادتهم في تكذيب الرّسل، كأنهم قد توصوا فيما بينهم بذلك.
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : آية ٥٤]
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)
فأعرض عنهم فليست تلحقك- بسوء صنيعهم- ملامة «٢» قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : آية ٥٥]
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)
ذكّر العاصين عقوبتى ليرجعوا عن مخالفة أمرى، وذكّر المطيعين جزيل ثوابى ليزدادوا
стр. 1759
طاعة وعبادة، وذكّر العارفين ما صرفت عنهم من بلائي، وذكّر الأغنياء ما أتحت «١» لهم من إحسانى وعطائى، وذكّر الفقراء ما أوجبت لهم من صرف الدنيا عنهم وأعددت لهم من لقائى.
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٥٦ الى ٥٨]
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)
الذين اصطفيتهم في آزالى، وخصصتهم- اليوم- بحسن إقبالى، ووعدتهم جزيل أفضالى- ما خلقتهم إلّا ليعبدون.
والذين سخطت عليهم في آزالى، وربطتهم- اليوم- بالخذلان فيما كلّفتهم من أعمالى، وخلقت النار لهم- بحكم إلهيتى ووجوب حكمى في سلطانى- ما خلقتهم إلا لعذابى وأنكالى، وما أعددت لهم من سلاسلى وأغلالى.
ما أريد منهم أن يطعموا أو يرزقوا أحدا من عبادى فإنّ الرزّاق أنا.
وما أريد أن يطعمون فإننى أنا الله «ذُو الْقُوَّةِ» : المتين القوى.
قوله جل ذكره:
[سورة الذاريات (٥١) : آية ٥٩]
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩)
لهم نصيب من العذاب مثل نصيب من سلف من أصحابهم من الكفار فلم استعجال العذاب- والعذاب لن يفوتهم؟.
[سورة الذاريات (٥١) : آية ٦٠]
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)
وهو يوم القيامة.
стр. 1760
سورة الطّور
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .
«بِسْمِ اللَّهِ» كلمة ما استولت على قلب عارف إلّا تيّمته بكشف جلاله، وما استولت على قلب متأفّف إلّا أكرمته بلطف أفضاله.. فهى كلمة قهّارة للقلوب.. ولكن لا لكلّ قلب، مذهبة للكروب.. ولكن لا لكلّ كرب.
قوله جل ذكره:
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)
أقسم الله بهذه الأشياء (التي في مطلع السورة) ، وجواب القسم قوله: «إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ» . والطور هو الجبل الذي كلّم عليه موسى ﵇ لأنه محلّ قدم الأحباب وقت سماع الخطاب. ولأنه الموضع الذي سمع فيه موسى ذكر محمد ﷺ وذكر أمّته حتى نادانا ونحن في أصلاب آبائنا فقال: أعطيتكم قبل أن تسألونى «وَكِتابٍ مَسْطُورٍ» :
مكتوب في المصاحف، وفي اللوح المحفوظ.
وقيل: كتاب الملائكة في السماء يقرءون منه ما كان وما يكون.
ويقال: ما كتب على نفسه من الرحمة لعباده.
ويقال ما كتب من قوله: سبقت رحمتى غضبى «١» .
ويقال: هو قوله: «وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ» «٢» .
стр. 1761
ويقال: الكتاب المسطور فيه أعمال العباد يعطى لعباده بأيمانهم وشمائلهم يوم القيامة.
«فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ» «١» : يرجع إلى ما ذكرنا من الكتاب.
[سورة الطور (٥٢) : آية ٤]
وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)
فى السماء الرابعة «٢» . ويقال: هو قلوب العابدين العارفين المعمورة بمحبته ومعرفته. ويقال:
هى مواضع عباداتهم ومجالس خلواتهم. وقيل: الكعبة.
[سورة الطور (٥٢) : آية ٥]
وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)
هى السماء. وقيل سماء هممهم في الملكوت.
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ٦ الى ٧]
وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧)
البحار المملوءة.
أقسم بهذه الأشياء: إنّ عذابه لواقع. وعذابه في الظاهر ما توعّد به عباده العاصين، وفي الباطن الحجاب بعد الحضور، والستر بعد الكشف، والردّ بعد القبول.
[سورة الطور (٥٢) : آية ٨]
ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨)
إذا ردّ عبدا أبرم القضاء بردّه:
إذا انصرفت نفسى عن الشيء لم تكن ... إليه بوجه آخر- الدهر- تقبل
قوله جل ذكره:
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ٩ الى ١٠]
يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (٩) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (١٠)
«تَمُورُ» : أي تدور بما فيها، وتسير الجبال عن أماكنها، فتسير سيرا.
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ١١ الى ١٢]
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢)
стр. 1762
الويل كلمة تقولها العرب لمن وقع في الهلاك.
«فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ» : فى باطل التكذيب يخوضون.
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ١٣ الى ١٥]
يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥)
يوم يدفعون إلى النار دفعا، ويقال لهم: هذه هي النار التي كنتم بها تكذّبون..
ثم يسألون: أهذا من قبيل السحر على ما قلتم أم غطّى على أبصاركم؟! قوله جل ذكره:
[سورة الطور (٥٢) : آية ١٦]
اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)
والصبر على الجزاء في العاقبة لا قيمة له، لأنّ عذابهم عقوبة لهم:
قوله جل ذكره:
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ١٧ الى ١٨]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨)
المتقون في جنات ونعيم عاجلا وآجلا «١» . «فاكِهِينَ» أي معجبين بما آتاهم ربهم وما أعطاهم.
