← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23634

معاني القرآن للفراء

يحيى بن زياد الفراء

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

المحتظَر، وهو كما قَالَ: «إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ «١» الْيَقِينِ» ، والحق هُوَ اليقين، وكما قَالَ: «وَلَدارُ الْآخِرَةِ «٢» خَيْرٌ» فأضاف الدار إلى الآخرة، وهي الآخرة، والهشيم: الشجر إذا يبس. وقوله: نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) . سحر هاهنا يجري لأنَّه نكرة، كقولك: نجيناهم بليلٍ، فإذا ألقت مِنْهُ العرب الباء لم يجروه، فقالوا: فعلت هَذَا سحر يا هَذَا، وكأنهم فِي تركهم إجراءه أنّ كلامهم كَانَ فِيهِ بالألف واللام، فجرى عَلَى ذَلِكَ، فلما حذفت الألف واللام، وفيه نيتهما لم يصرف. كلام العرب أن يقولوا: مازال عندنا هذا السحر، لا يكادون يقولون غيره. وقوله: فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) . كذّبوا بما قَالَ لهم. وقوله: وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) : العرب تجري: غدوة، وبكرة، وَلا تجريهما وأكثر «٣» الكلام فِي غدوة ترك الإجراء وأكثره فِي بكرة أن تُجرَى. قَالَ: سمعت «٤» بعضهم يَقُولُ: أتيته بكرةَ باكرًا، فمن لم يجرها جعلها معرفة لأنها اسم تكون أبدًا فِي وَقت واحد بمنزلة أمسِ وغدٍ، وأكثر ما تجري العرب غدوة إِذَا قرنت «٥» بعشية، فيقولون: إني لآتيك غدوةَ وَعشيةً، وَبعضهم غدوةً وعشيةً، ومنهم من لا يجرى عشية [١٨٨/ ا] لكثرة ما صحبت غدوةَ. وقوله: عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) . يَقُولُ: عذابٌ حق. وقوله: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ (٤٣)

стр. 1052

يقول: أكفاركم يأهل مكَّة خير من هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أصابهم العذاب أم لكم براءة فِي الزبر؟ يَقُولُ: أم عندكم براءة من العذاب، ثُمَّ قَالَ: أم يقولون: أي أيقولون: نَحْنُ جميع كَثِير منتصر، فقال الله: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ» (٤٥) وهذا يوم بدر. وقَالَ: الدبر فوحّد، ولم يقل: الأدبار، وكلّ جائز، صواب أن تَقُولُ: ضربْنا منهم الرءوس والأعين، وضربنا منهم الرأس واليد، وهو كما تَقُولُ: إنه لكثير الدينار والدرهم، تريد الدنانير والدراهم «١» . وقوله: وَالسَّاعَةُ أَدْهى «٢» وَأَمَرُّ (٤٦) . يَقُولُ: أشد «٣» عليهم من عذاب يوم بدر، وَأمرُّ من المرارة. وقوله: يَوْمَ «٤» يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ (٤٨) . وفي قراءة عَبْد اللَّه «يوم يسحبون إلى النار عَلَى وجوههم» . وقوله: ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) . سقر: اسم من أسماء جهنم لا يجري، وكل اسم كان لمؤنث فيه الهاء أو ليس فيه الهاء فهو لا يجري «٥» إلا أسماءً «٦» مخصوصة خفت فأجريت، وترك بعضهم إجراءها، وهي: هند، ودعد، وجُمل، ورئم، تُجري ولا تُجرى. فمن لم يُجرها قَالَ: كل مؤنث فحظه ألا يجري، لان فِيهِ معنى الهاء، وإن لم تظهر ألا ترى أنك إِذَا حقّرتها وصغرتها قلت: هنيدة، ودعيدة، ومن أجراها قَالَ: خفت لسكون الأوسط مِنْها، وأسقطت الهاء، فلم تظهر فخفّفت فجرت. وقوله: وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ (٥٠) . «٧» أي: مرة واحدة «٨» هَذَا للساعة كلمح خطفة.

стр. 1053

وقوله «١» : وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) . يريد: كل صغير من الذنوب أَوْ كبير فهو مكتوب. وقوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) . معناه: أنهار، وهو فِي مذهبه كقوله: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ» (٤٥) . وزعم الكِسَائِيّ أَنَّهُ سَمِعَ العرب يقولون: أتينا فلانًا فكنّا فِي لحمةٍ ونبيذة فوحد «٢» ومعناه الكثير. وَيُقَال: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ» فِي ضياء وسعة، وسمعت بعض العرب ينشد «٣» : إن تك ليليا فإني نَهِرُ ... مَتَى أرى الصبح فلا أنتظرُ «٤» «٥» ومعنى نهر: صاحب نهار «٦» وقد روى «وما أمرنا إلّا وحدة» بالنصب وكأنه أضمر فعلا ينصب بِهِ الواحدة، كما تَقُولُ للرجل: ما أنت إلا ثيابَك مرة، وَدابتك مرة، وَرأسك مرة أي: «٧» تتعاهد ذاك. وقَالَ الكِسَائِيّ: سمعت العرب تَقُولُ: إنَّما العامري عِمَّتَه، أي: ليس يتعاهد من لباسه إلا العمة، قَالَ الفراء: وَلا أشتهي نصبها فى القراءة.

стр. 1054

ومن سورة الرحمن قوله : بِحُسْبانٍ (٥) . حساب ومنازل [١٨٨/ ب] للشمس والقمر لا يعدوانها. وقوله: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ «١» (٦) . النجم: ما نجم مثل: العشب، وَالبقل وشبهه. والشجر: ما قام عَلَى ساق. ثُمَّ قَالَ: يسجدان، وسجودهما: أنهما يستقبلان الشمس إِذَا طلعت، ثُمَّ يميلان معها حتَّى ينكسر الفيء، والعرب إِذَا جمعت الجمعين من غير النَّاس مثل: السدر، والنخل جعلوا فعلهما واحدًا، فيقولون: الشاء والنعم قَدْ أقبل، وَالنخل والسدر قَدِ ارتوى، فهذا أكثر كلامهم، وتثنيته جائزة. قَالَ الكِسَائِيّ: سمعت العرب تَقُولُ: مرت بنا غنمان سودان «٢» وَسود. قَالَ الفراء: وسود أجود من سودان لأنَّه نعت تأتي عَلَى الاثنين، فإذا «٣» كَانَ أحد الاثنين مؤنثًا مثل: الشاء والإبل قَالُوا: الشاء والإبل مقبلة لأن الشاء ذكر، والإبل أنثى، ولو قلت: مقبلان لجاز، ولو قلت: مقبلتان تذهب إلى تأنيث الشاء مَعَ تأنيث الإبل كَانَ صوابًا، إلا أن التوحيد أكثر وأجود. فإذا قلت: هَؤُلَاءِ قومك وإبلهم قَدْ أقبلوا ذهبت بالفعل إلى النَّاس خاصة لأن الفعل لهم، وهم الَّذِينَ يقبلون بالإبل، ولو أردت إقبال هَؤُلَاءِ وهؤلاء لجاز- قَدْ أقبلوا لأن النَّاس إِذَا خالطهم شيء من البهائم، صار فعلهم كفعل النَّاس كما قَالَ: «وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ» «٤» فصارت الناقة بمنزلة الناس.

стр. 1055

ومنه قول اللَّه : «فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ» «١» ، و «مَنْ» إنَّما تكون للناس، فلما فسَّرهم وقد كانوا اجتمعوا فى قوله: «وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ» «٢» فسرهم بتفسير النَّاس. وقوله: وَالسَّماءَ رَفَعَها فوق الأرض وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) . فِي الأرض وهو العدل. وفي قراءة عَبْد اللَّه: وخَفْض الميزان، والخفض والوضع متقاربان فِي المعنى. وقوله: أَلَّا تَطْغَوْا (٨) . وفي قراءة عَبْد اللَّه: لا تطغوا بغير أن فِي الوزن وأقيموا اللسان. وقوله: أَلَّا تَطْغَوْا إن شئت جعلتها مجزومة بنية النهي، وإن شئت جعلتها منصوبة بأن، كما قَالَ اللَّه: «إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ» «٣» وأن تكون- (تطغوا) فِي موضع جزم أحبُّ إليَّ لأن بعدها أمرا. وقوله: وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ (٩) . وقوله: وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) . لجميع الخلق. وقوله: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) . خفضها الْأَعْمَش، ورفعها النَّاس «٤» . فمن خفض أراد: ذو العصف وذو الريحان، ومن رفع الريحان جعله تابعا لذو. و «٥» العصف، فيما ذكروا: بقل الزرع لان العرب تَقُولُ: خرجنا نعصف الزرع إِذَا قطعوا مِنْهُ شيئًا قبل أن يدرك فذلك العصف، والريحان هُوَ رزقه، والحب هُوَ الَّذِي يؤكل مِنْهُ. والريحان فى كلام العرب:

стр. 1056

الرزق، ويقولون: خرجنا نطلب ريحان اللَّه. الرزق عندهم «١» ، وقَالَ بعضهم: ذو العصف المأكول من الحب، والريحان: الصحيح الَّذِي «٢» لم يؤكل. ولو قَرَأَ قارئ: «والحبّ ذا العصف والريحانَ» لكان جائزًا، أي: خَلَقَ ذا وذا، وهي فِي مصاحف أهل الشام: والحبّ ذا «٣» العصف، وَلم نَسْمَع بها قارئا، كما أن فِي بعض مصاحف أهل الكوفة: «والجار ذا القربى» «٤» [١٨٩/ ا] ولم يقرأ بِهِ أحد، وربما كتب الحرف على جهة واحدة، وهو فِي ذَلِكَ يقرأ بالوجوه. وبلغني: إن كتاب عليّ بْن أَبِي طَالِب ﵀ كَانَ مكتوبًا: هَذَا كتاب من عليّ بْن أَبُو طَالِب كتابها: أَبُو. فِي كل الجهات، وهي تعرب فِي الكلام إِذَا قرئت. وقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) . وإنما ذكر فِي أول الكلام: الإِنسان ففي ذَلِكَ وجهان: أحدهما: أن العرب تخاطب الواحد بفعل الاثنين، فيقال: ارحلاها، ازجراها يا غلام. والوجه الآخر: أن الذِّكر أريد فِي الْإِنْسَان والجان، فجرى لهما من أول السُّورة إلى آخرها. وقوله: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) . وهو طين خُلط برمل، فصلصل كما يصلصل الفخار، وَيُقَال: من صلصال منتن يريدون بِهِ: صلّ، فيقال: صلصال كما يُقال: صرّ الباب عند الإغلاق، وصرصر. والعرب تردد اللام فِي التضعيف فيقال: كركرت الرجلَ يريدون: كررْته وكبكبته، «٥» يريدون: كببته «٦» . وسمعت بعض العرب يَقُولُ: أتيت فلانًا فبشبش بي من البشاشة، وإنما فعلوا ذَلِكَ كراهية اجتماع ثلاثة أحرف من جنس واحد.

стр. 1057

وقوله: مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) . والمارج: نار دون الحجاب- فيما ذكر الكلبي- منها «١» هَذِهِ الصواعق، ويُرى جلد السماء منها. وقوله: «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ» (١٧) . اجتمع القراء عَلَى رفعه، ولو خفض يعني فِي الإعراب عَلَى قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا، ربّ المشرقين كَانَ صوابًا. والمشرقان: مشرق الشتاء، ومشرق الصيف، وكذلك المغربان. وقوله: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ (١٩) . يَقُولُ «٢» : أرسلهما ثُمَّ يلتقيان بعد. وقوله: بَيْنَهُما بَرْزَخٌ (٢٠) . حاجز لا يبغيان: لا يبغي العذب عَلَى الملح فيكونا عذبا، ولا يبغي الملح عَلَى العذب فيكونا ملحا وقوله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) . وإنما يخرج من الملح دون العذب. واللؤلؤ: العظام، والمرجان: ما صغر من اللؤلؤ. وقوله: وَلَهُ الْجَوارِ «٣» المنشئآت (٢٤) . قَرَأَ «٤» عاصم ويحيى بْن وَثاب: (المنشِئات) بكسر الشين، يجعلن اللاتي يُقبلن وَيدبرن فِي قراءة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود (الْمُنْشَآتُ) ، وَكذلك قرأها الْحَسَن وأهل الحجاز بفتح الشين يجعلونهن مفعولًا بهن أقبل بهن وأدبر. وقوله: كَالْأَعْلامِ (٢٤) . كالجبال شبه السفينة بالجبل، وكل جبل إذا طال فهو علم.

стр. 1058

وقوله: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ (٢٧) . هَذِهِ، والتي فِي آخرها ذي «١» - كلتاهما فِي قراءة عَبْد اللَّه- ذي- تخفضان «٢» فِي الإعراب لأنهما من صفة ربك ﵎، وهي فِي قراءتنا: «وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ [ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ] «٣» » [ذو] «٤» تكون من صفة وجه ربنا «٥» ﵎. وقوله: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) غير مهموز. قال: وسألت الفراء [١٨٩/ ب] عنْ (شان) فَقَالَ: أَهمِزه فِي كل القرآن إلّا فى سورة الرَّحْمَن، لأنَّه مَعَ آيات غير مهموزات، وشأنه [فِي كل يوم أن يميت ميتًا، ويولد مولودًا، ويغنى ذا، ويفقر ذا فيما لا يحصى من الفعل] «٦» . وقوله: سنفرغ لكم أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) . [حدثنا أبو العباس قال «٧» حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ] حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قال: حدثني أَبُو إسرائيل قَالَ: سمعت طلحة بن مصرّف يقرأ: «سَيَفرغُ لكم» «٨» ويحيى بْن وثاب كذلك والقراء بعد: «سَنَفْرُغُ لَكُمْ «وبعضهم [يقرأ «سيُفرغ لكم» ] «٩» وهذا من اللَّه وعيد لأنَّه لا يشغله شيء عنْ شيء، وأنت قائل للرجل الَّذِي لا شغل لَهُ: قَدْ فرغت لي، قَدْ فرغت لشتمي. أي: قَدْ أخذت فِيهِ، وأقبلت عَلَيْهِ. وقوله: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا (٣٣) ولم يقل: إن استطعتما، ولو كَانَ لكان صوابا، كما قال: (يرسل عليكما) ، ولم يقل:

стр. 1059

عليكم شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران، فثني فِي: عليكما، وفي: تنتصران لِلَّفظ، والجمعُ عَلَى المعنى. والنحاس: يرفع، ولو خفض كَانَ صوابًا يراد: من نار ومن نحاس. والشواظ: النار المحضة. والنحاس: الدخان. أنشدني بعضهم: يضيء كضوء سراج السلي ... ط لم يجعل اللَّه مِنْهُ نحاسا «١» قَالَ الفراء: قَالَ لي أعرابي من بني سليم: السليط: دهن السنام، وليس لَهُ دخان إِذَا استصبح بِهِ. وسمعت أَنَّهُ الخَلّ وهو دهن السمسم. وسمعت أَنَّهُ الزيت. والزيت أصوب فيما أرى. وقرأ الْحَسَن: (شِواظ) بكسر الشين كما يُقال للصوار من البقر صِوار وصُوَار. وقوله: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) أراد بالوردة الفَرس، الوردةُ تكون فِي الربيع وردة إلى الصفرة، فإذا اشتد البرد كانت وردة حمراء، فإذا كَانَ بعد ذَلِكَ كانت وردة إلى الغُبْرة، فشبه تلوّن السماء بتلون الوردة من الخيل، وشبهت الوردة فِي اختلاف ألوانها بالدهن واختلاف ألوانه. وَيُقَال: إن الدهان الأديم «٢» الأحمر. وقوله: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) والمعني: لا يسأل إنس عنْ ذنبه، ولا جان عنْ ذنبه لأنهم يعرفون بسيماهم كما وصف اللَّه: فالكافر «٣» يعرف بسواد وجهه، وزرقة عينه، والمؤمن أغر محجل من أثر وضوئه وقوله: هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه: هَذِهِ جهنم «٤» التي كنتما بها تكذبان، تصليانها لا تموتان فيها ولا تحييان تطوفان. وقوله: يَطُوفُونَ «٥» بَيْنَها (٤٤)

стр. 1060

بين عذاب جهنم وبين الحميم إِذَا عطشوا، والآني: الَّذِي قَدِ انتهت شدّة حره. وقوله: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) ذكر المفسرون: أنهما بستاتان من بساتين الجنة، وَقَدْ يكون فِي العربية: جنة تثنيها العرب فِي أشعارها أنشدني بعضهم: ومَهْمَين قَذَفَين مَرْتَين ... قطعته [بالَأمِّ] لا بالسَّمْتين «١» يريد: مهمها وسمتا واحدا، وأنشدني آخر: يسعى بكيداء ولهذمين ... قَدْ جعل الأرطاة جنتين وذلك أن الشعر لَهُ قواف يقيمها الزيادة والنقصان، فيحتمل ما لا يحتمله الكلام. قَالَ الفراء: الكيداء: القوس، وَيُقَال: لهذِم ولهذَم لغتان، وهو السهم. وقوله: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ (٥٤) الإستبرق: ما غلظ من الديباج، وَقَدْ تكون البطانة: ظهارة، والظهارة بطانة فِي كلام العرب، وذلك أن كل واحد منهما [١٩٠/ ا] قَدْ يكون وجهًا، وَقَدْ تَقُولُ العرب: هَذَا ظهر السماء، وهذا بطن السماء لظاهرها الَّذِي تراه. قَالَ: وأخبرني بعض فصحاء المحدثين عَنِ ابْنِ الزُبَيْر يعيب قتلة عثمان ﵀ فَقَالَ: خرجوا عَلَيْهِ كاللصوص من وراء القرية، فقتلهم اللَّه كلّ قتلة، ونجا من نجا منهم تحت بطون الكواكب. يريد: هربوا ليلًا، فجعل ظهور الكواكب بطونًا، وذلك جائز عَلَى ما أخبرتك بِهِ. وقوله: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ [إِنْسٌ] «٢» (٥٦) قرأت القراء كلهم بكسر الميم في يطمثهن. حدثنا الفراء قال: وحدثنى رجل عن أبى اسحق

