← Тафсир

Тафсир · id 23631

تفسير القاسمي محاسن التأويل

جمال الدين القاسمي

Полный текст (4 837 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

قال الشهاب: استدل بالآية على أن الإجماع حجة في كل عصر، وعلى أنه لا يخلو عصر من مجتهد إلى قيام الساعة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٢] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أي سنأخذهم بالعذاب من طريق لا يعلمونها، أو نفتح لهم من الأحوال ما يلائم أهويتهم، ثم نهلكهم. وأصل الاستدراج: أن يتدرج إلى الشيء قليلا قليلا، تشبيها بمن يرقى درجة درجة، حتى ينتهي إلى العلوّ. وقيل: أصله من الدرج الذي يطوى فكأنه يطوى منزلة بعد منزلة، كما يطوى الدرج. وقيل: لأنه من الدرجة فيكون، لأنه ينحط درجة بعد درجة حتى ينتهي إلى حال الهلاك. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٣] وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) وَأُمْلِي لَهُمْ أي أمهلهم ليزدادوا إثما إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أي قويّ شديد. والمعنيّون بهذا الخطاب كفار مكة. قال في (التنوير) : هم أبو جهل وأصحابه المستهزئون، أخذهم الله بعذابه في يوم (أحد) ، وأهلك كل واحد بهلاك غير هلاك صاحبه. انتهى. ويدل قوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٤] أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ أي كما يختلقون. والاستفهام، للإنكار والتوبيخ. أي: أو لم يتفكروا في أنه ليس بصاحبهم الذي هو أعظم الأمة الهادية بالحق، شيء من جنة. وجوّز أن يكون الكلام تمّ عند قوله: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا إنكارا لعدم تفكرهم في شأنه، الموقف على صدقه، وصحة نبوته. ثم ابتدأ نفي الجنة عنه تعجيبا وتبكيتا. و (الجنة) مصدر، كالجلسة، بمعنى الجنون، وليس المراد به الجن. كما في قوله تعالى: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس: ٦] ، لأنه يحوج إلى تقدير

стр. 2277

مضاف، أي مسه جنة أو تخبطها. والتعبير عنه ﷺ ب (صاحبهم) للإيذان بأن طول مصاحبتهم له، مما يطلعهم على نزاهته عما ذكر، ففيه تأكيد للنكير، وتشديد له إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ أي رسول مخوّف مُبِينٌ أي موضح إنذاره، مبالغة في الإعذار. ولما نعى عليهم تفكرهم في شأنه ﷺ ، أنكر إخلالهم في التأمل بالآيات التكوينية المنصوبة في الآفاق والأنفس، الشاهدة بصحة الآيات المنزلة، فقال سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٥] أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا أي نظر استدلال فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ من الشمس والقمر والنجوم والسحاب. والملكوت: الملك العظيم وَالْأَرْضِ أي وفي ملكوت الأرض، من البحار والجبال والدواب والشجر وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ أي وفيما خلق الله مما يقع عليه اسم (الشيء) ، من أجناس لا يحصرها العدد، ولا يحيط بها الوصف وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ عطف على (ملكوت) . أي في احتمال أن يهلكوا عما قريب، فيفارقوا الدنيا، وهم على أتعس الأحوال فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ أي القرآن يُؤْمِنُونَ أي إذا لم يؤمنوا به، وهو المعجز الجامع لكل ما يفيد الهداية. وفي هذا قطع لاحتمال إيمانهم رأسا، ونفي له بالكلية. تنبيه: قال الجشمي: تدل الآية على وجوب النظر في الأدلة، وأنها طريق المعرفة. وتدل على أنه لا شيء ينظر فيه، إلا ويعرف الله تعالى به. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٦] مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ أي في كفرهم يتحيرون. يعني أن من كتب عليه الضلالة، فلا يهديه أحد، ولا يغنيه النظر، ولا الإنذار. كما قال تعالى: قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠١] ، وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً [المائدة: ٤١] .

стр. 2278

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٧] يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أي عن قيامها وحينها أَيَّانَ مُرْساها أي متى إرساؤها أو وقت إرسائها، أي إثباتها وإقرارها. والرسوّ يستعمل في الأجسام الثقيلة، وإطلاقه على المعاني، تشبيها لها بالأجسام قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ أي لا يظهرها في وقتها إلا هو ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي عظمت وكبرت على أهلها لهولها وما فيها من المحاسبة والمجازاة. أو ثقل علم وقتها على أهلهما. أو عظم وصفها على أهل السموات والأرض، من انتشار النجوم، وتكوير الشمس، وتسيير الجبال لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً أي فجأة على حين غفلة منكم يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها أي عالم بها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أي أن علمها عند الله، لم يؤته أحدا من خلقه. لطيفة: قال الزمخشري: فإن قلت. لم كرر يَسْئَلُونَكَ وإِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ؟ قلت: للتأكيد، وما جاء به من زيادة قوله: كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها وعلى هذا تكرير العلماء الحذاق في كتبهم، لا يخلون المكرر من فائدة زائدة. انتهى. وقال الناصر في (الانتصاف) : وفي هذا النوع من التكرير نكتة لا تلفى إلا في الكتاب العزيز، وهو أجلّ من أن يشارك فيها. وذاك أن المعهود في أمثال هذا التكرير، أن الكلام إذا بني على مقصد، واعترض في أثنائه عارض، فأريد الرجوع لتتميم المقصد الأول، وقد بعد عهده، طرّي بذكر المقصد الأول، لتتصل نهايته ببدايته. وقد تقدم لذلك في الكتاب العزيز أمثال، وسيأتي، وهذا منها. فإنه لما ابتدأ الكلام بقوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ثم اعترض ذكر الجواب المضمن في قوله: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي إلى قوله بَغْتَةً أريد تتميم سؤالهم عنها بوجه من الإنكار عليهم، وهو المضمن في قوله: كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها وهو شديد التعلق بالسؤال، وقد بعد عهده، فطرّي ذكره تطرية عامة، ولا نراه أبدا يطري إلا بنوع من الإجمال، كالتذكرة للأول، مستغنى عن تفصيله بما تقدم. فمن ثم قيل: يَسْئَلُونَكَ

стр. 2279

ولم يذكر المسؤول عنه، وهو (الساعة) اكتفاء بما تقدم فلما كرر السؤال لهذه الفائدة كرر الجواب أيضا مجملا، فقال: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ. ويلاحظ هذه في تلخيص الكلام بعد بسطه. ومن أدق ما وقفت عليه العرب في هذا النمط من التكرير لأجل بعد العهد، تتطرية للذكر، قوله: عجّل لنا هذا وألحقنا بذا ال ... شحم إن قد مللناه بجل أي فقط، فذكر الألف واللام، خاتمة للأول من الرجزين، ثم لما استفتح الرجز الثاني، استبعد العهد بالأولى، فطرّي ذكرها، وأبقى الأول في مكانها. ومن ثم استدلّ ابن جني. على أن ما كان من الرجز على ثلاثة أجزاء، فهو بيت كامل، وليس بنصف، كما ذهب إليه أبو الحسن. قال: ولو كان بيتا واحدا، لم يكن عهد الأولى متباعدا، فلم يكن محتاجا إلى تكريرها. ألا ترى أن عبيدا لما جاء بقصيدة طويلة الأبيات، وجعل آخر المصراع الأول (أل) لم يعدها أول المصراع الثاني، لأنها بيت واحد، فلم ير عهدها بعيدا، وذلك قول عبيد بن الأبرص الأسدي: يا خليليّ أربعا واستخبرا ال ... منزل الدّارس عن أهل الحلال مثل سحق البرد عفّى بعدك ال ... قطر مغناه وتأويب الشّمال (أربعا: أقيما. الحلال: اسم امراة. سحق البرد: يريد مثل البرد المسحوق أي البالي. وعفى، بالتشديد: محا. القطر: المطر. مغناه. هو الموضع الذي كانوا يسكنونه. والشمال- بالفتح والكسر- من الرياح، ما مهبّه من مطلع الشمس وبنات نعش. وهي لا تكاد تهب ليلا. وتأويبها: هبوبها النهار كله) ثم استرسل فيها كذلك بضعة عشر بيتا. فانظر هذه النكتة، كيف بالغت العرب في رعايتها، حتى عدت القريب بعيدا، والمتقاصر مديدا. فتأملها فإنها تحفة إنما تنفق عند الحذاق الأعيان، في صناعتي العربية والبيان، والله المستعان- انتهى-. (والقصيدة بتمامها في (مختارات ابن الشجريّ) بالصفحة رقم ٣٧) ثم أمره تعالى أن يخبر بعبوديته الكاملة، بما ينبئ عن عجزه عن علم الساعة بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٨] قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا أي لا أقدر، لأجل نفسي، على جلب نفع مّا،

стр. 2280

ولا على دفع ضرّ ما إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أي تمليكه لي من ذلك بأن يلهمنيه، فيمكنني منه، ويقدرني عليه. وهذا كقوله تعالى في سورة يونس وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ، لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ [يونس: ٤٨- ٤٩] . وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ أي النفع، بترتيب أسبابه، فكنت مثلا أعد للسنة المجدبة من المخصبة، ولوقت الغلاء من الرخص وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ أي الضر، للتوقي عن أسبابه إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ أي عبد أرسلت نذيرا وبشيرا، وما من شأني أني أعلم الغيب. وقوله تعالى: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يجوز أن يتعلق ب نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ جميعا، لأن المؤمنين هم المنتفعون بالنذارة والبشارة، أو يتعلق ب بَشِيرٌ وحده، ومتعلق النذير محذوف، أي للكافرين، وحذف للعلم به. وقال الشهاب: ليطهر اللسان منهم. ثم بيّن تعالى عظم جناية الكفرة في جراءتهم على الإشراك، بتذكير مبادئ أحوالهم المنافية له، بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٩] هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي نفس آدم ﵇ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها أي من جنسها، كقوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً [الروم: ٢١] ، لِيَسْكُنَ إِلَيْها أي ليطمئن إليها ويميل، ولا ينفر، لأن الجنس إلى الجنس أميل، وبه آنس. وإذا كانت بعضا منه كان السكون والمحبة أبلغ، كما يسكن الإنسان إلى ولده، ويحبه محبة لكونه بضعة منه. وذكّر لِيَسْكُنَ بعد ما أنث في قوله واحِدَةٍ ومِنْها زَوْجَها ذهابا إلى معنى النفس، ليبين أن المراد بها آدم، ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويتغشاها، فكان التذكير أحسن طباقا للمعنى. أفاده الزمخشري. فَلَمَّا تَغَشَّاها أي وطئها. و (التغشي) كناية عن الجماع، وكذلك الغشيان والإتيان حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً أي خف عليها، وذلك أول الحمل، لا تجد المرأة له ألما، إنما هي النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة فَمَرَّتْ بِهِ أي فاستمرت به خفيفة، وقامت وقعدت فَلَمَّا أَثْقَلَتْ أي صارت ذات ثقل، لكبر الولد في بطنها دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً أي ولدا سويا قد صلح بدنه، أو