ويقال: «فاكِهُونَ» : أي ذوو فاكهة: كقولهم رجل تامر أي ذو تمر، ولابن أي ذو لبن.
قوله جل ذكره:
[سورة الطور (٥٢) : آية ١٩]
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩)
قوم يصير لهم ذلك هنيئا بطعمه ولذّته، وقوم يصير هنيئا لهم سماع قولهم
стр. 1763
عنه- سبحانه- هنيئا، وقوم يصير لهم ذلك هنيا ليّنا وهم بمشهد منه:
فاشرب على وجهها كغرّتها ... مدامة في الكئوس كالشّرر
[سورة الطور (٥٢) : آية ٢٠]
مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)
يظلّون في سرور وحبور، ونصيب من الأنس موفور.
قوله جل ذكره:
[سورة الطور (٥٢) : آية ٢١]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)
يكمل عليهم سرورهم بأن يلحق بهم ذرّياتهم فإنّ الانفراد بالنعمة عمّن القلب مشتغل به من الأهل والولد والذرية يوجب تنغص العيش.
وكذلك كلّ من قلب الولىّ يلاحظه من صديق وقريب، ووليّ وخادم، قال تعالى فى قصة يوسف: «وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ» وفي هذا المعنى قالوا:
إنّى على جفواتها- فبربّها ... وبكلّ متّصل بها متوسّل
لأحبها، وأحبّ منزلها الذي ... نزلت به وأحب أهل المنزل
«وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ» أي ما أنقصنا من أجورهم من شىء بل وفينا ووفّرنا. وفي الابتداء نحن أولينا وزدنا على ما أعطينا.
стр. 1764
«كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ» مطالب بعمله، يوفيّ عليه أجره بلا تأخير، وإن كان ذنبا فالكثير منه مغفور، كما أنه اليوم مستور.
قوله جل ذكره:
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ٢٢ الى ٢٣]
وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣)
أي لا يجرى بينهم باطل ولا يؤثمهم كما يجرى بين الشّرب «١» فى الدنيا، ولا يذهب الشّرب بعقولهم فيجرى بينهم ما يخرجهم عن حدّ الأدب والاستقامة.
وكيف لا يكون مجلسهم بهذه الصفة ومن المعلوم من يسقيهم، وهم بمشهد منه وعلى رؤية منه؟.
قوله جل ذكره:
[سورة الطور (٥٢) : آية ٢٤]
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)
والقوم عن الدار وعمّن في الدار مختطفون لاستيلاء ما يستغرقهم فالشراب يؤنسهم ولكن لا بمن يجانسهم «٢» وإذا كان- اليوم- للعبد وهو في السجن في طول عمره ساعة «٣» امتناع عن سماع خطاب الأغيار، وشهود واحد من المخلوقين- وإن كان ولدا عزيزا، أو أخا شفيقا- فمن المحال أن يظن أنه يردّ من الأعلى إلى الأدنى.. إن كان من أهل القبول والجنة، ومن المحال أن يظن أنه يكون غدا موسوما بالشقاوة.
وإذا كان العبد في الدنيا يقاسى في غربته من مقاساة اللتيا والتي- فماذا يجب أن يقال إذا
стр. 1765
رجع إلى منزله؟ أيبقى على ما كان عليه في سفرته؟ أم يلقى غير ما كان يقاسى في سفرته، ويتجرع غير ما كان يسقى من كاسات كربته؟.
قوله جل ذكره:
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ٢٥ الى ٢٨]
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)
لولا أنهم قالوا: «فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا» لكانوا قد لا حظوا إشفاقهم، ولكن الحقّ- سبحانه- اختطفهم عن شهود إشفاقهم حيث أشهدهم منّته عليهم حتى قالوا: «فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا، وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ» .
قوله جل ذكره:
[سورة الطور (٥٢) : آية ٢٩]
فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩)
أي أنهم يعلمون أنك ليست بك كهانة ولا جنون، وإنما قالوا ذلك على جهة التسفيه فالسّفيه يبسط لسانه فيمن يسبّه بما يعلم أنه منه برىء.
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ٣٠ الى ٣١]
أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١)
نتربص به حوادث الأيام فإنّ مثل هذا لايدوم، وسيموت كما مات من قبله كهّان وشعراء.
ويقال: قالوا: إنّ أباه مات شابا، ورجوا أن يموت كما مات أبوه، فقال تعالى:
«قُلْ تَرَبَّصُوا ... » فإننا منتظرون، وجاء في التفسير أنّ جميعهم ماتوا. فلا ينبغى لأحد أن يؤمّل موت أحد. فقل من تكون هذه صنعته إلّا سبقته المنيّة- دون أن يدرك ما يتمنّاه من الأمنيّة.
стр. 1766
قوله جل ذكره:
[سورة الطور (٥٢) : آية ٣٢]
أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢)
أتأمرهم عقولهم «١» بهذا؟ أم تحملهم مجاوزة الحدّ في ضلالهم وطغيانهم على هذا؟
قوله جل ذكره:
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ٣٣ الى ٣٤]
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤)
إذا كانوا يزعمون أنك تقول هذا القول «٢» من ذات نفسك فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين فيما رموك به! قوله جل ذكره:
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ٣٥ الى ٣٨]
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨)
كلّا ليس الأمر كذلك، بل الله هو الخالق وهم المخلوقون.
أم هم الذين خلقوا السماوات والأرض؟ أم عندهم خزائن ربّك.
