← Тафсир

Тафсир · id 23632

تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

ابن عطية

Полный текст (3 012 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

فاستهزآ به فنزلت الآية بسببهما، وظاهر الآية أن كفار قريش وعظماءهم يعمهم هذا المعنى من أنهم ينكرون أخذ رسول الله ﷺ ، في أمر آلهتهم وذكره لهم بفساد، وإِنْ بمعنى ما وفي الكلام حذف تقديره يقولون أَهذَا الَّذِي وقوله يَذْكُرُ لفظة تعم المدح والذم لكن قرينة المقال أبدا تدل على المراد من الذكر وتم ما حكي عنهم في قوله تعالى: آلِهَتَكُمْ، ثم رد عليهم بأن قرن بإنكارهم ذكر الأصنام كفرهم بذكر الله أي فهم أحق وهم المخطئون. وقوله تعالى: بِذِكْرِ أي بما يجب أن يذكر به ولا إله إلا الله منه. وقوله بِذِكْرِ الرَّحْمنِ روي أن الآية نزلت حين أنكروا هذه اللفظة وقالوا ما نعرف الرحمن إلا في اليمامة، وظاهر الكلام أن الرحمن قصد به العبارة عن الله تعالى كما لو قال وَهُمْ بِذِكْرِ الله وهذا التأويل أغرق في ضلالهم وخطاهم. وقوله تعالى: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ، توطئة للرد عليهم في استعجالهم العذاب وطلبهم آية مقترحة وهي مقرونة بعذاب مجهز إن كفروا بعد ذلك، ووصف تعالى الإنسان الذي هو اسم الجنس بأنه «خلق من عجل» وهذا على جهة المبالغة كما تقول للرجل البطال أنت من لعب ولهو وكما قال رسول الله ﷺ «لست من دد ولا دد مني» ، وهذا نحو قول الشاعر: وإنا لمما نضرب الكبش ضربة ... على رأسه تلقي اللسان على الفم كأنه مما كانوا أهل ضرب الهام، وملازمة الضرب قال إنهم من الضرب ع وهذا التأويل يتم به معنى الآية المقصود في أن ذمت عجلتهم وقيل لهم على جهة الوعيد إن الآيات ستأتي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ إنه على المقلوب كأنه أراد خلق العجل من الإنسان على معنى أنه جعل طبيعة من طبائعه وجزءا من أخلاقه ع وهذا التأويل ليس فيه مبالغة وإنما هو إخبار مجرد وإنما حمل قائليه عليه عدمهم وجه التجوز والاستعارة في أن يبقى الكلام على ترتيبه ونظير هذا القلب الذي قالوه قول العرب: إذا طلعت الشعرى استوى العود على الحرباء، وكما قالوا عرضت الناقة على الحوض وكما قال الشاعر: [البسيط] حسرت كفي على السربال آخذه ... فردا يخر على أيدي المفدينا وأما المعنى في تأويل من رأى الكلام من المقلوب فكالمعنى الذي قدمناه، وقالت فرقة من المفسرين قوله خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ إنما أراد أن آدم ﵇ خلقه الله تعالى في آخر ساعة من يوم الجمعة فتعجل به قبل مغيب الشمس، وروى بعضهم أن آدم ﵇ قال يا رب أكمل خلقي فإن الشمس على الغروب أو غربت ع وهذا قول ضعيف ومعناه لا يناسب معنى الآية، وقالت فرقة العجل الطين والمعنى خلق آدم من طين. وأنشد النقاش: والنخل ينبت بين الماء والعجل. وهذا أيضا ضعيف ومعناه مباين لمعنى الآية، وقالت فرقة معنى قوله خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ أي بقوله كن فهو حال عجلة وهذا أيضا ضعيف وفيه تخصيص ابن آدم بشيء كل مخلوق يشاركه فيه، وليس في هذه الأقوال ما يصح معناه ويلتئم مع الآية إلا القول الأول، وقرأت فرقة «خلق» على بناء الفعل للمفعول، وقرأت فرقة «خلق الإنسان» على معنى خلق الله الإنسان، فمعنى الآية بجملتها خلق الإنسان من عجل على معنى التعجب من تعجل

стр. 1752

هؤلاء المقصودين بالرد، ثم توعدهم بقوله سَأُرِيكُمْ آياتِي أي سآتي ما يسوءكم إذا دمتم على كفركم، يريد يوم بدر وغيره، ثم فسر استعجالهم بقولهم مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وكأن استفهامهم على جهة الهزء والتكذيب، وقوله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يريدون محمدا ﷺ ومن آمن به لأن المؤمنين كانوا يتوعدونهم على لسان الشرع وموضع مَتى رفع عند البصريين وقال بعض الكوفيين موضعه نصب على الظرف والعامل فعل مقدر تقديره يكون أو يجيء والأول أصوب. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٣٩ الى ٤١] لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١) حذف جواب لَوْ إيجازا لدلالة الكلام عليه وأبهم قدر العذاب لأنه أبلغ وأهيب من النص عليه وهذا محذوف نحو قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ [الرعد: ٣١] ، ويقدر المحذوف في جواب هذه الآية لما استعجلوه ونحوه، وقوله حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ يريد يوم القيامة، وذكر «الوجوه» خاصة لشرفها من الإنسان وأنها موضع حواسه وهو أحرص على الدفاع عنه، ثم ذكر «الظهور» ليبين عموم النار لجميع أبدانهم، وقوله بَلْ تَأْتِيهِمْ استدراك مقدر قبله نفي تقديره أن الآيات لا تأتي بحسب اقتراحهم بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً، والضمير للساعة التي تصيرهم إلى العذاب ويحتمل أن يكون ل النَّارَ، وقرأت فرقة «يأتيهم» بالياء على أن الضمير للوعد «فيبهتهم» بالياء أيضا، والبغتة الفجأة من غير مقدمة، ويُنْظَرُونَ معناه يؤخرون ثم آنس تعالى محمدا ﷺ بما جرى على سائر الأنبياء من استهزاء قومهم بهم وحلول العذاب بالمستهزئين، و «حاق» معناه نزل وحل وهي مستعملة في العذاب والمكاره، وقوله ما كانُوا فيه محذوف تقديره جزاء ما كانوا أو نحوه ومع هذا التأنيس الذي لمحمد ﷺ وعيد للكفرة وضرب مثل لهم بمن سلف من الأمم. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٢ الى ٤٤] قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤) المعنى قُلْ يا محمد لهؤلاء الكفرة المستهزئين بك وبما جئت به الكافرين بذكر الرحمن

стр. 1753

الجاهلين به قل لهم على جهة التوبيخ والتقريع من يحفظكم، و «كلأ» معناه حفظ ومنه قول النبي ﷺ لبلال «اكلأ لنا الفجر» وفي آخر الكلام تقدير محذوف كأنه قال ليس لهم مانع ولا كالىء وعلى هذا النفي تركبت بَلْ في قوله بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ثم يقضي عليهم التقدير في أنه لا مانع لهم من الله بأن كشف أمر آلهتهم والمعنى أيظنون أن آلهتهم التي هي بهذه الصفة تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا بل ما يمنعهم أحد إلا نحن، وقوله تعالى: وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ يحتمل تأويلين أحدهما يجارون ويمنعون، والآخر وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ بخير ولا تزكية ونحو هذا، وفي الكلام تقدير بعد محذوف كأنه قال ليس ثم شيء من هذا كله بل ضل هؤلاء لأنا متعناهم ومتعنا آباءهم فنسوا عقاب الله وظنوا أن حالهم لا تبيد والمعنى طالَ الْعُمُرُ في رخاء ثم وقفهم الله تعالى على مواضع العبر في الأمم وفي البشر بحسب الخلاف والأطراف، والرؤية في قوله يَرَوْنَ رؤية العين تتبعها رؤية القلب، ونَأْتِي معناه بالقدرة والبأس، والْأَرْضَ عامة في الجنس. وقوله مِنْ أَطْرافِها إما أن يريد فيما يخرب من المعمور فذلك نقص للأرض وإما أن يريد موت البشر فهو تنقص للقرون ويكون المراد حينئذ نأتي أهل الأرض، وقال قوم النقص من الأطراف موت العلماء ثم وقفهم على جهة التوبيخ أهم يعلمون من غلب أهل الأرض قهر الكل بسلطانه وعظمته أي إن ذلك محال بين بل هم مغلوبون مقهورون. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٥ الى ٤٦] قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٤٦) المعنى قُلْ أيها المقترحون المتشططون إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بوحي يوحيه الله إلى وبدلالات على العبر التي نصبها الله تعالى لينظر فيها كنقصان الأرض من أطرافها وغيره ولم أبعث بآية مضطرة ولا ما تقترحون، ثم قال وَلا يَسْمَعُ بمعنى وأنتم معرضون عما أنذر به فهو غير نافع لكم ومثل أمرهم ب الصُّمُّ، وقرأ جمهور القراء «ولا يسمع» بالياء وإسناد الفعل إلى الصّم وقرأ ابن عامر وحده «ولا تسمع» بضم التاء وكسر الميم ونصب «الصمّ» ، وقرأت فرقة «ولا تسمع» بتاء مضمومة وفتح الميم وبناء الفعل للمفعول والفرقتان نصبت الدُّعاءَ، وقرأت فرقة «ولا يسمع الصم الدعاء» بإضافة «الصم» إلى «الدعاء» وهي قراءة ضعيفة وإن كانت متوجهة، ثم خاطب تعالى محمدا ﷺ متوعدا لهم بقوله وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ، والنفحة الخطرة والمسة كما تقول نفح بيده إذا قال بها هكذا ضاربا إلى جهة، ومنه نفحة الطيب كأنه يخطر خطرات على الحاسة، ومنه نفح له من عطايا إذا أجراه منها نصيبا، ومنه نفح الفرس برجله إذا ركض، والمعنى ولئن مس هؤلاء الكفرة صدمة عذاب في دنياهم ليندمن وليقرن بظلمهم. قوله :

стр. 1754

[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٧ الى ٥٠] وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠) لما توعدهم بنفحة من عذاب الدنيا عقب ذلك بتوعد بوضع الْمَوازِينَ وإنما جمعها وهو ميزان واحد من حيث لكل أحد وزن يخصه ووحد الْقِسْطَ وهو جاء بلفظ الْمَوازِينَ مجموعا من حيث الْقِسْطَ مصدر وصف به كما تقول قوم عدل ورضى وقرأت فرقة «القصط» بالصاد، وقوله تعالى: لِيَوْمِ الْقِيامَةِ أي لحساب يوم القيامة أو لحكم يوم القيامة فهو بتقدير حذف مضاف والجمهور على أن الميزان في يوم القيامة بعمود وكفتين توزن به الأعمال ليبين المحسوس المعروف عندهم، والخفة والثقل متعلقة بأجسام ويقرنها الله تعالى يومئذ بالأعمال فإما أن تكون صحف الأعمال أو مثالات تخلق أو ما شاء الله تعالى. وقرأ نافع وحده «مثقال» بالرفع على أن تكون كانَ تامة، وقرأ جمهور الناس «مثقال» بالنصب على معنى وإن كان الشيء أو العمل، وقرأ الجمهور «أتينا» على معنى جئنا، وقرأ ابن عباس ومجاهد وغيرهما «آتينا» على معنى «وآتينا» من المواتاة ولا يقدر تفسير آتينا بأعطينا لما تعدت بحرف جر. قال القاضي أبو محمد: ويوهن هذه القراءة أن بدل الواو المفتوحة همزة ليس بمعروف وإنما يعرف ذلك في المضمومة والمكسورة، وفي قوله وَكَفى بِنا حاسِبِينَ توعد، ثم عقب بالتمثيل بأمر موسى ﵇، والْفُرْقانَ فيما قالت فرقة التوراة وهي الضياء والذكر، وقرأ ابن كثير وحده «ضيئاء» بهمزتين قبل الألف وبعدها، وقرأ الباقون «ضياء» بهمزة واحدة بعد الألف، وقرأ ابن عباس «ضياء» بغير واو وهي قراءة عكرمة والضحاك وهذه القراءة تؤيد قول من قال المراد بذلك كله التوراة، وقالت فرقة الْفُرْقانَ هو ما رزقه الله من نصر وظهور حجة وغير ذلك مما فرق بين أمره وأمر فرعون، و «الضياء» التوراة و «الذكر» بمعنى التذكرة، وقوله تعالى: بِالْغَيْبِ يحتمل ثلاث تأويلات أحدها في غيبهم وخلواتهم وحيث لا يطلع عليهم أحد وهذا أرجحها، والثاني أنهم يخشون الله تعالى على أن أمره تعالى غائب وإنما استدلوا بدلائل لا بمشاهدة، والثالث أنهم يخشون الله ربهم بما أعلمهم به مما غاب عنهم من أمر آخرتهم ودنياهم. و «الإشفاق» أشد الخشية والسَّاعَةِ القيامة، وقوله تعالى: وَهذا إشارة إلى القرآن، وأَنْزَلْناهُ إما أن يكون بمعنى أتيناه كما تقول أنزل السلطان فلانا بمكان كذا إذا أثبته له، وإما أن يتعلق النزول بالملك، ثم وقفهم الله تعالى تقريرا وتوبيخا هل يصح لهم إنكار بركته وما فيه من الدعاء إلى الله تعالى وإلى صالح العمل. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٥١ الى ٥٨] وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤) قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ (٥٥) قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)

стр. 1755

الرشد عام في هدايته إلى رفض الأصنام وفي هدايته في أمر الكوكب والشمس والقمر وغير ذلك من النبوءة فما دونها، وقال بعضهم معناه وفق للخير صغيرا وهذا كله متقارب، ومِنْ قَبْلُ معناه من قبل موسى وهارون، فبهذه الإضافة هو قبل كما هي نسبة نوح منه، قوله وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ مدح ل إِبْراهِيمَ أي بأنه يستحق ما أهل له وهذا نحو قوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] والعامل في إِذْ قوله آتَيْنا والتَّماثِيلُ الأصنام لأنها كانت على صورة الإنسان من خشب، و «العكوف» الملازمة للشيء وقوله فَطَرَهُنَّ عبارة عنها كأنها تعقل وهذه من حيث لها طاعة وانقياد وقد وصفت من مواضع بما يوصف به من يعقل، وقوله تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ الآية، روي أنه حضرهم عيد لهم فعزم قوم منهم على إبراهيم في حضوره طمعا منهم أن يستحسن شيئا من أخبارهم فمشى معهم فلما كان في الطريق أثنى عزمه على التخلف عنهم فقعد وقال لهم إني سقيم فمر به جمهورهم ثم قال في خلوة من نفسه وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ وسمعه قوم من ضعفتهم ممن كان يسير في آخر الناس، وقوله بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ معناه إلى عيدهم ثم انصرف إبراهيم ﵇ إلى بيت أصنامهم فدخله ومعه قدوم فوجد الأصنام وقفت أكبرها أول ثم الذي يليه فالذي يليه وقد جعلوا أطعمتهم في ذلك اليوم بين يدي الأصنام تبركا لينصرفوا من ذلك العيد إلى أكله، فجعل ﵇ يقطعها بذلك القدوم حتى أفسد أشكالها كلها حاشى الكبير فإنه تركه بحاله وعلق القدوم من يده وخرج عنها، وجُذاذاً معناه قطعا صغارا، والجذ القطع. وقرأ الجمهور «جذاذا» بضم الجيم، وقرأ الكسائي وحده بكسرها، وقرأ ابن عباس وأبو نهيك وأبو السمال بفتحها وهي لغات والمعنى واحد، وقوله فَجَعَلَهُمْ ونحوه معاملة للأصنام بحال من يعقل من حيث كانت تعبد وتنزل منزلة من يعقل، والضمير في إِلَيْهِ أظهر ما فيه أنه عائد على «إبراهيم» أي فعل هذا كله توخيا منه أن يعقب ذلك منهم رجعة إليه وإلى شرعه ويحتمل أن يعود الضمير على الكبير المتروك ولكن يضعف ذلك دخول الترجي في الكلام. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٥٩ الى ٦٣] قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) المعنى فانصرفوا من عيدهم فرأوا ما حدث بآلهتهم فأكبروا ذلك وحينئذ قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا على جهة البحث والإنكار، وقالُوا الثانية الضمير فيها للقوم الضعفة الذي سمعوا إبراهيم حين قال وَتَاللَّهِ