стр. 2281

غلاما لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ أي على نعمائك التي منها هذه النعمة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٩٠] فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً أي كما طلبا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أي أخلّاء بالشكر في مقابلة نعمة الولد الصالح أسوأ إخلال، إذا استبدلوه بالإشراك. وقوله تعالى: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ تنزيه فيه معنى التعجب. تنبيه: هذه الآية سيقت توبيخا للمشركين في جنايتهم، ونقضهم ميثاقهم، في جريهم على خلاف ما يعاهدون الله عليه. وذلك أنه تعالى ذكر ما أنعم عليهم من الخلق من نفس واحدة، وجعل أزواجهم من أنفسهم ليأنسوا بهن. ثم إنشائه إياهم بعد الغشيان، متدرجين في أطوار الخلق من العدم إلى الوجود، ومن الضعف إلى القوة. ثم بين إعطاءهم المواثيق إن آتاهم ما يطلبون وولد لهم ما يشتهون، ليكونن من الشاكرين. ثم أخبر عن غدرهم وكفرانهم هذه النعم، التي امتن سبحانه بها عليهم، ونقضهم ميثاقهم في إفراده بالشكر، حيث أشركوا معه غيره في ذلك. ونظير هذه الآية، في الإخبار عن تبديل المشركين نعمة الله كفرا، قوله تعالى في سورة يونس هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [يونس: ٢٢ و ٢٣] ، وقد ذكر المفسرون هاهنا أحاديث وآثارا تفهم أن المراد بهذا السياق آدم وحواء. ولا حاجة بنا إلى روايتها لأنها واهية الإسناد معلولة، كما بينه الحافظ ابن كثير في (تفسيره) . وتقبّل ثلة من السلف لها وتلقيها- لا يجدي في صحتها شيئا. إذا أصلها مأخوذ من أقاصيص مسلمة أهل الكتاب، كما برهن عليه ابن كثير. وتهويل بعضهم بأنها مقتبسة من مشكاة النبوة، إذ أخرجها فلان وفلان، من تنميق الألفاظ لتمزيق المعاني، فإن المشكاة النبوية أجلّ من أن يقتبس منها إلا كل ما عرفت جودته. إذا علمت ذلك، تبين لك أن من استند إلى تلك الأحاديث والآثار، فذهب إلى أن المراد بالنفس الواحدة وقرينتها، آدم وحواء، ثم أورد على نفسه أنهما بريئان من

стр. 2282

الشرك، وأن ظاهر النظم يقتضيه، ثم أخذ يؤوله، إما بتقدير مضاف، أي جعل أولادهما له شركاء، فيما آتى أولادهما، وإما بأن المراد جعل أحدهما وهو (حواء) من إطلاق المثنى وإرادة المفرد، وإما بغير ذلك- فإنه ذهب في غير مذهب. - وقد قرر ما ارتضيناه في معنى الآية غير واحد. قال الحسن البصري، فيما روى عنه ابن جرير: إن الآية عنى بها ذرية آدم، ومن أشرك منهم بعده. وفي رواية عنه: كان هذا في بعض الملل، ولم يكن بآدم. قال ابن كثير: والأسانيد إلى الحسن، في تفسير هذا، صحيحة، وهو من أحسن التفاسير، وأولى ما حملت عليه الآية. قال: ولو كان الحديث المرفوع، في أنها في آدم وحواء، محفوظا عنده من رواية رسول الله ﷺ ، لما عدل عنه هو ولا غيره، لا سيما مع تقواه وورعه. فهذا يدل على أنه- إن صح- موقوف على الصحابي، لا مرفوع. انتهى. وقال القفال: إنه تعالى ذكر هذه القصة على تمثيل ضرب المثل، وبيان هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم، وقولهم بالشرك. وتقرير هذا الكلام، كأنه تعالى يقول: هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة، وجعل من جنسها زوجها إنسانا يساويه في الإنسانية، فلما تغشى الزوج زوجته، وظهر الحمل، دعا الزوج والزوجة ربهما، لئن آتيتنا ولدا صالحا سويّا لنكونن من الشاكرين لآلائك ونعمائك، فلما آتاهما الله ولدا صالحا سويا، جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما، لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، كما هو قول الطبائعيين، وتارة إلى الكواكب، كما هو قول المنجمين. وتارة إلى الأصنام والأوثان، كما هو قول عبدة الأصنام. وقال الناصر في (الانتصاف) - متعقبا على الزمخشري-: الأسلم والأقرب، والله أعلم، أن يكون المراد جنسي الذكر والأنثى، لا يقصد فيه إلى معيّن. وكأن المعنى- والله أعلم- خلقكم جنسا واحدا، وجعل أزواجكم منكم أيضا، لتسكنوا إليهن، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر، الجنس الآخر، الذي هو الأنثى، جرى من هذين الجنسين كيت وكيت، وإنما نسب هذه المقالة إلى الجنس، وإن كان فيهم الموحدون، على حد (بنو فلان قتلوا قتيلا) يعني من نسبة ما صدر من البعض إلى الكل. فائدة: قال بعض مفسري الزيدية: ثمرة هذه الآية أنه تعالى لما قال فَلَمَّا أَثْقَلَتْ

стр. 2283

جعل حال الإثقال يخالف ما قبله، وأنه يختص فيه الدعاء لأجل أنه حال الخوف. وقد ذهب الهادي إلى أن الحامل إذا أتى عليها من الحمل ستة أشهر، كانت تصرفاتها كتصرفات المريض، تنفذ من الثلث. وهو قول مالك والليث، واحتجا بالآية، لأنه تعالى فرق بين حال الخفة والإثقال. وقال غيرهما: تصرفها من الجميع، ما لم يأخذها الطلق. قلنا: إنه يجوز عليها بعد الستة، وضع الحمل في كل وقت. انتهى. ثم قال: ودلت الآية على أنه يجوز الدعاء لطلب أمور الدنيا، وإن حصول الولد منة يجب الشكر عليها. انتهى. ثم استأنف تعالى توبيخ المشركين كافة، واستقباح إشراكهم، وإبطاله بالكلية ببيان شأن ما أشركوا به سبحانه، وتفصيل أحواله القاضية ببطلان ما اعتقدوه في حقه، بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٩١] أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) أَيُشْرِكُونَ أي بخالق الأشياء تعالى وتقدس ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً أي لا يقدر على خلق شيء ما، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ أي: ومن هذه صفته كيف يعبد؟ ومن حق المعبود أن يكون خالقا لعابده لا محالة وَهُمْ يُخْلَقُونَ أي بل هم مخلوقون مصنوعون، كما قال الخليل ﵊: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ [الصافات: ٩٥] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٩٢] وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ أي لعبدتهم إذا حزبهم أمر نَصْراً أي بجلب نفع، أو دفع ضر وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ إذا اعترتهم حادثة من الحوادث، كما قال تعالى: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ [الحج: ٧٣] ، وكما كان الخليل ﵊ يكسر أصنام قومه، ويهينها غاية الإهانة. وقد حكى ابن كثير أن معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن جبل ﵄ أسلما لما قدم النبيّ ﷺ المدينة، وكانا شابين، فكانا يعدوان في الليل على

стр. 2284

أصنام المشركين، يكسرانها ويتلفانها، ويتخذانها حطبا للأرامل، ليعتبر قومهما. وكان لعمرو بن الجموح- وكان سيدا في قومه- صنم يعبده ويطيّبه، فكانا يجيئان في الليل، فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعذرة. فيجيء عمرو بن الجموح، فيرى ما صنع به، فيغسله ويطيبه، ويضع عنده سيفا، ويقول له: انتصر، ثم يعودان لمثل ذلك، ويعود إلى صنيعه أيضا. حتى أخذاه مرة، فقرناه مع كلب ميت، ودلّياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح، ورأى ذلك نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل. وقال: تالله لو كنت إلها مستدن ... لم تك والكلب جميعا في قرن (مستدن: ذليل مستعبد. والقرن: الحبل) . ثم أسلم فحسن إسلامه، وقتل يوم أحد شهيدا، ﵁ وأرضاه. تنبيه: قال الجشمي: تدل الآية على صحة الحجاج في الدين، لأن قوله: أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ.. الآية- حجاج. وتدل على أن المستحق للعبادة الذي يخلق وينعم ويقدر على النفع والضر هو الله تعالى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٩٣] وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ أيها المشركون إِلَى الْهُدى أي إلى ما فيه رشاد لا يَتَّبِعُوكُمْ أي إلى مرادكم وطلبتكم سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ يعني أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، كما قال إبراهيم يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً [مريم: ٤٢] . وجوّز في الآية أن يكون المعنى: وإن تدعوهم إلى أن يهدوكم وتطلبوا منهم، كما تطلبون من الله، الخير والشرّ، لا يجيبوكم كما يجيبكم الله، لقوله تعالى بعد: فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [الأعراف: ١٩٤] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٩٤] إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي تعبدونهم وتسمونهم آلهة عِبادٌ أَمْثالُكُمْ

