← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23634

معاني القرآن للفراء

يحيى بن زياد الفراء

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقوله: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ ... (١٥٤) رفع بإضمار مكنى من أسمائهم كقولك: لا تقولوا: هُمْ أموات بل هُمْ أحياء. ولا يجوز فِي الأموات النصب لأن القول لا يقع على الاسماء إذا أضمرت وصوفها أو أظهرت كما لا يجوز قلت عَبْد اللَّه قائمًا، فكذلك لا يجوز نصب الأموات لأنك مضمر لاسمائهم، إنما يجوز النصب فيما قبله القول إذا كان الاسم فِي معنى قولٍ من ذلك: قلت خيرا، وقلت شرا. فترى الخير والشر منصوبين لانهما قول، فكأنك قلت: قلت كلاما حسنا أو قبيحا. وتقول: قلت لك خيرا، وقلت لك خير، فيجوز، إن جعلت الخير قولا نصبته كأنك قلت: قلت لك كلاما، فإذا رفعته فليس بالقول، إنما هُوَ بمنزلة قولك: قلت لك مال. فابن على ذا ما ورد عليك من المرفوع قوله: «سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ» «١» و «خَمْسَةٌ» و «سَبْعَةٌ» ، لا يكون نصبا لأنه إخبار عَنْهُمْ فِيهِ أسماء مضمرة كقولك: هُمْ ثلاثة، وهم خمسة. وأمّا قوله- ﵎: «وَيَقُولُونَ طاعَةٌ» «٢» فإنه رفع على غير هذا المذهب. وذلك أن العرب كانوا يقال لهم: لا بد لكم من الغزو فِي الشتاء والصيف، فيقولون: سمع وطاعة معناه: منا السمع والطاعة، فجرى الكلام على الرفع. ولو نصب على: نسمع سمعا ونطيع طاعة كان صوابا. وكذلك قوله ﵎ فى سورة مُحَمَّد ﷺ : «فَأَوْلى لَهُمْ طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ» «٣» . عيّرهم وتهدّدهم بقوله: «فَأَوْلى لَهُمْ» ، ثُمَّ ذكر ما يقولون فقال: يقولون إذا أمروا «طاعَةٌ» . «فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ» نكلوا

стр. 107

وكذبوا فلم يفعلوا. فقال اللَّه ﵎ «فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ» ، وربما قال بعضهم: إنما رفعت الطاعة بقوله: لهم طاعة، وليس ذلك بشيء. والله أعلم. ويقال أيضا: «وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ» و «طاعَةٌ» فأضمر الواو، وليس ذلك عندنا من مذاهب العرب، فإن يك موافقا للتفسير فهو صواب. وقوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ ... (١٥٥) ولم يقل (بأشياء) لاختلافها. وذلك أن من تدل على أن لكل صنف منها شيئًا مضمرًا: بشيء من الخوف وشيء من كذا، ولو كان بأشياء «١» لكان صوابًا. وقوله: قالُوا إِنَّا لِلَّهِ ... (١٥٦) لم تكسر العرب (إنا) «٢» إلا فِي هذا الموضع مع اللام فِي التوجع خاصة. فإذا لم يقولوا (لله) فتحوا فقالوا: إنا لزيد محبّون، وإنا لربّنا حامدون عابدون. وإنما كسرت فى «إِنَّا لِلَّهِ» لأنها استعملت فصارت كالحرف الواحد «٣» ، فأشير إلى النون بالكسر «٤» لكسرة اللام التي فِي «لِلَّهِ» كما قالوا: هالك وكافر، كسرت الكاف

стр. 108

من كافر لكسرة الألف لأنه حرف واحد، فصارت «إِنَّا لِلَّهِ» كالحرف الواحد لكثرة استعمالهم إياها، كما قَالُوا: الحمد لله. وقوله: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ... (١٥٨) كان المسلمون قد كرهوا الطواف بين الصفا والمروة لصنمين كانا عليهما، فكرهوا أن يكون ذلك تعظيما للصنمين، فأنزل اللَّه ﵎: (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما) وقد قرأها بعضهم «١» «ألا يطوف» وهذا يكون على وجهين أحدهما أن تجعل «لا» مع «أن» صلة على معنى الالغاء كما قال: «ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ» والمعنى: ما منعك أن تسجد. والوجه الآخر أن تجعل الطواف بينهما يرخص فِي تركه. والأول المعمول به. وقوله: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً ... (١٥٨) تنصب على (جهة فعل) «٢» . وأصحاب عَبْد اللَّه «٣» وحمزة «ومن يطوع» لأنها فِي مصحف «٤» عَبْد اللَّه «يتطوع» . وقوله: أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) قال ابن عَبَّاس: «اللَّاعِنُونَ» كل شيء على وجه الأرض إلا الثقلين. [و] «٥» قال عبد الله بن مسعود: إذا تلا عن الرجلان فلعن أحدهما صاحبه وليس أحدهما

стр. 109

مستحق اللعن رجعت اللعنة على المستحق لها، فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت على اليهود الذين كتموا ما أنزل اللَّه ﵎. فجعل اللعنة من المتلاعنين من الناس على ما فسر. وقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) ف «الْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ» فى موضع خفض تضاف اللعنة إليهم على معنى: عليهم لعنة اللَّه ولعنة الملائكة ولعنة الناس. وقرأها الْحَسَن «لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعون» وهو جائز فِي العربية وإن كان مخالفا للكتاب «١» . وذلك أن قولك (عليهم لعنة اللَّه) كقولك يلعنهم اللَّه ويلعنهم الملائكة والناس. والعرب تقول: عجبت من ظلمك نفسك، فينصبون النفس لأن تأويل الكاف رفع. ويقولون: عجبت من غلبتك نفسك، فيرفعون النفس لأن تأويل الكاف نصب. فابن على ذا ما ورد عليك. ومن ذلك قول العرب: عجبت من تساقط البيوت بعضها على بعض، وبعضها على بعض. فمن رفع رد البعض إلى تأويل «٢» البيوت لأنها رفع ألا ترى أن المعنى: عجبت من أن تساقطت بعضها على بعض. ومن خفض أجراه على لفظ البيوت، كأنه قال: من تساقط بعضها على بعض. وأجود ما يكون فِيهِ الرفع أن يكون الأول الَّذِي فِي تأويل رفع أو نصب قد كنى عَنْهُ مثل قولك: عجبت من تساقطها. فتقول هاهنا: عجبت من

стр. 110

تساقطها بعضها على بعض لأن الخفض إذا كنيت عَنْهُ قبح أن ينعت بظاهر، فرد إلى المعنى الَّذِي يكون رفعا فِي الظاهر، والخفض جائز. وتعمل فيما تأويله النصب بمثل هذا فتقول: عجبت من إدخالهم بعضهم فِي إثر بعض تؤثر النصب فِي (بعضهم) ، ويجوز الخفض. وقوله: وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ ... (١٦٤) تأتي مرة جنوبا، ومرة شمالا، وقبولا، ودبورا. فذلك تصريفها. وقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ... (١٦٥) يريد- والله أعلم- يحبون الأنداد، كما يحب المؤمنون اللَّه. ثُمَّ قال: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ من أولئك لأندادهم. وقوله: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ ... (١٦٥) يوقع «يَرَى» على «أن القوّة لله وأن الله» وجوابه متروك. والله أعلم. (وقوله) «١» : «وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ» «٢» وترك الجواب فِي القرآن كثير لأن معاني «٣» الجنة والنار مكرر «٤» معروف. وإن شئت كسرت إن وإن وأوقعت «يَرَى» على «إِذْ» فِي المعنى. وفتح إن وإن مع الياء أحسن من كسرها. ومن قرأ «ولو ترى الذين ظلموا» بالتاء كان وجه الكلام أن يقول «أَنَّ الْقُوَّةَ ... » بالكسر «وَأَنَّ ... » لأن «ترى» قد وقعت على (الذين ظلموا)