стр. 1061

قَالَ: كنت أصلي خلف أصحاب عليّ، وأصحاب عَبْد اللَّه فأسمعهم يقرءون (لم يطمُثهن) برفع الميم. وكان الكِسَائِيّ يقرأ: واحدة برفع الميم، والأخرى بكسر الميم لئلا يخرج من هذين الأثرين وهما: لم «١» يطمِثهن «٢» ، لم يفتضضهن (قَالَ وطمثها أي: نكحها» ، وذلك لحال «٤» الدم «٥» ) وقوله: مُدْهامَّتانِ (٦٤) يَقُولُ: خضراوان إلى السواد من الري. وقوله: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) . يَقُولُ بعض المفسرين: ليس الرمان ولا النخل بفاكهة، وَقَدْ ذهبوا مذهبًا، ولكن العرب تجعل ذَلِكَ فاكهة. فإن قلت: فكيف أعيد النخل والرمان إن كانا من الفاكهة؟ قلت: ذَلِكَ كقوله: «حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى» «٦» . وَقَدْ أمرهم بالمحافظة عَلَى كل الصلوات، ثُمَّ أعاد العصر تشديدًا لها، كذلك أعيد النخل والرمان ترغيبًا لأهل الجنة، ومثله قوله فِي الحج: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ» . «٧» ثُمَّ قَالَ: «وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ» . وَقَدْ ذكرهم فِي أول الكلمة فِي قوله: «مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ» ، وَقَدْ قَالَ بعض المفسرين: إنَّما أراد بقوله: «مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ» الملائكة، ثُمَّ ذكر النَّاس بعدهم. وقوله: فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) .

стр. 1062

رجع إلى الجنان الأربع: جنتان، وجنتان، فَقَالَ: فيهن، والعربُ تَقُولُ: أعطني الْخَيْرَة منهن، والخِيَرَة منهن، والخيرة منهن، ولو قَرَأَ قارئ: الخَيراتُ، أَوِ الخيرات كانتا صوابًا. وقوله: حُورٌ مَقْصُوراتٌ (٧٢) . قُصرن عَن أزواجهن، أي حُبِسنَ، فلا يُرِدْنَ غيرهم، ولا يطمحن «١» إلى سواهم، والعرب تسمي الحَجَلة المقصورة، والقصورة، ويسمون المقصورة من النساء: قصورة: وقَالَ الشَّاعِر «٢» : لعمري لقد حببتِ كلَّ قَصورة ... إليَّ وما تدري بذاك القصائر عَنَيْتُ قصوراتِ الحجال ولم أرِد ... قصارَ الخُطا، شرُّ النساء البحاتر «٣» والبهاتر، وهما جميعًا القصيرتان، والرجل يقال له: بحتر، وبحترى، وبحترة، وبحترية. وقوله: مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ (٧٦) . ذكروا أنها رياض الجنة، وقَالَ بعضهم: هِيَ المخاد «٤» ، «وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ» (٧٦) الطنافس الثخان. [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ] «٥» حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُعَاذِ بْن مُسْلِم بن أَبِي سادة قَالَ: كان [١٩٠/ ب] جارك زهير القرقبى يقرأ: متكئين على رفارف خضر وعباقري حسان. قَالَ: الرفارف «٦» - قَدْ يكون صوابًا، وأمَّا العباقري فلا لأن ألف الجماع لا يكون بعدها أربعة أحرف، ولا ثلاثة صحاح.

стр. 1063

ومن سورة الواقعة قوله : لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) . يَقُولُ: ليس لها مردودة ولا رد، فالكاذبة «١» هاهنا مصدر مثل: العاقبة، والعافية. قَالَ: وقَالَ لي أَبُو ثروان فِي كلامه: إن بني نمير ليس لحدهم مكذوبة «٢» ، يريد: تكذيب، ثُمَّ قَالَ: (خَافِضَةٌ رافعة) عَلَى الاستئناف: أي الواقعة يومئذ خافضة لقومٍ إلى النار، ورافعة لقوم إلى الجنة، ولو قرأ قارئ: خافضة رافعة يريد «٣» إِذَا وقعت وقعت خافضة لقوم. رافعةً لآخرين، ولكنه يقبح «٤» لأن العرب لا تَقُولُ: «٥» إذا أتيتى زائرًا حتَّى يقولوا «٦» : إِذَا «٧» أتيتني فأتني زائرًا أَوِ ائتني زائرًا، ولكنه حسن فِي الواقعة لأنّ النصب قبله آية يحسن عليها السكوت، فحسن الضمير فِي المستأنف. وقوله: إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) . إِذَا زلزلت حتَّى ينهدم كل بناء عَلَى وجه الأرض. وقوله: وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) . صارت كالدقيق، وذلك قوله: (وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ) «٨» ، وسمعت العرب تنشد: لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا ... ملسا بذود الحلس ملسا «٩»

стр. 1064

والحُمسِ [أيضًا] «١» والبسيسة عندهم الدقيق، أَوِ «٢» السويق يُلَت، ويتخذ زادًا. وقوله: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) ثُمَّ فسرهم فَقَالَ: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) . عجّب نبيّه منهم فَقَالَ: ما أصحاب الميمنة؟ أي «٣» شيء هُمْ؟ وهم أصحاب اليمين، وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) ، عجبه أيضا منهم، وهم أصحاب الشمال، ثم قال: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) . فهذا الصنف الثالث، فإن شئت رفعت السابقين بالسابقين الثانية وهم المهاجرون، وكل من سبق إلى نبي من الأنبياء «٤» فهو مِنْ هَؤُلَاءِ، فإذا رفعت أحدهما بالآخر، كقولك الأول السابق، وإن شئت جعلت الثانية تشديدًا للأولى، ورفعتْ بقوله: أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) . وقوله: عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) . موضونة: منسوجة، وإنما سمت العرب وضين الناقة وضينا «٥» لأنه منسوج، وَقَدْ سمعت بعض العرب يَقُولُ: فإذا الآجر موضون «٦» بعضه عَلَى بعض يريد: مُشْرَج، [قَالَ الفراء: الوضين الحِزام «٧» ] . وقوله: وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) . يُقال: إنهم عَلَى سن واحدة لا يتغيرون، والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط: إنه

стр. 1065

لمخلّد، وإذا لم تذهب أسنانه عَنِ «١» الكبر قيل أيضًا: إنه لمخلد «٢» ، وَيُقَال: مخلّدون مقرّطون، ويقال: مسوّرون. [١٩١/ ا] وقوله: بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ (١٨) . والكوب: ما لا أذن لَهُ ولا عروة لَهُ. والأباريق: ذوات الآذان والعرا. وقوله: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها (١٩) عن الخمر وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) أي: لا تذهب عقولهم. يقال للرجل إذا سكر قَدْ نُزِف «٣» عقله، وإذا ذهب دمه وغشى عَلَيْهِ أَوْ مات قيل: منزوف. ومن قَرَأَ: «يُنْزِفُونَ» : يَقُولُ: لا تفنى خمرهم، والعرب تقول للقوم إذا فنى زادهم: قَدْ أنْزَفُوا وأقتروا «٤» ، وأنفضوا، وأرمَلوا، وأملقوا. وقوله: وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) . خفضها أصحاب عَبْد اللَّه وهو وجه العربية، وإن كَانَ أكثر القراء عَلَى الرفع لأنهم هابوا أن يجعلوا الحور العين يطاف بهن، فرفعوا عَلَى قولك: ولهم حور عين، أَوْ عندهم حور عين. والخفض عَلَى أن تتبع آخر الكلام بأوله، وإن لم يحسن فِي آخره ما حسن فِي أوله، أنشدني بعض العرب: إِذَا ما الغانيات بَرَزْنَ يَوْمًا ... وزَجَجن الحواجب والعيونا «٥» فالعَين لا تزجج إنَّما تكحَّل، فردَّها عَلَى الحواجب لأن المعنى يعرف، وَأنشدني آخر: ولقيتُ زوجك فِي الوغى ... متقلدًا سيفًا ورمحًا «٦» والرمح لا يتقلد، فردّه عَلَى السيف وقَالَ آخر: تسمع للأحشاء مِنْهُ لغطًا ... ولليدين جُسْأَةً وبَدَدَا «٧»