стр. 2285

أي مخلوقات مماثلة لكم فَادْعُوهُمْ أمر تعجيز وتبكيت. أي فادعوهم لجلب نفع، أو كشف ضر فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي في زعمكم أنها آلهة. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٩٥] أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها، أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها، أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها، أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها تبكيت إثر تبكيت، مؤكد لما يفيده الأمر التعجيزي، من عدم الاستجابة، ببيان فقدان آلتها بالكلية. فإن الاستجابة من الهياكل الجسمانية، إنما تتصور إذا كان لها حياة وقوى محركة. ومدركة. وما ليس له شيء من ذلك، فهو بمعزل من الأفاعيل بالمرة. كأنه قيل: ألهم هذه الآلات التي بها تتحقق الاستجابة، حتى يمكن استجابتهم لكم؟ وقد وجه الإنكار إلى كل واحدة من هذه الآلات الأربع على حدة، تكريرا للتبكيت، وتثنية للتقريع، وإشعارا بأن انتفاء كل واحدة منها بحيالها، كاف في الدلالة على استحالة الاستجابة. أفاده أبو السعود. ويقال: إنه لما جعلهم مثلهم، كرّ على المثلية بالنقض بما ذكر، لأنهم أدون منهم، وعبادة الشخص من هو مثله لا تليق، فكيف من هو دونه. تنبيه: قال الرازي: تعلق بعض أغمار المشبهة وجهّالهم بهذه الآية، في إثبات هذه الأعضاء لله تعالى، فقالوا: إنه تعالى جعل عدم هذه الأعضاء، لهذه الأصنام، دليلا على عدم إلهيتها. فلو لم تكن هذه الأعضاء موجودة لله تعالى، لكان عدمها دليلا على عدم الإلهية، وذلك باطل. فوجب القول بإثبات هذه الأعضاء لله تعالى ... إلخ. وأقول: الظاهر أن ملحظ مثبتيها هو أن عدمها يدل على النقص، وهو محال على المولى تعالى، إذ له كل صفة كمال. ومعلوم أن في إثباتها له تعالى من آيات أخر، وأحاديث مشهورة، ما يغني عن تكلف استثباتها له تعالى من مثل هذه الآية، ولكن على المنهاج السلفيّ، وهو إثبات بلا تكييف، إذ من كيّف فقد مثل، ومن نفى فقد عطّل. فالمشبهة كالمعطلة، والحق وراءهم، والمسألة شهيرة. ولما بين تعالى أن شركاءهم عاجزون، أمر تعالى رسول الله ﷺ أن يناصبهم

стр. 2286

للمحاجّة، ويكرر عليهم التبكيت، فقال سبحانه: قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ أي استنصروا بها عليّ ثُمَّ كِيدُونِ أي اعملوا أنتم وهم في هلاكي من حيث لا أشعر به، حتى يمكنني دفعه. فَلا تُنْظِرُونِ أي عجّلوا في كيدي، فلا تمهلوني مدة أطلع فيها على كيدكم، فإني لا أبالي بكم. وقد أثبت نافع وأبو عمرو الياء في كيدوني، والباقون حذفوها. ومثله في قوله: وَلا تُنْظِرُونِ [يونس: ٧١] ، ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ [هود: ٥٥] ، قال الواحديّ: والقول فيه أن الفواصل تشبه القوافي، وقد حذفوا هذه الياءات إذا كانت في القوافي، كقوله: يلمس الأحلاس في منزله ... بيديه كاليهوديّ المصلّ (وأصلها المصلّى) والذين أثبتوها، فلأن الأصل هو الإثبات. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٩٦] إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ تعليل لعدم المبالاة، المنفهم من السوق انفهاما جليّا. أي: الذي يتولى حفظي ونصرتي هو الله الذي أنزل الكتاب، المشتمل على هذه العلوم العظيمة النافعة. قال أبو السعود: ووصفه تعالى بتنزيل الكتاب، للإشعار بدليل الولاية، والإشارة إلى علة أخرى لعدم المبالاة. كأنه قيل: لا أبالي بكم وبشركائكم، لأن وليي هو الله الذي نزل الكتاب الناطق بأنه وليي وناصري، وبأن شركاءكم لا يستطيعون نصر أنفسهم، فضلا عن نصركم. وقوله تعالى: وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ تذييل مقرر لما قبله. أي ومن عادته أن يتولى الصالحين من عباده، وينصرهم ولا يخذلهم. وفيه تعريض، لمن فقد الصلاح، بالخذلان والمحق. قال الحسن البصريّ: إن المشركين كانوا يخوّفون الرسول ﷺ بآلهتهم، فقال تعالى: ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ الآية- ليظهر لكم أنه لا قدرة له على إيصال المضارّ إليّ، بوجه من الوجوه. وهذا كما قال هود ﵇، لما قال قومه: إِنْ نَقُولُ إِلَّا

стр. 2287

اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ، قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ... [هود: ٥٤- ٥٦] الآية. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٩٧] وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ أي لا يتولون أحدا، لأنهم لا يستطيعون نصركم وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ أي إذا قصد إضرارهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٩٨] وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا إذ ليس لهم سمع، وإن صوّرت لهم الآذان. كما أنه لا بصر لهم، وإن صورت لهم الأعين. كما قال: وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ إذ صورت لهم الأعين وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ لأنهم جماد عوملوا معاملة من يعقل، فعبر عنهم بضميره، لأنهم على صور مصورة كالإنسان. وهذا من تمام التعليل، لعدم مبالاته بهم، فلا تكرار. وقال السدّيّ: المراد بهذا (المشركون) وروي عن مجاهد نحوه، أي وإن كانوا ينظرون إليك، فإنهم لا ينتفعون بالنظر والرؤية. قال ابن كثير: والأول أولى، وهو اختيار ابن جرير، وقاله قتادة. أي تفصيا من التفكيك، لأن المحدث عنهم الأصنام. تنبيه: من غرائب استنباط المعتزلة قولهم في هذه الآية- والعبارة للجشمي- ما مثاله: تدل الآية على أن النظر غير الرؤية، وأنه لا يقتضي الرؤية، لذلك أثبتهم ناظرين غير رائين. قال: ومثله قولهم نظرت إلى الهلال فلم أره. ويقسمون النظر إلى وجوه، ولا تنقسم الرؤية. قال: فبطل قول من يقول: إن قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢- ٢٣] ، يقتضي الرؤية. انتهى.

стр. 2288

ولا يخفى أن الأصل في إطلاق النظر هو الرؤية والإبصار، ولذلك تتعاقب في هذا المعنى، وتترادف كثيرا، وانفكاكه عن الرؤية في هذه الآية لقرينة كون المحدّث عنهم جمادا، ولا قرينة في الآية لتقاس على ما هنا. دع ما صح من الأخبار في وقوعها، مما هو بيان لها- فافهم-. ثم أمر تعالى نبيه ﷺ بالصفح عن المشركين، إذا جادلوه في شركائهم بعد هذا البيان، بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٩٩] خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) خُذِ الْعَفْوَ أي مكان الغضب، ليكونوا أقبل للنصيحة وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ أي بالجميل المستحسن من الأفعال، فإنها قريبة من قبول الناس من غير نكير، ولما كان الناصح لغيره، كالمعرّض لعدوانهم، ثلّث بما يحتاج إليه في ذلك فقال: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ أي المصرّين على جهلهم، فلا تكافئ السفهاء بمثل سفههم، ولا تمارهم، واحلم عنهم، وأغض على ما يسوؤك منهم. تنبيهان: الأول- قال بعض العلماء: إن سر الشريعة في الطباع والعادات، هو تأييد المستحسن ومحو المستقبح. وإليه الإشارة بقوله تعالى: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ فإن المعروف ما عرفته الطباع السليمة واستحسنته، والمنكر ما أنكرته واستقبحته. ذلك لأن غاية الشريعة راحة الخلق على حال ونظام معقولين، فلا يصح الحكم بتوحيد العادات في كل البلاد. الثاني: روي عن الإمام جعفر الصادق ﵁ قال: أمر الله نبيه ﷺ بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها. وروى البخاري «١» عن ابن عباس أن عيينة بن حصين قال لعمر بن الخطاب: هي يا ابن الخطاب! فو الله، ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل، فغضب عمر، حتى همّ أن يوقع به. فقال له الحرّ بن قيس: يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى قال لنبيه

стр. 2289

صلى الله عليه وسلّم: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ، وإن هذا من الجاهلين. قال ابن عباس: والله! ما جاوزها عمر حين تلاها. عليه، وكان وقّافا عند كتاب الله . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ٢٠٠] وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ أي يصيبنّك من الشيطان وسوسة تثير غضبك على جهلهم وإساءتهم، وتحملك على خلاف ما أمر فيه من العفو والأمر بالمعروف فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ أي استجر به، وادعه في دفعه إِنَّهُ سَمِيعٌ أي لدعائك عَلِيمٌ أي باستعاذتك. قال الزمخشري: النزغ والنسغ: الغرز والنخس، كأنه ينخس الناس حين يغريهم على المعاصي. أي فشبهت وسوسته وإغراؤه بالغرز، وهو إدخال الإبرة وطرف العصا وما يشبهه في الجلد، كما يفعله السائق لحث الدواب. وجعل النزغ نازغا مجاز بالإسناد، لجعل المصدر فاعلا، كجد جدّه. قال أبو السعود: وفي الأمر بالاستعاذة بالله تعالى تهويل لأمره، وتنبيه على أنه من الغوائل الصعبة التي لا يتخلص من مضرتها إلا بالالتجاء إلى حرم عصمته . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ٢٠١] إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ أي أصابهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ أي وسوسة وخاطر منه تَذَكَّرُوا أي الاستعاذة به تعالى والتوكل عليه فَإِذا هُمْ أي بسبب ذلك التذكر مُبْصِرُونَ أي مواقع الخطأ، ومكائد الشيطان. فينتهون عنها ولا يتبعونه. وقرئ (طيف) على أنه مصدر، من قولهم (طاف به الخيال يطيف طيفا) ، أو تخفيف (طيّف) كليّن وهيّن. وهذه الآية تأكيد وتقرير لما قبلها من وجوب الاستعاذة بالله تعالى، عند نزغ الشيطان، وأن المتقين هذه عادتهم. وقوله تعالى:

