← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23634

معاني القرآن للفراء

يحيى بن زياد الفراء

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ولا تثنية إذا جعلت «ما» صلة لها فتصير «ما» مع «نعم» بمنزلة «ذا» من «١» «حبذا» ألا ترى أن «حبذا» لا يدخلها تأنيث ولا جمعٌ. ولو جعلت «ما» على جهة الحشو «٢» كما تقول: عما قليل آتيك، جاز فِيهِ التأنيث والجمع، فقلت: بئسما رجلين أنتما، وبئست ما جارية جاريتك. وسمعت العرب تقول فِي «نعم» المكتفية بما: بئسما «٣» تزويج ولا مهر، فيرفعون التزويج ب «بِئْسَمَا» . وقوله: بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ... (٩٠) موضع «أن» جزاء، وكان الكسائي يقول فِي «أن» : هِيَ فِي موضع خفض، وأنما هِيَ جزاءٌ «٤» . إذا كان الجزاء لم يقع عليه شيء قبله (وكان) «٥» ينوى بها الاستقبال كسرت «إن» وجزمت بها فقلت: أكرمك إن تأتني. فإن كانت ماضية قلت: أكرمك أن تأتيني. وأبين من ذلك أن تقول: أكرمك أن أتيتني كذلك قال الشاعر: أتجزع أن بان الخليط المودّع ... وحبل الصفا من عزّة المتقطع يريد أتجزع بأن، أو لأن كان ذلك. ولو أراد الاستقبال ومحض الجزاء لكسر «إن» وجزم بها، كقول اللَّه جل ثناؤه: «فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا» «٦» فقرأها القراء بالكسر، ولو قرئت بفتح «أن» على معنى [إذ لم يؤمنوا «٧» ] ولأن لم يؤمنوا، ومن أن لم يؤمنوا [لكان صوابا] «٨» وتأويلُ «أن» فِي موضع نصب، لأنها إنما كانت «٩» أداة بمنزلة «إذ» فهي فِي موضع نصب إذا ألقيت الخافض وتمّ

стр. 72

ما قبلها، فإذا جعلت لها الفعل أو أوقعته عليها أو أحدثت لها خافضا فهي فِي موضع ما يصيبها من الرفع والنصب والخفض «١» . وقوله: فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ... (٨٩) وقبلها «وَلَمَّا» وليس للأولى جوابٌ، فإن الأولى صار جوابها كأنه فِي الفاء التي فِي الثانية، وصارت كَفَرُوا بِهِ كافية من جوابهما جميعا. ومثله فِي الكلام: ما هُوَ إلا أن أتاني عَبْد اللَّه فلما قعد أوسعت له وأكرمته. ومثله قوله: «فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ» فى البقرة «٢» «فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ» فى «طه» «٣» اكتفى بجوابٍ واحد لهما جميعا «٤» «فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ» فِي البقرة «فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى» فِي «طه» . وصارت الفاء فِي قوله «فَمَنْ تَبِعَ» كأنها جواب ل «فإما» ، ألا ترى أن الواو لا تصلحُ فِي موضع الفاء، فذلك دليل على أن الفاء جواب وليست بنَسَقٍ «٥» . وقوله: فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) يقول القائل: هَلْ كان لهم قليل من الإيمَان أو كثير؟ ففيه وجهان من العربية: أحدهما- ألا يكونوا آمنوا قليلا ولا كثيرا. ومثله مما تقوله العرب بالقلة على أن ينفوا الفعل كله قولهم: قل ما رأيتُ مثل هذا قط. وحكي الكسائي عن العرب: مررتُ بِبلادٍ قل ما تُنبت إلا البصل والكرّاث. أي ما تنبت

стр. 73

إلا هذين. وكذلك قول العرب: ما أكاد أَبرحُ منزلي وليس يبرحه وقد يكون أن يبرحه قليلا. والوجه الآخر- أن يكونوا يصدقون بالشيء قليلا ويكفرون بما سواه: بالنبي ﷺ فيكونون كافرين وذلك أنه يقال: من خلقكم؟ ومن رزقكم؟ فيقولون: اللَّه ﵎، ويكفرون بما سواه: بالنبي ﷺ وبآيات اللَّه، فذلك قوله: فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ. وكذلك قال المفسرون فِي قول اللَّه: «وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ» «١» على هذا التفسير. وقوله: فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ... (٩٠) لا يكون باؤ مفردة حَتَّى توصل بالباء. فيقال: باء بإثم يبوء بوءا. وقوله بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ أن اللَّه غضب على اليهود فِي قولهم: «يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ» «٢» . ثُمَّ غضب عليهم فِي تكذيب مُحَمَّد ﷺ حين دخل المدينة، فذلك قوله: «فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ» . وقوله: وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ ... (٩١) يريد سواه، وذلك كثير فِي العربية أن يتكلم الرجلُ بالكلام الْحَسَن فيقول السامع: ليس وراء هذا الكلام شيءٌ، أي ليس عنده شيءٌ سواه. وقوله: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ ... (٩١) يقول القائل: إنما «تَقْتُلُونَ» للمستقبل فكيف قال: «مِنْ قَبْلُ» ؟ ونحن لا نجيز فِي الكلام أَنَا أضربك أمس، وذلك جائز إذا أردت بتفعلون الماضي،

стр. 74

ألا ترى أنك تعنف الرجل بما سلف من فعله فتقول: ويحك لم تكذب! لم تبغض نفسك إلى الناس! ومثله قول اللَّه: «وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ» «١» . ولم يقل ما تلت الشياطين، وذلك عربي كثير فِي الكلام أنشدني بعض العرب: إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ... ولم تجدي من أَنْ تُقِرِّي بها «٢» بُدًّا فالجزاء للمستقبل، والولادة كلها قد مضت، وذلك أن المعنى معروف ومثله فِي الكلام: إذا نظرت فِي سير «٣» عمر ﵀ لم يسىء المعنى لم تجده أساء فلما كان أمر عُمَر لا يشك فِي مضيه لم يقع فِي الوهم أنه مستقبل فلذلك صلحت «مِنْ قَبْلُ» . مع قوله: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ وليس الذين خوطبوا بالقتل هُمُ القتلة، إنما قتل الأنبياء أسلافهم الذين مضوا فتولوهم على ذلك ورضوا به فنسب القتل إليهم. وقوله «٤» : سَمِعْنا وَعَصَيْنا ... (٩٣) معناه سمعنا قولك وعصينا «٥» أمرك. وقوله: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ... (٩٣) فإنه أراد: حب العجل، ومثل هذا مما تحذفه العرب كثير قال الله: «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها» «٦» والمعنى سل أهل القرية وأهل العير وأنشدني المفضّل:

стр. 75

حَسِبْتَ بُغَامَ راحِلَتي عَنَاقًا ... وما هِيَ وَيْبَ غيرك بالعناق «١» ومعناه «٢» : بغام عناق ومثله من كتاب اللَّه: «وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ» معناه والله أعلم: ولكن البر «٣» برُّ من فعل هذه الأفاعيل التي وصف اللَّه. والعرب قد تقول: إذا سرك أن تنظر إلى السخاء فانظر إلى هرم أو إلى حاتم. وأنشدني بعضهم «٤» : يَقُولون جاهِدْ يا جَمِيلُ بغَزْوَةٍ ... وإنّ جهادا طىّء وقتالها يجزىء ذكر الاسم من فعله «٥» إذا كان معروفا بسخاء أو شجاعة وأشباه ذلك. وقوله: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ ... (٩٤) يقول: إن كان الأمر على ما تقولون من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان يهوديا أو نصرانيا فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فأبوا، وذلك أن رسول اللَّه ﷺ قال: (والله لا يقوله أحد إلا غص بريقه) «٦» . ثُمَّ إنه وصفهم فقال: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا معناه والله أعلم: وأحرص من الذين أشركوا على الحياة. ومثله أن تقول: هذا أسخى

стр. 76

الناس ومن هرم. لأن التأويل للأول هُوَ أسخى من الناس ومن هرم ثُمَّ إنه وصف المجوس فقال: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وذلك أن تحيتهم فيما بينهم: (زِهُ «١» هَزَارْ سَالْ) . فهذا تفسيره: عش ألف «٢» سنة. وأما قوله: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ، ... (٩٧) [يعنى القرآن] «٣» عَلى قَلْبِكَ [هذا أمر] «٤» أمر اللَّه به محمدا ﷺ فقال: قل لهم لما قالوا عدوّنا جبريل وأخبره اللَّه بذلك، فقال: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ يعني قلب مُحَمَّد ﷺ ، فلو كان فِي هذا الموضع «على قلبي» وهو يعني محمدًا ﷺ لكان صوابا. ومثله فِي الكلام: لا تقل للقوم إن الخير عندي، وعندك أما عندك فجاز لأنه كالخطاب، وأما عندي فهو قول المتكلم بعينه. يأتي هذا من تأويل قوله: «سَتُغْلَبُونَ» و «سَيَغْلِبُونَ» «٥» بالتاء والياء. وقوله: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ... (١٠٢) (كما تقول فِي ملك سُلَيْمَان) «٦» . تصلح «فِي» و «على» فِي مثل هذا الموضع تقول: أتيته فِي عهد سليمان وعلى عهده سواء.

стр. 77

وقوله: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ... (١٠٢) القراء يقرءون «الْمَلَكَيْنِ» من الملائكة. وكان ابن عَبَّاس يقول: «الْمَلَكَيْنِ» من الملوك. وقوله: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ ... (١٠٢) أما السحر فِمن عمل الشياطين، فيتعلمون من الملكين كلاما إذا قيل أخذ «١» به الرجل عن امرأته. ثُمَّ قال: ومن قول الملكين إذا تعلم منهما ذلك: لا تكفر. إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ، فَيَتَعَلَّمُونَ ليست بجواب لقوله: وَما يُعَلِّمانِ إنما هى مردودة على قوله: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ فيتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم فهذا وجه. ويكون «فَيَتَعَلَّمُونَ» متصلة بقوله: «إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ» فيأبون فيتعلمون ما يضرهم، وكأنه أجود الوجهين فِي العربية «٢» . والله أعلم. وقوله: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها ... (١٠٦) أو ننسئها- أَوْ نُنْسِها عامة القراء يجعلونه من النسيان، وفي قراءة عَبْد اللَّه: / «مَا ننسك من آية أو ننسخها نجىء بمثلها أو خير منها» وَفِي قراءة سالم مَوْلَى أبي حُذَيْفة: «ما ننسخ من آية أو ننسكها» ، فهذا يقوي النسيان. والنسخ أن يعمل بالآية ثُمَّ تنزل الأخرى فيعمل بها وتترك الأولى. والنسيان هاهنا على وجهين: أحدهما- على الترك نتركها فلا ننسخها كما قال اللَّه جل ذكره: «نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ» «٣» يريد تركوه فتركهم. والوجه الآخر- من النسيان الذي

стр. 78

ينسى، كما قال اللَّه: «وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ» «١» وكان بعضهم يقرأ: «أَوْ نَنْسَأْهَا» يهمز يريد نؤخرها من النسيئة وكل حسن. حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: «٢» وَحَدَّثَنِي قَيْسٌ «٣» عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بإسناد برفعه إلى النبي ﷺ أنه سمع رجلا يَقْرَأُ فَقَالَ: (يَرْحَمُ اللَّهُ هَذَا، هَذَا أَذْكَرَنِي آيَاتٍ قَدْ كُنْتُ أُنِسِيتَهُنَّ) . وقوله: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ... (١٠٢) من فِي موضع رفع وهي جزاء «٤» لأن العرب «٥» إذا أحدثت على الجزاء هذه اللام صيّروا فعله على جهة فعل. ولا يكادون يجعلونه على يفعل كراهة أن يحدث على الجزاء حادث وهو مجزوم ألا ترى أنهم يقولون: سل عما شئت، وتقول: لا آتيك ما عشت، ولا يقولون ما تعش لأن «ما» فِي تأويل جزاء

стр. 79

وقد وقع ما قبلها عليها، فصرفوا الفعل إلى فعل لأن الحزم لا يستبين فِي فعل، فصيروا حدوث اللام- وإن كانت لا تُعِّرب شيئًا- كالذي يُعَرِّب، ثُمَّ صيروا جواب الجزاء بما تُلْقي به اليمين- يريد تستقبل به- إما بلامٍ، وإما ب «لا» ، وإما «إن» وإمّا ب «ما» فتقول فِي «ما» : لئن أتيتني ما ذلك لك بضائع، وفي «إن» : لئن أتيتني إن ذلك لمشكور لك- قال الفراء: لا يكتب لئن إلا بالياء ليفرق بينها وبين لأن «١» - وفي «لا» : «لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ» «٢» وفى اللام «وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ» «٣» وإنما صيروا جواب الجزاء كجواب اليمين لأن اللام التي دخلت فِي قوله: «وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ» وفي قوله: «لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ» «٤» وفى قوله: «لَئِنْ أُخْرِجُوا» إنما هِيَ لام اليمين كان موضعها فِي آخر الكلام فلما صارت فِي أوله صارت كاليمين، فلقُيت بما يُلْقَى به اليمين، وإن أظهرت الفعل بعدها على يفعل جاز ذلك وجزمته فقلت: لئن تقم لا يقم إليك، وقال الشاعر «٥» : لئن تَكُ قد ضاقْت عليكم بيوتُكم ... ليعلم ربّى أنّ بيتي واسع

стр. 80

وأنشدني بعضُ «١» بني عقيل: لئِن كَانَ ما حُدِّثْتُهُ اليومَ صادِقًا ... أَصُمْ فِي نهار الْقَيْظِ للشَّمسِ بادِيَا وأَرْكَبْ حمارًا بين سرجٍ وفروةٍ ... وأعْرِ من الخاتام صُغْرَى شماليا «٢» فألقى جواب اليمين من الفعل، وكان الوجه فِي الكلام أن يقول: لئن كان كذا لاتينك، وتوهم إلغاء اللام كما قال الآخر «٣» : فَلا يَدْعُنِي قَوْمِي صَرِيحًا لِحُرَّةٍ ... لئنْ كُنتُ مقتولا ويَسْلَمُ عامِرُ فاللام فِي «لئن» ملغاة، ولكنها كثرت فِي الكلام حَتَّى صارت بمنزلة «٤» «إن» ، ألا ترى أن الشاعر قد قال: فَلئِنْ قومٌ أصابُوا غِرَّةً ... وأَصَبْنا من زمانٍ رَقَقَا «٥» لَلَقدْ كانوا لدى أزماننا ... لصنيعين لبأس وتقى «٦»

