← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23634

معاني القرآن للفراء

يحيى بن زياد الفراء

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ومن العرب من يذكر السماء لأنه جمع كأن واحدته سماوة أو سماءة. قال: وأنشدني بعضهم: فلو رفع السماء إليه قوما ... لحقنا بالسماء مع السحاب «١» فإن قال قائل: أرأيت الفعل إذا جاء بعد المصادر المؤنثة أيجوز تذكيره بعد الأسماء كما جاز قبلها؟ قلت: ذلك قبيح وهو جائز. وإنما قبح لأن الفعل إذا أتى بعد الاسم كان فِيهِ مكنى من الاسم فاستقبحوا أن يضمروا مذكرا قبله مؤنث، والذين استجازوا ذلك قَالُوا: يذهب به إلى المعنى، وهو فِي التقديم والتأخير سواء قال الشاعر: فإن تعهدي لامرئ لمةً ... فإن الحوادث أزرى بها «٢» ولم يقل: أزرين بها ولا أزرت بها. والحوادث جمع ولكنه ذهب بها إلى معنى الحدثان. وكذلك قال الآخر: هنيئا لسعدٍ ما اقتضى بعد وقعتى ... بناقة سعد والعشية بارد كأن العشية فِي معنى العشي ألا ترى قول اللَّه «أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا» «٣» وقال الآخر: إن السماحة والشجاعة ضمنا ... قبرا بمرو على الطريق الواضح»

стр. 142

ولم يقل: ضمنتا، والسماحة والشجاعة مؤنثتان للهاء التي فيهما. قال: فهل يجوز أن تذهب بالحدثان إلى الحوادث فتؤنث فعله قبله فتقول أهلكتنا الحدثان؟ قلت نعم أنشدني الكسائي: ألا هلك الشهاب المستنير ... ومدرهنا الكمىّ إذا نغير «١» وحمال المئين إذا ألمت ... بنا الحدثان والأنف النصور فهذا كافٍ مما يحتاج إليه من هذا النوع. وأما قوله: «وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ» «٢» ولم يقل «بطونها» والأنعام هِيَ مؤنثة لأنه ذهب به إلى النعم والنعم ذكر. وإنما جاز أن تذهب به إلى واحدها لأن الواحد يأتي فِي المعنى على معنى الجمع كما قال الشاعر: إذا رَأَيْت أنجمًا من الأسد ... جَبْهته أو الخرات والكتد «٣» بال سهيل فِي الفضيخ ففسد ... وطاب ألبان اللقاح فبرد ألا ترى أن اللبن جمع يكفى من الألبان. وقد كان الكسائي يذهب بتذكير الأنعام إلى مثل قول الشاعر: ولا تذهبن عيناك فِي كل شرمح ... طوالٍ فإن الأقصرين أمازره «٤»

стр. 143

ولم يقل: أمازرهم، فذكر وهو يريد أمازر ما ذكرنا. ولو كان كذلك لجاز أن تقول هُوَ أحسنكم وأجمله، ولكنه ذهب إلى أن هذا الجنس يظهر مع نكرةٍ غير مؤقتة يضمر فيها مثل معنى النكرة فلذلك قَالَتِ العرب: هُوَ أحسن الرجلين وأجمله لأن ضمير الواحد يصلح فِي معنى الكلام أن تقول هُوَ أحسن رَجُل فِي الاثنين، وكذلك قولك هِيَ أحسن النساء وأجمله. من قال وأجمله قال: أجمل شيء فِي النساء، ومن قال: وأجملهن أَخْرَجَهُ على اللفظ واحتج بقول الشاعر: مثل الفراخ نتقت حواصله «١» ولم يقل حواصلها. وإنما ذكر لأن الفراخ جمع لم يبن على واحده، فجاز أن يذهب بالجمع إلى الواحد. قال الفراء: أنشدني المفضل: ألا إن جيراني العشية رائح ... دعتهم دواعٍ من هوى ومنازح فقال: رائح ولم يقل رائحون لأن الجيران قد خرج مخرج الواحد من الجمع إذ لم يبن جمعه على واحده. فلو قلت: الصالحون فإن ذلك لم يجز لأن الجمع منه قد بنى على صورة واحدة. وكذلك الصالحات نقول، ذاك غير جائز لأن صورة الواحدة فِي الجمع قد ذهب عَنْهُ توهم الواحدة. ألا ترى أن العرب تقول: عندي عشرون صالحون فيرفعون ويقولون عندي عشرون جيادا فينصبون الجياد لأنها لم تبن على واحدها، فذهب بها إلى الواحد ولم يفعل ذلك بالصالحين قال عنترة: فيها اثنتان وأربعونَ حَلُوبةً ... سُودا كخافية الغراب الأسحم «٢»

стр. 144

فقال: سودا ولم يقل: سود «١» وهي من نعت الاثنتين والاربعين للعلة التي أخبرتك بها. وقد قرأ بعض القرّاء «زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا» ويقال إنه مجاهد فقط. وقوله: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ... (٢١٣) ففيها معنيان أحدهما أن تجعل اختلافهم كفر بعضهم بكتاب بعضٍ «فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا» للإيمان بما أنزل كله وهو حق. والوجه الآخر أن تذهب باختلافهم إلى التبديل كما بدلت التوراة. ثُمَّ قال «فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا» به للحق مما اختلفوا فِيهِ. وجاز «٢» أن تكون اللام فِي الاختلاف ومن فِي «٣» الحق كما قال اللَّه تعالى: «وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ» والمعنى- والله أعلم- كمثل المنعوق به لأنه وصفهم فقال ﵎: «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ» كمثل البهائم، وقال الشاعر «٤» : كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزناء فريضة الرجم وإنما الرجم فريضة الزناء، وقال: إن سراجًا لكريم مفخره ... تَحْلَى بِهِ الْعَيْنُ إذا ما تجهره

стр. 145

والعين لا تحلى إنما يحلى بها سراج، لأنك تقول: حليت بعيني، ولا تقول حليت عيني بك إلا فِي الشعر. وقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ ... (٢١٤) استفهم بأم فِي ابتداءٍ ليس قبله ألف «١» فيكون أم ردا عليه، فهذا مما أعلمتك «٢» أنه يجوز إذا كان قبله كلام يتصل به. ولو كان ابتداء ليس قبله كلام كقولك للرجل: أعندك خير؟ لم يجز هاهنا أن تقول: أم عندك خير. ولو قلت: أنت رَجُل لا تنصف أم لك سلطان تدل به، لجاز ذلك إذ تقدمه كلام فاتصل به. وقوله: أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [معناه «٣» : أظننتم أن تدخلوا الجنة ولم يصبكم مثل ما أصاب الذين قبلكم] فتختبروا. ومثله: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ» «٤» وكذلك فِي التوبة «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ» «٥» . وقوله: وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ ... (٢١٤) قرأها القراء بالنصب إلا مجاهدا وبعض «٦» أهل المدينة فإنهما رفعاها. ولها وجهان فِي العربية: نصب، ورفع. فأما النصب فلان الفعل الَّذِي قبلها مما يتطاول «٧» كالترداد. فإذا كان الفعل على ذلك المعنى نصب بعده بحتى وهو

стр. 146

فِي المعنى ماضٍ. فإذا كان الفعل الَّذِي قبل حَتَّى لا يتطاول وهو ماضٍ رفع الفعل بعد حَتَّى إذا كان ماضيا. فأما الفعل الَّذِي يتطاول وهو ماضٍ فقولك: جعل فلان يديم النظر حَتَّى يعرفك ألا ترى أن إدامة النظر تطول. فإذا طال ما قبل حَتَّى ذهب بما بعدها إلى النصب إن كان ماضيا بتطاوله. قال: وأنشدني [بعض العرب وهو] «١» المفضل: مطوت بهم حَتَّى تكل غزاتهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان «٢» فنصب (تكل) والفعل الَّذِي أداه قبل حَتَّى ماض لأن المطو بالابل يتطاول حَتَّى تكل عَنْهُ. ويدلك على أنه ماض أنك تقول: مطوت بهم حَتَّى كلت غزاتهم. فبحسن «٣» فعل مكان يفعل تعرف الماضي من المستقبل. ولا يحسن مكان المستقبل فعل ألا ترى أنك لا تقول: أضرب زيدا حَتَّى أقر، لأنك تريد: حَتَّى يكون ذلك منه. وإنما رفع مجاهد لأن فعل يحسن فِي مثله من الكلام كقولك: زلزلوا حَتَّى قال الرَّسُول. وقد كان الكسائي قرأ بالرفع دهرا ثُمَّ رجع إلى النصب. وهي في قراءة عَبْد اللَّه: «وزلزلوا ثُمَّ زلزلوا ويقول الرَّسُول» وهو دليل على معنى النصب.

