← Тафсир

Тафсир · id 23632

تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

ابن عطية

Полный текст (3 012 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ٥٠ الى ٥٢] قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢) استبد موسى ﷺ من حيث خصه في السؤال ثم أعلمه من صفات الله تعالى بأن لا شرك لفرعون فيه ولا بوجه مجاز واختلف المفسرون في قوله الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ فقالت فرقة معناه أعطى الذكران من كل الحيوان نوعه وخلقته أنثى ثُمَّ هَدى للإتيان، وقالت فرقة بل المعنى أعطى كل موجود من مخلوقاته خلقته وصورته، أي أكمل ذلك له وأتقنه ثُمَّ هَدى أي يسر كل شيء لمنافعه ومرافقه. قال القاضي أبو محمد: وهذا القول أشرف معنى وأعم في الموجودات، وقرأت فرقة «خلقه» بفتح اللام ويكون المفعول الثاني ب أَعْطى مقدرا تقديره كماله أو خلقته، وقول فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى يحتمل أن يريد محاجته بحسب ما تقدم من القول ومناقضته فيه، فليس يتجه على هذا أن يريد ما بال القرون الأولى ولم يوجد أمرك عندها، فرد موسى ﵇ علم ذلك إلى الله تعالى، ويحتمل أن يريد فرعون قطع الكلام الأول والرجوع إلى سؤال موسى عن حالة من سلف من الناس روغانا في الحجة وحيدة وقال «البال» الحال فكأنه سألهم عن حالهم كما جاء في الحديث «يهديكم الله ويصلح بالكم» . وقال النقاش إنما قال فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى لما سمع مؤمن آله يا قوم إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ [غافر: ٣٠] مثل دأب قوم نوح وعاد» الآية ورد موسى العلم إلى الله تعالى لأنه لم تأته التوراة بعد. وقوله فِي كِتابٍ يريد في اللوح المحفوظ أو فيما كتبه الملائكة من أحوال البشر. وقرأت فرقة «لا يضل» بفتح الياء وكسر الضاد واختلف في معنى هذه القراءة فقالت فرقة هو ابتداء الكلام تنزيه لله تعالى عن هاتين الصفتين وقد كان الكلام تم في قوله فِي كِتابٍ ويَضِلُّ معناه ينتلف ويعمه، وقالت فرقة بل قوله لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى من صفات الكتاب أي إن الكتاب لا يغيب عن الله تعالى، تقول العرب ضلني الشيء إذا لم أجده وأضللته أنا ومنه قول النبي صلى الله عليه حكاية عن الإسرائيلي الذي طلب أن يحرق بعد موته «لعلي أضل الله» الحديث، ويَنْسى أظهرها ما فيه أن يعود ضميره إلى الله تعالى ويحتمل أن يعود إلى الكتاب في بعض التأويلات يصفه بأنه لا يَنْسى أي لا يدع شيئا، فالنسيان هنا استعارة كما قال في موضع آخر إِلَّا أَحْصاها [الكهف: ٤٩] فوصفه بالإحصاء من حيث حصرت فيه الحوادث. قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ٥٣ الى ٥٦] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤) مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥) وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦)

стр. 1717

انظر إن هذا الأشياء التي ذكرها موسى ﵇ هي مما تقضي بداية العقول أن فرعون وكل بشر بعيد منها لأنه لو قال هو القادر الرازق المريد العالم ونحو هذا من العبارات لأمكن فرعون أن يغالط فيقول أنا أفعل هذا كله فإنما أتاه موسى ﵇ بصفات لا يمكنه أن يقول إن ذلك له وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «مهادا» بكسر الميم وبألف، والمهاد قيل هو جمع مهد، وقيل اسم مفرد كفرش وفراش، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «جعل لكم الأرض مهدا» بفتح الميم وسكون الهاء، وقوله سَلَكَ بمعنى نهج ولحب، و «السبل» الطرق، وقوله فَأَخْرَجْنا بِهِ يحتمل أن يكون كلام موسى تم عند قوله وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ثم وصل الله تعالى كلام موسى بإخباره لمحمد ﷺ والمراد الخلق أجمع، فهذه الآيات المنبهة عليها، و «الأزواج» هنا بمعنى الأنواع، وقوله شَتَّى نعت للأزواج أي مختلفات، وقوله كُلُوا وَارْعَوْا بمعنى هي صالحة لأن يؤكل منها وترعى الغنم فيها فأخرج العبارة في صيغة الأمر لأنه أرجى الأفعال وأهدأها للنفوس، والنُّهى جمع نهية والنهية العقل الناهي عن القبائح، وقوله تعالى مِنْها خَلَقْناكُمْ يريد من الأرض، وهذا من حيث خلق آدم من تراب. وقوله وَفِيها نُعِيدُكُمْ يريد بالموت والدفن أو الفناء كيف كان وقوله وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ يريد بالبعث ليوم القيامة، وقوله تعالى وَلَقَدْ أَرَيْناهُ إخبار لمحمد ﷺ عن فرعون، وهذا يؤيد أن الكلام من قوله فَأَخْرَجْنا إنما هو خطاب لمحمد ﷺ ، وقوله كُلَّها عائد على الآيات التي رآها لا أنه رأى كل آية لله، وإنما المعنى أن الله تعالى أراه آيات ما بكما لها فأضاف الآيات إلى ضمير العظمة تشريفا لها، وقوله تعالى: وَأَبى يقتضي تكسب فرعون وهذا هو الذي يتعلق به الثواب والعقاب. قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ٥٧ الى ٥٩] قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) هذه المقاولة من فرعون تدل على أن أمر موسى قد كان قوي وكثر متبعوه من بني إسرائيل ووقع أمره في نفوس الناس، وذلك أنها مقاولة من يحتاج إلى الحجة لا من يصدع بأمر نفسه، وأرضهم هي أرض مصر، وقرأت فرقة «لا نخلفه» بالرفع، وقرأت فرقة «لا نخلفه» بالجزم على جواب الأمر، ونَحْنُ تأكيد للضمير من حيث احتاج الكلام إلى العطف عليه أكد، ومَوْعِداً مفعول أول ل فَاجْعَلْ، ومَكاناً مفعول ثان هذا الذي اختار أبو علي ومنع أن يكون مَكاناً معمولا لقوله مَوْعِداً لأنه قد وصف وهذه الأسماء العاملة عمل الفعل إذا نعتت أو عطف عليها أو أخبر عنها أو صغرت أو جمعت وتوغلت في الاسمية بمثل هذا لم تعمل ولا تعلق بها شيء هو منها، وقد يتوسع في الظروف فتعلق بعد ما

стр. 1718

ذكرنا كقوله : يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ [غافر: ١٠] ، فقوله إِذْ [غافر: ١٠] معلق بقوله لَمَقْتُ اللَّهِ [غافر: ١٠] وهو قد أخبر عنه وإنما جاز هذا في الظروف خاصة، وكذلك منع أبو علي أن يكون قوله مَكاناً قصيا على الظرف الساد مسد المفعول. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر ومنع قوم أن يكون مَكاناً نصب على المفعول الثاني بتخلفه، وجوزه جماعة من النحاة ووجهه أن يتسع في أن يخلف الوعد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع والكسائي «سوى» بكسر السين، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة «سوى» بضمها، والجمهور نون الواو، وقال أبو الفتح ترك الصرف هنا مشكل والذي ينبغي أن يكون محمولا على الوقف، وقرأت فرقة «سوى» ذكره أبو عمرو عن ابن أبي عبلة ومعنى «سوى» أي عدلا ونصفة قال أبو علي: فكأنه قال «مكانا» قربه منكم قربه منا (ع) إنما أراد أن حالنا فيه مستوية فيعم ذلك القرب وأن تكون المنازل فيه واحدة في تعاطي الحق أي لا يعترضكم فيه الرياسة وإنما تقصد الحجة. وسُوىً لغة في سوى ومن هذه اللفظة قول الشاعر [موسى ابن جابر الحنفي] [الطويل] وإن أبانا كان حل ببلدة ... سوى بين قيس قيس عيلان والفزر وقالت فرقة مستويا من الأرض لا وهد فيه ولا نشز، وقالت فرقة معناه سوى مكانا هذا فقال موسى مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ اتسع في الظرف من قرأه برفع «يوم» فجعله خبرا، وقرأ الحسن والأعمش والثقفي «يوم» بالنصب على الظرف والخبر مقدر، وروي أن يَوْمُ الزِّينَةِ كان عيدا لهم ويوما مشهورا وصادف يوم عاشوراء وكان يوم سبت وقيل هو يوم كسر الخليج الباقي إلى اليوم. وقوله وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ عطف على الزِّينَةِ فهو في موضع خفض، ويحتمل أن يكون في موضع رفع على تقدير وموعدكم أن يحشر الناس، ويقلق عطفه على «اليوم» ، وفيه نظر، وقرأ الجمهور «حشر الناس» رفعا وقرأ ابن مسعود والخدري وجماعة «يحشر الناس» بفتح الياء وضم الشين ونصب «الناس» وقرأت فرقة «نحشر الناس» بالنون. والحشر الجمع ومعناه نحشر الناس لمشاهده المعارضة والتهيؤ لقبول الحق حيث كان. قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ٦٠ الى ٦٤] فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠) قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (٦٤) المعنى فَجَمَعَ السحرة ووعدهم وأمرهم بالإعداد لموسى، وروي أمرهم، فهذا هو كَيْدَهُ، ثُمَّ أَتى فرعون بجمعه وأهل دولته والسحرة معه وكانت عصابة لم يخلق الله أسحر منها وجاء أيضا موسى ﵇ ببني إسرائيل معه فقال موسى للسحرة وَيْلَكُمْ وهذه مخاطبة محذرة ندبهم في هذه الآية إلى

стр. 1719

قول الحق إذا رأوه وأن لا يباهتوا بكذب وقرأ ابن عباس ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر «فيسحتكم» بفتح الياء، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «فيسحتكم» بضم الياء وهما لغتان بمعنى يقال سحت وأسحت إذا أهلك وأذهب ومنه قول الفرزدق: [الطويل] وعض زماني يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلف فهذا من أسحت فلما سمع السحرة هذه المقالة هالهم هذا المنزع ووقع في نفوسهم من مهابته أمر شديد فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ والتنازع يقتضي اختلافا كان بينهم في السر أي قال بعضهم لبعض هو محق، وقال بعضهم هو مبطل، وقال بعضهم إن كان من عند الله فسيغلبنا ونحو هذا من الأقوال التي تعهد من الجموع الكثيرة في وقت الخوف كالحرب ونحو هذا، ومعلوم أن جميع تناجيهم إنما كان في أمر موسى. وقالت فرقة إنما كان تناجيهم بالآية التي بعد هذا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ ع والأظهر أن تلك قيلت علانية ولو كان تناجيهم ذلك لم يكن ثم تنازع، والنَّجْوى السرار والمساررة أي كان كل رجل يناجي من يليه، ثم جعلوا ذلك سرا مخافة فرعون أن يتبين فيهم ضعفا لأنهم لم يكونوا حينئذ مصممين على غلبة موسى بل كان ظنا من بعضهم، وقوله تعالى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ الآية، قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي «إنّ» مشددة النون «هذان» بألف ونون مخففة للتثنية. وقرأ أبو عمرو وحده «إن هذين لساحران» وقرأ ابن كثير «إن هذان» بتخفيف نون «إن» وتشديد نون «هذان لسحران» ، وقرأ حفص عن عاصم «إن» بالتخفيف «هذان» خفيفة أيضا «لساحران» ، وقرأت فرقة «إن هذان إلا ساحران» ، وقرأت فرقة «إن ذان لساحران» ، وقرأت فرقة «ما هذان إلا ساحران» ، وقرأت فرقة «إن هذانّ» بتشديد النون من «هذان» . فأما القراءة الأولى فقالت فرقة قوله «إن» بمعنى نعم كما روي أن رسول الله ﷺ ، قال في خطبته: «إن الحمد لله» فرفع الحمد وقال ابن الزبير إن وراكبها حين قال له الرجل فأبعد الله ناقة حملتني إليك ويلحق هذا التأويل أن اللام لا تدخل في خبر الابتداء وهو مما يجوز في الشعر ومنه قول الشاعر: [الرجز] أم الحليس لعجوز شهربه ... ترضى من اللحم بعظم الرقبه وذهبت فرقة إلى أن هذه الآية على لغة بلحارث وهو إبقاء ألف التثنية في حال النصب والخفض فمن ذلك قول الشاعر [هوبر الحارثي] : [الطويل] تزود منها بين أذناه ضربة ... دعته إلى هابي التراب عقيم وقال الآخر: [الطويل] فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى ... مساغا لنا باه الشجاع لصمها وتعزى هذه اللغة لكنانة وتعزى لخثعم وقال الفراء الألف في «هذان» دعامة وليست بمجلوبة للتثنية وإنما هي ألف هذا تركبت في حال التثنية كما تقول الذي ثم تزيد في الجمع نونا وتترك الياء في حال الرفع والنصب والخفض وقال الزجاج في الكلام ضمير تقديره إنه هذان لساحران. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا التأويل دخول اللام في الخبر وقال بعض النحاة ألف «هذان»

стр. 1720

مشبهة هنا بألف تفعلان وقال ابن كيسان لما كان هذا بحال واحدة في رفعه ونصبه وخفضه تركت تثنيته هنا كذلك، وقالت جماعة، منهم عائشة ﵂ وأبو بكر، هذا مما لحن الكاتب فيه وأقيم بالصواب وهو تخفيف النون من أن ع وهذه الأقوال معترضة إلا ما قيل من أنها لغة، و «إن» بمعنى أجل ونعم أو «إن» في الكلام ضميرا وأما من قرأ «إن» خفيفة فهي عن سيبويه المخففة من الثقيلة ويرتفع بعدها الاسم ويقول الفراء هي بمعنى ما واللام بمعنى إلا ووجه سائر القراءات بينّ. وعبر كثير من المفسرين عن «الطريقة» بالسادة وأنها يراد بها أهل العقل والسن والحجى وحكوا أن العرب تقول فلان طريقة قومه أي سيدهم والأظهر في «الطريقة» هنا أنها السيرة والمملكة والحال التي هي عليها، والْمُثْلى تأنيث أمثل أي الفاضلة الحسنة. وقرأ جمهور القراء «فأجمعوا» بقطع الألف وكسر الميم على معنى أنقذوا وأعزموا، وقرأ أبو عمرو وحده «فاجمعوا» من جمع أي ضموا سحركم بعضه إلى بعض، وقرأ ابن كثير «ثمّ» بفتح الميم «ايتوا» بسكون الياء، وقرأ أيضا في رواية شبل عنه بكسر الميم «ثم ايتوا» ، قال أبو علي وهذا غلط ولا وجه لكسر الميم من «ثم» ، وقرأ الجمهور «ثم ائتوا» بفتح الميم وبهمزة بعد الألف، قوله صَفًّا حال أي مصطفين وتداعوا إلى هذا لأنه أهيب وأظهر لهم، وأَفْلَحَ معناه ظفر ببغيته واسْتَعْلى معناه طلب العلو في أمره وسعى سعيه. قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ٦٥ الى ٦٩] قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩) خير السحرة موسى ﵇ في أن يبتدىء بالإلقاء أو يتأخر بعدهم، وروي أنهم كانوا سبعين ألف ساحر، وروي أنهم كانوا ثلاثين ألف ساحر، وروي أنهم كانوا خمسة عشر ألف، وروي أنهم كانوا تسعمائة، ثلاثمائة من الفيوم وثلاثمائة من الفرما وثلاثمائة من الإسكندرية وكان مع كل رجل منهم حبل وعصى قد استعمل فيها السحر، وقوله فَإِذا هي للمفاجأة كما تقول خرجت فإذا زيد، وهي التي تليها الأسماء، وقرأت فرقة «عصيهم» بكسر العين، وقرأت فرقة «عصيهم» بضمها، وقرأت فرقة «يخيل» على بناء الفعل للمفعول فقوله أَنَّها في موضع رفع على ما لم يسم فاعله، وقرأ الحسن والثقفي «تخيل» بضم التاء المنقوطة وكسر الياء وإسناد الفعل إلى الحبال والعصي، فقوله أَنَّها مفعول من أجله ع والظاهر من الآيات والقصص في كتب المفسرين أن الحبال والعصي كانت تنتقل بحيل السحر وبدس الأجسام الثقيلة المياعة فيها وكان تحركها يشبه تحرك الذي له إرادة كالحيوان، وهو السعي فإنه لا يوصف بالسعي إلا من يمشي من الحيوان، وذهب قوم إلى أنها لم تكن تتحرك لكنهم سحروا أعين الناس وكان الناظر يخيل إليه أنها تتحرك وتنتقل ع وهذا يحتمل والله أعلم أي ذلك كان، وقوله تعالى: فَأَوْجَسَ عبارة عما يعتري نفس الإنسان إذا وقع ظنه في أمر على شيء يسوءه، وظاهر الأمر كله الصلاح، فهذا الفعل من أفعال النفس