стр. 81

فأدخل على «لقد» لا ما أخرى لكثرة ما تلزم العرب اللام فِي «لقد» حَتَّى صارت كأنها منها. وأنشدني بعض بْني أسد: لددتهم النصيحة كل لَدٍّ ... فمجوا النصح ثُمَّ ثنوا فقاءوا فلا والله لا يلفى لما بي ... ولا للمابهم أبدًا دَواءُ «١» ومثله قول الشاعر: كما ما امرؤ في معشر غير رهطه ... ضعيف الكلام شخصه متضائل قال: «كما» ثُمَّ زاد معها «ما» أخرى لكثرة «كما» فِي الكلام فصارت كأنها منها. وقال الأعشى: لَئِنْ مُنِيتَ بِنا عَن غِبِّ مَعْرَكةٍ ... لا تُلْفِنَا مِن دِماءِ القومِ نَنْتَفِلُ «٢» فجزم «لا تلفنا» والوجه الرفع كما قال اللَّه: «لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ» «٣» ولكنه لما جاء بعد حرفٍ يُنْوى به الجزمُ صُيِّر جزما جوابا للمجزوم وهو فِي معنى رفع. وأنشدني القاسم بْن مَعْنٍ (عن العرب) «٤» :

стр. 82

حلفت له إن تدلج الليل لا يزل ... أمامك بيت من بيوتى سائر «١» والمعنى حلفت له لا يزال أمامك بيتٌ، فلما جاء بعد المجزوم صير جوابا للجزم. ومثله فِي العربية: آتيك كى (إن تحدّثنى «٢» بحديث أسمعه منك، فلما جاء بعد المجزوم جزم) . وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا ... (١٠٤) هُوَ «٣» من الارعاء والمراعاة، (وفي) «٤» قراءة عَبْد اللَّه «لا تقولوا راعُونا» وذلك أنها كلمة باليهودية شتم، فلما سمعت اليهود أصحاب مُحَمَّد ﷺ يقولون: يا نبي اللَّه راعنا «٥» ، اغتنموها فقالوا: قد كُنَّا نسبه فِي أنفسنا فنحن الآن قد أمكننا أن نظهر له السَّبَّ، فجعلوا يقولون لرسول اللَّه ﷺ : راعِنا، ويضحك بعضهم إلى بعض، ففطن لها رَجُل «٦» من الأنصار، فقال لهم: والله لا يتكلم بها رجل

стр. 83

إلا ضربت عنقه، فأنزل اللَّه «١» «لا تَقُولُوا راعِنا» ينهى المسلمين «٢» عَنْهَا إذ كانت سبا عند اليهود. وقد قرأها الْحَسَن الْبَصْرِيّ: «لا تَقُولُوا راعِنا» بالتنوين، يقول: لا تقولوا حُمْقا، وينصب بالقول كما تقول: قَالُوا خيرا وقالوا شرا. وقوله: وَقُولُوا انْظُرْنا أي انتظرنا. وانْظُرْنا: أخِّرنا، (قال اللَّه) «٣» : « [قالَ] أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» يريد «٤» أخّرنى، وفى سورة الحديد [يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ] «لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ» «٥» خفيفة الألف على معنى الانتظار. وقرأها حمزة الزيات: «لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا» على معنى التأخير. وقوله: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ ... (١٠٥) معناه: ومن المشركين «٦» ، ولو كانت «المشركون» رفعًا مردودة على «الَّذِينَ كَفَرُوا» كان صوابا [تريد ما يود الذين كفروا ولا المشركون] «٧» ، ومثلها فى المائدة: [يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً] مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ «٨» ، قرئت بالوجهين: [والكفار، والكفار] «٩» ، وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه: «ومن الكفار أولِياء» . وكذلك قوله:

стр. 84

«لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ» «١» فِي موضع خفض على قوله: «مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ» : ومن المشركين، ولو كانت رفعا كان صوابا ترد على الذين كفروا. وقوله: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ ... (١٠٨) أَمْ (فِي المعنى) «٢» تكون ردا على الاستفهام على جهتين إحداهما: أن تفرق «٣» معنى «أي» ، والأخرى أن يستفهم بها. فتكون «٤» على جهة النسق، والذي يُنوى بها الابتداء إلا أنه ابتداء متصل بكلام. فلو ابتدأت كلاما ليس قبله كلامٌ، ثُمَّ استفهمت لم يكن إلا بالألف أو بهل ومن ذلك قول اللَّه: «الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ» «٥» ، فجاءت «أَمْ» وليس قبلها استفهام، فهذا دليل على أنها استفهام مبتدأ على كلامٍ قد سبقه. وأما قوله: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ فإن شئت جعلته على مثل هذا، وإن شئت قلت: قبله استفهام فرد عليه وهو قول اللَّه: «أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» . وكذلك قوله: «مَا لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ. أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ» «٦» فإن شئت جعلته استفهاما مبتدأ قد سبقه كلامٌ، وإن شئت جعلته مردودا على قوله: «ما لَنا لا نَرى رِجالًا» وقد قرأ بعض

стр. 85

القرّاء: «أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا» يستفهم فى «أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا» بقطع الألف لينسّق عليه «أَمْ» لأن أكثر ما تجىء مع الألف وكل صواب. ومثله: «أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي» ثُمَّ قال: «أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا» والتفسير فيهما واحد. وربما جعلت العرب «أَمْ» إذا سبقها استفهام لا تصلح أي فِيهِ على جهة بل فيقولون: هَلْ لك قبلنا حق أم أنت رَجُل معروفٌ بالظلم. يريدون: بل أنت رجلٌ معروف بالظلم وقال الشاعر: فو الله ما أدْرِي أَسَلْمَى تَغَوّلَتْ «١» ... أَمِ النَّوْمُ أَمْ كُلُّ إِلَيّ حَبِيبٌ معناه [بل كل إلى حبيب] «٢» . وكذلك تفعل العرب فِي «أو» فيجعلونها نسقًا مفرقة لمعنى ما صلحت فِيهِ «أحَدٌ» ، و «إحدى» كقولك: اضرب أحدهما زيدا أو عمرا، فإذا وقعت فِي كلام لا يراد به أحدٌ وإن صلحت جعلوها على جهة بل كقولك فِي الكلام: اذهب إلى فلانٍ أو دع ذلك فلا تبرح اليوم. فقد دلك هذا على أن الرجل قد رجع عن أمره الأول وجعل «أو» فِي معنى «بل» ومنه قول اللَّه: «وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ» وأنشدني بعض العرب «٣» : بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشمس فِي رونق الضحى ... وصورتها أو أنت فِي العين أملح «٤» يريد: بل أنت.