стр. 147

ولحتى ثلاثة معان فِي يفعل، وثلاثة معان فِي الاسماء. فإذا رَأَيْت قبلها فعل ماضيا وبعدها يفعل فِي معنى مضى وليس ما قبل (حَتَّى يفعل) يطول «١» فارفع يفعل بعدها كقولك جئت حَتَّى أكون معك قريبا، وكان أكثر النحويين ينصبون الفعل بعد حَتَّى وإن كان ماضيا إذا كان لغير الأول، فيقولون: سرت حَتَّى يدخلها زَيْدُ فزعم الكسائي أنه سمع العرب تقول: سرنا حَتَّى تطلع لنا الشمس بزبالة «٢» ، فرفع والفعل للشمس، وسمع: إنا لجلوس فما نشعر حتى يسقط حجر بيننا، رفعا. قال: وأنشدني «٣» الكسائي: وقد خضن الهجير وعمن حَتَّى ... يفرج ذاك عنهن المساء وأنشد (قول الآخر) «٤» : وننكر يوم الروع ألوان خيلنا ... من الطعن حَتَّى نحسب الجون أشقرا «٥» فنصب هاهنا لأن الإنكار يتطاول. وهو الوجه الثاني من باب حَتَّى. وذلك أن يكون ما قبل حَتَّى وما بعدها ماضيين، وهما مما يتطاول، فيكون يفعل فِيهِ وهو ماضٍ فِي المعنى أحسن من فعل، فنصب وهو ماضٍ لحسن يفعل فِيهِ. قال الكسائي: سمعت العرب تقول: إن البعير ليهرم حَتَّى يجعل إذا شرب الماء مجه. وهو أمر قد مضى، و (يجعل) فيه أحسن من (جعل) . وإنّما حسنت

стр. 148

لأنها صفة تكون فِي الواحد على معنى الجميع، معناه: إن هذا ليكون كثيرا فِي الإبل. ومثله: إن الرجل ليتعظم حتى يمر فلا «١» يسلم على الناس. فتنصب (يمر) لحسن يفعل فِيهِ وهو ماضٍ وأنشدني أَبُو ثروان: أحب لحبها السودان حَتَّى ... أحب لحبها سود الكلاب «٢» ولو رفع لمضيه فِي المعنى لكان صوابا. وقد أنشدنيه بعض بني أسد رفعا. فإذا أدخلت فِيهِ «لا» اعتدل «٣» فِيهِ الرفع والنصب كقولك: إن الرجل ليصادقك حَتَّى لا يكتمك سرا، ترفع لدخول «لا» إذا كان المعنى ماضيا. والنصب مع دخول لا جائز. ومثله ما يرفع وينصب إذ دخلت «لا» فِي قول اللَّه ﵎: «وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ» «٤» رفعا ونصبا. ومثله: «أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً» «٥» ينصبان ويرفعان، وإذا ألقيت منه «لا» لم يقولوه إلا نصبا وذلك أن «ليس» تصلح مكان «لا» فيمن رفع بحتّى وفيمن رفع ب (أن) ألا ترى أنك تقول: إنه ليؤاخيك حَتَّى ليس يكتمك شيئًا، وتقول فِي «أن» : حسبت أن لست تذهب فتخلفت. وكل موضع حسنت فِيهِ «ليس» مكان «لا» فافعل به هذا: الرفع مرة، والنصب مرة. ولو رفع الفعل

стр. 149

فِي «أن» بغير «لا» لكان صوابا كقولك حسبت أن تقول ذاك لأن الهاء تحسن فِي «أن» فتقول حسبت أنه يقول ذاك وأنشدنى القاسم «١» بن معن: إنى زعيم يا نوي ... قة إن نجوت من الزواح «٢» وسلمت من عرض الحتو ... ف من الغدو إلى الرواح «٣» أن تهبطين بلاد قو ... م يرتعون من الطلاح «٤» فرفع (أن تهبطين) ولم يقل: أن تهبطى. فإذا كانت «لا» لا تصلح مكانها «ليس» فِي «حَتَّى» ولا فِي «أن» فليس إلا النصب، مثل قولك: لا أبرح حَتَّى لا أحكم أمرك. ومثله فِي «أن» : أردت أن لا تقول ذاك. لا يجوز هاهنا الرفع. والوجه الثالث فِي يفعل من «حَتَّى» أن يكون ما بعد «حَتَّى» مستقبلا، - ولا تبال كيف كان الَّذِي قبلها- فتنصب كقول الله جل وعز «لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى» «٥» ، و «فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي» «٦» وهو كثير فى القرآن. وأمّا الأوجه الثلاثة فِي الاسماء فأن ترى بعد حَتَّى اسما وليس قبلها شيء يشاكله يصلح عطف ما بعْد حَتَّى عليه، أو أن ترى بعدها اسما وليس قبلها شىء.

стр. 150

فالحرف بعد حَتَّى مخفوض فِي الوجهين من ذلك قول اللَّه ﵎ «تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ» «١» و «سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ» «٢» لا يكونان إلا خفَضا لأنه ليس قبلهما اسم يعطف عليه ما بعد حَتَّى، فذهب بحتى إلى معنى «إلى» . والعرب تقول: أضمنه حَتَّى الاربعاء أو الخميس، خفضا لا غير، وأضمن القوم حَتَّى الاربعاء. والمعنى: أن أضمن القوم فِي الاربعاء لأن الأربعاء يوم من الأيام، وليس بمشاكل للقوم فيعطف عليهم. والوجه الثاني أن يكون ما قبل حتى من الأسماء عددا يكثر ثُمَّ يأتي بعد ذلك الاسم الواحد أو القليل من الاسماء. فإذا كان كذلك فانظر إلى ما بعد حَتَّى فإن كانت الاسماء التي بعدها قد وقع عليها من الخفض والرفع والنصب ما قد وقع على ما قبل حَتَّى ففيها وجهان: الخفض والاتباع لما قبل حتى من ذلك: قد ضرب القوم حَتَّى كبيرهم، وحتى كبيرهم، وهو مفعول به، فِي الوجهين قد أصابه الضرب. وذلك أن إلى قد تحسن فيما قد أصابه الفعل، وفيما لم يصبه من ذلك أن تقول: أعتق عبيدك حَتَّى أكرمهم عليك. تريد: وأعتق أكرمهم عليك، فهذا مما يحسن فِيهِ إلى، وقد أصابه الفعل. وتقول فيما لا يحسن فِيهِ أن يصيب الفعل ما بعد حَتَّى: الأيام تصام كلها حَتَّى يوم الفطر وأيام التشريق. معناه يمسك عن هذه الأيام فلا تصام. وقد حسنت فيها إلى. والوجه الثالث أن يكون ما بعد حَتَّى لم يصبه شيء مما أصاب ما قبل حَتَّى فذلك خفض لا يجوز غيره كقولك: هُوَ يصوم النهار حَتَّى الليل، لا «٣» يكون الليل إلا خفضا، وأكلت السمكة حَتَّى رأسها، إذا لم يؤكل الرأس لم يكن إلا خفضا.

