وكان نوح- ﵇ أطول الأنبياء عمرا، وأشدّهم للبلاء مقاساة ثم إن الله- سبحانه- لما نجّى نوحا متّعه بعد هلاك قومه ومتع أولاده، فكلّ من على وجه الأرض من أولاد نوح ﵇. وفي هذا قوة لرجاء أهل الدين، إذا لقوا في دين الله محنة فإنّ الله يهلك- عن قريب- عدوّهم، ويمكّنهم من ديارهم وبلادهم، ويورثهم ما كان إليهم.
وكذلك كانت قصة موسى ﵇ مع فرعون وقومه، وسنة الله في جميع أهل الضلال أن يعزّ أولياءه بعد أن يزهق أعداءه.
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : آية ١٧]
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)
يسّرنا قراءته على ألسنة الناس، ويسّرنا علمه على قلوب قوم، ويسّرنا فهمه على قلوب قوم، ويسّرنا حفظه على قلوب قوم، وكلّهم أهل القرآن، وكلّهم أهل الله وخاصته.
ويقال: كاشف الأرواح من قوم- بالقرآن- قبل إدخالها في الأجساد.
«فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» لهذا العهد الذي جرى لنا معه.
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ١٨ الى ٢٠]
كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)
كذّبوا هودا، فأرسلنا عليهم «رِيحاً صَرْصَراً» أي: باردة شديدة الهبوب، يسمع لها صوت.
«فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ» أي: فى يوم شؤم استمرّ فيه العذاب بهم، ودام ذلك فيهم ثمانية أيام وسبع ليال. وقيل: دائم الشؤم تنزع رياحه الناس عن حفرهم التي حفروها م (٣٢) لطائف الإشارات- ج ٣-
стр. 1787
حتى صاروا كأنهم أسافل نخل منقطع. وقيل: كانت الريح تقتلع رءوسهم عن مناكبهم ثم تلقى بهم كأنهم أصول نخل قطعت رءوسها.
[سورة القمر (٥٤) : آية ٢٢]
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)
هوّنا قراءته وحفظه فليس كتاب من كتب الله تعالى يقرأ ظاهرا إلّا القرآن.
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ٢٣ الى ٢٤]
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)
هم قوم صالح. وقد مضى القول فيه، وما كان من عقرهم للناقة.. إلى أن أرسل الله عليهم صيحة واحدة أوجبت هذا الهلاك، فصيّرهم كالهشيم، وهو اليابس من النبات، «الْمُحْتَظِرِ» : أي: المجعول في الحظيرة، أو الحاصل في الخطيرة «١» ..
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ٣٤ الى ٣٧]
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧)
فأرسلنا عليهم «حاصِباً» : أي: حجارة رموا بها.
«كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ» : أي: جعلنا إنجاءهم في إهلاك أعدائهم.
وهكذا نجزى من شكر فمثل هذا نعامل به من شكر نعمتنا.
والشّكر على نعم الدفع أتمّ من الشكر على نعم النفع- ولا يعرف ذلك إلا كلّ موفّق كيّس.
«فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ»
стр. 1788
جاء جبريل ومسح بجناحه على وجوههم فعموا، ولم يهتدوا «١» للخروج- وكذلك أجرى سنّته في أوليائه أن يطمس على قلوب أعدائهم حتى يلبس عليهم كيف يؤذون أولياءه ثم يخلّصهم من كيدهم.
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : آية ٤٥]
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)
أخبر أنه يفعل هذا بأعداء الرسول ﷺ ، وحقّق ذلك يوم بدر، فصار ذلك من معجزاته صلوات الله عليه وسلامه «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : آية ٤٨]
يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)
سحبهم على الوجوه أمارة لإذلالهم، ولو كان ذلك مرة واحدة لكانت عظيمة- فكيف وهو التأبيد والتخليد؟!.
وكما أنّ أمارة الذّلّ تظهر على وجوههم فعلامة إعزاز المؤمنين وإكرامهم تظهر على وجوههم، قال تعالى: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ» «٣» . وقال: «تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ «٤» » .
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : آية ٤٩]
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩)
أي بقدر مكتوب في اللوح المحفوظ.
ويقال: خلقناه بقدر ما علمنا وأردنا وأخبرنا.
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : آية ٥٠]
وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)
أي إذا أردنا خلق شىء لا يتعسّر ولا يتعذّر علينا، نقول له: كن- فيكون
стр. 1789
بقدرتنا. ولا يقتضى هذا استئناف «١» قول في ذلك الوقت ولكن استحقاق أن يقال لقوله القديم أن يكون أمرا لذلك المكون إنما يحصل في ذلك الوقت.
«كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ» : أي كما أن هذا القدر عندكم (أي قدر ما يلمح أحدكم ببصره) لا تلحقكم به مشقة- كذلك عندنا: إذا أردنا نخلق شيئا- قل أو كثر، صغر أو كبر- لا تلحقنا فيه مشقة.
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : آية ٥١]
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١)
أي أهلكنا القرون التي كانت قبلكم فكلّهم أمثالكم من بنى آدم ...
[سورة القمر (٥٤) : آية ٥٢]
وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢)
فى اللوح المحفوظ مكتوب قبل أن يعمله «٢» . وفي صحيفة الملائكة مكتوب. لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها..
[سورة القمر (٥٤) : آية ٥٣]
وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)
كلّ صغير من الخلق، وكلّ كبير من الخلق- تخترمه المنيّة.
ويقال: كلّ صغير من الأعمال وكبير مكتوب في اللوح المحفوظ، وفي ديوان الملائكة.
وتعريف الناس عما يكتبه الملائكة هو على جهة التخويف لئلا يتجاسر العبد على الزّلّة إذا عرف المحاسبة عليها والمطالبة بها.
قوله جل ذكره:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ٥٤ الى ٥٥]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥) .
стр. 1790
لهم بساتين وأنهار، والجمع إذا قوبل بالجمع فالآحاد تقابل بالآحاد.
فظاهر هذا الخطاب يقتضى أن يكون لكل واحد من المتقين جنة ونهر.
«فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ» : أي في مجلس صدق.
«عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ» : أراد به عنديّة القربة والزلفة.
ويقال: مقعد الصدق أي مكان الصدق، والصادق في عبادته من لا يتعبّد على ملاحظة الأطماع ومطالعة الأعواض.
ويقال: من طلب الأعواض هتكته الأطماع، ومن صدق في العبوديّة تحرّر عن المقاصد الدّنيّة.
ويقال: من اشتغل بالدنيا حجبته الدنيا عن الآخرة، ومن أسره نعيم الجنة حجب عن القيام بالحقيقة، ومن قام بالحقيقة شغل عن الكون بجملته «١» .
стр. 1791
سورة الرّحمن
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» : إخبار عن عزّه وعظمته.
«الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» : إخبار عن فضله ورحمته.
فبشهود عظمته يكمل سرور الأرواح، وبوجود رحمته يحصل نعيم الأشباح. ولولا عظمته لما عبد الرحمن عابد ولولا رحمته لما أحبّ الرحمن واحد.
قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)
أي الرحمن الذي عرفه الموحّدون وجحده الكافرون هو الذي علّم القرآن. ويقال:
الرحمن الذي رحمهم، وعن الشّرك عصمهم، وبالإيمان أكرمهم، وكلمة التقوى ألزمهم- هو الذي عرّفهم بالقرآن وعلّمهم.
ويقال: انفرد الحقّ بتعليم القرآن لعباده.
ويقال: أجرى الله تعالى سنّته أنه إذا أعطى نبينا ﷺ شيئا «١» أشرك أمّته فيه «٢» على ما يليق بصفاتهم فلمّا قال له ﷺ : «وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ»
«٣» .