стр. 1721

يسمى الوجيس وعبر المفسرون عن أوجس بأضمر وهذه العبارة أعم من الوجيس بكثير. وخِيفَةً يصح أن يكون أصلها خوفة قلبت الواو ياء للتناسب، وخوف موسى ﵇ إنما كان على الناس أن يضلوا لهول ما رأى والأول أصوب أنه أوجس على الجملة وبقي ينتظر الفرج، وقوله أَنْتَ الْأَعْلى أي الغالب لمن ناوأك في هذا المقام، وقرأ جمهور القراء «تلقّف» بالجزم على جواب الأمر وبشد القاف، وقرأ ابن عامر وحده «تلقف» وهو في موضع الحال ويصح أن يكون من الملقى على اتساع ويصح أن يكون من الملقى وهي العصا وهذه حال، وإن كانت لم تقع بعد كقوله تعالى: هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: ٩٥] وهذا كثير. وقرأ حفص عن عاصم «تلقف» بسكون اللام وتخفيف القاف وأنث الفعل وهو مسند إلى ما في اليمين من حيث كانت العصا مرادة بذلك، وروى البزي عن ابن كثير أنه كان يشدد التاء من «تلقف» كأنه أراد تتلقف فأدغم، وأنكر أبو علي هذه القراءة ع ويشبه أن قارئها إنما يلتزمها في الوصل حيث يستغنى عن جلب ألف، وقرأ الجمهور «كيد ساحر» برفع الكيد، وقرأ حمزة والكسائي «كيد سحر» ، وقرأت فرقة «كيد» بالنصب «سحر» وهذا على أن «ما» كافة و «كيد» منصوب ب صَنَعُوا، ورفع «كيد» على أن «ما» بمعنى الذي. ويُفْلِحُ معناه يبقى ويظفر ببغيته، وقالت فرقة معناه أن الساحر يقتل حيث ثقف ع وهذا جزاء من عدم الفلاح. وقرأت فرقة «أين أتى» والمعنى بهما متقارب، وروي من قصص هذه الآية أن فرعون، لعنه الله، جلس في عليه له طولها ثمانون ذراعا والناس تحته في بسيط وجاء سبعون ألف ساحر فألقوا من حبالهم وعصيهم ما فيه وقر ثلاثمائة بعير فهال الأمر. ثم إن موسى ﵇ ألقى عصاه من يده فاستحالت ثعبانا وجعلت تنمو حتى روي أنها عبرت النهر بذنبها، وقيل البحر، وفرعون في هذا يضحك ويرى أن الاستواء حاصل، ثم أقبلت تأكل الحبال والعصي حتى أفنتها ففرت نحو فرعون ففزع عند ذلك وقال يا موسى فمد موسى يده إليها فرجعت عصى كما كانت فنظر السحرة وعلموا الحق ورأوا الحبال والعصي فآمنوا ﵃. قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ٧٠ الى ٧١] فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (٧١) في خلال هذه الآيات تقدير وحذف يدل عليه ظاهر القول فالمقدر من ذلك هنا فألقى موسى عصاه فالتقمت كل ما جاؤوا به أو نحو هذا، وروي أن السحرة لما رأوا العصا لا أثر فيها للسحر ثم رأت انقلابها حية وأكلها للحبال والعصي ثم رجوعها إلى حالها وعدم الحبال والعصي أيقنوا بنبوءة موسى وأن الأمر من عند الله تعالى وقدم هارُونَ قبل مُوسى لتستوي رؤوس آي السور فنقل معنى السحرة وهذا كقوله : أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى [طه: ٥٣] تأخر شتى إنما هو لتستوي رؤوس الآي، وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم وورش عن نافع «آمنتم» على الخبر، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر «ءامنتم» بهمزة

стр. 1722

بعدها مدة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم «أأمنتم» بهمزتين، وقوله قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ مقاربة منه وبعض إذعان. وقوله مِنْ خِلافٍ يريد قطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، قوله فِي جُذُوعِ النَّخْلِ اتساع من حيث هو مربوط في الجذع وليست على حد قولك ركبت على الفرس، وقوله أَيُّنا يريد نفسه ورب موسى ﵇، وقال الطبري يريد نفسه وموسى ﵇ والأول أذهب مع مخرفة فرعون. قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ٧٢ الى ٧٣] قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) قال السحرة لفرعون لما تدعوهم لَنْ نُؤْثِرَكَ أي نفضلك ونفضل السلامة منك على ما رأينا من حجة الله تعالى وآياته الْبَيِّناتِ وعلى الَّذِي فَطَرَنا هذا على قول جماعة أن الواو في قوله وَالَّذِي فَطَرَنا عاطفة، وقالت فرقة هي واو القسم، وفَطَرَنا معناه خلقنا واخترعنا فافعل يا فرعون ما شئت وإنما قضاؤك في هذه الحياة الدنيا والآخرة من وراء ذلك لنا بالنعيم ولك بالعذاب وهؤلاء السحرة اختلف الناس هل نفذ فيهم وعيد فرعون فقالت طائفة صلبهم على الجذوع كما قال فأصبح القوم سحرة وأمسوا شهداء بلطف الله لهم وبرحمته، وقالت فرقة إن فرعون لم يفعل ذلك وقد كان الله تعالى وعد موسى أنه ومن معه الغالبون. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله محتمل وصلب السحرة وقطعهم لا يدفع في أن موسى ومن معه غلب إلا بظاهر العموم والانفصال عن ذلك بين وقوله: وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ قالت فرقة أرادوا ما ضمهم إليه من معارضة موسى وحملهم عليه من ذلك، وقالت فرقة بل كان فرعون قديما يأخذ ولدان الناس بتعليم السحر ويجبرهم على ذلك فأشار السحرة إلى ذلك. وقولهم خَيْرٌ وَأَبْقى رد على قوله أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى [طه: ٧١] . قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ٧٤ الى ٧٦] إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦) قالت فرقة هذه الآية بجملتها من كلام السحرة لفرعون على جهة الموعظة له والبيان فيما فعلوه، وقالت فرقة بل هي من كلام الله تعالى لمحمد ﷺ تنبيها على قبح ما فعل فرعون وحسن ما فعل السحرة وتحذيرا قد ضمنت القصة المذكورة مثاله. و «المجرم» الذي اكتسب الخطايا والجرائم، وقوله لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى مختص بالكافر فإنه معذب عذابا ينتهي به إلى الموت ثم لا يجهز عليه فيستريح، بل يعاد جلده ويجدد عذابه، فهو لا يحيى حياة هنية، وأما من يدخل النار من المؤمنين بالمعاصي

стр. 1723

فهم قبل أن تخرجهم الشفاعة في غمرة قد قاربوا الموت، إلا أنهم لا يجهز عليهم ولا يجدد عذابهم فهذا فرق ما بينهم وبين الكفار. وفي الحديث الصحيح «أنهم يماتون إماتة» وهذا هو معناه لأنه لا يموت في الآخرة. والدَّرَجاتُ الْعُلى هي القرب من الله تعالى وتَزَكَّى معناه أطاع الله تعالى وأخذ بأزكى الأمور وتأتل التكسب في لفظة تَزَكَّى فإنه بين. قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ٧٧ الى ٧٩] وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩) هذا استئناف إخبار عن موسى من أمر موسى وبينه وبين مقال السحرة المتقدم مدة من الزمان حدثت فيها لموسى وفرعون حوادث، وذلك أن فرعون لما انقضى أمر السحرة وغلب موسى وقوي أمره وعده فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل فأقام موسى على وعده حتى غدره فرعون ونكث وأعلمه أنه لا يرسلهم معه، فبعث الله حينئذ الآيات المذكورة في غير هذه الآيات الجراد والقمل إلى آخرها كلما جاءت آية وعد فرعون أن يرسل بني إسرائيل عند انكشاف القول فإذا انكشف نكث حتى تأتي أخرى، فلما كانت الآيات أوحى الله تعالى إلى موسى أن يخرج بني إسرائيل من مصر في الليل هاربا. و «السرى» سير الليل، وأَنْ في قوله أَنْ أَسْرِ يجوز أن تكون مفسرة لا موضع لها من الإعراب كقوله : وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا [ص: ١٠] ويجوز أن تكون الناصبة للأفعال وتكون في موضع نصب ب أَوْحَيْنا وقوله تعالى بِعِبادِي إضافة تشريف لنبي إسرائيل، وكل الخلق عباد الله، ولكن هذا كقوله تعالى: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر: ٢٩] ، وروي من قصص هذه الآية أن بني إسرائيل لما أشعرهم موسى ﵇ بليلة الخروج استعاروا من معارفهم من القبط حليا وثيابا وكل أحد ما اتفق له. ويروى أن موسى أذن لهم في ذلك وقال لهم: «إن الله سينفلكموها» ، ويروى أنهم فعلوا ذلك دون إذنه ﵇ وهو الأشبه به وسيأتي في جمع الحلي ما يؤيد ذلك، ويروى أن بني إسرائيل عجنوا زادهم ليلة سراهم ووضعوه ليختمر فأعجلهم موسى ﵇ في الخروج فطبخوه فطيرا فهي سنتهم في ذلك العام إلى هلم، ويروى أن موسى ﵇ نهض ببني إسرائيل وهم ستمائة ألف إنسان فسار بهم من مصر يريد بحر القلزم واتصل الخبر بفرعون فجمع جنوده وحشرهم ونهض وراءه فأوحي إلى موسى أن يقصد الْبَحْرِ فخرج بنو إسرائيل فرأوا أن العذاب من ورائهم والبحر من أمامهم وموسى يثق بصنع الله تعالى فلما رآهم فرعون قد هبطوا نحو البحر طمع فيهم، وكان مقصدهم إلى موضع منقطع فيه الفحوص والطرق الواسعة، واختلف الناس في عدد جند فرعون فقيل كان في خيله سبعون ألف أدهم ونسبة ذلك من سائر الألوان، وقيل أكثر من هذا مما اختصرته لقلة صحته، فلما وصل موسى البحر وقارب فرعون لحاقه وقوي فزع بني إسرائيل أوحى الله تعالى إلى موسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ [الشعراء: ٦٣] ، ويروى أن الوحي إليه بذلك كان متقدما وهو ظاهر الآية، ويروى أنه إنما أوحي إليه ذلك في موطن وقوعه واتصل

стр. 1724

الكلام في هذه الآية على جهة وصف الحال وضم بعض الأمور إلى بعض فضرب موسى ﵇ البحر فانفلق اثنتي عشرة فرقة، طرقا واسعة بينها حيطان ماء واقف فدخل موسى ﵇ بعد أن بعث الله تعالى ريح الصبا، فجففت تلك الطرق حتى يبست، ودخل بنو إسرائيل ووصل فرعون إلى المدخل وبنو إسرائيل كلهم في البحر فرأى الماء على تلك الحال فجزع قومه واستعظموا الأمر، فقال لهم إنما انفلق لي من هيبتي، وهاهنا كمل إضلاله لهم وحمله الله تعالى على الدخول وجاء جبريل ﵇ راكبا على فرس أنثى فدخل، فأتبعها فرس فرعون وتتابع الناس حتى تكاملوا في البحر فانطبق عليهم، فسمع بنو إسرائيل انطباق البحر وهم قد خرجوا بأجمعهم من البحر فعجبوا وأخبرهم موسى أن فرعون وقومه قد هلكوا فيه، فطلبوا مصداق ذلك، فلفظ البحر الناس وألقى الله تعالى فرعون على فجوة من الأرض بدرعه المعروفة له. قال القاضي أبو محمد: فهذا اختصار قصص هذه الآية بحسب ألفاظها وقد مضى أمر غرق فرعون بأوعب من هذا في موضع اقتضاه. وقوله تعالى: يَبَساً مصدر وصف به، وقرأ بعض الناس «يابسا» وأشار إلى ذكره الزجاج، وقرأ حمزة وحده «لا تخف دركا» وذلك إما على جواب الأمر وإما على نهي مستأنف، وقرأ الجمهور «لا تخاف» وذلك على أن يكون «لا تخاف» حالا من مُوسى ﵇، ويحتمل أن يكون صفة الطريق بتقدير لا يخاف فيه أي يكون بهذه الصفة ومعنى هذا القول «لا تخاف دركا» من فرعون وجنوده وَلا تَخْشى غرقا من البحر، وقرأ أبو عمرو فيما روي عنه «فاتّبعهم» بتشديد التاء وتبع، واتبع إنما يتعدى إلى مفعول واحد كقوله شويت واشتويت وحفرت واحتفرت وفديت وافتديت فقوله بِجُنُودِهِ إما أن تكون الباء مع ما جرته في موضع الحال كما تقول خرج زيد بسلاحه وإما أن تكون لتعدي الفعل إلى مفعول ثان إذ لا يتعدى دون حرف جر إلا إلى واحد. وقرأ الجمهور «فأتبعهم» بسكون التاء وهذا يتعدى إلى مفعولين، فالباء على هذا إما زائدة والتقدير «فأتبعهم فرعون جنده» ، وإما أن تكون بالحال ويكون المفعول الثاني مقدرا كأنك قلت رؤساءه أو عزمه ويجوز هذا، والأول أظهر. وقرأت فرقة «فغشيهم» ، وقرأت فرقة «فغشاهم الله» ، وقوله ما غَشِيَهُمْ إبهام أهول من النص على قدر «ما» ، وهذا كقوله إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى [النجم: ١٦] وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ يعني من أول أمره إلى هذه النهاية، ثم أكد تعالى بقوله وَما هَدى [طه: ٧٩] مقابلة لقول فرعون وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ. قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ٨٠ الى ٨٢] يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (٨٢) ظاهر هذه الآية أن هذا القول قيل لبني إسرائيل حينئذ عند حلول هذه النعم التي عدد الله تعالى عليهم، وبين خروجهم من البحر وبين هذه المقالة مدة وحوادث ولكن يخص الله تعالى بالذكر ما يشاء من

стр. 1725

ذلك. ويحتمل أن تكون هذه المقالة خوطب بها معاصر ورسول الله ﷺ ، المعنى هذا فعلنا بأسلافكم ويكون قوله تعالى: كُلُوا بتقدير قيل لهم كلوا، وتكون الآية على هذا اعتراضا في أثناء قصة موسى المقصد به توبيخ هؤلاء الحضور إذ لم يصبر سلفهم على أداء شكر نعم الله تعالى، والمعنى الأول أظهر وأبين. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «نجينا وواعدنا ونزلنا ورزقناكم» إلا أن أبا عمرو قرأ «وعدناكم» بغير ألف في كل القرآن، وقرأ حمزة والكسائي «أنجيت وواعدت ونزلنا ورزقتكم» . وقوله وَواعَدْناكُمْ قيل هي لغة في وعد لا تقتضي فعل اثنين ع وإن حملت على المعهود فلأن التلقي والعزم على ذلك كالمواعدة، وقصص هذه الآية أن الله تعالى لما أنجى بني إسرائيل وغرق فرعون وعد بني إسرائيل وموسى أن يصيروا إلى جانب طور سيناء ليكلم فيه موسى ويناجيه بما فيه صلاحهم بأوامرهم ونواهيهم، فلما أخذوا في السير تعجل موسى ﵇ للقاء ربه حسبما يأتي ذكره، وقالت فرقة هذا الطُّورِ هو الذي كلم فيه موسى أولا حيث رأى النار وكان في طريقه من الشام إلى مصر، وقالت فرقة ليس به والطُّورِ الجبل الذي لا شعرا فيه وقوله الْأَيْمَنَ إما أن يريد اليمن وإما أن يريد اليمين بالإضافة إلى ذي يمين إنسان أو غيره. والْمَنَّ وَالسَّلْوى طعامهم، وقد مضى في البقرة استيعاب تفسيرهما، وقوله تعالى: مِنْ طَيِّباتِ يريد الحلال الملذ لأن المعنى في هذا الموضع قد جمعهما واختلف الناس ما القصد الأول بلفظة الطيب في القرآن، فقال مالك ﵀ الحلال، وقال الشافعي ما يطيب للنفوس، وساق إلى هذا الخلاف تفقههم في الخشاش والمستقذر من الحيوان. وتَطْغَوْا معناه تتعدون الحد وتتعسفون كالذي فعلوا ع. وقرأ جمهور الناس «فيحل» بكسر الحاء «ومن يحلل» بكسر اللام، وقرأ الكسائي وحده «فيحل» بضم الحاء «ومن يحلل» بضم اللام فمعنى الأول فيجب ومعنى الثاني فيقع وينزل، وهَوى معناه سقط من علو إلى أسفل ومنه قول خنافر: فهوى هوي العقاب قال القاضي أبو محمد: وإن لم يكن سقوطا فهو شبيه بالساقط والسقوط حقيقة قول الآخر: [الوافر] هويّ الدلو أسلمه الرشاء ويشبه الذي وقع في طامة أو ورطة بعد أن كان بنجوة منها بالساقط فالآية من هذا أي «هوي» في جهنم وفي سخط الله، وقيل أخذ الفعل من لفظ الهاوية وهو قعر جهنم، ولما حذر الله تعالى غضبه والطغيان في نعمه فتح باب الرجاء للتائبين، والتوبة فرض على جميع الناس بقوله تعالى في سورة النور: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ [النور: ٣١] . والناس فيه على مراتب إما مواقع الذنب وقدرته على ذلك باقية فتوبته الندم على ما مضى والإقلاع التام عن مثله في المستقبل، وإما الذي واقع الذنب ثم زالت قدرته عن مواقعته لشيخ أو آفة فتوبته الندم واعتقاد الترك أن لو كانت قدرة، وأما من لم يواقع ذنبا فتوبته العزم على ترك كل ذنب والتوبة من ذنب تصح مع الإقامة على غيره وهي توبة مقيدة، وإذا تاب المرء ثم عاود الذنب بعد مدة فيحتمل عند حذاق أهل السنة أن لا يعيد الله تعالى عليه الذنب الأول لأن التوبة قد كانت مجبة، ويحتمل أن يعيده لأنها توبة لم يواف بها، واضطرب الناس في قوله ثُمَّ اهْتَدى من حيث