стр. 111

فاستؤنفت «إن- (وإن) «١» » ولو فتحتهما على تكرير الرّؤية من «ترى» ومن «يَرَى» لكان صوابا كأنه قال: «وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ» يرون «أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً» . وقوله: أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ ... (١٧٠) تنصب هذه الواو لأنها ولو عطف أدخلت عليها ألف الاستفهام، وليست ب (أو) التي واوها ساكنة لأن الألف من أو لا يجوز إسقاطها، وألف الاستفهام تسقط فتقول: ولو كان، أو لو كان إذا استفهمت. وإنما غيّرهم اللَّه بهذا لما قَالُوا «بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا» قال اللَّه ﵎: يا مُحَمَّد قل «أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ» فقال «آباؤُهُمْ» لغيبتهم، ولو كانت «آباؤكم» لجاز لأن الأمر بالقول يقع مخاطبا مثل قولك: قل لزيد يقم، وقل له قم. ومثله «أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ» «٢» ، «أَوَلَمْ يَسِيرُوا» «٣» . ومن «٤» سكن الواو من قوله: «أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ» «٥» فى الواقعة وأشباه «٦» ذلك فِي القرآن، جعلها «أو» التي تثبت الواحد من الاثنين. وهذه الواو فِي فتحها بمنزلة قوله «أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ» «٧» دخلت ألف الاستفهام على «ثُمَّ» وكذلك «أَفَلَمْ يَسِيرُوا» «٨» .

стр. 112

وقوله: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ ... (١٧١) أضاف المثل إلى الذين كفروا، ثُمَّ شبههم بالراعي. ولم يقل: كالغنم. والمعنى- والله أعلم- مثل الذين كفروا (كمثل البهائم) «١» التي لا تفقه ما يقول الراعي أكثر من الصوت، فلو قال لها: أرعى أو اشربي، لم تدر ما يقول لها. فكذلك مثل الذين كفروا فيما يأتيهم من القرآن وإنذار الرَّسُول. فأضيف التشبيه إلى الراعي، والمعنى- والله أعلم- فِي المرعى. وهو ظاهر فِي كلام العرب أن يقولوا: فلان يخافك كخوف الأسد، والمعنى: كخوفه الأسد لأن الأسد هُوَ المعروف بأنه «٢» المخوف «٣» . وقال الشاعر «٤» : لقد خفت حَتَّى ما تزيد مخافتي ... على وعلٍ فِي ذي المطارة عاقِل «٥» والمعنى: حَتَّى ما تزيد مخافة وعلٍ على مخافتي. وقال الآخر «٦» : كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزناء فريضة الرجم والمعنى: كما كان الرجم فريضة الزناء. فيتهاون الشاعر بوضع الكلمة على صحتها لاتضاح المعنى عند العرب. وأنشدني بعضهم: إن سراجًا لكريم مفخره ... تَحْلَى بِهِ الْعَيْنُ إذا ما تجهره «٧» والعين لا تحلى به، إنما يحلى هُوَ بها.

стр. 113

وفيها معنى آخر: تضيف المثل إلى (الَّذِينَ كفروا) ، وإضافته فِي المعنى إلى الوعظ كقولك مثل وعظ الذين كفروا وواعظهم كمثل الناعق كما تقول: إذا لقيت فلانا فسلم عليه تسليم الأمير. وإنما تريد به: كما تسلم على الأمير. وقال الشاعر: فلست مُسَلِّمًا ما دمتُ حيًّا ... عَلَى زَيْدٍ بتَسليم الأمير وكل صواب. وقوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١) رفع وهو وجه الكلام لأنه مستأنف خبرٍ، يدلّ عليه قوله «فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ» كما تقول فِي الكلام: هُوَ أصم فلا يسمع، وهو أخرس فلا يتكلم. ولو نصب على الشتم مثل الحروف «١» فى أوّل سورة البقرة فِي قراءة عَبْد اللَّه «وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ صُما بُكْما عُمْيًا» لجاز. وقوله: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ... (١٧٣) نصب لوقوع «حَرَّمَ» عليها. وذلك أن قولك «إِنَّما» على وجهين: أحدهما أن تجعل «إِنَّما» حرفا واحدا، ثُمَّ تعمل الأفعال التي تكون بعدها [فِي] «٢» الاسماء، فإن كانت رافعة رفعت، وإن كانت ناصبة نصبت فقلت: إنما دخلت دارك، وإنما أعجبتني دارك، وإنما مالي مالك. فهذا حرف واحد.

стр. 114

وأمّا الوجه الآخر فأن يجعل «ما» منفصلة من (إن) فيكون «ما» على معنى الَّذِي، فإذا كانت كذلك وصلتها بما يوصل به الَّذِي، ثُمَّ يرفع الاسم الَّذِي يأتي بعد الصلة كقولك إن ما أخذت مالك، إن ما ركبت دابتك. تريد: إن الَّذِي ركبت دابتك، وإن الَّذِي أخذت مالك. فأجرهما على هذا. وهو فِي التنزيل فِي غير ما موضع من ذلك قوله ﵎: «أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ» «١» ، «إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ» «٢» فهذه حرف واحد، هِيَ وإن، لأن «الَّذِي» لا تحسن فِي موضع «ما» . وأما التي فِي مذهب (الَّذِي) فقوله: «إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ» «٣» معناه: إن الذي صنعوا كيد ساحرٍ. ولو قرأ قارئ «إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ» نصبا كان صوابا إذا جعل إن وما حرفا واحدا. وقوله «إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ» «٤» قد «٥» نصب المودة قوم، ورفعها آخرون على الوجهين اللذين فسرت لك. وَفِي قراءة عَبْد اللَّه «إنّما مَوَدَّةُ بَيْنِكم فِي الحياة الدنيا» «٦» فهذه حجة لمن رفع المودة لأنها مستأنفة لم يوقع الاتخاذ عليها، فهو بمنزلة قولك: إن الَّذِي صنعتموه ليس بنافع، مودة بينكم ثُمَّ تنقطع بعد. فإن شئت رفعت المودة ب «بين» وإن شئت أضمرت لها اسما قبلها يرفعها كقوله «سُورَةٌ أَنْزَلْناها» «٧» وكقوله «لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ» «٨» .