- أي خزائن أرزاقه ومقدوراته؟ أم هم المسيطرون المتسلّطون على الناس؟.
أم لهم سلّم يرتقون فيه فيستمعون ما يجرى في السماوات؟ فليأت مستمعهم بسلطان مبين.
ثم إنه سفّه أحلامهم فقال:
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ٣٩ الى ٤٣]
أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)
أم تسألهم على تبليغ الرسالة أجرا فهم مثقلون من الغرم والإلزام في المال (بحيث يزهدهم ذلك في اتباعك؟.
стр. 1767
أم عندهم علم الغيب فهم يكتبون ذلك؟
أم يريدون كيدا «١» أي أن يمكروا بك مكرا فالذين كفروا هم المكيدون.
أم لهم إله غير الله يفعل شيئا مما يفعل الله؟ تنزيها له عن ذلك!.
قوله جل ذكره:
[سورة الطور (٥٢) : آية ٤٤]
وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)
أي إن رأوا قطعة من السماء ساقطة عليهم قالوا: إنه سحاب مركوم «٢» ركم بعضه على بعض والمقصود أنهم مهما رأوا من الآيات لا يؤمنون. ولو فتحنا عليهم بابا من السماء حتى شاهدوا بالعين لقالوا: إنما سكرت أبصارنا، وليس هذا عيانا ولا مشاهدة.
قوله جل ذكره:
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ٤٥ الى ٤٦]
فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦)
أي فأعرض عنهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يموتون، يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئا، ولا يمنعون من عذابنا.
قوله جل ذكره:
[سورة الطور (٥٢) : آية ٤٧]
وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٧)
دون يوم القيامة لهم عذاب القتل والسّبى، وما نزل بهم من الهوان والخزي يوم بدر وغيره «٣» .
«وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» : أنّ الله ناصر لدينه.
قوله جل ذكره:
[سورة الطور (٥٢) : آية ٤٨]
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) .
стр. 1768
أنت بمرأى منّا، وفي نصرة منّا.
«فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا» «١» : فى هذا تخفيف عليه وهو يقاسى الصبر.
«وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ» .
أي تقوم للصلاة المفروضة عليك.
[سورة الطور (٥٢) : آية ٤٩]
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)
قيل: المغرب والعشاء وركعتا الفجر.
وفي الآية دليل وإشارة إلى أنه أمره أن يذكره في كلّ وقت، وألا يخلو وقت من ذكره.
والصبر لحكم الله شديد، ولكن إذا عرف اطلاع الربّ عليه سهل عليه ذلك وهان.
стр. 1769
سورة النّجم
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .
«بِسْمِ اللَّهِ» اسم حليم رحيم، يحلم «١» فيما يعلم، ويستر ما يبصر ويغفر «٢» ، وعلى العقوبة يقدر، يرى ويخفى، ويعلم ولا يبدى.
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢)
والثريا إذا سقط وغرب. ويقال: هو جنس النجوم أقسم بها.
(ويقال: هى الكواكب) «٣» . ويقال: أقسم بنجوم القرآن على النبي ﷺ ويقال هي الكواكب التي ترمى بها الشياطين.
ويقال أقسم بالنبي ﷺ عند منصرفه من المعراج.
ويقال: أقسم بضياء قلوب العارفين ونجوم عقول الطالبين.
وجواب القسم قوله: «ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى» : أي ما ضلّ عن التوحيد قط، «وَما غَوى» : الغىّ: نقيض الرّشد.. وفي هذا تخصيص للنبى ﷺ حيث توليّ- سبحانه- الذّبّ عنه فيما رمى به، بخلاف ما قال لنوح ﵇ وأذن له حتى قال: «لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ «٤» » ، وهود قال: «لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ «٥» » .. وغير ذلك، وموسى
стр. 1770
قال لفرعون: «وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً» «١» . وقال لنبينا ﷺ :
«ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى» : معناه ما ضلّ صاحبكم، ولا غفل عن الشهود طرفة عين.
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٣ الى ٤]
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (٤)
أي ما ينطق بالهوى، وما هذا القرآن إلا وحي يوحى. وفي هذا أيضا تخصيص له بالشهادة إذ قال لداود: «فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى» «٢» .
وقال في صفة نبيّنا ﷺ : «وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى» .
(ومتى ينطق عن الهوى وهو في محل النجوى؟ فى الظاهر مزموم بزمام التقوى، وفي السرائر في إيواء المولى، مصفّى عن كدورات البشرية، مرقّى إلى شهود الأحدية، مكاشف بجلال الصمدية، مختطف عنه بالكلّيّة، لم تبق منه إلا للحقّ بالحقّ بقية.. ومن كان بهذا النعت.. متى ينطق عن الهوى؟) «٣» .
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٥ الى ٧]
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧)
أي جبريل ﵇. و «ذُو مِرَّةٍ» : أي ذو قوة وهو جبريل. «وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى» أي جبريل.
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٨ الى ٩]
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩)
دنا جبريل من محمد ﵇، فتدلّى جبريل: أي نزل من العلوّ إلى محمد.
وقيل: «فَتَدَلَّى» تفيد الزيادة في القرب، وأنّ محمدا ﵇ هو الذي دنا من ربّه دنوّ كرامة، وأنّ التدلّى هنا معناها السجود.
стр. 1771
ويقال: دنا محمد من ربّه بما أودع من لطائف المعرفة وزوائدها، فتدلّى بسكون قلبه إلى ما أدناه.
«فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى» : فكان جبريل- وهو في صورته التي هو عليها- من محمد ﷺ بحيث كان بينهما قدر قوسين أو أدنى.
ويقال: كان بينه- ﷺ وبين الله قدر قوسين: أراد به دنوّ كرامة لا دنوّ مسافة.
ويقال: كان من عادتهم إذا أرادوا تحقيق الألفة بينهم إلصاق أحدهم قوسه بقوس صاحبه عبارة عن «١» عقد الموالاة بينهما، وأنزل الله- سبحانه- هذا الخطاب على مقتضى معهودهم. ثم رفع الله هذا فقال: «أَوْ أَدْنى» أي بل أدنى.
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : آية ١٠]
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠)
أي أوحى الله إلى محمد ما أوحى. ويقال: أحمله أحمالا «٢» لم يطلّع عليها أحد.
ويقال: قال له: ألم أجدك يتيما فآويتك؟ ألم أجدك ضالا فهديتك؟
ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ ألم أشرح لك صدرك؟
ويقال: بشّره بالحوض والكوثر.
ويقال: أوحى إليه أنّ الجنّة محرّمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتّك. والأولى أن يقال: هذا الذي قالوه كله حسن، وغيره مما لم يطّلع أحد.. كله أيضا كان له في تلك الليلة وحده إذ رقّاه إلى ما رقّاه، ولقّاه بما لقّاه، وأدناه حيث لا دنوّ قبله ولا بعده، وأخذه عنه حيث لا غير، وأصحاه له في عين ما محاه عنه، وقال له ما قال.. دون أن يطّلع أحد على ما كان بينهما من السّرّ «٣» .
стр. 1772
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : آية ١١]
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١)
ما كذّب فؤاد محمد ﷺ ما رآه ببصره من الآيات. وكذلك يقال: رأى ربّه تلك الليلة على الوصف الذي علمه قبل أن يراه «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : آية ١٢]
أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢)
أفتجادلونه على ما يرى؟
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ١٣ الى ١٥]
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥)
أي جبريل رأى الله مرة أخرى حين كان محمد عند سدرة المنتهى وهي شجرة في الجنة، وهي منتهى الملائكة، وقيل: تنتهى إليها أرواح الشهداء. ويقال: تنتهى إليها أرواح الخلق، ولا يعلم ما وراءها إلا الله تعالى- وعندها «جَنَّةُ الْمَأْوى» وهي جنة من الجنان.
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : آية ١٦]
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦)
يغشاها ما يغشاها من الملائكة ما الله أعلم به.
وفي خبر: يغشاها رفرف طير خضر.
ويقال: يغشاها فراش من ذهب.
стр. 1773
ويقال: أعطى رسول الله (ص) عندها خواتيم البقرة، وغفر لمن مات من أمّته لا يشرك بالله شيئا.
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : آية ١٧]
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧)
ما مال- صلوات الله عليه وسلامه- ببصره عمّا أبيح له من النظر إلى الآيات، والاعتبار بدلائلها.
فما جاوز حدّه، بل راعى شروط الأدب في الحضرة «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : آية ١٨]
لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨)
أي «الْآيَةَ» الكبرى، وحذف الآية.. وهي تلك التي رآها في هذه الليلة. ويقال:
هى بقاؤه في حال لقائه ربّه بوصف الصّحو، وحفظه حتى رآه «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ١٩ الى ٢٢]
أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢)
هذه أصنام كانت العرب تعبدها فاللات صنم لثقيف، والعزّى شجرة لغطفان، ومناة صخرة لهذيل وخزاعة «٣» .
ومعنى الآية: أخبرونا.. هل لهذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله من القدرة أن تفعل بعائذ بها ما فعلنا نحن لمحمد ﷺ من الرّتب والتخصيص؟.
стр. 1774
ثم وبّخهم فقال: أرأيتم كيف تختارون لأنفسكم البنين وتنسبون البنات إلى الله؟ تلك إذا قسمة ناقصة! قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : آية ٢٣]
إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣)
أنتم ابتدعتم هذه الأسماء من غير أن يكون الله أمركم بهذا، أو أذن لكم به.
فأنتم تتبعون الظنّ، «وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً» «١» «وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى» : فأعرضوا عنه، وكما أنّ ظنّ الكفار أوجب لهم الجهل والحيرة والحكم بالخطأ- فكذلك في هذه الطريقة «٢» : من عرّج على أوصاف الظنّ لا يحظى «٣» بشىء من الحقيقة فليس في هذا الحديث إلا القطع والتحقّق، فنهارهم قد متع «٤» ، وشمسهم قد طلعت، وعلومهم أكثرها صارت ضرورية.
أمّا الظنّ الجميل بالله فليس من هذا الباب، والتباس عاقبة الرجل عليه ليس «٥» أيضا من هذه الجملة ذات الظن المعلول في الله، وفي صفاته وأحكامه.
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : آية ٢٤]
أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (٢٤)
أي ليس «٦» للإنسان ما يتمنّاه فإنّه يتمنى طول الحياة والرفاهية وخصب العيش..
وما لا نهاية له، ولكنّ أحدا لا يبلغ ذلك بتمامه.
стр. 1775
ويقال: ما يتمنّاه الإنسان أن يرتفع مراده واجبا في كل شىء- وأن يرتفع مراد عبد واجبا في كل شىء ليس من صفات الخلق بل هو لله، الذي له ما يشاء:
[سورة النجم (٥٣) : آية ٢٥]
فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥)
له الآخرة والأولى خلقا وملكا، فهو الملك المالك صاحب الملك التام. فأمّا المخلوق فالنقص لازم للكلّ.