стр. 1726

وجدوا الهدى ضمن الإيمان والعمل، فقالت فرقة معناه لم يشك في إيمانه، وقالت فرقة معناه ثم استقام، وقالت فرقة معناه ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه، وقالت فرقة ثم أخذ بسنة نبيه، وقالت فرقة معناه أمر بسنته، وقالت فرقة معناه والى أهل البيت ع وهذه كلها تخصيص واحد منها دون ما هو من نوعه بعيد ليس بالقوي، والذي يقوى في معنى ثُمَّ اهْتَدى أن يكون ثم حفط معتقداته من أن يخالف الحق في شيء من الأشياء فإن الاهتداء على هذا الوجه غير الإيمان وغير العمل، ورب مؤمن عمل صالحا قد أوبقه عدم الاهتداء كالقدرية والمرجئة وسائر أهل البدع والخوارج فمعنى ثُمَّ اهْتَدى ثم مشى في عقائد الشرع على طريق قويم جعلنا الله منهم بمنه ع وفي حفظ المعتقدات ينحصر عظم أمر الشرع. قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ٨٣ الى ٨٦] وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤) قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قصص هذه الآية أن موسى ﵇ لما شرع في النهوض ببني إسرائيل إلى جانب الطور الأيمن حيث كان الموعد أن يكلم الله موسى بما فيه شرف العاجل والآجل رأى علي جهة الاجتهاد أن يتقدم وحده مبادرا إلى أمر الله تعالى، وحرصا على القرب منه وشوقا إلى مناجاته، واستخلف هارون على بني إسرائيل وقال لهم موسى تسيرون إلى جانب الطور، فلما انتهى موسى ﵇ وناجى ربه زاده في الأجل عشرا، وحينئذ وقفه على معنى استعجاله دون القوم ليخبره موسى أنهم على الأثر فيقع الإعلام له بما صنعوا وقرأت فرقة «أولاي» بياء مفتوحة. وقوله عَلى أَثَرِي يحتمل أن يكون في موضع رفع خبرا بعد خبر، ويحتمل أن يكون في موضع نصب في موضع الحال، وقرأت فرقة «على أثري» بفتح الهمزة والثاء، وقرأت فرقة «إثري» بكسر الهمزة وسكون الثاء، وأعلمه موسى ﵇ أنه إنما استعجل طلب الرضى فأعلمه الله تعالى أنه قد فتن بني إسرائيل، أي اختبرهم بما صنعه السامري. ويحتمل أن يريد ألقيناهم في فتنة، أي في ميل مع الشهوات ووقوع في اختلاف كلمة، ومِنْ بَعْدِكَ أي من بعد فراقك لهم، وقرأت فرقة «وأضلّهم السامري» على إسناد الفعل إلى السَّامِرِيُّ وقرأت فرقة «وأضلّهم السامري» بضم اللام على الابتداء والإخبار عن السَّامِرِيُّ بأنه «أضلّ» القوم، والقراءة الأولى أكثر وأشد في تذنيب السامري والسَّامِرِيُّ رجل من بني إسرائيل يقال إنه كان ابن خال موسى، وقالت فرقة لم يكن من بني إسرائيل بل كان أصله من العجم من أهل كرمان والأول أصح، وكان قصص السامري أنه كان منافقا عنده حيل وسحر وقبض القبضة من أثر جبريل ﵇ وعلم ما أقدره الله عليه لفتنة القوم أنه يتهيأ له بتلك القبضة ما يريد مما يجوز على الله تعالى لأنه لو ادعى النبوءة مع ذلك العجل لما صح ولا جاز أن يخور ولا أن تتم الحيلة فيه لكنه لما ادعى له الربوبية وعلامات كذبه قائمة لائحة صحت الفتنة به وجاز ذلك على الله تعالى كقصة الدجال الذي تخرق له العادات لأنه مدعي الربوبية ولو كان مدعي نبوءة لما صح شيء من ذلك. فلما رأى السامري موسى مدعا ورأى سفه بني إسرائيل في طلبهم من موسى آلهة حين مروا

стр. 1727

على قوم يعبدون أصناما على صفة البقر، وقيل كانت بقرا حقيقة علم أنه سيفتنهم من هذه الطريق، فيروى أنه قال لهم إن الحلي الذي عندكم من مال القبط قبيح بكم حبسه ولكن اجمعوه عندي حتى يحكم الله لكم فيه، وقيل إن هارون ﵇ أمرهم بجمعه ووضعه في حفرة حتى يجيء موسى ويستأذن فيه ربه، وقيل بل كان المال الذي جمعوه للسامري مما لفظ البحر من أموال القبط الغارقين مع فرعون، فروي مع هذا الاختلاف أن الحلي اجتمع عند العجل وأنه صاغ العجل وألقى القبضة فيه فخار، وروي وهو الأصح الأكثر أنه ألقى الناس الحلي في حفرة أو نحوها وألقى هو عليه القبضة فتجسد العجل وهذا وجه فتنة الله تعالى لهم، وعلى هذا تقول انخرقت للسامري عادة وأما على أن يصوغه فلم تتخرق له عادة وإنما فتنوا حينئذ بخواره فقط وذلك الصوت قد تولد في الأجرام بالصنعة فلما أخبره الله تعالى رجع موسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً عليهم من حيث له قدرة على تغيير منكرهم أَسِفاً أي حزينا من حيث علم أنه موضع عقوبة مأموله فدفعها ولا بد منها، والأسف في كلام العرب متى كان من ذي قدرة على من دونه فهو غضب، ومتى كان من الأقل على الأقوى فهو حزن، وتأمل ذلك فهو مطرد إن شاء الله . قوله : قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ.... وبخ موسى ﵇ قومه بهذه المقالة و «الوعد الحسن» هو ما وعدهم من الوصول إلى جانب الطور الأيمن وما بعد ذلك من الفتوح في الأرض والمغفرة لمن تاب وآمن وغير ذلك مما وعد الله تعالى به أهل طاعته، وقوله وَعْداً إما أن يكون نصبا على المصدر والمفعول الثاني مقدرا، وإما أن يكون بمعنى الموعود ويكون هو المفعول الثاني بعينه، ثم وقفهم على أعذار لم تكن ولا تصح لهم وهي طول «العهد» حتى يتبين لهم خلف في الموعد أو إرادة غضب الله تعالى. وذلك كله لم يكن ولكنهم عملوا عمل من لم يتدين وسمي العذاب «غضبا» من حيث هو عن الغضب، والغضب إن جعل بمعنى الإرادة فهو صفة ذات وإن جعل ظهور النقمة والعقاب فهو صفة فعل فهو من المتردد بين الحالين قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ٨٧ الى ٨٨] قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨) وقرأ نافع وعاصم «بملكنا» بفتح الميم، وقرأ حمزة والكسائي «بملكنا» بضمة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «بملكنا» بكسرة، قال أبو علي هذه لغات ع ظاهر هذا الكلام أنها بمعنى واحد ولكن إن أبا علي وغيره قد فرق بين معانيها فأما ضم الميم فمعناه على قول أبي علي لم يكن لنا ملك فنخلف موعدك بقوته وسلطانه وإنما أخلفناه بنظر أدى إليه ما فعل السامري وليس المعنى أن لهم ملكا وإنما هذا كقول ذي الرمة: [البسيط] لا يشتكي سقط منها وقد رقصت ... بها المفاوز حتى ظهرها حدب إذ لا تكون منها سقطة فتشتكي، قال وهذا كقوله تعالى: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً [البقرة: ٢٧٣] أي ليس منهم سؤال فيكون منهم إلحاف ع وهذا كله في هذه الأمثلة غير متيقن من قول أبي علي وإنما

стр. 1728

مشى في ذلك على أثر الزجاج دون تعقب وقد شرحت هذا المعنى في سورة البقرة في تفسير لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً [البقرة: ٢٧٣] وبين أن هذه الآية ليست كهذه الأمثلة لأنهم لم يرفعوا الإخلاف فيها والأمثلة فيها رفع الوجهين، وأما فتح الميم فهو مصدر من ملك والمعنى ما فعلنا ذلك بأنا ملكنا الصواب ولا وفقنا له بل غلبتنا أنفسنا، وأما كسر الميم فقد كثر استعماله فيما تحوزه اليد ولكنه يستعمل في الأمور التي يبرمها الإنسان ومعناها كمعنى التي قبلها والمصدر مضاف في الوجهين إلى الفاعل والمفعول مقدر أي «بملكنا الصواب» ، وهذا كما قد يضاف أحيانا إلى المفعول والفاعل مقدر كقوله تعالى: بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ [ص: ٢٤] ومن دعاء الخير، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم «حمّلنا» بضم الحاء وشد الميم، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي «حملنا» بفتح الحاء والميم. و «الأوزار» الأثقال، وتحتمل هذه التسمية أن تكون من حيث هي ثقيلة الأجرام، ويحتمل أن يكون من حيث آمنوا في قذفها وظهر لهم أن ذلك هو الحق فكانت آثاما لمن حملها. وقوله فَكَذلِكَ أَلْقَى أي فكما قذفنا نحن فَكَذلِكَ أيضا أَلْقَى السَّامِرِيُّ ما كان بيده ع وهذه الألفاظ تقتضي أن العجل لم يصغه السامري، ثم أخبر الله تعالى عن فعل السامري بقوله تعالى: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً، ومعنى قوله جَسَداً أي شخصا لا روح فيه، وقيل معنى جَسَداً لا يتغذى. و «الخوار» صوت البقر، وقالت فرقة كان هذا العجل يخور ويمشي ع وهكذا تكون الفتنة من قبل الله تعالى قاله ابن عباس، وقالت فرقة إنما خار مرة واحدة. ثم لم يعد وقالت فرقة إنما كان خواره بالريح كانت تدخل من دبره وتخرج من فيه فيصوت لذلك. قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ٨٩ الى ٩١] أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً (٨٩) وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١) الضمير في قوله فَقالُوا لبني إسرائيل، أي قالوا حين قال كبارهم لصغارهم وهذا إشارة إلى العجل. قوله تعالى فَنَسِيَ يحتمل أن يكون من كلام بني إسرائيل أي فنسي موسى ربه وإلهه فذهب يطلبه في غير موضعه، ويحتمل أن يكون قوله فَنَسِيَ إخبارا من الله تعالى عن السامري، أي نسي دينه وطريق الحق ع فالنسيان في التأويل الأول بمعنى الذهول، وفي الثاني بمعنى الترك، ثم قرن تعالى مواضع خطاهم بقوله تعالى: أَفَلا يَرَوْنَ المعنى أفلم يتبين هؤلاء الذين ضلوا أن هذا العجل إنما هو جماد لا يتكلم ولا يرجع قولا ولا يضر ولا ينفع، وهذه خلال لا يخفى معها الحدوث والعجز لا أن هذه الخلال لو حصلت له أوجبت كونه إلها وقرأت فرقة «أن لا يرجع» برفع العين، «وأن» على هذه القراءة مخففة من الثقيلة والتقدير أنه لا يرجع، وقرأت فرقة «أن لا يرجع» «وأن» على هذه القراءة هي الناصبة، وأخبر أن هارُونُ قد كان قال لهم في أول حال العجل يا قَوْمِ إنما هي فتنة وبلاء وتمويه من السامري وإنما رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ الذي له القدرة والعلم والخلق والاختراع فَاتَّبِعُونِي إلى الطور الذي واعدكم الله تعالى إليه

стр. 1729

وَأَطِيعُوا أَمْرِي في ما ذكرته لكم وقرأت فرقة «إنما وإن ربكم الرحمن» بكسر الهمزتين، وقرأت فرقة «إنما» بالكسر «وأن» بالفتح، والقراءة الوسطى ضعيفة فقال بنوا إسرائيل حين وعظهم هارون وندبهم إلى الحق لَنْ نَبْرَحَ عابدين لهذا الإله، عاكِفِينَ عليه أي لازمين له والعكوف الانحناء على الشيء من شدة ملازمته ومنه قول الراجز: [الرجز] عكف النبيط يلعبون الفنزجا قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ٩٢ الى ٩٤] قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) في سرد القصص اقتضاب يدل عليه ما ذكره تقديره فرجع موسى فوجد الأمر كما ذكره الله تعالى له فجعل يؤنب هارون بهذه المقالة، وقرأ الجمهور «تتبعن» بحذف الياء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بإثباتها في الوصل ويقف ابن كثير بالياء وأبو عمرو بغير ياء، ويحتمل قوله أَلَّا تَتَّبِعَنِ أي بني إسرائيل نحو جبل الطور فيجيء اعتذار هارون أي لو فعلت ذلك مشت معي طائفة وأقامت طائفة على عبادة العجل فيتفرق الجمع فخفت لومك على التفرق، ويحتمل قوله أَلَّا تَتَّبِعَنِ أي لا تسير بسيري وعلى طريقتي في الإصلاح والتسديد ويجيء اعتذار هارون بمعنى أن الأمر كان متفاقما فلو تقويت عليه وقع القتال واختلاف الكلمة فكان تفريقا بين بني إسرائيل وإنما لا ينت جهدي. وقوله تعالى: أَلَّا تَتَّبِعَنِ بمعنى ما منعك أن تتبعني، واختلف الناس في وجه دخول «لا» فقالت فرقة هي زائدة، وذهب حذاق النحاة إلى أنها مؤكدة وأن في الكلام فعلا مقدرا كأنه قال ما منعك ذلك أو حضك أو نحو هذا على «أن لا تتبعن» ، وما قبل وما بعد يدل على هذا ويقتضيه. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم «يبنؤم» يحتمل أن يريد يا بن أما فحذف الألف تخفيفا ويحتمل أن يجعل الاسمين اسما واحدا وبناه كخمسة عشر، وقرأ ابن كثير عن عاصم وحمزة والكسائي «يا بن أم» بالكسر على حذف الياء تخفيفا وهو شاذ لأنها ليست كالياء في قولك يا غلامي وإنما هي كالياء في قولك يا غلام غلامي وهذه ياء لا تحذف، ويحتمل أن يجعل الاسمين اسما واحدا ثم أضاف إلى نفسه فحذف الياء كما تحذف من الأسماء المفردة إذا أضيفت نحو يا غلام، وقالت فرقة لم يكن هارون أخا موسى إلا من أمه ع وهذا ضعيف، وقالت فرقة كان شقيقه وإنما دعاه بالأم لأن التداعي بالأم أشفق وأشد استرحاما، وأخذ موسى ﵇ بلحية هارون غضبا وكان حديد الخلق ﵇. قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ٩٥ الى ٩٧] قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (٩٧)