стр. 115

فإذا رَأَيْت «إنما» فِي آخرها اسم من الناس وأشباههم مما يقع عليه «من» فلا تجعلن «ما» فِيهِ على جهة (الَّذِي) لأن العرب لا تكاد تجعل «ما» للناس. من ذلك: إنما ضربت أخاك، ولا تقل: أخوك لأن «ما» لا تكون للناس. فإذا كان الاسم بعد «إنما» وصلتها من غير الناس جاز فِيهِ لك الوجهان فقلت: إنما سكنت دارك. وإن شئت: دارك. وقد تجعل العرب «ما» فِي بعض الكلام للناس، وليس بالكثير. وفي قراءة عبد اللَّه «وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى، وَالذَّكَرَ وَالأنثَى» «١» وفي قراءتنا «وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى» فمن جعل «ما خَلَقَ» للذكر والأنثى جاز أن يخفض «الذَّكَرَ وَالْأُنْثى» كأنه قال والذي خلق: الذكر والأنثى. ومن نصب «الذَّكَرَ» جعل «ما» و «خَلَقَ» كقوله: وخلقه الذكر والأنثى، يوقع خلق عليه. والخفض فِيهِ على قراءة عَبْد اللَّه حسن، والنصب أكثر. ولو رفعت «إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ» كان وجها. وقد قرأ بعضهم «٢» : «إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ» ولا يجوز هاهنا إلا رفع الميتة والدم لأنك إن جعلت «إِنَّما» حرفا واحدا رفعت الميتة والدم لأنه فعل لم يسم فاعله، وإن جعلت «ما» على جهة (الذي) رفعت الميتة والدم لأنه خبر ل (ما) . وقوله: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ... (١٧٣) الإهلال: ما نودي به لغير اللَّه على الذباح [وقوله] «٣» فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ [ (غير) «٤» فِي هذا الموضع حال للمضطر كأنك قلت: فمن اضطرّ لا باغيا

стр. 116

ولا عاديا] فهو له حلال. والنصب هاهنا بمنزلة قوله «أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ» «١» ومثله «إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ» «٢» و «غَيْرِ» هاهنا لا «٣» تصلح «لا» فِي موضعها لأن «لا» تصلح فِي موضع غير. وإذا رَأَيْت «غَيْرَ» يصلح «لا» فِي موضعها فهي مخالفة «لِغَيْرِ» التي لا تصلح «لا» فِي موضعها. ولا تحل الميتة للمضطر إذا عدا على الناس بسيفه، أو كان فِي سبيل من سبل المعاصي. ويقال: إنه لا ينبغي لآكلها أن يشبع منها، ولا أن يتزود منها شيئًا. إنما رخص له فيما يمسك نفسه. وقوله: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ... (١٧٥) فِيهِ وجهان: أحدهما معناه: فما الَّذِي صبرهم على النار؟. والوجه الآخر: فما أجرأهم على النار! قال الكسائي: سألني قاضي اليمن وهو بمكة، فقال: اختصم إلى رجلان من العرب، فحلف أحدهما على حق صاحبه، فقال له: ما أصبرك على اللَّه! وفي هذه أن يراد بها: ما أصبرك على عذاب اللَّه، ثُمَّ تلقى العذاب فيكون كلاما كما تقول: ما أشبه سخاءك بحاتم. وقوله: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ... (١٧٧) إن شئت رفعت «الْبِرَّ» وجعلت «أَنْ تُوَلُّوا» فِي موضع نصب. وإن شئت نصبته وجعلت «أَنْ تُوَلُّوا» فِي موضع رفع كما قال: «فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ» «٤»

стр. 117

فِي كثير من القرآن. وفي إحدى القراءتين «لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ» ، فلذلك اخترنا الرفع فِي «الْبِرُّ» ، والمعنى فِي قوله «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» أي ليس البر كله فِي توجهكم إلى الصلاة واختلاف القبلتين وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ثُمَّ وصف ما وصف إلى آخر الآية. وهي «١» من صفات الأنبياء لا لغيرهم. وأما قوله: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ فإنه من كلام العرب أن يقولوا: إنما البر الصادق الَّذِي يصل رحمه، ويخفى صدقته، فيجعل الاسم خبرا للفعل والفعل خبرًا للاسم لأنه أمر معروف المعنى. فأما الفعل الَّذِي جعل خبرا للاسم فقوله: «وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ» » ف (هو) كناية عن البخل. فهذا لمن جعل «الَّذِينَ» فِي موضع نصب وقرأها «تحسبن» بالتاء. ومن قرأ بالياء جعل «الَّذِينَ» فِي موضع رفع، وجعل (هُوَ) عمادا للبخل المضمر، فاكتفى بما ظهر فى «يَبْخَلُونَ» من ذكر البخل ومثله فِي الكلام: هُمُ الملوك وأبناء الملوك لهم ... والآخذون به والساسة الأول «٣» قوله: به يريد: بالملك، وقال آخر: إذا نهى السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف «٤» يريد إلى السفه.

стр. 118

وأما الأفعال التي جعلت أخبارا للناس فقول الشاعر: لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحي ... ولكنما الفتيان كلّ فتى ندى فجعل «أن» خبرا للفتيان. وقوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ (من) فِي موضع رفع، وما بعدها صلة لها، حتى ينتهى إلى قوله وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ فتردّ «الْمُوفُونَ» على «مَنْ» و «الْمُوفُونَ» من صفة «مَنْ» كأنه: من آمن ومن فعل وأوفى. ونصبت «الصَّابِرِينَ» لأنها من صفة «مَنْ» وإنما نصبت لأنها من صفة اسم واحد، فكأنه ذهب به إلى المدح والعرب تعترض من صفات الواحد إذا تطاولت بالمدح أو الذم، فيرفعون إذا كان الاسم رفعا، وينصبون بعض المدح، فكأنهم ينوون إخراج المنصوب بمدحٍ مجددٍ غير متبع لأول الكلام من ذلك قول الشاعر «١» : لا يبعدن قومي الذين هُمْ ... سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك ... والطيّبين معاقد الأزر وربما رفعوا (النازلون) و (الطيبون) ، وربما نصبوهما على المدح، والرفع على أن يتبع آخر الكلام أوله. وقال بعض الشعراء: إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة فِي المزدحم وذا الرأي حين تغم الأمور ... بذات الصليل وذات اللّجم «٢»

стр. 119

فنصب (ليث الكتيبة) و (ذا الرأي) على المدح والاسم قبلهما مخفوض لأنه من صفة واحدٍ، فلو كان الليث غير الملك لم يكن إلا تابعا كما تقول مررت بالرجل والمرأة، وأشباهه. قال: وأنشدني بعضهم: فليت التي فيها النجوم تواضعت ... على كل غث منهم وسمين غيوث الحيا فِي كل محلٍ ولزبةٍ ... أسود الشرى يحمين كل عرين «١» فنصب. ونرى أن قوله: «لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ» «٢» أنّ نصب «الْمُقِيمِينَ» على أنه نعت للراسخين، فطال نعته ونصب على ما فسرت لك. وفي قراءة عبد اللَّه «والمقيمون والمؤتون» وفي قراءة أَبِي «وَالْمُقِيمِينَ» ولم يجتمع فِي قراءتنا وفي قراءة أَبِي إلا على صوابٍ. والله أعلم. حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ: قال: وقد حدّثنى أبو معاوية «٣» الصرير عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ قوله: «إِنْ هذانِ لَساحِرانِ» «٤» وَعَنْ قوله: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ» «٥» وعن قوله: «وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ» فقالت: يا بن أخى «٦» هذا كان خطأ من الكاتب.