стр. 1756

لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [الأنبياء: ٥٧] واختلف في وجه رفع قوله إِبْراهِيمُ فقالت فرقة هو مرتفع بتقدير النداء كأنهم أرادوا الذي يقال له عند ما يدعى يا إبراهيم، وقالت فرقة رفعة على إضمار الابتداء تقديره هو إبراهيم. قال القاضي أبو محمد: والأول أرجح، وقال الأستاذ أبو الحجاج الإشبيلي الأعلم هو رفع على الإهمال ع لما رأى وجوه الرفع كأنها لا توضح المعنى الذي قصدوه ذهب إلى رفعه بغير شيء كما قد يرفع التجرد والعرو عن العوامل الابتداء ع والوجه عندي أنه مفعول لم يسم فاعله على أن يجعل إبراهيم غير دال على الشخص بل تجعل النطق به دالا على بناء هذه اللفظة وهذا كما تقول زيد وزن فعل أو زيد ثلاثة أحرف فلم تدخل بوجه على الشخص بل دللت بنطقك على نفس اللفظة وعلى هذه الطريقة تقول قلت إبراهيم ويكون مفعولا صحيحا أنزلته منزلة قول وكلام فلا يتعذر بعد ذلك أن بني الفعل للمفعول، وقوله عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ يريد في الحفل وبمحضر الجمهور، وقوله يَشْهَدُونَ يحتمل أن يراد به الشهادة عليه يريدون بفعله أو بقوله لَأَكِيدَنَّ [الأنبياء: ٥٧] ويحتمل أن يريد به المشاهدة أي يشاهدون عقوبته أو غلبته المؤدية إلى عقوبته، المعنى فجاء إبراهيم حين أوتي به فقالوا له أنت فعلت هذا بالآلهة فقال لهم إبراهيم ﵇ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا على معنى الاحتجاج عليهم أي إنه غار من أن يعبد وتعبد الصغار معه ففعل هذا بها لذلك، وقالت فرقة هي الأكثر إن هذا الكلام قاله إبراهيم ﵇ لأنها كذبة في ذات الله تؤدي إلى خزي قوم كافرين والحديث الصحيح يقتضي ذلك وهو قول النبي ﷺ ، «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: قوله إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] وقوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا وقوله للملك هي أختي» ثم تطرق إلى موضع خزيهم بقوله فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ على جهة التوقيف ع وذهبت فرقة إلى نفي الكذب عن هذه المقالات، وقالت فرقة معنى قول رسول الله ﷺ «لم يكذب إبراهيم» أي لم يقل كلاما ظاهره الكذب أو يشبه الكذب وذهبت إلى تخريج هذه المقالات فخرجت هذه الآية على معنى أنه أراد تعليق فعل الكبير بنطق الآخرين كأنه قال بل هو الفاعل إن نطق هؤلاء ولم يخرج الخبر، على أن الكبير فعل ذلك، وفي الكلام تقديم على هذا التأويل في قوله فَسْئَلُوهُمْ وذهب الفراء إلى جهة أخرى بأن قال قوله فَعَلَهُ ليس من الفعل وإنما هو فلعله على جهة التوقع حذف اللام على قولهم عله بمعنى لعله ثم خففت اللام ع وهذا تكلف. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٦٤ الى ٧٠] فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧) قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩) وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)

стр. 1757

المعنى فظهر لهم ما قال إبراهيم من أن الأصنام التي قد أهلوها للعبادة ينبغي أن تسأل وتستفسر «فقالوا إنكم الظالمون» في توقيف هذا الرجل على هذا الفعل وأنتم معكم من تسألون، ثم ارتكبوا في ضلالهم ورأوا بالفكرة وبديهة العقل أن الأصنام لا تنطق فسامهم ذلك حتى نطقوا عنه إلى موضع قيام الحجة عليهم، وقوله تعالى: نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ استعارة للذي يرتطم في غيه كأنه منكوس رأسه فهي أقبح هيئة للإنسان وكذلك هذا هو في أسوأ حالات النظر فقالوا لإبراهيم حين نكسوا في حيرتهم لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ أي فما بالك تدعو إلى ذلك فوجد إبراهيم ﵇ عند هذه المقالة موضع الحجة ووقفهم موبخا على عبادتهم تماثيل لا تنفع بذاتها ولا تضر ثم حقر شأنها وأزرى بها في قوله أُفٍّ لَكُمْ وقرأ ابن كثير «أفّ لكم» بالفتح، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر «أف لكم» بالكسر وترك التنوين فيهما، وقرأ نافع وحفص عن عاصم «أفّ» بالكسر والتنوين وأُفٍّ لفظة تقال عند المستقذرات من الأشياء فيستعار ذلك للمكروه من المعاني كهذا وغيره فلما غلبهم إبراهيم ﵇ من جهة النظر والحجة نكسوا رؤوسهم وأخذتهم عزة بإثم وانصرفوا إلى طريق الغشم والغلبة ف قالُوا حَرِّقُوهُ وروي أن قائل هذه المقالة هو رجل من الأكراد من أعراب فارس أي من باديتها فخسف الله تعالى به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ تحريض كما تقول أعزم على كذا إن كنت عازما، وروي أنهم لما أجمع رأيهم على تحريقه حبسه نمرود الملك وأمر بجمع الحطب فجمع في مدة أشهر وكان المريض يجعل على نفسه نذرا إن هو برىء أن يجمع كذا وكذا حزمة حتى اجتمع من الحطب مما تبرع به الناس ومما جلب الملك من أهل الرساتيق كالجبل من الحطب ثم أضرم نارا فلما أرادوا طرح إبراهيم فيه لم يقدروا على القرب منه، فجاءهم إبليس في صورة شيخ فقال لهم أنا أصنع لكم آلة يلقى بها في النار، فعلمهم صنعة المنجنيق، ثم أخرج إبراهيم ﵇ فشد رباطا ووضع في كفه المنجنيق ورمي به فوقع في النار وقد قيل لها كُونِي بَرْداً وَسَلاماً فاحترق الحبل الذي ربط به فقط. وروي أن جبريل ﵇ جاءه وهو في الهواء فقال له ألك حاجة فيروى أنه قال له أما إليك فلا. ويروى أنه قال له إني خليل وإنما أطلب حاجتي من خليلي لا من رسوله فقال الله تعالى: يا إبراهيم قطعت الواسطة بيني وبينك لأقطعنها بيني وبين النار، يا نار. وروي أنه حين خوطبت النار خمدت كل نار في الأرض. وروي أن الغراب كان ينقل الحطب إلى نار إبراهيم. وروي أن الوزغة كانت تنفخ عليه لتضرم وكذلك البغل. وروي أن العضرفوط والخطافة والضفدع كانوا ينقلون الماء لتطفأ النار فأبقى الله على هذه الوقاية وسلط الله على تلك الأخرى النوائب والأيدي وقال بعض العلماء إن الله تعالى لو لم يقل وَسَلاماً لهلك إبراهيم من برد النار. قال القاضي أبو محمد: وقد أكثر الناس في قصص حرق إبراهيم وذكروا تحديد مدة بقائه في النار

стр. 1758

وصورة بقائه ما رأيت اختصاره لقلة صحته، والصحيح من ذلك أنه ألقي في النار فجعلها الله تعالى عليه بَرْداً وَسَلاماً فخرج منها سالما وكانت أعظم آية. وروي أنهم قالوا إنها نار مسحورة لا تحرق فرموا فيها شيخا منهم فاحترق. وروي أن العيدان أينعت وأثمرت له هنالك ثمارها التي كانت أصولها، وقوله وَسَلاماً معناه وسلامة، وقال بعضهم هي تحية من الله تعالى لإبراهيم (ع) : وهذا ضعيف وكان الوجه أن يكون مرفوعا، و «الكيد» هو ما أرادوه من حرقه وكانوا في خسارة من كفرهم وغلبته لهم وحرق الشيخ الذي جربوا به النار. وروي أن الملك بنى بناء واطلع منه على النار فرأى إبراهيم ﵇ ومعه ناس فعجب وسأل هل طرح معه أحد فقيل له فناداه فقال من أولئك فقال هم ملائكة ربي ع والمروي في هذا كثير غير صحيح. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٧١ الى ٧٣] وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣) روي أن إبراهيم ﵇ لما أخرج من النار أحضره النمرود وكلمه ثم ختم الله عليه بالكفر فلج وقال لإبراهيم في بعض قوله يا إبراهيم أين جنود ربك الذي تزعم، فقال له سيريك فعل أضعف جنوده، فبعث الله تعالى على نمرود وأصحابه سحابة من بعوض، فأكلتهم عن آخرهم ودوابهم حتى كانت العظام تلوح بيضا، ودخلت منها بعوضة في رأس نمرود فكان رأسه يضرب بالعيدان ودام يعذبه بها زمانا طويلا وهلك منها وخرج إبراهيم ﵇ وابن أخيه لوط من تلك الأرض مهاجرين وهي كوثا من العراق ومع إبراهيم ابنة عمه سارة زوجته، وفي تلك السفرة لقي الجبار الذي رام أخذها منه واختلف الناس في الْأَرْضِ التي بورك فيها ولجأ إليها إبراهيم ولوط ﵉، فقالت فرقة هي مكة وذكروا قول الله تعالى: لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً [آل عمران: ٩٦] وقال الجمهور من أرض الشام وهي الأرض التي بارك فيها أما من جهة الآخرة فبالنبوءة وأما من جهة الدنيا ففي أطيب بلاد الله أرضا وأعذبها ماء وأكثرها ثمرة ونعمة وهو الموضع المعروف بسكنى إبراهيم وعقبه. وروي أنه ليس في الأرض ماء عذب إلا وأصله وخروجه من تحت صخرة بيت المقدس ع وهذا ضعيف وهي أرض المحشر وبها مجمع الناس وبها ينزل عيسى ابن مريم وبها يهلك المسيح الدجال. وروي أن النبي ﷺ ، قال يوما في خطبته: إنه كان بالشام جند وبالعراق جند وباليمن جند فقال رجل يا رسول الله خر لي فقال عليك بالشام فإن الله تعالى قد تكفل لي بالشام وأهله فمن بقي فليلحق مأمنه وليس بعدره، وقال عمر لكعب الأحبار ألا تتحول إلى المدينة، فقال يا أمير المؤمنين إني أجد في كتاب الله تعالى المنزل أن الشام كنز الله من أرضه وبها كنزه من عباده.

стр. 1759

وروي أن إبراهيم ولوطا هاجرا من كوثا ومرا بمصر وليست بالطريق ولكنهم نكبوا خوف الإتباع حتى جاؤوا الشام فنزل إبراهيم السبع من أرض فلسطين وهي برية الشام ونزل لوط بالمؤتفكة، وإِسْحاقَ بن إبراهيم ويَعْقُوبَ ولد إسحاق و «النافلة» العطية كما تقول نفلني الإمام كذا ونافلة الطاعة كأنها عطية من الله تعالى لعباده يثيبهم عليها، وقالت فرقة الموهوب إِسْحاقَ و «النافلة» يَعْقُوبَ والأول أبين، ويَهْدُونَ معناه يرشدون غيرهم و «الإقام» مصدر وفي هذا نظر. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٧٤ الى ٧٧] وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧) التقدير وآتينا لوطا آتَيْناهُ فهو منصوب بفعل مضمر يدل عليه الظاهر، و «الحكم» فصل القضاء بين الناس، والْخَبائِثَ إتيان الرجال وضراطهم في مجالسهم إلى غير ذلك من كفرهم، وقوله تعالى في نوح مِنْ قَبْلُ بالإضافة إلى إبراهيم ولوط، والْكَرْبِ الْعَظِيمِ الغرق وما نال قومه من الهلكة بدعائه عليهم الذي استجيب، وقوله تعالى: وَنَصَرْناهُ لما كان جل نصرته النجاة وكانت غلبة قومه بغير يديه بل بأمر أجنبي منه حسن أن يكون «نصرناه من» ولا يتمكن هنا «على» كما يتمكن في أمر محمد ﷺ ، مع قومه ع وذكر هؤلاء الأنبياء ﵈ ضرب مثل لقصة محمد ﷺ ، مع قومه ونجاة الأنبياء وهلاك مكذبيهم ضمنها توعد للكفار من قريش. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٧٨ الى ٧٩] وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩) المعنى «واذكر داود وسليمان» هكذا قدره جماعة من المفسرين. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل عندي ويقوى أن يكون المعنى وآتينا داود عطفا على قوله تعالى: وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً [الأنبياء: ٧٤] والمعنى على هذا التأويل متسق، وَسُلَيْمانَ هو ابن داود وَداوُدَ من بني إسرائيل وكان ملكا عدلا نبيا يحكم بين الناس فوقعت بين يديه هذه النازلة، وكان ابنه إذ ذاك قد كبر وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم وكانوا يدخلون إلى داود على باب آخر

стр. 1760

فتخاصم إلى داود ﵇ رجل له زرع وقيل كرم ع والْحَرْثِ يقال فيهما وهو في الزرع أبعد عن الاستعارة، دخلت حرثه غنم رجل آخر فأفسدت عليه، فرأى داود ﵇ أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فقالت فرقة على أن يبقى كرمه بيده، وقالت فرقة بل دفع الغنم إلى صاحب الحرث، والحرث إلى صاحب الغنم ع فيشبه على هذا القول الواحد أنه رأى الغنم تقاوم الغلة التي أفسدت، وعلى القول الثاني رآها تقاوم الحرث وغلته ع ولا يظن بداود ﵇ إلا أن حكمه بنظر متوجه فلما خرج الخصمان على سليمان ﵇ تشكى له صاحب الغنم فجاء سليمان إلى داود فقال يا نبي الله إنك حكمت بكذا وإني رأيت ما هو أوفق بالجميع، قال وما هو، قال أن يأخذ صاحب الغنم الحرث يقوم عليه ويصلحه حتى يعود كما كان ويأخذ صاحب الحرث الغنم في تلك المدة ينتفع بمرافقها من لبن وصوف ونسل وغير ذلك فإذا كمل الحرث وعاد إلى حاله صرف كل واحد مال صاحبه فرجعت الغنم إلى ربها، والحرث إلى ربه، فقال داود. وفقت يا بني وقضى بينهما بذلك. ع ولا شك أن سليمان رأى أن ما يتحمله صاحب الغنم من فقد مرافق غنمه تلك المدة ومن مؤونة إصلاح الحرث يوازي ما فسد في الحرث وفضل حكمه حكم أبيه في أنه أحرز أن يبقى ملك كل واحد منهما على متاعه وتبقى نفسه بذلك طيبة ع وذهبت فرقة إلى أن هذه النازلة لم يكن الحكم فيها باجتهاد وإنما حكم داود بوحي وحكم سليمان بوحي نسخ الله تعالى به حكم داود وجعلت فرقة ومنها ابن فورك، قوله تعالى: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ أي فهمناه القضاء الفاصل الناسخ الذي أراد الله تعالى أن يستقر في النازلة ع وتحتاج هذه الفرقة في هذا اللفظة إلى هذا التعب ويبقى لها المعنى بعد قلقا، وقال جمهور الأمة إن حكمهما كان باجتهاد، وأدخل العلماء هذه الآية في كتبهم على مسألة اجتهاد العالمين فينبغي أن نذكر هنا تلخيص مسألة الاجتهاد، اختلف أهل السنة في العالمين فما زاد يفتيان من الفروع والأحكام في المسألة فيختلفان، فقالت فرقة الحق في مسائل الفروع في طرف واحد عند الله تعالى وقد نصب على ذلك أدلة وحمل المجتهدين على البحث عنها والنظر فيها، فمن صادف العين المطلوبة في المسألة فهو المصيب على الإطلاق وله أجران أجر في الاجتهاد وأجر في الإصابة، ومن لم يصادفها فهو مصيب في اجتهاده، مخطئ في أن لم يصب العين فله أجر وهو غير معذور، وهذا هو الذي قال النبي ﷺ فيه «إذا اجتهد العالم فأخطأ فله أجر» وكذلك أيضا يدخل في قوله ﵇ «إذا اجتهد العالم فأخطأ» ، العالم يجتهد فيخالف نصا يمر به كقول سعيد بن المسيب في النكاح إنه العقد في مسألة التحليل للزوج المطلق ونحوه وهذا يجمع بين قوله «إذا اجتهد العالم فأخطأ» وبين قوله «كل مجتهد مصيب» أي أخطأ العين المطلوب وأصاب في اجتهاده، ورأت هذه الفرقة أن العالم المخطئ لا إثم عليه في خطئه وإن كان غير معذور، وقالت فرقة الحق في طرف واحد، ولم ينصب الله تعالى عليه دليلا، بل وكل الأمر إلى نظر المجتهدين فمن أصابه، أصابه ومن أخطأ فهو معذور ومأجور، ولم يتعبد بإصابة العين بل تعبد بالاجتهاد فقط، وقال جمهور أهل السنة وهو المحفوظ عن مالك وأصحابه الحق في مسائل الفروع في الطرفين وكل مجتهد مصيب والمطلوب إنما هو الأفضل في ظنه والدليل على هذه المقالة ممن بعدهم قرر بعضهم خلاف بعض ولم ير أحد منهم أن يقع الانحمال على قوله دون مخالف قوله، ومنه رد مالك ﵀ للمنصور عن حمل الناس على الموطأ إلى كثير من هذا