قال لأمته: «الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ» .
ويقال: علّم الله آدم الأسماء كلّها ثم أمره بعرضها على الملائكة وذكر آدم ذلك لهم- قال تعالى: «أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ» يا آدم، وعلّم (نبيّنا ﷺ «٤»
стр. 1792
المسلمين «١» القرآن فقال ﷺ : «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، والمصلّى مناج ربّه» قال لآدم: أذكر ما علّمتك للملائكة. وقال لنا: ناجنى يا عبدى بما علّمتك «٢» . وقد يلاطف مع أولاد الخدم بما لا يلاطف به آباؤهم.
ويقال: لمّا علّم آدم أسماء المخلوقات قال له: أخبر الملائكة بذلك، وعلّمنا كلامه وأسماءه فقال: اقرؤوا علىّ وخاطبوا به معى.
ويقال: علّم الأرواح القرآن- قبل تركيبها في الأجساد بلا واسطة «٣» ، والصبيان إنما يعلّمون القرآن- فى حال صغرهم- قبل أن عرفت أرواحنا أحدا، أو سمعنا من أحد شيئا.. علّمنا أسماءه:
أتانى هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبى فارغا فتمكّنا
ويقال: سقيا لأيام مضت- وهو يعلّمنا القرآن.
ويقال: برحمته علّمهم القرآن فبرحمته وصلوا إلى القرآن- لا بقراءة القرآن يصلون إلى رحمته.
قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٣ الى ٤]
خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤)
«الْإِنْسانَ» : هاهنا جنس الناس علّمهم البيان حتى صاروا مميّزين «٤» - فانفصلوا بالبيان عن جميع الحيوان. وعلّم كلّ قوم لسانهم الذي يتكلمون ويتخاطبون به.
والبيان ما به تبين المعاني- وشرحه في مسائل الأصول.
ويقال: لمّا قال أهل مكة إنما يعلّمه بشر ردّ الله- سبحانه- عليهم وقال: بل علّمه الله فالإنسان على هذا القول هو محمد ﷺ . وقيل هو آدم ﵇.
ويقال: البيان الذي خصّ به الإنسان (عموما) يعرف به كيفية مخاطبة الأغيار من الأمثال والأشكال. وأمّا أهل الإيمان والمعرفة فبيانهم هو علمهم كيفية مخاطبة مولاهم- وبيان
стр. 1793
العبيد مع الحقّ مختلف: فقوم يخاطبونه بلسانهم، وقوم بأنفاسهم، وقوم بدموعهم:
دموع الفتى عمّا يحسّ تترجم ... وأشواقه تبدين ما هو يكتم
وقوم بأنينهم وحنينهم:
قل لى بألسنة التنفّس كيف أنت وكيف حالك؟
قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٥]
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥)
يعنى يجرى أمرهما على حدّ معلوم من الحساب في زيادة الليل والنهار، وزيادة القمر ونقصانه، وتعرف بجريانهما الشهور والأيام والسنون والأعوام. وكذلك لهما حساب إذا انتهى ذلك الأجل.. فالشمس تكوّر والقمر ينكدر.
وكذلك لشمس «١» المعارف وأقمار العلوم- فى طلوعها في أوج «٢» القلوب والأسرار- فى حكمة الله حساب معلوم، يجريها على ما سبق به الحكم.
قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٦]
وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦)
ويقال: النجم من الأشجار: ما ليس له ساق «٣» ، والشجر: ماله ساق.
ويقال: النجوم الطالعة والأشجار الثابتة «يَسْجُدانِ» سجود دلالة على إثبات الصانع بنعت استحقاقه للجلال.
قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٧]
وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧)
سمك السماء وأعلاها، وعلى وصف الإتقان والإحكام بناها، والنجوم فيها أجراها، وبثّ فيها كواكبها، وحفظ عن الاختلال مناكبها، وأثبت على ما شاء مشارقها ومغاربها..
وخلق الميزان بين الناس ليعتبروا الإنصاف في المعاملات بينهم.
ويقال: الميزان العدل.
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٨]
أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨)
стр. 1794
احفظوا العدل في جميع الأمور فى حقوق الآدميين وفي حقوق الله، فيعتبر العدل، وترك الحيف ومجاوزة الحدّ في كل شىء ففى الأعمال يعتبر الإخلاص، وفي الأحوال الصدق، وفي الأنفاس الحقائق ومساواة الظاهر والباطن وترك المداهنة والخداع والمكر ودقائق الشّرك وخفايا النفاق وغوامض الجنايات.
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٩]
وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩)
(وأقيموا الوزن بالمكيال الذي تحبون أن تكالوا به، وعلى الوصف الذي ترجون أن تنالوا به مطعمكم ومشربكم دون تطفيف) «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ١٠ الى ١٢]
وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢)
خلق الأرض وجعلها مهادا ومثوى للأنام.
ويقال: وضعها على الماء وبسط أقطارها، وأنبت أشجارها وأزهارها، وأجرى أنهارها وأغطش ليلها وأوضح نهارها.
«فِيها فاكِهَةٌ ... » يعنى ألوان الفاكهة المختلفة في ألوانها وطعومها وروائحها ونفعها وضررها، وحرارتها وبرودتها.. وغير ذلك من اختلاف في حبّها وشجرها، وورقها ونورها.
«وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ» وأكمام النخل ليفها وما يغطّيها من السّعف.
«وَالْحَبُّ» : حبّ الحنطة والشعير والعدس وغير ذلك من الحبوب.
«ذُو الْعَصْفِ» : والعصف ورق الزرع «٢»
стр. 1795
«وَالرَّيْحانُ» الذي يشمّ.. ويقال: الرزق لأن العرب تقول: «خرجنا نطلب ريحان الله» ذكّرهم عظم منّته عليهم مما خلق من هذه الأشياء التي ينتفعون بها من مأكولات ومشمومات وغير ذلك.
قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ١٣]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣)
فبأى آلاء ربكما تجحدان؟ والآلاء النّعماء.
والتثنية في الخطاب للمكلّفين من الجنّ والإنس.
ويقال: هى على عادة العرب في قولهم: خليليّ، وقفا، وأرخلاها باغلام، وأزجراها باغلام.
قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ١٤]
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)
«الْإِنْسانَ» : يعنى آدم، والصلصال الطين اليابس الذي إذا حرّك صوّت كالفخار.
ويقال: طين مخلوط بالرمل.
ويقال: منتّن من قولهم صلّ وأصلّ إذا تغيّر.
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ١٥]
وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥)
المارج: هو اللهب المختلط بواد النار
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ١٦]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦)
يذكّر الخلق من الجن والإنس كما سبق- وكرّر الله سبحانه هذه الآية في غير موضع على جهة التقرير بالنعمة على التفصيل، أي نعمة بعد نعمة.
ووجه النعمة في خلق آدم من طين أنه رقاه إلى رتبته بعد أن خلقه من طين.
ويقال ذكّر آدم نسبته وذكّرنا نسبتنا لئلا نعجب بأحوالنا.
ويقال عرّفه قدره لئلا يتعدّى «١» طوره.
стр. 1796
قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ١٧ الى ١٨]
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨)
«الْمَشْرِقَيْنِ» : مشرق الصيف ومشرق الشتاء وكذلك مغربيهما.
ووجه النعمة في ذلك جريانهما على ترتيب واحد حتى يكمل انتفاع الخلق بهما.
ويقال: مشرق القلب ومغربه، وشوارق القلب وغواربه إنما هي الأنوار والبصائر التي جرى ذكر بعضها فيما مضى.
قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ١٩ الى ٢٠]
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠)
«بَرْزَخٌ» أي حاجز بقدرته لئلا يغلب أحدهما الآخر، أراد به البحر العذب والبحر الملح. ويقال: لا يبغيان على الناس ولا يغرقانهم.
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٢٢]
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢)
اللؤلؤ: كبار الدرّ، والمرجان: صغار الدّرّ. ويقال: المرجان النّسل.
وفي الإشارة: خلق في القلوب بحرين: بحر الخوف وبحر الرجاء. ويقال القبض والبسط وقيل الهيبة «١» والأنس. يخرج منها اللؤلؤ والجواهر وهي الأحوال الصافية واللطائف المتوالية.
ويقال: البحران. إشارة إلى النفس والقلب، فالقلب هو البحر العذب والنفس هي البحر الملح. فمن بحر القلب كلّ جوهر ثمين، وكلّ حالة لطيفة.. ومن النفس كل خلق ذميم «٢» . والدرّ من أحد البحرين يخرج، ومن الثاني لا يكون إلا التمساح مما لا قدر له من سواكن القلب. «بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ» : يصون الحقّ هذا عن هذا، فلا يبغى هذا على هذا.
قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٢٤]
وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤)
«الجوارى» : واحدها جارية، وهي السفينة.
стр. 1797
«كَالْأَعْلامِ» : الجبال (له هذه السفن التي أنشئت وخلقت في البحر كأنها الجبال العالية) «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٢٦ الى ٢٧]
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧)
كل من على وجه الأرض في حكم الفناء من حيث الجواز. ومن حيث الخبر: ستفنى الدنيا ومن عليها ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. و «الوجه» : صفة لله- سبحانه- لم يدلّ عليه العقل قطعا ودلّ عليه جوازا، وورد الخبر بكونه قطعا.
ويقال: فى بقاء الوجه بقاء الذات، لأن الصفة لا تقوم بنفسها، ولا محالة شرطها قيامها بنفسه وذاته. وفائدة تخصيص الوجه «٢» بالذكر أن ما عداه يعرف بالعقل، والوجه لا يعلم بالعقل، وإنما يعرف بالنقل والأخبار. و «يَبْقى» : وفي بقائه. سبحانه خلف عن كلّ تلف «٣» ، وتسلية للمسلمين عمّا يصيبهم من المصائب، ويفوتهم من المواهب.
قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٢٩]
يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)
أهل السماوات يسألون أبدا المغفرة، وأهل الأرض يسألونه الرزق والمغفرة، أي لا بدّ لأحد منه (سبحانه) .
وفي السماوات والأرض من لا يسأله: وهم من قيل فيهم: من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين «٤» .
ويقال: ليس كلّ من في السماوات والأرض يسألونه ممّا في السماوات والأرض ولكن:
بين المحبين سرّ ليس يغشيه ... قول ولا قلم للخلق يحكيه
стр. 1798
«كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» من إحياء وإماتة، وقبض قوم وبسط قوم.. وغير ذلك من فنون أقسام المخلوقات، وما يجريه عليها من اختلاف الصفات.
وفي الآية ردّ على اليهود حيث قالوا: إنّ الله يستريح يوم السبت لا يفعل شيئا، فأخبر أنه كل يوم هو في شأن، ولو أخلى العالم لحظة من حفظه لتلاشى وبطل.
(ومن شأنه أن يغفر ذنبا، ويستر عيبا، ويذهب كربا) «١» ، ويطيّب قلبا، ويقصى عبدا ويدنى عبدا ... إلى غير ذلك من فنون الأفعال. وله مع عباده كلّ ساعة برّ جديد، وسرّ «٢» بينه وبين عبده- عن الرقباء- بعيد.
ويقال: كل يوم هو في شأن سوق المقادير إلى أوقاتها.
ويقال: كل يوم هو في شأن إظهار مستور وستر ظاهر، وإحضار غائب وتغييب حاضر.
قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٣١]
سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١)
«٣» أي للحساب يوم القيامة- وليس به اشتغال ... تعالى الله عن ذلك.
ومعنى الآية: سنقصد لحسابكم.
قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٣٣]
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ (٣٣)
أقطار السماوات والأرض نواحيها. أي إن قدرتم أن تخرجوا من ملكه فاخرجوا.
стр. 1799
ثم قال: «لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ» . أي لا تصلون إلى موضع إلا وهناك سلطانى وملكى ولا تنفذون في قطر إلا وهناك عليكم حجة «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٣٥]
يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥)
أي فلا تنتقمان. والشواظ: اللهب من النار لا دخان معه. والنحاس: الصّفر «٢» المذاب قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٣٧]
فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧)
ينفكّ بعضها عن بعض وتصير في لون الورد الأحمر. ويقال: بها الفرش الموردة كالدهان وهو جمع دهن. أي كدهن الزيت وهو دردى الزيت.
ويقال: كما أن الوردة يتلّون لونها إذ تكون في الربيع إلى الصّفرة، فإذا اشتدت الوردة كانت حمراء، وبعد ذلك إلى الغبرة- فكذلك حال السماء تتلون من وصف إلى وصف فى القيامة.
قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٣٩]
فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩)
أراد في بعض أحوال «٣» القيامة لا يسألون، ويسألون في البعض ... فيوم القيامة طويل.
ويقال: لمّا كانت لهم يومئذ علامات: فللكفار سواد الوجه وزرقة العين، وللمسلمين بياض الوجه وغير ذلك من العلامات- فالملائكة لا يحتاجون إلى سؤالهم: من أنتم؟ لأنهم يعرفون كلّا بسيماهم.
стр. 1800
ويقال: لا يسألون سؤالا يكون لهم ويسألون «١» سؤالا يكون عليهم «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٤١]
يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١)
المؤمنون غرّ محجّلون، والكفّار سود الوجوه زرق العيون، فيعرف الملائكة هؤلاء فيأخذون بنواصيهم، ويجرّونهم مرة بها ومرة بأقدامهم ثم يلقونهم في النار، ويطرحونهم فى جهنم:
[سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٤٣ الى ٤٤]
هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)
يقال لهم: هذه جهنم التي كنتم بها تكذبون! «حَمِيمٍ» : ماء حارّ. «آنٍ» تناهى في النضج قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٤٦]
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦)
يقال: لمن خاف قرب ربّه منه واطلاعه عليه.
ويقال: لمن خاف وقوفه غدا بين يدى الله- جنتان، ولفظة التثنية هنا على العادة في قولهم:
خليليّ ونحوه.
وقيل: بل جنتان على الحقيقة، معجّلة في الدنيا من حلاوة الطاعة وروح «٣» الوقت، ومؤجّلة في الآخرة وهي جنة الثواب. ثم هم مختلفون في جنات الدنيا على مقادير أحوالهم كما يختلفون في الآخرة على حسب درجاتهم.
[سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٤٨ الى ٥٠]
ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠)
دلّ على أن الجنتين في الآخرة. والأفنان الأغصان. وهي جمع فنن.
стр. 1801
ويقال: ذواتا ألوان من كلّ صنف ولون تشتهيه النّفس والعين- وتكون جمع فن.
«فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ» إحداهما التسنيم، والأخرى السلسبيل.
ويقال: عينان تجريان غدا لمن كان له- اليوم- عينان تجريان بالدموع.
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٥٢]
فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢)
زوجان أي صنفان وضربان كالرطب واليابس، والعنب والزبيب.
ويقال: إنها في نهاية الحسن والجودة.
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٥٤]
مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤)
بطائنها من إستبرق فكيف بظهائرها؟. «والبطائن» : مايلى الأرض. «والاستبرق» :
الديباج الغليظ. وإنما خاطبهم على قدر فهمهم إذ يقال إنه ليس في الجنة شىء مما يشبه ما في الدنيا، وإنما الخطاب مع الناس على قدر أفهامهم «١» .
«وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ» : أي ما يجتنى من ثمرها- إذا أرادوه- دنا إلى أفواههم فتناولوه من غير مشقّة تنالهم. وفي الخبر المسند: «من قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر غرس الله له شجرة في الجنة أصلها الذهب وفرعها الدر وطلعها كثدى الأبكار ألين من الزبد وأحلى من العسل، كلما أخذ منها شيئا عاد كما كان» - وذلك قوله: ودنا الجنتين دان.
ويقال: ينالها القائم والقاعد والنائم.
قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٥٦]
فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦)
أي في الجنان حور قصرن عيونهن عن غير أزواجهن.
وإذا كانت الزوجات قاصرات الطّرف عن غير أزواجهن فأولى بالعبد إذ رجا لقاءه- سبحانه- أن يقصر طرفه ويغضّه عن غير مباح.
стр. 1802
بل عن الكلّ ... إلى أن يلقاه.
ويقال: من الأولياء من لا ينظر إليهن- وإن أبيح له ذلك لتحرّره عن الشهوات، ولعلوّ همته عن المخلوقات «١» - وأنشدوا:
جننّا بليلى وهي جنّت بغيرنا ... وأخرى بنا مجنونة لا نريدها
ويقال: هنّ لمن قصرت يده عن الحرام والشبهة، وطرفه عن الرّيب.
«لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ» : لم يصحبهن غير الوليّ ولم يحزن غيره، وفي الخبر.
اشتاقت الجنة لثلاثة «٢» .
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٥٨]
كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨)
أي: فى صفاء الياقوت ولون المرجان.
قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٦٠]
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (٦٠)
يقال: الإحسان الأول من الله والثاني من العبد أي: هل جزاء من أحسنّا إليه بالنصرة إلّا أن يحسن لنا بالخدمة؟ وهل جزاء من أحسنّا إليه بالولاء إلا أن يحسن لنا بالوفاء؟.
ويصح أن يكون الإحسان الأول من العبد والثاني من الله أي: هل جزاء من أحسن من حيث الطاعة إلا أن يحسن إليه من حيث القبول والثواب؟.
وهل جزاء من أحسن من حيث الخدمة إلا أن يحسن إليه من حيث النعمة؟
ويصح أن يكون الإحسانان من الحقّ أي: هل جزاء من أحسنّا إليه في الابتداء إلا أن نحسن إليه في الانتهاء؟ وهل جزاء من فاتحناه باللّطف إلا أن نربى له في الفضل والعطف؟.
стр. 1803
ويصحّ أن يكون كلاهما من العبد أي: هل جزاء من آمن بنا إلّا أن يثبت في المستقبل على إيمانه؟ وهل جزاء من عقد معنا عقد الوفاء إلا أن يقوم بما يقتضيه بالتفصيل؟.
ويقال: هل جزاء من بعد عن نفسه إلّا أن نقرّبه منّا؟
وهل جزاء من فنى عن نفسه إلّا أن يبقى بنا؟.
وهل جزاء من رفع لنا خطوة إلّا أن نكافئه بكل خطوة ألف حظوة، وهل جزاء من حفظ لنا طرفه إلا أن نكرمه بلقائنا؟.
قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٦٢ الى ٦٤]
وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣) مُدْهامَّتانِ (٦٤)
هما جنتان غير هاتين اللتين ذكرتا جنتان أخريان. وليس يريد دونهما في الفضل، ولكن يريد «جَنَّتانِ» سواهما «١» .
«مُدْهامَّتانِ» أي: خضراوان خضرة تضرب إلى السواد. فالدهمة السواد»
والفعل منه ادهامّ والاسم منه مدهامّ، وللمؤنث مدهامّة، ولتثنية المؤنث مدهامتان.
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٦٦]
فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (٦٦)
والنّضخ فوران العين بالماء.
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٦٨]
فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)
الأسماء متشابهة ... والعيون «٣» فلا.
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٧٠]
فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠)
стр. 1804
أي: حور خيّرات الأخلاق حسان الوجوه. واحدها خيّرة والجمع خيّرات وهذا هو الأصل ثم خفّف فصارت خيرات.
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٧٢]
حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢)
محبوسات على أزواجهن. وهنّ لمن هو مقصور الجوارح عن الزّلّات، مقصور القلب عن الغفلات، مقصور السّرّ عن مساكنة الأشكال والأعلال والأشباه والأمثال.
وفي بعض التفاسير: أن الخيمة من درّة مجوفة فرسخ في فرسخ لها ألف باب «١» .
ويقال: قصرت أنفسهن وقلوبهن وأبصارهن على أزواجهن. وفي الخبر: أنهن يقلن: نحن الناعمات «٢» . فلا نبؤس، الخالدات فلا نبيد، الراضيات فلا نسخط.
وفي خبر عن عائشة رضى الله عنها: أن المؤمنات أجبنهنّ: نحن المصليات وما صلّيتنّ، ونحن الصائمات وما صمتنّ، ونحن المتصدّقات وما تصدّقتنّ، قالت عائشة يغلبهن قوله.
لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ «٣» قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٧٦]
مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦)
قيل: رياض الجنة، وقيل: المجالس، وقيل: الزرابيّ والوسائد- وهي خضر «وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ» : العبقري عند العرب كلّ ثوب موشّى.
قوله جل ذكره:
[سورة الرحمن (٥٥) : آية ٧٨]
تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨)
مضى تفسيره.
стр. 1805
سورة الواقعة
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .
«بِسْمِ اللَّهِ» : اسم جبّار من اعتنى بشأنه أحضره بإحسانه، فإن أبى إلّا تماديا في عصيانه حال بينه وبين اختياره «١» بقهر سلطانه، وإن لم يلازم هذه «٢» الطاعة ألجأه بالبلاء فيأتيها باضطراره.
اسم عزيز أزليّ، جبّار صمديّ، قهّار أحديّ، للمؤمنين وليّ، وبالعاصين حفيّ، ليس لجماله كفيّ، ولا في جلاله سميّ، لكنه «٣» للعصاة من المؤمنين وليّ.
قوله جل ذكره:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢)
إذا قامت القيامة لا يردّها شىء.
«كاذِبَةٌ» هاهنا مصدر: كالعافية، والعاقبة، أي: هى حقّة لا يردها شىء، وليس فى وقوعها كذب.
ويقال: إذا وقعت الواقعة فمن سلك منهاج الصحة والاستقامة وصل إلى السلامة ولقى الكرامة، ومن حاد عن نهج الاستقامة وقع في الندامة والغرامة، وعند وقوعها يتبين الصادق من المماذق:
إذا اشتبكت دموع في خدود ... تبيّن من بكى ممّن تباكى
[سورة الواقعة (٥٦) : آية ٣]
خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣)
стр. 1806
«خافضة» : لأهل الشقاوة، «رافِعَةٌ» : لأهل الوفاق.
«خافِضَةٌ» : لأصحاب الدعاوى، «رافِعَةٌ» : لأرباب المعاني.
«خافِضَةٌ» : للنفوس، «رافِعَةٌ» : للقلوب.
«خافِضَةٌ» : لأهل الشهوة، «رافِعَةٌ» : لأهل الصفوة.
«خافِضَةٌ» : لمن جحد، «رافِعَةٌ» : لمن وحّد.
قوله جل ذكره:
[سورة الواقعة (٥٦) : آية ٤]
إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)
حرّكت حركة شديدة.
قوله جل ذكره:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٥ الى ٦]
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦)
فتّتت فكانت كالهباء الذي يقع في الكوّة عند شعاع الشمس.