стр. 86

وقوله: فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٠٨) و «سَواءَ» «١» فِي هذا الموضع قصد، وقد تكون «سَواءَ» «٢» فِي مذهب غير كقولك للرجل: أتيت سواءك. وقوله: كُفَّاراً ... (١٠٩) هاهنا «٣» انقطع الكلام، ثم قال: حَسَداً كالمفسر لم ينصب على أنه نعت للكفار «٤» ، إنما هُوَ كقولك للرجل: هُوَ يريد بك الشر حسدا وبغيا. وقوله: مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ... (١٠٩) من قبل أنفسهم لم يؤمروا به فِي كتبهم. وقوله: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى ... (١١١) يريد يهوديًّا، فحذف الياء الزائدة ورجع إلى الفعل من اليهودية. وهي فِي قراءة أَبِي وعبد اللَّه: «إلا من كان يهوديًّا أو نصرانيّا» وقد يكون أن تجعل اليهود جمعًا واحده هائد (ممدود «٥» ، وهو مثل حائل ممدود) «٦» - من النوق- وحُول، وعائط «٧» وعُوط وعيط وعوطط.

стр. 87

وقوله: أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ (١١٤) هذه «١» الروم كانوا غزوا بيت المقدس فقتلوا وحرقوا وخربوا المسجد. وإنما أظهر اللَّه عليهم المسلمين فِي زمن عُمَر- ﵀ فبنوه، (ولم) «٢» تكن الروم تدخله إلا مستخفين، لو علم بهم لقتلوا. وقوله: لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ ... (١١٤) يقال: إن مدينتهم الأولى أظهر اللَّه عليها المسلمين فقتلوا مقاتلهم، وسبوا الذراري والنساء، فذلك الخزي. وقوله: وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤) يقول فيما وعد اللَّه المسلمين من فتح الروم، ولم يكن بعد «٣» . وقوله: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦) يريد مطيعون، وهذه خاصة لأهل الطاعة ليست بعامة. وقوله: فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) رفع ولا يكون نصبا، إنما «٤» هى مردودة على «يَقُولُ» [فإنما يقول فيكون] «٥» . وكذلك قوله: «وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ» «٦» رفعٌ لا غير. وأما التي فِي النحل: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» فإنها نصب «٧» ،

стр. 88

وكذلك التي فِي «يس» نصبٌ لأنها مردوةٌ على فعل قد نُصب بأن، وأكثر القراء على رفعهما. والرفع صوابٌ، وذلك أن تجعل الكلام مكتفيا عند قوله: «إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ» فقد تم الكلام، ثُمَّ قال: فسيكون ما أراد اللَّه. وإنه لاحب الوجهين إليّ، وإن كان الكسائي لا يُجيز الرفع فيهما ويذهب إلى النّسق. وقوله: تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ... (١١٨) يقول: تشابهت قلوبهم «١» فِي اتفاقهم على الكفر. فجعله اشتباها. ولا يجوز تشابهت بالتثقيل لأنه لا يستقيم دخول تاءين زائدتين فِي تفاعلت ولا فِي أشباهها. وإنما يجوز الادغام إذا قلت فِي الاستقبال: تتشابه (عن قليل) «٢» فتدغم التاء الثانية عند الشين. وقوله: وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩) قرأها ابن عَبَّاس [وأبو جَعْفَر] «٣» مُحَمَّد بْن علىّ بن الحسين جزما، وقرأها بعض أَهْل المدينة جزما، وجاء التفسير بِذَلِك، [إلا أن التفسير «٤» ] على فتح التاء على النهى. والقراء [بعد] «٥» على رفعها على الخبر: ولست تسئل، وَفِي قراءة أبي «وما تسئل» وَفِي قراءة عَبْد اللَّه: «ولن تسال» وهما شاهدان «٦» للرفع. وقوله: وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ ... (١٢٣) يقال: فدية.

стр. 89

وقوله: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ ... (١٢٤) يقال: أمره بخلالٍ عشرٍ من السنة خمس فِي الرأس، وخمس فِي الجسد فأما اللاتي فِي الرأس فالفرق «١» ، وقص الشارب، والاستنشاق، والمضمضة، والسواك. وأما اللاتي فِي الجسد فالختان، وحلق العانة، وتقليم الأظافر، ونتف الرفغين يعني الإبطين. قال الفرّاء: ويقال للواحد رفع «٢» والاستنجاء. فَأَتَمَّهُنَّ: عمل بهن فقال اللَّه ﵎: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً: يهتدى بهداك ويستنّ بك، فقال: ربّ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي على المسألة «٣» . وقوله: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ... (١٢٤) يقول: لا يكون للمسلمين إمام مشرك. وفي قراءة عَبْد اللَّه: «لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِون» . وقد فسر هذا لأن «٤» ما نالك فقد نلته، كما تقول: نلت خيرك، ونالني خيرك. وقوله: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ ... (١٢٥) يثوبون إليه- من المثابة والمثاب- أراد: من كل مكان. والمثابة «٥» فِي كلام العرب كالواحد مثل المقام والمقامة.

стр. 90

وقوله: وَأَمْناً ... (١٢٥) يقال «١» : إن من جنى جناية أو أصاب حدّا ثُمَّ عاذ بالحرم لم يُقَم عليه حده حَتَّى يخرج من الحرم، ويؤمر بأَلا يخالط ولا يبايع، وأن يضيق عليه (حَتَّى يخرج) «٢» ليقام عليه الحد، فذلك أمنه. ومن جنى من أهل الحرم جناية أو أصاب حدّا أقيم عليه فِي الحرم. وقوله: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ... (١٢٥) وقد قرأت القراء بمعنى «٣» الجزم [والتفسير مع أصحاب الجزم] «٤» ، ومن قرأ «وَاتَّخِذُوا» ففتح الخاء كان خبرا يقول «٥» : جعلناه مثابة لهم واتخذوه مصلى، وكل صواب إن شاء اللَّه. وقوله: أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ ... (١٢٥) يريد: من الأصنام ألا «٦» تعلق فِيهِ. وقوله: لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ ... (١٢٥) يعنى أهله وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ يعنى أهل الإسلام.

стр. 91

وقوله: وَمَنْ كَفَرَ ... (١٢٦) من قول الله ﵎ فَأُمَتِّعُهُ على الخبر. وفي قراءة أَبِي «وَمَن كَفَرَ فَنُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ» (فهذا وجه) «١» . وكان ابن عَبَّاس يجعلها متصلة بمسئلة إبراهيم «٢» صلى الله عليه على معنى: رب «وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ» (منصوبة موصولة) «٣» . يريد ثُمَّ أَضْطَرِرْه فإذا تركت التضعيف نصبت، وجاز فِي هذا المذهب كسر الراء فِي لغة الَّذِين يقولون مُدِّهِ. وقرأ يحيى بْن وَثَّاب: «فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ» بكسر الألف كما تقول: أَنَا أعلم ذاك. وقوله: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ (١٢٧) يقال هى إساس «٤» البيت. واحدتها قاعدة، ومن النساء «٥» اللواتي قد قعدن عن المحيض قاعد بغيرها. ويقال لامرأة الرجل قعيدته. وقوله: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا ... (١٢٧) يريد: يقولان ربنا. وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه «ويقولان ربنا» .