стр. 151

وأما قول الشاعر: فيا عجبا حَتَّى كليب تسبني ... كأن أباها نهشل أو مجاشع «١» فإن الرفع فِيهِ جيد وإن لم يكن قبله اسم لأن الاسماء التي تصلح بعد حَتَّى منفردة إنما تأتي من المواقيت كقولك: أقم حَتَّى الليل. ولا تقول أضرب حَتَّى زيدٍ لأنه ليس بوقت فلذلك لم يحسن إفراد زَيْدُ وأشباهه، فرفع بفعله، فكأنه قال: يا عجبا أتسبني اللئام حَتَّى يسبني كليبي «٢» . فكأنه عطفه على نية أسماء قبله. والذين خفضوا توهموا فِي كليبٍ ما توهموا فِي المواقيت، وجعلوا الفعل كأنه مستأنف بعد كليبٍ كأنه قال: قد انتهى بي «٣» الأمر إلى كليبٍ، فسكت، ثم قال: تسبنى. وقوله: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ ... (٢٠٥) تجعل «ما» فِي موضع نصب وتوقع عليها «يُنْفِقُونَ» ، ولا تنصبها ب (يسألونك) لأن المعنى: يسألونك أي شيء ينفقون. وإن شئت رفعتها من وجهين أحدهما أن تجعل «ذا» اسما يرفع ما، كأنك قلت: ما الَّذِي ينفقون. والعرب قد تذهب بهذا وذا إلى معنى الَّذِي فيقولون: ومن ذا يقول ذاك؟ فِي معنى: من الَّذِي يقول ذاك؟ وأنشدوا «٤» : «٥» عَدَسْ ما لعبادٍ عليكِ إمارة ... أمِنتِ وهذا تحملين طليق

стр. 152

كأنه قَالَ: والذي تحملين طليق. والرفع الآخر أن تجعل كل استفهام أوقعت عليه فعلا بعده رفعا لأن الفعل لا يجوز تقديمه قبل الاستفهام، فجعلوه بمنزلة الَّذِي إذ لم يعمل فِيهِ «١» الفعل الَّذِي يكون بعدها. ألا ترى أنك تقول: الَّذِي ضربت أخوك، فيكون الَّذِي فِي موضع رفع بالأخ، ولا يقع الفعل الَّذِي يليها عليها. فإذا نويت ذلك رفعت قوله: قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ كما قال الشاعر: ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضى أم ضلال وباطل «٢» رفع النحب لأنه نوى أن يجعل «ما» فِي موضع رفع. ولو قال: أنحبا فيقضي أم ضلالا وباطلا كان أبين فِي كلام العرب. وأكثر العرب تقول: وأيهم لم أضرب وأيهم إلا قد ضربت رفعا للعلة من الاستئناف من حروف الاستفهام وألا يسبقها شيء. ومما يشبه الاستفهام مما يرفع إذا تأخر عَنْهُ الفعل الَّذِي يقع عليه قولهم: كل الناس ضربت. وذلك أن فِي (كل) مثل معنى هَلْ أحد [إلا] «٣» ضربت، ومثل معنى أي رَجُل لم أضرب، وأي بلدة لم أدخل ألا ترى أنك إذا قلت: كل الناس ضربت كان فيها معنى: ما منهم أحد إلا قد ضربت، ومعنى أيهم لم أضرب. وأنشدني أَبُو ثروان: وقالوا تعرفها المنازل من منى ... وما كل من يغشى منى أَنَا عارف «٤»

стр. 153

رفعا، ولم أسمع أحدا نصب كل. قال: وأنشدونا: وما كلّ من يظّنّنى أنا معتب ... وما كل ما يروى على أقول «١» ولا تتوهم أنهم رفعوه بالفعل الَّذِي سبق أليه لانهم قد أنشدونا: قد عَلِقت أمُّ الْخِيَار تَدَّعِي ... عليَّ ذَنْبا كله لم أصنع «٢» رفعا. وأنشدنى أبو الجرّاح: أرجزا تريد أم قريضا ... أم هكذا بينهما تعريضا كلاهما أجد مستريضا «٣» فرفع كلا وبعدها (أجد) لأن المعنى: ما منهما واحد إلا أجده هينا مستريضا. ويدلك على أن فِيهِ ضمير جحد قول الشاعر: فكلهم حاشاك إلا وجدته ... كعين الكذوب جهدها واحتفالها

стр. 154

وقوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ ... (٢١٧) وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه «عن قتال فِيهِ» فخفضته على نية (عن) مضمرة. قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ففي الصد وجهان: إن شئت جعلته مردودا على الكبير، تريد: قل القتال فِيهِ كبير وصد عن سبيل اللَّه وكفر به. وإن شئت جعلت الصد كبيرا تريد: قل القتال فِيهِ كبير وكبير الصد عن سبيل اللَّه والكفر به. وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ مخفوض بقوله «١» : يسألونك عن القتال وعن المسجد. فقال الله ﵎: وَإِخْراجُ أَهْلِهِ أهل المسجد مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ من القتال فِي الشهر الحرام. ثُمَّ فسر فقال ﵎: وَالْفِتْنَةُ- يريد الشرك- أشد من القتال فِيهِ. وقوله: قُلِ الْعَفْوَ ... (٢١٩) وجه الكلام فِيهِ النصب، يريد: قل ينفقون العفو. وهو فضل المال [قد] «٢» نسخته الزكاة [تقول: قد عفا] «٣» . وقوله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى ... (٢٢٠) يقال للغلام يتم ييتم يتمًا ويتمًا. قال: وحكى لى يتم ييتم. وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ترفع الإخوان على الضمير «٤» (فهم) كأنك قلت (فهم إخوانكم) ولو نصبته كان صوابا يريد: فإخوانكم تخالطون، ومثله

стр. 155

«فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ» «١» ولو نصبت هاهنا على إضمار فعل (ادعوهم إخوانكم ومواليكم) «٢» . وفي قراءة عَبْد اللَّه «إِن تعذبهم فعبادُكَ» وفي قراءتنا «فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ» «٣» . وإنما يرفع من ذا ما كان اسما يحسن فِيهِ «هُوَ» مع المرفوع. فإذا لم يحسن فِيهِ «هُوَ» أجريته على ما قبله فقلت: إن اشتريت طعاما فجيدا، أي فاشتر الجيد، وإن لبست ثيابا فالبياض، تنصب لأن «هو» لا يحسن هاهنا، والمعنى فى هذين هاهنا مخالف للأول ألا ترى أنك تجد القوم إخوانا وإن جحدوا، ولا تجد كل ما يلبس بياضا، ولا كل ما يشترى جيدا. فإن نويت أن ما ولى شراءه فجيد رفعت إذا كان الرجل قد عرف بجودة الشراء وبلبوس البياض. وكذلك قول اللَّه «فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا» «٤» نصب لأنه شيء ليس بدائم، ولا يصلح فِيهِ «هُوَ» ألا ترى أن المعنى: إن خفتم أن تصلوا قياما فصلوا رجالا أو ركبانا [رجالا يعني: رجالة] «٥» فنصبا لانهما حالان للفعل لا يصلحان خبرا. وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ المعنى فِي مثله من الكلام: اللَّه يعلم أيهم يفسد وأيهم يصلح. فلو وضعت أيا أو من مكان الأوّل «٦» رفعته، فقلت: أنا أعلم أيّهم قام من القاعة، قال [الفراء] «٧» سمعت العرب تقول: ما يعرف أىّ من أىّ. وذلك أن (أىّ) و (من) استفهامان، والمفسد خبر. ومثله ما أبالي قيامك أو قعودك، ولو جعلت فِي الكلام استفهاما بطل الفعل عَنْهُ فقلت: ما أبالي أقائم أنت أم قاعد. ولو ألقيت الاستفهام اتصل الفعل بما قبله فانتصب. والاستفهام كله منقطع مما قبله لخلقة الابتداء به.

стр. 156

وقوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ... (٢٢٠) يقال: قد عنت الرجل عنتا، وأعنته اللَّه إعناتا. وقوله: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ ... (٢٢١) يريد: لا تزوجوا. والقراء على هذا. ولو كانت: ولا تنكحوا المشركات أي لا تروّجوهن المسلمين كان صوابا. ويقال: نكحها نكحا ونكاحا. وقوله: وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ... (٢٢١) كقوله: وإن أعجبتكم. ولو وإن متقاربان فِي المعنى. ولذلك جاز أن يجازى «١» لو بجواب إن، وإن بجواب لو فِي قوله: «وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ» «٢» . وقوله: «فَرَأَوْهُ» يعنى بالهاء الزّرع. وقوله: حَتَّى يَطْهُرْنَ ... (٢٢٢) بالياء. وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه إن شاء اللَّه «يتطهرن» بالتاء، والقراء بعد يقرءون «حتى يطهرن، ويطهرن» [يطهرن] «٣» : ينقطع عنهن الدم، ويتطهرن: يغتسلن بالماء. وهو أحب الوجهين إلينا: يطهرن. فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ولم يقل: فِي حيث، وهو الفرج. وإنما قال: من حيث كما تقول للرجل: ايْت زيدا من مأتاه أي من الوجه الَّذِي يؤتى منه. فلو ظهر الفرج ولم يكن عَنْهُ قلت فِي الكلام: ايْت المرأة فِي فرجها. فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ يقال: ايت الفرج من حيث شئت.