стр. 1066

وأنشدني بعض بني دبير: عَلَفْتُهَا تِبْنًا وماءً باردًا ... حتَّى شَتَتْ هَمَّالةً عيناها «١» والماء لا يعتلف إنَّما يُشرب، فجعله تابعًا للتبن، وَقَدْ كان ينبغي لمن قَرَأَ: وحورٌ عين لأنهن- زعم- لا يطاف بهن أن يَقُولُ: «وَفاكِهَةٍ وَلَحْمِ طَيْرٍ» لان الفاكهة واللحم لا يطاف بهما- ليس يطاف إلَّا بالخمر وحدها ففي ذَلِكَ بيان لأن الخفض وجه الكلام. وفي قراءة أَبِي بْن كعب: وحورًا عينًا «٢» أراد الفعل الَّذِي تجده فِي مثل هَذَا من الكلام كقول الشَّاعِر: جئني بِمثل بني بَدْرٍ لقومهم ... أَوْ مثلَ أسرة منظور بْن سيار «٣» وقوله: إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً (٢٦) . إن شئت جعلت السَّلام تابعًا للقيل، وهو هو، وإن شئت أردت- إلّا قيل سلام سلام، فإذا نونت نصبت، لأن الفعل واقع عَلَيْهِ، ولو كان مرفوعا- قيلا سلامٌ سلامٌ لكان جائزًا. وأنشدني بعض العرب وهو العقيلي: فقلنا السَّلام فاتقت من أميرها ... فما كَانَ إلا ومؤها بالحواجب «٤» أراد حكاية المبتدى بالسلام، وسمع الكِسَائِيّ العرب يقولون: التقينا فقلنا: سلام سلام، ثُمَّ تفرقنا أراد. قُلْنَا: سلام عليكم فردوا علينا. وقوله: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ «٥» (٢٨) . لا شوك فيه. وقوله: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) . ذكر الكلبي: أَنَّهُ الموز، وَيُقَال: هُوَ الطلح الذي تعرفون.

стр. 1067

وقوله: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) . لا شمس فِيهِ كظل ما بين طلوع [١٩١/ ب] الفجر إلى أن تطلع الشمس. وقوله: وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) . جار غير منقطع. وقوله: وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) . «١» لا تجيء فِي حين وتنقطع فِي حين، هِيَ أبدًا دائمة وَلا ممنوعة كما يمنع أهل الجنان فواكههم. وقوله: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) . بعضها فوق بعض. وقوله: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) . يَقُولُ: أنشأنا الصَّبية والعجوز، فجعلناهن أترابًا أبناء ثلاث وثلاثين. وقوله: عُرُباً (٣٧) . واحدهن: عَروب، وهي المتحببة إلى زوجها الغَنِجة. حدثنا الفراء قال «٢» وحدثني شيخ عَنِ الْأَعْمَش قَالَ: كنتُ أسمعهم يقرءون «٣» : «عُرُباً أَتْراباً» بالتخفيف «٤» ، وهو مثل قولك: الرسْل والكتب فِي لغة تميم وبكر بالتخفيف «٥» ولتثقيل وجه القراءة، لأن كلّ فعول أَوْ فعيل أَوْ فِعال جمع عَلَى هَذَا المثال، فهو مثقّل مذكرًا كَانَ أَوْ مؤنثًا، والقراء «٦» عَلَى ذلك «٧» . وقوله: لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) .

стр. 1068

أي: هذا لأصحاب اليمين. وقوله هاهنا: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) . وَقَدْ قَالَ فِي أول السُّورة: «ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ» (١٤) : وذكروا أن أصحاب رَسُول اللَّه ﷺ بكوا وشق عليهم. قوله: « «١» وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ «٢» » ، فأنزل اللَّه جل وعز هَذِهِ «ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَثُلَّةٌ «٣» مِنَ الْآخِرِينَ» . ورفعها عَلَى الاستئناف، وإن شئت جعلتها مرفوعة، تقول: ولأصحاب اليمين ثلتان: ثلة من هَؤُلَاءِ، «٤» وثلة من هَؤُلَاءِ «٥» ، والمعنى: هم فرقتان: فرقة من هَؤُلَاءِ، وفرقة من هؤلاء. وقوله: وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) . واليحموم: الدخان الأسود «٦» . وقوله: لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) . وجه الكلام أن يكون خفضًا متبعًا لما قبله، ومثله: «زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ «٧» » . وكذلك: «وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ» «٨» ، ولو رفعت ما بعد لا لكان صوابًا من كلام العرب، أنشدني بعضهم «٩» : وتُريكَ وجهًا كالصحيفةِ، لا ... ظمآنُ مختلجٌ، ولا جَهْمُ كعقيلةِ الدُّرِّ استضاءَ بها ... محراب عرْش عزيزها العُجْمُ وقَالَ آخر: ولقد أبيت من الفتاة بمنزلٍ ... فأبيت لا زان ولا محروم «١٠»

стр. 1069

يستأنفون بلا، فإذا ألقوها لم يكن إلّا أن تتبع أول الكلام بآخره «١» ، والعرب تجعل الكريم تابعًا لكل شيء نفت عَنْهُ فعلا تنوي بِهِ الذم، يُقال: أسمينٌ هَذَا؟ فتقول: ما هُوَ بسمين «٢» ولا كريم، وما هَذِهِ الدار بواسعة ولا كريمة. وقوله: إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) . متنعمين فِي الدنيا. وقوله: وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) . الشرك: هُوَ الحنث العظيم. وقوله: «لَآكِلُونَ [١٩٢/ ١] مِنْ شَجَرٍ» (٥٢) . وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه: الآكلون «٣» من شجرة من زقوم، فمعنى شجر وشجرة وَاحد، لأنك إِذَا قلت «٤» : أخذت من الشاء، فإن نويت واحدة أَوْ أكثر من ذَلِكَ فهو جائز. ثم قال: فَمالِؤُنَ مِنْهَا (٥٣) . من الشجرة، ولو قَالَ: فمالئون مِنْهُ «٥» إذ لم يذكر الشجرة كَانَ صوابًا يذهب إلى الشجر فِي مِنْهُ «٦» ، وتؤنث الشجر، فيكون منها كناية عَنِ الشجر، والشجر تؤنث «٧» ويذكر مثل الثمر. وقوله فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) . إن شئت كان على الشجر، وإن شئت فعلى الأكل. وقوله «٨» : فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ «٩» (٥٥) . «١٠» حدثنا الفراء قال «١١» : حَدَّثَنِي الْكِسَائِيُّ «١٢» عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ يقال له: يحيى بن سعيد

стр. 1070

الْأُمَوِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ يَقْرَأُ: «فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ» بِالْفَتْحِ، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِجَعْفَرِ ابن محمد قال: فقال: أو ليست كذاك؟ أَمَا بَلَغَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه بعث بديل ابن وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيَّ إِلَى أَهْلِ مِنًى، فَقَالَ: إِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشَرْبٍ وَبِعَالٍ. «١» قَالَ الْفَرَّاءُ: الْبِعَالُ: النِّكَاحُ، وَسَائِرُ الْقُرَّاءِ يَرْفَعُونَ الشِّينَ: «فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ» و «الْهِيمِ» : الإبل التي يصيبها داء فلا تَروَى من الماء، واحدها: أهيم، والأنثى: هيماء. ومن العرب من يَقُولُ: هائم، وَالأنثى «٢» هائمة، ثُمَّ يجمعونه عَلَى هيم، كما قَالُوا: عائط «٣» وعيط، وَحائل وحُول، وهو فِي المعنى: حائل حُول إلا أن الضمة تركت فِي هيم لئلا تصير الياء واوا. وَيقال «٤» : إن الهيم الرمل. يَقُولُ: يشرب أهل النار كما تشرب السِّهْلة «٥» قَالَ قَالَ الفراء: الرملة بعينها السهلة، وهي سهلة وسهلة. وقوله: أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) . يعني: النّطَف إِذَا قذفت فِي أرحام النساء. وقوله: أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ (٥٩) . تخلقون تلك النطف أم نَحْنُ الخالقون. وَقَدْ يُقال للرجل: مَنى وأمنى، ومَذي وأمذى، فأمنى أكثر من منى، ومذي [أكثر من أمذى] «٦» . وقوله: أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ «٧» (٦٤) . أي: تنبتونه. وقوله: فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) . تتعجبون مما نزل بكم فِي زرعكم، وَيُقَال: معنى تفكهون: تندمون.

