← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23634

معاني القرآن للفراء

يحيى بن زياد الفراء

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

الأمشاج: الأخلاط، ماء الرجل، وماء المرأة، والدم، والعلقة، ويقال للشىء من هذا إذا [١١٧/ ب] خلط: مشيج كقولك: خليط، وممشوج، كقولك: مخلوط. وقوله: نَبْتَلِيهِ (٢) والمعنى والله أعلم: جعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه، فهذه مقدَّمة معناها التأخير. إنَّما المعنى: خلقناه وجعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه. وقوله ﵎: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ (٣) . وإلى السبيل، وللسبيل. كل ذَلِكَ جائز فِي كلام العرب. يَقُولُ: هديناه: عرّفناه السبيل، شكر أو كفر، و (إما) هاهنا تكون جزاء، أي: إن شكر وإن كفر، وتكون عَلَى (إما) التي مثل قوله: «إِمَّا «١» يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ «٢» » فكأنه قَالَ: خلقناه شقيًا أَوْ سعيدًا. وقوله : سلاسلا وأغلالا (٤) . كتبت «سَلاسِلَ» بالألف، وأجراها بعض «٣» القراء لمكان الألف التي فِي آخرها. ولم يجر «٤» بعضهم. وقَالَ الَّذِي لم يجر «٥» : العرب تثبت فيما لا يجري الألف فِي النصب، فإذا وصلوا حذفوا الألف، وكلٌّ صواب. ومثل ذَلِكَ قوله: «كانَتْ قَوارِيرَا» (١٥) أثبتت الألف فِي الأولى لأنها رأس آية، والأخرى ليست بآية. فكان «٦» ثباتُ الألف فِي الأولى أقوى لهذه الحجة، وكذلك رأيتها فِي مصحف عَبْد اللَّه، وقرأ بها أهل البصرة، وكتبوها فِي مصاحفهم كذلك. وأهل الكوفة والمدينة يثبتون الألف فيهما جميعًا، وكأنهم استوحشوا أن يكتب حرف واحد في معنًى نصب بكتابين مختلفين. فإن شئت أجريتهما جميعًا، وإن شئت لم تجرهما «٧» ، وإن شئت أجريت الأولى لمكان الألف فِي كتاب أهل البصرة. ولم تجر الثانية إذ «٨» لم يكن فيها الألف. وقوله : يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (٥) .

стр. 1157

يُقال: إنها عين تسمى الكافور، وَقَدْ تكون «١» كَانَ مزاجها كالكافور لطيب ريحه، فلا تكون حينئذ اسما، والعرب [١١٨/ ا] تجعل النصب فِي أي هذين الحرفين أحبوا. قَالَ حسان: كأنَّ خبيئَةً من بيت رأْسٍ ... يكونُ مِزاجُها عَسلٌ وماءٌ «٢» وهو أبين فِي المعنى: أن تجعل الفعل فِي المزاج، وإن كَانَ معرفة، وكل صواب. تَقُولُ: كَانَ سيدَهم أبوك، وكان سيدُهم أباك. والوجه أن تَقُولُ: كَانَ سيدَهم أبوك لأن الأب اسم ثابت والسيد صفة من الصفات. وقوله : عَيْناً (٦) . إن شئت جعلتها تابعة للكافور كالمفسَّرة، وإن شئت نصبتها عَلَى القطع من الهاء فِي «مِزاجُها» . وقوله : يَشْرَبُ بِها (٦) ، و «يشربها» . سواء فِي المعنى، وكأن يشرب بها: يَروَى بها. وينقَع. وأمَّا يشربونها فبّين، وَقَدْ أنشدني بعضهم «٣» : شَرِبْنَ بِمَاءِ البحرِ ثُمَّ تَرَفَّعتْ ... مَتى لُججٍ خَضْرٍ لَهُنَّ نئيجُ ومثله: إنه ليتكلم بكلام حسن، ويتكلم كلامًا حسنًا. وقوله : يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (٦) . أيها أحب الرجل من أهل الجنة فجرها لنفسه. وقوله : يُوفُونَ بِالنَّذْرِ (٧) .