стр. 1730

المعنى قال موسى مخاطبا للسامري فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ، وقوله «ما خطبك» كما تقول ما شأنك وما أمرك، لكن لفظة الخطب تقتضي انتهارا لأن الخطب مستعمل في المكاره فكأنه قال ما نحسك وما شؤمك وما هذا الخطب الذي جاء من قبلك، و «السامري» قيل هو منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل، وقيل هو منسوب إلى قرية يقال لها سامرة ع وهي معروفة اليوم ببلاد مصر، وقيل اسمه موسى بن ظفر. وقرأت فرقة «بصرت» بضم الصاد على معنى صارت بصيرتي بصورة ما فهو كطرفت وشرفت، وقرأت فرقة «بصرت» بكسر الصاد، فيحتمل أن يراد من البصيرة ويحتمل أن يراد من البصر وذلك أن في أمر السامري ما زاده على الناس بالبصر وهو وجه جبريل ﵇ وفرسه وبالبصيرة وهو ما علمه من أن القبضة إذا نبذها مع الحلي جاءه من ذلك ما يريد، وقرأ الجمهور «يبصروا» بالياء يريد بني إسرائيل، وقرأ حمزة والكسائي «تبصروا» بالتاء من فوق يريد موسى مع بني إسرائيل، وقرأ الجمهور «فقبضت قبضة» بالضاد منقوطة بمعنى أخذت بكفي مع الأصابع، وقرأ ابن مسعود وابن الزبير وأبي بن كعب وغيرهم «فقبصت قبصة» بالصاد غير منقوطة بمعنى أخذت بأصابعي فقط، وقرأ الحسن بخلاف عنه «قبضة» بضم القاف. و «الرسول» جبريل ﵇، و «الأثر» هو تراب تحت حافر فرسه، وسبب معرفة السامري بجبريل وميزه له فيما روي أن السامري ولدته أمه عام الذبح فطرحته في مغارة فكان جبريل ﵇ يغذوه ويحميه حتى كبر وشب فميزه بذلك. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف. وقوله فَنَبَذْتُها أي على الحلي فكان منها ما تراه وهذا محذوف من اللفظ تقتضيه الحال والمخاطبة، ثم قال وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي أي وكما حدث ووقع قويت لي نفسي وجعلته لي سولا وإربا حتى فعلته، وكان موسى ﵇ لا يقتل بني إسرائيل إلا في حد أو وحي فعاقبه باجتهاد نفسه بأن أبعده ونحاه عن الناس وأمر بني إسرائيل باجتنابه واجتناب قبيلته وأن لا يواكلوا ولا يناكحوا ونحو هذا، وعلمه مع ذلك وجعل له أن يقول مدة حياته لا مِساسَ أي لا مماسة ولا إذاية. وقرأ الجمهور «لا مساس» بكسر الميم وفتح السين على النصب بالتبرئة وهو اسم يتصرف ومنه قول النابغة: [المتقارب] فأصبح من ذاك كالسامري، ... إذ قال موسى له لا مساسا ومنه قول رؤبة: [الرجز] حتى يقول الأزد لا مساسا واستعماله على هذا كثير. وقرأ أبو حيوة «لا مساس» بفتح الميم وكسر السين وهو معدول عن المصدر كفجار ونحوه، وشبهه أبو عبيدة وغيره بنزال ودراك ونحوه والشبه صحيح من حيث هي معدولات

стр. 1731

وفارقه في أن هذه عدلت عن الأمر، ومساس وفجار عدلت عن المصدر ومن هذا قول الشاعر: تميم كرهط السامري وقوله: [الطويل] ألا لا يريد السامري مساس وقرأ الجمهور «تخلفه» بفتح اللام على معنى لن يقع فيه خلف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «لن تخلفه» بكسر اللام على معنى لن تستيطع الروغان عنه والحيدة فتزول عن موعد العذاب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن بخلاف «لن نخلفه» بالنون، قال أبو الفتح المعنى لن نصادفه مخلفا ع وكلها بمعنى الوعيد والتهديد. ثم وبخه ﵇ بقوله: وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي أي انظر صنيعك وتغيرنا له وردنا الأمر فيه إلى الواجب. وقرأت فرقة «ظلت» بفتح الظاء على حذف اللام الواحدة، وقرأت فرقة «ظلت» بكسر الظاء على نقل حركة اللام إلى الظاء ثم حذفها بعد ذلك نحو قول الشاعر: [أبو زبيد الطائي] [الوافر] خيلا ان العتاق من المطايا ... أحسن به فهن إليه شوس أراد احسسن فنقلت حركة السين إلى الحاء ثم حذفت تخفيفا، وفي بعض الروايات حسين. وقرأت فرقة «ظللت» ، وظل معناه أقام يفعل الشيء نهارا، ولكنها قد تستعمل في الدائب ليلا ونهارا بمثابة طفق. وعاكِفاً معناه ملازما حدبا. وقرأت فرقة «لنحرقنه» بتخفيف الراء بمعنى بالنار، وقرأ علي بن أبي طالب ﵁ وابن عباس «لنحرقّنه» بضم الراء وفتح النون بمعنى لنبردنه بالمبرد، وقرأ نافع وغيره «لنحرّقنه» بضم النون وكسر الراء وشدها وهذا تضعيف مبالغة لا تعدية وهي قراءة تحتمل الحرق بالنار وتحتمل بالمبرد، وفي مصحف أبي وعبد الله بن مسعود «لنذبحنه ثم لنحرقنه ثم لننسفنه» ، وهذه القراءة مع رواية من روى أن العجل صار لحما ودما، وعلى هذه الرواية يتركب أن يكون هناك حرق بنار وإلا فإذا كان جمادا من ذهب فإنما هو حرق بمبرد اللهم إلا أن تكون إذابة ويكون النسف مستعارا لتفريقه في اليم مذابا. وقرأت فرقة «لننسفنه» بكسر السين، وقرأت فرقة «لننسفنه» بضم السين. و «النسف» تفريق الريح الغبار وكل ما هو مثله كتفريق الغربال ونحوه فهو نسف. والْيَمِّ غمر الماء من بحر وغيره وكل ما غمر الإنسان من الماء فهو يم، ونَسْفاً تأكيد بالمصدر، واللام في قوله: لَنُحَرِّقَنَّهُ لام القسم، وفي هذه الآية من القصص أن موسى ﵇ برد العجل حتى رجع كالغبار ثم ذراه في البحر ثم أمر بني إسرائيل أن يشرب جميعهم من الماء فكلما شرب من كان في قلبه حب العجل خرج على شاربه من الذهب فضيحة له، وقال مكي ﵀ وأسند أن موسى ﵇ كان مع السبعين في المناجاة وحينئذ وقع أمر العجل وأن الله تعالى أعلم موسى بذلك فكلمه موسى عنهم وجاء بهم حتى سمع لفظ بني إسرائيل حول العجل فحينئذ أعلمهم موسى ع وهذه رواية، الجمهور على خلافها وإنما تعجل موسى ﵇ وحده فوقع أمر العجل ثم جاءه موسى وصنع ما صنع بالعجل ثم خرج بعد ذلك بالسبعين على معنى الشفاعة في ذنب بني إسرائيل وأن يطلعهم أيضا على أمر المناجاة فكان لموسى ﵇ نهضتان والله أعلم. قوله :

стр. 1732

[سورة طه (٢٠) : الآيات ٩٨ الى ١٠٢] إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (٩٨) كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (١٠٢) هذه مخاطبة من موسى ﵇ لجميع بني إسرائيل مبينا لهم، وقوله تعالى: وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً بمعنى وسع علمه كل شيء. وعِلْماً تمييز، وهذا كقوله تفقأت شحما وتصببت عرقا، والمصدر في الأصل فاعل ولكن يسند الفعل إلى غيره وينصب هو على التمييز، وقرأ مجاهد وقتادة «وسّع كل شيء» بفتح السين وشدها بمعنى خلق الأشياء وكثرها بالاختراع فوسعها موجودات، وقوله تعالى: كَذلِكَ نَقُصُّ مخاطبة لمحمد ﷺ ، أي كما قصصنا عليك نبأ بني إسرائيل هذا في خبر العجل كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ فكأنه قال هكذا نقص عليك فكأنها تعديد نعمته، وقوله ما قَدْ سَبَقَ يريد به ما قد سبق مدة محمد ﷺ ، و «الذكر» القرآن، وقرأت فرقة «يحمّل» بفتح الميم وشدها. وقوله مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ يريد بالكفر به والتكذيب له، و «الوزر» الثقل وهو هاهنا ثقل العذاب بدليل قوله تعالى: خالِدِينَ فِيهِ وحِمْلًا تمييز، ويَوْمَ ظرف، ويَوْمَ الثاني بدل منه وقرأ الجمهور «ينفخ» بضم الياء وبناء الفعل للمفعول، وقرأت فرقة «ينفخ» بفتح الياء وبناء الفعل للفاعل، أي ينفخ الملك. وقرأ أبو عمرو وحده «ننفخ» بالنون أي بأمرنا وهذه القراءة تناسب قوله وَنَحْشُرُ. وقرأ الجمهور «في الصور» بسكون الواو، ومذهب الجمهور أنه القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل وبهذا جاءت الأحاديث، وقالت فرقة «الصور» جمع صورة كثمرة وثمر. وقرأ ابن عياض «ينفخ في الصور» بفتح الواو وهذه صريحة في بعث الأجساد من القبور، وقرأت فرقة هي الجمهور «ونحشر» بالنون، وقرأت فرقة «ويحشر» بالياء، وقرأت فرقة «ويحشر» بضم الياء «المجرمون» على المفعول الذي لم يسم فاعله، وهي قراءة مخالفة لخط المصحف وقوله: زُرْقاً اختلف الناس في معناه، فقالت فرقة يحشرهم أول قيامهم سود الألوان زرق العيون تشويه ما ثم يعمون بعد ذلك وهي مواطن، وقالت فرقة إنهم يحشرون عطاشا والعطش الشديد يرد سواد العين إلى البياض فكأنهم بيض سواد عيونهم من شدة العطش، وقالت فرقة أراد زرق الألوان وهي غاية في التشويه لأنهم يجيئون كلون الرماد، ومهيع كلام العرب أن يسمى هذا اللون أزرق ومنه زرقة الماء قال الشاعر: [زهير بن أبي سلمى] [الطويل] فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتخيم ومنه قولهم سنان أزرق لأنه نحو ذلك اللون. قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٧] يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً (١٠٤) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً (١٠٧)

стр. 1733

أي «يتخافت» المجرمون بَيْنَهُمْ أي يتسارون، المعنى أنهم لهول المطلع وشدة ذهاب أذهانهم قد عزب عنهم قدر المدة التي لبثوها، واختلف الناس فيما ذا، فقالت فرقة في دار الدنيا ومدة العمر، وقالت فرقة في الأرض مدة البرزخ، وقالت فرقة ما بين النفختين في الصور، وأَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً معناه أثبتهم يقينا وأعلمهم بالحقيقة بالإضافة إليهم فهم في هذه المقالة يظنون أن هذا قدر لبثهم والضمير في قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ قيل إن رجلا من ثقيف سأل رسول الله ﷺ ، ما يكون أمرها يوم القيامة، وقيل بل سأله عن ذلك جماعة من المؤمنين، وقد تقدم معنى «النسف» ، وروي أن الله تعالى يرسل على الجبال ريحا فتدكدكها حتى تكون كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [القارعة: ٥] ثم يتوالى عليها حتى يعيدها كالهباء المنبث فذلك هو النسف وقوله تعالى: فَيَذَرُها يحتمل أن يريد مواضعها، ويحتمل أن يريد ذلك التراب الذي نسفه، لأنه إنما يقع على الأرض باعتدال حتى تكون الأرض كلها مستوية، و «القاع» المستوي من الأرض المعتدل الذي لا نشز فيه ومنه قول ضرار بن الخطاب: لتكونن بالبطاح قريش، بقعة القاع في أكف الماء. و «الصفصف» نحوه في المعنى، و «العوج» ما يعتري اعتدال الأرض من الأخذ يمنة ويسرة بحسب النشز من جبل وطرق وكدية ونحوه، و «الأمت» ما يعتري الأرض من ارتفاع وانخفاض، يقال مد حبله حتى ما ترك فيه أمتا فكأن «الأمت» في الآية العوج في السماء تجاه الهواء، و «العوج» في الآية مختص بالعرض وفي هذا نظر. قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ١٠٨ الى ١١١] يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (١٠٩) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (١١١) المعنى يوم ننسف الجبال يتبع الخلق داعي الله إلى المحشر وهذا نحو قوله تعالى مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ [القمر: ٨] وقوله تعالى لا عِوَجَ لَهُ يحتمل أن يريد الإخبار به أي لا شك فيه ولا يخالف وجوده خبره، ويحتمل أن يريد لا محيد لأحد عن اتباعه والمشي نحو صوته. و «الخشوع التطامن والتواضع وهي الأصوات استعارة بمعنى الخفاء والاستسرار ومعنى لِلرَّحْمنِ أي لهيبته وهول مطلع قدرته، و «الهمس» الصوت الخفي الخافت وقد يحتمل أن يريد «بالهمس» المسموع تخافتهم بينهم وكلامهم السر، ويحتمل أن يريد صوت الأقدام وأن أصوات النطق ساكنة. ومَنْ في قوله إِلَّا مَنْ يحتمل أن يكون الاستثناء متصلا وتكون مَنْ في موضع نصب يراد بها المشفوع له فكأن المعنى إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ في أن يشفع له، ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعا على تقدير «لكن من أذن له الرحمن يشفع» ، ف مَنْ في

стр. 1734

موضع نصب بالاستثناء ويصح أن يكون في موضع رفع كما يجوز الوجهان في قولك ما في الدار أحد إلا حمارا وإلا حمار والنصب أوجه ومَنْ على هذه التأويلات للشافع ويحتمل أن تكون للمشفوع فيه. وقوله تعالى: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ قالت فرقة يريد الملائكة، وقالت فرقة يريد خلقه أجمع، وقد تقدم القول في ترتيب «ما بين اليد وما خلف» في غير موضع على أن جماعة من المفسرين قالوا في هذه الآية ما خَلْفَهُمْ الدنيا وما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أمر الآخرة والثواب والعقاب، وهذا بأن نفرضها حالة وقوف حتى نجعلها كالأجرام وأما إن قدرناها في نسق الزمان فالأمر على العكس بحكم ما بيناه قبل. وَعَنَتِ معناه ذلت، والعاني الأسير ومنه قول النبي ﷺ في أمر النساء: «هن عوان عندكم» وهذه حالة الناس يوم القيامة. وقال طلق بن حبيب: أراد سجود الناس على الوجوه والآراب السبعة. قال القاضي أبو محمد: وإن كان روي هذا أن الناس يوم القيامة سجودا وجعل هذه الآية إخبارا فهو مستقيم وإن كان أراد سجود الدنيا فإنه أفسد نسق الآية، والْقَيُّومِ بناء مبالغة من قيامه على كل شيء بما يجب فيه، وخابَ معناه لم ينجح ولا ظفر بمطلوبه، والظلم يعم الشرك والمعاصي وخيبة كل حامل بقدر ما حمل من الظلم فخيبة المشرك على الإطلاق، وخيبة المعاصي مقيدة بوقت وحد في العقوبة. قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ١١٢ الى ١١٤] وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً (١١٢) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (١١٣) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤) قوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ عادل لقوله مَنْ حَمَلَ ظُلْماً [طه: ١١١] ، وفي قوله مِنَ الصَّالِحاتِ تيسير في الشرع لأنها مَنْ التي للتبعيض، و «الظلم» أعم من «الهضم» وهما يتقاربان في المعنى ويتداخلان، ولكن من حيث تناسقا في هذه الآية ذهب قوم إلى تخصيص كل واحد منهما بمعنى، فقالوا «الظلم» أن تعظم عليه سيئاته وتكثر أكثر مما يجب، و «الهضم» أن ينقض حسناته ويبخسها، وكلهم قرأ فَلا يَخافُ ظُلْماً على الخبر، غير ابن كثير فإنه قرأ «فلا يخف» على النهي، ثم قال تعالى: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ أي كما قدرنا هذه الأمور وجعلناها حقيقة بالمرصاد للعباد كذلك حذرنا هؤلاء أمرنا وأَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وتوعدنا فيه بأنواع من الوعيد لَعَلَّهُمْ بحسب توقع البشر وترجيهم يَتَّقُونَ الله ويخشون عقابه فيؤمنون ويتذكرون نعمه عندهم وما حذرهم من أليم عقابه، هذا تأويل فرقة في قوله أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً وقالت فرقة معناه أو يكسبهم شرفا ويبقي عليهم إيمانهم ذكرا صالحا في الغابرين، وقرأ الحسن البصري «أو يحدث» ساكنة الثاء، وقرأ مجاهد «أو نحدث» بالنون وسكون الثاء ولا وجه للجزم إلا على أن يسكن حرف الإعراب استثقالا لحركته، وهذا نحو قول جرير ولا يعرفكم العرب. وقوله فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ختم للقول لأنه لما قدم صفة سلطانه يوم القيامة وعظم قدرته وذلة عبيده وحسن تلطفه