стр. 1761

المعنى، وإذا قال عالم في أمر ما حلال فذلك هو الحق فيما يخص بذلك العالم عند الله تعالى وبكل من أخذ بقوله ، فأما من قال إن الحق في طرف فرأى مسألة داود وسليمان مطردة على قوله وأن سليمان صادف العين المطلوبة وهي التي فهم، ومن رأى الحق في الطرفين رأى أن سليمان ﵇ فهم القضية المثلى والتي هي أرجح، لا أن الأولى خطأ وعلى هذا يحملون قول النبي ﷺ ، «إذا اجتهد العالم فأخطأ» أي فأخطأ الأفضل ع وكثير ما يكون بين الأقوال في هذه المسائل قليل تباين إلا أن ذلك الشفوف يشرف القول، وكثيرا ما يبين الفضل بين القولين بأدنى نظر ومسائل الفروع تخالف مسائل الأصول في هذا ومسألة المجتهدين في نفسها مسألة أصل، والفرق بين مسائل الفروع ومسائل الأصول أن مسائل الأصول الكلام فيها إنما هو في وجود شيء ما كيف هو كقولنا يرى الله تعالى يوم القيامة، وقالت المعتزلة لا يرى، وكقولنا الله واحد، وقالت النصارى ثلاثة، وهكذا هل للمسائل عين أو ليس لها عين مطلوبة. ومسائل الفروع إنما الكلام فيها على شيء متقرر الوجود كيف حكمه من تحليل أو تحريم ونحو هذا، والأحكام خارجة عن ذات وجوده وإنما هي بمقاييس واستدلالات، وتعتبر مسائل الفروع بأنها كل ما يمكن أن ينسخ بعضه ببعض ومسائل الأصول ما لو تقرر الوجه الواحد لم يصح أن يطرأ الآخر ناسخا عليه. قال القاضي أبو محمد: ومسألة الاجتهاد طويلة متشعبة إلا أن هذه النبذة تليق بالآية ويقتضيها حرصنا على الإيجاز، ويتعلق بالآية فصل آخر لا بد من ذكره وهو رجوع الحاكم بعد قضاء من اجتهاد إلى اجتهاد آخر أرجح من الأول، فإن داود ﵇، فعل ذلك في هذه النازلة، واختلف فقهاء المذهب المالكي في القاضي يحكم في قضية ثم يرى بعد ذلك أن غير ما حكم به أصوب فيريد أن ينقض الأول ويقضي بالثاني، فقال عبد الملك ومطرف في الواضحة ذلك له ما دام في ولايته، فأما إن كانت ولاية أخرى فليس ذلك له وهو بمنزلة غيره من القضاة، وهذا هو ظاهر قول مالك ﵀ في المدونة، وقال سحنون في رجوعه من اجتهاد فيه قول إلى غيره مما رآه أصوب ليس ذلك له وقاله ابن عبد الحكم قالا ويستأنف الحكم بما قوي عنده أحرى من ذي قبل، قال سحنون إلا أن يكون نسي الأقوى عنده أو وهم فحكم بغيره فله نقضه، وأما إن حكم بحكم وهو الأقوى عنده في ذلك الوقت ثم قوي عنده غيره بعد ذلك فلا سبيل له إلى نقض الأول، قال سحنون في كتاب ابنه وقال أشهب في كتاب ابن المواز إن كان رجوعه إلى الأصوب في مال فله نقض الأول وإن كان في طلاق أو نكاح أو عتق فليس له نقضه، وقد تقدم القول في الْحَرْثِ روت فرقة أنه كان زرعا وروت فرقة أنه كان كرما. و «النفش» تسرب البهائم في الزرع وغيرها بالليل والهمل تسربها في ذلك بالنهار والليل، قال ابن سيده لا يقال الهمل في الغنم وإنما هو في الإبل ومضى الحكم في الإسلام بتضمين أرباب النعم ما أفسدت بالليل لأن على أهلها أن يثقفوها وعلى أهل الزرع وغيرهم حفظها بالنهار هذا هو مقتضى الحديث في ناقة البراء بن عازب وهو مذهب مالك وجمهور الأمة، ووقع في كتاب ابن سحنون أن الحديث إنما جاء في أمثال المدينة التي هي حيطان محدقة، وأما البلاد التي هي زروع متصلة غير محظرة وبساتين كذلك فيضمن أرباب الغنم ما أفسدت من ليل أو نهار ع كأنه ذهب إلى أن ترك تثقيف الحيوان في مثل هذه البلاد بعيد لأنها ولا بد تفسد وقال أبو حنيفة في ذلك لا ضمان وأدخله في

стр. 1762

عموم قول النبي ﷺ جرح العجماء جبار فقاس جميع أفعالها على جرحها. وقوله تعالى: وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً تأول قوم منهم أن داود لم يخطىء في هذه النازلة بل فيها أوتي الحكم، والعلم، وقالت فرقة بل لأنه لم يصب العين المطلوبة في هذه مدحه الله تعالى بأن له حُكْماً وَعِلْماً يرجع إليه في غير هذه النازلة، وقوله وَكُنَّا فاعِلِينَ مبالغة في الخير وتحقيق له، وفي اللفظ معنى، وكان ذلك في حقه وعند مستوجبه منا فكأنه قال وَكُنَّا فاعِلِينَ لأجل استجابة ذلك، وحذف اختصارا لدلالة ظاهر القول عليه على ما حذف منه. وقوله تعالى: لِحُكْمِهِمْ يريد «داود سليمان» والخصمين لأن الحكم يضاف إلى جميعهم وإن اختلفت جهات الإضافة. وقرأت فرقة «لحكمهما» واختلف الناس في قوله تعالى: يُسَبِّحْنَ فذهبت فرقة وهي الأكثر إلى أنه قول سبحان الله وذهبت فرقة، منها منذر بن سعيد إلى أنه بمعنى يصلين معه بصلاته. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٠ الى ٨١] وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) عدد الله تعالى على البشر أن علم داود صَنْعَةَ الدروع فكان يصنعها أحكم صنعة لتكون وقاية من الحرب وسبب نجاة من العدو، و «اللبوس» في اللغة السلاح فمنه الدرع والسيف والرمح وغير ذلك ومنه قول الشاعر [عامر بن الحليس] : [الكامل] ومعي لبوس للبئيس كأنه ... روق بجبهة ذي لقاح مجفل يعني الرمح. وقرأ نافع والجمهور «ليحصنكم» بالياء على معنى ليحصنكم داود واللبوس، وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم «لتحصنكم» بالتاء على معنى الصنعة أو الدروع التي أوقع عليها اللبوس، وقرأ أبو بكر عن عاصم «لنحصنكم» على معنى رد الفعل إلى الله تعالى، ويروى أنه كان الناس قبل تتخذ القوي لباسا من صفائح الحديد فكان ثقله يقطع بأكثر الناس، وقرأت فرقة «الريح» بالنصب على معنى وسخرنا لسليمان الريح، وقرأت فرقة «الريح» بالرفع على الابتداء والخبر في المجرور قبله، ويروى أن الريح العاصفة تهب على سرير سليمان الذي فيه بساطه وقد مد حول البساط بالخشب والألواح حتى صنع سرير يحمل جميع عسكره وأقواته، فتقله من الأرض في الهواء، ثم تتولاه الريح الرخاء بعد ذلك، فتحمله إلى حيث أراد سليمان. وقوله تعالى: إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها اختلف الناس فيها، فقالت فرقة هي أرض الشام وكانت مسكنه وموضع ملكه، وخصص في هذه الآية انصرافه في سفراته إلى أرضه لأن ذلك يقتضي سيره إلى المواضع التي سافر إليها، و «البركة» في أرض الشام بينة الوجوه، وقال بعضهم إن العاصفة هي في القفول على عادة البشر والدواب في الإسراع إلى الوطن والرخاء كانت في البداءة، حيث أصاب، أي حيث يقصده بأن ذلك وقت تأن وتدبير وتقلب رأي، وقال منذر بن سعيد في الآية تقديم وتأخير والكلام تام عند قوله إِلى الْأَرْضِ، وقوله الَّتِي بارَكْنا فِيها صفة ل الرِّيحَ ع ويحتمل أن يريد

стр. 1763

الأرض التي يسير إليها سليمان ﵇ كائنة ما كانت، وذلك أنه لم يكن يسير إلى أرض إلا أصلحها وقتل كفارها وأثبت فيها الإيمان وبث فيها العدل. ولا بركة أعظم من هذا، فكأنه قال إلى أي أرض باركنا فيها بعثنا سليمان إليها. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٢ الى ٨٤] وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢) وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤) يحتمل أن يكون قوله تعالى: يَغُوصُونَ في موضع نصب على معنى وسخرنا، ويحتمل أن يكون في موضع رفع على الابتداء، ويتناسب هذا مع القراءتين المتقدمتين في قوله تعالى: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ [سبأ: ١٢] بالنصب والرفع وقوله تعالى: يَغُوصُونَ جمع على معنى مِنَ لا على لفظها. و «الغوص» الدخول في الماء والأرض والعمل دون ذلك البنيان وغيره من الصنائع والخدمة ونحوه، وقوله تعالى: وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ قيل معناه من إفسادهم ما صنعوه فإنهم كان لهم حرص على ذلك لولا ما حال الله تعالى: «بينهم وبين ذلك» ، وقيل معناه عادين وحاصرين أي لا يشذ عن علمنا وتسخيرنا أحد منهم وقوله: وَأَيُّوبَ أحسن ما فيه النصب بفعل مضمر تقديره واذكر أيوب، وفي قصص أيوب ﵇ طول واختلاف من المفسرين، وتلخيص ذلك أنه روي أن أيوب ﵇، كان نبيا مبعوثا إلى قوم، وكان كثير المال من الإبل والبقر والغنم، وكان صاحب البثنية من أرض الشام يغمر كذلك مدة، ثم إن الله تعالى، لما أراد محنته وابتلاءه، أذن لإبليس في أن يفسد ماله، فاستعان بذريته فأحرقوا ماله ونعمه أجمع، فكان كلما أخبر بشيء من ذلك حمد الله تعالى وقال هي عارية استردها صاحبها والمنعم بها، فلما رأى إبليس ذلك جاء فأخبر بعجزه عنه، وأذن الله له في إهلاكه بنيه وقرابته ففعل ذلك أجمع، فدام أيوب على شكره وصبره، فأخبره إبليس بعجزه، فأذن الله له في إصابته في بدنه وحجر عليه لسانه وعينيه وقلبه، فجاءه إبليس وهو ساجد، فنفخ في أنفه نفخة احترق بدنه منها وجعلها الله تعالى أكلة في بدنه، فلما عظمت وتقطع أخرجه الناس من بينهم وجعلوه على سباطة ولم يبق معه بشر حاشى زوجته، ويقال كانت بنت يوسف الصديق، وقيل اسمها رحمة، وقيل في أيوب إنه من بني إسرائيل، وقيل من الروم من قرية عيصو، فكانت زوجته تسعى عليه وتأتيه يأكل وتقوم عليه، فدام في هذا العذاب مدة طويلة قيل ثلاثين سنة، وقيل ثماني عشرة، وقيل اثنتي عشرة، وقيل تسعة أعوام، وقيل ثلاثة، وهو في كل ذلك صابر شاكر، حتى جاءه فيما روي ثلاثة ممن كان آمن به فوقذوه بالقول وأنبوه ونجهوه. وقالوا ما صنع بك ربك هذا إلا لخبث باطنة فيك، فراجعهم أيوب في آخر قولهم بكلام مقتضاه أنه ذليل لا يقدر على إقامة حجة ولا بيان ظلامة، فخاطبه الله تعالى معاتبا على هذه المقالة ومبينا أنه لا حجة لأحد مع الله ولا يسأل عما يفعل ثم عرفه تعالى بأنه قد أذن في صلاح حاله وعاد عليه بفضله، فدعا أيوب عند ذلك فاستجيب له، ويروى أن أيوب لم يزل

стр. 1764

صابرا لا يدعو في كشف ما به، وكان فيما روي تقع منه الدود فيردها بيده، حتى مر به قوم كانوا يعادونه فشمتوا به، فتألم لذلك ودعا حينئذ فاستجيب له، وكانت امرأته غائبة عنه في بعض شأنها فأنبع الله تعالى له عينا وأمر بالشرب منها فبرىء باطنه، وأمر بالاغتسال فبرىء ظاهره، ورد إلى أفضل جماله، وأتي بأحسن الثياب، وهب عليه رجل من جراد من ذهب فجعل يحثي منها في ثوبه فناداه الله تعالى يا أيوب ألم أغنيتك عن هذا، قال بلى يا رب ولكن لا غنى بي عن بركتك، فبينما هو كذلك إذ جاءت امرأته فلم تره على السباطة فجزعت وظنت أنه أزيل عنها، وجعلت تتوله فقال لها ما شأنك أيتها المرأة فهابته لحسن هيئته، وقالت إني فقدت مريضا كان لي في هذا الموضع ومعالم المكان قد تغيرت، وتأملته في أثناء المقاولة، فرأت أيوب، فقالت له أنت أيوب، فقال لها نعم واعتنقها وبكى فروي أنه لم يفارقها حتى أراه الله تعالى جميع ماله حاضرا بين يديه، واختلف الناس في أهله وولده بأعيانهم وجعل مثلهم له عدة في الآخرة، وقيل بل أتى جميع ذلك في الدنيا من أهل ومال وقوله تعالى: وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ أي وتذكرة وموعظة للمؤمنين، ولا يعبد الله تعالى إلا مؤمن والذكرى إنما هي في محنته والرحمة في زوال ذلك، وقوله أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ تقديره «بأني مسني» فحذف الجار وبقيت أَنِّي في موضع نصب، وروي أن سبب محنة أيوب أنه دخل مع قوم على ملك جار عليهم فأغلظ له القوم ولين له أيوب القول خوفا منه على ماله، فعاقبه الله تعالى على ذلك، وروي أنه كان يقال له ما لك لا تدعو في العافية فكان يقول إني لأستحيي من الله تعالى أن أسأله زوال عذابه حتى يمر علي فيه ما مر من الرخاء، وأصابه البلاء فيما روي وهو ابن ثمانين سنة. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٥ الى ٨٦] وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) المعنى واذكر إسماعيل وهو إسماعيل بن إبراهيم الخليل وهو أبو العرب المعروفين اليوم في قول بعضهم وَإِدْرِيسَ هو خنوخ وهو أول نبي بعثه الله تعالى من بني آدم وروي أنه كان خياطا وكان يسبح الله تعالى عند إدخال الإبرة ويحمده عند إخراجها و «ذو الكفل» كان نبيا. وروي أنه بعث إلى رجل واحد وقيل لم يكن نبيا، ولكنه كان عبدا صالحا، وروي أن أليسع جمع بني إسرائيل فقال من يتكفل لي بصيام النهار وقيام الليل وأن لا يغضب وأوليه النظر للعباد بعدي، فقام إليه شاب فقال أنا لك بذلك فراجعه ثلاثا في كل ذلك يقول أنا لك بذلك فاستعمله، فلما مات أليسع قام بالأمر فجاء إبليس ليغضبه وكان لا ينام إلا في القائلة فكان يأتيه وقت القائلة أياما فيوقظه ويشتكي ظلامته ويقصد تضييق صدره فلم يضق به صدرا ومضى معه لينصفه بنفسه فلما رأى إبليس ذلك غلس عنه وكفاه الله شره فسمي ذَا الْكِفْلِ لأنه تكفل بأمر فوفى به وباقي الآية بين. قوله :

стр. 1765

[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٧ الى ٨٨] وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) التقدير واذكر «ذا النون» ، والنون الحوت وصاحبه يونس بن متّى ﵇، ونسب إلى الحوت الذي التقمه على الحالة التي يأتي ذكرها في موضعها الذي يقتضيه وهو نبي من أهل نينوى وهذا هو الذي قال فيه رسول الله ﷺ ، «من قال إني خير من يونس بن متى فقد كذب» ، وفي حديث آخر «لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» ، وهذا الحديث وقوله «لا تفضلوني على موسى» يتوهم أنهما يعارضان قوله ﵇ على المنبر «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» . والانفصال عن هذا بوجهين أحدهما ذكره الناس وهو أن يكون قوله «أنا سيد ولد آدم» متأخرا في التاريخ وأنها منزلة أعلمه الله تعالى بها لم يكن علمها وقت تلك المقالات الأخر، والوجه الثاني وهو عندي أحرى مع حال النبي ﵇، أنه إنما نهي عن التفضيل بين شخصين مذكورين وذهب مذهب التواضع ولم يزل سيد ولد آدم ولكنه نهى أن يفضل على موسى كراهية أن تغضب لذلك اليهود فيزيد نفارها عن الإيمان، وسبب الحديث يقتضي هذا، وذلك أن يهوديا قال لا والذي فضل موسى على العالمين، فقال له رجل من الأنصار تقول هذا ورسول الله ﷺ بين أظهرنا ولطمه فشري الأمر وارتفع إلى النبي ﷺ فنهى عن تفضيله على موسى ونهى ﵇ عن تفضيله على يونس لئلا يظن أحد بيونس نقص فضيلة بسبب ما وقع له، فنهيه ﵇ عن التفضيل على شخص معين وقوله في حديث ثالث «لا تفضلوا بين الأنبياء» . وهذا كله مع قوله «أنا سيد ولد آدم» وإطلاق الفضل له دون اقتران بأحد، بيّن صحيح وتأمل هذا، فإنه يلوح وقد قال عمر ﵁ للحطيئة امدح ممدوحك ولا تفضل بعض الناس على بعض. قال القاضي أبو محمد: ولفظة سيد ولفظة خير شيئان، فهذا مبدأ جمع آخر بين الأحاديث يذهب ما يظن من التعارض، وقوله مُغاضِباً قيل إنه غاضب قومه حين طال عليه أمرهم وتعنتهم فذهب فارا بنفسه وقد كان الله تعالى أمره بملازمتهم والصبر على دعائهم فكان ذنبه في مخالفة هذا الأمر، وروي أنه كان شابا فلم يحمل أثقال النبوءة وتفسخ تحتها كما يتفسخ الربع تحت الحمل ولهذا قيل للنبي ﷺ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ [القلم: ٤٨] أي اصبر ودم على الشقاء بقومك، وقالت فرقة إنما غاضب الملك الذي كان على قومه ع وهذا نحو من الأول فيما يلحق منه يونس ﵇، وقال الحسن بن أبي الحسن وغيره إنما ذهب مُغاضِباً ربه واستفزه إبليس، ورووا في ذلك أن يونس لما طال عليه أمر قومه طلب من الله تعالى عذابهم فقيل له إن العذاب يجيئهم يوم كذا، فأخبرهم يونس بذلك فقالوا إن رحل عنا فالعذاب نازل وإن أقام بيننا لم نبال، فلما كان سحر ذلك اليوم قام يونس فرحل فأيقنوا بالعذاب فخرجوا بأجمعهم إلى البراز، وفرقوا بين صغار البهائم وأمهاتها وتضرعوا وتابوا، فرفع الله تعالى عنهم العذاب وبقي يونس في موضعه الذي خرج إليه فنظر فلما عرف أنهم لم يعذبوا ساءه أن عدوه كاذبا وقال والله لا انصرفت