стр. 120

وقال فِيهِ الكسائي «وَالْمُقِيمِينَ» موضعه خفض يرد على قوله: «بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ» : ويؤمنون بالمقيمين الصلاة هُمْ والمؤتون الزكاة. قال: وهو بمنزلة قوله: «يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ» «١» وكان النحويّون يقولون «الْمُقِيمِينَ» مردودة على «بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ- إلى الْمُقِيمِينَ» وبعضهم «لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ» ومن «الْمُقِيمِينَ» وبعضهم «مِنْ قَبْلِكَ» ومن قبل «الْمُقِيمِينَ» . وإنما امتنع من مذهب المدح- يعني الكسائي- الَّذِي فسرت لك، لأنه قال: لا ينصب الممدوح إلا عند تمام الكلام، ولم «٢» يتمم الكلام فى سورة النساء. ألا ترى أنك حين قلت «لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ- إلى قوله «وَالْمُقِيمِينَ- والْمُؤْتُونَ» كأنك منتظر لخبره «٣» ، وخبره فِي قوله «أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً» والكلام أكثره على ما وصف الكسائي. ولكن العرب إذا تطاولت الصفة جعلوا الكلام فِي الناقص وفي التام كالواحد ألا ترى أنهم قَالُوا فِي الشعر: حَتَّى إذا قملت «٤» بطونكم ... ورأيتم أبناءكم شبوا وقلبتم ظهر المجن لنا ... إن اللئيم العاجز الخب فجعل جواب (حَتَّى إذا) بالواو، وكان ينبغي ألا يكون فِيهِ واو، فاجتزئ بالاتباع ولا خبر بعد ذلك. وهذا أشدّ مما وصفت لك.

стр. 121

ومثله فى قوله «حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها» «١» ومثله فِي قوله «فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ» «٢» جعل بالواو. وَفِي قراءة عَبْد اللَّه «فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ وَجَعَلَ السِّقَايَةَ» «٣» وفي قراءتنا بغير واو. وكل عربي حسن. وقد قال بعضهم: «وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى - وَالصَّابِرِينَ» فنصب الصابرين على إيقاع الفعل عليهم. والوجه أن يكون نصبا على نية المدح لأنه من صفة شيء واحد. والعرب تقول فِي النكرات كما يقولونه فِي المعرفة، فيقولون: مررت برجل جميل وشابًا بعد، ومررت برجل عاقل وشرمحًا «٤» طوالا وينشدون قوله: ويأوي إلى نسوةٍ بائساتٍ «٥» ... وشعثًا مراضيع مثل السعالي (وشعثٍ) فيجعلونها خفضا بإتباعها أول الكلام، ونصبا على نية ذم فِي هذا الموضع. وقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى ... (١٧٨) فإنه نزل فِي حيين من العرب كان لاحدهما طول على الآخر فِي الكثرة والشرف، فكانوا يتزوجون نساءهم بغير مهور، فقتل الأوضع من الحيّين من

стр. 122

الشريف قتلى، فأقسم الشريف ليقتلن الذكر بالأنثى والحر بالعبد وأن يضاعفوا الجراحات، فأنزل اللَّه ﵎ هذا على نبيه، ثُمَّ نسخه قوله «وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» «١» إلى آخر الآية. فالأولى منسوخة لا يحكم بها «٢» . وأما قوله: فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ فإنه رفع. وهو بمنزلة الأمر فِي الظاهر كما تقول: من لقي العدو فصبرا واحتسابا. فهذا نصب ورفعه جائز. وقوله ﵎ «فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ» رفع ونصبه جائز. وإنما كان الرفع فِيهِ وجه الكلام لأنها عامة فيمن فعل ويراد بها من لم يفعل. فكأنه قال: فالأمر فيها على هذا، فيرفع. وينصب الفعل إذا كان أمرا عند الشيء يقع ليس بدائم مثل قولك للرجل: إذا أخذت فِي عملك فجدا جدا وسيرا سيرا. نصبت لأنك لم تنوبه العموم فيصير كالشيء الواجب على من أتاه وفعله ومثله قوله: «وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ» «٣» ومثله «فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ» «٤» ومثله فِي القرآن كثير، رفع كله لأنها عامة. فكأنه قال: من فعل هذا فعليه هذا. وأمّا قوله: «فَضَرْبَ الرِّقابِ» «٥» فإنه حثهم على القتل إذا لقوا العدو ولم يكن الحث كالشيء الَّذِي يجب بفعلٍ قبله فلذلك نصب، وهو بمنزلة قولك: إذا لقيتم العدوّ فتهليلا وتكبيرا وصدقا عند تلك الوقعة (- قال الفراء: ذلك وتلك لغة قريشٍ، وتميم تقول ذاك وتيك الوقعة «٦» -) كأنه حث لهم، وليس بالمفروض عليهم أن يكبروا، وليس شيء من هذا إلا نصبه جائز

стр. 123

على أن توقع عليه الأمر فليصم ثلاثة أيام، فليمسك إمساكا بالمعروف أو يسرح تسريحا بإحسان. وقوله: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ... (١٧٩) يقول: إذا علم الجاني أنه يقتص منه: إن قتل قتل انتهى عن القتل فحيي. فذلك «١» قوله: «حَياةٌ» . وقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمْ ... (١٨٠) معناه فِي كل القرآن: فرض عليكم. وقوله: الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ... (١٨٠) كان الرجل يوصى بما أحب من ماله لمن شاء من وارثٍ أو غيره، فنسختها آية المواريث «٢» . فلا وصية لوارثٍ، والوصية فِي الثلث لا يجاوز، وكانوا قبل هذا يوصى «٣» بماله كلّه وبما أحبّ منه. و «الْوَصِيَّةُ» مرفوعة ب (كتب) ، وإن شئت جعلت (كتب) فِي مذهب قيل فترفع الوصية «٤» باللام فِي «الوالدين» كقوله ﵎: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» «٥» .

стр. 124

وقوله: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً ... (١٨٢) والعرب «١» تقول: وصيتك وأوصيتك، وفي إحدى القراءتين «وأوصى بها إِبْرَاهِيم» «٢» بالألف. والجنف: الجور. فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ وإنما ذكر الموصى وحده فإنه إنما قال «بَيْنَهُمْ» يريد أهل المواريث وأهل الوصايا فلذلك قال «بَيْنَهُمْ» ولم يذكرهم لأن المعنى يدل على أن الصلح إنما يكون فِي الورثة والموصى لهم. وقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ... (١٨٣) يقال: ما كتب على الذين قبلنا، ونحن نرى النصارى يصومون أكثر من صيامنا وفي غير شهرنا،؟ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قال: وحدثني مُحَمَّد «٣» بْن أبان الْقُرَشِيّ عن أَبِي أمية الطنافسي عن الشَّعْبِيّ أنه قال: لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الَّذِي يشك فِيهِ فيقال: من شعبان، ويقال: من رمضان. وذلك أن النصارى فرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا، فحولوه إلى الفصل «٤» . وذلك أنهم كانوا ربما صاموه فِي القيظ فعدوه ثلاثين يوما، ثُمَّ جاء بعدهم قرن منهم فأخذوا بالثقة فِي أنفسهم فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما، ثُمَّ لم يزل الآخر يستن سنة الأول حَتَّى صارت إلى خمسين. فذلك قوله «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» .