стр. 1735

بهم ختم ذلك بهذه الكلمة وجعل بعد ذلك الأمر بنوع آخر من القول وقوله تعالى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ قالت فرقة سببه أن النبي ﷺ كان يخاف وقت تكلم جبريل له أن ينسى أول القرآن فكان يقرأ قبل أن يستتم جبريل ﵇ الوحي فنزلت في ذلك، وهي على هذا في معنى قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: ١٦] وقالت فرقة سبب هذه الآية أن النبي ﷺ كان إذا أوحي إليه القرآن أمر بكتبه للحين فأمره الله تعالى في هذه الآية أن يتأنى حتى يفسر له المعاني وتقرر عنده، وقالت فرقة سبب الآية أن امرأة شكت إلى النبي ﷺ أن زوجها لطمها فقال لها رسول الله ﷺ بينكما القصاص ثم نزلت الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ [النساء: ٣٤] ، ونزلت هذه بمعنى الأمر بالتثبت في الحكم بالقرآن حتى يبين والله أعلم. وقرأ الجمهور «من قبل أن يقضي إليك وحيه» ، وقرأ عبد الله بن مسعود «من قبل أن نقضي إليك وحيه» . وباقي الآية بين رغبة في خير. قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ١١٥ الى ١١٧] وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (١١٥) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى (١١٦) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧) قال الطبري المعنى وإن يعرض يا محمد هؤلاء الكفرة عن آياتي ويخالفوا رسلي ويطيعوا إبليس فقدما فعل ذلك أبوهم آدم ع وهذا التأويل ضعيف، وذلك أن يكون آدَمَ مثالا للكفار الجاحدين بالله ليس بشيء، وآدَمَ إنما عصى بتأويل ففي هذا غضاضة عليه ﷺ وأما الظاهر في هذه الآية، إما أن يكون ابتداء قصص لا تعلق له بما قبله، وإما أن يجعل تعلقه أنه لما عهد إلى محمد ﷺ أن لا يعجل بالقرآن مثل له بنبي قبله عهد إليه فَنَسِيَ فعوقب لتكون أشد في التحذير وأبلغ في العهد إلى محمد ﷺ . و «العهد» هنا في معنى الوصية، و «نسي» معناه ترك، والنسيان الذهول لكن هنا أنه لا يتعلق بالناسي عقاب، وقرأ الأعمش «فنسي» بسكون الياء ووجهها طلب الخفة، و «العزم» المضي على المعتقد في أي شيء كان، وآدم ﵇ كان معتقدا لأن لا يأكل من الشجرة لما وسوس إليه إبليس لم يعزم على معتقده، وعبر بعض المفسرين عن العزم هنا بالصبر وبالحفظ وبغير ذلك مما هو أعم من حقيقة العزم والشيء الذي عهد إلى آدم هو أن يقرب الشجرة وأعلم مع ذلك أن إبليس عدو له، وقال أبو أمامة لو أن أحلام بني آدم وضعت منذ خلق الله إلى يوم القيامة ووضعت في كفة ميزان ووضع حلم آدم في كفة أخرى لرجحهم، وقد قال الله له وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ ابتداء قصة، والعامل، في إِذْ فعل مضمر وقد تقدم استيعاب هذه القصة لكن نذكر من ذلك ما تقتضيه ألفاظ هذه الآية، فالملائكة قيل كان جميعهم مأمور بذلك وقيل بل فرقة فاضلة منهم عددهم اثنان وعشرون، و «السجود» الذي أمروا به سجود كرامة لآدم وعبادة لله تعالى، وقوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ الاستثناء متصل في قول من جعل إبليس من الملائكة، ومنقطع في قول من قال هو من قبيلة غير الملائكة

стр. 1736

يقال لها الجن. وقوله تعالى: فَلا يُخْرِجَنَّكُما أي لا يقع منكما طاعة له في إغوائه فيكون ذلك سبب خروجكما مِنَ الْجَنَّةِ ثم خصص بقوله فَتَشْقى من حيث كان المخاطب أولا والمقصود في الكلام، وقيل بل ذلك لأن الله تعالى جعل الشقاء في معيشة الدنيا في حيز الرجال وروي أن آدم لما أهبط هبط معه ثور أحمر فكأن يحرث ويمسح العرق فهذا هو الشقاء الذي خوف منه. قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ١١٨ الى ١٢١] إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) المعنى إِنَّ لَكَ يا آدم نعمة تامة وعطية مستمرة أن لا يصيبك جوع ولا عري ولا ظمأ ولا بروز للشمس يؤذيك وهو الضحاء، وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر «وإنك لا تظمأ» بكسر الألف، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم «وأنك» بفتح الألف، وجعل الله تعالى الجوع في هذه الآية مع العري والظمأ مع الضحاء وكأن عرف الكلام أن يكون الجوع مع الظمأ المتناسب والعري مع الضحاء لأنها تتضاد إذ العري يمس بسببه البرد والحر يفعل ذلك بالضاحي، وهذه الطريقة مهيع في كلام العرب أن تفرق النسب ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال ولم أسبأ الزقّ الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إقفال وقد ذهب بعض الأدباء إلى أن بيتي امرئ القيس حافظة لنسب وأن ركوب الخيل للصيد وغيره من الملاذ يناسب تبطن الكاعب، ومن الضحاء قول الشاعر: [الطويل] رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت ... فيضحي وأما بالعشيّ فيخصر و «وسوسة الشيطان» قيل كانت دون مشافهة، إلقاء في النفس، وقيل بل كان بالمشافهة والمخاطبة وهو ظاهر القصة من غير ما موضع وكان دخوله إلى الجنة فيما روي في فم الحية، وكان آدم ﵇ قد قال الله تعالى له لا تأكل من هذه الشجرة وعين له شجرة قد تقدم الخلاف في جنسها فلما وصفها له إبليس بأنها شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى أي من أكلها كان ملكا مخلدا عمد آدم إلى غير تلك التي نهي عنها من جنسها فأكلها بتأويل أن النهي كان في تلك المعينة، وقيل بل تأول أن النهي إنما كان على الندب لا على التحريم البت، وسارعت إلى ذلك حواء وكانت معه في النهي فلما رآها آدم قد أكلت أكل فطارت عنهما ثيابتها وظهر تبري الأشياء منهما وبدت سوءاتهما، وَطَفِقا معناه وجعلا يفعلان ذلك دائما، ويَخْصِفانِ معناه يلفقان ويضمان شيئا إلى شيء فكانا يستتران بالورق وروي أنه كان ورق التين، ثم

стр. 1737

نص ﵎ على آدم أنه عَصى و «غوى» معناه ضل من الغي الذي هو ضد الرشد ومنه قول الشاعر: [الطويل] فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما وقرأت فرقة «وأنك» بفتح الألف عطفا على قوله أَلَّا تَجُوعَ وقرأت فرقة و «إنك» عطفا على قوله إِنَّ لَكَ. قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ١٢٢ الى ١٢٦] ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢) قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) اجْتَباهُ معناه تخيره واصطفاه، و «تاب عليه» معناه رجع به من حال المعصية إلى حال الندم وهداه لصلاح الأقوال والأعمال وأمضى عقوبته في إهباطه من الجنة. وقوله اهْبِطا مخاطبة لآدم وحواء، ثم أخبرهما بقوله جَمِيعاً أن إبليس والحية يهبطان معهما وأخبرهما بأن العداوة بينهم وبين أنسالهم إلى يوم القيامة. وعَدُوٌّ يوصف به الواحد والاثنان والجميع، وقوله تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً شرط وجوابه في قوله فَمَنِ اتَّبَعَ وما بعده إلى آخر القسم الثاني. و «الهدى» معناه دعوة شرعي ثم أعلمهم أنه من اتبع هداه وآمن به فإنه «لا يضل» في الدنيا وَلا يَشْقى في الآخرة، وأن مَنْ أَعْرَضَ عن ذكر الله وكفر به فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً والضنك النكد الشاق من العيش أو المنازل أو مواطن الحرب ونحو هذا، ومنه قول عنترة وإن نزلوا بضنك أنزل، وصف به الواحد والجمع ذلك من وعيد لهم ثم أخبر عن حالة أخرى هي أيضا في يوم القيامة وهي حشرهم عميا، ثم يجيء قوله وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى [طه: ١٢٧] معنى هذا الذي ذكرناه من المعيشة والعمى ونحوه هو عذابه في الآخرة وهو أَشَدُّ وَأَبْقى [طه: ١٢٧] من كل ما يقع عليه الظن والتخيل، فكأنه ذكر نوعا من عذاب الآخرة ثم أخبر أن عذاب الآخرة أشد وأبقى. وقرأت فرقة «ونحشره» بالنون، وقرأت فرقة «ويحشره» بالياء وقرأت فرقة «ويحشره» بسكون الراء، وقرأت فرقة «أعمى» بالإمالة، وقالت فرقة العمى هنا هو عمى البصيرة عن الحجة. قال القاضي أبو محمد: ولو كان هذا لم يخش الكافر لأنه كان أعمى البصيرة ويحشر كذلك، وقالت فرقة العمى عمى البصرع وهذا هو الأوجه مع أن عمى البصيرة حاصل في الوجهين، وأما قوله وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً [طه: ١٠٢] فمن رآه في العينين فلا بد أن يتأول فيها مع هذه إما أنها في طائفتين أو في موطنين، وقوله تعالى: كَذلِكَ أَتَتْكَ ذلك إشارة إلى العمى الذي حل به، أي مثل هذا في الدنيا أن أَتَتْكَ آياتُنا

стр. 1738

فَنَسِيتَها والنسيان في هذه الآية بمعنى الترك ولا مدخل للذهول في هذا الموضع، وتُنْسى بمعنى تترك في العذاب وروي أن هذه الآية نزلت في المرشي. قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ١٢٧ الى ١٣٠] وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠) المعنى وكما وصفنا من أليم الأفعال نَجْزِي المسرفين المتعدين الكفار بالله ، وقوله وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ إن كانت معيشة الضنك في الدنيا أو البرزخ فجاء هذا وعيدا في الآخرة بعد وعيد، وإن كانت المعيشة في الآخرة فأكد الوعيد بعينه هذا القول، الذي جعل به عذاب الآخرة فوق كل عذاب يتخيله الإنسان أو يقع في الدنيا، ثم ابتدأ يوبخهم ويذكرهم العبر بقوله أَفَلَمْ يَهْدِ، لَهُمْ وقرأت فرقة «يهد» بالياء بمعنى يتبين، واختلفت هذه الفرقة في الفاعل فقال بعضها الفاعل كَمْ وهذا قول كوفي، ونحاة البصرة لا يجيزونه لأن «كم» لها صدر الكلام، وفي قراءة ابن مسعود «أفلم يهد لهم من أهلكنا» فكأن هذه القراءة تناسب ذلك التأويل في كَمْ وقال بعضهم الفاعل الله ، والمعنى أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ما جعل الله لهم من الآيات والعبر فأضاف الفعل إلى الله بهذا الوجه قاله الزجاج، وقال بعضهم الفاعل مقدر الهدى أو الأمرع أو النظر أو الاعتبار هذا أحسن ما يقدر به عندي، وقرأت فرقة «نهد» بالنون وهذه القراءة تناسب تأويل من قال في التي قبلها الفاعل الله تعالى. وكَمْ على هذه الأقوال نصب ب أَهْلَكْنا، ثم قيد الْقُرُونِ بأنهم يمشي هؤلاء الكفرة فِي مَساكِنِهِمْ فإنما أراد عادا أو ثمود أو الطوائف التي كانت قريش تجوز على بلادهم في المرور إلى الشام وغيره، وقرأت فرقة «يمشون» بفتح الياء، وقرأت فرقة «يمشون» بضم الياء وفتح الميم وشد الشين، والنُّهى جمع نهية وهو ما ينهى الإنسان عن فعل القبيح، ثم أعلم قبله أن العذاب كان يصير لهم لِزاماً لَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ من الله تعالى في تأخيره عنهم إلى أَجَلٌ مُسَمًّى عنده فتقدير الكلام وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ في التأخير وَأَجَلٌ مُسَمًّى لكان العذاب لِزاماً كما تقول لكان حتما أو واجبا واقعا لكنه قدم وأخر لتشتبه رؤوس الآي. واختلف الناس في الأجل فيحتمل أن يريد يوم القيامة والعذاب المتوعد به على هذا هو عذاب جهنم، ويحتمل أن يريد ب «الأجل» موت كل واحد منهم فالعذاب على هذا هو ما يلقى في قبره وما بعده، ويحتمل أن يريد بالآجال يوم بدر فالعذاب على هذا هو قتلهم بالسيف وبكل احتمال مما ذكرناه، قالت فرقة، وفي صحيح البخاري، أن يوم بدر وهو اللزام وهو البطشة الكبرى، ثم أمره تعالى بالصبر على أقوالهم إنه ساحر وإنه كاهن وإنه كذاب إلى غير ذلك، والمعنى لا تحفل بهم فإنهم مدركة الهلكة وكون اللزام يوم بدر أبلغ في آيات نبينا ﵇ وقوله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قال أكثر المتأولين هذه إشارة إلى الصلوات

стр. 1739

الخمس قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ صلاة الصبح وَقَبْلَ غُرُوبِها صلاة العصر ومِنْ آناءِ اللَّيْلِ العتمة وَأَطْرافَ النَّهارِ المغرب والظهر. وقالت فرقة آناءِ اللَّيْلِ المغرب والعشاء، وَأَطْرافَ النَّهارِ الظهر وحدها، ويحتمل اللفظ أن يراد قول سبحان الله وبحمده من بعد صلاة الصبح إلى ركعتي الضحى وقبل غروب الشمس فقد قال ﷺ : «من سبح قبل غروب الشمس سبعين تسبيحة غربت بذنوبه» ع وسمى الطرفين أطرافا على أحد وجهين إما على نحو فقد صغت قلوبكما: وإما على أن يجعل النهار للجنس، فلكل يوم طرف وهي التي جمع، وأما من قال أَطْرافَ النَّهارِ لصلاة الظهر وحدها فلا بد له من أن يتمسك بأن يكون النهار للجنس كما قلنا أو نقول إن النهار ينقسم قسمين فصلهما الزوال ولكل قسم طرفان فعند الزوال طرفان الآخر من القسم الأول والأول من القسم الآخر فقال عن الطرفين أطرافا على نحو فقد صغت قلوبكما، وأشار إلى هذا النظر ابن فورك في المشكل والآناء جمع أنى وهي الساعة من الليل ومنه قول الهذلي: حلو ومر كعطف القدح مر به ... في كل أنى حداة الليل تنتقل وقالت فرقة في الآية إشارة إلى نوافل، فمنها آناءِ اللَّيْلِ ومنها قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وركعتا الفجر والمغرب أَطْرافَ النَّهارِ، وقرأ الجمهور «لعلك ترضى» بفتح التاء أي لعلك تثاب على هذه الأعمال بما ترضى به، وقرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم «لعلك ترضى» أي لعلك تعطى ما يرضيك. قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ١٣١ الى ١٣٣] وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢) وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣) قال بعض الناس سبب هذه الآية أن رسول الله ﷺ ، نزل به ضيف فلم يكن عنده شيء فبعث إلى يهودي ليسلفه شعيرا فأبى اليهودي إلا برهن فبلغ الرسول بذلك إلى النبي ﷺ ، فقال «والله إني لأمين في السماء وأمين في الأرض» فرهنه درعه فنزلت الآية في ذلك. قال القاضي أبو محمد: وهذا معترض أن يكون سببا لأن السورة مكية والقصة المذكورة مدنية في آخر عمر النبي ﷺ ، لأنّه مات ودرعه مرهونة بهذه القصة التي ذكرت، وإنما الظاهر أن الآية متناسقة مع ما قبلها وذلك أن الله تعالى وبخهم على ترك الاعتبار بالأمم السالفة ثم توعدهم بالعذاب المؤجل ثم أمر نبيه بالاحتقار لشأنهم والصبر على أقوالهم والإعراض عن أموالهم وما في أيديهم من الدنيا إذ ذاك منحصر عندهم صائر بهم إلى خزي، وقوله وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أبلغ من ولا تنظر، لأن الذي يمد بصره إنما يحمله على ذلك حرص مقترن، والذي ينظر قد لا يكون ذلك معه. و «الأزواج» الأنواع فكأنه قال إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أقواما منهم وأصنافا. وقوله تعالى: زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا شبه نعم هؤلاء الكفار