стр. 2290

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ٢٠٢] وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) وَإِخْوانُهُمْ يعني وأما إخوان الشياطين من شياطين الإنس. كقوله: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ [الإسراء: ٢٧] ، وهم الذين لم يتقوا، فلم يتأت لهم التذكر، ولا ينفع فيهم الاستعاذة لأن الشياطين يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ أي يكونون مددا لهم بتكثير الشبه والتزيين والتسهيل في الضلال، يعني تساعدهم الشياطين على المعاصي، وتسهلها عليهم وتحسّنها لهم ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ أي لا يمسكون عن إغوائهم، حتى يصرّوا ولا يرجعوا. يعني أن الشياطين يمدون أولياءهم من الإنس، ولا يسأمون من إمدادهم من الشر، لأن ذلك طبيعة لهم وسجية: وجوز عود الضمير ل (الإخوان) ، أي لا يرعوون عن الغيّ ولا يقصرون، وإن بولغ عليهم في الوعظ بآيات الله، وإقامة الدلائل، ورفع الشبه، وغير ذلك. وجوز أيضا أن يراد أيضا ب (الإخوان) الشياطين، ويرجع الضمير إلى الْجاهِلِينَ أي وإخوان الجاهلين، وهم الشياطين، يمدون الجاهلين في الغيّ. قال الزمخشري: والأول أوجه، لأن (إخوانهم) في مقابلة الَّذِينَ اتَّقَوْا. ثم بين تعالى، من أنواع إغوائهم، لجاجهم في طلب آيات معينة، وتعنتهم في اقتراحها، مع أن لديهم المعجزة العظمى، والخارقة الكبرى، وهي القرآن العظيم، فقال سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ٢٠٣] وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ أي مما اقترحوه قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها أي هلا تكلفتها وأنشأتها من عندك قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي أي فلست بمفتعل للآيات، ولا أتقدم إليه تعالى في شيء منها. ثم أرشدهم تعالى إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات، وأبين الدلالات، وأصدق الحجج والبينات، فقال سبحانه هذا أي القرآن بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ أي بمنزلة البصائر للقلوب، بها يبصر الحق، ويدرك الصواب. فالكلام على طريقة التشبيه البليغ. أو سبب البصائر، فهو مجاز مرسل. أو استعارة لإرشاده. أو المعنى: حجج بيّنة، وبراهين نيّرة. وإنما جمع خبر المفرد

стр. 2291

لاشتماله على آيات وسور، جعل كل منها بصيرة. والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم- لتأكيد وجوب الإيمان بها وَهُدىً أي من الضلالة وَرَحْمَةٌ أي من العذاب لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي به، فيتفكرون في حقائقه. تنبيه: قال الجشمي: تدل الآية أنه تعالى ينزل الآيات بحسب المصلحة، لا بحسب اقتراحهم، لأن ذلك قد يكون فسادا. ويدل قوله: هذا بَصائِرُ أن المعارف مكتسبة. وتدل أن جميع ما يقوله الرسول ويفعله من الشرع من وحيه، لذلك قال: أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ، ومتى قيل: هل تدل الآية على أنه لا يجتهد ولا يقيس؟ قلنا: لا! لأن القياس والاجتهاد إذا كان متعبدا به، فاتباعه اتباع الوحي. كالعاميّ يقبل من المفتي، والعالم يجتهد، ويتبع الوحي، كذلك هذا. والذي يدل عليه أن النبي ﷺ لا يفعل شيئا من تلقاء نفسه حتى يؤمر به- انتهى كلامه- وفي إطلاقه تفصيل له موضع آخر. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ٢٠٤] وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا أي عن حديث النفس وغيره لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ لما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة، أرشد إلى طريق الفوز بما انطوى عليه من منافعه الجليلة. أي وإذا قرئ القرآن الذي ذكرت خصائصه، فاستمعوا له، أي أصغوا إليه بأسماعكم لتفهموا معانيه، وتتدبروا مواعظه، وأنصتوا لقراءته حتى تنقضي، إعظاما له واحتراما، لكي تفوزوا بالرحمة التي هي أعظم ثمراته، لا كما يعتمده كفار قريش من قولهم: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [فصلت: ٢٦] . تنبيهات: الأول- ظاهر الآية يقتضي وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها، وعليه أهل الظاهر، وهو قول الحسن البصريّ وأبي مسلم الأصفهاني. وقد روى مسلم «١» عن أبي موسى الأشعريّ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما جعل

стр. 2292

الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» . وكذا رواه أهل السنن من حديث أبي هريرة. وروى الإمام أحمد «١» وأهل السنن عن أبي هريرة أن «رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: هل قرأ أحد منكم معي آنفا؟ قال رجل: نعم. يا رسول الله. قال: إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه بالقراءة من الصلاة، حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ » . قال الترمذي «٢» : هذا حديث حسن. وصححه أبو حاتم الرازي. نعم وردت السنة الصحيحة باستثناء الفاتحة وحدها للمأموم. وذلك فيما رواه عبادة قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم؟ قال: قلنا: يا رسول الله! إي والله. قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لا يقرأ بها» - رواه أبو داود «٣» والترمذي «٤» - وفي لفظ: فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرت به، إلا بأم القرآن- رواه أبو داود والنسائي، والدارقطني وقال: رواته كلهم ثقات. وأخرج ابن حبان عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «أتقرءون في صلاتكم خلف الإمام، والإمام يقرأ؟ فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه» . وأما حديث أبي هريرة المتقدم، فلا يستدل به على عدم قراءة المأموم مطلقا، بل جهرا. لأن المنازعة إنما تكون مع جهر المأموم، لا مع إسراره. ولو سلّم دخول ذلك في المنازعة لكان الاستفهام الإنكاري فيه عامّا لجميع القرآن، أو مطلقا في جميعه. وحديث عبادة خاص أو مقيّد، ولا تعارض بين عام وخاص، أو مطلق ومقيد، لابتناء الأول على الثاني. وكذا يقال في عموم الآية، وفي هذا جمع بين دلالة الكتاب، وصحيح السنة، إذ جاءنا بها من جاء بالقرآن. الثاني- روي عن كثير من السلف أن الآية نزلت في الصلاة. وعن بعضهم: فيها وفي الخطبة يوم الجمعة. وعن بعضهم: فيهما وفي خطبة الأضحى والفطر. وقد

стр. 2293

قدمنا في مقدمة الكتاب مصطلح السلف في قولهم (نزلت هذه الآية في كذا) وبيّنّا أنه قد يراد بذلك، أن الآية تشمل ذلك الشيء لدخوله في عمومها، لا أنه سبب لنزولها، وذلك في بعض المقامات، وما هنا منه. وبتحقيق هذا يسقط ما للرازي هنا من أنه إذا قيل بنزولها في منع المأموم من الجهر بالقراءة، يذهب تناسب الآية مع ما قبلها من إفحام المشركين، بأن يستمعوا لقراءته، ليقفوا على إعجازه. وما للخازن، بأن الآية مكية، وخطبة الجمعة والعيدين شرعتا بالمدينة- فافهمه-. الثالث- روى الأمام أحمد «١» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من استمع إلى آية من كتاب الله، كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نورا يوم القيامة» . قال ابن كثير تفرد به الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ٢٠٥] وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ خطاب للنبي ﷺ ، والمراد عامّ. أو المعنى: واذكر ربك أيها الإنسان. والأول أظهر، لأن ما خوطب به النبيّ ﷺ ولم يكن من خصائصه، فإنه مشروع لأمته. وقد أوضح هذا آية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب: ٤١- ٤٢] . والأمر بالذكر، قال الزمخشريّ: هو عام في الأذكار من قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتهليل وغير ذلك. وقال بعض الزيدية: هذا الأمر يحتمل الوجوب، إن فسر الذكر بالصلاة، وإن أريد الدعاء أو الذكر باللسان، فهو محمول على الاستحباب. قال: وبكلّ فسرت الآية. ثم إنه تعالى ذكر آدابا لذكره: الأول- أن يكون في نفسه، لأن الإخفاء أدخل في الإخلاص، وأقرب إلى الإجابة، وأبعد من الرياء.

стр. 2294

الثاني- أن يكون على سبيل التضرع، وهو التذلل والخضوع والاعتراف بالتقصير، ليتحقق بذلة العبودية لعزة الربوبية. الثالث- أن يكون على وجه الخيفة أي الخوف والخشية من سلطان الربوبية، وعظمة الألوهية، من المؤاخذة على التقصير في العمل، لتخشع النفس، ويخضع القلب. الرابع- أن يكون دون الجهر، لأنه أقرب إلى حسن التفكر. قال ابن كثير: فلهذا يستحب أن لا يكون الذكر نداء ولا جهرا بليغا. وفي الصحيحين «١» عن أبي موسى الأشعريّ ﵁ قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النبيّ ﷺ : يا أيها الناس! اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا. إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته . قال الإمام: المراد أن يقع الذكر متوسطا بين الجهر والمخافة، كما قال تعالى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا [الإسراء: ١١٠] . الخامس- أن يكون باللسان لا بالقلب وحده، وهو مستفاد من قوله: وَدُونَ الْجَهْرِ لأن معناه: ومتكلما كلاما دون الجهر، فيكون صفة لمعمول حال محذوفة معطوفا على تَضَرُّعاً، أو هو معطوف على فِي نَفْسِكَ. أي اذكره ذكرا في نفسك، وذكرا بلسانك دون الجهر. السادس- أن يكون بالغدوّ والآصال، أي في البكرة والعشيّ. فتدل الآية على مزية هذين الوقتين، لأنهما وقت سكون ودعة وتعبد واجتهاد. وما بينهما، الغالب فيه الانقطاع إلى أمر المعاش. وقد روي: أن عمل العبد يصعد أول النهار وآخره، فطلب الذكر فيهما، ليكون ابتداء عمله واختتامه بالذكر. ثم نهى تعالى عن الغفلة عن ذكره بقوله وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ أي من الذين يغفلون عن ذكر الله، ويلهون عنه، وفيه إشعار بطلب دوام ذكره تعالى، واستحضار عظمته وجلاله وكبريائه، بقدر الطاقة البشرية. ثم ذكر تعالى ما يقوي دواعي الذكر، وينهض الهمم إليه، بمدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار، لا يفترون، فقال:

стр. 2295

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ٢٠٦] إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يعني الملائكة الذين هم في أعلى مقامات القرب لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ أي لا يتعظمون عنها. وقوله وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ أي فينبغي أن يقتدى بهم فيما ذكر عنهم، ففيه حث ولطف مرغب في ذلك. لأنه إذا كان أولئك- وهم ما هم في قرب المنزلة والعصمة- حالهم في عبادته تعالى وتسبيحه ما ذكر، فكيف ينبغي أن يكون غيرهم. تنبيهات الأول- قال الرازي: تمسك أبو بكر الأصم بهذه الآية في تفضيل الملائكة على البشر قال: لأنه تعالى لما أمر رسوله بالعبادة والذكر قال: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ... الآية- أي فأنت أولى وأحق بالعبادة، والمسألة مستوفاة في كتب الكلام. واستنبط من قال بالتفضيل المذكور من الآية، أنه ينبغي للعبد أن ينظر إلى من فوقه في طاعة الله تعالى. الثاني- قال الرازي: المشبهة تمسكوا بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ... وقالوا: لفظ (عند) مشعر بالجهة. ثم أجاب بما هو معروف للخلف. ويعني، سامحه الله، بالمشبهة الحنابلة، وهم براء من التشبيه، كما يعلمه من طالع عقائدهم، واقفون على حدّ النصوص بلا تشبيه ولا تعطيل، ولم ينفردوا بذلك، فقد تقدمهم من لا يحصى في هذه المسألة. راجع كتاب (العلوّ للذهبيّ) تعلم ما ذكرنا. الثالث- قال الجشمي: تدل الآية على كون الملائكة مكلفين. وتدل على أنهم سجدوا لله. وآدم كان قبلة السجود، لأنه وصفهم بأنهم يسجدون له. الرابع- هذه أول سجدة في القرآن مما يشرع لتاليها ومستمعها السجود بالإجماع. وقد ورد في حديث رواه ابن ماجة «١» عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ ، أنه عدها في سجدات القرآن. وروى الشيخان عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن، فيقرأ

стр. 2296

سورة فيها سجدة، فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته، في غير وقت صلاة. «١» وروى مسلم «٢» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويلتا! أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت. فلي النار» . وروى مسلم «٣» عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ «قال: سألت رسول الله ﷺ فقال: عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة» . الخامس- السجدة المشروعة، إن كانت لآية، أمر فيها بالسجود فللأمر، أو حكى فيها استنكاف الكفرة عنه، فلمخالفتهم وإرغامهم، أو حكي فيها سجود الأنبياء أو الملائكة، فللتأسي بهم- كذا في (العناية) . وهذا آخر ما تيسر تعليقه على سورة الأعراف، فلله الحمد على هذا التسهيل والإسعاف. ونسأله بمنه وكرمه العون على الإتمام، فإنه ذو الجلال والإكرام. وكان الفراغ في ذلك طلوع الشمس من يوم الثلاثاء، في ٢٦ رمضان المبارك سنة ١٣٢١ بشباك السدة العليا اليمنى من جامع السنانية. على يد الفقير جمال الدين القاسميّ غفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين، ورحمه وإياهم إنه أرحم الراحمين.

стр. 2297

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الأنفال مدنية، أو، إلّا وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ... الآيات السبع، فمكية. وآياتها خمس وسبعون آية. سميت بالأنفال لأنها مبدأ هذه السورة، ومنتهى ما ذكر فيها من أثر أمر الحروب.

стр. 2298

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ، قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. روى البخاري «١» عن ابن عباس أن سورة الأنفال نزلت في بدر. وروى الإمام أحمد «٢» عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فشهدت معه بدرا. فالتقى الناس، فهزم الله تعالى العدوّ، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون: وأقبلت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه. وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدوّ منه غرة. حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها، فليس لأحد فيها نصيب. قال الذين خرجوا في طلب العدوّ: لستم بأحق به منا، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ : لستم بأحق بها منا. نحن أحدقنا برسول الله ﷺ وخفنا أن يصيب العدو منه غرة، واشتغلنا به- فنزلت: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ... الآية- فقسمها رسول الله ﷺ على فواق من المسلمين. وهذا الحديث رواه الترمذي أيضا وحسنه، ورواه ابن حبان في صحيحه، وصححه الحاكم. ولفظ ابن إسحاق عن عبادة قال: فينا، أصحاب بدر، نزلت، حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله ﷺ ، فقسمه رسول الله ﷺ بين المسلمين على السواء.

стр. 2299

وروى أبو داود «١» والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر، قال رسول الله ﷺ : من صنع كذا وكذا فله من النّفل كذا وكذا. فتسارع في ذلك شبّان القوم، وبقي الشيوخ تحت الرايات. فلما كانت المغانم، جاءوا يطلبون الذي جعل لهم. فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنا كنا ردءا لكم، لو انكشفتم لثبتم إلينا. فتنازعوا، فأنزل الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ... الآية- وهذا مما يفيد أن التشاجر كان متنوعا، وأن الآية نزلت لفصله. والأنفال: هي المغانم، جمع (نفل) محركة، وهو الغنيمة. أي كل نيل ناله المسلمون من أموال أهل الحرب. قال ابن تيمية: سميت بذلك، لأنها زيادة في أموال المسلمين. أي لأن النفل يطلق على الزيادة- كما في (التاج) . ومنه النافلة لصلاة التطوع لزيادتها على الفريضة. وقوله تعالى: قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ- قال المهايمي: أي ليست هي في مقابلة الجهاد، وإنما مقابله الأجر الأخرويّ، وهذه زائدة عليه، خرجت عن ملك المشركين فصارت ملكا خالصا لله ولرسوله. والرسول خليفة يعطيها، على ما أراه الله، من يشاء. ولما أطلق له ﷺ الحكم فيها، قسمها بينهم بالسوية، ووهب من استوهبه. فروى الإمام أحمد «٢» عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر قتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاص، وأخذت سيفه، وكان يسمى ذا الكتيفة، فأتيت به النبيّ ﷺ فقال: اذهب فاطرحه في القبض. قال، فرجعت، وبي ما لا يعلمه إلا الله، من قتل أخي، وأخذ سلبي. قال، فما جاوزت إلا يسيرا حتى نزلت سورة الأنفال. فقال لي رسول الله ﷺ : اذهب فخذ سلبك. وروى الإمام أحمد «٣» والترمذي- وصححه- عن سعد بن مالك قال: قلت: يا رسول الله! قد شفاني الله اليوم من المشركين، فهب لي هذا السيف، فقال: إن هذا السيف لا لك ولا لي، ضعه. قال، فوضعته ثم رجعت، فقلت: عسى أن يعطي هذا السيف اليوم من لا يبلي بلائي. قال، إذا رجل يدعوني من ورائي. قال، قلت: قد أنزل الله فيّ شيئا. قال: كنت سألتني السيف، وليس هو لي، وإنه قد وهب لي، فهو لك. قال، وأنزل الله هذه الآية يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ... الآية.

стр. 2300

تنبيهات الأول- ذهب بعضهم إلى أن أنفال بدر قسمت من غير تخميس، ثم نزلت بعد ذلك آية الخمس، فنسخت الأولى. قال ابن كثير: فيه نظر. ويرد عليه حديث عليّ بن أبي طالب في شارفيه اللذين حصلا له، من الخمس، يوم بدر. فالصواب أنها مجملة محكمة، بيّن مصارفها في آية الخمس. الثاني- روي عن عطاء أنه فسر (الأنفال) بما شذّ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال من دابة أو أمة أو متاع. قال: فهو نفل للنبيّ ﷺ يصنع به ما يشاء. قال ابن كثير: وهذا يقتضي أنه فسر (الأنفال) بالفيء، وهو ما أخذ من الكفار من غير قتال. قلت: صدق (النفل) عليه، لا شك فيه، وأما كونه المراد من الآية بخصوصه، فلا يساعده سبب نزولها المارّ ذكره، لا سيما قوله: وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ المشير إلى التنازع المتقدم. ثم قال ابن كثير: واختار ابن جرير أنها الزيادة على القسم، أي ما يدفع إلى الغازي زائدا على سهمه من المغنم، والكلام الذي قلته قبل، يجري هنا أيضا. ونقل الرازي عن القاضي أن كل هذه الوجوه تحتمله الآية. قال: وليس فيها دليل على ترجيح بعضها على بعض، وإن صح في الأخبار ما يدل على التعين، قضى به. وإلا فالكل محتمل. وكما أن كل واحد منها جائز، فكذلك إرادة الجميع جائزة، فإنه لا تناقض بينها. أي لصدق (النّفل) عليها. الثالث- وقع عند الزمخشري أن المسلمين اختلفوا في غنائم بدر، لمن الحكم فيها اللمهاجرين أم للأنصار، أم لهم جميعا؟ فأجيبوا بأن الحاكم فيها الرسول، وليس لأحد فيها حكم. وتأثر الزمخشري أبو السعود في سوقه لما ذكر، وزاد عليه اعتماده له، بتطويل مملّ. ولا أدري من أين سرت لهم هذه الرواية. فإن رواة الآثار لم يخرجوها في صحاحهم ولا سننهم، بل ولا أصحاب السير، كابن إسحاق وابن هشام. وهل يمكن للمسلمين أن يختلفوا للحكم على الغنائم، ويتنازعوا ولايتها، والرسول بين أظهرهم؟ ومتى عهد ذلك من سيرتهم؟ سبحانك

стр. 2301

هذا بهتان عظيم! ولكن هو الرأي (قاتله الله!) ونبذ كتب السنة، والتقليد البحث، الذي لا يهتم صاحبه بحقائق الأشياء، ولا يريد معرفتها ولا فحصها بالعقل يضع قدمه على القدم، حيث يكون مطواعا لآراء غيره، منقادا لها مصدقا ما ينطق به فمه، غثّا كان أو سمينا. اللهم نوّر بصيرتنا بفضلك. وقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ أي في الاختلاف والتخاصم، وكونوا متحدين متآخين في الله. وقوله تعالى: وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ أي أحوال بينكم، يعني ما بينكم من الأحوال، حق تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق. وقوله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي في قسمه بينكم، على ما أراه الله تعالى. وقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ متعلق بالأوامر الثلاثة. قال الزمخشري: جعل التقوى، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله ورسوله، من لوازم الإيمان وموجباته، ليعلمهم أن كمال الإيمان موقوف على التوفر عليها: فمعنى قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي كاملي الإيمان. ثم بيّن تعالى من أريد بال (مؤمنين) بذكر أوصافهم الجليلة، المستتبعة لما ذكر من الخصال الثلاث، ترغيبا لهم في الامتثال بالأوامر المذكورة، فقال سبحانه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٢] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أي الكاملون المخلصون فيه الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ أي حقه أو وعيده وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ أي فزعت لذكره، واقشعرت إشفاقا ألا تكون قامت بحقه، وتهيبا من جلاله وعزة سلطانه، وبطشه بالعصاة وعقابه. قال الجشمي: ومتى قيل: لم جاز وصفهم هاهنا بالوجل والطمأنينة في قوله الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ [الرعد: ٢٨] ، فجوابنا فيه وجوه: منها: أنه تطمئن قلوبهم عند ذكر نعمه، وتوجل لخوف عقابه بارتكاب معاصيه. ومنها: أن قلوبهم تطمئن لمعرفة توحيده، ووعده، ووعيده، فعند ذلك توجل