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : آية ٢٦]
وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦)
وهذا ردّ عليهم حيث قالوا: إنّ الملائكة شفعاؤنا عند الله «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٢٧ الى ٢٨]
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (٢٨)
هذه التّسمية من عندهم، وهم لا يتبعون فيها علما أو تحقيقا.. بل ظنّا- والظنّ لا يفيد شيئا.
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٢٩ الى ٣٠]
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠)
أي أعرض عمّن أعرض عن القرآن والإيمان به وتدبّر معانيه، ولم يرد إلا الحياة الدنيا.
стр. 1776
ذلك مبلغهم من العلم وإنما رضوا بالدنيا لأنهم لم يعلموا حديث الآخرة، وإنّ ربّك عليم بالضالّ، عليم بالمهتدي ... وهو يجازى كلّا بما يستحق.
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : آية ٣١]
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)
يجزى الذين أساءوا بالعقوبات، ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى.
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : آية ٣٢]
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢)
الذنوب كلّها كبائر لأنها مخالفة لأمر الله، ولكنّ بعضها أكبر من بعض. ولا شىء أعظم من الشّرك. «وَالْفَواحِشَ» المعاصي.
«إِلَّا اللَّمَمَ» : تكلموا فيه، وقالوا: إنه استثناء منقطع، واللمم ليس بإثم ولا من جملة الفواحش.
ويقال: اللمم من جملة الفواحش ولكن فيها اشتباها- فأخبر أنه يغفرها.
ويقال: اللمم هو أن يأتى المرء ذلك ثم يقلع عنه بالتوبة.
وقال بعض السّلف: هو الوقعة من الزّنا تحصل مرة ثم لا يعود إليها، وكذلك شرب الخمر، والسرقة.. وغير ذلك، ثم لا يعود إليها.
ويقال: هو أن يهم بالزّلّة ثم لا يفعلها.
ويقال: هو النّظر. ويقال: ما لا حدّ عليه من المعاصي، وتكفّر عنه الصلوات.
(والأصحّ أنه استثناء منقطع وأن اللمم ليس من جملة المعاصي) «١» .
قوله جل ذكره: إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى
стр. 1777
«إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ» : يعنى خلق آدم.
ويقال: تزكية النّفس من علامات كون المرء محجوبا عن الله لأنّ المجذوب إلى الغاية والمستغرق في شهود ربّه لا يزكّى نفسه «١» .
«هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى» : لأنه أعلم بكم منكم.
ويقال: من اعتقد أنّ على البسيطة أحدا شرّ منه فهو متكبّر.
ويقال: المسلم يجب أن يكون بحيث يرى كلّ مسلم خيرا منه فإن رأى شيخا، قال:
هو أكثر منّى طاعة وهو أفضل منّى، وإن رأى شابا قال: هو أفضل منى لأنه أقلّ منّى ذنبا.
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٣٣ الى ٣٤]
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى (٣٤)
أعرض عن الحقّ، وتصدّق بالقليل. «وَأَكْدى» أي قطع عطاءه.
[سورة النجم (٥٣) : آية ٣٥]
أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥)
«فَهُوَ يَرى» : فهو يعلم صحّة ذلك. يقال: هو المنافق الذي يعين على الجهاد قليلا ثم يقطع ذلك:
«أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ» : فهو يرى حاله في الآخرة؟
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٣٦ الى ٣٧]
أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) .
стр. 1778
أم لم ينبّأ هذا الكافر بما في صحف موسى، وصحف إبراهيم الذي وفّى أي أتمّ ما طولب به في نفسه وماله وولده.
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٣٨ الى ٤١]
أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١)
الناس في سعيهم مختلفون فمن كان سعيه في طلب الدنيا خسرت صفقته، ومن كان سعيه في طلب الجنة ربحت صفقته، ومن كان سعيه في رياضة نفسه وصل إلى رضوان الله، ومن كان سعيه في الإرادة شكر الله سعيه ثم هداه إلى نفسه.
وأمّا المذنب- فإذا كان سعيه في طلب غفرانه، وندم القلب على ما اسودّ من ديوانه، فسوف يجد من الله الثواب والقربة والكرامة والزلفة.
ومن كان سعيه في عدّ أنفاسه مع الله لا يعرّج على تقصير، ولا يفرّط في مأمور فسيرى جزاء سعيه مشكورا في الدنيا والآخرة، ثم يشكره بأن يخاطبه في ذلك المعنى بإسماعه كلامه من غير واسطة: عبدى، سعيك مشكور، عبدى، ذنبك مغفور.
«ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى» : هو الجزاء الأكبر والأجلّ، جزاء غير مقطوع ولا ممنوع.
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : آية ٤٢]
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢)
إليه المرجع والمصير، فابتداء الأشياء من الله خلقا، وانتهاء الأشياء إلى الله مصيرا.
ويقال: إذا انتهى الكلام إلى الله تعالى فاسكتوا.
ويقال: إذا وصل العبد إلى معرفة الله فليس بعده شىء إلا ألطافا من مال أو منال أو تحقيق آمال أو أحوال.. يجريها على مراده- وهي حظوظ للعباد.
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : آية ٤٣]
وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣)
أراد به الضحك والبكاء المتعارف عليهما بين الناس فهو الذي يجريه ويخلقه.