стр. 1766

إليهم أبدا. وروي أنه كان من دينهم قتل الكذاب فغضب حينئذ على ربه وخرج على وجهه حتى دخل في سفينة في البحر ع وفي هذا القول من الضعف ما لا خفاء به مما لا يتصف به نبي، واختلف الناس في قوله تعالى: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فقالت فرقة استزله إبليس ووقع في ظنه إمكان أن لا يقدر الله عليه بمعاقبة ع وهذا قول مردود، وقالت فرقة ظن أن لن يضيق عليه في مذهبه من قوله تعالى: يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ [الإسراء: ٣٠] ، وقالت فرقة هو من القدر، أي ظن أن لن يقدر الله عليه بعقوبة، وقالت فرقة الكلام بمعنى الاستفهام، أي أفظن أن لن يقدر الله عليه، وحكى منذر بن سعيد أن بعضهم قرأ «أفظن» بالألف، وقرأ الزهري «تقدّر» بضم النون وفتح القاف وشد الدال، وقرأ الحسن «يقدر» وعنه أيضا «نقدر» ، وبعد هذا الكلام حذف كثير اقتضب لبيانه في غير هذه الآية، المعنى فدخل البحر وكذا حتى التقمه الحوت وصار في ظلمة جوفه، واختلف الناس في جمع الظُّلُماتِ ما المراد به فقالت فرقة ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة الحوت، وقالت فرقة ظلمة البحر وظلمة الحوت التقم الحوت الأول الذي التقم يونس ع ويصح أن يعبر ب الظُّلُماتِ عن جوف الحوت الأول فقط كما قال في غيابات الجب وفي كل جهاته ظلمة فجمعها سائغ، وروي أن يونس سجد في جوف الحوت حين سمع تسبيح الحيتان في قعر البحر ثم قال في دعائه «اللهم إني قد اتخذت لك مسجدا في موضع لم يتخذه أحد قبلي» وأَنْ مفسرة نحو قوله تعالى أَنِ امْشُوا [ص: ٦] وفي هذا نظر وقوله تعالى: مِنَ الظَّالِمِينَ يريد فيما خالف فيه من ترك مداومة قومه والصبر عليهم هذا أحسن الوجوه وقد تقدم ذكر غيره فاستجاب الله تعالى له وأخرجه إلى البر، ووصف هذا يأتي في موضعه، والْغَمِّ ما كان ناله حين التقمه الحوت، وقرأ جمهور القراء «ننجي» بنونين الثانية ساكنة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر «نجي» بنون واحدة مضمومة وشد الجيم، ورويت عن أبي عمرو، وقرأت فرقة «ننجّي» بنونين الأولى مضمومة والثانية مفتوحة والجيم مشددة، فأما القراءة الأولى والثالثة فبينتان الأولى فعلها معدى بالهمزة والأخرى بالتضعيف، وأما القراءة الوسطى التي هي بنون واحدة مضمومة وجيم مشددة وياء ساكنة فقال أبو علي لا وجه لها وإنما هي وهم من السامع، وذلك أن عاصما قرأ «ننجي» والنون الثانية لا يجوز إظهارها لأنها تخفى مع هذه الحروف يعني الجيم وما جرى مجراها فجاء الإخفاء يشبهها بالإدغام، ويمتنع أن يكون الأصل «ننجي» ثم يدعو اجتماع النونين إلى إدغام إحداهما في الجيم لأن اجتماع المثلين إنما يدعو إلى ذلك إذا كانت الحركة فيهما متفقة، ويمتنع أن يكون الأصل «نجي» وتسكن الياء ويكون المفعول الذي لم يسم فاعله المصدر كأنه قال «نجي » النجاء المؤمنين لأن هذه لا تجيء إلا في ضرورة فليست في كتاب الله والشاهد فيها قول الشاعر: [الوافر] ولو ولدت قفيزة جرو كلب ... لسب بذلك الجرو الكلابا وأيضا فإن الفعل الذي يبنى للمفعول إذا كان ماضيا لم يسكن آخره ع والمصاحف فيها نون واحدة كتبت كذلك من حيث النون الثانية مخفية. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٩ الى ٩٠] وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠)

стр. 1767

تقدم أمر زكرياء ﵇ في سورة مريم، وإصلاح الزوجة قيل بأن جعلها ممن تحمل وهي عاقر قاعد فحاضت وحملت وهذا هو الذي يشبه الآية وقيل بأن أزيل بذاء كان في لسانها ع وهذا ضعيف وعموم اللفظ يتناول جميع وجوه الإصلاح، وقرأت فرقة «يدعوننا» ، وقرأت فرقة «يدعونا» ، وقرأت فرقة «رغبا» بفتح الراء والغين «ورهبا» كذلك، وقرأت فرقة بضم الراء فيهما وسكون الغين والهاء، وقرأت فرقة بفتح الراء وسكون الغين والهاء، والمعنى أنهم يدعون في وقت تعبدهم وهم بحال رغبة ورجاء، ورهبة وخوف في حال واحدة لأن الرغبة والرهبة متلازمان، وقال بعض الناس الرغب أن ترفع بطون الأكف نحو السماء والرهب أن ترفع ظهورها ع وتلخيص هذا أن عادة كل داع من البشر أن يستعين بيديه، فالرغب من حيث هو طلب يحسن معه أن يوجه باطن الراح نحو المطلوب منه إذ هي موضع الإعطاء وبها يتملك، والرهب من حيث هو دفع مضرة يحسن معه طرح ذلك والإشارة إلى إذهابه وتوقيه بنفض اليد ونحوه و «الخشوع» التذلل بالبدن المتركب على التذلل بالقلب. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٩١ الى ٩٥] وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١) إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤) وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥) المعنى واذكر الَّتِي أَحْصَنَتْ وهي مريم بنت عمران أم عيسى، و «الفرج» فيما قال الجمهور وهو ظاهر القرآن الجارحة المعروفة وفي إحصانها هو المدح، وقالت فرقة الفرج هنا هو فرج ثوبها الذي منه نفخ الملك وهذا ضعيف، وأما نفخ الولد فيها فقال كثير من العلماء إنما نفخ في جيب درعها وأخاف الروح إضافة الملك إلى المالك، وَابْنَها هو عيسى ابن مريم ﵇، وأراد تعالى أنه جعل مجموع قصة عيسى وقصة مريم من أولها إلى آخرها آيَةً لمن اعتبر ذلك، ولِلْعالَمِينَ يريد لمن عاصره فيما بعد ذلك، وقوله تعالى: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ يحتمل الكلام أن يكون منقطعا خطابا لمعاصري محمد ﷺ ثم أخبر عن الناس أنهم تقطعوا ثم وعد وأوعد، ويحتمل أن يكون متصلا أي جعلنا مريم وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ بأن بعث لهم بملة وكتاب وقيل لهم إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أي دعي الجميع إلى الإيمان بالله تعالى وعبادته، ثم أخبر تعالى أنهم بعد ذلك اختلفوا وتقطعوا أمرهم ثم فرق بين المحسن والمسيء فذكر المحسن بالوعد أي فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فهو بنعيمه مجازى وذكر المسيء في

стр. 1768

قوله، وَحَرامٌ إلى آخر الآية فتأمل الوعيد فيها على كل قول تذكرة فإنه بين، و «الكفران» مصدر كالكفر ومنه قول الشاعر: [الطويل] رأيت أناسا لا تنام جدودهم ... وجدي ولا كفران لله نائم واختلف القراء في قوله تعالى وَحَرامٌ، فقرأ عكرمة وغيره «وحرم» بفتح الحاء وكسر الراء، وقرأ جمهور السبعة و «حرام» ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم، و «حرم» بكسر الحاء وسكون الراء، وقرأ ابن العباس بخلاف عنه «وحرم» بفتح الحاء وسكون الراء، وقرأت فرقة «وحرّم» بفتح الحاء وشد الراء، وقرأت فرقة «وحرّم» بضم الحاء وكسر وشدها، وقرأ قتادة ومطر الوارق «وحرم» بفتح الحاء وضم الراء، والمستفيض من هذه القراءات قراءة من قرأ و «حرم» ، وقراءة من قرأ و «حرام» وهما مصدران بمعنى نحو الحل والحلال، فأما معنى الآية فقالت فرقة «حرام وحرم» معناه جزم وحتم فالمعنى وحتم عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ إلى الدنيا فيتوبون ويستعتبون بل هم صائرون إلى العقاب، وقال بعض هذه الفرقة الإهلاك هو بالطبع على القلوب ونحوه والرجوع هو إلى التوبة والإيمان، وقالت فرقة المعنى وَحَرامٌ أي ممتنع، و «حرم» كذلك، عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ وقالوا لا زائدة في الكلام واختلفوا في الإهلاك والرجوع بحسب القولين المذكورين، قال أبو علي يحتمل أن يرتفع «حرام» بالابتداء والخبر رجوعهم ولا زائدة، ويحتمل أن يرتفع «حرام» على خبر الابتداء كأنه قال والإقالة والتوبة «حرام» ثم يكون التقدير «بأنهم لا يرجعون» فتكون لا على بابها كأنه قال هذا عليهم ممتنع بسبب كذا فالتحريم في الآية بالجملة ليس كتحريم الشرع الذي إن شاء المنهي ركبه. قال القاضي أبو محمد: ويتجه في الآية معنى ضمنه وعيد بيّن وذلك أنه ذكر من عمل صالحا وهو مؤمن ثم عاد إلى ذكر الكفرة الذين من كفرهم ومعتقدهم أنهم لا يحشرون إلى رب ولا يرجعون إلى معاد فهم يظنون بذلك أنه لا عقاب ينالهم فجاءت الآية مكذبة لظن هؤلاء أي وممتنع على الكفرة المهلكين أن لا يرجعون بل هم راجعون إلى عقاب الله وأليم عذابه فتكون لا على بابها والحرام على بابه وكذلك الحرم فتأمله. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٩٦ الى ٩٧] حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (٩٧) تحتمل حَتَّى في هذه الآية أن تكون متعلقة بقوله وَتَقَطَّعُوا [الأنبياء: ٩٣] وتحتمل على بعض التأويلات المتقدمة أن تعلق ب يَرْجِعُونَ [الأنبياء: ٩٥] وتحتمل أن تكون حرف ابتداء وهو الأظهر بسبب إِذا لأنها تقتضي جوابا وهو المقصود ذكره، واختلف هنا في الجواب، فقالت فرقة الجواب قوله اقْتَرَبَ الْوَعْدُ

стр. 1769

والواو زائدة، وقالت فرقة منها الزجاج وغيره الجواب في قوله يا وَيْلَنا التقدير قالوا يا وَيْلَنا وليست الواو بزائدة، والذي أقول إن الجواب في قوله فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ وهذا هو المعنى الذي قصد ذكره لأنه رجوعهم الذي كانوا يكذبون به وحرم عليهم امتناعه، وقرأ الجمهور «فتحت» بتخفيف التاء، وقرأ ابن عامر وحده «فتحت» بتثقيلها، وروي أن يأجوج ومأجوج يشرفون في كل يوم على الفتح فيقولون غدا نفتح ولا يردون المشيئة إلى الله تعالى فإذا كان غدا وجدوا الردم كأوله حتى إذا أذن الله تعالى في فتحه قال قائلهم غدا نفتحه إن شاء الله فيجدونه كما تركوه قريب الانفتاح فيفتحونه حينئذ، وقرأ عاصم وحده «يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ» بالهمز، وقرأ الجمهور بالتسهيل، وقد تقدم في سورة الكهف توجيه ذلك وكثير من حال يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ فغنيناها هنا عن إعادة ذلك. و «الحدب» كل متسنم من الأرض كالجبل والظرب والكدية والقبر ونحوه. وقالت فرقة المراد بقوله، وَهُمْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ لأنهم يطلعون من كل ثنية ومرتفع ويعمون الأرض وذلك أنهم من الكثرة بحيث قال رسول الله ﷺ ، «يقول الله تعالى يوم القيامة لآدم أخرج بعث النار من ذريتك فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين» قال ففزع الناس فقال رسول الله ﷺ ، «إن منكم رجلا ومن يأجوج ومأجوج ألف رجل» ويروى أن الرجل منهم لا يموت حتى يولد له ألف بين رجل وامرأة وقالت فرقة المراد بقوله وَهُمْ جميع العالم وإنما هو تعريف بالبعث من القبور وقرأ ابن مسعود «من كل جدث» وهذه القراءة تؤيد هذا التأويل ويَنْسِلُونَ معناه يسرعون في تطامن ومنه قول الشاعر: [الرمل] عسلان الذئب أمسى قاربا ... برد الليل عليه فنسل وقرأت فرقة بكسر السين، وقرأت بضمها، وأسند الطبري عن أبي سعيد قال يخرج يأجوج ومأجوج فلا يتركون أحدا إلا قتلوه إلا أهل الحصون فيمرون على بحيرة طبرية فيمر آخرهم فيقول كان هنا مرة ما، قال فيبعث الله عليهم النغف حتى تكسر أعناقهم فيقول أهل الحصون لقد هلك أعداء الله فيدلون رجلا ينظر فيجدهم قد هلكوا قال فينزل الله تعالى من السماء ماء فيقذف بهم في البحر فيطهر الأرض منهم، وفي حديث حذيفة نحو هذا وفي آخره قال وعند ذلك طلوع الشمس من مغربها، وروي أن ابن عباس رأى صبيانا يلعبون وينزوا بعضهم على بعض فقال هكذا خروج يأجوج ومأجوج. وقوله تعالى: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ يريد يوم القيامة، وروي في الحديث «أن الرجل ليتخذ الفلو بعد يأجوج ومأجوج فلا يبلغ منفعته حتى تقوم الساعة» ، وقوله تعالى: هِيَ، مذهب سيبويه أنها ضمير القصة كأنه قال فإذا القصة أو الحادثة شاخِصَةٌ أَبْصارُ وجوز الفراء أن تكون ضمير الأبصار تقدمت لدلالة الكلام ويجيء ما يفسرها وأنشد على ذلك: [الطويل] فلا وأبيها لا تقول حليلتي ... ألا فرّعني مالك بن أبي كعب والشخوص بالعين إحداد النظر دون أن يطرف، وذلك يعتري من الخوف المفرط أو علة أو نحوه، وقوله: يا وَيْلَنا تقديره يا ويلنا لقد كانت بنا غفلة عما وجدنا الآن وتبينا الآن من الحقائق ثم تركوا الكلام الأول ورجعوا إلى نقد ما كان يداخلهم من تعهد الكفر وقصد الإعراض فقالوا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ.