стр. 157

وقوله: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ... (٢٢٣) [أي] «١» كيف شئتم. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي شَيْخٌ عَنْ مَيْمُونِ «٢» بْنِ مِهْرَانَ قَالَ قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْيَهُودَ تَزْعُمُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَتَى امْرَأَتَهُ مِنْ وَرَائِهَا فِي قُبُلِهَا خَرَجَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ. قَالَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَذَبَتْ يَهُودُ نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ يقول: ايت الْفَرْجَ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ «٣» . وقوله: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا ... (٢٢٤) يقول: لا تجعلوا الحلف بالله مانعا معترضا أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ يقول: لا يمتنعن أحدكم أن يبر ليمين إنّ حلف عليها، ولكن ليكفر يمينه ويات الذي هو خير. وقوله: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ... (٢٢٥) فِيهِ قولان. يقال: هُوَ «٤» مما جرى فِي الكلام من قولهم: لا والله، وبلى والله. والقول الآخر: الإيمَان أربع. فيمينان فيهما الكفارة والاستغفار، وهو قولك: والله لا أفعل، ثُمَّ تفعل، وو الله لافعلن ثُمَّ لا تفعل. ففي هاتين الكفارة والاستغفار [لأن الفعل فيهما مستقبل] «٥» . واللتان فيهما الاستغفار ولا كفّارة فيهما قولك: والله ما فعلت وقد فعلت، وقولك: والله لقد فعلت ولم تفعل. فيقال هاتان لغو إذ لم تكن فيهما كفارة. وكان القول الأول- وهو قول عَائِشَةَ: إن اللغو ما يجرى فِي الكلام على غير عقد- أشبه بكلام العرب.

стр. 158

وقوله: تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ... (٢٢٦) التربّص إلى الأربعة. وعليه القرّاء. ولو قيل فِي مثله من الكلام: تربص أربعة أشهر كان صوابا كما قرءوا «أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ» «١» وكما قَالَ «أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً» «٢» والمعنى تكفتهم «٣» أحياء وأمواتا. ولو قيل فِي مثله من الكلام: كفات أحياءٍ وأمواتٍ كان صوابا. ولو قيل: تربص: أربعة أشهر كما يقال فِي الكلام: بيني وبينك سير طويل: شهر أو شهران تجعل السير هُوَ الشهر، والتربص هُوَ الاربعة «٤» . ومثله «فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ» «٥» وأربع شهادات. ومثله «فَجَزاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ» «٦» فمن رفع (مثل) فإنه أراد: فجزاؤه مثل ما قتل. قال: وكذلك رأيتها فِي مصحف عَبْد اللَّه «فَجَزاؤُهُ» بالهاء، ومن نصب (مثل) أراد: فعليه أن يجزى مثل ما قتل من النعم. فَإِنْ فاؤُ يقال: قد فاءوا يفيئون فيئا وفيوءا. والفيء: أن يرجع إلى أهله فيجامع. وقوله: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ... (٢٢٨) وفي قراءة عَبْد اللَّه «بردتهن» . وقوله: إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ... (٢٢٩) وفي قراءة عَبْد اللَّه «إلا أن تخافوا» فقرأها حمزة على هذا المعنى «إِلَّا أَنْ يَخافا» ولا يعجبني ذلك. وقرأها بعض «٧» أهل المدينة كما قرأها حمزة. وهي فِي قراءة أبيّ

стр. 159

«إلا أن يظنا ألا يقيما حدود اللَّه» والخوف والظن متقاربان فِي كلام العرب. من «١» ذلك أن الرجل يقول: قد خرج عبدك بغير إذنك، فتقول أنت: قد ظننت ذاك، وخفت ذاك، والمعنى واحد. وقال الشاعر: أتاني كلام عن نصيب يقوله ... وما خفت يا سلام أنك عائبي «٢» وقال الآخر: إذا مت فادفني إلى جنب كرمه ... تروى عظامي بعد موتى عروقها [ولا تدفنني فِي الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها] «٣» والخوف فِي هذا الموضع كالظن. لذلك رفع «أذوقها» كما رفعوا «٤» «وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ» «٥» وقد روى عَنْهُ ﷺ (أمرت بالسواك «٦» حَتَّى خفت لأدْرَدَنَّ «٧» ) كما تقول: ظن ليذهبن. وأما ما قال حمزة فإنه إنّ كان أراد اعتبار قراءة عَبْد اللَّه فلم يصبه- والله أعلم- لأن الخوف إنما وقع على (أن) وحدها إذ قال: ألا يخافوا أن لا، وحمزة قد أوقع الخوف على الرجل والمرأة وعلى أن «٨» ألا ترى أن اسمهما فِي الخوف مرفوع بما لم يسم فاعله. فلو أراد ألا يخافا على هذا، أو يخافا بذا، أو من ذا، فيكون على غير

стр. 160

اعتبار قول عَبْد اللَّه [كان] «١» جائزا كما تقول للرجل: تخاف لأنك خبيث، وبأنك، وعلى أنك.... وقوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما يقال كيف قال: فلا جناح عليهما، وإنما الجناح- فيما يذهب إليه الناس- على الزوج لأنه أخذ ما أعطى؟ ففي ذلك وجهان: أن يراد الزوج دون المرأة، وإن كانا قد ذكرا جميعا فى «٢» سورة الرحمن «يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ» «٣» وإنما يخرج اللؤلؤ والمرجان من الملح لا من العذب. ومنه «نَسِيا حُوتَهُما» «٤» وإنما الناسي صاحب مُوسَى وحده. ومثله فِي الكلام أن تقول: عندي دابتان أركبهما وأستقي عليهما، وإنما يركب إحداهما ويستقى على الأخرى وقد يمكن أن يكونا جميعا تركبان ويستقى عليهما. وهذا من سعة العربية التي يحتج بسعتها. ومثله من كتاب اللَّه «وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ» «٥» فيستقيم فِي الكلام أن تقول: قد جعل اللَّه لنا ليلا ونهارا نتعيش فيهما وننام فيهما. وإن شئت ذهبت بالنوم إلى الليل وبالتعيش إلى النهار. والوجه الآخر أن يشتركا جميعا فِي ألا يكون عليهما جناح إذ كانت تعطي ما قد نفى عن الزوج فِيهِ الإثم، أشركت فِيهِ لأنها إذا أعطت ما يطرح فيه المأثم احتاجت هِيَ إلى مثل ذلك. ومثله قول اللَّه ﵎: «فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ» «٦» وإنما موضع طرح الإثم فِي المتعجل، فجعل

стр. 161

للمتأخر- وهو الَّذِي لم يقصر- مثل ما جعل على المقصر. ومثله فِي الكلام قولك: إن تصدقت سرا فحسن [وإن تصدقت جهرا فحسن] «١» . وفي قوله «وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ» وجه آخر وذلك أن يريد: لا يقولن هذا المتعجل للمتأخر: أنت مقصر، ولا المتأخر للمتعجل مثل ذلك، فيكون قوله «فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ» أي فلا يؤثمن أحدهما صاحبه. وقوله: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا يريد: فلا جناح عليهما فِي أن يتراجعا «٢» ، (أن) فِي موضع نصب إذا نزعت الصفة «٣» ، كأنك قلت: فلا جناح عليهما أن يراجعها، قال وكان الكسائي يقول: موضعه خفض. قال الفراء: ولا أعرف ذلك. وقوله إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما (أن) فِي موضع نصب لوقوع الظن عليها. وقوله: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا (٢٣١) كان الرجل منهم إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها ما لم تغتسل من الحيضة الثانية. وكان إذا أراد أن يضر بها تركها حَتَّى تحيض الحيضة الثالثة ثُمَّ يراجعها، ويفعل ذلك فِي التطليقة الثانية. فتطويله لرجعتها هو الضرار بها. وقوله: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ (٢٣٢) يقول: فلا تضيقوا عليهن أن يراجعن أزواجهن بمهر جديد إذا بانت إحداهن من زوجها، وكانت هذه أخت معقل، أرادت أن تزوج زوجها الأوّل بعد ما انقضت عدتها فقال معقل لها: وجهي من وجهك حرام إن راجعته، فأنزل اللَّه : فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ.