стр. 1740

بالزهر وهو ما اصفر من النور، وقيل «الزهر» النور جملة لأن الزهر له منظر ثم يضمحل فكذلك حال هؤلاء، ونصب زَهْرَةَ يجوز أن ينصب على الحال وذلك أن تعرفها ليس بمحض، وقرأت فرقة «زهرة» بسكون الهاء، وفرقة «زهرة» بفتح الهاء ثم أخبر تعالى نبيه ﷺ ، أن ذلك إنما هو ليختبرهم به ويجعله فتنة لهم وأمرا يجازون عليه بالسوء لفساد تقلبهم فيه، وَرِزْقُ الله تعالى الذي أحله للمتقين من عباده خَيْرٌ وَأَبْقى أي رزق الدنيا خير ورزق الآخرة أبقى وبين أنه خير من رزق الدنيا، ثم أمره تعالى بأن يأمر أهله بالصلاة وتمثيلها معهم ويصطبر عليها ويلازمها ويتكفل هو برزقه لا إله إلّا هو، وأخبره أن العاقبة الأولى التقوى وفي حيزها فثم نصر الله في الدنيا ورحمته في الآخرة، وهذا الخطاب للنبي ﷺ ، ويدخل في عمومه جميع أمته. وروي أن عروة بن الزبير ﵁ كان إذا رأى شيئا من أخبار السلاطين وأحوالهم بادر إلى منزله فدخله وهو يقرأ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا الآية إلى قوله وَأَبْقى، ثم ينادي بالصلاة الصلاة يرحمكم الله، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يوقظ أهل داره لصلاة الليل ويصلي هو ويتمثل بهذه الآية، وقرأ الجمهور «نحن نرزقك» بضم القاف، وقرأت فرقة «نزرقك» بسكونها، ثم أخبر تعالى عن طوائف من الكفار قالوا عن محمد ﷺ ، لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أي بعلامة مما اقترحناها عليه وبما يبهر ويضطر. قال القاضي أبو محمد: ورسل الله إنما اقترنت معهم آيات معرضة للنظر محفوفة بالبراهين العقلية ليضل من سبق في علم الله تعالى ضلاله ويهتدي من سبق في علم الله تعالى هداه، فوبخهم الله تعالى بقوله أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى يعني التوراة أعظم شاهد وأكبر آية له. وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم «تأتهم» على لفظة بَيِّنَةُ وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم «يأتهم» بالياء على المعنى، وقرأت فرقة «بينة ما» بالإضافة إلى ما وقرأت فرقة «بينة» بالتنوين، وما على هذه القراءة فاعلة ب «تأتي» ، وقرأ الجمهور «في الصحف» بضم الحاء، وقرأت فرقة «في الصحف» بسكونها. قوله : [سورة طه (٢٠) : الآيات ١٣٤ الى ١٣٥] وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥) أخبر الله تعالى نبيه ﵇ أنه لو أهلك هذه الأمة الكافرة قبل إرساله إليهم محمدا لقامت لهم حجة رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا الآية. وروى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ ، قال «يحتج على الله تعالى يوم القيامة ثلاثة الهالك في الفترة والمغلوب على عقله والصبي الصغير فيقول المغلوب على عقله رب لم تجعل لي عقلا ويقول الصبي نحوه ويقول الهالك في الفترة رب لم ترسل إليّ رسولا ولو جاءني لكنت أطوع خلقك لك» قال «فترفع لهم نار ويقال لهم ردوها» قال «فيردها من كان في علم الله تعالى أنه سعيد ويكع عنها الشقي فيقول الله تعالى إياي عصيتم فكيف برسلي لو أتتكم» أما الصبي

стр. 1741

والمغلوب على عقله فبين أمرهما وأما صاحب الفترة فليس ككافر قريش قبل النبي ﷺ لأن كفار قريش وغيرهم ممن علم وسمع عن نبوة ورسالة في أقطار الأرض فليس بصاحب فترة والنبي ﷺ قد قال أبي وأبوك في النار ورأى عمرو بن لحي في النار إلى غير هذا مما يطول ذكره، وأما صاحب الفترة يفرض أنه آدمي لم يطرأ إليه أن الله تعالى بعث رسولا ولا دعا إلى دين وهذا قليل الوجود اللهم إلا أن يشد في أطراف الأرض والمواضع المنقطعة عن العمران. و «الذل والخزي» مقترنان بعذاب الآخرة، ثم أمر الله تعالى نبيه أن يتوعدهم ويحملهم ونفسه على التربص وانتظار الفرج. و «التربص» التأني، والصِّراطِ الطريق. وقرأت فرقة «السوي» ، وقرأت فرقة «السوء» فكأن هذه القراءة قسمت الفريقين أي ستعلمون هذا من هذا وقرأت فرقة «السّوي» بشد الواو وفتحها، وقرأت فرقة «السّوؤى» بضم السين وهمزة على الواو على وزن فعلى، واهْتَدى معناه رشد.

стр. 1742

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الأنبياء هذه السورة مكية بإجماع وكان عبد الله بن مسعود يقول الكهف، ومريم، وطه، والأنبياء من العتاق الأول وهي من تلادي يريد من قديم ما كسبت وحفظت من القرآن كالمال التلاد. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١ الى ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) روي أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ كان يبني جدارا فمر به آخر في يوم نزول هذه السورة فقال الذي كان يبني الجدار ماذا نزل اليوم من القرآن؟ فقال الآخر نزل اليوم اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ فنفض يده من البنيان وقال والله لا بنيت أبدا وقد اقترب الحساب، وقوله تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ عام في جميع الناس، المعنى وإن كان المشار إليه في ذلك الوقت كفار قريش ويدل على ذلك ما بعد من الآيات، وقوله وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ يريد الكفار. قال القاضي أبو محمد: ويتجه من هذه الألفاظ على العصاة من المؤمنين قسطهم، وقوله ما يَأْتِيهِمْ وما بعده مختص بالكفار، وقوله مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ قالت فرقة المراد منا ينزل من القرآن ومعناه مُحْدَثٍ نزوله وإتيانه إياهم لا هو في نفسه، وقالت فرقة المراد ب «الذكر» أقوال النبي ﷺ في أمر الشريعة ووعظه وتذكيره فهو محدث على الحقيقة وجعله من ربه من حيث إن النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى ولا يقول إلا ما هو من عند الله، وقالت فرقة «الذكر» الرسول نفسه واحتجت بقوله تعالى قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ [الطلاق: ١١] فهو محدث على الحقيقة ويكون، قوله اسْتَمَعُوهُ بمعنى استمعوا إليه، وقوله تعالى: وَهُمْ يَلْعَبُونَ جملة في موضع الحال أي أسماعهم في حال لعب فهو غير نافع ولا واصل النفس. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٣ الى ٤] لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) قوله تعالى: لاهِيَةً حال بعد حال، واختلف النحاة في إعراب قوله وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ

стр. 1743

ظَلَمُوا فذهب سيبويه ﵀ إلى أن الضمير في أَسَرُّوا فاعل وأن الَّذِينَ بدل منه وقال ﵀ لغة أكلوني البراغيث ليست في القرآن، وقال أبو عبيدة وغيره الواو والألف علامة أن الفاعل مجموع كالتاء في قولك قامت هند والَّذِينَ فاعل ب أَسَرُّوا وهذا على لغة من قال أكلوني البراغيث، وقالت فرقة الضمير فاعل والَّذِينَ مرتفع بفعل مقدر تقديره أسرها الذين أو قال الذين ع والوقوف على النَّجْوَى في هذا القول وفي الأول أحسن ولا يحسن في الثاني، وقالت فرقة الَّذِينَ مرتفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هم الذين ظلموا، والوقف مع هذا حسن، وقالت فرقة الَّذِينَ في موضع نصب بفعل تقديره أعني الذين، وقالت فرقة الَّذِينَ في موضع خفض بدل من «الناس» [الأنبياء: ١] ع وهذه أقوال ضعيفة ومعنى أَسَرُّوا النَّجْوَى تكلموا بينهم في السر والمناجاة بعضهم لبعض، وقال أبو عبيدة أَسَرُّوا أظهروا وهو من الأضداد، ثم بين تعالى الأمر الذي يتناجون به وهو قول بعضهم لبعض هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، ثم قال بعضهم لبعض على جهة التوبيخ في الجهالة أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ أي ما يقول شبهوه بالسحر، المعنى أفتتبعون السحر وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أي تدركون أنه سحر وتعلمون ذلك، كأنهم قالوا تضلون على بينة ومعرفة، ثم أمر الله تعالى نبيه أن يقول لهم وللناس جميعا قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي يعلم أقوالكم هذه وهو بالمرصاد في المجازاة عليها. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «قل ربي» ، وقرأ حمزة والكسائي «قال ربي يعلم» على معنى الخبر عن نبيه محمد ﷺ ، واختلف عن عاصم، قال الطبري رحمه وهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الإهماز. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٥ الى ٨] بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨) لما اقتضت الآية التي قبل هذه أنهم قالوا إن ما عنده سحر، عدد الله في هذه جميع ما قالته طوائفهم ووقع الإضراب بكل مقالة عن المتقدمة لها ليتبين اضطراب أمرهم، فهو إضراب عن جحد متقدم لأن الثاني ليس بحقيقة في نفسه، و «الأضغاث» الأخلاط وأصل الضغث القبضة المختلطة من العشب والحشيش، فشبه تخليط الحلم بذلك، وهو ما لا يتفسر ولا يتحصل، ثم حكى من قال قول شاعر وهي مقالة فرقة عامية منهم لأن نبلاء العرب لم يخف عليهم بالبديهة أن مباني القرآن ليست مباني شعر ثم حكى اقتراحهم وتمنيهم آية تضطرهم وتكون في غاية الوضوح كناقة صالح وغيرها، وقولهم كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ دال على معرفتهم بإتيان الرسل الأمم المتقدمة. وقوله تعالى: ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مقدرا كلام يدل عليه المعنى، تقديره والآية التي طلبوا عادتنا أن القوم إن كفروا بها عاجلناهم. وما آمنت قرية من القرى التي نزلت بها هذه النازلة أفهذه كانت تؤمن وقوله تعالى: أَهْلَكْناها جملة في موضع الصفة ل قَرْيَةٍ

стр. 1744

والجملة إذا اتبعت النكرات فهي صفة لها وإذا اتبعت المعارف فهي أحوال منها، وقوله وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا رد على فرقة منهم كانوا يستبعدون أن يبعث الله من البشر رسولا يشف على نوعه من البشر بهذا القدر من الفضل، فمثل الله تعالى في الرد عليهم بمن سبق من الرسل من البشر، وقرأ الجمهور «يوحى» على بناء الفعل للمفعول، وقرأ حفص عن عاصم «نوحي» بالنون، ثم أحالهم على سؤال أَهْلَ الذِّكْرِ من حيث لم يكن عند قريش كتاب ولا إثارة من علم، واختلف الناس في أَهْلَ الذِّكْرِ من هم، فروى عبد الله بن سلام أنه قال أنا من أهل الذكر، وقالت فرقة هم أهل القرآن. قال القاضي أبو محمد: وهذا موضع ينبغي أن يتأمل، وذلك أن الذكر هو كل ما يأتي من تذكير الله تعالى عباده فأهل القرآن أهل ذكر، وهذا ما أراد علي بن أبي طالب ﵁، وأما المحال على سؤالهم في هذه الآية فلا يصح أن يكونوا أهل القرآن في ذلك الوقت لأنهم كانوا خصومهم، وإنما أحيلوا على سؤال أخبار أهل الكتاب من حيث كانوا موافقين لهم على ترك الإيمان بمحمد ﵇ فتجيء شهادتهم بأن الرسل قديما من البشر لا مطعن فيها لازمة لكفار قريش وقوله تعالى: وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً قيل الجسد من الأشياء يقع على ما لا يتغذى، ومنه قوله تعالى: عِجْلًا جَسَداً [الأعراف: ١٤٨] . فمعنى هذا ما جعلناهم أجسادا لا تتغذى، وقيل الجسد يعم المتغذي وغير المتغذي. والمعنى ما جعلناهم أجسادا وجعلناهم مع ذلك لا يأكلون الطعام كالجمادات أو كالملائكة، ف جَعَلْناهُمْ جَسَداً على التأويل الأول منفي، وعلى الثاني موجب، والنفي واقع على صفته. وقوله تعالى: لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ كناية عن الحدث، ثم نفى عنهم الخلد لأنه من صفات القديم وكل محدث فغير خالد في دار الدنيا. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٩ الى ١٢] ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠) وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) هذا وعيد في ضمن وصفه تعالى سيرته في الأنبياء من أنه يصدق مواعيدهم فكذلك يصدق لمحمد ﵇ ولأصحابه ما وعدهم من النصر وظهور الكلمة وقوله تعالى: وَمَنْ نَشاءُ معناه من المؤمنين بهم، و «المسرفون» الكفار المفرطون في غيهم وكفرهم وكل من ترك الإيمان مفرط مسرف، ثم وبخهم تعالى بقوله: لَقَدْ أَنْزَلْنا الآية و «الكتاب» القرآن. وقوله تعالى: فِيهِ ذِكْرُكُمْ يحتمل أن يكون في الذكر الذي أنزله الله تعالى إليكم بأمر دينكم وآخرتكم ونجاتكم من عذابه، فأضاف الذكر إليهم حيث هو في أمرهم ويحتمل أن يريد فيه شرفكم وذكركم آخر الآية. كما تذكر عظام الأمور، وفي هذا تحريض ثم تأكد التحريض بقوله أَفَلا تَعْقِلُونَ وحركهم ذلك إلى النصر، ثم مثل لهم على جهة التوعد بمن سلف من الأمم المعذبة، وكَمْ للتكثير وهي في موضع نصب ب قَصَمْنا ومعناه أهلكنا، وأصل القصم الكسر في الأجرام فإذا استعير للقوم أو القرية ونحوه فهو

стр. 1745

ما يشبه الكسر وهو إهلاكهم وأوقع هذه الأمور على «القرية» والمراد أهلها وهذا مهيع كثير، ومنه ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ [الأنبياء: ٦] وغيره وقوله تعالى: وَأَنْشَأْنا أي خلقنا وبثثنا أمة أخرى غير المهلكة، وقوله تعالى: فَلَمَّا أَحَسُّوا وصف عن قرية من القرى المجملة أولا قيل كانت باليمن تسمى حصورا بعث الله تعالى إلى أهلها رسولا فقتلوه، فأرسل الله تعالى بخت نصر صاحب بني إسرائيل فهزموا جيشه مرتين، فنهض في الثالثة بنفسه فلما مزقهم وأخذ القتل فيهم ركضوا هاربين، ويحتمل أن لا يريد بالآية قرية بعينها وأنه واصف حال كل قرية من القرى المعذبة وأن أهل كل قرية كانوا إذا أحسوا العذاب من أي نوع كان أخذوا في الفرار. وأَحَسُّوا باشروه بالحواس، و «الركض» تحريك القدم على الصفة المعهودة، فالفار والجاري بالجملة راكض إما دابة وإما الأرض تشبيها بالدابة. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٣ الى ١٦] لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (١٤) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ (١٥) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) يحتمل قوله تعالى: لا تَرْكُضُوا إلى آخر الآية أن يكون من قول رجال بخت نصر على الرواية المتقدمة فالمعنى على هذا أنهم خدعوهم واستهزؤوا بهم بأن قالوا للهاربين منهم لا تفروا وَارْجِعُوا إلى مواضعكم لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ صلحا أو جزية أو أمرا يتفق عليه، فلما انصرفوا أمر بخت نصر أن ينادى فيهم يا لثارات النبي المقتول فقتلوا بالسيف عن آخرهم ع، هذا كله مروي، ويحتمل أن يكون لا تَرْكُضُوا إلى آخر الآية من كلام ملائكة العذاب، على التأويل الآخر أن الآيات وصف قصة كل قرية وأنه لم يرد تعيين حصورا ولا غيرها، فالمعنى على هذا أن أهل هذه القرى كانوا باغترارهم يرون أنهم من الله تعالى بمكان وأنه لو جاءهم عذاب أو أمر لم ينزل بهم حتى يخاصموا أو يسألوا عن وجع تكذيبهم لنبيهم فيحتجون هم عند ذلك بحجج تنفعهم في ظنهم، فلما نزل العذاب دون هذا الذي أملوه وركضوا فارين نادتهم الملائكة على وجه الهزء بهم لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ كما كنتم تطمعون بسفه آرائكم، ثم يكون قوله حَصِيداً أي بالعذاب تركضوا كالحصيد، و «الإتراف» التنعيم، ودَعْواهُمْ معناه دعاؤهم وكلامهم أي لم ينطقوا بغير التأسف، والحصيد يشبه بحصيد الزرع بالمنجل الذي ردهم الهلاك كذلك، وخامِدِينَ أي موتى دون أزواج مشبهين بالنار إذا طفيت، ولما فرغ وصف هذا الحال وضع الله تعالى السامعين بقوله وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ أي ظن هؤلاء الذين نزل بهم ما نزل وكما تظنون أنتم أيها الكفرة الآن ففي الآية وعيد بهذا الوجه والمعنى إنما خلقنا هذا كله ليعتبر به وينظر فيه ويؤمن بالله بحسبه، قال بعض الناس تُسْئَلُونَ معناه تفهمون وتفقهون. قال القاضي أبو محمد: وهذا تفسير لا يعطيه اللفظ، وقالت فرقة تُسْئَلُونَ معناه شيئا من أموالكم وعرض دنياكم على وجه الهزء.