стр. 1071

وقوله: إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) . يُقال: إنا لمعذَّبون، وَيُقَال: إنا لمُولَع بنا وهو من قيلهم. وقوله: لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً (٧٠) . وهو الملح المر الشديد المرارة من الماء. وقوله: نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) . يعني [منفعة] «١» للمسافرين إذا نزلوا بالأرض [القِيِّ يعنى:] «٢» القفر «٣» . وقوله: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ «٤» النُّجُومِ (٧٥) . حدثنا الفراء «٥» قال: وَحَدَّثَنِي «٦» أَبُو لَيْلَى السِّجِسْتَانِيُّ عَنْ أَبِي جَرِيرٍ قَاضِي سجستانى قَالَ: قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ «فَلا أُقْسِمُ بِمَوْقِعِ النُّجُومِ» وَالْقُرَّاءُ جَمِيعًا عَلَى: مَوَاقِعِ. حدثنا الفراء «٧» قال: حَدَّثَنِي الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو رَفَعَهُ «٨» إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فيما أعلم شك الفراء [١٩٢/ ب] قَالَ: فَلَا أُقْسِمُ بِمَوْقِعِ النُّجُومِ، قَالَ: بِمُحْكَمِ الْقُرْآنِ، وَكَانَ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه نُجُومًا. وقوله: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) يدل عَلَى أَنَّهُ القرآن. وَيُقَال: فلا أقسم بموقع النجوم، بمسقط النجوم إِذَا سقطن. وقوله: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) . حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ «٩» قَالَ: حَدَّثَنِي حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لا يمسّ ذلك

стр. 1072

اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ إِلا الْمُطَهَّرُونَ يَقُولُ: الْمَلائِكَةُ الَّذِينَ طُهِّرُوا مِنَ الشِّرْكِ. وَيُقَالُ: لا يَمَسَّهُ: لا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ مَنْ آمَنَ به. وقوله: أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) مكذبون وكافرون، كلّ قَدْ سمعته. وقوله: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) . جاء فِي الأثر: تجعلون رزقكم: شكركم «١» ، وهو فِي العربية حسن أن تَقُولُ: جعلت زيارتي إياك أنك استخففت بي، فيكون المعنى: جعلت ثواب الزيارة- الجفاء. كذلك جعلتم شكر الرزق- التكذيب «٢» . وقوله: فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) يعني: النَّفْس عند الموت وقوله: وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) يعني: أهل الميت عنده. ينظرون إِلَيْه. والعرب تخاطب القوم بالفعل كأنهم أصحابه، وإنما يراد بِهِ بعضهم: غائبًا كَانَ أَوْ شاهدًا، فهذا من ذَلِكَ كقولك للقوم: أنتم قتلتم فلانًا، وإنما قتله الواحد الغائب. ألا ترى أنك قد تَقُولُ لأهل المسجد لو آذوا رجلًا بالازدحام: اتقوا اللَّه، فإنكم تؤذون المسلمين، فيكون صوابًا. وإنما تعظ غير الفاعل فِي كَثِير من الكلام، وَيُقَال: أَيْنَ جواب (فلولا) الأولى، وجواب التي بعدها؟ والجواب فِي ذَلِكَ: أنهما أجيبا بجواب واحد وهو ترجعونها، وربما أعادتِ العرب الحرفين ومعناهما «٣» واحد. فهذا من ذَلِكَ، ومنه «٤» : «فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ «٥» » . أجيبا بجواب واحد وهما جزاءان، ومن ذَلِكَ قوله: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تحسبنّهم «٦»

стр. 1073

وقوله: «أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ «١» » وَقَدْ فسَّر فِي غير هَذَا الموضوع «٢» . وقوله: غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) مملوكين، وسمعت: مجزيين. وقوله: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) من أهل جنة عدن. «فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ» (٨٩) . حدثنا الفراء «٣» قال: وَحَدَّثَنِي شَيْخٌ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ «٤» عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النبي صلّى الله عليه أنه قال: «فَرَوْحٌ «٥» وَرَيْحانٌ» وَقِرَاءَةُ «٦» الْحَسَنِ كَذَلِكَ، وَالْأَعْمَشِ وَعَاصِمٍ وَالسُّلَمِيِّ وَأَهْلِ المدينة وسائر القراء (فروح) ، أَيْ: فَرَوْحٌ فِي الْقَبْرِ، وَمَنْ قَرَأَ (فَرُوحٌ) يَقُولُ: حَيَاةٌ لَا مَوْتَ فِيهَا، (وَرَيْحَانٌ) : رِزْقٌ. وقوله: فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) . أي: فذلك مسلّم لَكَ أنك من أصحاب اليمين، وألقيت أَنْ «٧» وهو معناها «٨» كما تَقُولُ: أنت مصدّق مسافر عنْ قليل إِذَا كَانَ قد قَالَ: إني مسافر عنْ قليل. وكذلك تجد معناه: أنت مصدق أنك مسافر، ومعناه «٩» : فسلام لَكَ أنت من أصحاب اليمين. وقد يكون كالدعاء لَهُ، كقولك: فسقيا «١٠» لَكَ من الرجال، وإن رفعت السلامَ فهو دعاء. والله أعلم بصوابه.

стр. 1074

[١٩٣/ ا] ومن سورة الحديد قوله : هُوَ الْأَوَّلُ (٣) . يريد: قبل كل شيء. «وَالْآخِرُ» (٣) بعد كل شىء. «وَالظَّاهِرُ» (٣) على كل شىء علما، وكذلك «الْباطِنُ» (٣) عَلَى «١» كل شيء «٢» علما. وقوله: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ (٧) مملّكين فِيهِ، وهو رزقه وعطيته. القراء جميعًا على: «وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ» (٨) ولو قرئت: وَقَدْ أُخِذَ ميثاقكم «٣» . لكان صوابًا «٤» . وقوله: فَيُضاعِفَهُ لَهُ (١١) : يقرأ «٥» بالرفع والنصب «٦» : فمن رفعه جعل الفاء عطفًا ليست بجواب «٧» كقولك: من ذا الَّذِي يحسن ويجمل «٨» ؟ ومن نصب جعله جوابًا للاستفهام، والعرب تصل (مَن) فِي الاستفهام ب (ذا) حتَّى تصير كالحرف الواحد. ورأيتها فِي بعض مصاحف عَبْد اللَّه: منذا متصلة فِي الكتاب، كما وصل فِي كتابنا وكتاب عَبْد اللَّه «يا بن أمّ» . «٩» وقوله: يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ (١٢) أي: يضيء بين أيديهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم، والباء فِي «بِأَيْمانِهِمْ» فِي معنى فِي، وكذلك: عن. وقوله: بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ (١٢) . ترفع البشرى، والجنات، ولو نويت بالبشرى النصبَ توقع عليها تبشير الملائكة، كأنه قيل لهم: أبشروا ببشراكم، ثُمَّ تنصب جناتٍ، توقع البشرى عليها.

стр. 1075

وإن شئت نصبتها عَلَى القطع لأنها نكرة من نعتِ معرفةٍ، ولو رفعتَ البشرى باليوم كقولك: اليوم بشراكم اليوم سروركم، ثم تنصب الجنات «١» عَلَى القطع، ويكون فِي هَذَا المعنى رفع اليوم ونصبه كما قَالَ الشَّاعِر: زَعم البوارِحُ أنَّ رِحلتنا غدا ... وبذاك خبرنا الغُدافُ الأسود «٢» وقوله: ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ (١٢) وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه: «ذَلِكَ الفوز العظيم» بغير هُوَ. وفي قراءتنا «ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» : كما كَانَ فِي قراءتنا «فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» «٣» (٢٤) وفي كتاب أهل المدينة: «فإن اللَّه الغني الحميد» «٤» . وقوله: لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا (١٣) وقرأها يَحيى بْن وثاب والأعمش وحمزة (أَنْظِرُونا) . من أنظرت، وسائر القراء على (انظرونا) بتخفيف الألف «٥» ، ومعنى: انظرُونا. انتظِرونا، ومعنى أنظِرونا، أخرونا كما قال: «أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» «٦» ، وَقَدْ تَقُولُ العرب: «انظِرْني» «٧» وهم يريدون: انتظرني «٨» تقويةٌ لقراءة يَحيى، قَالَ الشَّاعِر: أبا هندٍ فلا تَعْجَلْ علينا ... وأَنْظِرنا نُخبِرْك اليقِينا «٩» فمعنى هذه: انتظرنا قليلا نخبرك لأنه ليس هاهنا تأخير، إنَّما هُوَ استماع «١٠» كقولك للرجل: اسمع مني حتَّى أخبرك: وقوله: قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ (١٣) .

стр. 1076

قَالَ المؤمنون للكافرين: ارجعوا إلى الموضع الَّذِي أخذنا منه [١٩٣/ ب] النور، فالتمسوا النور مِنْهُ، فلما رجعوا ضرب اللَّه بينهم: بين المؤمنين والكفار بسور، وهو السور الَّذِي يكون عَلَيْهِ أهل الأعراف. وقوله: لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ الجنة، وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣) النار، وفي قراءة عَبْد اللَّه: ظاهره من تلقائه العذاب. وقوله: يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ (١٤) على دينكم فى الدنيا، فقال المؤمنون: «بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ» (١٤) إلى آخر الآية. وقوله: فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ (١٥) . القراء عَلَى الياء، وَقَدْ قَالَ بعض أهل الحجاز [لا] «١» تؤخذ «٢» والفدية مشتقة من الفداء، فإذا تقدم الفعل قبل «٣» الفدية والشفاعة والصيحة والبينة وما أشبه ذَلِكَ، فإنك «٤» مؤنث فعله وتذكّره «٥» ، قَدْ جاء الكتاب بكل ذَلِكَ. وقوله : مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ (١٥) أي: هِيَ أولى بكم. وقوله: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ (١٦) . وفي يأن لغات: من العرب من يَقُولُ: ألم يأن لك، وأ لم يئن لَكَ مثل: يَعِنْ، ومنهم من يَقُولُ: أَلم يَنَلْ لَكَ باللام، ومنهم من يَقُولُ: أَلم يُنلْ لَكَ، وأَحسنهن التي أَتى بها القرآن وقوله: وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ (١٦) . قرأها عاصم، وبعض أهل المدينة (نَزَّلَ) مشددة «٦» ، وقرأها «٧» بعضهم: «وما «٨» نَزَلَ» مخففة وفي قراءة عَبْد اللَّه: وما أنزل «٩» من الحق، فهذا قوة لمن قرأ: نزّل.