стр. 92

وقوله: وَأَرِنا مَناسِكَنا ... (١٢٨) وفى قراءة عبد الله: «وأرناهم مناسكهم» ذهب إلى الذرية. «وَأَرِنا» ضمهم إلى نفسه، فصاروا كالمتكلمين عن أنفسهم يدلك على ذلك قوله: وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا رجع إلى الذرية خاصة. وقوله: إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ... (١٣٠) العرب توقع سفه على (نفسه) وهي معرفة. وكذلك قوله: «بَطِرَتْ مَعِيشَتَها» «١» وهي من المعرفة كالنكرة، لأنه مفسر، والمفسر فِي أكثر الكلام نكرة كقولك: ضِقت به ذَرْعا، وقوله: «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً» «٢» فالفعل للذرع لأنك تقول: ضاق ذرعي به، فلما جعلت الضيق مسندا إليك فقلت: ضقت جاء الذّرع مفسرا لأن الضيق فِيهِ كما تقول: هُوَ أوسعكم دارا. دخلت الدار لتدل على أن السعة فيها لا فِي الرجل وكذلك قولهم: قد وجعت بطنك، ووثقت رأيك- أو- وفقت، [قال أَبُو عَبْد اللَّه «٣» : أكثر ظني وثقت بالثاء] «٤» إنما الفعل للأمر، فلما أسند الفعل إلى الرجل صلح النصب فيما عاد بذكره على التفسير ولذلك لا يجوز تقديمه، فلا يقال: رأيه سفه زيدٌ، كما لا يجوز دارا أنت أوسعهم لأنه وإن كان معرفة فإنه فِي تأويل نكرة، ويصيبه النصب فِي موضع نصب النكرة ولا يجاوزه.

стр. 93

وقوله: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ ... (١٣٢) فِي مصاحف أهل المدينة «وأوصى» وكلاهما صوابٌ كثير فى الكلام. وقوله: وَيَعْقُوبُ ... (١٣٢) أي ويعقوب وصى بهذا أيضا. وَفِي إحدى القراءتين قراءة عَبْد اللَّه أو «١» قراءة أُبَيٍّ: «أن يا بني إن اللَّه اصطفى لكم الدين» يوقع وصى على «أَنْ» يريد وصاهم «بأن» ، وليس فِي قراءتنا «أن» ، وكل صواب. فمن ألقاها قال: الوصية قول، وكل كلام رجع إلى القول جاز فِيهِ دخول أن، وجاز إلقاء أن كما قال اللَّه فِي النساء «٢» : «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» لأن الوصية كالقول وأنشدني الكسائي: إني سأُبدي لك فيما أبدى ... لي شجنان شجن بنجد وشجن لي ببلاد السِنْد لأن الإبداء فِي المعنى بلسانه ومثله قول اللَّه «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً» «٣» لأن العدة قول. فعلى هذا يبنى ما ورد من نحوه. وقول النحويين: إنما أراد: أن فألقيت ليس بشيء لأن هذا لو كان لجاز إلقاؤها مع ما يكون فِي معنى القول وغيره.

стр. 94

وإذا كان الموضع فِيهِ ما يكون معناه معنى القول ثُمَّ ظهرت فِيهِ أن فهي منصوبة الألف. وإذا لم يكن ذلك الحرف يرجع إلى معنى القول سقطت أن من الكلام. فأما الَّذِي يأتي بمعنى القول فتظهر فِيهِ أن مفتوحة فقول اللَّه ﵎: «إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ» «١» جاءت أن مفتوحة لأن الرسالة قول. وكذلك قوله «فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ. أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا» «٢» والتخافت قول. وكذلك كل ما كان فِي القرآن. وهو كثير. منه قول اللَّه «وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ» «٣» . ومثله: «فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ [عَلَى الظَّالِمِينَ] » «٤» الأذان قول، والدعوى قول فِي الاصل. وأما ما ليس فِيهِ معنى القول فلم تدخله أن فقول اللَّه «وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا» «٥» فلمّا لم يكن فى «أَبْصَرْنا» كلام يدل على القول أضمرت القول فأسقطت أن لأن ما بعد القول حكاية لا تحدث معها أن. ومنه قول اللَّه «وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ» «٦» . معناه: يقولون أخرجوا. ومنه قول اللَّه ﵎: «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا» . معناه يقولان «رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا» وهو كثير. فقس بهذا ما ورد عليك.

стр. 95

[وقوله: ... قالوا نعبد إلهك وإله ءابائك إبراهيم وإسمعيل وإسحق إلها واحدا ونحن له مسلمون ١٣٣] . قرأت القرّاء نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ، وبعضهم قرأ «وإله أبيك» واحدا. وكأن الَّذِي قال: أبيك (ظن أن العم لا يجوز فِي الآباء) «١» فقال «وإله أبيك إِبْرَاهِيم» ، ثُمَّ عدد بعد الأب العم. والعرب تجعل الأعمام كالآباء، وأهل الأم كالأخوال. وذلك كثير فِي كلامهم. وقوله: قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ... (١٣٥) أمر اللَّه محمدا ﷺ . فإن نصبتها ب (نكون) «٢» كان صوابا وإن نصبتها بفعل مضمر كان صوابا كقولك بل نتّبِع «مِلَّةَ إِبْراهِيمَ» ، وإنما أمر اللَّه النَّبِيّ محمدا ﷺ فقال «قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ» . وقوله: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ... (١٣٦) يقول لا نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى وقوله: صِبْغَةَ اللَّهِ ... (١٣٨) نَصْب، مردودة «٣» على المِلَّة، وإنما قيل «صِبْغَةَ اللَّهِ» لأن بعض النصارى كانوا إذا وُلد المولود جعلوه فِي ماء لهم يجعلون ذلك تطهيرا له كالختانة. وكذلك

стр. 96

هِيَ فِي إحدى القراءتين. قل «صِبْغَةَ اللَّهِ» وهي الختانة، اختتن إِبْرَاهِيم ﷺ فقال: قل «صِبْغَةَ اللَّهِ» يأمر بها مُحَمَّدا ﷺ فجرت الصبغة على الختانة لصبغهم الغلمان فِي الماء، ولو رفعت الصبغة والملة كان صوابا كما تقول العرب: جدك لا كدك، وجدك لا كدك. فمن رفع أراد: هِيَ ملة إِبْرَاهِيم، هِيَ صبغة الله، هو جدّك. ومن نصب أضمر مثل الَّذِي قلت لك من الفعل. وقوله: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ... (١٤٣) يعنى عدلا «١» لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ يقال: إن كل نبي يأتي يوم القيامة فيقول: بلغت، فتقول أمته: لا، فيكذبون الأنبياء، «٢» (ثُمَّ يجاء بأمة مُحَمَّد ﷺ فيصدقون الأنبياء ونبيهم) ، ثُمَّ يأتي النَّبِيّ ﷺ فيصدق أمَّته، فذلك قوله ﵎: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً، ومنه قول اللَّه: «فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ [وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً] » «٣» . وقوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ ... (١٤٣) أسند الإيمَان إلى الأحياء من المؤمنين، والمعنى فيمن مات من المسلمين قبل أن تحول القبلة. فقالوا للنبي ﷺ : كيف بصلاة إخواننا الذين ماتوا على القبلة الأولى؟ فأنزل اللَّه ﵎: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ

стр. 97

يريد إيمانهم لانهم داخلون معهم فِي الملة، وهو كقولك للقوم: قد قتلناكم وهزمناكم، تريد: قتلنا منكم، فتواجههم بالقتل وهم أحياء. وقوله: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ... (١٤٤) يريد: نحوه وتلقاءه، ومثله فِي الكلام: وَلِّ وجهك شطره، وتلقاءه، وتُجَاهه. وقوله: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ... (١٤٥) أجيبت (لئن) بما يجاب به لو. ولو فِي المعني ماضية، ولئن مستقبلة، ولكن الفعل ظهر فيهما بفعل فأُجيبتا بجواب واحدٍ، وشُبِّهت كل واحدة بصاحبتها. والجواب فى الكلام فى (لئن) بالمستقبل مثل قولك: لئن قمت لأقومنَّ، ولئن أحسنت لتُكرمنّ، ولئن أسأت لا يُحْسَنْ إليك. وتجيب لو بالماضي فتقول: لو قمت لقمت، ولا تقول: لو قمت لأقومنَّ. فهذا الَّذِي عليه يُعمل، فإذا أُجيبت لو بجواب لئن فالذي قلت لك من لفظ فعليهما بالمضي، ألا ترى أنك تقول: لو قمت، ولئن قمت، ولا تكاد ترى (تفعل تأتي) «١» بعدهما، وهي جائزة، فلذلك قال «وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا» «٢» فأجاب (لئن) بجواب (لو) ، وأجاب (لو) بجواب (لئن) فقال «وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ» «٣» الآية

стр. 98

وقوله: وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ... (١٤٧) المعنى أنهم لا يؤمنون بأن القبلة التي صرف إليها مُحَمَّد ﷺ قبلة إِبْرَاهِيم ﷺ وعلى جميع الأنبياء، ثم استأنف (الحقّ) فقال: يا مُحَمَّد هُوَ «الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ» ، إنها قبلة إِبْرَاهِيم فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ: فلا تشكن فِي ذلك. والممتري: الشاك. وقوله: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ ... (١٤٨) يعنى قبلةوَ مُوَلِّيها : مستقبلها، الفعل لكلٍ، يريد: مولٍ وجهه إليها. والتولية فِي هذا الموضع إقبال، وفي «يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ» «١» ، «ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ» «٢» انصراف. وهو كقولك فِي الكلام: انصرف إلى، أي أقبل إلى، وانصرف إلى أهلك أي اذهب إلى أهلك. وقد قرأ ابن عَبَّاس وغيره «هُوَ مُوَلاها» ، وكذلك قرأ أبو «٣» جَعْفَر مُحَمَّد بْن علي، فجعل الفعل واقعا عليه. والمعنى واحد. والله أعلم. وقوله: يْنَ ما تَكُونُوا ... (١٤٨) إذا رأيت حروف الاستفهام قد وصلت ب (ما) ، مثل قوله: أينما، ومتى ما، وأي ما، وحيث «٤» ما، وكيف ما، و «أَيًّا مَا تَدْعُوا» «٥» كانت جزاء ولم تكن استفهاما. فإذا لم توصل ب (ما) كان الاغلب عليها الاستفهام، وجاز فيها الجزاء.

стр. 99

فإذا كانت جزاء جزمت الفعلين: الفعل الَّذِي مع أينما وأخواتها، وجوابه كقولهَ يْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ» «١» فإن أدخلت الفاء فِي الجواب رفعت الجواب فقلت فِي مثله من الكلام: أينما تكن فآتيك. كذلك قول اللَّه- ﵎ «وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ» . فإذا كانت استفهاما رفعت الفعل الَّذِي يلي أَيْنَ وكيف، ثُمَّ تجزم الفعل الثاني ليكون جوابا للاستفهام، بمعنى الجزاء كما قال اللَّه ﵎: «هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ» «٢» ثُمَّ أجاب الاستفهام بالجزم فقال- ﵎ «يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ» «٣» . فإذا أدخلت فِي جواب الاستفهام فاءً نصبت كما قال اللَّه- ﵎ «لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ» «٤» فنصب. فإذا جئت إلى العطوف التي تكون فى الجزاء وقد أجبته بالفاء كان لك فِي العطف ثلاثة أوجه إن شئت رفعت العطف مثل قولك: إن تأتني فإني أهل ذاك، وتُؤْجَرُ وتحمد، وهو وجه الكلام. وإن شئت جزمت، وتجعله كالمردود على موضع الفاء. والرفعُ على ما بعد الفاء. وقد قرأت القراء «مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ» «٥» . رفع وجزم. وكذلك «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ

стр. 100

فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ» «١» جزم ورفع. ولو نصبت على ما تنصب عليه عطوف الجزاء إذا استغنى لأصبت كما قال الشاعر «٢» : فإن يهلك النعمان تعر مطِيَّةٌ ... وتُخْبَأَ فِي جوفِ العِيابِ قُطُوعُها «٣» وإن جزمت عطفا بعد ما نصبت ترده على الأول، كان صوابا كما قَالَ بعد هَذَا البيت: وتنحط حصان آخر اللّيل نحطه ... تقصم منها- أو تكاد- ضلوعها «٤» وهو كثير فِي الشعر والكلام. وأكثر ما يكون النصب فِي العطوف إذا لم تكن فِي جواب الجزاء الفاءُ، فإذا كانت الفاءُ فهو الرفع والجزم. وإذا أجبت الاستفهام بالفاء فنصبت فانصب العطوف، وإن جزمتها فصواب. من ذلك قوله فِي المنافقين «لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ» «٥» رددت «وَأَكُنْ» على موضع الفاء لأنها فِي محل جزمٍ إذ كان الفعل إذا «٦» وقع موقعها بغير الفاء جزم. والنصب على أن ترده على ما بعدها، فتقول: «وأكون» وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود «وأكون» بالواو، وقد قرأ بها بعض «٧» القراء. قال: وأرى ذلك صوابا «٨» لأن الواو ربما حذفت من الكتاب

стр. 101

وهي تراد لكثرة ما تنقص وتزاد فِي الكلام ألا ترى أنهم يكتبون «الرحمن» وسليمن بطرح الألف والقراءة بإثباتها فلهذا جازت. وقد أسقطت الواو من قوله «سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ» «١» ومن قوله «وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ» «٢» الآية، والقراءة على نيَّة إثبات الواو. وأسقطوا من الايكة ألفين فكتبوها فِي موضع ليكة «٣» ، وهي فِي موضع آخر الايكة «٤» ، والقراء «٥» على التمام، فهذا شاهد على جواز «وأكون من الصالحين» . وقال بعض الشعراء «٦» : فأَبلُوني بَلِيَّتَكُم لَعَلِّي ... أصلكم وأَسْتَدْرِجْ نَوَيّا فجزم (وأستدرج) ، فإن شئت رددته إلى موضع الفاء المضمرة فِي لعلى، وإن شئت جعلته فِي موضع رفع فسكنت الجيم لكثرة توالي الحركات. وقد قرأ بعض القراء «لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ» بالجزم وهم ينوون الرفع، وقرءوا «أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ» والرفع أحبّ إلىّ من الجزم.