قوله جل ذكره:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٨ الى ١٠]
فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)
«ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ» ؟ على جهة التفخيم لشأنهم والتعظيم لقدرهم، (وهم أصحاب اليمن والبركة والثواب) «١» .
«ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ» : على جهة التعظيم والمبالغة في ذمّهم، وهم أصحاب الشؤم على أنفسهم ويقال:
أصحاب الميمنة هم الذين كانوا في جانب اليمين من آدم ﵇ يوم الذّرّ، وأصحاب المشأمة هم الذين كانوا على شماله.
стр. 1807
ويقال: الذين يعطون الكتاب بأيمانهم، والذين يعطون الكتاب بشمائلهم.
(ويقال: هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين.. إلى الجنة، والذين يؤخذ بهم ذات الشمال..
إلى النار) «١» .
«وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ» : وهم الصف الثالث. وهم السابقون إلى الخصال الحميدة، (والأفضال الجميلة) «٢» .
ويقال: السابقون إلى الهجرة. ويقال: إلى الإسلام. ويقال: إلى الصلوات الخمس.
ويقال: السابقون بصدق القدم. ويقال: السابقون بعلوّ الهمم. ويقال: السابقون إلى كل خير. ويقال السابقون المتسارعون إلى التوبة من الذنوب فيتسارعون إلى النّدم إن لم يتسارعوا بصدق القدم.
ويقال: الذين سبقت لهم من الله الحسنى فسبقوا إلى ما سبق إليه:
[سورة الواقعة (٥٦) : آية ١١]
أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)
ولم يقل: المتقرّبون، بل قال: أولئك المقرّبون- وهذا عين الجمع، فعلم الكافة أنهم بتقريب ربّهم سبقوا- لا بتقرّبهم «٣» .
[سورة الواقعة (٥٦) : آية ١٢]
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)
أي: فى الجنة «٤» . ويقال: مقربون إلا من الجنة فمحال أن يكونوا في الجنة ثم يقرّبون من الجنة، وإنما يقرّبون إلى غير الجنة: يقرّبون من بساط القربة ...
وأنّى بالبساط ولا بساط؟! مقربون.. ولكن من حيث الكرامة لا من حيث المسافة مقرّبة نفوسهم من الجنة وقلوبهم إلى الحقّ.
مقرّبة قلوبهم من بساط المعرفة، وأرواحهم من ساحات الشهود- فالحقّ عزيز..
لا قرب ولا بعد، ولا فصل ولا وصل.
стр. 1808
ويقال: مقربون ولكن من حظوظهم ونصيبهم. وأحوالهم- وإن صفت- فالحقّ وراء الوراء.
قوله جل ذكره:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ١٣ الى ١٤]
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)
الثّلة: الجماعة. ويقال: ثلة من الأولين الذين شاهدوا أنبياءهم وقليل من الآخرين الذين شاهدوا نبيّنا ﷺ .
ويقال: ثلّة من الأولين: من السلف وقليل من المتأخرين: من الأمة.
[سورة الواقعة (٥٦) : آية ١٥] «١»
عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥)
أي منسوجة نسيج الدرع من الذهب. جاء في التفسير: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، إن أراد الجلوس عليه تواضع، وإن استوى عليه ارتفع.
[سورة الواقعة (٥٦) : آية ١٦]
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦)
أي لا يرى بعضهم قفا بعض. وصفهم بصفاء المودة وتهذّب الأخلاق.
[سورة الواقعة (٥٦) : آية ١٧]
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)
يطوف عليهم وهم مقيمون لا يبرحون ولدان في سنّ واحدة ... لا يهرمون.
وقيل: مقرّطون (الخلدة. القرط)
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ١٨ الى ٢٠]
بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠)
«بِأَكْوابٍ» جمع كوب وهي آنية بلا عروة ولا خرطوم، «وَأَبارِيقَ» : جمع إبريق وهو عكس الكوب (أي له خرطوم وعروة) .
ولا صداع لهم في شربهم إياها، كما لا تذهب عقولهم بسببها.
ولهم كذلك فاكهة مما يتخيرون،
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٢١ الى ٢٤]
وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)
وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ، وَحُورٌ عِينٌ، كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ، أي: المصون، جزاء بما كانوا يعملون.
стр. 1809
قوله جل ذكره:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٢٥ الى ٢٦]
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (٢٦)
اللغو: الباطل من القول، والتأثيم: الإثم والهذيان ولا يسمعون إلا قيلا سلاما، وسلاما: نعت للقيل.
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٢٧ الى ٢٩]
وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)
«وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ» : لا شوك فيه،
[سورة الواقعة (٥٦) : آية ٣٠]
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)
: والطلح شجر الموز، متراكم نضيد بعضه على بعض.
«وَظِلٍّ مَمْدُودٍ» كما بين الإسفار «١» إلى طلوع الشمس «٢» . وقيل: ممدود أي دائم.
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٣١ الى ٣٧]
وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥)
فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦) عُرُباً أَتْراباً (٣٧)
«وَماءٍ مَسْكُوبٍ» : جار لا يتعبون فيه.
«وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ» : لا مقطوعة عنهم ولا ممنوعة منهم.
«وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ» لهم. وقيل: أراد بها النساء «٣» .
«إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً أي الحور العين.
«عُرُباً» : جمع عروب «٤» وهي الغنجة المتحببة إلى زوجها. ويقال عربا: أي متشهّيات إلى أزواجهن.
«أَتْراباً» : جمع ترب، أي: هنّ على سنّ واحدة.
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٣٨ الى ٤٠]
لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)
«لِأَصْحابِ الْيَمِينِ» : أي خلقناهن لأصحاب اليمين.
«ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ» : أي: ثلة من أولى هذه الأمة، وثلة من أخراها.
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٤١ الى ٤٣]
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)
: والسّموم فيح جهنم وحرّها.
والحميم: الماء الحار.
стр. 1810
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٤٤ الى ٤٧]
لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧)
«وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ» ، وهو الدّخان الأسود.
«لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ» : لا بارد: أي لا راحة فيه. ولا كريم: ولا حسن لهم (حيث لا نفع فيه) .
«إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ» : أي: كانوا في الدنيا ممتّعين.
«وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ» أي الذّنب العظيم.
«وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ؟» أي: أنهم يكذّبون بالبعث.
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٥١ الى ٥٢]
ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢)
ثم يقال لهم: «إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ» اليوم «لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ» وجاء في التفسير: أن الزقوم شجرة في أسفل جهنم إذا طرح الكافر في جهنم لا يصل إليها إلا بعد أربعين خريفا.
[سورة الواقعة (٥٦) : آية ٥٣]
فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣)
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٥٤ الى ٥٥]
فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)
«فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ» شراب لا تهنأون به «فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ» : وهي الإبل العطاش. ويقال: الهيم أي الرّمل ينضب فيه كلّ ما يصبّ عليه.
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٥٦ الى ٥٧]
هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧)
«هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ» : يوم القيامة.
قوله جل ذكره: «نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ» نحن خلقناكم: يا أهل مكة- فهلّا آمنتم لتتخلصوا؟ توبّخون وتعاتبون ... واليوم تعتذرون! ولكن لا ينفعكم ذلك ولا يسمع منكم شىء.
وإن أشدّ العقوبات عليهم يومئذ أنهم لا يتفرّغون من آلام نفوسهم وأوجاع أعضائهم إلى التحسّر على مافاتهم في حقّ الله.