стр. 2302

لأوامره ونواهيه، خوف التقصير في الواجبات، والإقدام على المعاصي، والمستقبل يتغير حاله. انتهى. وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ أي حججه وهي القرآن زادَتْهُمْ إِيماناً أي يقينا وطمأنينة نفس، إلى ما عندهم فإن تظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه، وأثبت لقدمه. وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها، على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب، كما هو مذهب جمهور الأمة. بل قد حكى الإجماع عليه غير واحد، كالشافعيّ وأحمد بن حنبل وأبي عبيد وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي لا يرجون سواه، ولا يخشون غيره، ولا يفوّضون أمورهم إلى غيره. ولما ذكر تعالى، من أعمالهم الحسنة، أعمال القلوب من الخشية والإخلاص والتوكل، أعقبه بأعمال الجوارح من الصلاة والصدقة، بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٣] الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ أي المفروضة بحدودها وأركانها، في أوقاتها. والموصول نعت للموصول الأول، أو بيان له، أو منصوب على المدح. وقوله وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ عامّ في الزكاة، وأنواع البر والقربات. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٤] أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا أي لا شك في إيمانهم. وحَقًّا صفة لمصدر محذوف، أي إيمانا حقّا أو مصدر مؤكد للجملة، أي حق ذلك حقّا، كقولك. هو عبد الله حقّا. قال عمرة بن مرة (في هذه الآية) : إنما أنزل القرآن بلسان العرب، كقولك: فلان سيّد حقّا، وفي القوم سادة. وفلان تاجر حقّا، وفي القوم تجار. وفلان شاعر حقّا، وفي القوم شعراء. انتهى. وكأنه أراد الرد على من زعم أن (حقّا) من صلة قوله: لَهُمْ دَرَجاتٌ بعد، تأكيدا له، وأن الكلام تم عند قوله الْمُؤْمِنُونَ، فإن هذا الزعم يصان عنه أسلوب التنزيل الحكيم.

стр. 2303

وقد تطرف بعض المفسرين هنا لمسألة شهيرة. وهي: هل يجوز أن يقال: أنا مؤمن حقا. قال الطوسي في (نقد المحصل) : المعتزلة ومن تبعهم يقولون: اليقين لا يحتمل الشك والزوال. فقول القائل: (أنا مؤمن إن شاء الله) لا يصح إلا عند الشك، أو خوف الزوال. وما يوهم أحدهما لا يجوز أن يقال للتبرك. انتهى. والغزاليّ في الإحياء، بسط هذه المسألة، وأجاب عمن سوّغ ذلك بأجوبة: منها: التخوف من الخاتمة، لأن الإيمان موقوف على سلامة الخاتمة. ومنها: الاحتراز من تزكية النفس. ومنها: غير ذلك. انظره بطوله. وقال ابن حزم في (الفصل) : القول عندنا في هذه المسألة أن هذه صفة يعلمها المرء من نفسه، فإن كان يدري أنه مصدّق بالله ، وبمحمد ﷺ ، وبكل ما أتى به، وأنه يقر بلسانه بكل ذلك، فواجب عليه أن يعترف بذلك، كما أمر تعالى في قوله: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١] . ولا نعمة أوكد ولا أفضل، ولا أولى بالشكر، من نعمة الإسلام. فواجب عليه أن يقول: أنا مؤمن مسلم قطعا عند الله تعالى، في وقتي هذا. ولا فرق بين قوله (أنا مؤمن مسلم) وبين قوله (أنا أسود أو أنا أبيض) وهكذا سائر صفاته التي لا يشك فيها. وليس هذا من باب الامتداح والعجب في شيء، لأنه فرض عليه أن يحقن دمه بشهادة التوحيد. وقول ابن مسعود: (أنا مؤمن إن شاء الله) عندنا صحيح، لأن الإسلام والإيمان اسمان منقولان عن موضوعهما في اللغة، إلى جميع البر والطاعات. فإنما منع ابن مسعود الجزم على معنى أنه مستوف لجميع الطاعات، وهذا صحيح. ومن ادعى لنفسه هذا فقد كذب بلا شك. وما منع أن يقول المرء (إنّي مؤمن) بمعنى (مصدق) . وأما قول المانعين: (من قال أنا مؤمن، فليقل إنه من أهل الجنة) فالجواب: إنا نقول إن متنا على ما نحن عليه الآن، فلا بد لنا من الجنة بلا شك. وبرهان ذلك أنه قد صح من نصوص القرآن والسنن والإجماع، أن من آمن بالله ورسوله ﷺ ، وبكل ما جاء به، ولم يأت بما هو كفر، فإنه في الجنة إلا أننا لا ندري ما يفعل بنا في الدنيا، ولا نأمن مكر الله تعالى، ولا إضلاله، ولا كيد الشيطان ولا ندري ماذا نكسب غدا، ونعوذ بالله من الخذلان. انتهى كلام ابن حزم ﵀، ولقد أجاد فيما أفاد.

стр. 2304

وقوله تعالى: لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي منازل ومقامات عاليات في الجنة وَمَغْفِرَةٌ أي تجاوز لسيئاتهم وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وهو ما أعدّ لهم من نعيم الجنة. تنبيه: قال الجشمي: تدل الآية على أشياء: منها: أن الإيمان اسم شرعي لثلاث خصال: القول، والاعتقاد، والعمل. خلاف ما تقوله المرجئة. لأن الوجل وزيادة التصديق من فعل القلب، والتدبر والتفكر كذلك، والصلاة والإنفاق من أعمال الجوارح، والتوكل يشتمل على فعل القلب والجوارح. ثم بين في آخره أن من جمع هذه الخصال فهو المؤمن حقا. ومنها: أنها تدل على أن الإيمان يزيد وينقص، لأن هذه الطاعات تزيد وتنقص، وقد نص على ذلك في قوله زادَتْهُمْ إِيماناً. ومنها: أن الواجب عند تلاوة القرآن التدبر والتفكر فيما أمر ونهى، ووعد وأوعد، لينجرّ للرغبة والرهبة. وذلك حثّ على الطاعة، وزجر عن المعاصي. ومنها: وجوب التوكل عليه. والتوكل على ضربين: منها في الدنيا، ومنها في الدين. أما في الدنيا فلا بد من خصال: منها: أن يطلب مصالح دنياه من الوجه الذي أتيح له، ولا يطلب محرما. ومنها: إذا حرم الرزق الحلال لا يعدل إلى محرّم. ومنها: ألا يظهر الجزع عند الضيق، بل يسلك فيه طريق الصبر، واعتقاد أن ما هو فيه مصلحة له. ومنها: أن ما يرزق من النعم بعدها، من جهته تعالى. إما بنفسه أو بواسطة. ومنها: ألا يحبسه عن حقوقه خشية الفقر. ومنها: ألا يسرف في النفقة ولا يقتر. فعند اجتماع هذه الخصال يصير متوكلا. فأما الذي يزعمه بعضهم أن التوكل إهمال النفس، وترك العمل- فليس بشيء. وقد أمر الله تعالى بالإنفاق، وبالعمل. وثبت عن الصحابة- وهم سادات الإسلام- التجارة والزراعة والأعمال. وكذلك التابعين. وبهذا أجرى الله العادة. وقد أمر النبيّ «١» ﷺ الأعرابيّ أن يعقل ناقته ويتوكل.

стр. 2305

فأما التوكل في الدين فخصال: منها: أن يقوم بالواجبات، ويجتنب المحارم، لأنه بذلك يصل إلى الجنة والرحمة. ومنها: أن يسأله التوفيق والعصمة. ومنها: أن يرى جميع نعمه منه، إذ حصل بهدايته وتمكينه ولطفه. ومنها: أن لا يثق بطاعته جملة، بل يطيع ويجتنب المعاصي، ويرجو رحمة ربه، ويخاف عذابه. فعند ذلك يكون متوكلا. ثم قال الجشمي: وتدل الآية على أن تارك الصلاة والزكاة لا يكون مؤمنا، خلاف قول المرجئة. انتهى. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٥] كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ الكاف في (كما) كاف التشبيه، والعامل فيه يحتمل وجوها، فإما هو معنى الفعل الذي دل عليه قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ، تقديره نزع الأنفال من أيديهم بالحق، كما أخرجك بالحق. وإما هو معنى الحق، يعني هذا الذكر حق، كما أخرجك بالحق. وإما أنه خبر مبتدأ محذوف هو المشبه، أي حالهم هذه في كراهة تنفيل الغزاة، كحال إخراجك من بيتك للحرب في كراهتهم له (كما سيأتي في تفصيل القصة) . وهذا هو قول الفرّاء، فإنه قال: الكاف شبهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته، بالقصة المتقدمة، التي هي سؤالهم عن الأنفال وكراهتهم لما وقع فيها، مع أنها أولى بحالهم. وقوله تعالى: مِنْ بَيْتِكَ أراد به بالمدينة، أو المدينة نفسها، لأنها مثواه. أي إخراجه إلى بدر. وزعم بعض أن المراد إخراجه ﷺ من مكة إلى المدينة للهجرة. وهو ساقط، برده سياق القصة البدرية في الآيات بعد. وملخصها أن أبا سفيان قدم بعير من الشام في تجارة عظيمة، فخرج النبيّ ﷺ وأصحابه ليغنموها، فعلمت قريش. فخرج أبو جهل ومقاتلو مكة ليذبّوا عنها، وهم النفير. وأخذ أبو سفيان بالعير