стр. 162

وقوله ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ ولم يقل: ذلكم، وكلاهما صواب. وإنما جاز أن يخاطب القوم «بذلك» لأنه حرف قد كثر فِي الكلام حَتَّى توهم بالكاف أنها (من الحرف) «١» وليست بخطاب. ومن قال «ذلِكَ» جعل الكاف منصوبة «٢» وإن خاطب امْرَأَة أو امرأتين أو نسوة. ومن قال «ذلكم» أسقط التوهم، فقال إذا خاطب الواحد: ما فعل ذلك الرجل، وذانك الرجلان، وأولئك الرجال. [و] «٣» يقاس على هذا ما ورد. ولا يجوز أن تقول فِي سائر الاسماء إذا خاطبت إلا بإخراج «٤» المخاطب فِي الاثنين والجميع والمؤنث كقولك للمرأة: غلامك فعل ذلك لا يجوز نصب الكاف ولا توحيدها فِي الغلام لأن الكاف هاهنا لا يتوهم أنها من الغلام. ويجوز أن تقول: غلامك فعل ذاك وذاك، على ما فسرت لك: من الذهاب بالكاف إلى أنها من الاسم. وقوله: الرَّضاعَةَ (٢٣٣) القراء تقرأ بفتح الراء. وزعم الكسائي أن من العرب من يقول: الرضاعة بالكسر. فإن كانت فهي بمنزلة الوكالة والوكالة، والدلالة والدلالة، ومهرت «٥» الشيء مهارة ومهارة والرضاع والرضاع فِيهِ مثل ذلك إلا أن فتح الراء أكثر، ومثله الحصاد والحصاد. وقوله لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها يريد: لا تضارر «٦» ، وهو فِي موضع جزم. والكسر فِيهِ جائز «لا تُضَارَّ والِدَةٌ» ولا يجوز رفع الراء على نية الجزم، ولكن يرفعه على

стр. 163

الخبر. وأما قوله «وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً» «١» فقد يجوز أن يكون رفعا على نية الجزم لأن الراء الأولى مرفوعة فِي الاصل، فجاز رفع الثانية عليها، ولم يجز (لا تضارّ) بالرفع لأن الراء إن كانت تفاعل فهي مفتوحة، وإن كانت تفاعل فهى مكسورة. فليس يأتيها الرفع إلا أن تكون فِي معنى رفع. وقد قرأ عُمَر بْن الخطاب «ولا يضارر كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ» . ومعنى لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها يقول: لا ينزعن ولدها منها وهي صحيحة لها لبن فيدفع إلى غيرها. «وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ» يعني الزوج. يقول: إذا أرضعت صبيها وألفها وعرفها فلا تضارن «٢» الزوج فِي دفع ولده إليه. وقوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ (٢٣٤) يقال: كيف صار الخبر عن النساء ولا خبر للأزواج، وكان ينبغي أن يكون الخبر عن الَّذِينَ؟ فذلك جائز إذا ذكرت أسماء ثُمَّ ذكرت أسماء مضافة إليها فيها معنى الخبر أن تترك الأول ويكون الخبر عن المضاف إليه. فهذا من ذلك لأن المعنى- والله أعلم- إنما أريد به: ومن مات عَنْهَا زوجها تربصت. فترك الأول بلا خبر، وقصد الثاني لأن فِيهِ الخبر والمعنى. قَالَ: وأنشدني بعضهم: بني أسد إن ابن قيس وقتله ... بغير دم دار المذلة حلت «٣» فألقى (ابن قيس) وأخبر عن قتله أنه ذل. ومثله: لعلى إن مالت بي الريح ميلة ... على ابن أبى ذبّان أن يتندّما «٤»

стр. 164

فقال: لعلى ثُمَّ قال: أن يتندما لأن المعنى: لعل ابن أَبِي ذبان أن يتندم إن مالت بي الريح. ومثله قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ «١» إلا أن الهاء من قوله وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ رجعت على (الذين) فكان الإعراب فيها أبين لأن العائد من الذكر قد يكون خبرا كقولك: عَبْد اللَّه ضربته. وقال: وَعَشْراً ولم يقل: «عشرة» وذلك أن العرب إذا أبهمت العدد من الليالي والأيام غلبوا عليه الليالي حَتَّى إنهم ليقولون: قد صمنا عشرا من شهر رمضان- لكثرة تغليبهم الليالي على الأيام. فإذا أظهروا مع العدد تفسيره كانت الإناث بطرح الهاء، والدّكران بالهاء كما قال اللَّه ﵎: «سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً» «٢» فأدخل الهاء فِي الأيام حين ظهرت، ولم تدخل فِي «٣» الليالي حين ظهرن. وإن جعلت العدد غير متّصل بالأيام كما يتصل الخافض بما بعده غلبت الليالي أيضا على الأيام. فإن اختلطا فكانت ليالي وأياما غلبت التأنيث، فقلت: مضى له سبع، ثُمَّ تقول بعد: أيام فيها برد شديد. وأما المختلط فقول الشاعر «٤» : أقامت ثلاثا بين يوم وليلة ... وكان النكير أن تضيف وتجارا فقال: ثلاثا وفيها أيام. وأنت تقول: عندي ثلاثة بين غلام وجارية، ولا يجوز هاهنا ثلاث لأن الليالي من الأيام تغلب الأيام. ومثل ذلك فى الكلام أن تقول:

стр. 165

عندي عشر من الإبل وإن عنيت أجمالا، وعشر من الغنم والبقر. وكل جمع كان واحدته بالهاء وجمعه بطرح الهاء، مثل البقر واحدته بقرة، فتقول: عندي عشر من البقر وإن نويت ذكرانا. فإذا اختلطا وكان المفسر من النوعين قبل صاحبه أجريت العدد فقلت: عندي خمس عشرة ناقة وجملا، فأنثت لأنك بدأت بالناقة فغلبتها. وإن بدأت بالجمل قلت: عندى خمسة عشر جملا وناقة. فإن قلت: بين ناقة وجمل فلم تكن مفسرة غلبت التأنيث، ولم تبال أبدأت بالجمل أو بالناقة فقلت: عندي خمس عشرة بين جمل وناقة. ولا يجوز أن تقول: عندي خمس عشرة أمة وعبدا، ولا بين أمة وعبد إلا بالتذكير لأن الذكران من غير ما ذكرت لك لا يجتزأ منها بالإناث، ولأن الذكر منها موسوم بغير سمة الأنثى، والغنم والبقر يقع على ذكرها وأنثاها شاة وبقرة، فيجوز تأنيث المذكر لهذه الهاء التي لزمت المذكر والمؤنث. وقوله مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ الخطبة مصدر بمنزلة الخطب، وهو مثل قولك: إنه لحسن القعدة والجلسة يريد القعود والجلوس، والخطبة مثل الرسالة التي لها أول وأخر، قال: سمعت بعض العرب [يقول] «١» : اللهم ارفع عنا هذه الضغطة، كأنه ذهب إلى أن لها أولا وآخرا، ولو أراد مرة لقال: الضغطة، ولو أراد الفعل لقال الضغطة كما قال المشية. وسمعت آخر يقول: غلبني [فلان] «٢» على قطعة لى من أرضى يريد أرضا مفروزة مثل القطعة لم تقسم، فإذا أردت أنها قطعة من شيء [قطع منه] «٣» قلت: قطعة. وقوله: أَوْ أَكْنَنْتُمْ للعرب فِي أكننت الشيء إذا سترته لغتان «٤» : كننته وأكننته، قال: وأنشدوني «٥» قول الشاعر: ثلاث من ثلاث قدامياتٍ ... من اللاتي تكن من الصقيع

стр. 166

وبعضهم [يرويه] «١» تكن من أكننت. وأما قوله: «لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ» و «بَيْضٌ مَكْنُونٌ» فكأنه مذهب للشيء يصان، وإحداهما قريبة من الأخرى. وقوله: وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا يقول: لا يصفنَّ أحدكم نفسه فِي عدتها بالرغبة فِي النكاح والإكثار منه. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي حِبَّانُ «٢» عَنِ الْكَلْبِيِّ «٣» عَنْ أَبِي «٤» صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: السِّرُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ النِّكَاحُ. وَأَنْشَدَ عَنْهُ بَيْتَ امْرِئِ الْقَيْسِ: أَلا زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ الْيَوْمَ أَنَّنِي ... كَبِرْتُ وَأَلا يَشْهَدَ السِّرَّ أَمْثَالِي «٥» قَالَ الفراء: وَيَرَى أَنَّهُ مِمَّا كَنَّى اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ» «٦» . قوله: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ... (٢٣٦) بالرفع. ولو نصب كان صوابا على تكرير الفعل على النية، أي ليعط الموسع قدره، والمقتر قدره. وهو مثل قول العرب: أخذت صدقاتهم، لكل أربعين شاةً شاة ولو نصبت الشاة الآخرة كان صوابا.