стр. 1077

وقوله: وَلا يَكُونُوا «١» (١٦) . فِي موضع نصب، معناه: ألم يأنِ لهم أن تخشع قلوبهم، وألا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب، ولو كان جزمًا كَانَ صوابًا عَلَى النهى «٢» . وقوله: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ (١٨) . قرأها عاصم: إنّ المصَدِّقين والمصَدِّقات بالتخفيف للصاد، يريد: الَّذِينَ صدّقوا اللَّه ورسوله، وقرأها آخرون: إِن «٣» المصَّدقين يريدون: المتصدقين بالتشديد، وهي فِي قراءة أُبّي: إن المتصدقين والمتصدقات بتاءٍ ظاهرة «٤» ، فهذه «٥» قوة لمن قَرَأَ إن المصّدّقين «٦» بالتشديد «٧» . وقوله: أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ (١٩) انقطع الكلام عند صفة الصديقين. ثُمَّ قَالَ: «وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ» (١٩) يعني: النبيين لهم أجرهم ونورهم، فرفعتَ الصديقين بهم، ورفعت الشهداء بقوله: «لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ» (١٩) . وقوله: وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ (٢٠) . ذكر ما فى الدنيا، وأنه على ما «٨» وصف، وأمَّا الآخرة فإنها إما عذاب، وإما جنةً، والواو فِيهِ واو بمنزلة واحدة كقولك: ضع الصدقة فِي كل يتيم وأرملة، وإن قلت: فِي كل يتيم أَوْ أرملة، فالمعنى واحد والله أعلم. وقوله: مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ (٢٢) . أي ما أصاب الآدمي فِي الأرض من مصيبة مثل: ذهاب المال، والشدة، والجوع، والخوف

стр. 1078

«وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ» الموت فِي الولد، وغير الولد، والأمراض «١» «إِلَّا فِي كِتابٍ» يعني: فِي العلم الأول، مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرأَ تلك النفس أي: «٢» نخلقها، إِنَّ ذَلِكَ على الله يسير، ثُمَّ «٣» يَقُولُ: إن حفظ ذَلِكَ من جميع [١٩٤/ ا] الخلق عَلَى اللَّه يسير، ثُمَّ أدّب عباده، فَقَالَ: هَذَا «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى مَا فاتَكُمْ» . أي: لا تحزنوا «٤» : «وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ» (٢٣) ، ومن قرأ: بما أتاكم بغير مد يجعل الفعل- لما «٥» . وقوله: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ (٢٤) . هَذِهِ اليهود بخلت حسدًا أن تُظهِر «٦» صفة النَّبِيّ ﷺ حسدًا للِإسلام لأنَّه يُذهب ملكهم. وقوله: وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤) . وفي قراءة أهل المدينة بغير- هُوَ- «٧» دليل عَلَى ذَلِكَ. وقوله: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ (٢٥) . ذكر أن اللَّه أنزل: القلاة والكلْبَتين والمِطرقة. قَالَ «٨» الفراء: القلاة: السَّندان. وقوله: فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ (٢٥) . يريد: السلاح للقتال، ومنافع للناس «٩» مثل: السكين، والفأس، والمز «١٠» وما أشبه ذَلِكَ. وقوله: النُّبُوَّةَ (٢٦) . وفي مصحف عَبْد اللَّه بالياء بياءين: النَّبييّة بياءين والهمزة فِي كتابه تثبت بالألف فِي كل نوع،

стр. 1079

فلو كانت همزة لأثبَتت بالألف، ولو كانت الفعولة لكانت بالواو، ولا تخلو أن تكون مصدر النبأ «١» أو النبيّة مصدرًا فنسبت «٢» إلى النَّبِيّ ﷺ . والعرب تَقُولُ: فعَل ذَلِكَ «٣» فِي غُلوميته، وفي غلومته «٤» ، وفي غلاميته، وسمع الكِسَائِيّ العرب تَقُولُ: فعل ذلك فِي وليديته يريد: وهو وليد أي: مولود، فما جاءك من مصدر لاسم موضوع، فلك فِيهِ: الفُعولة، والفُعولية، وأن تجعله منسوبًا عَلَى صورة الاسم، من ذَلِكَ أن تقول: عبد بين العبودية، والعبودة والعبدية «٥» ، فقس عَلَى هَذَا. وقوله: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ (٢٨) الكفل: الحظ، وهو فِي الأصل ما يكتفل به الراكب فيحبسه ويحفظه عَنِ «٦» السقوط، يَقُولُ: يحصنكم الكِفل من عذاب اللَّه، كما يحصّن هَذَا الراكب الكفلُ من السقوط. وقوله: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ (٢٩) وفى قراءة عبد الله: لكى يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون، والعرب تجعل لا صلة فِي كل كلام دخل «٧» فِي آخره جحد، أَوْ فِي أوله جحد غير مصرح، فهذا مما دخل آخره الجحد، فجعلت (لا) فِي أوله صلة. وأمَّا الجحد السابق الَّذِي لم يصرح بِهِ «٨» فقوله : «ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ» «٩» .

стр. 1080

وقوله: «وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ» «١» وقوله: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ» «٢» وفي الحرام معنى الجحد والمنع، وفي قوله: (وَما يُشْعِرُكُمْ) فلذلك جعلت (لا) بعده صلة معناها السقوط من الكلام. ومن سورة المجادلة قوله : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها (١) . نزلت في امْرَأَة يُقال لها: خولة ابْنَة ثعلبة، وزوجها أوس بْن الصامت الْأَنْصَارِيّ. قَالَ لها [١٩٤/ ب] إن لم أفعل كذا وكذا قبل أن تخرجي من البيت فأنت عليّ كظهر أمي، فأتت خولة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ تشكو، فقالت: إن أوس بْن الصامت تزوجني شابة غنية، ثُمَّ قَالَ لي كذا وكذا وَقَدْ ندم، فهل من عذر؟ فَقَالَ رَسُول الله صلّى الله عليه: ما عندي فِي أمرك شيء، وأنزل اللَّه الآيات فيها، فَقَالَ : (قَدْ سَمِعَ الله) ، وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه: (قَدْ يسمع اللَّه) ، «والله قَدْ يسمع تحاوركما» ، وفي قراءة عَبْد اللَّه: «قول التي تحاورك «٣» فِي زوجها» حتَّى ذكر الكفّارة فِي الظهار، فصارت عامة. وقوله: الّذين يظهرون (٢) . قرأها يَحيى والأعمش وحمزة (يُظاهِرُونَ) «٤» ، وقرأها بعض أهل الحجاز كذلك، وقرأها الْحَسَن ونافع «يظَّهَّرُون» فشدد «٥» ، ولا يجعل فيها ألفًا، وقرأها عاصم «٦» وأبو عبد الرحمن السلمى «٧»

стр. 1081

(يُظاهرون) يرفعان اليَاءَ، ويثبتان الألف، ولا يشددان، ولا يجوز فِيهِ التشديد إِذَا قلت: (يُظَاهِرُونَ) وهي فِي قراءة أبيّ: يتظاهرون من نسائهم قوة لقراءة أصحاب عَبْد اللَّه. وقوله: مَا هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ (٢) الأمهات فِي موضع نصب لما ألقيت منها الباء نصبت، كما قال فى سورة يوسف: «ما هذا «١» بَشَراً» «٢» إنما كانت فى كلام أهل الحجاز: ما هَذَا ببشر فلما ألقيت الباء «٣» ترك فيها أثر سقوط الباء وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه «ما هن بأمهاتهم» «٤» ، وأهل نجد إِذَا ألقوا الباء رفعوا، فقالوا «ما هَذَا «٥» بشر» ، «ما هن أمهاتهم» «٦» . أنشدني بعض العرب: رِكابُ حُسَيْلٍ آخرَ الصيفِ بُدَّن ... ونَاقةُ عَمْرو ما يُحَلُّ «٧» لَهَا رَحْلُ ويزعمُ حِسْلٌ «٨» أَنَّهُ فَرْع قومِهِ ... وما أنت فرع يا حسيل ولا أصل وقوله: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا (٣) يصلح فيها فى العربية: ثم يعودون إلى ما قالوا، وفيما قَالُوا. يريد: يرجعون عما قَالُوا، وَقَدْ يجوز فِي العربية أن تَقُولُ: إن عاد لما فعل، يريد إن فعله مرة أخرى، ويجوز: إن عاد لما فعل: إن نقض ما فعل، وهو كما تَقُولُ: حلف أن يضربك فيكون معناه: حلف لا يضربك وحلف ليضربنك. وقوله: كُبِتُوا (٥) . غيظوا وأحزِنُوا يوم الخندق «كَما كُبِتَ «٩» الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» يريد: من قاتل الأنبياء من قبلهم.