стр. 1770

قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٩٨ الى ٩٩] إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) هذه مخاطبة لكفار مكة أي إنكم وأصنامكم حَصَبُ جَهَنَّمَ والحصب ما توقد به النار، إما لأنها تحصب به أي ترمى وإما أن تكون لغة في الحطب إذا رمي وأما قبل أن يرمى به فلا يسمى حصبا إلا بتجوز، وقرأ الجمهور «حصب» بالصاد مفتوحة، وسكنها ابن السميفع وذلك على إيقاع المصدر موقع اسم المفعول، وقرأ علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعائشة وابن الزبير «حطب جهنم» بالطاء، وقرأ ابن عباس «حضب» جهنم بالضاد منقوطة مفتوحة وسكنها كثير غيره، والحضب أيضا ما يرمى به في النار لتوقد به والمحضب العود الذي تحرك به النار أو الحديدة أو نحوه ومنه قول الأعشى: [المتقارب] فلا تك في حربنا محضبا ... لتجعل قومك شتى شعوبا وقوله وَما تَعْبُدُونَ يريد الأصنام وحرقها في النار على جهة التوبيخ لعابدها ومن حيث تقع «ما» لمن يعقل في بعض المواضع اعترض في هذه الآية عبد الله بن الزبعرى على رسول الله ﷺ . فقال إن عيسى وعزيرا ونحوهما قد عبدوا من دون الله فيلزم أن يكونوا حصبا لجهنم فنزلت إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ [الأنبياء: ١٠١] ثم قرر الأمر بالإشارة إلى الأصنام التي أرادها في قوله ما تَعْبُدُونَ، فقال لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً وعبر عن الأصنام ب هؤُلاءِ من حيث هي عندهم بحال من يعقل، و «الورود» في هذه الآية ورود الدخول. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٠٠ الى ١٠٣] لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) الضمير في لَهُمْ عائد على من يعقل ممن توعد، و «الزفير» صوت المعذب وهو كنهيق الحمير، وشبهه إلا أنه من الصدر، وقوله: لا يَسْمَعُونَ قالت فرقة معناه لا يسمعون خيرا ولا سارا من القول، وقالت فرقة إن عذابهم أن يجعلوا في توابيت في داخل توابيت أخرى فيصيرون هنالك لا يسمعون شيئا ولما اعترض ابن الزبعرى بأمر عيسى ابن مريم وعزير نزلت إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى مبينة أن هؤلاء ليسوا تحت المراد لأنهم لم يرضوا ذلك ولا دعوا إليه، والْحُسْنى يريد كلمة الرحمة والحتم بالتفضيل، و «الحسيس» الصوت وهو بالجملة ما يتأدى إلى الحس من حركة الأجرام وهذه صفة لهم بعد دخولهم الجنة لأن الحديث يقتضي أن في الموقف تزفر جهنم زفرة لا يبقى نبي ولا ملك إلا جثا على ركبتيه،

стр. 1771

والْفَزَعُ الْأَكْبَرُ عام في كل هول يكون في يوم القيامة فكأن يوم القيامة بجملته هو الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وإن خصص بشيء من ذلك فيجب أن يقصد لأعظم هوله، قالت فرقة في ذلك هو ذبح الموت، وقالت فرقة هو وقوع طبق جهنم على جهنم، وقالت فرقة هو الأمر بأهل النار إلى النار، وقالت فرقة هو النفخة الآخرة. قال القاضي أبو محمد: وهذا وما قبله من الأوقات أشبه أن يكون فيها الْفَزَعُ لأنها وقت لترجم الظنون وتعرض الحوادث، فأما وقت ذبح الموت ووقوع الطبق فوقت قد حصل فيه أهل الجنة في الجنة فذلك فزع بين إلا أنه لا يصيب أحدا من أهل الجنة فضلا عن الأنبياء، اللهم إلا أن يريد لا يحزنهم الشيء الذي هو عند أهل النار فزع أكبر، فأما إن كان فزعا للجميع فلا بد مما قلنا من أنه قبل دخول الجنة وقد ذهب بعض الناس إلى أن قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى يعم كل مؤمن. وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال عثمان منهم ع ولا مرية أنها مع نزولها في خصوص مقصود تتناول كل من سعد في الآخرة وقوله تعالى: وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ يريد بالسلام عليهم والتبشير لهم، أي هذا يومكم الذي وعدتم فيه الثواب والنعيم. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٥] يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) قرأت فرقة «نطوي» بنون العظمة، وقرأت فرقة «يطوي السماء» بياء مفتوحة على معنى يطوي الله تعالى، وقرأ فرقة «تطوى السماء» بتاء مضمومة ورفع «السماء» على ما لم يسم فاعله، واختلف الناس في السِّجِلِّ فقالت فرقة هو ملك يطوي الصحف، وقالت فرقة السِّجِلِّ رجل كان يكتب للنبي ﷺ ، ع وهذا كله وما شاكله ضعيف، وقالت فرقة السِّجِلِّ الصحيفة التي يكتب فيها، والمعنى كَطَيِّ السِّجِلِّ أي كما يطوى السجل من أجل الكتاب الذي فيه، فالمصدر مضاف إلى المفعول ويحتمل أن يكون المصدر مضافا إلى الفاعل، أي كما يطوي السجل الكتاب الذي فيه، فكأنه قال يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كالهيئة التي فيها طي السجل للكتاب، ففي التشبيه تجوز، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «السّجل» بشد السين وسكون الجيم وتخفيف اللام وفتح أبو السمال السين فقرأ «السّجل» وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جرير «السّجل» بضم السين وشدها وضم الجيم، وقرأ الجمهور «للكتاب» ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «للكتب» وقوله تعالى: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون خبرا عن البعث أي كما اخترعنا الخلق أولا على غير مثال كذلك ننشئهم تارة أخرى فنبعثهم من القبور، والثاني أن يكون خبرا عن أن كل شخص يبعث يوم القيامة على هيئته التي خرج بها إلى الدنيا، ويؤيد هذا التأويل أن رسول الله ﷺ ، قال: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده» وقوله تعالى: كَما بَدَأْنا الكاف متعلقة بقوله نُعِيدُهُ، وقوله إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ تأكيد للأمر بمعنى

стр. 1772

أن الأمر واجب في ذلك، وقالت فرقة الزَّبُورِ اسم يعم جميع الكتب المنزلة لأنه مأخوذ من زبرت الكتاب إذا كتبته، قالت هذه الفرقة والذِّكْرِ أراد به اللوح المحفوظ، وقال بعضهم الذِّكْرِ الذي في السماء، وقالت فرقة الزَّبُورِ هو اسم زبور داود، والذِّكْرِ أراد به التوراة، وقالت فرقة الزَّبُورِ ما بعد التوراة من الكتب، والذِّكْرِ التوراة، وقرأ حمزة وحده «الزّبور» بضم الزاي، وقالت فرقة الْأَرْضَ أراد بها أرض الدنيا أي كل ما يناله المؤمنون من الأرض، وقالت فرقة أراد أرض الجنة، واستشهدت بقوله تعالى وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزمر: ٧٤] وقالت فرقة إنما أراد بهذه الآية الإخبار عما كان صنعه مع بني إسرائيل أي فاعلموا أنا كما وفينا لهم بما وعدناهم فكذلك ننجز لكم ما وعدناكم من النصرة. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٠٦ الى ١٠٩] إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩) قالت فرقة الإشارة بقوله فِي هذا إلى هذه الآيات المتقدمة، وقالت فرقة الإشارة إلى القرآن بجملته، و «العبادة» تتضمن الإيمان بالله تعالى، وقوله إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ قالت فرقة عم العالمين وهو يريد من آمن فقط، وذلك أن النبي ﷺ ليس برحمة على من كفر به ومات على الكفر، وقالت فرقة «العالمون» عام ورحمته للمؤمنين بينة وهي للكافرين بأن الله تعالى رفع عن الأمم أن يصيبهم ما كان يصيب القرون قبلهم من أنواع العذاب المستأصلة كالطوفان وغيره. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل الكلام أن يكون معناه «وما أرسلناك للعالمين إلا رحمة» أي هو رحمة في نفسه وهذا بين أخذ به من أخذ، وأعرض عنه من أعرض، وقوله تعالى آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ معناه عرفتكم بنذارتي وأردت أن تشاركوني في معرفة ما عندي من الخوف عليكم من الله تعالى، ثم أعلمهم بأنه لا يعرف تعيين وقت لعقابهم بل هو مترقب في القرب والبعد وهذا أهول وأخوف. قوله : [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١١٠ الى ١١٢] إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١) قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١١٢) الضمير في قوله إِنَّهُ عائد على الله ، وفي هذه الآية تهديد أي يعلم جميع الأشياء الواقعة منكم وهو بالمرصاد في الجزاء عليها، وقرأ يحيى بن عامر «وإن أدري لعله وإن أدري أقريب» بفتح الياء فيهما وأنكر ابن مجاهد فتح هذه الياء ووجهه أبو الفتح، قوله لَعَلَّهُ الضمير فيه عائد على الإملاء لهم

стр. 1773

وصفح الله تعالى عن عذابهم وتمادي النعمة عليهم، وفِتْنَةٌ معناه امتحان وابتلاء، و «المتاع» ، ما يستمتع به مدة الحياة الدنيا، ثم أمره تعالى أن يقول على جهة الدعاء رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ والدعاء هنا بهذا فيه توعد، أي إن الحق إنما هو في نصرتي عليكم، وأمر الله تعالى له بهذا الدعاء دليل على الإجابة والعدة بها، وقرأت فقر «رب احكم» وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «ربّ» بالرفع على المنادى المفرد وقرأت فرقة «ربي أحكم» على وزن أفعل وذلك على الابتداء والخبر، وقرأت فرقة «ربي أحكم» على وزن أنه فعل ماض، ومعاني هذه القراءات بينة، ثم توكل في آخر الآية واستعان بالله تعالى، وقرأ جمهور القراء «قل رب» ، وقرأ عاصم فيما روي عنه «قال رب» ، وقرأ ابن عامر وحده «يصفون» بالياء، وقرأ الباقون والناس «تصفون» بالتاء من فوق على المخاطبة.

стр. 1774

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الحج هذه السورة مكية سوى ثلاث آيات قوله هذانِ خَصْمانِ [الحج: ١٩] إلى تمام ثلاث آيات قاله ابن عباس ومجاهد، وروي أيضا عن ابن عباس أنهن أربع آيات إلى قوله عَذابَ الْحَرِيقِ [الحج: ٩] ، وقال الضحاك هي مدينة، وقال قتادة سورة الحج مدنية إلا أربع آيات من قوله وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: ٢٥] إلى قوله عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ [الحج: ٥٥] فهن مكيات، وعدّ النقاش ما نزل بالمدينة عشر آيات، وقال الجمهور مختلطة فيها مكي ومدني وهذا هو الأصح والله أعلم لأن الآيات تقتضي ذلك. وروي عن أنس بن مالك أنه قال: نزل أول السورة في السفر على رسول الله ﷺ فنادى بها فاجتمع الناس إليه، فقال «أتدرون أي يوم هذا؟» فبهتوا، فقال: «يوم يقول الله يا آدم أخرج بعث النار فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين» قال: فاغتم الناس فقال رسول الله ﷺ «أبشروا فمنكم رجل ومن يأجوج ومأجوج ألف رجل» الحديث. قوله : [سورة الحج (٢٢) : الآيات ١ الى ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢) صدر الآية تحذير لجميع العالم ثم أوجب الخبر وأكده بأمر زَلْزَلَةَ القيامة وهي إحدى شرائطها وسماها «شيئا» إما لأنها حاصلة متيقن وقوعها فيستسهل لذلك أن تسمى شيئا. وهي معدومة إذ اليقين بها يشبهها بالموجودات وأما على المآل أي هي إذا وقعت شيء عظيم فكأنه لم يطلق الاسم الآن بل المعنى أنها إذا كانت فهي حينئذ شيء عظيم، والزلزلة التحريك العنيف وذلك مع نفخة الفزع ومع نفخة الصعق حسبما تضمن حديث أبي هريرة من ثلاث نفخات ومن لفظ الزلزلة قول الشاعر: [الخفيف] يعرف الجاهل المضلل أن ... الدهر فيه النكراء والزلزال

стр. 1775

فيحتمل أن تكون «الزلزلة» في الآية عبارة عن أهوال يوم القيامة كما قال تعالى مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا [البقرة: ٢١٤] وكما قال ﵇ «اللهم اهزمهم وزلزلهم» ، والجمهور على أن زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ هي كالمعهودة في الدنيا إلا أنها في غاية الشدة، واختلف المفسرون في «الزلزلة» المذكورة هل هي في الدنيا على القوم الذين تقوم عليهم القيامة، أم هي في يوم القيامة على جميع العالم؟ فقال الجمهور هي في الدنيا والضمير في تَرَوْنَها عائد عندهم على الزلزلة وقوى قولهم إن الرضاع والحمل إنما هو في الدنيا، وقالت فرقة «الزلزلة» في القيامة واحتجت بحديث أنس المذكور آنفا إذ قرأ رسول الله ﷺ الآية ثم قال «إنه اليوم الذي يقول الله تعالى فيه لآدم أخرج بعث النار» . ع وهذا الحديث لا حجة فيه لأنه يحتمل أن النبي ﷺ قرأ الآية المتضمنة ابتداء أمر الساعة ثم قصد في تذكيره وتخويفه إلى فصل من فصول يوم القيامة فنص ذكره وهذا من الفصاحة، والضمير عند هذه الفرقة عائد على السَّاعَةِ أي يوم يرون ابتداءها في الدنيا، فيصح لهم بهذا التأويل أن لا يلزمهم وجود الرضاع والحمل في يوم القيامة ولو أعادوه على الزلزلة فسد قولهم بما يلزمهم، على أن النقاش ذكر أن المراد ب كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ من مات من الإناث وولدها في جوفها. ع وهذا ضعيف و «الذهول» الغفلة عن الشيء بطريان ما يشغل عنه من هم أو وجع أو غيره وقال ابن زيد المعنى تترك ولدها للكرب الذي نزل بها، وقرأ ابن أبي عبلة «تذهل» بضم التاء وكسر الهاء ونصب «كلّ» وألحق الهاء في «مرضع» لأنه أراد فاعلات ذلك في ذلك اليوم فأجراه على الفعل وأما إذا أخبرت عن المرأة بأن لها طفلا ترضعه فإنما تقول مرضع مثل حامل قال علي بن سليمان هذه الهاء في مُرْضِعَةٍ ترد على الكوفيين قولهم إن الهاء لا تكون فيما لا تلبس له بالرجال، وحكى الطبري أن بعض نحويي الكوفة قال أم الصبي مرضعة، وَتَرَى النَّاسَ سُكارى تشبيه لهم، أي من الهم، ثم نفى عنهم السكر الحقيقي الذي هو من الخمر قاله الحسن وغيره، وقرأ جمهور القراء «سكارى» بضم السين وثبوت الألف وكذلك في الثاني وهذا هو الباب فمرة جعله سيبويه جمعا ومرة جعله اسم جمع، وقرأ أبو هريرة بفتح السين فيهما وهذا أيضا قد يجيء في هذه الجموع قال أبو الفتح هو تكسير، وقال أبو حاتم هي لغة تميم، وقرأ حمزة والكسائي «سكرى» في الموضعين، ورواه عمران بن حصين وأبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ ، وهي قراءة ابن مسعود وحذيفة وأصحاب عبد الله، قال سيبويه وقوم يقولون «سكرى» جعلوه مثل مرضى لأنهما شيئان يدخلان على الإنسان، ثم جعلوا روبى مثل سكرى وهم المستثقلون نوما من شرب الرائب، قال أبو علي ويصح أن يكون «سكرى» جمع سكر كزمن وزمنى وقد حكى سيبويه رجل سكر بمعنى سكران فتجيء «سكرى» حينئذ لتأنيث الجمع كالعلامة في طائفة لتأنيث الجمع، وقرأ سعيد بن جبير «وترى الناس سكرى وما هم بسكارى» بالضم والألف، وحكى المهدوي عن الحسن أنه قرأ الناس «سكارى وما هم بسكرى» ، وقرأ الحسن والأعرج وأبو زرعة بن عمرو بن جرير في الموضعين «سكرى» بضم السين، قال أبو الفتح هو اسم مفرد كالبشرى وبهذا أفتاني أبو علي وقد سألته عن هذا، وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جرير وأبو هريرة وأبو نهيك «وترى» بضم التاء «الناس» بالنصب قال وإنما هي محسبة، ورويت هذه القراءة «ترى الناس» بضم التاء والسين أي ترى جماعة الناس.

стр. 1776

قوله : [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٣ الى ٥] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤) يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ الآية، قال ابن جريح نزلت في النضر بن الحارث وأبي بن خلف وقيل في أبي جهل بن هشام ثم هي بعد تتناول كل من اتصف بهذه الصفة، و «المجادلة» المحاجة والموادة مؤخوذة من الجدل وهو الفتل والمعنى في قدرة الله تعالى وصفاته، وكان سبب الآية كلام من ذكر وغيرهم في أن الله تعالى لا يبعث الموتى ولا يقيم الأجساد من القبور، و «الشيطان» هنا هو مغويهم من الجن ويحتمل أن يكون الشيطان من الإنس والإنحاء على متبعيه، و «المريد» المتجرد من الخير للشر ومنه الأمرد، وشجرة مردى أي عارية من الورق، وصرح ممرد أي مملس من زجاج، وصخرة مرداء أي ملساء. والضمير في عَلَيْهِ عائد على الشيطان قاله قتادة ويحتمل أن يعود على المجادل وأَنَّهُ في موضع رفع على المفعول الذي لم يسم فاعله وأَنَّهُ الثانية عطف على الأولى مؤكدة مثلها وقيل هي مكررة للتأكيد فقط وهذا معترض بأن الشيء لا يؤكد إلا بعد تمامه وتمام «أن» الأولى إنما هو بصلتها في قوله السَّعِيرِ وكذلك لا يعطف ولسيبويه في مثل هذا أَنَّهُ بدل، وقيل أَنَّهُ خبر ابتداء محذوف تقديره فشأنه أنه يضله وقدره أبو علي فله أن يضله. قال القاضي أبو محمد: ويظهر لي أن الضمير في أَنَّهُ الأولى للشيطان وفي الثانية لمن الذي هو المتولي، وقوله وَيَهْدِيهِ بمعنى يدله على طريق ذلك وليست بمعنى الإرشاد على الإطلاق، وقرأ أبو عمرو «إنه من تولاه فإنه يضله» بالكسر فيهما، وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ الآية هذا احتجاج على العالم بالبداءة الأولى وضرب الله تعالى في هذه الآية مثلين إذا اعتبرهما الناظر جوز في العقل البعثة من القبور، ثم ورد خبر الشرع بوجوب ذلك ووقوعه، و «الريب» الشك، وقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ شرط مضمنه التوفيق، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «البعث» بفتح العين وهي لغة في البعث عند البصريين وهي عند الكوفيين تخفيف بعث وقوله تعالى: فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ يريد آدم ثم سلط الفعل عليهم من حيث هم من ذريته، وقوله تعالى: ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ يريد المني الذي يكون من البشر، و «النطفة» تقع على قليل الماء وكثيره، وقال النقاش المراد نُطْفَةٍ آدم، وقوله تعالى: ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ، يريد من الدم تعود النطفة إليه في الرحم أو المقارن للنطفة، والعلق، الدم العبيط وقيل العلق، الشديد الحمرة فسمي الدم لذلك، وقوله تعالى: ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ يريد بضعة لحم على قدر ما يمضغ، وقوله