стр. 167

وقوله مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ منصوب خارجا «١» من القدر لأنه نكرة والقدر معرفة. وإن شئت كان خارجا «٢» من قوله «مَتِّعُوهُنَّ» متاعا ومتعة. فأمّا حَقًّا فإنه نصب من نية «٣» الخبر لا أنه من نعت المتاع. وهو كقولك فِي الكلام: عَبْد اللَّه فِي الدار حقا. إنما نصب الحق من نية كلام المخبر كأنه قال: أخبركم خبرا حقا، وبذلك حقا وقبيح أن تجعله تابعا للمعرفات أو للنكرات لأن الحق والباطل لا يكونان فِي أنفس الاسماء إنما يأتي بالإخبار «٤» . من ذلك أن تقول: لي عليك المال حقا، وقبيح أن تقول: لي عليك المال الحق، أو: لي عليك مال حقّ، إلا أن تذهب به إلى أنه حق لي عليك، فتخرجه مخرج المال لا على مذهب الخبر. وكل ما كان فِي القرآن مما فِيهِ من نكرات الحق أو معرفته أو ما كان فِي معنى الحق فوجه الكلام فِيهِ النصب مثل قوله «وَعْدَ الْحَقِّ» «٥» و «وَعْدَ الصِّدْقِ» «٦» ومثل قوله «إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا» «٧» هذا على تفسير الأوّل. وأمّا قوله «هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ» «٨» فالنصب فِي الحق جائز يريد حقا، أي أخبركم أن ذلك حق. وإن شئت خفضت الحق، تجعله من صفة اللَّه ﵎. وإن شئت رفعته فتجعله من صفة الولاية. وكذلك قوله «وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ» «٩» تجعله من صفة اللَّه . ولو نصبت كان صوابا، ولو رفع على نية الاستئناف كان صوابا كما قال «الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ

стр. 168

فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ» «١» وأنت قائل إذا سمعت رجلا يحدث: [حقا أي] «٢» قلت حقا، والحق، أي ذلك الحق. وأما قوله فِي ص: «قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ» «٣» فإن الفرّاء قد رفعت الأول ونصبته. وروى عن مجاهد وابن عَبَّاس أنهما رفعا الأول وقالا تفسيره: الحق مني، وأقول الحق فينصبان الثاني ب «أقول» . ونصبهما جميعا كثير منهم فجعلوا الأول على معنى: والحقّ «٤» «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ» وينصب الثاني بوقوع القول عليه. وقوله «ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ» «٥» رفعه حَمْزَةُ والكسائي، وجعلا الحق هُوَ اللَّه ﵎ لأنها فِي حرف عَبْد اللَّه «ذلك عيسى ابن مريم قَالَ اللَّه» كقولك: كلمة اللَّه، فيجعلون (قال) بمنزلة القول كما قَالُوا: العاب والعيب. وقد نصبه قوم يريدون: ذلك عِيسَى بْن مريم قولا حقا. وقوله: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ... (٢٣٧) تماسوهن وتمسوهن واحد، وهو الجماع المماسة والمس. وإنما قال إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ بالنون لأنه فعل النسوة، وفعل النسوة بالنون فِي كل حال. يقال: هن يضربن، ولم يضربن، ولن يضربن لأنك لو أسقطت النون منهن للنصب أو الجزم لم يستبن لهن تأنيث. وإنما قَالَتِ العرب «لن يعفوا» للقوم، و «لن يعفوا» للرجلين لانهم زادوا للاثنين فِي الفعل ألفا ونونا، فإذا أسقطوا نون الاثنين للجزم أو للنصب دلت الألف على الاثنين. وكذلك واو يفعلون تدل على الجمع إذا أسقطت النون جزما أو نصبا. أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وهو الزوج.

стр. 169

وقوله: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ... (٢٣٨) فِي قراءة عَبْد اللَّه «وعلى الصلاة الوسطى» فلذلك آثرت القراء الخفض، ولو نصب على الحث عليها بفعل مضمر لكان وجها حسنا. وهو كقولك فِي الكلام: عليك بقرابتك والأم، فخصها بالبر. وقوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً (٢٤٠) وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه: «كتب عليهم الوصية لأزواجهم» «١» وفي قراءة أبي: «يتوفون منكم ويذرون أزواجا فمتاع لأزواجهم» فهذه حجة لرفع الوصية. وقد نصبها قوم منهم حمزة على إضمار فعل كأنه أمر أي ليوصوا لأزواجهم وصيةً. ولا يكون نصبا فى إيقاع «وَيَذَرُونَ» عليه. غَيْرَ إِخْراجٍ يقول: من غير أن تخرجوهن ومثله فِي الكلام: أتيتك «٢» رغبة إليك. ومثله: «وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ» «٣» لو ألقيت «مِنْ» لقلت: غير سوء. والسوء هاهنا البرص. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ، قَالَ حَدَّثَنَا شَرِيكٌ «٤» عَنْ يَزِيدَ «٥» بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مِقْسَمٍ «٦» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ. قَالَ الْفَرَّاءُ كَأَنَّهُ قَالَ: تخرج بيضاء غير برصاء.

стр. 170

وقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ (٢٤٥) تقرأ بالرفع والنصب. فمن رفع جعل الفاء منسوقة على صلة (الَّذِي) ، ومن نصب أخرجها من الصلة وجعلها جوابا ل (من) لأنها استفهام، والذي فِي الحديد «١» مثلها. وقوله: ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... (٢٤٦) (نقاتل) مجزومة لا يجوز رفعها. فإن قرئت بالياء «يقاتل» جاز رفعها وجزمها. فأما الجزم فعلى المجازاة بالأمر، وأما الرفع فأن تجعل (يقاتل) صلة للملك كأنك قلت: ابعث لنا الَّذِي يقاتل. فإذا رَأَيْت بعد الأمر اسما نكرة بعده فعل يرجع بذكره أو يصلح فِي ذلك الفعل إضمار الاسم، جاز فِيهِ الرفع والجزم تقول فِي الكلام: علمني علما أنتفع به، كأنك قلت: علمني الَّذِي أنتفع به، وإن جزمت (أنتفع) على أن تجعلها شرطا للأمر وكأنك لم تذكر العلم جاز ذلك. فإن ألقيت «به» لم يكن إلا جزما لأن الضمير لا يجوز فى (أنتفع) ألا ترى أنك لا تقول: علمني علما أنتفعه. فإن قلت: فهلا رفعت وأنت تريد إضمار (به) ؟ قلت: لا يجوز إضمار حرفين، فلذلك لم يجز فى قوله (نقاتل) إلا الجزم. ومثله «اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ» «٢» لا يجوز إلا الجزم لأن «يَخْلُ» لم يعد بذكر الأرض. ولو كان «أرضا تخل لكم» جاز الرفع والجزم كما قال: «رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ» «٣» ، وكما قال اللَّه ﵎: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ

стр. 171

صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ» «١» ولو كان جزما كان صوابا لأن فِي قراءة عَبْد اللَّه: «أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُنْ لَنَا عِيدًا» «٢» وفي قراءتنا بالواو «تكون» . ومنه ما يكون الجزم فِيهِ أحسن وذلك بأن يكون الفعل الَّذِي قد يجزم ويرفع فِي آية، والاسم الَّذِي يكون الفعل صلة له فِي الآية التي قبله، فيحسن الجزم لانقطاع الاسم من صلته من ذلك: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي» «٣» جزمه يحيى ابن وثاب والاعمش- ورفعه حمزة «يَرِثُنِي» لهذه العلة، وبعض القراء رفعه أيضا- لمّا كانت (وليا) رأس آية انقطع منها قوله (يرثنى) ، فحسن الجزم. ومن ذلك قوله: «وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ. يَأْتُوكَ» «٤» على الجزم. ولو كانت رفعا على صلة «الحاشرين» قلت: يأتوك. فإذا كان الاسم الَّذِي بعده فعل معرفة يرجع بذكره، مما جاز فِي نكرته وجهان جزمت فقلت: ابعث إلى أخاك يصب خيرا، لم يكن إلا جزما لأن الأخ معرفة والمعرفة لا توصل. ومنه قوله: «أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ» «٥» الهاء معرفة و «غَداً» معرفة فليس فِيهِ إلا الجزم، ومثل قوله: «قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ» «٦» جزم لا غير. ومن هذا نوع إذا كان بعد معرفته فعل لها جاز فِيهِ الرفع والجزم مثل قوله: «فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ» «٧» وقوله: «ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا» «٨» ولو كان رفعا لكان صوابا كما قال ﵎: «ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ» «٩» ولم يقل: يلعبوا. فأمّا رفعه فأن تجعل «يَلْعَبُونَ» فِي موضع نصب كأنك قلت فِي الكلام: ذرهم

стр. 172

لاعبين. وكذلك دعهم وخلّهم واتركهم. وكل فعل صلح أن يقع «١» على اسم معرفة وعلى فعله ففيه هذان الوجهان، والجزم فِيهِ وجه الكلام لأن الشرط يحسن فِيهِ، ولأن الأمر فِيهِ سهل، ألا ترى أنك تقول: قل له فليقم معك. فإن رَأَيْت الفعل الثاني يحسن فِيهِ محنة «٢» الأمر ففيه الوجهان بمذهب كالواحد، وفي إحدى القراءتين: «ذَرْهُمْ يأكلون ويتمتّعون ويلهيهم الأَمَلُ» «٣» . وفيه «٤» وجه آخر يحسن فِي الفعل الأوّل. من ذلك: أوصه يأت زيدا، أومره، أو أرسل «٥» إليه. فهذا يذهب إلى مذهب القول، ويكون جزمه على شبيه بأمر ينوى له مجددا. وإنما يجزم على أنه شرط لأوله. من ذلك قولك: مر عَبْد اللَّه يذهب معنا ألا ترى أن القول يصلح أن يوضع فِي موضع (مر) ، وقال اللَّه ﵎: «قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ» » ف «يَغْفِرُوا» فِي موضع جزم، والتأويل- والله أعلم-: قل للذين آمنوا اغفروا، على أنه شرط للامر فيه تأويل الحكاية. ومثله: «قُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» «٧» فتجزمه بالشرط «قل» ، وقال قوم: بنية الأمر فِي هذه الحروف: من القول والأمر والوصية. قيل لهم: إن كان جزم على الحكاية فينبغي لكم أن تقولوا للرجل فِي وجهه: قلت لك تقم، وينبغي أن تقول: أمرتك تذهب معنا، فهذا دليل على أنه شرط للأمر. فإن قلت: فقد قال الشاعر: فلا تستطل مني بقائي ومدتي ... ولكن يكن للخير فيك نصيب «٨»

стр. 173

قلت: هذا مجزوم بنية الأمر لأن أول الكلام نهي، وقوله (ولكن) نسق وليست بجواب. فأراد: ولكن ليكن للخير فيك نصيب. ومثله قول الآخر: من كان لا يزعم أني شاعر ... فيدن مني تنهه المزاجر فجعل الفاء جوابا للجزاء، وضمّن (فيدن) لاما يجزم [بها] «١» . وقال الآخر: فقلتُ ادعِي وَأَدْعُ فإنّ أندى ... لصوتٍ أن ينادي داعيان «٢» أراد: ولادع. وفي قوله (وادع) طرف من الجزاء وإن كان أمرا قد نسق أوله على أخره. وهو مثل قول اللَّه : «اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ» «٣» والله أعلم. وأما قوله: «ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ» «٤» فليس تأويل جزاء، إنما هُوَ أمر محض لأن إلقاء الواو ورده إلى الجزاء (لا يحسن فليس إلى الجزاء) ألا ترى أنه لا يحسن أن تقول ذروني أقتله يدع كما حسن «اتّبعوا سبيلنا تحمل خطاياكم» . والعرب لا تجازي بالنهي كما تجازي بالأمر. وذلك أن النهي يأتي بالجحد، ولم تجاز العرب بشيء من الجحود. وإنما يجيبونه بالفاء. وألحقوا النهي إذا كان بلا، بليس «٥» وما وأخواتهن من الجحود. فإذا رَأَيْت نهيا بعد اسمه فعل فارفع ذلك الفعل. فتقول: لا تدعنه يضربه، ولا تتركه يضربك. جعلوه رفعا إذ لم يكن آخره يشاكل أوله إذ كان أوله جحد وليس فِي أخره جحد. فلو قلت: لا تدعه لا يؤذك جاز الجزم والرفع إذ كان أوله كآخره كما تقول فِي الأمر: دعه ينام، ودعه ينم إذ كان لا جحد فيهما. فإذا أمرت ثُمَّ جعلت فى الفعل (لا) رفعت لاختلافهما

стр. 174

أيضا، فقلت: ايتنا لا نسيء إليك كقول اللَّه ﵎: «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً» «١» [لما كان] «٢» أول الكلام أمرا وآخره نهيا فِيهِ (لا) فاختلفا، جعلت (لا) على معنى ليس فرفعت. ومن ذلك قوله ﵎: «فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ» «٣» وقوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ» «٤» رفع، ومنه قوله: «فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ» «٥» ترفع، ولو نويت الجزاء لجاز فِي قياس النحو. وقد قرأ يحيى بْن وثاب وحمزة: «فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تخف دركا ولا تخشى» «٦» بالجزاء المحض. فإن قلت: فكيف أثبتت الياء فِي (تخشى) ؟ قلت: فِي ذلك ثلاثة أوجه إن شئت استأنفت «وَلا تَخْشى» بعد الجزم، وإن شئت جعلت (تخشى) فِي موضع جزم وإن كانت فيها الياء لأن من العرب من يفعل ذلك قال بعض «٧» بني عبس: ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بنى زياد فأثبتت الياء فِي (يأتيك) وهي فِي موضع جزم لأنه رآها ساكنة، فتركها على سكونها كما تفعل بسائر الحروف. وأنشدني بعض بني حنيفة: قال لها من تحتها وما استوى ... هزي إليك الجذع يجنيك الجنى

стр. 175

وكان ينبغي أن تقول: يجنك. وأنشدني بعضهم فِي الواو: هَجَوْتَ زَبَّان ثُمَّ جئتَ معتذِرًا ... من سبّ زبان لم تهجو ولم تدع والوجه الثالث أن يكون الياء صلة لفتحة الشين كما قال امرؤ القيس: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي فهذه الياء ليست بلام الفعل هِيَ صلة لكسرة اللام كما توصل القوافي بإعراب رويها مثل قول الأعشى: بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا «١» وقول الآخر: أمن أم أوفى دمنة لم تكلمي «٢» وقد يكون جزم الثاني إذا كانت فِيهِ (لا) على نية النهي وفيه معنى من الجزاء كما كان فى قوله «وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ» طرف من الجزاء وهو أمر. فمن ذلك قول الله ﵎: «يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ» «٣» المعنى والله أعلم: إن؟ تدخلن حطمتن، وهو نهي محض لأنه لو كان جزاء لم تدخله النون الشديدة ولا الخفيفة ألا ترى أنك لا تقول: إن تضربني أضربنك إلا فِي ضرورة شعر كقوله «٤» : فمهما تشأ منه فزارة تعطكم ... ومهما تشأ منه فزارة تمنعا