стр. 102

وقوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ... (١٥٠) يقول القائل: كيف استثنى الذين ظلموا فِي هذا الموضع؟ ولعلهم توهّموا أن ما بعد إلا يخالف ما قبلها فإن كان ما قبل إلا فاعلا كان الَّذِي بعدها خارجا من الفعل الَّذِي ذكر، وإن كان قد نفى عما قبلها الفعل ثبت لما بعد إلا كما تقول: ذهب الناس إلا زَيْدًا، فزيد خارج من الذهاب، ولم يذهب الناس إلا زَيْدُ، فزيد ذاهب، والذهاب مثبت لزيد. فقوله «١» «إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا» [معناه «٢» : إلا الذين ظلموا منهم] ، فلا حجة لهم «فَلا تَخْشَوْهُمْ» وهو كما تقول فِي الكلام: الناس كلهم [لك] «٣» حامدون إلا الظالم لك المعتدي عليك، فإن ذلك لا يعتد بعداوته ولا بتركه الحمد لموضع العداوة. وكذلك الظالم لا حجة له. وقد سمي ظالما. وقد قال بعض النحويين «٤» : إلا فى هذا الموضع بمنزلة الواو كأنه قال: «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ» ولا للذين ظلموا. فهذا صواب فِي التفسير، خطأ فِي العربية إنما تكون إلا بمنزلة الواو إذا عطفتها على استثناء قبلها، فهنالك تصير بمنزلة الواو كقولك: لي على فلان ألف إلا عشرة إلا مائة، تريد: (إلّا) الثانية أن ترجع على الألف، كأنك أغفلت المائة فاستدركتها فقلت: اللهمّ

стр. 103

إلا مائة. فالمعنى له على ألف ومائة، وأن تقول: ذهب الناس إلا أخاك، اللهم إلا أباك، فتستثني الثاني، تريد: إلا أباك وإلا أخاك كما قال الشاعر «١» : ما بالمدينة دار غير واحدةٍ ... دار الخليفة إلا دار مروانا كأنه أراد: ما بالمدينة دار إلا دار الخليفة ودار مروان. وقوله: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ ... (١٤٨) العرب تقول: هذا أمر ليس له وجهة، وليس له جهة، وليس له وجه وسمعتهم يقولون: وجه الحجر، جهة ماله، ووجهة ماله، ووجه ماله. ويقولون: ضعه غير هذه الوضعة، والضِّعة، والضَعَة. ومعناه: وجه الحجر فله جهة وهو مثل، أصله فِي البناء يقولون: إذا رَأَيْت الحجر فِي البناء لم يقع موقعه فأدره فإنك ستقع على جهته «٢» . ولو نصبوا على قوله: وجهه جهته لكان صوابا. وقوله: وَاخْشَوْنِي ... (١٥٠) أثبتت فيها الياء ولم تثبت فِي غيرها، وكل ذلك صواب، وإنما استجازوا حذف الياء لأن كسرة النون تدل عليها، وليست تهيب العرب حذف الياء من آخر الكلام إذا كان ما قبلها مكسورا، من ذلك «رَبِّي أَكْرَمَنِ- وأَهانَنِ» فى سورة «الفجر» «٣» وقوله: «أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ» «٤» ومن غير النون «الْمُنادِ» «٥» و «الدَّاعِ» «٦» وهو كثير، يكتفي من الياء بكسرة ما قبلها، ومن الواو بضمة ما قبلها مثل قوله:

стр. 104

«سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ» «١» - «وَيَدْعُ الْإِنْسانُ» «٢» وما أشبهه، وقد تسقط العرب الواو وهي واو جماع، اكتفى بالضمة قبلها فقالوا فِي ضربوا: قد ضرب، وفي قَالُوا: قد قال ذلك، وهى فى هوازن وعليا قيس أنشدني بعضهم: إذا ما شاء ضروا من أرادوا ... ولا يألو لهم أحد ضرارا «٣» وأنشدني الكسائي: مَتَى تقول خلت من أهلها الدار ... كأنهم بجناحي طائر طاروا وأنشدني بعضهم: فلو أن الأطباء كان عندي ... وكان مع الأطباء الأساة «٤» وتفعل ذلك فِي ياء التأنيث كقول عنترة: إن العدو لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحلي وتخضب «٥» يحذفون (ياء التأنيث) «٦» وهي دليل على الأنثى اكتفاء بالكسرة.

стр. 105

وقوله: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ ... (١٥٠) جواب لقوله: (فاذكرونى أذكركم) : كما أرسلنا، فهذا جواب (مقدم ومؤخر) «١» . وفيها وجه آخر: تجعلها من صلة ما قبلها لقوله: «أَذْكُرْكُمْ» ألا ترى أنه قد جعل لقوله: «فَاذْكُرُونِي» جوابا مجزوما، (فكان فِي ذلك دليل) «٢» على أن الكاف التي فى (كما) لما قبلها لأنك تقول فِي الكلام: كما أحسنت فأحسن. ولا تحتاج إلى أن تشترط ل (أحسن) لأن الكاف شرط، معناه افعل كما فعلت. وهو فِي العربية أنفذ «٣» من الوجه الأول مما جاء به التفسير وهو صواب بمنزلة جزاء يكون له جوابان مثل قولك: إذا أتاك فلان فأته ترضه. فقد صارت (فأته) و (ترضه) جوابين. وقوله: وَاشْكُرُوا لِي ... (١٥٢) العرب لا تكاد تقول: شكرتك، إنما تقول: شكرت لك، ونصحت لك. ولا يقولون: نصحتك، وربما قيلتا قال بعض الشعراء: هُمْ جمعوا بؤسى ونعمى عليكم ... فهلا شكرت القوم إذ لم تقاتل وقال النابغة: نصحت بني عوفٍ فلم يتقبلوا ... رسولي ولم تنجح لديهم وسائلي