стр. 1777

تعالى: مُخَلَّقَةٍ معناه متممة البنية، وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ غير متممة أي التي تستسقط قاله مجاهد وقتادة والشعبي وأبو العالية فاللفظة بناء مبالغة من خلق ولما كان الإنسان فيه أعضاء متباينة وكل واحد منها مختص بخلق حسن في جملته تضعيف الفعل لأن فيه خلقا كثيرة، وقرأ ابن أبي عبلة «مخلقة» بالنصب «وغير» بالنصب في الراء ويتصل بهذا الموضوع من الفقه أن العلماء اختلفوا في أم الولد إذا أسقطت مضغة لم تصور هل تكون أم ولد بذلك فقال مالك والأوزاعي وغيرهما: هي أم ولد بالمضغة إذا علم أنها مضغة الولد، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا حتى يتبين فيه خلق ولو عضو واحد، وقوله تعالى: لِنُبَيِّنَ قالت فرقة معناه لنبين أمر البعث فهو اعتراض بين الكلامين، وقرأت هذه الفرقة بالرفع في «نقرّ» ، المعنى ونحن نقر وهي قراءة الجمهور، وقالت فرقة لِنُبَيِّنَ معناه بكون المضغة غير مخلقة وطرح النساء إياها كذلك نبين للناس أن المناقل في الرحم هي هكذا، وقرأت هذه الفرقة «ونقرّ» بالنصب وكذلك قرأت «ونخرجكم» بالنصب وهي رواية المفضل عن عاصم، وحكى أبو عمرو الداني أن رواية المفضل هذه هي بالياء في «يقر» وفي «يخرجكم» والرفع على هذا التأويل سائغ ولا يجوز النصب على التأويل الأول، وقرأ ابن وثاب «ما نشاء» بكسر النون، و «الأجل المسمى» هو مختلف بحسب جنين جنين فثم من يسقط وثم من يكمل أمره ويخرج حيا، وقوله تعالى: طِفْلًا اسم الجنس أي أطفالا، واختلف الناس في «الأشد» من ثمانية عشر إلى ثلاثين، إلى اثنين وثلاثين، إلى ستة وثلاثين، إلى أربعين، إلى خمسة وأربعين، واللفظ تقال باشتراك، فأشد الإنسان على العموم غير أشد اليتيم الذي هو الاحتلام، و «الأشد» في هذه الآية يحتمل المعنيين، والرد إلى أرذل العمر هو حصول الإنسان في زمانة واختلال قوة حتى لا يقدر على إقامة الطاعات واختلال عقل حتى لا يقدر على إقامة ما يلزمه من المعتقدات، وهذا أبدا يلحق مع الكبر وقد يكون أَرْذَلِ الْعُمُرِ في قليل من السن بحسب شخص ما لحقته زمانة وقد ذكر عن علي بن أبي طالب ﵁ أَرْذَلِ الْعُمُرِ خمسة وسبعون سنة وهذا فيه نظر وإن صح عن علي ﵁ فلا يتوجه إلا أن يريد على الأكثر فقد نرى كثيرا أبناء ثمانين سنة ليسوا في أرذل العمر، وقرأ الجمهور «العمر» مشبعة وقرأ نافع «العمر» مخففة الميم واختلف عنه، قوله تعالى: لِكَيْلا يَعْلَمَ أي لينسى معارفه وعلمه الذي كان معه فلا يعلم من ذلك شيئا فهذا مثال واحد يقضي للمعتبر به أن القادر على هذه المناقل المتقن لها قادر على إعادة تلك الأجساد التي أوجدها بهذه المناقل إلى حالها الأولى. قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ ...

стр. 1778

هذا هو المثال الذي يعطي للمعتبر فيه جواز بعث الأجساد وذلك أن إحياء الأرض بعد موتها بين فكذلك الأجساد، وهامِدَةً معناه ساكنة دارسة بالية ومنه قيل همد الثوب إذا بلي، قال الأعشى: [الكامل] قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا ... وأرى ثيابك باليات همدا واهتزاز الأرض هو حركتها بالنبات وغير ذلك مما يعتريها بالماء، وَرَبَتْ معناه نشزت وارتفعت ومنه الربوة وهو المكان المرتفع، وقرأ جعفر بن القعقاع «وربأت» بالهمز، ورويت عن أبي عمرو وقرأها عبد الله بن جعفر وخالد بن إلياس وهي غير وجيهة ووجهها أن تكون من ربأت القوم إذا علوت شرفا من الأرض طليعة فكأن الأرض بالماء تتطاول وتعلو، و «الزوج» النوع، و «البهيج» فعيل من البهجة وهي الحسن قاله قتادة وغيره. قوله : [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٦ الى ١٠] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٠) قوله تعالى: ذلِكَ إشارة إلى كون ما تقدم ذكر ف ذلِكَ ابتداء، وخبره بِأَنَّ أي هو بِأَنَّ اللَّهَ تعالى «حق» محيي قادر وقوله وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ ليس بسبب لما ذكر لكن المعنى أن الأمر مرتبط بعضه ببعض أو على تقدير: والأمر أن الساعة، وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ الآية، الإشارة بقوله وَمِنَ النَّاسِ إلى القوم المتقدم ذكرهم، وحكى النقاش عن محمد بن كعب أنه قال نزلت الآية في الأخنس بن شريق وكرر هذه على جهة التوبيخ فكأنه يقول فهذه الأمثال في غاية الوضوح والبيان وَمِنَ النَّاسِ مع ذلك مَنْ يُجادِلُ فكأن الواو واو الحال والآية المتقدمة الواو فيها واو عطف جملة الكلام على ما قبلها، والآية على معنى الإخبار وهي هاهنا مكررة للتوبيخ، وثانِيَ حال من ضمير في يُجادِلُ ولا يجوز أن تكون من مِنَ لأنها ابتداء والابتداء إنما عمله الرفع لا النصب وإضافة ثانِيَ غير معتد بها لأنها في معنى الانفصال إذ تقديرها ثانيا عطفه، وقوله ثانِيَ عِطْفِهِ عبارة عن المتكبر المعرض قاله ابن عباس وغيره، ع: وذلك أن صاحب الكبر يرد وجهه عما يتكبر عنه فهو يرد وجهه يصعر خده ويولي صفحته ويلوي عنقه ويثني عطفه وهذه هي عبارات المفسرين، والعطف الجانب وقرأ الحسن «عطفه» بفتح العين والعطف السيف لأن صاحبه يتعطفه أي يصله بجنبه، وقرأ الجمهور «ليضل» بضم الياء، وقرأ مجاهد وأهل مكة بفتح الياء، وكذلك قرأ أبو عمرو، و «الخزي» الذي توعد به النضر بن الحارث في أسره يوم بدر وقتله بالصفراء، و «الحريق» طبقة من طبقات جهنم، وقوله تعالى: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ بمعنى يقال له ونسب التقديم إلى اليدين إذ هما آلتا الاكتساب واختلف في الوقف على قوله يَداكَ فقيل لا يجوز لأن التقدير: وبأن الله أي وَأَنَّ اللَّهَ هو العدل فيك بجرائمك وقيل يجوز بمعنى والأمر أن الله تعالى لَيْسَ بِظَلَّامٍ و «العبيد» هنا ذكروا في معنى مكسنتهم وقلة قدرتهم فلذلك جاءت هذه الصيغة. قوله : [سورة الحج (٢٢) : الآيات ١١ الى ١٣] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)

стр. 1779

هذه الآية نزلت في أعراب وقوم لا يقين لهم كان أحدهم إذا أسلم فاتفق له اتفاقات حسان من نمو ماله وولد ذكر يرزقه وغير ذلك قال هذا دين جيد وتمسك به لهذه المعاني، وإن كان الأمر بخلاف، تشاءم به وارتد كما صنع العرنيون وغيرهم، قال هذا المعنى ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم، وقوله تعالى: عَلى حَرْفٍ معناه على انحراف منه عن العقيدة البيضاء أو على شفى منها معدى للزهوق، و «الفتنة» : الاختبار، وقوله تعالى: انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ عبارة للمولي عن الأمور وخسارته الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ، أما الدُّنْيا فبالمقادير التي جرت عليه، وأما الْآخِرَةَ فبارتداده وسوء معتقده، وقرأ مجاهد وحميد والأعرج «خاسرا الدنيا والآخرة» نصبا على الحال، وقوله تعالى: ما لا يَضُرُّهُ يريد الأوثان، ومعنى يَدْعُوا يعبد، ويدعو أيضا في ملماته، واختلف الناس في قوله تعالى: يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ فقالت فرقة من الكوفيين اللام مقدمة على موضعها وإنما التقدير «يدعو من لضره» ، ويؤيد هذا التأويل أن عبد الله بن مسعود قرأ «يدعو من ضره» ، وقال الأخفش يَدْعُوا يمعنى يقول، و «من» مبتدأ وضَرُّهُ مبتدأ، وأَقْرَبُ خبره، والجملة صلة، وخبر مِنْ محذوف والتقدير يقول لمن ضره أقرب منه نفعه إله وشبه هذا، يقول عنترة: «يدعون عنتر والرماح كأنها» ع وهذا القول فيه نظر فتأمل إفساده للمعنى إذ لم يعتقد الكافر قط أن ضر الأوثان أقرب من نفعها واعتذار أبي علي هنا مموه، وأيضا فهو لا يشبه البيت الذي استشهد به، وقيل المعنى في يَدْعُوا يسمى، وهذا كالقول الذي قبله، إلا أن المحذوف آخرا مفعول تقديره إلها، وقال الزجاج يجوز أن يكون يَدْعُوا في موضع الحال وفيه هاء محذوفة والتقدير ذلك هو الضلال البعيد يدعو أو يدعوه، فيوقف على هذا، قال أبو علي ويحسن أن يكون ذلك بمعنى الذي، أي الذي هو الضلال البعيد يدعو أو يدعوه، فيوقف على هذا، قال أبو علي ويحسن أن يكون ذلك بمعنى الذي، أي الذي هو الضلال البعيد يدعو أو يدعوه، فيوقف على هذا، قال أبو علي ويحسن أن يكون ذلك بمعنى الذي، أي الذي هو الضلال البعيد يَدْعُوا فيكون قوله ذلك موصولا بقوله ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ويكون يَدْعُوا عاملا في قوله ذلِكَ ع كون ذلِكَ بمعنى الذي غير سهل وشبهه المهدوي بقوله تعالى: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى [طه: ١٧] وقد يظهر في الآية أن يكون قوله يَدْعُوا متصلا بما قبله، ويكون فيه معنى التوبيخ كأنه قال يَدْعُوا من لا يضر ولا ينفع. ثم كرر يَدْعُوا على جهة التوبيخ غير معدى إذ عدي أول الكلام ثم ابتدأ الإخبار بقوله لَمَنْ ضَرُّهُ واللام مؤذنة بمجيء القسم والثانية التي في لَبِئْسَ لام القسم وإن كان أبو علي مال إلى أنها لام الابتداء والثانية لام اليمين، ويظهر أيضا في الآية أن يكون المراد يدعو من ضره ثم علق الفعل باللام وصح أن يقدر هذا الفعل من الأفعال التي تعلق وهي أفعال النفس كظننت وخشيت، وأشار أبو علي إلى هذا ورد عليه، والْعَشِيرُ القريب المعاشر في الأمور، وذهب الطبري إلى أن المراد بالمولى والعشير هو الإنسان الذي يعبد الله على حرف ويدعو الأصنام، والظاهر أن المراد ب الْمَوْلى والْعَشِيرُ هو الوثن الذي ضره أقرب من نفعه، وهو قول مجاهد والله أعلم.

стр. 1780

قوله : [سورة الحج (٢٢) : الآيات ١٤ الى ١٧] إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (١٤) مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) لما ذكر ﵎ حالة من يعبده عَلى حَرْفٍ [الحج: ١١] وسفه رأيهم وتوعدهم بخسارة الآخرة عقب ذلك بذكر مخالفيهم من أهل الإيمان وذكر ما وعدهم به من إدخاله إياهم الجنة، ثم أخذت الآية في توبيخ أولئك الأولين وإسلامهم إلى رأيهم وإحالتهم على ما فيه عنتهم وليس فيه راحتهم كأنه يقول هؤلاء العابدون على حرف صحبهم القلق وظنوا أن الله ﵎ لن ينصر محمدا وأتباعه ونحن إنما أمرناهم بالصبر وانتظار وعدنا فمن ظن غير ذلك، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ وليختنق ولينظر هل يذهب بذلك غيظه، قال هذا المعنى قتادة وهذا على جهة المثل السائر قولهم دونك الحبل فاختنق، يقال ذلك للذي يريد من الأمر ما لا يمكنه، و «السبب» الحبل، و «النصر» معروف، إلا أن أبا عبيدة ذهب به إلى معنى الرزق كما قالوا أرض منصورة أي ممطورة وكما قال الشاعر: [الطويل] وإنك لا تعطي امرأ فوق حقه ... ولا تملك الشق الذي الغيث ناصره وقال: وقف بنا سائل من بني أبي بكر فقال من ينصرني ينصره الله، والسَّماءِ على هذه الأقوال الهواء علوا فكأنه أراد سقفا أو شجرة أو نحوه وقال ابن زيد السَّماءِ هي المعروفة، وذهب إلى معنى آخر كأنه قيل لمن يظن أن الله تعالى لا ينصر محمدا إن كانت تظن ذلك فامدد بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ واقطعه إن كنت تقدر على ذلك فإن عجزت فكذلك لا تقدر على قطع سبب محمد ﷺ إذ نصرته من هنالك والوحي الذي يأتيه. قال القاضي أبو محمد: و «القطع» على هذا التأويل ليس بالاختناق بل هو جزم السبب، وفي مصحف ابن مسعود «ثم ليقطعه» بهاء، والجمهور على أن القطع هنا هو الاختناق، وقال الخليل: وقطع الرجل إذا اختنق بحبل أو نحوه ثم ذكر الآية، وتحتمل الآية معنى آخر وهو أن يراد به الكفار وكل من يغتاظ بأن ينصره الله ويطمع أن لا ينصر قيل له من ظن أن هذا لا ينصر فليمت كمدا هو منصور لا محالة فليختنق هذا الظان غيظا وكمدا ويؤيد هذا أن الطبري والنقاش قالا: ويقال نزلت في نفر من بني أسد وغطفان قالوا نخاف أن ينصر محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من يهود من المنافع، والمعنى الأول الذي قيل فيه للعابدين عَلى حَرْفٍ [الحج: ١١] ليس بهذا ولكنه بمعنى من قلق واستبطأ النصر وظن أن محمدا لا ينصر فليختنق سفاهة إذ تعدى الأمر الذي حد له في الصبر وانتظار صنع الله، وقال مجاهد: الضمير في

стр. 1781

يَنْصُرَهُ عائد على مَنْ والمعنى من كان من المتقلقين من المؤمنين. ع والضمير في التأويل الذي ذكرناه في أن يراد الكفار لا يعود إلا على النبي ﷺ فقط، وقالت فرقة: الضمير عائد على الدين والقرآن، وقرأ أبو عمرو وابن عامر «ليقطع فلينظر» بكسر اللام فيهما على الأصل وهي قراءة الجمهور، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بسكون اللام فيهما في لام الأمر في كل القرآن مع الواو والفاء و «ثم» ، واختلف عن نافع وهي قراءة الحسن وأبي عمرو وعيسى، ع أما الواو والفاء إذا دخلا على الأمر فحكى سيبويه أنهم يرونها كأنها من الكلمة، فسكون اللام تخفيف وهو أفصح من تحريكها، وأما «ثم» فهي كلمة مستقلة فالوجه تحريك اللام بعدها ع وقد رأى بعض النحويين الميم من «ثم» بمنزلة الواو والفاء، وقوله تعالى: ما يَغِيظُ يحتمل أن تكون ما بمعنى الذي، وفي يَغِيظُ عائد عليها، ويحتمل أن تكون مصدرية حرفا فلا عائد عليها، و «الكيد» هو مده السبب ع وأبين وجوه هذه الآية أن تكون مثلا ويكون «النصر» المعروف و «القطع» الاختناق والسَّماءِ الارتفاع في الهواء بسقف أو شجرة ونحوه فتأمله، وقوله تعالى: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ إلى شَهِيدٌ المعنى وكما وعدنا بالنصر وأمرنا بالصبر كذلك أنزلنا القرآن آية بينة لمن نظر واهتدى لا ليقترح معها ويستعجل القدر، وقال الطبري: المعنى وكما بينت حجتي على من جحد قدرتي على إحياء الموتى كَذلِكَ أَنْزَلْناهُ والضمير في أَنْزَلْناهُ عائد على القرآن، وجاءت هذه الضمائر هكذا وإن لم يتقدم ذكر لشهرة المشار إليه نحو قوله تعالى: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: ٣٢] وغيره، وقوله تعالى: وَأَنَّ في موضع خير الابتداء والتقدير والأمر أن الله يهدي من يريد، وهداية الله تعالى هي خلقه الرشاد والإيمان في نفس الإنسان، ثم أخبر الله تعالى عن فعله بالفرق المذكورين وهم المؤمنون بمحمد ﵇ وغيره، واليهود والصابئون وهم قوم يعبدون الملائكة ويستقبلون القبلة ويوحدون الله ويقرؤون الزبور قاله قتادة وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وهم عبدة النار والشمس والقمر، والمشركون وهم عبدة الأوثان، قال قتادة الأديان ستة، خمسة للشيطان وواحد للرحمن وخبر إِنَّ قوله تعالى الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ، ثم دخلت إِنَّ على الخبر مؤكدة وحسن ذلك لطول الكلام فهي وما بعدها خبر إِنَّ الأولى، وقرن الزجاج هذه الآية. بقول الشاعر: [البسيط] إن الخليفة إن الله سربله ... سربال ملك به ترجى الخواتيم نقله من الطبري ع وليس هذا البيت كالآية لأن الخبر في البيت في قوله ترجى الخواتيم وإن الثانية وجملتها معترضة بين الكلامين، ثم تم الكلام كله في قوله تعالى: الْقِيامَةِ واستأنف الخبر عن إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ عالم به وهذا خبر مستأنف للفصل بين الفرق وفصل الله تعالى بين هذه الفرق هو إدخال المؤمنين الجنة والكافرين النار. قوله :