стр. 1746

قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٧ الى ١٨] لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) ظاهر هذه الآية الرد على من قال من الكفار أمر مريم وما ضارعه من الكفر تعالى الله عن قول المبطلين، و «اللهو» في هذه الآية المرأة وروي أنها في بعض لغات العرب تقع على الزوجة، وأَنْ في قوله إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ يحتمل أن تكون الشرطية بمعنى لو كنا أي ولسنا كذلك، وللمتكلمين هنا اعتراض وانفصال ويحتمل أن تكون نافية بمعنى ما وكل هذا قد قيل، و «الحق» عام في القرآن والرسالة والشرع وكل ما هو حق، والْباطِلِ أيضا عام كذلك ويدمغه معناه يصيب دماغه وذلك مهلك في البشر فكذلك الحق يهلك الباطل، والْوَيْلُ الخزي والهم وقيل هو اسم واد في جهنم فهو المراد في هذه الآية وهذه مخاطبة للكفار الذين وصفوا الله تعالى بما لا يجوز عليه ولا يليق به تعالى الله عن قولهم. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٩ الى ٢٠] وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠) قوله تعالى: وَلَهُ يحتمل أن يكون ابتداء كلام يحتمل أن يكون معادلا لقوله وَلَكُمُ الْوَيْلُ [الأنبياء: ١٨] كأنه تقسيم الأمر في نفسه أي للمختلقين هذه المقالة الويل ولله تعالى مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ واللام في لَهُ لام الملك، وقوله تعالى: مَنْ فِي السَّماواتِ يعم الملائكة والنبيين وغيرهم، ثم خصص من هذا العموم من أراد تشريفه من الملائكة بقوله تعالى: وَمَنْ عِنْدَهُ لأن «عند» هنا ليست في المسافات إنما هي تشريف في المنزلة فوصفهم تعالى بأنهم لا يَسْتَكْبِرُونَ عن عبادة الله ولا يسأمونها ولا يكلون فيها. والحسير من الإبل المعيي ومنه قول الشاعر: [الطويل] . لهن الوجى لم يكن عونا على النوى ... ولا كان منها طالع وحسير وحسر واستحسر بمعنى واحد، وهذا موجود في كثير من الأفعال وإن كان الباب في استفعل أن يكون لطلب الشيء، وقوله تعالى: لا يَفْتُرُونَ، روي عن كعب الأحبار أنه قال جعل الله التسبيح كالنفس وطرف العين للبشر منهم دائبا دون أن يلحقهم فيه سآمة، وقال قتادة ذكر لنا أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس مع أصحابه إذ قال «أتسمعون ما أسمع» قالوا: ما نسمع من شيء يا رسول الله، قال «إني لأسمع أطيط السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع راحة إلا وفيه ملك ساجد أو قائم» . قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٢١ الى ٢٤] أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤)

стр. 1747

هذه أَمِ التي هي بمنزلة ألف الاستفهام، وهي هاهنا تقرير وتوقيف، ومذهب سيبويه أنها بمنزلة بل مع ألف الاستفهام، كأن في القول إضرابا عن الأول ووقفهم الله تعالى هل اتَّخَذُوا آلِهَةً يحيون ويخترعون، أي ليست آلهتكم كذلك فهي غير آلهة لأن من صفة الإله القدرة على الإحياء والإماتة. وقرأت فرقة «ينشرون» بضم الياء بمعنى يحيون غيرهم، وقرأت فرقة «ينشرون» بمعنى يحيونهم وتدوم حياتهم يقال نشر الميت وأنشره الله تعالى، ثم بين تعالى أمر التمانع بقوله لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا وذلك بأنه كان يبغي بعضهم على بعض ويذهب بما خلق، واقتضاب القول في هذا أن الإلهين لو فرضا فوقع بينهما الاختلاف في تحريك جرم وتسكينه فمحال أن تتم الإرادتان ومحال أن لا تتم جميعا، وإذا تمت الواحدة كان صاحب الأخرى عاجزا، وهذا ليس بإله، وجواز الاختلاف عليهما بمنزلة وقوعه منهما ونظر آخر وذلك أن كل جزء يخرج من العدم إلى الوجود فمحال أن يتعلق به قدرتان، فإذا كانت قدرة أحدهما موجدة بقي الآخر فضلا لا معنى له في ذلك الجزء، ثم يتمادى النظر هكذا جزءا جزءا ثم نزه تعالى نفسه عما وصفه أهل الجهالة والكفر، ثم وصف نفسه تعالى بأنه لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وهذا وصف يحتمل معنيين: إما أن يريد أنه بحق ملكه وسلطانه لا يعارض ولا يسأل عن شيء يفعله إذ له أن يفعل في ملكه ما يشاء، وإما أن يريد أنه محكم الأفعال واضع كل شيء موضعه فليس في أفعاله موضع سؤال ولا اعتراض، وهؤلاء من البشر يسألون لهاتين العلتين لأنهم ليسوا مالكين ولأنهم في أفعالهم خلل كثير، ثم قررهم تعالى ثانية على اتخاذ الآلهة، وفي تكرار هذا التقرير مبالغة في نكره وبيان فساده، وفي هذا التقرير زيادة على الأول وهي قوله تعالى: مِنْ دُونِهِ فكأنهم قررهم هنا على قصد الكفر بالله ، ثم دعاهم إلى الحجة والإتيان بالبرهان. وقوله تعالى: هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي يحتمل أن يريد به هذا جميع الكتب المنزلة قديمها وحديثها، أي ليس فيها برهان على اتخاذ آلهة من دون الله، بل فيها ضد ذلك، ويحتمل أن يريد هذا القرآن والمعنى فيه ذكر الأولين والآخرين، فذكر الآخرين بالدعوة وبيان الشرع لهم وردهم على طريق النجاة، وذكر الأولين بقص أخبارهم وذكر الغيوب في أمورهم، ومعنى الكلام على هذا التأويل عرض القرآن في معرض البرهان أي هاتُوا بُرْهانَكُمْ فهذا برهاني أنا ظاهر في ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي وقرأت فرقة «هذا ذكر من» «وذكر من» بالإضافة فيهما، وقرأت فرقة «هذا ذكر من» بالإضافة «وذكر من قبلي» بتنوين «ذكر» الثاني وكسر الميم من قوله تعالى: مَنْ قَبْلِي وقرأ يحيى بن سعيد وابن مصرف بالتنوين في «ذكر من» في الموضعين وكسر الميم من قوله «من» في الموضعين، وضعف أبو حاتم هذه القراءة كسر الميم في الأولى ولم ير لها وجها، ثم حكم عليهم تعالى بأن أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ لإعراضهم عنه وليس المعنى فَهُمْ مُعْرِضُونَ لأنهم لا يعلمون بل المعنى فَهُمْ مُعْرِضُونَ ولذلك لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ وقرأ الحسن وابن محيصن «الحق» بالرفع على معنى هذا القول هو الحق والوقف على هذه القراءة على لا يَعْلَمُونَ.

стр. 1748

قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٢٥ الى ٢٨] وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) لما أخبرهم تعالى أنهم لا يعلمون الحق لإعراضهم أتبع ذلك بإعلامهم أنه ما أرسل قط رسولا إلا أوحى إليه أن الله تعالى فرد صمد، وهذه عقيدة لم تختلف فيها النبوات، وإنما اختلفت في الأحكام. وقرأ حمزة والكسائي «نوحي» بنون مضمومة، وقرأ الباقون «يوحى» بياء مضمومة. واختلف عن عاصم ثم عدد بعد ذلك نوعا آخر من كفرهم وذلك أنهم مع اتخاذهم آلهة كانوا يقربون بالله تعالى هو الخالق الرازق إلا أنهم قال بعضهم اتخذ الملائكة بنات، وقال نحو هذه المقالة النصارى في عيسى ابن مريم ﵇، واليهود في عزير، فجاءت هذه الآية رادة على جميعهم منبهة عليهم، ثم نزه تعالى نفسه عن مقالة الكفرة وأضرب عن مقالهم ونص ما هو الأمر في نفسه بقوله بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ وهذه عبارة تشمل الملائكة وعزيرا وعيسى. وقوله تعالى: لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ عبارة عن حسن طاعتهم ومراعاتهم لامتثال الأمر، وقوله تعالى: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ أي ما تقدم من أفعالهم وأعمالهم، والحوادث التي لها إليهم تنسب وما تأخر، ثم أخبر تعالى أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله أن يشفع له، قال بعض المفسرين لأهل لا إله إلا الله، «والمشفق» البالغ في الخوف المحترق من الفزع على أمر ما. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٢٩ الى ٣٠] وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩) أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠) المعنى من يقل منهم كذا أن لو قاله وليس منهم من قال هذا، وقال بعض المفسرين المراد بقوله وَمَنْ يَقُلْ الآية، إبليس. قال القاضي أبو محمد: هذا ضعيف لأن إبليس لم يرو قط أنه ادعى ربوبية، وقرأ الجمهور «نجزيه» بفتح النون، وقرأ أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد «نجزيه» بضم النون والهاء ووجهها أن المعنى نجعلها تكتفي به من قولك أجزاني الشيء ثم خففت الهمزة ياء. وقوله تعالى: كَذلِكَ أي كجزائنا هذا القائل جزاؤنا الظالمين، ثم وقفهم على عبرة دالة على وحدانية الله جلت قدرته، و «الرتق» الملتصق بعضه ببعض المبهم الذي لا صدع فيه ولا فتح ومنه امرأة رتقاء، واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما فقالت فرقة كانت السماء ملتصقة بعضها ببعض والأرضون كذلك ففتقهما الله تعالى سبعا

стр. 1749

سبعا، وعلى هذين القولين ف «الرؤية» الموقف عليها رؤية القلب، وقالت فرقة السماء قبل المطر رتق والأرض قبل النبات رتق ففتقهما تعالى بالمطر والنبات، كما قال الله تعالى وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ [الطارق: ١١- ١٢] وهذا قول حسن يجمع العبرة وتعديد النعمة والحجة بمحسوس بين ويناسب قوله وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أي من الماء الذي أوجده الفتق فيظهر معنى الآية ويتوجه الاعتبار، وقالت فرقة السماء والأرض رتق بالظلمة وفتقهما الله تعالى بالضوء ع و «الرؤية» على هذين القولين رؤية العين، والْأَرْضَ هنا اسم الجنس فهي جمع، وقرأ الجمهور «رتقا» بسكون التاء، والرتق مصدر وصف به كالزور والعدل، وقرأ الحسن والثقفي وأبو حيوة «كانتا رتقا» بفتح التاء وهو اسم المرتوق كالنفض والنفض والخبط والخبط وقال كانتا من حيث هما نوعان ونحوه قول عمرو بن شيم. ألم يحزنك أن جبال قيس وتغلب قد تباينتا انقطاعا. وقوله كانَتا في القولين الأولين بمنزلة قولك كان زيد حيا، أي لم يكن، وفي القولين الآخرين بمنزلة قولك كان زيدا عالما أي وهو كذلك، وقرأ ابن كثير وحده «ألم ير» بإسقاط الواو. وقوله وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ بين أنه ليس على عموم فإن الملائكة والجن قد خرجوا عن ذلك، ولكن الوجه أن يحمل على أعم ما يمكن فالحيوان أجمع والنبات على أن الحياة فيه مستعارة داخل في هذا، وقالت فرقة المراد ب «الماء» المني في جميع الحيوان، ثم وقفهم على ترك الإيمان توبيخا وتقريعا. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٣١ الى ٣٣] وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣) «الرواسي» جمع راسية أي ثابتة يقال رسا يرسو إذا ثبت واستقر ولا يستعمل إلا في الأجرام الكبار كالجبال والسفينة ونحوه، ويروى أن الأرض كانت تكفأ بأهلها حتى ثقلها الله تعالى بالجبال فاستقرت، و «الميد» التحرك، و «الفجاج» الطرق المتسعة في الجبال وغيرها، وسُبُلًا جمع سبيل، والضمير في قوله تعالى: فِيها يحتمل أن يعود على الرواسي ويحتمل أن يعود على الْأَرْضِ وهو أحسن، ويَهْتَدُونَ معناه في مسالكهم وتصرفهم، و «السقف» ما علا، و «الحفظ» هنا عام في الحفظ من الشياطين ومن الرمي وغير ذلك من الآفات، وآياتِها كواكبها وأمطارها، والرعد والبرق والصواعق وغير ذلك مما يشبه، وقرأت فرقة «وهم عن آيتها» بالإفراد الذي يراد به الجنس، و «الفلك» الجسم الدائر دورة اليوم والليلة فالكل في ذلك سابح متصرف، وعن بعض المفسرين أن الكلام فيما هو الفلك فقال بعضهم كحديد الرحى، وقال بعضهم كالطاحونة مما لا ينبغي التسور عليه، غير أنا نعرف أن الفلك جسم يستدير. ويَسْبَحُونَ معناه يتصرفون، وقالت فرقة «الفلك» موج مكفوف ورأوا قوله يَسْبَحُونَ من السباحة وهو العوم.