стр. 106

وقوله: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ ... (١٥٤) رفع بإضمار مكنى من أسمائهم كقولك: لا تقولوا: هُمْ أموات بل هُمْ أحياء. ولا يجوز فِي الأموات النصب لأن القول لا يقع على الاسماء إذا أضمرت وصوفها أو أظهرت كما لا يجوز قلت عَبْد اللَّه قائمًا، فكذلك لا يجوز نصب الأموات لأنك مضمر لاسمائهم، إنما يجوز النصب فيما قبله القول إذا كان الاسم فِي معنى قولٍ من ذلك: قلت خيرا، وقلت شرا. فترى الخير والشر منصوبين لانهما قول، فكأنك قلت: قلت كلاما حسنا أو قبيحا. وتقول: قلت لك خيرا، وقلت لك خير، فيجوز، إن جعلت الخير قولا نصبته كأنك قلت: قلت لك كلاما، فإذا رفعته فليس بالقول، إنما هُوَ بمنزلة قولك: قلت لك مال. فابن على ذا ما ورد عليك من المرفوع قوله: «سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ» «١» و «خَمْسَةٌ» و «سَبْعَةٌ» ، لا يكون نصبا لأنه إخبار عَنْهُمْ فِيهِ أسماء مضمرة كقولك: هُمْ ثلاثة، وهم خمسة. وأمّا قوله- ﵎: «وَيَقُولُونَ طاعَةٌ» «٢» فإنه رفع على غير هذا المذهب. وذلك أن العرب كانوا يقال لهم: لا بد لكم من الغزو فِي الشتاء والصيف، فيقولون: سمع وطاعة معناه: منا السمع والطاعة، فجرى الكلام على الرفع. ولو نصب على: نسمع سمعا ونطيع طاعة كان صوابا. وكذلك قوله ﵎ فى سورة مُحَمَّد ﷺ : «فَأَوْلى لَهُمْ طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ» «٣» . عيّرهم وتهدّدهم بقوله: «فَأَوْلى لَهُمْ» ، ثُمَّ ذكر ما يقولون فقال: يقولون إذا أمروا «طاعَةٌ» . «فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ» نكلوا

стр. 107

وكذبوا فلم يفعلوا. فقال اللَّه ﵎ «فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ» ، وربما قال بعضهم: إنما رفعت الطاعة بقوله: لهم طاعة، وليس ذلك بشيء. والله أعلم. ويقال أيضا: «وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ» و «طاعَةٌ» فأضمر الواو، وليس ذلك عندنا من مذاهب العرب، فإن يك موافقا للتفسير فهو صواب. وقوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ ... (١٥٥) ولم يقل (بأشياء) لاختلافها. وذلك أن من تدل على أن لكل صنف منها شيئًا مضمرًا: بشيء من الخوف وشيء من كذا، ولو كان بأشياء «١» لكان صوابًا. وقوله: قالُوا إِنَّا لِلَّهِ ... (١٥٦) لم تكسر العرب (إنا) «٢» إلا فِي هذا الموضع مع اللام فِي التوجع خاصة. فإذا لم يقولوا (لله) فتحوا فقالوا: إنا لزيد محبّون، وإنا لربّنا حامدون عابدون. وإنما كسرت فى «إِنَّا لِلَّهِ» لأنها استعملت فصارت كالحرف الواحد «٣» ، فأشير إلى النون بالكسر «٤» لكسرة اللام التي فِي «لِلَّهِ» كما قالوا: هالك وكافر، كسرت الكاف

стр. 108

من كافر لكسرة الألف لأنه حرف واحد، فصارت «إِنَّا لِلَّهِ» كالحرف الواحد لكثرة استعمالهم إياها، كما قَالُوا: الحمد لله. وقوله: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ... (١٥٨) كان المسلمون قد كرهوا الطواف بين الصفا والمروة لصنمين كانا عليهما، فكرهوا أن يكون ذلك تعظيما للصنمين، فأنزل اللَّه ﵎: (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما) وقد قرأها بعضهم «١» «ألا يطوف» وهذا يكون على وجهين أحدهما أن تجعل «لا» مع «أن» صلة على معنى الالغاء كما قال: «ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ» والمعنى: ما منعك أن تسجد. والوجه الآخر أن تجعل الطواف بينهما يرخص فِي تركه. والأول المعمول به. وقوله: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً ... (١٥٨) تنصب على (جهة فعل) «٢» . وأصحاب عَبْد اللَّه «٣» وحمزة «ومن يطوع» لأنها فِي مصحف «٤» عَبْد اللَّه «يتطوع» . وقوله: أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) قال ابن عَبَّاس: «اللَّاعِنُونَ» كل شيء على وجه الأرض إلا الثقلين. [و] «٥» قال عبد الله بن مسعود: إذا تلا عن الرجلان فلعن أحدهما صاحبه وليس أحدهما

стр. 109

مستحق اللعن رجعت اللعنة على المستحق لها، فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت على اليهود الذين كتموا ما أنزل اللَّه ﵎. فجعل اللعنة من المتلاعنين من الناس على ما فسر. وقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) ف «الْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ» فى موضع خفض تضاف اللعنة إليهم على معنى: عليهم لعنة اللَّه ولعنة الملائكة ولعنة الناس. وقرأها الْحَسَن «لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعون» وهو جائز فِي العربية وإن كان مخالفا للكتاب «١» . وذلك أن قولك (عليهم لعنة اللَّه) كقولك يلعنهم اللَّه ويلعنهم الملائكة والناس. والعرب تقول: عجبت من ظلمك نفسك، فينصبون النفس لأن تأويل الكاف رفع. ويقولون: عجبت من غلبتك نفسك، فيرفعون النفس لأن تأويل الكاف نصب. فابن على ذا ما ورد عليك. ومن ذلك قول العرب: عجبت من تساقط البيوت بعضها على بعض، وبعضها على بعض. فمن رفع رد البعض إلى تأويل «٢» البيوت لأنها رفع ألا ترى أن المعنى: عجبت من أن تساقطت بعضها على بعض. ومن خفض أجراه على لفظ البيوت، كأنه قال: من تساقط بعضها على بعض. وأجود ما يكون فِيهِ الرفع أن يكون الأول الَّذِي فِي تأويل رفع أو نصب قد كنى عَنْهُ مثل قولك: عجبت من تساقطها. فتقول هاهنا: عجبت من

стр. 110

تساقطها بعضها على بعض لأن الخفض إذا كنيت عَنْهُ قبح أن ينعت بظاهر، فرد إلى المعنى الَّذِي يكون رفعا فِي الظاهر، والخفض جائز. وتعمل فيما تأويله النصب بمثل هذا فتقول: عجبت من إدخالهم بعضهم فِي إثر بعض تؤثر النصب فِي (بعضهم) ، ويجوز الخفض. وقوله: وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ ... (١٦٤) تأتي مرة جنوبا، ومرة شمالا، وقبولا، ودبورا. فذلك تصريفها. وقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ... (١٦٥) يريد- والله أعلم- يحبون الأنداد، كما يحب المؤمنون اللَّه. ثُمَّ قال: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ من أولئك لأندادهم. وقوله: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ ... (١٦٥) يوقع «يَرَى» على «أن القوّة لله وأن الله» وجوابه متروك. والله أعلم. (وقوله) «١» : «وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ» «٢» وترك الجواب فِي القرآن كثير لأن معاني «٣» الجنة والنار مكرر «٤» معروف. وإن شئت كسرت إن وإن وأوقعت «يَرَى» على «إِذْ» فِي المعنى. وفتح إن وإن مع الياء أحسن من كسرها. ومن قرأ «ولو ترى الذين ظلموا» بالتاء كان وجه الكلام أن يقول «أَنَّ الْقُوَّةَ ... » بالكسر «وَأَنَّ ... » لأن «ترى» قد وقعت على (الذين ظلموا)
следующие страницы →