стр. 2306

طريق الساحل، فنجت. فقيل لأبي جهل: ارجع، فأبى وسار إلى بدر. فشاور ﷺ أصحابه وقال لهم: إن الله وعدني إحدى الطائفتين ، فوافقوه على قتال النفير، وكره بعضهم ذلك، وقالوا: لم نستعد له، كما قال تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٦] يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ وهو الجهاد وتلقي النفير بَعْدَ ما تَبَيَّنَ أي ظهر لهم أنهم ينصرون فيه كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ أي يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت، وهو ناظر إلى أسبابه، وكان ذلك لقلة عددهم، وعدم تأهبهم. إذ روي أنهم كانوا ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فيهم فارسان، المقداد والزبير. وقيل الأول فقط. والمشركون ألف، ذوو عدّة وعدّة وفيه تعريض بأنهم إنما يسار بهم إلى الظفر والغنيمة للوعد الحق. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٧] وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ العير أو النفير أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أي تحبون أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وهو العير، لا ذات الشوكة، وهي النفير. والشوكة: السلاح أو حدته وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ أي يثبته ويعليه، وهو دعوة رسوله بِكَلِماتِهِ أي بآياته المنزلة، وأوامره في هذا الشأن وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ أي يستأصلهم، فلا يبقى منهم أحدا. ثم بيّن تعالى الحكمة في اختيار ذات الشوكة لهم ونصرتهم عليها، بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٨] لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ أي ليثبت الدين الحق، ويمحق الدين الباطل، باستئصال أهله، مع ظهور شوكتهم وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ أي المشركون ذلك. ثم ذكرهم تعالى التجاءهم إليه، واستمدادهم منه النصر يوم بدر، وإمداده حينئذ بقوله سبحانه:

стр. 2307

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٩] إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ أي تطلبون منه الغوث، وهو التخلص من الشدة، والعون بالنضر عليهم فَاسْتَجابَ لَكُمْ أي الدعاء أَنِّي مُمِدُّكُمْ أي معينكم بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ بكسر الدال، أي متتابعين، بعضهم على إثر بعض، أو مردفين غيرهم. وقرئ بفتحها على معنى أن الله أردف المسلمين بهم، أو مردفين بغيرهم، أي من ملائكة آخرين. وقرئ (بآلاف) بالجمع، كما يأتي. روى مسلم «١» عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا فاستقبل نبيّ الله ﷺ القبلة ثم مدّ يده فجعل يهتف بربه ويقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني. اللهم آتني ما وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض. فما زال يهتف بربه مادّا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه. فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ. وروى البخاري «٢» عن ابن عباس أن النبيّ ﷺ قال يوم بدر: هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب. وروى البخاري «٣» عن معاذ بن رفاعة، عن رافع الزرقيّ، عن أبيه- وكان ممن شهد بدرا- قال: جاء جبريل إلى النبيّ ﷺ فقال: ما تعدّون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسمين- أو كلمة نحوها- قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة. تنبيهات: الأول- قال الجشمي: تدل الآية على أن الملك يجوز أن يتشبه بالآدمي، ولا يخرج من كونه ملكا، بأن يغير أطرافهم دون الأجزاء التي صاروا بها أحياء والذي ينكر أن يقدر أحد على تغيير الصور، بل نقول: إن الله هو الذي يقدر على ذلك. انتهى.

стр. 2308

الثاني- قال الزمخشري: وعن السدّي (بآلاف من الملائكة) - على الجمع- ليوافق ما في سورة آل عمران. فإن قلت: فيم يعتذر لمن قرأ على التوحيد، ولم يفسر (المردفين) بإرداف الملائكة ملائكة آخرين، و (المردفين) بارتدافهم غيرهم؟ قلت: بأن المراد بالألف، من قاتل منهم، أو الوجوه منهم، الذين من سواهم أتباع لهم. انتهى. وقال شمس الدين ابن القيّم في (زاد المعاد) في بحث غزوة بدر: فإن قيل: هاهنا ذكر أنه أمدهم بألف، وفي سورة آل عمران قال: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران: ١٢٤- ١٢٥] ، فكيف الجمع بينهما؟ قيل: اختلف في هذا الإمداد الذي بثلاثة آلاف، والذي بخمسة، على قولين: أحدهما: أنه كان يوم (أحد) . وكان إمدادا معلقا على شرط، فلما فات شرطه، فات الإمداد. وهذا قول الضحاك ومقاتل. وإحدى الروايتين عن عكرمة. والثاني: أنه كان يوم بدر، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. والرواية الأخرى عن عكرمة واختاره جماعة من المفسرين. وحجة هؤلاء أن السياق يدل على ذلك. فإنه سبحانه قال: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا، إلى أن قال: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ أي هذا الإمداد إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ [آل عمران: ١٢٣- ١٢٦] . قال هؤلاء: فلما استغاثوا، أمدهم بألف، ثم أمدهم بتمام ثلاثة آلاف، ثم أمدهم بتمام خمسة آلاف، لما صبروا واتقوا. وكان هذا التدريج، ومتابعة الإمداد، أحسن موقعا، وأقوى لتقويتهم وأسرّ لها من أن يأتي مرة واحدة، وهو بمنزلة متابعة الوحي، ونزوله مرة بعد مرة. وقالت الفرقة الأولى: القصة في سياق (أحد) وإنما أدخل ذكر (بدر) اعتراضا في أثنائها، فإنه سبحانه قال: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران: ١٢١- ١٢٢] ، ثم قال: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فذكره نعمه عليهم، لما نصرهم ببدر وهم أذلة، ثم عاد إلى قصة (أحد) ، وأخبر عن قول رسوله لهم أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ

стр. 2309

بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ [آل عمران: ١٢٣- ١٢٦] ، ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا أمدهم بخمسة آلاف. فهذا من قول رسوله، والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى، وهذا بخمسة آلاف، وإمداد بدر بألف، وهذا معلق على شرط، وذلك مطلق. والقصة في سورة آل عمران، هي قصة (أحد) مستوفاة مطولة، و (بدر) ذكرت فيها اعتراضا. والقصة في سورة الأنفال قصة (بدر) مستوفاة مطولة، فالسياق في آل عمران غير السياق في الأنفال. يوضح هذا أن قوله: وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا [آل عمران: ١٢٥] ، قد قال مجاهد: هو يوم (أحد) ، وهذا يستلزم أن يكون الإمداد المذكور فيه، فلا يصح قوله إن الإمداد بهذا العدد كان يوم بدر وإتيانهم من فورهم هذا يوم أحد، والله أعلم. انتهى. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ١٠] وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ أي هذا الإمداد إِلَّا بُشْرى أي بشارة لكم بالنصر وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي من غير أن يكون فيه شركة لغيره إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ قال بعض الحكماء: ذكر تعالى في هذه الآية حكمة إخبارهم بالنصر، وأنه يريد بشراهم وطمأنينتهم وتوكلهم عليه، وهو أدعى إلى قوة العزيمة. فإن العامل إذا أيقن بأن معه قاهر الكون: رفعته تلك الفكرة، وجعلته أقوى الناس، وأقدرهم على صعاب الأمور، لا كما يظنه المنتكسون الجاهلون الكسالى اليائسون من روح الله، حيث جعلوا التوكل ذريعة إلى البطالة، فباءوا بغضب على غضب. انتهى. ثم ذكّرهم سبحانه بنعم أخرى جعلها سببا لنصرهم، وللعناية بهم، فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ١١] إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ أي يلقي عليكم النوم للأمن الكائن منه تعالى،

стр. 2310

مما حصل لكم من الخوف من كثرة عدوّكم. وقد كان أسهرهم الخوف، فألقى تعالى عليهم النوم فأمنوا واستراحوا. وكذلك فعل تعالى بهم يوم (أحد) ، كما قال جل ذكره ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ [آل عمران: ١٥٤] ، وقرئ يُغَشِّيكُمُ من الإغشاء، بمعنى التغشية والفاعل في الوجهين هو الله تعالى وقرئ (يغشاكم) على إسناد الفعل إلى النعاس. وفي الصحيح «١» أن رسول الله ﷺ لما كان يوم (بدر) في العريش مع الصديق ﵁، وهما يدعوان، أخذت رسول الله ﷺ سنة من النوم، ثم استيقظ متبسما، فقال: أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل، على ثغاياه النقع. ثم خرج من باب العريش، وهو يتلوا سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: ٤٥] . ثم ذكّرهم تعالى منة أخرى تدل على نصره إياهم بقوله سبحانه: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ أي: من الحدث الأصغر والأكبر، وهو تطهير الظاهر وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ أي وسوسته بأنكم على هذا الرمل لا تتمكنون من المحاربة، ومع فقد الماء كيف تفعلون؟ فأزال تعالى بإنزاله، ذلك. فكان لهم به طهارة باطنة، فكملت لهم الطهارتان، أي من وسوسة أو خاطر سيء، وهو تطهير الباطن وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ أي يقويها بالثقة، بالأمن وزوال الخوف وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ أي على الرمل. قال مجاهد: أنزل الله عليهم المطر، فأطفأ به الغبار، وتلبدت به الأرض، وطابت نفوسهم وثبتت به أقدامهم. قال الجشمي: قال القاضي: وهو أشبه بالظاهر. وقيل بالصبر وقوة القلب التي أفرغها عليهم، حتى ثبتوا لعدوّهم. وقوله (به) يرجع إلى الماء المنزل، أو إلى ما تقدم من البشارة والنصر. ثم أشار تعالى إلى نعمة خفية أظهرها تعالى لهم ليشكروه عليها بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ١٢] إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أي الذين أمدّ بهم المسلمين أَنِّي مَعَكُمْ أي بالعون والنصر.