стр. 1779
ويقال: أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر.
ويقال: أضحك أهل الجنة بالجنة، وأبكى أهل النار بالنار.
ويقال: أضحك المؤمن في الآخرة وأبكاه في الدنيا، وأضحك الكافر في الدنيا وأبكاه في الآخرة.
ويقال: أضحكهم في الظاهر، وأبكاهم بقلوبهم.
ويقال: أضحك المؤمن في الآخرة بغفرانه، وأبكى الكافر بهوانه.
ويقال: أضحك قلوب العارفين بالرضا، وأبكى عيونهم بخوف الفراق.
ويقال: أضحكهم برحمته، وأبكى الأعداء بسخطه.
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : آية ٤٤]
وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤)
أماته في الدنيا، وأحياه في القبر فالقبر إما للراحة وإما للإحساس بالعقوبة.
ويقال: أماته في الدنيا، وأحياه في الحشر.
ويقال: أمات نفوس الزاهدين بالمجاهدة، وأحيا قلوب العارفين بالمشاهدة.
ويقال: أمات نفوسهم بالمعاملات، وأحيا قلوبهم بالمواصلات.
ويقال: أماتها بالهيبة، وأحياها بالأنس.
ويقال: بالاستتار، والتجلّى.
ويقال: بالإعراض عنه، والإقبال عليه.
ويقال: بالطاعة، والمعصية.
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : آية ٤٥]
وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥)
سماهما زوجين لازدواجهما عند خلقهما من النّطفة.
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : آية ٤٨]
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨)
«أَغْنى» : أعطى الغنى، «أَقْنى» : أكثر القنية أي المال. وقيل «أَقْنى» :
أي أحوجه إلى المال- فعلى هذا يكون المعنى: أنه خلق الغنى والفقر.
стр. 1780
ويقال: «أَقْنى» أي أرضاه بما أعطاه «١» .
ويقال: «أَغْنى» أي أقنع، «وَأَقْنى» : أي أرضى.
[سورة النجم (٥٣) : آية ٤٩]
وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩)
(الشّعرى: كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها فأعلم الله أنه ربّ معبودهم هذا) «٢» .
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٥٠ الى ٥٢]
وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢)
عاد الأولى هم قوم هود، وعاد الأخرى هي إرم ذات العماد، كما أهلك ثمودا فما أبقى منهم أحدا. وأهلك من قبلهم قوم نوح الذين كانوا أظلم من غيرهم وأغوى لطول أعمارهم، وقوة أجسادهم.
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٥٣ الى ٥٤]
وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤)
أي المخسوف بها، وهي قرى قوم لوط، قلبها جبريل عليهم، فهى مقلوبة معكوسة.
وقوله: «أَهْوى» أي: أسقطها الله إلى الأرض بعد ما اقتلعها من أصلها، ثم عكسها وألقاها في الأرض، فغشاها ما غشاها من العذاب.
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : آية ٥٥]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥)
فبأى آلاء ربك- أيها الإنسان- تتشكك؟ وقد ذكر هذا بعد ما عدّ إنعامه عليهم وإحسانه إليهم.
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : آية ٥٦]
هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) .
стр. 1781
هو محمد ﷺ ، أرسلناه نذيرا كما أرسلنا الرّسل الآخرين.
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٥٧ الى ٥٨]
أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (٥٨)
أي قربت القيامة. ولا يقدر أحد على إقامتها إلا الله، وإذا أقامها فلا يقدر أحد على ردّها وكشفها إلا الله.
ويقال: إذا قامت قيامة هذه الطائفة- اليوم- فليس لها كاشف غيره. وقيامتهم تقوم فى اليوم غير مرّة. نقوم بالهجر والنّوى والفراق.
قوله جل ذكره:
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٥٩ الى ٦١]
أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١)
أفمن هذا القرآن تعجبون، وتكونون في شكّ، وتستهزئون؟
[سورة النجم (٥٣) : آية ٦٢]
فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)
: أي لاهون..
فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا: فاسجدوا لله ولا تعبدوا سواه «١» .
стр. 1782
سورة القمر
«١» قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» : كلمة بها نور القلوب والأبصار، وبعرفانها يحصل سرور الأرواح والأسرار.
كلمة تدلّ على جلاله- الذي هو استحقاقه لأوصافه. كلمة تدل على نعته الذي هو غاية أفضاله وألطافه.
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)
أجمع أهل التفسير على أنّ القمر قد انشقّ على عهد الرسول ﷺ .
قال ابن مسعود «٢» : «رأيت حراء بين فلقتى القمر» ولم يوجد لابن مسعود مخالف في ذلك فقد روى أيضا عن أنس وابن عمر وحذيفة وابن عباس وجبير بن مطعم.. كلهم رووا هذا الخبر.
وفيه إعجاز من وجهين: أحدهما رؤية من رأى ذلك، والثاني خفاء مثل ذلك على من لم يره لأنه لا ينكتم مثله في العادة فإذا خفى كان نقض العادة.
وأهل مكة رأوا ذلك، وقالوا: إنّ محمدا قد سحر القمر.
ومعنى «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ» : أي ما بقي من الزمان إلى القيامة إلا قليل بالإضافة إلى ما مضى.
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ٢ الى ٣]
وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣)
стр. 1783
يعنى أن أهل مكة إذا رأوا آية من الآيات أعرضوا عن النظر فيها، ولو نظروا لحصل لهم العلم واجبا.
«سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ» : أي دائم قويّ شديد.. (ويقال إنهم قالوا: هذا ذاهب لا تبقى مدته) «١» فاستمر: أي ذهب.
«وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ» : التكذيب واتباع الهوى قريبان فإذا حصل اتباع الهوى فمن شؤمه يحصل التكذيب لأنّ الله يلبّس على قلب صاحبه حتى لا يستبصر «٢» الرشد.
أما اتباع الرضا فمقرون بالتصديق لأنّ الله ببركات اتباع الحقّ يفتح عين البصيرة فيحصل التصديق.
وكلّ امرئ جرت له القسمة والتقدير فلا محالة يستقر له حصول ما قسم وقدّر له.
«وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ» : يستقر عمل المؤمن فتوجب له الجنة، ويستقر عمل الكافر فيجازى.
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ٤ الى ٥]
وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥)
جاءهم من أخبار الأنبياء والأمم الذين من قبلهم والأزمنة الماضية ما يجب أن يحصل به الارتداع، ولكنّ الحقّ- سبحانه- أسبل على بصائرهم سجوف الجهل فعموا عن مواضع الرشد.
«حِكْمَةٌ بالِغَةٌ..» : بدل من (ما) فيما سبق: (ما فيه مزدجر) .
والحكمة البالغة هي الصحيحة الظاهرة الواضحة لمن تفكّر فيها.
«فَما تُغْنِ النُّذُرُ» : وأي شىء يغنى إنذار النذير وقد سبق التقدير لهم بالشقاء؟
стр. 1784
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ٦ الى ٧]
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧)
«فَتَوَلَّ عَنْهُمْ» : هاهنا تمام الكلام- أي فأعرض عنهم، وهذا قبل الأمر بالقتال.
ثم استأنف الكلام: «يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ ... » والجواب: «يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ» - أراد به يوم القيامة.
ومعنى «نُكُرٍ» : أي شىء ينكرونه (بهوله وفظاعته) «١» وهو يوم البعث والحشر.
وقوله: «خُشَّعاً» منصوب على الحال، أي يخرجون من الأجداث- وهي القبور- خاشعى الأبصار.
[سورة القمر (٥٤) : آية ٨]
مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)
كأنهم كالجراد لكثرتهم وتفرقهم، «مُهْطِعِينَ» : أي مديمى النظر إلى الداعي- وهو إسرافيل.
«يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» : لتوالى الشدائد التي فيه.
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ٩ الى ١١]
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)
كذب قوم نوح نبيّهم، وقالوا: إنه مجنون، وزجروه وشتموه.
وقيل: «ازْدُجِرَ» : أي استطار عقله، أي قوم نوح قالوا له ذلك.
فدعا ربّه فقال: إنى مغلوب أي بتسلّط قومى عليّ فلم يكن مغلوبا بالحجّة لأنّ الحجّة كانت عليهم، فقال نوح لله: اللهمّ فانتصر منهم أي انتقم.
стр. 1785
ففتحنا أبواب السماء بماء منصبّ، وشققنا عيونا بالماء، فالتقى ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قدّر في اللوح المحفوظ، وقدر عليه بإهلاكهم! وفي التفاسير: أن الماء الذي نبع من الأرض نضب. والماء الذي نزل من السماء هو البخار اليوم.
[سورة القمر (٥٤) : آية ١٣]
وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣)
وحملنا نوحا على «ذاتِ أَلْواحٍ» أي سفينة، «وَدُسُرٍ» يعنى المسامير وهي جمع دسار أي مسمار.
[سورة القمر (٥٤) : آية ١٤]
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤)
«بِأَعْيُنِنا» : أي بمرأى منّا. وقيل: تجرى بأوليائنا.
ويقال: بأعين ملائكتنا الذين وكلناهم لحفظهم.
ويقال: بأعين الماء الذي أنبعناه من أوجه الأرض.
«جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ» : أي الذين كفروا بنوح «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : آية ١٥]
وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)
جعلنا أمر السفينة علامة بيّنة لمن يعتبر بها.
«فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» : فهل منكم من يعتبر؟. أمرهم بالاعتبار بها «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : آية ١٦]
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦)
قالها على جهة التعظيم لأمره.
وقد ذكر قصة نوح هنا على أفصح بيان وأقصر كلام وأتمّ معنى «٣» .
стр. 1786
وكان نوح- ﵇ أطول الأنبياء عمرا، وأشدّهم للبلاء مقاساة ثم إن الله- سبحانه- لما نجّى نوحا متّعه بعد هلاك قومه ومتع أولاده، فكلّ من على وجه الأرض من أولاد نوح ﵇. وفي هذا قوة لرجاء أهل الدين، إذا لقوا في دين الله محنة فإنّ الله يهلك- عن قريب- عدوّهم، ويمكّنهم من ديارهم وبلادهم، ويورثهم ما كان إليهم.
وكذلك كانت قصة موسى ﵇ مع فرعون وقومه، وسنة الله في جميع أهل الضلال أن يعزّ أولياءه بعد أن يزهق أعداءه.
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : آية ١٧]
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)
يسّرنا قراءته على ألسنة الناس، ويسّرنا علمه على قلوب قوم، ويسّرنا فهمه على قلوب قوم، ويسّرنا حفظه على قلوب قوم، وكلّهم أهل القرآن، وكلّهم أهل الله وخاصته.
ويقال: كاشف الأرواح من قوم- بالقرآن- قبل إدخالها في الأجساد.
«فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» لهذا العهد الذي جرى لنا معه.