стр. 1782

[سورة الحج (٢٢) : الآيات ١٨ الى ٢٢] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨) هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢) أَلَمْ تَرَ تنبيه من رؤية القلب، وهذه آية إعلام بتسليم المخلوقات جمع لله وخضوعها، وذكر في الآية كل ما عبد الناس إذ في المخلوقات أعظم مما قد ذكر كالرياح والهواء ف مَنْ فِي السَّماواتِ الملائكة، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ من عبد من البشر، وَالشَّمْسُ كانت تعبدها حمير وهم قوم بلقيس، والقمر كانت كنانة تعبده قاله ابن عباس، وكانت تميم تعبد الدبران، وكانت لخم تعبد المشتري، وكانت طيّىء تعبد الثريا وكانت قريش تعبد الشعرى، وكانت أسد تعبد عطارد، وكانت ربيعة تعبد المرزم، وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ منها النار وأصنام الحجارة والخشب، وَالدَّوَابُّ فيها البقر وغير ذلك مما عبد من الحيوان كالديك ونحوه، و «السجود» في هذه الآية هو بالخضوع والانقياد للأمر كما قال الشاعر «ترى الأكم فيه سجدا للحوافر» . وهذا مما يتعذر فيه السجود المتعارف، وقال مجاهد: سجود هذه الأشياء هو بظلالها، وقال بعضهم سجودها هو بظهور الصنعة فيها. ع: وهذا وهم وإنما خلط هذه الآية بآية التسبيح وهناك يحتمل أن يقال هي بآثار الصنعة، وقوله تعالى: وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ يحتمل أن يكون معطوفا على ما تقدم، أي وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ يسجد، أي كراهية وعلى رغمه إما بظله وإما بخضوعه عند المكاره ونحو ذلك، قاله مجاهد، وقال: سجوده بظله ويحتمل أن يكون رفعا بالابتداء مقطوعا مما قبله وكأن الجملة معادلة لقوله وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لأن المعنى أنهم مرحومون بسجودهم ويؤيد هذا قوله تعالى بعد ذلك وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ الآية وقرأ جمهور الناس «من مكرم» بكسر الراء، وقرأ ابن أبي عبلة بفتح الراء على معنى من موضع كرامة أو على أنه مصدر كمدخل، وقرأ الجمهور «والدوابّ» مشددة الباء، وقرأ الزهري وحده بتخفيف الباء وهي قليلة ضعيفة وهي تخفيف على غير قياس كما قالوا ظلت وأحست وكما قال علقمة: [البسيط] كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم أراد بسبائب الكتان وأنشد أبو علي في مثله: [الكامل] حتى إذا ما لم أجد غير الشر ... كنت امرأ من مالك بن جعفر وهذا باب إنما يستعمل في الشعر فلذلك ضعفت هذه القراءة وقوله تعالى: هذانِ خَصْمانِ الآية، اختلف الناس في المشار إليه بقوله هذانِ فقال قيس بن عباد وهلال بن يساف: نزلت هذه الآية في المتبارزين يوم بدر وهم ستة: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، برزوا لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: أنا أول من يجثو يوم القيامة للخصومة بين يدي الله تعالى، وأقسم أبو ذر على هذا القول ع ووقع أن الآية فيهم في صحيح البخاري، وقال ابن عباس: الإشارة

стр. 1783

إلى المؤمنين وأهل الكتاب وذلك أنه وقع بينهم تخاصم فقالت اليهود نحن أقوم دينا منكم ونحو هذا، فنزلت الآية، وقال عكرمة: المخاصمة بين الجنة والنار، وقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح والحسن بن أبي الحسن وعاصم والكلبي: الإشارة إلى المؤمنين والكفار على العموم ع وهذا قول تعضده الآية، وذلك أنه تقدم قوله وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ المعنى هم مؤمنون ساجدون، ثم قال وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ ثم أشار إلى هذين الصنفين بقوله هذانِ خَصْمانِ والمعنى أن الإيمان وأهله والكفر وأهله خصمان مذ كانا إلى قيام الساعة بالعداوة والجدال والحرب، وقوله تعالى: خَصْمانِ يريد طائفتين لأن لفظة خصم هي مصدر يوصف به الجمع والواحد ويدل على أنه أراد الجمع قوله اخْتَصَمُوا فإنها قراءة الجمهور، وقرأ ابن أبي عبلة «اختصما في ربهم» وقوله فِي رَبِّهِمْ معناه في شأن ربهم وصفاته وتوحيده، ويحتمل أن يريد في رضاء ربهم وفي ذاته، ثم بين حكمي الفريقين فتوعد تعالى الكفار بعذاب جهنم، وقُطِّعَتْ معناه جعلت لهم بتقدير، كما يفصل الثوب، وروي أنها من نحاس وقيل ليس شيء من الحجارة والفلز أحر منه إذا حمي، وروي في صب الْحَمِيمُ وهو الماء المغلي أنه تضرب رؤوسهم ب «المقامع» فتنكشف أدمغتهم فيصب الْحَمِيمُ حينئذ، وقيل بل يصب الحميم أولا فيفعل ما وصف، ثم تضرب ب «المقامع» بعد ذلك، والْحَمِيمُ الماء المغلي، ويُصْهَرُ معناه يذاب، وقيل معناه يعصر وهذه العبارة قلقة، وقيل معناه ينضج ومنه قول الشاعر «تصهره الشمس ولا ينصهر» وإنما يشبه فيمن قال يعصر. أنه أراد الحميم يهبط كل ما يلقى في الجوف ويكشطه ويسلته، وقد روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه يسلته ويبلغ به قدميه ويذيبه، ثم يعاد كما كان، وقرأ الجمهور «يصهر» وقرأت فرقة «يصهّر» بفتح الضاد وشد الهاء، و «المقمعة» بكسر الميم مقرعة من حديد يقمع بها المضروب، وقوله: أَرادُوا روي فيه أن لهب النار إذا ارتفع رفعهم فيصلون إلى أبواب النار فيريدون الخروج فيضربون ب «المقامع» وتردهم الزبانية و «من» في قوله مِنْها الابتداء الغاية، وفي قوله مِنْ غَمٍّ يحتمل أن تكون لبيان الجنس ويحتمل أن تكون لابتداء غاية أيضا وهي بدل من الأولى. وقوله: وَذُوقُوا هنا محذوف تقديره ويقال لهم: ذُوقُوا والْحَرِيقِ فعيل بمعنى مفعل أي محرق، وقرأ الجمهور «هذان» بتخفيض النون، وقرأ ابن كثير وحده «هذانّ» بتشديد النون، وقرأها شبل وهي لغة لبعض العرب في المبهمات، كاللذان، وهذان وقد ذكر ذلك أبو علي. قوله : [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٢٣ الى ٢٥] إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥)

стр. 1784

هذه الآية معادلة لقوله: فَالَّذِينَ كَفَرُوا [الحج: ١٩] وقرأ الجمهور «يحلون» بضم الياء وشد اللام من الحلي، وقرأ ابن عباس «يحلون» بفتح الياء واللام وتخفيفها، يقال حلي الرجل وحليت المرأة إذا صارت ذات حلي وقيل هي من قولهم لم يحل فلان بطائل، ومِنْ في قوله مِنْ أَساوِرَ هي لبيان الجنس ويحتمل أن تكون للتبعيض، و «الأساور» جمع سوار وإسوار بكسر الهمزة، وقيل أَساوِرَ جمع أسورة وأسورة جمع سوار، وقرأ ابن عباس من «أسورة من ذهب» ، و «اللؤلؤ» الجوهر وقيل صغاره وقيل كباره والأشهر أنه اسم للجوهر، وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر «ولؤلؤا» بالنصب عطفا على موضع الأساور لأن التقدير يحلون أساور، وهي قراءة الحسن والجحدري وسلام ويعقوب والأعرج وأبي جعفر وعيسى بن عمر، وحمل أبو الفتح نصبه على إضمار فعل، وقرأ الباقون من السبعة و «لؤلؤ» بالخفض عطفا إما على لفظ الأساور ويكون اللؤلؤ في غير الأساور، وإما على الذهب لأن الأساور أيضا تكون «من ذهب» و «لؤلؤ» قد جمع بعضه إلى بعض، ورويت هذه القراءة عن الحسن بن أبي الحسن وطلحة وابن وثاب والأعمش وأهل مكة، وثبتت في الإمام ألف بعد الواو قاله الجحدري، وقال الأصمعي: ليس فيها ألف، وروى يحيى عن أبي بكر عن عاصم همز الواو الثانية دون الأولى، وروى المعلى بن منصور عن أبي بكر عن عاصم ضد ذلك، قال أبو علي: همزهما وتخفيفهما وهمز إحداهما دون الأخرى جائز كله، وقرأ ابن عباس «ولئلئا» بكسر اللامين، وأخبر عنهم بلباس الحرير لأنها من أكمل حالات الآخرة، وقد روي عن النبي ﷺ «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» ، وقال ابن عباس: لا تشبه أمور الآخرة أمور الدنيا إلا في الأسماء فقط وأما الصفات فمتباينة، والطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ لا إله إلّا الله وما جرى معها من ذكر الله تعالى وتسبيحه وتقديسه وسائر كلام أهل الجنة من محاورة وحديث طيب فإنها لا تسمع فيها لاغية، وصِراطِ الْحَمِيدِ هو طريق الله تعالى الذي دعا عباده إليه، ويحتمل أن يريد ب الْحَمِيدِ نفس الطريق فأضاف إليه على حد إضافته في قوله «دار الآخرة» [الأنعام: ٣٢، يوسف: ١٠٩، النحل: ٣٠] ، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ الآية، قوله وَيَصُدُّونَ تقديره وهم يصدون وبهذا حسن عطف المستقبل على الماضي وقالت فرقة الواو زائدة وَيَصُدُّونَ خبر إِنَّ وهذا مفسد للمعنى المقصود، وإنما الخبر محذوف مقدر عند قوله وَالْبادِ تقديره خسروا أو هلكوا، وجاء يَصُدُّونَ مستقبلا إذ هو فعل يديمونه كما جاء قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ [الرعد: ٢٨] ونحوه، وهذه الآية نزلت عام الحديبية حين صدّ رسول الله ﷺ عن المسجد الحرام وذلك أنه لم يعلم لهم صد قبل ذلك الجمع إلا أن يراد صدهم لأفراد من الناس، فقد وقع ذلك في صدر المبعث، وقالت فرقة الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أرادوا به مكة كلها ع وهذا صحيح لكنه قصد بالذكر المهم المقصود من ذلك، وقرأ جمهور الناس «سواء» بالرفع وهو على الابتداء والْعاكِفُ خبره، وقيل الخبر سَواءً وهو مقدم وهو قول أبي علي والمعنى الذي جعلناه للناس قبلة أو متعبدا، وقرأ حفص عن عاصم «سواء» بالنصب وهي قراءة الأعمش وذلك يحتمل وجهين أحدهما أن يكون مفعولا ثانيا ل «جعل» ويرتفع «العاكف» به لأنه مصدر في معنى مستو أعمل عمل اسم الفاعل، والوجه الثاني أن يكون حالا من الضمير في «جعلنا» وقرأت فرقة «سواء» بالنصب «العاكف» بالخفض عطفا على الناس. والْعاكِفُ، المقيم في البلد، والْبادِ، القادم عليه من غيره، وقرأ

стр. 1785

ابن كثير في الوصل والوقف «البادي» بالياء. ووقف أبو عمرو بغير ياء، ووصل بالياء، وقرأ نافع «الباد» بغير ياء في الوصل والوقف في رواية المسيبي، وأبي بكر وإسماعيل ابني أبي أويس، وروى ورش الوصل بالياء، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بغير ياء وصلا ووقفا، وهي في الإمام بغير ياء، وأجمع الناس على الاستواء في نفس الْمَسْجِدِ الْحَرامِ واختلفوا في مكة، فذهب عمر بن الخطاب وابن عباس ومجاهد وجماعة معهم إلى أن الأمر كذلك في دور مكة وأن القادم له النزول حيث وجد، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أو أبى، وقال: ذلك سفيان الثوري وغيره، وكذلك كان الأمر في الصدر الأول، قال ابن سابط: وكانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة فاتخذ رجل بابا فأنكر عليه عمر وقال: أتغلق بابا في وجه حاج بيت الله؟ فقال: إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة، فتركه فاتخذ الناس الأبواب، وقال جمهور من الأمة منهم مالك: ليست الدور كالمسجد ولأهلها الامتناع بها والاستبداد، وعلى هذا هو العمل اليوم، وهذا الاختلاف الأول متركب على الاختلاف في مكة هل هي عنوة كما روي عن مالك والأوزاعي، أو صلح كما روي عن الشافعي، فمن رآها صلحا فإن الاستواء في المنازل عنده بعيد، ومن رآها عنوة أمكنه أن يقول الاستواء فيها، قرره الأئمة الذين لم يقطعوها أحدا وإنما سكنى من سكن من قبل نفسه. قال القاضي أبو محمد: وظاهر قول النبي ﷺ «وهل ترك لنا عقيل منزلا» ، يقتضي أن لا استواء وأنها متملكة ممنوعة على التأويلين في قوله ﵇ لأنه تؤول بمعنى أنه ورث جميع منازل أبي طالب وغيره، وتؤول بمعنى أنه باع منازل بني هاشم حين هاجروا ومن الحجة لتملك أهلها دورهم أن عمر بن الخطاب ﵁ اشترى من صفوان بن أمية دارا للسجن بأربعة آلاف، ويصح مع ذلك أن يكون الاستواء في وقت الموسم للضرورة والحاجة فيخرج الأمر حينئذ عن الاعتبار بالعنوة والصلح، وقوله تعالى: بِإِلْحادٍ قال أبو عبيدة الباء زائدة ومنه قول الشاعر: بواد يمان ينبت الشت صدره ... وأسفله بالمرخ والشبهان ومنه قول الأعشى: ضمنت برزق عيالنا أرماحنا وهذا كثير ويجوز أن يكون التقدير وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ الناس بِإِلْحادٍ و «الإلحاد» الميل، وهذا الإلحاد والظلم يجمع جميع المعاصي من الكفر إلى الصغائر، فلعظم حرمة المكان توعد الله تعالى على نية السيئة فيه، ومن نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسب بذلك إلا في مكة، هذا قول ابن مسعود وجماعة من الصحابة وغيرهم، وقال ابن عباس: «الإلحاد» في هذه الآية الشرك، وقال أيضا: هو استحلال الحرام وحرمته، وقال مجاهد: هو العمل السيّء فيه، وقال عبد الله بن عمرو: قول لا والله وبلى والله بمكة من الإلحاد، وقال حبيب بن أبي ثابت: الحكرة بمكة من الإلحاد بالظلم. ع. والعموم يأتي على هذا كله، وقرأت فرقة «ومن يرد» من الورود حكاه الفراء، والأول أبين وأعم وأمدح للبقعة، ومَنْ شرط جازمة للفعل وذلك منع من عطفها على الَّذِينَ والله المستعان. قوله :

стр. 1786

[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٢٦ الى ٢٨] وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) المعنى واذكر إِذْ بَوَّأْنا، و «بوأ» هي تعدية باء بالتضعيف، و «باء» معناه رجع فكأن المبوّئ يرد المبوأ إلى المكان، واستعملت اللفظة بمعنى سكن، ومنه قوله تعالى: نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزمر: ٧٤] وقال الشاعر: كم من أخ لي صالح ... بوأته بيديّ لحدا واللام في قوله تعالى: لِإِبْراهِيمَ قالت فرقة هي زائدة، وقالت فرقة بَوَّأْنا نازلة منزلة فعل يتعدى باللام كنحو جعلنا ع والأظهر أن يكون المفعول الأول ب بَوَّأْنا محذوفا تقديره الناس أو العالمين، ثم قال لِإِبْراهِيمَ بمعنى له كانت هذه الكرامة وعلى يديه بوؤا، والْبَيْتِ هو الكعبة، وكان فيما روي قد جعله الله تعالى متعبدا لآدم ﵇، ثم درس بالطوفان، وغيره فلما جاءت مدة إبراهيم أمره الله تعالى ببنائه، فجاء إلى موضعه وجعل يطلب أثرا، فبعث الله ريحا فكشف له عن أساس آدم، فرفع قواعده عليه. وقوله أَنْ لا تُشْرِكْ هي مخاطبة لإبراهيم ﵇، في قول الجمهور حكيت لنا بمعنى قيل له لا تشرك، وقرأ عكرمة «ألا يشرك» بالياء على نقل معنى القول الذي قيل له، قال أبو حاتم: ولا بد من نصب الكاف على هذه القراءة بمعنى لأن لا يشرك ع يحتمل أن تكون «أن» في قراءة الجمهور مفسرة، ويحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة، وفي الآية طعن على من أشرك من قطان البيت، أي هذا كان الشرط على أبيكم فمن بعد، وأنتم لم تفوا بل أشركتم، وقالت فرقة: الخطاب من قوله أَنْ لا تُشْرِكْ لمحمد ﷺ وأمر بتطهير البيت والأذان بالحج ع والجمهور على أن ذلك لإبراهيم وهو الأصح. وتطهير البيت عام في الكفر والبدع وجميع الأنجاس والدماء وغير ذلك، و «القائمون» ، هم المصلون، وذكر تعالى من أركان الصلاة: أعظمها. وهي القيام والركوع والسجود، وقرأ جمهور الناس «وأذّن» بشد الذال، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن محيصن «وآذن» بمدة وتخفيف الذال وتصحف هذا على ابن جني، فإنه حكى عنها «وأذن» فعل ماض وأعرب عن ذلك بأن جعله عطفا على بَوَّأْنا، وروي أن إبراهيم ﵇ لما أمر بالأذان بالحج قال يا رب وإذا ناديت فمن يسمعني؟ فقيل له ناد يا إبراهيم فعليك النداء وعلينا البلاغ فصعد على أبي قبيس وقيل على حجر المقام ونادى: أيها الناس، إن الله قد أمركم بحج هذا البيت فحجوا واختلفت الروايات في ألفاظه ﵇ واللازم أن يكون فيها ذكر البيت والحج، وروي أنه يوم نادى أسمع كل من يحج إلى يوم القيامة في أصلاب الرجال وأجابه كل شيء في ذلك الوقت من جماد وغيره لبيك اللهم لبيك، فجرت التلبية على ذلك، قاله ابن عباس وابن جبير، وقرأ جمهور الناس «بالحج» بفتح الحاء، وقرأ ابن أبي إسحاق في كل القرآن بكسرها، ورِجالًا، جمع راجل كتاجر وتجار، وقرأ عكرمة وابن عباس وأبو مجلز وجعفر بن محمد «رجّالا» بضم الراء وشد الجيم، ككاتب وكتاب، وقرأ عكرمة أيضا وابن أبي إسحاق «رجالا» بضم الراء وتخفيف الجيم، وهو قليل في أبنية