стр. 125

وقوله: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ ... (١٨٠) نصبت على أن كل ما «١» لم تسم فاعله إذا كان فيها اسمان أحدهما غير صاحبه رفعت واحدا ونصبت الآخر كما تقول: أعطى عَبْد اللَّه المال. ولا تبال أكان المنصوب معرفة أو نكرة، فإن كان الآخر نعتا للأول وكانا ظاهرين رفعتهما جميعا فقلت: ضرب عَبْد اللَّه الظريف، رفعته لأنه عَبْد اللَّه. وإن كان نكرة نصبته فقلت: ضرب عَبْد اللَّه راكبا ومظلوما وماشيا وراكبا. قوله: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ... (١٨٤) رفع على ما فسرت لك فِي قوله «فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ» ولو كانت نصبا كان صوابا. وقوله: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ... (١٨٤) يقال: وعلى الذين يطيقون الصوم ولا يصومون أن يطعم «٢» مسكينا مكان كل يومٍ يفطره. ويقال: على الذين يطيقونه الفدية يريد الفداء. ثُمَّ نسخ هذا فقال ﵎: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ من الإطعام. وقوله: شَهْرُ رَمَضانَ ... (١٨٥) رفع مستأنف أي: ولكم «٣» «شَهْرُ رَمَضانَ» الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وقرأ الْحَسَن نصبا على التكرير «٤» «وَأَنْ تَصُومُوا» شهر رمضان «خَيْرٌ لَكُمْ» والرفع أجود.

стр. 126

وقد تكون نصبا من قوله «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ» «شَهْرُ رَمَضانَ» توقع الصيام عليه: أن تصوموا شهر رمضان. وقوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ دليل على نسخ الإطعام. يقول: من كان سالما ليس بمريض أو مقيما ليس بمسافر فليصم وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ قضى ذلك. يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ فِي الإفطار فِي السفر وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ الصوم فيه. وقوله: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ... (١٨٥) «١» فِي قضاء ما أفطرتم. وهذه اللام فِي قوله «وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ» لام كي لو ألقيت كان صوابا. والعرب تدخلها فِي كلامها على إضمار فعلٍ بعدها. ولا تكون شرطا «٢» للفعل الَّذِي قبلها وفيها الواو. ألا ترى أنك تقول: جئتك لتحسن إلىّ، ولا تقول جئتك ولتحسن إلى. فإذا قلته فأنت تريد: ولتحسن إلى «٣» جئتك. وهو فِي القرآن كثير. منه قوله «وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ «٤» لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ» ومنه قوله «وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ» «٥» لو لم تكن فِيهِ الواو كان شرطا، على قولك: أريناه ملكوت السَّمَوَاتِ ليكون. فإذا كانت الواو فيها فلها فعل مضمر بعدها «وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ» أريناه. ومنه (فِي غير) «٦» اللام قوله «إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ» «٧» ثم قال «وَحِفْظاً» «٨» لو لم تكن الواو كان الحفظ منصوبا ب «زَيَّنَّا» . فإذا كانت فِيهِ الواو وليس قبله شيء ينسق عليه

стр. 127

فهو دليل على أنه منصوب بفعلٍ مضمرٍ بعد الحفظ كقولك فِي الكلام: قد أتاك أخوك ومكرما لك، فإنما ينصب المكرم على أن تضمر أتاك بعده. وقوله: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ... (١٨٦) قال المشركون للنبي ﷺ : كيف يكون ربنا قريبا يسمع دعاءنا، وأنت تخبرنا «١» أن بيننا وبينه سبع سَمَوَاتٍ غلظ كل سماءٍ مسيرة خمسمائة عامٍ وبينهما مثل ذلك؟ فأنزل اللَّه ﵎ «وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ» أسمع ما يدعون فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي يقال: إنها التلبية. وقوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ ... (١٨٧) وفي قراءة عَبْد اللَّه «٢» «فلا رفوث ولا فسوق» «٣» وهو الجماع فيما ذكروا رفعته ب «أُحِلَّ لَكُمْ» لأنك لم تسم فاعله. وقوله: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ... (١٨٧) يقول: عند الرخصة التي نزلت ولم تكن قبل ذلك لهم. وقوله وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يقال: الولد، ويقال: «اتبعوا» بالعين «٤» . وسئل عَنْهُمَا ابن عَبَّاس فقال: سواء. وقوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ... (١٨٧)

стр. 128

فقال رَجُل «١» للنبي ﷺ : أهو الخيط الابيض والخيط الاسود؟ فقال لَهُ النَّبِيّ ﷺ : (إنك لعريض القفا هُوَ الليل من النهار) . وقوله: وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ وفي قراءة أَبِي «ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تدلوا بها إلى الحكام» فهذا مثل قوله «وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ» «٢» معناه: ولا تكتموا. وإن شئت جعلته إذا ألقيت منه «لا» نصبا على الصرف كما تقول: لا تسرق وتصدق. معناه: لا تجمع بين هذين كذا وكذا وقال الشاعر: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم «٣» والجزم فِي هذا البيت جائز أي لا تفعلن واحدا من هذين. وقوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ... (١٨٩) سئل النَّبِيّ ﷺ عن نقصان القمر وزيادته ما هُوَ؟ فأنزل «٤» اللَّه ﵎: ذلك لمواقيت حجكم وعمرتكم وحل ديونكم وانقضاء عدد نسائكم. وقوله: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ... (١٨٩) وذلك أن أهل الجاهلية- إلا قريشا ومن ولدته قريش من العرب- كان الرجل منهم إذا أحرم «٥» فِي غير أشهر الحج فِي بيت مدرٍ أو شعرٍ أو خباءٍ نقب فى بيته

стр. 129

نقبا من مؤخّره فخرج منه ودخل ولم يخرج من الباب، وإن كان من أهل الأخبية والفساطيط خرج من مؤخرة ودخل منه. فبينما رسول اللَّه ﷺ وهو محرم ورجل محرم يراه، دخل من باب حائط فاتبعه ذلك الرجل، فقال له: تنح عني. قال: ولم؟ قال دخلت من الباب وأنت محرم. قال: إني قد رضيت بسنتك وهديك. قال له النَّبِيّ ﷺ : (إني أحْمَس) «١» قال: فإذا كنت أحمس فِإني أحمس. فوفق اللَّه الرجل، فأنزل اللَّه ﵎ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وقوله: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ. (١٩١) فهذا وجه قد قرأت به العامة. وقرأ أصحاب عَبْد اللَّه «ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه، فإن قتلوكم فقتلوهم» والمعنى هاهنا: فإن بدءوكم بالقتل فاقتلوهم. والعرب تقول: قد قتل بنو فلان إذا قتل منهم الواحد. فعلى «٢» هذا قراءة أصحاب عَبْد الله. وكلّ حسن. وقوله: فَإِنِ انْتَهَوْا فلم يبدءوكم فَلا عُدْوانَ على الذين انتهوا، إنما العدوان على من ظلم: على من بدأكم ولم ينته. فإن قال قائل: أرأيت قوله «فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ» أعدوان هُوَ وقد أباحه اللَّه لهم؟ قُلْنَا: ليس بعدوان فِي المعنى، إنما هُوَ لفظ على مثل ما سبق «٣» قبله