ويقال: أشدّ البلاء- اليوم- على قلوب هذه الطائفة «١» خوفهم من أن يشغلهم- غدا- بمقاساة آلامهم عن التحسّر على ما تكدّر عليهم من المشارب في هذا الطريق. وهذه محنة لا شىء أعظم على الأصحاب منها. وإنّ أصحاب القلوب- اليوم- يبتهلون إليه ويقولون: إن
стр. 1811
حرمتنا مشاهد الأنس فلا تشغلنا بلذّات تشغلنا عن التحسّر على ما فاتنا، ولا بآلام تشغلنا عن التأسّف على ما عدمنا منك.
قوله جل ذكره:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٥٨ الى ٥٩]
أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩)
يقال: منى الرجل وأمنى. والمعنى: هل إذا باشرتم وأنزلتم وانعقد الولد ... أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون؟ والخلق هاهنا: التصوير أي: أأنتم تجمعون صور المولود وتركّبون أعضاءه.. أم نحن؟
وهم كانوا يقرّون بالنشأة الأولى فاحتجّ بهذا (على جواز النشأة الأخرى عند البعث الذي كانوا ينكرونه. وهذه الآية أصل فى) «١» إثبات الصانع فإن أصل خلقة الإنسان من قطرتين: قطرة من صلب الأب وهو المنى وقطرة من تريبة الأم «٢» ، وتجتمع القطرتان في الرّحم فيصير الولد. وينقسم الماء ان المختلطان إلى هذه الأجزاء التي هي أجزاء الإنسان من العظم والعصب والعرق والجلد والشّعر.. ثم يركبها على هذه الصور في الأعضاء الظاهرة وفي الأجزاء الباطنة حيث يشكّل كل عضو بشكل خاص، والعظام بكيفية خاصة.. إلى غير ذلك.
وليس يخلو: إمّا أن يكون الأبوان يصنعانه- وذلك التقدير محال لتقاصر علمهما وقدرتهما عن ذلك وتمنّيهما الولد ثم لا يكون، وكراهتهما الولد ثم يكون! والنّطفة أو القطرة محال تقدير فعلها في نفسها على هذه الصورة لكونها من الأموات بعد، ولا علم لها ولا قدرة.
أو من غير صانع.. وبالضرورة يعلم أنه لا يجوز.
فلم يبق إلّا أن الصانع القديم الملك العليم هو الخالق «٣» .
قوله جل ذكره:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٦٠ الى ٦١]
نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) .
стр. 1812
يكون الموت في الوقت الذي يريده منكم من يموت طفلا ومنكم من يموت شابّا، ومنكم من يموت كهلا، وبعلل مختلفه وبأسباب متفاوتة وفي أوقات مختلفة.
«وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ» فى تقديرنا فيقوتنا شىء ولسنا بعاجزين عن أن نخلق أمثالكم، ولا بعاجزين عن تبديل صوركم التي تعلمون إن أردنا مسخكم وتبديل صوركم فلا يمنعنا عن ذلك أحد.
ويقال: وننشئكم فيما لا تعلمون من حكم السعادة والشقاوة «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة الواقعة (٥٦) : آية ٦٢]
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢)
أي: أنتم أقررتم بالنشأة الأولى.. فهلّا تذكّرون لتعلموا جواز الإعادة إذ هي في معناها «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٦٣ الى ٦٤]
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)
أي: إذا ألقيتم الحبّ في الأرض.. أأنتم تنبتونه أم نحن المنبتون؟ وكذلك وجوه الحكمة في إنبات الزّرع، وانقسام الحبّة الواحدة على الشجرة النابتة منها (فى قشرها ولحائها وجذعها وأغصانها وأوراقها وثمارها) «٣» - كل هذا:
[سورة الواقعة (٥٦) : آية ٦٥]
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥)
لو نشاء لجعلناه حطاما يابسا بعد خضرته، فصرتم تتعجبون وتندمون على تعبكم فيه، وإنفاقكم عليه، ثم تقولون:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٦٦ الى ٦٧]
إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)
أي: لملزمون غرامة ما أنفقنا في الزّرع، وقد صار ذلك غرما علينا- فالمغرم من ذهب إنفاقه بغير عوض.
стр. 1813
«بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ» بل نحن محرومون بعد أن ضاع منّا الرزق.
قوله جل ذكره:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٦٨ الى ٧٠]
أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠)
أأنتم أنزلتموه من السحاب.. أم نحن ننزله متى نشاء أنّى نشاء كما نشاء على من نشاء وعلى ما نشاء؟ ونحن الذين نجعله مختلفا في الوقت وفي المقدار وفي الكيفية، فى القلّة وفي الكثرة.
ولو نشاء لجعلناه ملحا.. أفلا تشكرون عظيم نعمة الله- سبحانه- عليكم في تمكينكم من الانتفاع بهذه الأشياء التي خلقها لكم.
قوله جل ذكره:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٧١ الى ٧٣]
أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣)
ورى الزّند يرى فهو وار ... وأوراه يوريه أي يقدحه.
يعنى: إذا قدحتم الزند.. أرأيتم كيف تظهر النار- فهل أنتم تخلقون ذلك؟
أأنتم أنشأتم شجرتها- يعنى المرخ والعفار «١» - أم نحن المنشئون؟
«نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً» : أي يمكن الاستدلال بها.
«وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ» : يقال: أقوى الرجل إذا نزل بالقواء أي: الأرض الخالية.
فالمعنى: أن هذه النار «تَذْكِرَةً» يتذكّر بها الإنسان ما توعده به في الآخرة من نار جهنم، و «مَتاعاً» : يستمتع بها المسافر في سفره في وجوه الانتفاع المختلفة.
стр. 1814
قوله جل ذكره:
[سورة الواقعة (٥٦) : آية ٧٤]
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)
أي: اسبح بفكرك في بحار عقلك، وغص بقوة التوحيد فيها تظفر بجواهر العلم، وإيّاك أن تقصّر في الغوص لسبب أو لآخر، وإياك أن تتداخلك الشّبه فيتلف رأس مالك ويخرج من يدك وهو دينك واعتقادك ... وإلّا غرقت في بحار الشّبه، وضللت.
وهذه الآيات «١» التي عدّها الله- سبحانه- تمهّد لسلوك طريق الاستدلال، فكما فى الخبر «فكر ساعة خير من عبادة سنة» - وقد نبّه الله سبحانه بهذا إلى ضرورة التفكير.
قوله جل ذكره:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٧٥ الى ٨٠]
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠)
قيل: هى مواقع نجوم السماء. ويقال: مواقع نجوم القرآن على قلب الرسول ﷺ .
«إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ» : والكرم نفى الدناءة- أي: أنه غير مخلوق «٢» ويقال: هو «قرآن كريم» : لأنه يدل على مكارم الأخلاق.
ويقال هو قرآن كريم لأنه من عند ربّ كريم على رسول كريم، على لسان ملك كريم. «فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ» : يقال: فى اللوح المحفوظ. ويقال: فى المصاحف. وهو محفوظ عن التبديل. «لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» عن الأدناس والعيوب والمعاصي.
стр. 1815
ويقال: هو خبر فيه معنى الأمر: أي لا ينبغى أن يمسّ المصحف إلا من كان متطهرا من الشّرك ومن الأحداث «١» .
ويقال: لا يجد طعمه وبركته إلّا من آمن به.
ويقال: لا يقربه إلّا الموحّدون، فأمّا الكفّار فيكرهون سماعه فلا يقربونه.
وقرئ المطهّرون: أي الذين يطهّرون نفوسهم عن الذنوب والخلق الدّنيّ.
ويقال: لا يمس خيره إلّا من طهّر يوم القسمة عن الشقاوة.
ويقال: لا يفهم لطائفة إلّا من طهّر سرّه عن الكون «٢» .
ويقال: المطهّرون سرائرهم عن غيره.