стр. 1082

وقوله: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى (٧) . القراء على الياء فى يكون، وقرأها بعضهم «١» : ما تكون لتأنيث: النجوى. وقوله: ثَلاثَةٍ (٧) . إن شئت خفضتها عَلَى أنها من نعت النجوى، وإن شئت أضفت النجوى إليها، ولو نصبت عَلَى أنها فعل لكان- كَانَ صوابًا «٢» . وقوله: وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ (٧) . وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه: «ولا أربعة إلَّا هُوَ خامسُهم» لأن المعنى غير مضمور لَهُ، فكفى ذكر بعض العدد من بعض. وقوله: وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ (٧) موضع: أدنى، وأكثر. خفض لاتباعه: الثلاثة، والخمسة، ولو رفعه رافع كَانَ صوابًا «٣» ، كما قيل: «مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ» «٤» ، كأنه قَالَ: ما لكُم إله غيره. [٢٠٦/ ١] وقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى (٨) نزلت فِي اليهود والمنافقين، وكانوا إِذَا قاعدوا مسلمًا قَدْ غزا لَهُ قريب فِي بعض سرايا رسول الله صلى الله عليه تناجى الاثنان من اليهود والمنافقين بما يوقع فِي قلب المسلم أن صاحبه قَدْ قتل، أَوْ أصيب، فيحزن لذلك، فنهوا عَنِ النجوى. وَقَدْ قَالَ اللَّه: إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ (١٠) وقوله: وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ (٨) .

стр. 1083

قراءة العوام بالألف، وقرأها يَحيى بْن وثاب: وينتجون «١» ، وفي قراءة عَبْد اللَّه: إِذَا انْتجَيْتُمْ «٢» فلا تنتجوا. وقوله: وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ (٨) كانت اليهود تأتي النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، فيقولون «٣» : السام عليك، فيقول لهم «٤» : وعليكم، فيقولون: لو «٥» كَانَ مُحَمَّد نبيًا لا ستجيب لَهُ فينا لأنّ السام: الموت، فذلك قوله: «لَوْلا «٦» يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ» : أي: هلَّا «٧» . وقوله: إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا (١١) . قرأها النَّاس: تفَسَّحُوا «٨» ، وقرأ «٩» الْحَسَن: تفاسحوا «١٠» ، وقرأ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن: فِي المجالِس «١١» ، وتفاسحوا، وتفسَّحوا متقاربان مثل: تظاهرون، وتظَّهرون، وتعاهدته وتعهدَّته، راءيت ورأيت، ولا تُصاعر وَلا تُصعِّر «١٢» . وقوله: وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا (١١) . قَرَأَ النَّاس بكسر الشين، وأهل الحجاز يرفعونها «١٣» ، وهما لغتان كقولك: يَعْكِفُونَ ويَعْكُفُون «١٤» ، ويعرِشون، ويعرُشون «١٥» ،

стр. 1084

وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً (١٢) كانوا قَدْ أُمروا أن يتصدقوا قبل أن يكلموا رسول الله صلّى الله عليه- بالدرهم ونحوه، فثقُل ذَلِكَ عليهم، وقلَّ كلامهم رسول الله صلّى الله عليه بخلا بالصدقة، فقال الله: «أَأَشْفَقْتُمْ» (١٣) أي: أبخلتم أن تتصدقوا، فإذا فعلتم فَأَقِيمُوا الصلاة وآتوا الزكاة فنسخت الزكاة ذلك الدرهم. وقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً (١٤) نزلت فِي المنافقين كانوا يوالون اليهود «مَا هُمْ مِنْكُمْ» من المسلمين، «وَلا مِنْهُمْ» عَلَى دين المنافقين هُمْ يهود. وقوله: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ (١٩) غلب عليهم. وقوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي (٢١) الكتاب: يجرى مجرى القول، تدخل فِيهِ أن، وتستقبل بجواب اليمين لأنك تجد الكتاب قولا فِي المعنى كُنى عَنْهُ بالكتاب، كما يكفى عن القول: بالزعم، والنداء، والصياح، وشبهه. [٢٠٦/ ب] وقوله: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (٢٢) نزلت فِي حاطب بْن أَبِي بلتعة، وذلك أَنَّهُ كتب إلى أهل مكَّة: أن النَّبِيّ صلّى الله عليه يريد أن يغزوكم فاستعدوا لمّا أراد رَسُول الله صلّى الله عليه افتتاح مكَّة، فأتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بذلك الوحي، فَقَالَ لَهُ «١» : ما دعاك إلى ما فعلت؟ قَالَ: أحببت أن أتقرب إلى أهل مكَّة لمكان «٢» عيالي فيهم، ولم يكن عنْ عيالي ذابُّ هناك، فأنزل اللَّه هَذِهِ الآية. الجماعة من أهل الكوفة والبصرة والحجاز عَلَى: كَتَبَ فِي قُلُوبِهِم، وقَرأ بعضهم: كُتِبَ «٣»

стр. 1085

ومن سورة الحشر قوله : هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ (٢) هؤلاء بنو النضير: كانوا قَدْ عاقدوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عليه عَلَى ألا يكونوا معه، ولا عَلَيْهِ، فلما نُكب المسلمون يوم أُحد غُدروا، وركب حُيَيّ بْن أخطب إلى أَبِي سُفْيَان وَأصحابه من أهل مكَّة، فتعاقدوا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عليه، وأتاه الوحي بذلك، فَقَالَ للمسلمين: أُمرت بقتل حيي، فانتدب لَهُ طائفة من المسلمين فقتلوه، وغدا عليهم النبي صلّى الله عليه، فتحصنوا فِي دورهم، وجعلوا ينقبون الدار إلى التي هِيَ أحصن منها، ويرمون النَّبِيّ صَلَّى الله عليه بالحجارة التي يخرجون منها، وجعل المسلمون يهدمون دورهم ليتسع موضع القتال، فذلك قوله [ ] : «يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ» واجتمع القراء على (يخربون) إِلا أبا عَبْد الرَّحْمَن السُّلَميّ، فإنه قَرَأَ (يخرّبون) «١» ، كأنَّ يخرّبون: يهدّمون، ويخُرْبِون- بالتخفيف: يخرجون «٢» منها يتركونها، ألا ترى أنهم كانوا ينقبون الدار فيعظونها؟ فهذا معنى: (يُخْرِبون) والذين قَالُوا (يخرّبون) ذهبوا إلى التهديم الَّذِي كَانَ المسلمون يفعلونه، وكل صواب. والاجتماع من قراءة القراءِ أحب إليَّ. [وقوله ﵎: «فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصارِ (٢) : يا أولي العقول، وَيُقَال: يا أولي الأبصار: يا من عاين ذَلِكَ بعينه «٣» ] . وقوله: لِأَوَّلِ الْحَشْرِ (٢) : [هُمْ] «٤» أول من أجلى عنْ جزيرة العرب، وهي الحجاز. وقوله: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ (٥) .

стр. 1086

حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أمر النبي صلّى الله عليه بِقَطْعِ النَّخْلِ كُلِّهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ، يَعْنِي: يَوْمَ بَنِي النَّضِيرِ إِلَّا الْعَجْوَةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ النَّخْلِ سِوَى الْعَجْوَةِ، هُوَ «١» اللَّيِّنُ. قَالَ الفراء: واحدته: لِينة، وفي قراءة عَبْد اللَّه: «ما قطعتم من لِينَةٍ ولا تركتم قُوَّمًا عَلَى أصوله إلا بإذن اللَّه» ، يقول: إلا بأمر الله. وقوله: أصوله «٢» (٥) ذهب إلى الجمع فِي اللين كُلِّه، ومن قَالَ: أُصُولها- ذهب إلى تأنيث النخل لأنَّه يذكر ويؤنث. وقوله: فَما أَوْجَفْتُمْ [١٩٦/ ا] عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ (٦) . كان النبي صلّى الله» عليه قَدْ أحرز «٣» غنيمة بني النَّضِير وقُريظة وفَدَك، فَقَالَ لَهُ الرؤساء: خذ صفيَّك «٤» من هَذِهِ، وأفردنا بالربع «٥» ، فجاء التفسير: إن هَذِهِ قُرًى لم يقاتلوا «٦» عليها بخيل، ولم يسيروا» إليها عَلَى الإبل إنَّما مشيتم إليها عَلَى أرجلكم، وكان بينها وبين المدينة ميلان، فجعلها النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ لقوم من المهاجرين، كانوا محتاجين وشهدوا بدرًا، ثُمَّ قَالَ: «مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى» (٧) . هَذِهِ الثلاث، فهو لله وللرسول خالص. ثُمَّ قال: «وَلِذِي الْقُرْبى» (٧) . لقرابة رسول الله صلّى الله عليه «وَالْيَتامى» . يتامى المسلمين عامة، وفيها يتامى بني عَبْد المطلب «وَالْمَساكِينِ» مساكين المسلمين ليس فيها مساكين بني عَبْد المطلب.