стр. 130

ألا ترى أنه قال: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ فالعدوان من المشركين فِي اللفظ ظلم فِي المعنى والعدوان الَّذِي أباحه اللَّه وأمر به المسلمين إنما هُوَ قصاص. فلا «١» يكون القصاص ظلما، وإن كان لفظه واحدا. ومثله قول اللَّه ﵎: «وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها» «٢» وليست من اللَّه على مثل معناها من المسيء لأنها «٣» جزاء. وقوله: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ... (١٩٦) وفي قراءة عَبْد اللَّه «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إلى البيت لله» «٤» فلو قرأ قارئ «وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ» فرفع العمرة «٥» لأن المعتمر إذا أتى البيت فطاف به وبين الصفا والمروة حل من عمرته. والحج يأتي فِيهِ عرفاتٍ وجميع المناسك وذلك قوله «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ» يقول: أتموا العمرة إلى البيت «٦» فِي الحج إلى أقصى مناسكه. فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ العرب تقول للذي يمنعه من الوصول إلى إتمام حجه أو عمرته خوف أو مرض، وكل «٧» ما «٨» لم يكن مقهورًا كالحبس والسجن (يقال للمريض) «٩» : قد

стр. 131

أحصر، وفي الحبس والقهر: قد حصر. فهذا فرق بينهما. ولو نويت فِي قهر السلطان أنها علة مانعة ولم تذهب إلى فعل الفاعل جاز لك أن تقول: قد أحصر الرجل. ولو قلت فِي المرض وشبهه: إن المرض قد حصره أو الخوف، جاز أن تقول: حصرتم. وقوله «وَسَيِّداً وَحَصُوراً» «١» [يقال] «٢» إنه المحصر عن النساء لأنها علة وليس بمحبوسٍ. فعلى هذا فابن. وقوله: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ... (١٩٦) «ما» فِي موضع رفع لأن أكثر ما جاء من أشباهه فِي القرآن مرفوع. ولو نصبت على قولك: أهدوا «فَمَا اسْتَيْسَرَ» «٣» . وتفسير الهدى فى هذا الموضع بدنة «٤» أو بقرة أو شاة. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الهدى صام ثلاثة أيام يكون أخرها يوم عرفة، واليومان فِي العشر، فأما السبعة فيصومها إذا رجع فِي طريقه، وإن شاء إذا وصل إلى أهله و «السبعة» فيها الخفض على الاتباع للثلاثة. وإن نصبتها «٥» فجائز على فعل «٦» مجدد كما تقول فِي الكلام: لا بد من لقاء أخيك وزيدٍ وزيدا. وقوله: ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يقول: ذلك لمن كان من الغرباء من غير أهل مكة، فأما أهل مكة فليس ذلك عليهم. و «ذلِكَ» فِي موضع رفع. وعلى تصلح فِي موضع اللام أي ذلك على الغرباء.

стр. 132

وقوله: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ معناه: وقت الحج هذه الأشهر. فهي وإن كانت «فِي» تصلح فيها فلا يقال إلا بالرفع، كذلك كلام العرب، يقولون: البرد شهران، والحرّ شهران، لا ينصبون لأنه مقدار الحج. ومثله قوله: «وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ» «١» ولو كانت الأشهر أو الشهر معروفة على هذا المعنى لصلح «٢» فِيهِ النصب. ووجه الكلام الرفع لأن الاسم إذا كان فِي معنى صفةٍ «٣» أو محل قوى إذا أسند إلى شيء ألا ترى أن العرب يقولون: هُوَ رَجُل دونك وهو رَجُل دون، فيرفعون إذا أفردوا، وينصبون إذا أضافوا. ومن كلامهم المسلمون جانب، والكفار جانب، فإذا قَالُوا: المسلمون جانب صاحبهم نصبوا. وذلك أن «٤» الصاحب يدل على محل كما تقول: نحو صاحبهم، وقرب صاحبهم. فإذا سقط الصاحب لم تجده محلا تقيده قرب شيء أو بعده. والأشهر المعلومات شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. والأشهر الحرم المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة. وإنما جاز أن يقال له أشهر وإنما هما شهران وعشر من ثالثٍ لأن العرب إذا كان الوقت لشيء يكون فِيهِ الحج وشبهه جعلوه فِي التسمية للثلاثة والاثنين، كما قال اللَّه ﵎: «وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ» وإنما يتعجل فِي يومٍ ونصف، وكذلك هُوَ فِي اليوم الثالث من أيام التشريق وليس منها شيء تام، وكذلك تقول العرب: له اليوم يومان منذ لم أره، وإنما هُوَ يوم وبعض آخر، وهذا ليس بجائزٍ فِي غير المواقيت لأن العرب قد تفعل الفعل فِي أقل من الساعة، ثُمَّ يوقعونه على اليوم وعلى

стр. 133

العام والليالي والأيام، فيقال: زرته العام، وأتيتك اليوم، وقتل فلان ليالي الحجاج أمير، لأنه «١» لا يراد أول الوقت وآخره، فلم يذهب به على معنى العدد كله، وإنما يراد به (إذ ذاك الحين) «٢» . وأما قوله: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ يقال: إن الرفث الجماع، والفسوق السباب، والجدال المماراة فِي الْحَجِّ فالقراء على نصب ذلك كله بالتبرئة «٣» إلا مجاهدا فإنه رفع الرفث والفسوق ونصب الجدال. وكل ذلك جائز. فمن نصب أتبع أخر الكلام أوّله، ومن رفع بعضا ونصب بعضا فلان التبرئة فيها وجهان: الرفع بالنون «٤» ، والنصب بحذف النون. ولو نصب الفسوق والجدال بالنون لجاز ذلك فِي غير القرآن لأن العرب إذا بدأت بالتبرئة فنصبوها لم تنصب بنونٍ، فإذا عطفوا عليها ب «لا» كان فيها وجهان، إن شئت جعلت «لا» معلقة يجوز حذفها فنصبت على هذه النية بالنون لأن «لا» فى معنى صلة، وإن نويت بها الابتداء كانت كصاحبتها، ولم تكن معلقة فتنصب بلا نونٍ قال فِي ذلك الشاعر: رأت إبلى برمل جدود أ [ن] لا ... مقيل لها ولا شربًا نقوعا «٥» فنون فى الشرب، ونوى ب «لا» الحذف كما قال الآخر: فلا أب وابنا مثل مروان وأبنه ... إذا هُوَ بالمجد ارتدى وتأزّرا «٦»

стр. 134

وهو فِي مذهبه بمنزلة المدعو «١» تقول: يا عمرو والصلت أقبلا. فتجعل الصلت تابعا لعمرو وفيه الألف واللام لأنك نويت به أن يتبعه «٢» بلا نية «يا» فِي الألف واللام. فإن نويتها قلت: يا زيد ويا أيها الصّلت أقبلا. فإن حذفت «يا أيها» وأنت تريدها نصبت كقول اللَّه «يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ» «٣» نصب الطير على جهتين: على نية النداء المجدد له إذ لم يستقم دعاؤه بما دعيت به الجبال، وإن شئت أوقعت عليه فعلا: وسخرنا له «الطَّيْرَ» فتكون النية على سخرنا. فهو فِي ذلك متبع كقول الشاعر: ورأيت زوجك فِي الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا «٤» وإن شئت رفعت بعض «٥» التبرئة ونصبت بعضا، وليس من قراءة القراء ولكنه يأتي فِي الأشعار قال أمية: فلا لغو ولا تأثيم فيها ... وما فاهوا به لهم مقيم «٦» وقال الآخر «٧» : ذاكم- وجدكم- الصغار بعينه ... لا أم لي إن كان ذاك ولا أب