ويقال: إلا المحترمون له القائمون بحقّه.
ويقال: إلا من طهّر بماء السعادة ثم بماء الرحمة «تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» : أي منزّل من قبله- سبحانه.
قوله جل ذكره:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٨١ الى ٨٢]
أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)
أبهذا القرآن أنتم تنافقون، وبه تكذّبون.
«وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ ... » : كانوا إذ أمطروا يقولون: أمطرنا بنوء كذا.
يقول: أتجعلون بدل إنعام الله عليكم بالمطر الكفران به، وتتوهمون أن المطر- الذي هو نعمة من الله- من الأنواء والكواكب؟!.
ويقال: أتجعلون حظّكم ونصيبكم من القرآن التكذيب؟.
قوله جل ذكره:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٨٣ الى ٨٥]
فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) .
стр. 1816
يخاطب أولياء الميت «١» فيقول: هلّا إذا بلغت روحه الحلقوم، وأنتم تنظرون إلى هذا المريض، رجعتم إلى الله تعالى، وتحققتم به؟ فنحن أقرب إليه منكم بالعلم والرؤية والقدرة ...
ولكن لا تبصرون! ويقال: أقرب ما يكون العبد من الحقّ عند ما يتم استيلاء ذكره وشهوده عليه، فينتفى إحساس العبد بغيره، وعلى حسب انتفاء العلم والإحساس بالأغيار- حتى عن نفسه- يكون تحقّق العبد في سرّه حتى لا يرى غير الحقّ.
فالقرب والبعد معناهما: أنّ العبد في أوان صحوه وأنه لم يؤخذ- بعد- عن نفسه فإذا أخذ عنه فلا يكون إلا الحق ... لأنه حينئذ لا قرب ولا بعد.
قوله جل ذكره:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٨٦ الى ٨٧]
فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧)
ليس لكم من أمر الموت شىء.
«تَرْجِعُونَها» أي: تردّون الروح إلى الجسد.
«إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» : فى أنه لا بعث «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٨٨ الى ٨٩]
فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩)
المقرّبون هم الذين قرّبهم الله بفضله، فلهم «فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ» .
ويقال: الرّوح الاستراحة، والريحان الرزق.
وقيل: الرّوح في القبر، والريحان: فى الجنة.
стр. 1817
ويقال: لا يخرج مؤمن من الدنيا حتى يؤتى بريحان من رياحين الجنة فيشمه قبل خروج روحه، فالرّوح راحة عند الموت، والريحان في الآخرة.
وقيل: كانت قراءة النبي (ص) «الروح» بضم الراء أي لهم فيها حياة دائمة.
ويقال: الرّوح لقلوبهم، والريحان لنفوسهم، والجنّة لأبدانهم.
ويقال: روح في الدنيا، وريحان في الجنة، وجنّة نعيم في الآخرة.
ويقال: روح وريحان معجّلان، وجنة نعيم مؤجلة.
ويقال: روح للعابدين، وريحان للعارفين، وجنّة نعيم لعوام المؤمنين.
ويقال: روح نسيم القرب، وريحان كمال البسط، وجنة نعيم في محل المناحاة.
ويقال: روح رؤية الله، وريحان سماع كلامه بلا واسطة، وجنة نعيم أن يدوم هذا ولا ينقطع.
قوله جل ذكره:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٩٠ الى ٩١]
وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١)
أن نخبرك بسلامة أحوالهم.
ويقال: سترى فيهم ما تحب من السلامة.
ويقال: أمان لك في بابهم فلهم السلامة. ولا تشغل قلبك بهم ويقال: فسلام لك- أيها الإنسان- إنك من أصحاب اليمين، أو أيها الإنسان الذي من أصحاب اليمين.
قوله جل ذكره:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٩٢ الى ٩٤]
وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)
إن كان من المكذبين لله، الضالّين عن دين الله فله إقامة في الجحيم.
стр. 1818
قوله جل ذكره:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٩٥ الى ٩٦]
إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)
هذا هو الحق اليقين الذي لا محالة حاصل.
«فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ» أي قدّس الله عمّا لا يجوز في وصفه.
ويقال: صلّ لله. ويقال: اشكر الله على عصمة أمّتك من الضّلال، وعلى توفيقهم فى اتّباع سنّتك.
стр. 1819
سورة الحديد
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .
سماع بسم الله الرّحمن الرّحيم شراب يسقى به الحقّ- قلوب أحبّائه، فإذا شربوا طربوا، وإذا طربوا انبسطوا «١» ، ثم لشهود حقّه «٢» تعرّضوا، وبنسيم قربه استأنسوا «٣» ، وعند الإحساس بهم غابوا.. فعقولهم تستغرق «٤» فى لطفه، وقلوبهم تستهلك فى كشفه.
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)
التسبيح التقديس والتنزيه، ويكون بمعنى سباحة الأسرار في بحار الإجلال، فيظفرون بجواهر التوحيد وينظمونها في عقود الإيمان، ويرصّعونها في أطواق الوصلة:
وقوله «ما» فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ المراد به «من» فى السماوات والأرض، يسجدون لله طوعا وكرها طوعا تسبيح طاعة وعبادة، وكرها تسبيح علامة ودلالة.
وتحمل «ما» على ظاهرها فيكون المعنى: ما من مخلوق من عين أو أثر إلا ويدلّ على الصانع، وعلى إثبات جلاله، وعلى استحقاقه لنعوت كبريائه.
стр. 1820
ويقال: يسبح لله ما في السماوات والأرض، كلّ واقف على الباب بشاهد الطّلب ...
ولكنه- سبحانه عزيز «١» .
ويقال: ما تقلّب أحد من جاحد أو ساجد إلا في قبضة العزيز الواحد، فما يصرّفهم إلا من خلقهم فمن مطيع ألبسه نطاق وفاقه- وذلك فضله، ومن عاص ربطه بمثقلة الخذلان- وذلك عدله.
«وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» : العزيز: المعزّ لمن طلب الوصول، بل العزيز: المتقدّس عن كل وصول ... فما وصل من وصل إلا حظّه ونصيبه وصفته على ما يليق به.
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ٢]
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢)
الملك مبالغة من الملك، وهو القدرة على الإبداع، ولا مالك إلا الله. وإذا قيل لغيره:
مالك فعلى سبيل المجاز فالأحكام المتعلقة في الشريعة على ملك الناس صحيحة في الشرع، ولكنّ لفظ الملك فيها توسّع كما أن لفظ التيمم في استعمال التراب- عند عدم الماء- فى السفر مجاز، فالمسائل الشرعية في التيمم صحيحة، ولكن لفظ التيمم في ذلك مجاز.
«يُحْيِي وَيُمِيتُ» : يحيى النفوس ويميتها. ويحيى القلوب بإقباله عليها، ويميتها بإعراضه عنها.
ويقال: يحييها بنظره وتفضّله، ويميتها بقهره وتعزّزه.
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ٣]
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)
«الْأَوَّلُ» : لاستحقاقه صفة القدم، و «الْآخِرُ» لاستحالة نعت العدم.
و «الظَّاهِرُ» بالعلو والرفعة، و «الْباطِنُ» : بالعلم والحكمة.
ويقال: «الْأَوَّلُ» فلا افتتاح لوجوده و «الْآخِرُ» فلا انقطاع لثبوته.
«الظَّاهِرُ» فلا خفاء في جلال عزّه، «الْباطِنُ» فلا سبيل إلى إدراك حقّه.
ويقال «الْأَوَّلُ» بلا ابتداء، و «الْآخِرُ» بلا انتهاء، و «الظَّاهِرُ» بلا خفاء، و «الْباطِنُ» بنعت العلاء وعزّ الكبرياء.