стр. 1787

الجمع ورويت عن مجاهد، وقرأ مجاهد «رجالى» على وزن فعالى فهو كمثل كسالى، و «الضامر» ، قالت فرقة أراد بها الناقة ع وذلك أنه يقال ناقة ضامر. ومنه قول الأعشى: عهدي بها في الحي قد ذرعت ... هيفاء مثل المهرة الضامر فيجيء قوله يَأْتِينَ مستقيما على هذا التأويل، وقالت فرقة «الضامر» هو كل ما اتصف بذلك من جمل أو ناقة وغير ذلك ع وهذا هو الأظهر لكنه يتضمن معنى الجماعات أو الرفاق فيحسن لذلك قوله يَأْتِينَ وقرأ أصحاب ابن مسعود «يأتون» وهي قراءة ابن أبي عبلة والضحاك، وفي تقديم رِجالًا تفضيل للمشاة في الحج، قال ابن عباس: ما آسى على شيء فاتني إلا أن أكون حججت ما شيا فإني سمعت الله تعالى يقول: «يأتونك رجالا» وقال ابن أبي نجيح: حج إبراهيم وإسماعيل ماشيين، واستدل بعض العلماء بسقوط ذكر البحر من هذه الآية على أن فرض الحج بالبحر ساقط ع قال مالك في الموازية: لا أسمع للبحر ذكرا ع وهذا تأسيس لا أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه، وذلك أن مكة ليست في ضفة بحر فيأتيها الناس بالسفن ولا بد لمن ركب البحر أن يصير في إتيان مكة إما راجلا وإما على ضامِرٍ فإنما ذكرت حالتا الوصول، وإسقاط فرض الحج بمجرد البحر ليس بالكثير ولا القوي، فأما إذا اقترن به عدو أو خوف أو هول شديد أو مرض يلحق شخصا ما، فمالك والشافعي وجمهور الناس على سقوط الوجوب بهذه الأعذار، وأنه ليس بسبيل يستطاع، وذكر صاحب الاستظهار في هذا المعنى كلاما ظاهره أن الوجوب لا يسقطه شيء من هذه الأعذار ع وهذا ضعيف و «الفج» الطريق الواسعة، و «العميق» معناه البعيد. وقال الشاعر: [الطويل] إذا الخيل جاءت من فجاج عميقة ... يمد بها في السير أشعث شاحب و «المنافع» في هذه الآية التجارة في قول أكثر المتأولين ابن عباس وغيره، وقال أبو جعفر محمد بن علي: أراد الأجر ومَنافِعَ الآخرة، وقال مجاهد بعموم الوجهين وقوله تعالى: اسْمَ اللَّهِ، يصح أن يريد بالاسم هاهنا المسمى بمعنى ويذكروا الله على تجوز في هذه العبارة إلا أن يقصد ذكر القلوب، ويحتمل أن يريد بالاسم التسميات وذكر الله تعالى إنما هو بذكر أسمائه ثم بذكر القلب السلطان والصفات، وهذا كله على أن يكون الذكر بمعنى حمده وتقديسه شكرا على نعمته في الرزق ويؤيده قوله ﵇ «إنها أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى» ، وذهب قوم إلى أن المراد ذكر اسم الله تعالى على النحر والذبح، وقالوا إن في ذكر «الأيام» دليلا على أن الذبح في الليل لا يجوز، وهو مذهب مالك وأصحاب الرأي، وقال ابن عباس «الأيام المعلومات» هي أيام العشر ويوم النحر وأيام التشريق، وقال ابن سيرين: بل أيام العشر فقط، وقالت فرقة: أيام التشريق، ذكره القتبي، وقالت فرقة فيها مالك وأصحابه: بل المعلومات يوم النحر ويومان بعده وأيام التشريق الثلاثة هي معدودات فيكون يوم النحر معلوما لا معدودا واليومان بعده معلومان معدودان والرابع معدود لا معلوم ع وحمل هؤلاء على هذا التفصيل أنهم أخذوا ذكر اسْمَ اللَّهِ هنا على الذبح للأضاحي والهدي وغيره، فاليوم الرابع لا يضحى فيه عند مالك وجماعة وأخذوا التعجل والتأخر بالنفر في

стр. 1788

الأيام المعدودات فتأمل هذا، يبين لك قصدهم، ويظهر أن تكون المعدودات والمعلومات بمعنى أن تلك الأيام الفاضلة كلها ويبقى أمر الذبح وأمر الاستعجال لا يتعلق بمعدود ولا بمعلوم وتكون فائدة قوله مَعْلُوماتٍ ومَعْدُوداتٍ [البقرة: ١٨٤، آل عمران: ٢٤] التحريض على هذه الأيام وعلى اغتنام فضلها أي ليست كغيرها فكأنه قال: هي مخصوصات فلتغتنم. وقوله، فَكُلُوا ندب، واستحب أهل العلم للرجل أن يأكل من هديه وأضحيته وأن يتصدق بأكثرها مع تجويزهم الصدقة بالكل وأكل الكل، والْبائِسَ الذي قد مسه ضر الفاقة وبؤسها، يقال: بأس الرجل يبؤس وقد يستعمل فيمن نزلت به نازلة دهر وإن لم تكن فقرا، ومنه قوله ﵇، «لكن البائس سعد بن خولة» ، والمراد في هذه الآية أهل الحاجة. قوله : [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٢٩ الى ٣١] ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١) اختلفت القراءة في سكون اللام في قوله تعالى: لْيَقْضُوا وَلْيُوفُوا وَلْيَطَّوَّفُوا وفي تحريك جميع ذلك بالكسر وفي تحريك «ليقضوا» وتسكين الاثنين وقد تقدم في قوله: فَلْيَمْدُدْ [الحج: ١٥، مريم: ٧٥] بسبب توجيه جميع ذلك، و «التفث» ما يصنعه المحرم عند حله من تقصير شعر وحلقه وإزالة شعث ونحوه من إقامة الخمس من الفطرة حسب الحديث وفي ضمن ذلك قضاء جميع مناسكه إذ لا يقضى التفث إلا بعد ذلك، وقرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر «وليوفّوا» بفتح الواو وشد الفاء، ووفى وأوفى لغتان مستعملتان في كتاب الله تعالى، وأوفى أكثر. و «النذور» ما معهم من هدي وغيره، والطواف المذكور في هذه الآية هو طواف الإفاضة الذي هو من واجبات الحج، قال الطبري لا خلاف بين المتأولين في ذلك، قال مالك: هو واجب يرجع تاركه من وطنه إلا أن يطوف طواف وداع فإنه يجزئه منه. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل بحسب الترتيب أن تكون الإشارة إلى طواف الوداع إذ المستحسن أن يكون ولا بد، وقد أسند الطبري عن عمرو بن أبي سلمة قال: سألت زهيرا عن قوله تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ فقال: هو طواف الوداع، وقال مالك في الموطأ واختلف المتألون في وجه صفة البيت ب الْعَتِيقِ، فقال مجاهد والحسن الْعَتِيقِ القديم يقال سيف عتيق وقد عتق الشيء، قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول يعضده النظر إذ هو أول بيت وضع للناس إلا أن ابن الزبير قال: سمي عتيقا لأن الله تعالى أعتقه من الجبابرة بمنعه إياه منهم وروي في هذا حديث عن النبي ﷺ ولا نظر مع الحديث، وقالت فرقة: سمي عتيقا لأنه لم يملك موضعه قط، وقالت فرقة: سمي عتيقا لأن الله تعالى يعتق فيه رقاب المذنبين من العذاب، قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا يرده التصريف، وقيل: سمي عتيقا لأنه أعتق من غرق الطوفان، قاله ابن جبير، ويحتمل أن يكون الْعَتِيقِ صفة مدح تقتضي جودة الشيء كما قال

стр. 1789

عمر بن الخطاب ﵁ «حملت على فرس عتيق» الحديث ونحوه قولهم كلام حر وطين حر، وقوله تعالى: ذلِكَ يحتمل أن يكون في موضع رفع بتقدير فرضكم ذلك أو الواجب ذلك، ويحتمل أن يكون في موضع نصب بتقدير امتثلوا ذلك ونحو هذا الإضمار، وأحسن الأشياء مضمرا أحسنها مظهرا ونحو هذه الإشارة البليغة قول زهير: [البسيط] هذا وليس كمن يعطي بخطته ... وسط الندى إذا ما قائل نطقا والحرمات المقصودة هاهنا في أفعال الحج المشار إليها في قوله ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ويدخل في ذلك تعظيم المواضع، قاله ابن زيد وغيره، ووعد على تعظيمها بعد ذلك تحريضا، وتحريصا، ثم لفظ الآية بعد ذلك يتناول كل حرمة لله تعالى في جميع الشرع. وقوله تعالى: فَهُوَ خَيْرٌ، ظاهره أنها ليست للتفضيل وإنما هي عدة بخير، ويحتمل أن يجعل خَيْرٌ للتفضيل على تجوز في هذا الموضع، وقوله تعالى: أُحِلَّتْ إشارة إلى ما كانت العرب تفعله من تحريم أشياء برأيها كالبحيرة والسائبة فأذهب الله تعالى ذلك وأحل لهم جميع الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عليهم في كتاب الله تعالى. في غير موضع ثم أمرهم باجتناب الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ والكلام يحتمل معنيين أحدهما أن تكون مَنْ لبيان الجنس فيقع نهيه عن رجس الأوثان فيقع نهيها في غير هذا الموضع، والمعنى الثاني أن تكون مَنْ لابتداء الغاية فكأنه نهاهم عن الرجس عاما ثم عين لهم مبدأ الذي منه يلحقهم إذ عبادة الوثن جامعة لكل فساد ورجس، ويظهر أن الإشارة إلى الذبائح التي كانت للأوثان فيكون هذا مما يتلى عليهم، ومن قال مَنْ للتبعيض قلب معنى الآية ويفسده، والمروي عن ابن عباس وابن جريج أن الآية نهي عن عبادة الأوثان، والزُّورِ، عام في الكذب والكفر وذلك أن كل ما عدا الحق فهو كذب وباطل وزور، وقال ابن مسعود وابن جريج: إن رسول الله ﷺ قال: «عدلت شهادة الزور بالشرك» ، وتلا هذه الآية، والزُّورِ مشتق من الزور وهو الميل ومنه في جانب فلان زور ويظهر أن الإشارة في زور أقوالهم في تحريم وتحليل مما كانوا قد شرعوه في الأنعام، وحُنَفاءَ، معناه مستقيمين أو مائلين إلى الحق بحسب أن لفظة الحنف من الأضداد تقع على الاستقامة وتقع على الميل، وحُنَفاءَ نصب على الحال، وقال قوم حُنَفاءَ معناه حجاجا ع وهذا تخصيص لا حجة معه، وغَيْرَ مُشْرِكِينَ، يجوز أن يكون حالا أخرى، ويجوز أن يكون صفة لقول حُنَفاءَ ثم ضرب تعالى مثلا للمشرك بالله أظهره في غاية السقوط وتحمل والانبتات من النجاة بخلاف ما ضرب للمؤمن في قوله فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى [البقرة: ٢٥٦] ومنه قول علي ﵁: إذا حدثتكم عن رسول الله فلأن أخر من السماء إلى الأرض أهون علي من أن أكذب عليه، الحديث. وقرأ نافع وحده «فتخطّفه الطير» بفتح الخاء وشد الطاء على حذف تاء التفعل وقرأ الباقون «فتخطفه» بسكون الخاء وتخفيف الطاء، وقرأ الحسن فيما روي عنه «فتخطّفه» بكسر التاء والخاء وفتح الطاء مشددة، وقرأ أيضا الحسن وأبو رجاء بفتح التاء وكسر الخاء والطاء وشدها، وقرأ الأعمش «من السماء تخطفه» بغير فاء وعلى نحو قراءة الجماعة وعطف المستقبل على الماضي لأنه بتقدير فهو تخطفه الطير، وقرأ أبو جعفر، «الرياح» ، و «السحيق» البعيد ومنه قولهم أسحقه الله ومنه قوله ﵇ «فسحقا فسحقا» ومنه نخلة سحوق للبعيدة في السماء.

стр. 1790

قوله : [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٣٢ الى ٣٥] ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) التقدير في هذا الموضع الأمر ذلك، و «الشعائر» جمع شعيرة وهي كل شيء لله تعالى، فيه أمر أشعر به وأعلم، قالت فرقة: قصد ب «الشعائر» في هذه الآية الهدي والأنعام المشعرة، ومعنى تعظيمها تسميتها والاهتبال بأمرها والمغالاة بها قاله ابن عباس ومجاهد وجماعة، وعود الضمير في «إنها» على التعظمة والفعلة التي يتضمنها الكلام، وقرأ «القلوب» بالرفع على أنها فاعلة بالمصدر الذي هو تَقْوَى، ثم اختلف المتألون في قوله لَكُمْ فِيها مَنافِعُ الآية، فقال مجاهد وقتادة: أراد أن للناس في أنعامهم منافع من الصوف واللبن وغير ذلك ما لم يبعثها ربها هديا فإذا بعثها فهو «الأجل المسمى» ، وقال عطاء بن أبي رباح: أراد في الهدي المبعوث منافع من الركوب والاحتلاب لمن اضطر، و «الأجل» نحرها وتكون ثُمَّ لترتيب الجمل، لأن المحل قبل الأجل ومعنى الكلام عند هاتين الفرقتين ثُمَّ مَحِلُّها إلى موضع النحر فذكر الْبَيْتِ لأنه أشرف الحرم وهو المقصود بالهدي وغيره، وقال ابن زيد وابن عمر والحسن ومالك: «الشعائر» في هذه الآية مواضع الحج كلها ومعالمه بمنى وعرفة والمزدلفة والصفا والمروة والبيت وغير ذلك، وفي الآية التي تأتي أن البدن من الشعائر، و «المنافع» التجارة وطلب الرزق، ويحتمل أن يريد كسب الأجر والمغفرة، وبكل احتمال قالت فرقة و «الأجل» الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة وقوله، مَحِلُّها مأخوذ من إحلال المحرم ومعناه ثم أخر هذا كله إلى طواف الإفاضة ب الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، ف الْبَيْتِ على هذا التأويل مراد بنفسه، قاله مالك في الموطأ، ثم أخبر تعالى أنه جعل لكل أمة من الأمم المؤمنة مَنْسَكاً أي موضع نسك وعبادة وهذا على أن المنسك ظرف كالمذبح ونحوه، ويحتمل أن يريد به المصدر، كأنه قال عبادة ونحو هذا، والناسك العابد، وقال مجاهد: سنة في هراقة دماء الذبائح، وقرأ معظم القراء «منسكا» بفتح السين وهو من نسك ينسك بضم السين في المستقبل، وقرأ حمزة والكسائي «منسكا» بكسر السين قال أبو علي: الفتح أولى لأنه إما المصدر وإما المكان وكلاهما مفتوح والكسر في هذا من الشاذ في اسم المكان أن يكون مفعل من فعل يفعل مثل مسجد من سجد يسجد، ولا يسوغ فيه القياس، ويشبه أن الكسائي سمعه من العرب. وقوله لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ معناه أمرناهم عند ذبائحهم بذكر الله وأن يكون الذبح له لأنه رازق ذلك، ثم رجع اللفظ من الخبر عن الأمم إلى إخبار الحاضرين بما معناه فالإله واحد لجميعكم بالأمر كذلك في الذبيحة إنما ينبغي أن تخلص له، وأَسْلِمُوا معناه لحقه ولوجهه ولإنعامه آمنوا وأسلموا، ويحتمل أن يريد الاستسلام ثم أمر تعالى نبيه ﷺ أن يبشر بشارة على الإطلاق وهي أبلغ من المفسرة لأنها مرسلة مع نهاية التخيل،
следующие страницы →