стр. 176

وقوله: وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ ... (٢٤٦) جاءت (أن) فِي موضع، وأسقطت من آخر فقال فِي موضع آخر: «وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ» «١» وقال فِي موضع آخر: «وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ» «٢» فمن ألقى (أن) فالكلمة على جهة العربية التي لا علة «٣» فيها، والفعل فِي موضع نصب كقول اللَّه- : «فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ» «٤» وكقوله: «فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ» «٥» فهذا وجه الكلام فى قولك: مالك؟ وما بالك؟ وما شأنك: أن تنصب فعلها «٦» إذا كان اسما، وترفعه إذا كان فعلا أوله «٧» الياء أو التاء أو النون أو الألف كقول الشاعر: مالك ترغين ولا ترغو الخلف الخلفة: التي فِي بطنها ولدها. وأما إذا قال (أن) فإنه مما ذهب إلى المعنى الَّذِي يحتمل دخول (أن) ألا ترى أن قولك للرجل: مالك لا تصلي فِي الجماعة؟ بمعنى ما يمنعك أن تصلي، فأدخلت (أن) فى (مالك) إذ وافق معناها معنى المنع. والدليل على ذلك قول اللَّه : «مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ» «٨» وفي موضع آخر: «مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ

стр. 177

السَّاجِدِينَ» «١» وقصة إبليس واحدة، فقال فيها بلفظين ومعناهما واحد وإن اختلفا. ومثله ما حمل على معنى هُوَ مخالف لصاحبه فِي اللفظ قول الشاعر «٢» : يقول إذا اقلولى عليها وأقردت ... ألا هَلْ أخو عيشٍ لذيذ بدائم فأدخل الباء فِي (هَلْ) وهي استفهام، وإنما تدخل الباء فِي ما الجحد كقولك: ما أنت بقائل. فلما كانت النية فِي (هَلْ) يراد بها الجحد أدخلت لها الباء. ومثله قوله فِي قراءة عبد الله «كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ» «٣» : ليس للمشركين. وكذلك قول الشاعر: فاذهب فأي فتى في الناس أحرزه ... من يومه ظلم دعج ولا جبل «٤» (رد عليه بلا) «٥» كأن معنى أي فتى فِي الناس أحرزه معناه: ليس يحرز الفتى من يومه ظلم دعج ولا جبل. وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: أَيْنَ كنت لتنجو مني! لأن المعنى: ما كنت لتنجو مني، فأدخل اللام فِي (أَيْنَ) لأن معناها جحد: ما كنت لتنجو مني. وقال الشاعر: فهذى سيوف يا صدى بْن مالك ... كثير ولكن أين بالسيف ضارب «٦»

стр. 178

أراد: ليس بالسيف ضارب، ولو لم يرد (ليس) لم يجز الكلمة لأن الباء من صلة (ضارب) ولا تقدم صلة اسم قبله ألا ترى أنك لا تقول: ضربت بالجارية كفيلا، حَتَّى تقول: ضربت كفيلا بالجارية. وجاز أن تقول: ليس بالجارية كفيل لأن (ليس) نظيرة ل (ما) لأنها لا ينبغي لها أن ترفع الاسم كما أن (ما) لا ترفعه. وقال الكسائي فِي إدخالهم (أن) فِي (مالك) : هُوَ بمنزلة قوله: «ما لكم فِي ألا تقاتلوا» ولو كان ذلك على ما قال لجاز فِي الكلام أن تقول: مالك أن قمت، وما لك أنك قائم لأنك تقول: فِي قيامك، ماضيا ومستقبلا، وذلك غير جائز لأن المنع إنما يأتي بالاستقبال تقول: منعتك أن تقوم، ولا تقول: منعتك أن قمت. فلذلك جاءت فِي (مالك) فِي المستقبل ولم تأت فِي دائم ولا ماض. فذلك شاهد على اتفاق معنى مالك وما منعك. وقد قال بعض النحويين: هِيَ مما أضمرت فِيهِ الواو، حذفت من نحو قولك فِي الكلام: مالك ولأن تذهب إلى فلان؟ فألقى الواو منها لأن (أن) حرف ليس بمتمكن فِي الاسماء. فيقال: أتجيز أن أقول: مالك أن تقوم، ولا أجيز: مالك القيام [فقال] «١» : لأن القيام اسم صحيح و (أن) اسم ليس بالصحيح. واحتج بقول العرب: إياك أن تتكلم، وزعم أن المعنى إياك وأن تتكلم. فرد ذلك عليه أن العرب تقول: إياك بالباطل أن تنطق، فلو كانت الواو مضمرة فِي (أن) لم يجز لما بعد الواو من الأفاعيل أن تقع على ما قبلها ألا ترى أنه غير جائز أن تقول: ضربتك بالجارية وأنت كفيل، تريد: وأنت كفيل بالجارية، وأنك تقول: رأيتك وإيانا تريد، ولا يجوز رأيتك إيانا وتريد قال الشاعر: فبح بالسرائر فِي أهلها ... وإياك فِي غيرهم أن تبوحا

стр. 179

فجاز أن يقع الفعل بعد (أن) على قوله (فِي غيرهم) ، فدلّ ذلك على أن إضمار الواو فى (أن) لا يجوز. وأما قول الشاعر: فإياك المحاين أن تحينا فإنه حذره فقال: إياك، ثُمَّ نوى الوقفة، ثُمَّ استأنف (المحاين) بأمر آخر، كأنه قال: احذر المحاين، ولو أراد مثل قوله: (إياك والباطل) لم يجز إلقاء الواو لأنه اسم أتبع اسما فِي نصبه، فكان بمنزلة قوله فِي [غير] «١» الأمر: أنت ورأيك وكل ثوب وثمنه، فكما لم يجز أنت رأيك، أو كل ثوب ثمنه فكذلك لا يجوز: (إياك الباطل) وأنت تريد: إياك والباطل. وقوله: فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ... (٢٩٤) وفي إحدى «٢» القراءتين: إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ. والوجه فِي (إلا) أن ينصب ما بعدها إذا كان ما قبلها لا جحد فِيهِ، فإذا كان ما قبل إلا فِيهِ جحد جعلت ما بعدها تابعا لما قبلها معرفة كان أو نكرة. فأما المعرفة فقولك: ما ذهب الناس إلا زَيْدُ. وأما النكرة فقولك: ما فيها أحد إلا غلامك، لم يأت هذا عن العرب إلا بإتباع ما بعد إلا ما قبلها. وقال اللَّه ﵎: «مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ» «٣» لأن فِي (فعلوه) اسما معرفة، فكان الرفع الوجه فِي الجحد الَّذِي ينفي الفعل عَنْهُمْ، ويثبته لما بعد إلا. وهي فِي قراءة أَبِي «٤» «ما فعلوه إلا قليلا» كأنه نفى الفعل وجعل ما بعد إلا كالمنقطع عن أول الكلام كقولك: ما قام القوم، اللهم إلّا رجلا أو رجلين.

стр. 180

فإذا نويت الانقطاع نصبت، وإذا نويت الاتصال رفعت. ومثله قوله: «فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ» «١» فهذا على هذا «٢» المعنى، ومثله: «فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ» «٣» ثُمَّ قال: «إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ» فأول الكلام- وإن كان استفهاما- جحد لأن لولا بمنزلة هلا ألا ترى أنك إذا قلت للرجل: (هلا قمت) أن معناه: لم تقم. ولو كان ما بعد (إلا) فِي هاتين الايتين رفعا على نية الوصل لكان صوابا مثل قوله: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» «٤» فهذا نية وصل لأنه غير جائز أن يوقف على ما قبل (إلا) . وإذا لم تر قبل (إلا) اسما فأعمل ما قبلها فيما بعدها. فتقول: (ما قام إلا زَيْدُ) رفعت (زيدا) لإعمالك (قام) إذ لم تجد (قام) اسما بعدها. وكذلك: ما ضربت إلا أخاك، وما مررت إلا بأخيك. وإذا كان الَّذِي قبل (إلا) نكرة مع جحد فإنك تتبع ما بعد إلا ما قبلها كقولك: ما عندي أَحد إلا أخوك. فإن قدمت إلا نصبت الَّذِي كنت ترفعه فقلت: ما أتاني إلا أخاك أحد. وذلك أن (إلا) كانت مسوقة على ما قبلها فاتبعه، فلما قدمت فمنع أن يتبع شيئًا هُوَ بعدها فاختاروا الاستثناء. ومثله قول الشاعر: لمية موحشا طلل ... يلوح كأنه خلل «٥»
следующие страницы →