стр. 1821
ويقال «الْأَوَّلُ» بالعناية، و «الْآخِرُ» بالهداية، و «الظَّاهِرُ» بالرعاية، و «الْباطِنُ» بالولاية.
ويقال: «الْأَوَّلُ» بالخلق، و «الْآخِرُ» بالرزق، و «الظَّاهِرُ» بالإحياء، و «الْباطِنُ» بالإماتة والإفناء.
قال تعالى: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» «١» .
ويقال: «الْأَوَّلُ» لا بزمان، و «الْآخِرُ» لا بأوان، و «الظَّاهِرُ» بلا اقتراب، و «الْباطِنُ» بلا احتجاب.
ويقال: «الْأَوَّلُ» بالوصلة، و «الْآخِرُ» بالخلّة، و «الظَّاهِرُ» بالأدلة، و «الْباطِنُ» بالبعد «٢» عن مشابهة الجملة «٣» .
ويقال: «الْأَوَّلُ» بالتعريف، «وَالْآخِرُ» بالتكليف، «وَالظَّاهِرُ» بالتشريف «وَالْباطِنُ» بالتخفيف «٤» ويقال: «الْأَوَّلُ» بالإعلام، «وَالْآخِرُ» بالإلزام، «وَالظَّاهِرُ» بالإنعام «وَالْباطِنُ» بالإكرام.
ويقال: «الْأَوَّلُ» بأن اصطفاك «وَالْآخِرُ» بأن هداك، «وَالظَّاهِرُ» بأن رعاك، «وَالْباطِنُ» بأن كفاك.
ويقال «٥» : من كان الغالب عليه اسمه «الْأَوَّلُ» كانت فكرته في حديث سابقته: بماذا سمّاه مولاه؟ وما الذي أجرى له في سابق حكمه؟ أبسعادته أم بشقائه؟.
стр. 1822
ومن كان الغالب على قلبه اسمه «الْآخِرُ» كانت فكرته فى: بماذا يختم له حاله؟ وإلام يصير ما له؟ أعلى التوحيد يخرج من دنياه أو- والعياذ بالله- فى النار غدا- مثواه؟
ومن كان الغالب على قلبه اسمه «الظَّاهِرُ» فاشتغاله بشكر ما يجرى في الحال من توفيق الإحسان وتحقيق الإيمان وجميل الكفاية وحسن الرعاية.
ومن كان الغالب على قلبه اسمه «الْباطِنُ» كانت فكرته في استبهام أمره عليه فيتعثّر ولا يدرى.. أفضل ما يعامله به ربّه أم مكر ما يستدرجه به ربّه؟
ويقال: «الْأَوَّلُ» علم ما يفعله عباده ولم يمنعه علمه من تعريفهم، «وَالْآخِرُ» رأى ما عملوا ولم يمنعه ذلك من غفرانهم «وَالظَّاهِرُ» ليس يخفى عليه شىء من شأنهم، وليس يدع شيئا من إحسانهم «وَالْباطِنُ» يعلم ما ليس لهم به علم من خسرانهم ونقصانهم فيدفع «١» عنهم فنون محنهم وأحزانهم.
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ٤]
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)
مضى الكلام في ذلك.
«يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ» أي ما يدخل فيها من القطر، والكنوز، والبذور، والأموات الذين يدفنون فيها، «وَما يَخْرُجُ مِنْها» من النبات وانفجار العيون وما يستخرج من المعادن.
«وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ» .
من المطر والأرزاق. أو ما يأتى به الملائكة من القضاء والوحى.
«وَما يَعْرُجُ فِيها» .
أي وما يصعد إليها من الملائكة، وطاعات العباد، ودعوات الخلق، وصحف المكلّفين، وأرواح المؤمنين.
стр. 1823
«وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» .
«وَهُوَ مَعَكُمْ» بالعلم والقدرة.
ويقال «١» : «يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ» إذا دفن العبد فالله سبحانه يعلم ما الذي كان فى قلبه من إخلاص في توحيده، ووجوه أحزانه خسرانه، وشكّه وجحوده، وأوصافه المحمودة والمذمومة.. ونحو ذلك مما يخفى عليكم.
«وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ» على قلوب أوليائه من الألطاف والكشوفات وفنون الأحوال العزيزة.
«وَما يَعْرُجُ فِيها» من أنفاس الأولياء إذا تصاعدت، وحسراتهم إذا علت.
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ٦]
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦)
مضى معناه.
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ٧]
آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)
صدّقوا بالله ورسوله، وتصدّقوا «مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ» بتمليككم ذلك وتصييره إليكم. والذين آمنوا منكم وتصدّقوا على الوجه الذي أمروا به لهم ثواب عظيم فإنّ ما تحويه الأيدى معرّض للزوال، فالسّعيد من قدّم في دنياه ماله في الآخرة عمارة حاله، والشقيّ من سار فيما له في الآخرة وبال مآله.
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ٨]
وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) .
стр. 1824
أي شىء لكم في ترككم الإيمان بالله وبرسوله، وما أتاكم به من الحشر والنشر، وقد أزاح العلّة بأن ألاح لكم الحجّة، وقد أخذ ميثاقكم وقت الذّرّ، وأوجب عليكم ذلك بحكم الشّرع.
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ٩]
هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩)
ليخرجكم من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات الشكّ إلى نور اليقين.
وكذلك يريهم في أنفسهم من الآيات بكشوفات السّرّ وما يحصل به التعريف مما يجدون فيه النفع والخير فيخرجهم من ظلمات التدبير «١» إلى سعة فضاء التفويض، وملاحظة فنون جريان المقادير.
وكذلك إذا أرادت النّفس الجنوح إلى الرّخص والأخذ بالتخفيف «٢» وما تكون عليه المطالبة بالأشقّ- فإن بادر إلى ما تدعوه الحقيقة إليه وجد في قلبه من النور ما يعلم به ظلمة هواجس النّفس «٣» .
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ١٠]
وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)
ما في أيديكم ميراثه لله، وعن قريب سينقل إلى غيركم ولا تبقون بتطاول أحمالكم. وهو بهذا يحثهم على الصدقة والبدار إلى الطاعة وترك الإخلاد إلى الأمل.. ثم قال:
«لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً
стр. 1825
مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» .
لا يستوى منكم من أنفق قبل فتح مكة والحديبية والذين أنفقوا من بعد ذلك. بل أولئك أعظم ثوابا وأعلى درجة من هؤلاء لأنّ حاجة الناس كانت أكثر إلى ذلك وكان ذلك أشقّ على أصحابه «١» .
ثم قال: «وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى» إلّا أنّ فضيلة السّبق لهم، ولهذا قالوا:
السباق السباق قولا وفعلا ... حذّر النّفس حسرة المسبوق
قوله جل ذكره:
[سورة الحديد (٥٧) : آية ١١]
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)
المراد بالقرض الصدقة، وإنما ذكرها سبحانه كذلك تطييبا لقلوبهم، فكأن المتصدّق وهو يقرض شيئا كالذى يقطع شيئا من ماله ليدفعه إلى المستقرض.
ويقال «يُقْرِضُ» أي يفعل فعلا حسنا، وأراد بالقرض الحسن هاهنا ما يكون من وجه حلال ثم عن طيب قلب، وصاحبه مخلص فيه، بلا رياء يشوبه، وبلا منّ على الفقير، ولا يكدّره تطويل الوعد، ولا ينتظر عليه كثرة الأعواض.
ويقال: أن تقرضه وتقطع عن قلبك حبّ الدارين «٢» ، ففى الخبر: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى» «٣» ومن لم يتحرّر من شىء فخروجه عنه تكلّف «٤» .