стр. 2311

قال الجشمي: يحتمل مع الملائكة، إذ أرسلهم ردءا للمسلمين، ويحتمل مع المسلمين، كأنه قيل: أوحي إلى الملائكة أني مع المؤمنين، فانصروهم وثبتوهم. وقوله تعالى: فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا أي بدفع الوسواس وبالقتال معهم والحضور مددا وعونا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ أي الخوف. ثم علمهم تعالى كيفية الضرب بقوله تعالى: فَاضْرِبُوا أمر للمؤمنين أو للملائكة. وعليه، ففيه دليل على أنهم قاتلوا فَوْقَ الْأَعْناقِ أي أعالي الأعناق التي هي المذابح، تطييرا للرؤوس. أو أراد الرؤوس، لأنها فوق الأعناق وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ أي أصابع. جمع (بنانة) قيل: المراد بالبنان، مطلق الأطراف مجازا، تسمية للكل بالجزء، لوقوعها في مقابلة الأعناق والمقاتل. والمعنى: اضربوهم كيفما اتفق من المقاتل وغيرها. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ١٣] ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣) ِكَ أي الضرب أو الأمر به أَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي خالفوهما فيما شرعا. وقوله تعالى: مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ تقرير لما قبله، إن أريد بالعقاب ما وقع لهم في الدنيا، أو وعيد بما أعدّ لهم في الآخرة، بعد ما حاق بهم في الدنيا، وبيان لخسرانهم في الدارين. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ١٤] ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤) ذلِكُمْ خطاب للكفرة على طريقة الالتفات فَذُوقُوهُ أي ذلك العذاب، أيها الكفار، في الدنيا وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ في الآخرة. ثم نهى تعالى عن الفرار من الزحف، مبينا وعيده بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ١٥] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ أي الظهور

стр. 2312

بالانهزام. و (الزحف) الجيش الكثير، تسمية بالمصدر، والجمع زحوف، مثل فلس وفلوس. ويقال: زحف إليه، أي مشى، وزحف الصبيّ على استه قبل أن يقوم. شبه بزحف الصبيان مشي الجيش الكثير للقتال، لأنه لكثرته يرى كأنه يزحف، أي يدب دبيبا قبل التداني للضراب أو الطعان. قال أبو السعود: زَحْفاً منصوب، إما على أنه حال من مفعول لَقِيتُمُ أي: زاحفين نحوكم، أو على أنه مصدر مؤكد لفعل مضمر، هو الحال منه، أي يزحفون زحفا. وأما كونه حالا من فاعله أو منه، ومن مفعوله معا كما قيل- فيأباه قوله تعالى فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ إذ لا معنى لتقييد النهي عن الإدبار بتوجههم السابق إلى العدوّ، أو بكثرتهم. بل توجه العدوّ إليهم وكثرتهم هو الداعي إلى الإدبار عادة، والمحوج إلى النهي عنه. وحمله على الإشعار بما سيكون منهم يوم حنين، حيث تولّوا مدبرين، وهم زحف من الزحوف اثنا عشر ألفا- بعيد. والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال، وهم كثير جمّ، وأنتم قليل، فلا تولوهم أدباركم، فضلا عن الفرار، بل قابلوهم وقاتلوهم، فضلا عن أن تدانوهم في العدد أو تساووهم. قال الشهاب: عدل عن لفظ الظهور إلى الأدبار تقبيحا للانهزام، وتنفيرا عنه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ١٦] وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ أي يوم اللقاء دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أي مائلا له. يقال: تحرف وانحرف واحرورف: مال وعدل. وهذا التحرف إما بالتوجه إلى قتال طائفة أخرى أهمّ من هؤلاء، وإما بالفرّ للكرّ، بأن يخيّل عدوه أنه منهزم ليغره، ويخرجه من بين أعوانه، فيفرّ عنه، ثم يكرّ عليه وحده أو مع من في الكمين من أصحابه، وهو باب من مكايد الحرب أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ أي منضمّا إلى جماعة أخرى من المسلمين ليستعين بهم فَقَدْ باءَ أي رجع بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أي ما صار إليه من عذاب النار.

стр. 2313

تنبيهات: الأول- دلت الآية على وجوب مصابرة العدو، أي الثبات عند القتال، وتحريم الفرار منه يوم الزحف، وعلى أنه من الكبائر. لأنه توعد عليه وعيدا شديدا. الثاني- ظاهر الآية العموم لكل المؤمنين في كل زمن، وعلى كل حال، إلّا حالة التحرف أو التحيز، وهو مروي عن ابن عبّاس واختاره أبو مسلم. قال الحاكم: وعليه أكثر الفقهاء. وروي عن جماعة من السلف أن تحريم الفرار المذكور مختص بيوم (بدر) ، لقوله تعالى وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ وأجيب بأن الإشارة في يَوْمَئِذٍ إلى يوم لقاء الزحف كما يفيده السياق، لا إلى يوم بدر. الثالث- ذهب جماعة من السلف إلى أن معنى قوله تعالى أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ أي جماعة أخرى من المسلمين، سوى التي هو فيها، سواء قربت تلك الفئة أو بعدت وقد روي أن أبا عبيد قتل على الجسر بأرض فارس، لكثرة الجيش من ناحية المجوس، فقال عمر ﵁: لو تحيز إلي لكنت له فئة. وفي رواية عنه: أيها الناس! أنا فئتكم. وقال الضحاك: المتحيز إلى فئة، الفارّ إلى النبيّ وأصحابه. وكذلك من فرّ اليوم إلى أميره أو أصحابه. وجنح إلى هذا ابن كثير حيث قال: من فرّ من سرية إلى أميره، أو إلى الإمام الأعظم، دخل في هذه الرخصة. ثم أورد حديث عبد الله بن عمر المروي عند الإمام أحمد «١» وأبي داود» والترمذيّ «٣» وغيرهم. قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله ﷺ ، فحاص الناس حيصة، فكنت فيمن حاص، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب، ثم قلنا: لو دخلنا المدينة. فبتنا! ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ ، فإن كانت لنا توبة، وإلا ذهبنا! فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: من القوم؟ فقلنا: نحن الفرارون. فقال: لا، بل أنتم العكّارون، أنا فئتكم وفئة المسلمين، قال: فأتيناه حتى قبلنا يده . قال الترمذي: حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي زياد- انتهى- أي وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. قال الحاكم في (مسألة الفرار) : إن ذلك يرجع إلى ظن المقاتل واجتهاده. فإن ظن المقاومة لم يحلّ الفرار. وإن ظن الهلاك، جاز الفرار

стр. 2314

إلى فئة وإن بعدت، وإذا لم يقصد الإقلاع عن الجهات. وحمل عليه حديث ابن عمر المذكور. وعن الكرخي: أن الثبات والمصابرة واجب، إذا لم يخش الاستئصال، وعرف عدم نكايته للكفار، والتجأ إلى مصر للمسلمين، أو جيش، وهكذا أطلق في (شرح الإبانة) فلم يبح الفرار إلا بهذه الشروط الثلاثة، ولم يعتبر العدد الآتي بيانه. الرابع- روي عن عطاء أن حكم هذه الآية منسوخ بقوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ [الأنفال: ٦٦] ، قال الحاكم: إذا أمكن الجمع فلا نسخ وأقول: كنا أسلفنا أن السلف كثيرا ما يعنون ب (النسخ) تقييد المطلق، أو تخصيص العامّ، فلا ينافي كونها محكمة إطلاقهم النسخ عليها. قال بعض الأئمة: هذه الآية عامة تقضي بوجوب المصابرة، وإن تضاعف عدد المشركين أضعافا كثيرة. لكن هذا العموم مخصوص بقوله تعالى في السورة هذه: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً [الأنفال: ٦٥] فأوجب الله المصابرة على الواحد للعشرة. لأنه خبر معناه الأمر. فلما شق ذلك على المسلمين رحمهم الله تعالى، وأوجب على الواحد مصابرة الاثنين، فقال تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ [الأنفال: ٦٦] . وعن ابن عباس: من فرّ من اثنين فقد فرّ، ومن فرّ من ثلاثة فلم يفرّ. وبالجملة، فلا منافاة بين هذه الآية وآية الضّعف، فإن هذه الآية مقيدة بها، فيكون الفرار من الزحف محرما بشرط ما بينه الله في آية الضّعف. وفي (المهذب) : إن زاد عددهم على مثلي عدد المسلمين، جاز الفرار. لكن إن غلب على ظنهم أنهم لا يهلكون، فالأفضل الثبات. وإن ظنوا الهلاك، فوجهان: يلزم الانصراف لقوله تعالى وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥] . والثاني: يستحب ولا يجب، لأنهم إن قتلوا فازوا بالشهادة. وإن لم يزد عدد الكفار على مثلي عدد المسلمين، فإن لم يظنوا الهلاك، لم يجز الفرار. وإن ظنوه فوجهان: يجوز لقوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥] . ولا يجوز، وصححوه لظاهر الآية. ثم بيّن تعالى أن نصرهم يوم بدر، مع قلتهم، كان بحوله تعالى وقوته، فقال سبحانه:

стр. 2315

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ١٧] فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ أي يقوّتكم وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ أي سبّب في قتلهم بنصرتكم وخذلانهم وألقى الرعب في قلوبهم، وقوى قلوبكم، وأمدكم بالملائكة، وأذهب عنها الفزع والجزع وَما رَمَيْتَ أي أنت يا خاتم النبيين، أي ما بلغت رمية الحصباء إلى وجوه المشركين إِذْ رَمَيْتَ أي بالحصباء، لأن كفّا منها لا يملأ عيون الجيش الكثير برمية بشر وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى أي بلغ بإيصال ذلك إليهم ليقهرهم. وقال أبو مسلم (في معنى الآية) : أي ما أصبت إذ رميت، ولكن الله أصاب. والرمي لا يطلق إلا عند الإصابة، وذلك ظاهر في أشعارهم. وقد روي عن غير واحد أنها نزلت في شأن القبضة من التراب التي حصب بها النبيّ ﷺ وجوه المشركين يوم بدر، حين خرج من العريش، بعد دعائه وتضرعه واستكانته. فرماهم بها وقال (شاهت الوجوه) . ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الحملة إثرها، ففعلوا، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين، فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله، وانهزموا. تنبيه: قال الجشمي: تدل الآية أن فعل العبد يضاف إليه تعالى إذا كان بنصرته ومعونته وتمكينه. إذ معلوم أنهم قتلوا، وأنه رمى، ولذلك قال إِذْ رَمَيْتَ ولهذا يضاف إلى السيد ما يأتيه غلامه. وتدل على أن الإضافة بالمعونة والأمر، صارت أقوى، فلذلك قال فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ. وقال في (العناية) : استدل بهذه الآية والتي قبلها على أن أفعال العباد بخلقه تعالى، حيث نفى القتل والرمي. والمعنى: إذ رميت أو باشرت صرف الآلات. والحاصل: ما رميت خلقا إذ رميت كسبا. وأورد عليه أن المدعي، وإن كان حقا، لكن لا دلالة في الآية عليه، لأن التعارض بين النفي والإثبات الذي يتراءى في بادئ النظر، مدفوع بأن المراد ما رميت رميا تقدر به على إيصاله إلى جميع العيون، وإن رميت حقيقة وصورة، وهذا مراد من قال: (ما رميت حقيقة، إذ رميت صورة) فالمنفيّ هو الرمي الكامل، والمثبت أصله، وقدر منه. فالإثبات والنفي لم يردا على
следующие страницы →