стр. 135

وقبله: وإذا تكون شديدةٌ أُدْعَى لها ... وإذا يحاسُ الحيس يدعى جندب «١» وقوله: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ... (٢٠٠) كانت العرب إذا حجوا فِي جاهليتهم وقفوا بين المسجد بمنى وبين الجبل، فذكر أحدهم أَبَاه بأحسن أفاعيله: اللهم كان يصل الرحم، ويقري الضيف. فأنزل اللَّه ﵎: «فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً» فأنا الَّذِي فعلت ذلك بكم وبهم. وقوله: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا ... (٢٠٠) كان أهل الجاهلية يسألون المال والإبل والغنم فأنزل «٢» الله: «منهم من يسئل الدنيا فليس له فِي الآخرة خلاق» يعني نصيبا. وقوله: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ ... (٢٠٣) هى العشر [و] «٣» المعلومات: أيام التشريق كلها، يوم النحر وثلاثة أيام التشريق. فمن المفسرين من يجعل المعدودات أيام التشريق أيضا، وأما المعلومات «٤» فإنهم

стр. 136

يجعلونها يوم النحر ويومين من أيام التشريق لأن الذبح إنما يكون فى هذه الثلاثة الأيام، ومنهم من يجعل الذبح فِي آخر أيام التشريق فيقع عليها المعدودات والمعلومات فلا تدخل فيها العشر. وقوله: لِمَنِ اتَّقى ... (٢٠٣) يقول: قتل «١» الصيد فى الحرم. وقوله: وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى مَا فِي قَلْبِهِ ... (٢٠٤) كان ذلك رجلا يعجب النَّبِيّ ﷺ حديثه، ويعلمه أنه معه ويحلف على ذلك فيقول: (اللَّه يعلم) . فذلك قوله «وَيُشْهِدُ اللَّهَ» أي ويستشهد اللَّه. وقد تقرأ «وَيُشْهِدُ اللَّهَ» رفع «عَلى ما فِي قَلْبِهِ» . وقوله: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ... (٢٠٤) يقال للرجل: هُوَ ألد من قوم لد، والمرأة لداء ونسوة لد، وقال الشاعر: اللد أقران الرجال اللد ... ثُمَّ أردى بهم من يردى «٢» ويقال: ما كنت ألد فقد لددت، وأنت تلد. فإذا غلبت الرجل فِي الخصومة (قلت: لددته) «٣» فأنا ألدّه لدّا.

стр. 137

وقول اللَّه ﵎: وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ نصبت، ومنهم من يرفع «وَيُهْلِكَ» رفع لا يردّه على «لِيُفْسِدَ» ولكنه يجعله مردودا على قوله: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ- وَيُهْلِكَ» والوجه الأول أحسن. وقوله: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ... (٢٠٥) من العرب من يقول: فسد الشيء فسودا، مثل قولهم: ذهب ذهوبا وذهابا، وكسد كسودا وكسادا. وقوله: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ... (٢٠٨) أي لا تتبعوا آثاره فإنها معصية. وقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ ... (٢١٠) رفع مردود على (الله) ﵎، وقد خفضها بعض «١» أهل المدينة. يريد «فِي ظللٍ من الغمام وفي الملائكة» . والرفع أجود لأنها فِي قراءة عَبْد اللَّه «هَلْ يَنْظُرونَ إِلّا أن يأتيهم اللَّه والملائكة فى ظلل من الغمام» . وقوله: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ ... (٢١١) لا تهمز «٢» فِي شيءٍ من القرآن لأنها لو همزت كانت «اسأل» بألفٍ. وإنما (ترك همزها) «٣» فِي الأمر خاصة لأنها كثيرة الدور فى الكلام فلذلك ترك همزه كما

стр. 138

قَالُوا: كل، وخذ، فلم يهمزوا في الأمر، وهمزوه فِي النهى وما سواه. وقد تهمزه العرب. فأما فِي القرآن فقد جاء بترك الهمز. وكان حمزة الزيات يهمز الأمر إذا كانت فِيهِ الفاء أو الواو مثل قوله: «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها» «١» ومثل قوله: «فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ» «٢» ولست أشتهى ذلك لأنها لو كانت مهموزة لكتبت فيها الألف كما كتبوها فِي قوله «فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً» «٣» ، «وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا» «٤» بالألف. وقوله: كَمْ آتَيْناهُمْ ... (٢١١) معناه: جئناهم به [من آية] «٥» . والعرب تقول: أتيتك بآيةٍ، فإذا ألقوا الباء قَالُوا: آتيتك آية كما جاء فِي الكهف «آتِنا غَداءَنا» «٦» والمعنى: ايتنا بغدائنا. وقوله: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا ... (٢١٢) ولم يقل «زينت» وذلك جائز، وإنما ذكر الفعل والاسم مؤنث لأنه مشتق من فعل فِي مذهب مصدر. فمن أنث أخرج الكلام على اللفظ، ومن ذكر ذهب إلى تذكير المصدر. ومثله «فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى» «٧» و «قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ» «٨» ، «وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ» «٩» على ما فسرت لك. فأما فِي الاسماء الموضوعة فلا تكاد العرب تذكر فعل مؤنثٍ إلا فى الشعر لضرورته.

стр. 139

وقد يكون الاسم غير مخلوقٍ من فعلٍ، ويكون فِيهِ معنى تأنيثٍ وهو مذكر فيجوز فِيهِ تأنيث الفعل وتذكيره على اللفظ مرة وعلى المعنى مرّة من ذلك قوله «وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ» «١» ولم يقل «كذبت» ولو قيلت لكان صوابا كما قال «كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ» «٢» و «كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ» «٣» ذهب إلى تأنيث الأمة، ومثله من الكلام فِي الشعر كثير منه قول الشاعر: فإن كلابا هذه عشر أبطن ... وأنت برىء من قبائلها العشر «٤» وكان ينبغي أن يقول: عشرة أبطنٍ لأن البطن ذكر، ولكنه فِي هذا الموضع فِي معنى قبيلة، فأنث لتأنيث القبيلة فِي المعنى. وكذلك قول الآخر: وقائع فِي مضرٍ تسعة ... وفي وائلٍ كانت العاشره فقال: تسعة، وكان ينبغي له أن يقول: تسع لأن الوقعة أنثى، ولكنه ذهب إلى الأيام لأن العرب تقول فِي معنى الوقائع: الأيام فيقال هُوَ عالم بأيام العرب، يريد وقائعها. فأما قول اللَّه ﵎: «وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ» «٥» فإنه أريد به- والله أعلم-: جمع الضياءان. وليس قولهم: إنما ذكر فعل الشمس لأن الوقوف لا يحسن فِي الشمس حَتَّى يكون معها القمر بشيءٍ «٦» ، ولو كان هذا على ما قيل لقالوا: الشمس جمع والقمر. ومثل هذا غير جائز، وإن شئت ذكّرته

стр. 140

لأن الشمس اسم مؤنث ليس فيها هاء تدل على التأنيث، والعرب ربما ذكرت فعل المؤنث إذا سقطت منه علامات التأنيث. قال الفراء: أنشدني بعضهم: فهي أحوى من الربعي خاذلة ... والعين بالإثمد الحاري مكحول «١» ولم يقل: مكحولة والعين أنثى للعلة التي أنبأتك بها. قال: وأنشدني بعضهم: فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها «٢» قال: وأنشدني يونس- يعني النحوي الْبَصْرِيّ- عن العرب قول الأعشى: إلى رجلٍ منهم أسيفٍ كأنما ... يضم إلى كشحيه كفا مخضبا «٣» وأما قوله: «السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ» «٤» فإن شئت جعلت السماء مؤنثة بمنزلة العين فلما لم يكن فيها هاء مما يدل على التأنيث ذكر فعلها كما فعل بالعين والأرض فى البيتين.