стр. 1750

قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٣٤ الى ٣٥] وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥) قيل إن سبب هذه الآية أن بعض المسلمين قال إن محمدا لن يموت وإنما هو مخلد فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأنكره ونزلت هذه الآية والمعنى لم نخلد أحدا ولا أنت لا نخلدك وينبغي أن لا ينتقم أحد من المشركين عليك في هذا أهم مخلدون إن مت أنت فيصح لهم انتقام، وقيل إن سبب الآية أن كفار مكة طعنوا على أن النبي ﷺ ، بأنه بشر وأنه يأكل الطعام ويموت فكيف يصح إرساله فنزلت الآية رادة عليهم، وألف الاستفهام داخلة في المعنى على جواب الشرط وقدمت في أول الجملة لأن الاستفهام له صدر الكلام والتقدير أفهم الْخالِدُونَ إن مت، والفاء في قوله «فإن» عاطفة جملة على جملة، وقرأت فرقة «مت» بضم الميم، وفرقة «مت» بكسرها، وقوله كُلُّ نَفْسٍ عموم يراد به الخصوص، والمراد كل نفس مخلوفة، و «الذوق» هاهنا مستعار، وَنَبْلُوكُمْ معناه نختبركم وقدم الشر لأن الابتداء به أكثر ولأن العرب من عادتها أن تقدم الأقل والأردى فمنه قوله تعالى: لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً [الكهف: ٤٩] ومنه قوله تعالى: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [فاطر: ٣٢] فبدأ في تقسيم أمة محمد بالظلم وقال الطبري عن ابن عباس أنه جعل الْخَيْرِ و «الشر» هنا عاما في الغنى والفقر والصحة والمرض والطاعة والمعصية والهدى والضلالة. قال القاضي أبو محمد: إن المراد من الْخَيْرِ و «الشر» هنا ما يصح أن يكون فتنة وابتلاء وذلك خير المال وشره وخير الدنيا في الحياة وشرها، وأما الهدى والضلال فغير داخل في هذا ولا الطاعة ولا المعصية لأن من هدى فليس نفس هداه اختبار بل قد تبين خبره، فعلى هذا ففي الخير والشر ما ليس فيه اختبار، كما يوجد أيضا اختبار بالأوامر والنواهي، وليس بداخل في هذه الآية. وفِتْنَةً معناه امتحانا وكشفا، ثم أخبر عن الرجعة إليه والقيام من القبور، وفي قوله وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ وعيد، وقرأت فرقة «ترجعون» بضم التاء، وقرأت فرقة «ترجعون» بفتحها، وقرأت فرقة «يرجعون» بالياء مضمومة على الخروج من الخطاب إلى الغيبة. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٣٦ الى ٣٨] وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) روي أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام رأيا رسول الله ﷺ ، في المسجد

стр. 1751

فاستهزآ به فنزلت الآية بسببهما، وظاهر الآية أن كفار قريش وعظماءهم يعمهم هذا المعنى من أنهم ينكرون أخذ رسول الله ﷺ ، في أمر آلهتهم وذكره لهم بفساد، وإِنْ بمعنى ما وفي الكلام حذف تقديره يقولون أَهذَا الَّذِي وقوله يَذْكُرُ لفظة تعم المدح والذم لكن قرينة المقال أبدا تدل على المراد من الذكر وتم ما حكي عنهم في قوله تعالى: آلِهَتَكُمْ، ثم رد عليهم بأن قرن بإنكارهم ذكر الأصنام كفرهم بذكر الله أي فهم أحق وهم المخطئون. وقوله تعالى: بِذِكْرِ أي بما يجب أن يذكر به ولا إله إلا الله منه. وقوله بِذِكْرِ الرَّحْمنِ روي أن الآية نزلت حين أنكروا هذه اللفظة وقالوا ما نعرف الرحمن إلا في اليمامة، وظاهر الكلام أن الرحمن قصد به العبارة عن الله تعالى كما لو قال وَهُمْ بِذِكْرِ الله وهذا التأويل أغرق في ضلالهم وخطاهم. وقوله تعالى: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ، توطئة للرد عليهم في استعجالهم العذاب وطلبهم آية مقترحة وهي مقرونة بعذاب مجهز إن كفروا بعد ذلك، ووصف تعالى الإنسان الذي هو اسم الجنس بأنه «خلق من عجل» وهذا على جهة المبالغة كما تقول للرجل البطال أنت من لعب ولهو وكما قال رسول الله ﷺ «لست من دد ولا دد مني» ، وهذا نحو قول الشاعر: وإنا لمما نضرب الكبش ضربة ... على رأسه تلقي اللسان على الفم كأنه مما كانوا أهل ضرب الهام، وملازمة الضرب قال إنهم من الضرب ع وهذا التأويل يتم به معنى الآية المقصود في أن ذمت عجلتهم وقيل لهم على جهة الوعيد إن الآيات ستأتي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ إنه على المقلوب كأنه أراد خلق العجل من الإنسان على معنى أنه جعل طبيعة من طبائعه وجزءا من أخلاقه ع وهذا التأويل ليس فيه مبالغة وإنما هو إخبار مجرد وإنما حمل قائليه عليه عدمهم وجه التجوز والاستعارة في أن يبقى الكلام على ترتيبه ونظير هذا القلب الذي قالوه قول العرب: إذا طلعت الشعرى استوى العود على الحرباء، وكما قالوا عرضت الناقة على الحوض وكما قال الشاعر: [البسيط] حسرت كفي على السربال آخذه ... فردا يخر على أيدي المفدينا وأما المعنى في تأويل من رأى الكلام من المقلوب فكالمعنى الذي قدمناه، وقالت فرقة من المفسرين قوله خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ إنما أراد أن آدم ﵇ خلقه الله تعالى في آخر ساعة من يوم الجمعة فتعجل به قبل مغيب الشمس، وروى بعضهم أن آدم ﵇ قال يا رب أكمل خلقي فإن الشمس على الغروب أو غربت ع وهذا قول ضعيف ومعناه لا يناسب معنى الآية، وقالت فرقة العجل الطين والمعنى خلق آدم من طين. وأنشد النقاش: والنخل ينبت بين الماء والعجل. وهذا أيضا ضعيف ومعناه مباين لمعنى الآية، وقالت فرقة معنى قوله خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ أي بقوله كن فهو حال عجلة وهذا أيضا ضعيف وفيه تخصيص ابن آدم بشيء كل مخلوق يشاركه فيه، وليس في هذه الأقوال ما يصح معناه ويلتئم مع الآية إلا القول الأول، وقرأت فرقة «خلق» على بناء الفعل للمفعول، وقرأت فرقة «خلق الإنسان» على معنى خلق الله الإنسان، فمعنى الآية بجملتها خلق الإنسان من عجل على معنى التعجب من تعجل

стр. 1752

هؤلاء المقصودين بالرد، ثم توعدهم بقوله سَأُرِيكُمْ آياتِي أي سآتي ما يسوءكم إذا دمتم على كفركم، يريد يوم بدر وغيره، ثم فسر استعجالهم بقولهم مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وكأن استفهامهم على جهة الهزء والتكذيب، وقوله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يريدون محمدا ﷺ ومن آمن به لأن المؤمنين كانوا يتوعدونهم على لسان الشرع وموضع مَتى رفع عند البصريين وقال بعض الكوفيين موضعه نصب على الظرف والعامل فعل مقدر تقديره يكون أو يجيء والأول أصوب. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٣٩ الى ٤١] لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١) حذف جواب لَوْ إيجازا لدلالة الكلام عليه وأبهم قدر العذاب لأنه أبلغ وأهيب من النص عليه وهذا محذوف نحو قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ [الرعد: ٣١] ، ويقدر المحذوف في جواب هذه الآية لما استعجلوه ونحوه، وقوله حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ يريد يوم القيامة، وذكر «الوجوه» خاصة لشرفها من الإنسان وأنها موضع حواسه وهو أحرص على الدفاع عنه، ثم ذكر «الظهور» ليبين عموم النار لجميع أبدانهم، وقوله بَلْ تَأْتِيهِمْ استدراك مقدر قبله نفي تقديره أن الآيات لا تأتي بحسب اقتراحهم بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً، والضمير للساعة التي تصيرهم إلى العذاب ويحتمل أن يكون ل النَّارَ، وقرأت فرقة «يأتيهم» بالياء على أن الضمير للوعد «فيبهتهم» بالياء أيضا، والبغتة الفجأة من غير مقدمة، ويُنْظَرُونَ معناه يؤخرون ثم آنس تعالى محمدا ﷺ بما جرى على سائر الأنبياء من استهزاء قومهم بهم وحلول العذاب بالمستهزئين، و «حاق» معناه نزل وحل وهي مستعملة في العذاب والمكاره، وقوله ما كانُوا فيه محذوف تقديره جزاء ما كانوا أو نحوه ومع هذا التأنيس الذي لمحمد ﷺ وعيد للكفرة وضرب مثل لهم بمن سلف من الأمم. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٢ الى ٤٤] قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤) المعنى قُلْ يا محمد لهؤلاء الكفرة المستهزئين بك وبما جئت به الكافرين بذكر الرحمن

стр. 1753

الجاهلين به قل لهم على جهة التوبيخ والتقريع من يحفظكم، و «كلأ» معناه حفظ ومنه قول النبي ﷺ لبلال «اكلأ لنا الفجر» وفي آخر الكلام تقدير محذوف كأنه قال ليس لهم مانع ولا كالىء وعلى هذا النفي تركبت بَلْ في قوله بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ثم يقضي عليهم التقدير في أنه لا مانع لهم من الله بأن كشف أمر آلهتهم والمعنى أيظنون أن آلهتهم التي هي بهذه الصفة تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا بل ما يمنعهم أحد إلا نحن، وقوله تعالى: وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ يحتمل تأويلين أحدهما يجارون ويمنعون، والآخر وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ بخير ولا تزكية ونحو هذا، وفي الكلام تقدير بعد محذوف كأنه قال ليس ثم شيء من هذا كله بل ضل هؤلاء لأنا متعناهم ومتعنا آباءهم فنسوا عقاب الله وظنوا أن حالهم لا تبيد والمعنى طالَ الْعُمُرُ في رخاء ثم وقفهم الله تعالى على مواضع العبر في الأمم وفي البشر بحسب الخلاف والأطراف، والرؤية في قوله يَرَوْنَ رؤية العين تتبعها رؤية القلب، ونَأْتِي معناه بالقدرة والبأس، والْأَرْضَ عامة في الجنس. وقوله مِنْ أَطْرافِها إما أن يريد فيما يخرب من المعمور فذلك نقص للأرض وإما أن يريد موت البشر فهو تنقص للقرون ويكون المراد حينئذ نأتي أهل الأرض، وقال قوم النقص من الأطراف موت العلماء ثم وقفهم على جهة التوبيخ أهم يعلمون من غلب أهل الأرض قهر الكل بسلطانه وعظمته أي إن ذلك محال بين بل هم مغلوبون مقهورون. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٥ الى ٤٦] قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٤٦) المعنى قُلْ أيها المقترحون المتشططون إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بوحي يوحيه الله إلى وبدلالات على العبر التي نصبها الله تعالى لينظر فيها كنقصان الأرض من أطرافها وغيره ولم أبعث بآية مضطرة ولا ما تقترحون، ثم قال وَلا يَسْمَعُ بمعنى وأنتم معرضون عما أنذر به فهو غير نافع لكم ومثل أمرهم ب الصُّمُّ، وقرأ جمهور القراء «ولا يسمع» بالياء وإسناد الفعل إلى الصّم وقرأ ابن عامر وحده «ولا تسمع» بضم التاء وكسر الميم ونصب «الصمّ» ، وقرأت فرقة «ولا تسمع» بتاء مضمومة وفتح الميم وبناء الفعل للمفعول والفرقتان نصبت الدُّعاءَ، وقرأت فرقة «ولا يسمع الصم الدعاء» بإضافة «الصم» إلى «الدعاء» وهي قراءة ضعيفة وإن كانت متوجهة، ثم خاطب تعالى محمدا ﷺ متوعدا لهم بقوله وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ، والنفحة الخطرة والمسة كما تقول نفح بيده إذا قال بها هكذا ضاربا إلى جهة، ومنه نفحة الطيب كأنه يخطر خطرات على الحاسة، ومنه نفح له من عطايا إذا أجراه منها نصيبا، ومنه نفح الفرس برجله إذا ركض، والمعنى ولئن مس هؤلاء الكفرة صدمة عذاب في دنياهم ليندمن وليقرن بظلمهم. قوله :

стр. 1754

[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٧ الى ٥٠] وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠) لما توعدهم بنفحة من عذاب الدنيا عقب ذلك بتوعد بوضع الْمَوازِينَ وإنما جمعها وهو ميزان واحد من حيث لكل أحد وزن يخصه ووحد الْقِسْطَ وهو جاء بلفظ الْمَوازِينَ مجموعا من حيث الْقِسْطَ مصدر وصف به كما تقول قوم عدل ورضى وقرأت فرقة «القصط» بالصاد، وقوله تعالى: لِيَوْمِ الْقِيامَةِ أي لحساب يوم القيامة أو لحكم يوم القيامة فهو بتقدير حذف مضاف والجمهور على أن الميزان في يوم القيامة بعمود وكفتين توزن به الأعمال ليبين المحسوس المعروف عندهم، والخفة والثقل متعلقة بأجسام ويقرنها الله تعالى يومئذ بالأعمال فإما أن تكون صحف الأعمال أو مثالات تخلق أو ما شاء الله تعالى. وقرأ نافع وحده «مثقال» بالرفع على أن تكون كانَ تامة، وقرأ جمهور الناس «مثقال» بالنصب على معنى وإن كان الشيء أو العمل، وقرأ الجمهور «أتينا» على معنى جئنا، وقرأ ابن عباس ومجاهد وغيرهما «آتينا» على معنى «وآتينا» من المواتاة ولا يقدر تفسير آتينا بأعطينا لما تعدت بحرف جر. قال القاضي أبو محمد: ويوهن هذه القراءة أن بدل الواو المفتوحة همزة ليس بمعروف وإنما يعرف ذلك في المضمومة والمكسورة، وفي قوله وَكَفى بِنا حاسِبِينَ توعد، ثم عقب بالتمثيل بأمر موسى ﵇، والْفُرْقانَ فيما قالت فرقة التوراة وهي الضياء والذكر، وقرأ ابن كثير وحده «ضيئاء» بهمزتين قبل الألف وبعدها، وقرأ الباقون «ضياء» بهمزة واحدة بعد الألف، وقرأ ابن عباس «ضياء» بغير واو وهي قراءة عكرمة والضحاك وهذه القراءة تؤيد قول من قال المراد بذلك كله التوراة، وقالت فرقة الْفُرْقانَ هو ما رزقه الله من نصر وظهور حجة وغير ذلك مما فرق بين أمره وأمر فرعون، و «الضياء» التوراة و «الذكر» بمعنى التذكرة، وقوله تعالى: بِالْغَيْبِ يحتمل ثلاث تأويلات أحدها في غيبهم وخلواتهم وحيث لا يطلع عليهم أحد وهذا أرجحها، والثاني أنهم يخشون الله تعالى على أن أمره تعالى غائب وإنما استدلوا بدلائل لا بمشاهدة، والثالث أنهم يخشون الله ربهم بما أعلمهم به مما غاب عنهم من أمر آخرتهم ودنياهم. و «الإشفاق» أشد الخشية والسَّاعَةِ القيامة، وقوله تعالى: وَهذا إشارة إلى القرآن، وأَنْزَلْناهُ إما أن يكون بمعنى أتيناه كما تقول أنزل السلطان فلانا بمكان كذا إذا أثبته له، وإما أن يتعلق النزول بالملك، ثم وقفهم الله تعالى تقريرا وتوبيخا هل يصح لهم إنكار بركته وما فيه من الدعاء إلى الله تعالى وإلى صالح العمل. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٥١ الى ٥٨] وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤) قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ (٥٥) قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)

стр. 1755

الرشد عام في هدايته إلى رفض الأصنام وفي هدايته في أمر الكوكب والشمس والقمر وغير ذلك من النبوءة فما دونها، وقال بعضهم معناه وفق للخير صغيرا وهذا كله متقارب، ومِنْ قَبْلُ معناه من قبل موسى وهارون، فبهذه الإضافة هو قبل كما هي نسبة نوح منه، قوله وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ مدح ل إِبْراهِيمَ أي بأنه يستحق ما أهل له وهذا نحو قوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] والعامل في إِذْ قوله آتَيْنا والتَّماثِيلُ الأصنام لأنها كانت على صورة الإنسان من خشب، و «العكوف» الملازمة للشيء وقوله فَطَرَهُنَّ عبارة عنها كأنها تعقل وهذه من حيث لها طاعة وانقياد وقد وصفت من مواضع بما يوصف به من يعقل، وقوله تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ الآية، روي أنه حضرهم عيد لهم فعزم قوم منهم على إبراهيم في حضوره طمعا منهم أن يستحسن شيئا من أخبارهم فمشى معهم فلما كان في الطريق أثنى عزمه على التخلف عنهم فقعد وقال لهم إني سقيم فمر به جمهورهم ثم قال في خلوة من نفسه وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ وسمعه قوم من ضعفتهم ممن كان يسير في آخر الناس، وقوله بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ معناه إلى عيدهم ثم انصرف إبراهيم ﵇ إلى بيت أصنامهم فدخله ومعه قدوم فوجد الأصنام وقفت أكبرها أول ثم الذي يليه فالذي يليه وقد جعلوا أطعمتهم في ذلك اليوم بين يدي الأصنام تبركا لينصرفوا من ذلك العيد إلى أكله، فجعل ﵇ يقطعها بذلك القدوم حتى أفسد أشكالها كلها حاشى الكبير فإنه تركه بحاله وعلق القدوم من يده وخرج عنها، وجُذاذاً معناه قطعا صغارا، والجذ القطع. وقرأ الجمهور «جذاذا» بضم الجيم، وقرأ الكسائي وحده بكسرها، وقرأ ابن عباس وأبو نهيك وأبو السمال بفتحها وهي لغات والمعنى واحد، وقوله فَجَعَلَهُمْ ونحوه معاملة للأصنام بحال من يعقل من حيث كانت تعبد وتنزل منزلة من يعقل، والضمير في إِلَيْهِ أظهر ما فيه أنه عائد على «إبراهيم» أي فعل هذا كله توخيا منه أن يعقب ذلك منهم رجعة إليه وإلى شرعه ويحتمل أن يعود الضمير على الكبير المتروك ولكن يضعف ذلك دخول الترجي في الكلام. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٥٩ الى ٦٣] قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) المعنى فانصرفوا من عيدهم فرأوا ما حدث بآلهتهم فأكبروا ذلك وحينئذ قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا على جهة البحث والإنكار، وقالُوا الثانية الضمير فيها للقوم الضعفة الذي سمعوا إبراهيم حين قال وَتَاللَّهِ
следующие страницы →