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ١٨ الى ٢٠]
كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)
كذّبوا هودا، فأرسلنا عليهم «رِيحاً صَرْصَراً» أي: باردة شديدة الهبوب، يسمع لها صوت.
«فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ» أي: فى يوم شؤم استمرّ فيه العذاب بهم، ودام ذلك فيهم ثمانية أيام وسبع ليال. وقيل: دائم الشؤم تنزع رياحه الناس عن حفرهم التي حفروها م (٣٢) لطائف الإشارات- ج ٣-
стр. 1787
حتى صاروا كأنهم أسافل نخل منقطع. وقيل: كانت الريح تقتلع رءوسهم عن مناكبهم ثم تلقى بهم كأنهم أصول نخل قطعت رءوسها.
[سورة القمر (٥٤) : آية ٢٢]
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)
هوّنا قراءته وحفظه فليس كتاب من كتب الله تعالى يقرأ ظاهرا إلّا القرآن.
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ٢٣ الى ٢٤]
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)
هم قوم صالح. وقد مضى القول فيه، وما كان من عقرهم للناقة.. إلى أن أرسل الله عليهم صيحة واحدة أوجبت هذا الهلاك، فصيّرهم كالهشيم، وهو اليابس من النبات، «الْمُحْتَظِرِ» : أي: المجعول في الحظيرة، أو الحاصل في الخطيرة «١» ..
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ٣٤ الى ٣٧]
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧)
فأرسلنا عليهم «حاصِباً» : أي: حجارة رموا بها.
«كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ» : أي: جعلنا إنجاءهم في إهلاك أعدائهم.
وهكذا نجزى من شكر فمثل هذا نعامل به من شكر نعمتنا.
والشّكر على نعم الدفع أتمّ من الشكر على نعم النفع- ولا يعرف ذلك إلا كلّ موفّق كيّس.
«فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ»
стр. 1788
جاء جبريل ومسح بجناحه على وجوههم فعموا، ولم يهتدوا «١» للخروج- وكذلك أجرى سنّته في أوليائه أن يطمس على قلوب أعدائهم حتى يلبس عليهم كيف يؤذون أولياءه ثم يخلّصهم من كيدهم.
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : آية ٤٥]
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)
أخبر أنه يفعل هذا بأعداء الرسول ﷺ ، وحقّق ذلك يوم بدر، فصار ذلك من معجزاته صلوات الله عليه وسلامه «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : آية ٤٨]
يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)
سحبهم على الوجوه أمارة لإذلالهم، ولو كان ذلك مرة واحدة لكانت عظيمة- فكيف وهو التأبيد والتخليد؟!.
وكما أنّ أمارة الذّلّ تظهر على وجوههم فعلامة إعزاز المؤمنين وإكرامهم تظهر على وجوههم، قال تعالى: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ» «٣» . وقال: «تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ «٤» » .
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : آية ٤٩]
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩)
أي بقدر مكتوب في اللوح المحفوظ.
ويقال: خلقناه بقدر ما علمنا وأردنا وأخبرنا.
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : آية ٥٠]
وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)
أي إذا أردنا خلق شىء لا يتعسّر ولا يتعذّر علينا، نقول له: كن- فيكون
стр. 1789
بقدرتنا. ولا يقتضى هذا استئناف «١» قول في ذلك الوقت ولكن استحقاق أن يقال لقوله القديم أن يكون أمرا لذلك المكون إنما يحصل في ذلك الوقت.
«كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ» : أي كما أن هذا القدر عندكم (أي قدر ما يلمح أحدكم ببصره) لا تلحقكم به مشقة- كذلك عندنا: إذا أردنا نخلق شيئا- قل أو كثر، صغر أو كبر- لا تلحقنا فيه مشقة.
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : آية ٥١]
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١)
أي أهلكنا القرون التي كانت قبلكم فكلّهم أمثالكم من بنى آدم ...
[سورة القمر (٥٤) : آية ٥٢]
وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢)
فى اللوح المحفوظ مكتوب قبل أن يعمله «٢» . وفي صحيفة الملائكة مكتوب. لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها..
[سورة القمر (٥٤) : آية ٥٣]
وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)
كلّ صغير من الخلق، وكلّ كبير من الخلق- تخترمه المنيّة.
ويقال: كلّ صغير من الأعمال وكبير مكتوب في اللوح المحفوظ، وفي ديوان الملائكة.
وتعريف الناس عما يكتبه الملائكة هو على جهة التخويف لئلا يتجاسر العبد على الزّلّة إذا عرف المحاسبة عليها والمطالبة بها.
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ٥٤ الى ٥٥]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥) .
стр. 1790
لهم بساتين وأنهار، والجمع إذا قوبل بالجمع فالآحاد تقابل بالآحاد.
فظاهر هذا الخطاب يقتضى أن يكون لكل واحد من المتقين جنة ونهر.
«فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ» : أي في مجلس صدق.
«عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ» : أراد به عنديّة القربة والزلفة.
ويقال: مقعد الصدق أي مكان الصدق، والصادق في عبادته من لا يتعبّد على ملاحظة الأطماع ومطالعة الأعواض.
ويقال: من طلب الأعواض هتكته الأطماع، ومن صدق في العبوديّة تحرّر عن المقاصد الدّنيّة.
ويقال: من اشتغل بالدنيا حجبته الدنيا عن الآخرة، ومن أسره نعيم الجنة حجب عن القيام بالحقيقة، ومن قام بالحقيقة شغل عن الكون بجملته «١» .