стр. 141

ومن العرب من يذكر السماء لأنه جمع كأن واحدته سماوة أو سماءة. قال: وأنشدني بعضهم: فلو رفع السماء إليه قوما ... لحقنا بالسماء مع السحاب «١» فإن قال قائل: أرأيت الفعل إذا جاء بعد المصادر المؤنثة أيجوز تذكيره بعد الأسماء كما جاز قبلها؟ قلت: ذلك قبيح وهو جائز. وإنما قبح لأن الفعل إذا أتى بعد الاسم كان فِيهِ مكنى من الاسم فاستقبحوا أن يضمروا مذكرا قبله مؤنث، والذين استجازوا ذلك قَالُوا: يذهب به إلى المعنى، وهو فِي التقديم والتأخير سواء قال الشاعر: فإن تعهدي لامرئ لمةً ... فإن الحوادث أزرى بها «٢» ولم يقل: أزرين بها ولا أزرت بها. والحوادث جمع ولكنه ذهب بها إلى معنى الحدثان. وكذلك قال الآخر: هنيئا لسعدٍ ما اقتضى بعد وقعتى ... بناقة سعد والعشية بارد كأن العشية فِي معنى العشي ألا ترى قول اللَّه «أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا» «٣» وقال الآخر: إن السماحة والشجاعة ضمنا ... قبرا بمرو على الطريق الواضح»

стр. 142

ولم يقل: ضمنتا، والسماحة والشجاعة مؤنثتان للهاء التي فيهما. قال: فهل يجوز أن تذهب بالحدثان إلى الحوادث فتؤنث فعله قبله فتقول أهلكتنا الحدثان؟ قلت نعم أنشدني الكسائي: ألا هلك الشهاب المستنير ... ومدرهنا الكمىّ إذا نغير «١» وحمال المئين إذا ألمت ... بنا الحدثان والأنف النصور فهذا كافٍ مما يحتاج إليه من هذا النوع. وأما قوله: «وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ» «٢» ولم يقل «بطونها» والأنعام هِيَ مؤنثة لأنه ذهب به إلى النعم والنعم ذكر. وإنما جاز أن تذهب به إلى واحدها لأن الواحد يأتي فِي المعنى على معنى الجمع كما قال الشاعر: إذا رَأَيْت أنجمًا من الأسد ... جَبْهته أو الخرات والكتد «٣» بال سهيل فِي الفضيخ ففسد ... وطاب ألبان اللقاح فبرد ألا ترى أن اللبن جمع يكفى من الألبان. وقد كان الكسائي يذهب بتذكير الأنعام إلى مثل قول الشاعر: ولا تذهبن عيناك فِي كل شرمح ... طوالٍ فإن الأقصرين أمازره «٤»

стр. 143

ولم يقل: أمازرهم، فذكر وهو يريد أمازر ما ذكرنا. ولو كان كذلك لجاز أن تقول هُوَ أحسنكم وأجمله، ولكنه ذهب إلى أن هذا الجنس يظهر مع نكرةٍ غير مؤقتة يضمر فيها مثل معنى النكرة فلذلك قَالَتِ العرب: هُوَ أحسن الرجلين وأجمله لأن ضمير الواحد يصلح فِي معنى الكلام أن تقول هُوَ أحسن رَجُل فِي الاثنين، وكذلك قولك هِيَ أحسن النساء وأجمله. من قال وأجمله قال: أجمل شيء فِي النساء، ومن قال: وأجملهن أَخْرَجَهُ على اللفظ واحتج بقول الشاعر: مثل الفراخ نتقت حواصله «١» ولم يقل حواصلها. وإنما ذكر لأن الفراخ جمع لم يبن على واحده، فجاز أن يذهب بالجمع إلى الواحد. قال الفراء: أنشدني المفضل: ألا إن جيراني العشية رائح ... دعتهم دواعٍ من هوى ومنازح فقال: رائح ولم يقل رائحون لأن الجيران قد خرج مخرج الواحد من الجمع إذ لم يبن جمعه على واحده. فلو قلت: الصالحون فإن ذلك لم يجز لأن الجمع منه قد بنى على صورة واحدة. وكذلك الصالحات نقول، ذاك غير جائز لأن صورة الواحدة فِي الجمع قد ذهب عَنْهُ توهم الواحدة. ألا ترى أن العرب تقول: عندي عشرون صالحون فيرفعون ويقولون عندي عشرون جيادا فينصبون الجياد لأنها لم تبن على واحدها، فذهب بها إلى الواحد ولم يفعل ذلك بالصالحين قال عنترة: فيها اثنتان وأربعونَ حَلُوبةً ... سُودا كخافية الغراب الأسحم «٢»

стр. 144

فقال: سودا ولم يقل: سود «١» وهي من نعت الاثنتين والاربعين للعلة التي أخبرتك بها. وقد قرأ بعض القرّاء «زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا» ويقال إنه مجاهد فقط. وقوله: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ... (٢١٣) ففيها معنيان أحدهما أن تجعل اختلافهم كفر بعضهم بكتاب بعضٍ «فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا» للإيمان بما أنزل كله وهو حق. والوجه الآخر أن تذهب باختلافهم إلى التبديل كما بدلت التوراة. ثُمَّ قال «فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا» به للحق مما اختلفوا فِيهِ. وجاز «٢» أن تكون اللام فِي الاختلاف ومن فِي «٣» الحق كما قال اللَّه تعالى: «وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ» والمعنى- والله أعلم- كمثل المنعوق به لأنه وصفهم فقال ﵎: «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ» كمثل البهائم، وقال الشاعر «٤» : كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزناء فريضة الرجم وإنما الرجم فريضة الزناء، وقال: إن سراجًا لكريم مفخره ... تَحْلَى بِهِ الْعَيْنُ إذا ما تجهره

стр. 145

والعين لا تحلى إنما يحلى بها سراج، لأنك تقول: حليت بعيني، ولا تقول حليت عيني بك إلا فِي الشعر. وقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ ... (٢١٤) استفهم بأم فِي ابتداءٍ ليس قبله ألف «١» فيكون أم ردا عليه، فهذا مما أعلمتك «٢» أنه يجوز إذا كان قبله كلام يتصل به. ولو كان ابتداء ليس قبله كلام كقولك للرجل: أعندك خير؟ لم يجز هاهنا أن تقول: أم عندك خير. ولو قلت: أنت رَجُل لا تنصف أم لك سلطان تدل به، لجاز ذلك إذ تقدمه كلام فاتصل به. وقوله: أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [معناه «٣» : أظننتم أن تدخلوا الجنة ولم يصبكم مثل ما أصاب الذين قبلكم] فتختبروا. ومثله: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ» «٤» وكذلك فِي التوبة «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ» «٥» . وقوله: وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ ... (٢١٤) قرأها القراء بالنصب إلا مجاهدا وبعض «٦» أهل المدينة فإنهما رفعاها. ولها وجهان فِي العربية: نصب، ورفع. فأما النصب فلان الفعل الَّذِي قبلها مما يتطاول «٧» كالترداد. فإذا كان الفعل على ذلك المعنى نصب بعده بحتى وهو
следующие страницы →