стр. 1087

ثُمَّ قَالَ: كَيْ لا يَكُونَ ذَلِكَ الفيء دُولة بين الأغنياء- الرؤساء- يُعمل بِهِ كما كَانَ «١» يعمل فِي الجاهلية، ونزل فِي الرؤساء: «وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (٧) فرضُوا. والدُّولة: قرأها «٢» النَّاس برفع الدال إلا السُّلَميّ- فيما أعلم- فإنه قَرَأَ: دولة: بالفتح، وليس هَذَا للدَّولة بموضع إنَّما الدُّولة فِي الجيشين يَهزم هَذَا هَذَا، ثُمَّ يُهزمَ الهازم، فتقول: قَدْ رجعت الدولة عَلَى هَؤُلَاءِ، كأنها المرة «٣» ، وَالدُّولة فِي المِلْك والسنن التي تغيَّر «٤» وتبدّل عَلَى الدهر، فتلك الدُّولة «٥» . وَقَدْ قَرَأَ بعض العرب: (دولةٌ) ، وأكثرهم نصبها «٦» وبعضهم: يكون، وبعضهم: تكون «٧» . وقوله: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ (٩) يعني: الأنصار، يحبون من هاجر إليهم لما أُعطيَ المهاجرون ما قسم لهم النَّبِيّ صَلَّى الله عليه من فيء بني النضير لم يأمن عَلَى غيرهم أن يحسدهم إذ لم يقسمْ لهم. فقال النبي صلّى الله عليه للأنصار: إن شئتم قسمتم لهم من دوركم وأموالكم، وقسمت لكم كما قسمت لهم، وإما أن يكون لهم القِسم، ولكم دياركم وأموالكم، فقالوا: لا، بل تقسم لهم من ديارنا وأموالنا ولا نشاركهم فِي القَسم، فأنزل اللَّه جل وعز هَذِهِ الآيات ثناء عَلَى الأنصار، فقال: «يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ» (٩) يعنى المهاجرين: «وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ» (٩) الآية. وفى قراءة عبد الله: «وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ» (١٠) يعني المهاجرين: يقولون ربَّنا اغفِرْ لنا ولإخواننا «٨» الَّذِينَ تبوءوا الْإِيمَان من قبل، وألّف بين قلوبنا، ولا تجعل فيها غَمَرا «٩» للذين آمنوا.

стр. 1088

وقوله: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ (١٣) يَقُولُ: أنتم يا معشر المسلمين أهيب فِي صدورهم [يعني بني النضير] «١» من عذاب اللَّه عندهم، وذلك أن بني النضير كانوا ذوي بأس، فقذف اللَّه فِي قلوبهم الرعب من المسلمين، ونزل فِي ذَلِكَ: «بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ» (١٤) ليقوى المسلمون عليهم (تحسبهم) يعنى: بنى النضير جميعا، وقلوبهم مختلفة، وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه: وقلوبهم أشت، أي: أشد اختلافًا. وقوله: أَوْ «٢» مِنْ وَراءِ جُدُرٍ (١٤) قرأ ابن عباس: جدار، وسائر القراء: جدر عَلَى الجمع «٣» . وقوله: فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما «٤» فِي النَّارِ خالِدَيْنِ (١٧) وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه: فكان عاقبتُهما «٥» أنهما خالدان فى النار، وفى [١٩٦/ ب] قراءتنا «خالِدَيْنِ فِيها» نصب، ولا أشتهي الرفع، وإن كَانَ يجوز وذلك أن الصفة قَدْ عادت عَلَى النار مرتين، والمعنى للخلود، فإذا رَأَيْت الفعل بين صفتين قَدْ عادت إحداهما عَلَى موضع الأخرى نصبت الفعل، فهذا من ذَلِكَ، ومثله فِي الكلام قولك: مررت برجل عَلَى بابه متحملا بِهِ، ومثله قول الشَّاعِر: والزعفران على ترائبها ... شرقا بِهِ اللباتُ والنحْرُ «٦» لأن الترائب «٧» هِيَ اللبات هاهنا، فعادت الصفة باسمها الَّذِي وقعت عَلَيْهِ أولا، فإذا اختلف الصفتان: جاز الرفع والنصب على حسن. من ذَلِكَ قولك: عَبْد اللَّه فِي الدار راغبٌ فيك. ألا ترى أن (فِي) التي فِي الدار مخالفة (لفي) التي تكون فِي الرغبة والحجة «٨» ما يعرف به النصب

стр. 1089

من الرفع. ألا ترى الصفة الآخرة تتقدم قبل الأولى، إلّا أنك تَقُولُ: هَذَا أخوك فِي يده درهم قابضًا عَلَيْهِ، فلو قلت: هَذَا أخوك قابضًا عَلَيْهِ فِي يده درهم [لم يجز] «١» . وأنت تَقُولُ: هَذَا رَجُل فِي يده درهم قائمٌ إلى زَيْد. ألا ترى أنك تَقُولُ: هَذَا رَجُل قائم إلى زَيْد فِي يده درهم، فهذا يدل عَلَى المنصوب إِذَا امتنع تقديم الآخر، ويدل عَلَى الرفع إِذَا سهل تقديم الآخر. وقوله: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ (٢٠) وفي قراءة عَبْد اللَّه: ولا أصحاب النار «٢» ، ولا صلةٌ إِذَا كَانَ فِي أول الكلام جحد، ووصل بلا من آخره. و «٣» أنشد فِي بعض بني كلاب. إرادة ألّا يجمع اللَّه بيننا ... ولا بينها أخرى الليالي الغوابر «٤» معناه: إرادة ألا يجمع اللَّه بيننا وبينها، فوصل بلا. ومن سورة الممتحنة قوله : تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ (١) دخول الباء فِي: المودة، وسقوطها سواء، هَذَا بمنزلة قولك: أظن أنك قائم، وأظن [بأنك] «٥» قائم، وأريد بأن تذهب، وأريد بأن تقوم. وقد قال الله جلّ وعز: «وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ» «٦» فأدخل الباء، والمعنى: ومن يرد فِيهِ إلحادًا. أنشدني أَبُو الجراح: فلمّا رَجَت بالشُّرب هَزّلها العصا ... شحيح له عند الإزاء نهيم «٧»

стр. 1090

معناه: فلما رجت أن تشرب. ونزلت هَذِهِ السُّورة فِي حاطب بْن أَبِي بلتعة، لما أراد رسول الله صلّى الله عليه أن يغزو أهل مكَّة، قدمت عَلَيْهِ امْرَأَة من موالي بني المطلب، فوصلها المسلمون، فلما أرادت الرجوع أتاها حاطب بْن أَبِي بلتعة، فَقَالَ: إني معطيك عشرة دنانير، وكاسيك بردا عَلَى أن تبلغي أهل مكَّة كتابًا، فكتب معها، ومضت تريد مكَّة، فنزل جبريل عَلَى النبي صلّى الله عليهما «١» بالخبر، فأرسل عليًّا والزبير فِي إثرها، فَقَالَ: إن دفعت إليكما الكتاب [وإلا فاضربا] «٢» [١٩٧/ ا] عنقها فلحقاها، فقالت: تنحيا عني، فإني أعلم أنكما لن تصدقاني حتَّى تفتشاني، قَالَ: فأخَذَت الكتاب، فجعلته بين قرنين من قرونها، ففتشاها، فلم يريا شيئًا، فانصرفا راجعين، فَقَالَ عليّ للزبير: ماذا صنعنا؟ يخبرنا «٣» رسول الله أن معها كتابا ونصدقها؟ فكرّا عليها «٤» ، فقالا: لتخرِجِنَّ كتابك «٥» أَوْ لنضربن عنقك، فلما رأت الجد أخرجت الكتاب. وكان فِيهِ: من حاطب بْن أَبِي بلتعة إلى أهل مكَّة: أما بعد، فإن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يريد إن يغزوكم، فخذوا حذركم مَعَ أشياء كتب «٦» بها، فدعا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عليه بحاطب، فأقرّ لَهُ، وقَالَ: حملني عَلَى ذَلِكَ أن أهلي بمكة وليس من أصحابك [أحد] «٧» إلا وله «٨» بمكة من يذب عنْ أهله، فأحببت أن أتقرّب إليهم ليحفظونى فِي عيالي، ولقد علمت أن لن ينفعهم كتابي، وأن اللَّه بالغ فيهم أمره، فَقَالَ عمر بن الخطاب: دعنى فأضرب عنقه، قَالَ: فسكت النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وما يدريك لعل اللَّه قَدْ «٩» نظر إلى أهل بدر فَقَالَ: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. قَالَ الفراء: حدثني بهذا حبان بإسناده.
следующие страницы →