стр. 1158

هَذِهِ من صفاتهم فِي الدنيا، كأن فيها إضمار كَانَ: كانوا يوفون بالنذر. وقوله : وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (٧) . ممتد البلاء، والعرب تَقُولُ: استطار الصدع فِي القارورة وشبهها، واستطال. وقوله : عَبُوساً قَمْطَرِيراً (١٠) . والقمطرير: الشديد، يُقال: يوم قمطرير، ويوم قماطر، أنشدني بعضهم: بَنِي عمِّنا، هَلْ تذكُرونَ بَلاءنا ... علَيكُمْ إِذَا ما كَانَ يومٌ قُمَاطِرُ «١» وقوله : مُتَّكِئِينَ فِيها (١٣) . منصوبة كالقطع. وإن شئت جعلته تابعًا للجنة، كأنك قلت: جزاؤهم جنة متكئين فيها. وقوله ذكره: وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها (١٤) . يكون نصبًا عَلَى ذَلِكَ: جزاؤهم جنة متكئين فيها، ودانيةً ظلالها. وإن شئت جعلت: الدانية تابعة للمتكئين عَلَى سبيل القطع الَّذِي قَدْ يكون رفعا على [١١٨/ ب] الاستئناف. فيجوز مثل قوله: «وَهذا بَعْلِي شَيْخاً» «٢» «وشيخٌ» ، وهي فِي قراءة أبي: «ودانٍ عليهم ظلالها» فهذا مستأنف فِي موضع رفع، وفي قراءة عبد الله: «ودانيا عليهم ظلالها» «٣» ، وتذكير الداني وتأنيثه كقوله: «خاشعا أبصارهم» «٤» فى موضع، وفى موضع «خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ» «٥» . وَقَدْ تكون الدانيةُ منصوبة عَلَى مثل قول العرب: عند فلان جاريةٌ جميلةٌ، وشابةً بعد طريةً، يعترضون بالمدح اعتراضًا، فلا ينوون بِهِ النسق عَلَى ما قبله، وكأنهم يضمرون مَعَ هَذِهِ الواو فعلا تكون بِهِ النصب فِي إحدى القراءتين: «وحورًا عينًا» «٦» . أنشدني بعضهم: ويأوي إلى نسوة عاطلاتٍ ... وشُعثا مراضيعَ مثل السعاليِ «٧»

стр. 1159

بالنصب يعني: وشعثا، والخفض أكثر. وقوله : وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا (١٤) . يجتني أهل الجنة الثمرة قيامًا وقعودًا، وعلى «١» كل حال لا كلفة فيها. وقوله : كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) . يَقُولُ: كانت كصفاء القوارير، وبياض الفضة، فاجتمع فيها صفاء القوارير، وبياض الفضة. وقوله : قَدَّرُوها (١٦) . قدروا الكأس عَلَى رِي أحدهم لا فضل فيه ولا عجز عن ريه، وهو ألذ الشراب. وَقَدْ رَوى بعضهم عَنِ الشَّعْبِيّ: (قَدِّروها تَقْدِيرًا) «٢» . والمعنى واحد، والله أعلم، قدّرت لهم، وقدروا لها سواء. وقوله: كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا (١٧) . إنَّما تسمى الكأس إِذَا كَانَ فيها الشراب، فإذا لم يكن فيها الخمر لم يقع عليها اسم الكأس. وسمعت بعض العرب يَقُولُ للطبق الَّذِي يُهدى عَلَيْهِ الهدية: هُوَ المِهْدَى، ما دامت عليه الهدية، فإذا كان [١١٩/ ا] فارغًا رجع إلى اسمه إن كَانَ طبقًا أَوْ خوانًا، أَوْ غير ذَلِكَ. وقوله : زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْناً (١٨) . ذكر أن الزنجبيل هُوَ العين، وأن الزنجبيل اسم لها، وفيها من التفسير ما فِي الكافور. وقوله : تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) . ذكروا أن السلسبيل اسم للعين، وذكر أَنَّهُ صفة للماء لسلسلته وعذوبته، ونرى أَنَّهُ لو كَانَ اسمًا للعين لكان ترك الإجراء فِيهِ أكثر، ولم نر أحدا من القراء ترك إجراءها وهو جائز فِي العربية، كما كَانَ في قراءة عبد الله: «ولا تذرن ودا ولا سُوَاعًا ولا يَغُوثًا ويَعُوقًا «٣» » بالألف. وكما قال:

стр. 1160

«سلاسلا» ، و «قواريرا» بالألف، فأجروا ما لا يجرى، وليس بخطأ، لأن العرب تجرى ما لا يجرى فِي الشعر، فلو كَانَ خطأ ما أدخلوه فِي أشعارهم، قَالَ متمم بْن نويرة: فما وجد أظآرٍ ثلاثٍ روائمٍ ... رأين مَجَرًّا من حُوارٍ ومصْرعًا «١» فأجرى روائم، وهي مما لا يجرى «٢» فيما لا أحصيه فِي أشعارهم. وقوله : مُخَلَّدُونَ (١٩) . يَقُولُ: محلّون مُسَورون، وَيُقَال: مُقَرطون، وَيُقَال: مخلدون دائم شبابهم لا يتغيرون عنْ تلك السن، وهو أشبهها بالصواب- والله أعلم- وذلك أن العرب إِذَا كبر الرجل، وثبت سواد شعره قيل: إنه لمخلد، وكذلك يُقال إِذَا كبر ونبتت لَهُ أسنانه وأضراسه قيل: إنه لمخلد ثابت الحال. كذلك الوُلدانُ ثابتة أسنانهم. وقوله : وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً (٢٠) . يقال «٣» : إذا رأيت ما ثمّ رأيت نعيما، وصلح إضمار (ما) كما قيل: «لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ «٤» » . والمعنى: ما بينكم، والله أعلم. وَيُقَال: إذا رأيت [١١٩/ ب] ثُمَّ، يريد: إِذَا نظرت، ثُمَّ إِذَا رميت ببصرك هناك رَأَيْت نعيمًا. وقوله : عالِيَهُمْ «٥» ثِيابُ سُندُسٍ (٢١) . نصبها أَبُو عَبْد الرَّحْمَن وعاصم والحسن الْبَصْرِيّ، جعلوها كالصفة فوقهم «٦» . والعرب تقول:

стр. 1161

قومك داخل الدار، فينصبون داخل الدار «١» لأنَّه مَحَل، فعاليهم من ذَلِكَ. وَقَدْ قَرَأَ أهل الحجاز وحمزة: «عالِيَهُمْ» بإرسال الياء، وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه: «عاليتُهم ثيابُ سُنْدُسٍ» بالتاء. وهي حجةٌ لمن أرسل اليَاءَ وسكنها. وَقَدِ اختلف القراء فِي: الخضر والسندس، فخفضهما يَحيى بن وثاب أراد أن يجعل الخضر من صفة السندس ويكسر «٢» على الإستبرق ثياب سندس، وثياب إستبرق، وقد «٣» رفع الْحَسَن الحرفين جميعًا «٤» . فجعل الخضر من صفة الثياب، ورفع الاستبرق بالرد عَلَى الثياب، ورفع بعضهم الخضر، وخفض الاستبرق «٥» ورفع [الاستبرق] «٦» وخفض الخضر «٧» ، وكل ذَلِكَ صواب. والله محمود. وقوله : شَراباً طَهُوراً (٢١) . يَقُولُ: طهور ليس بنجس كما كَانَ «٨» فِي الدنيا مذكورًا «٩» بالنجاسة. وقوله : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤) . (و) هاهنا بمنزلة (لا) ، وأو فى الجحد والاستفهام والجزاء تكون فِي معنى (لا) فهذا من ذَلِكَ. وقَالَ الشَّاعِر «١٠» : لا وَجْدُ ثَكْلَى كما وَجِدْتُ وَلا ... وَجْدُ عَجُولٍ أَضَلَّهَا رُبَعُ أَوْ وَجْدُ شيخٍ أصَلَّ ناقتَهُ ... يَوْمَ توافَى الحجيجُ فاندفعُوا

стр. 1162

[أراد: ولا وجد شيخ] «١» وَقَدْ يكون فِي العربية: لا تطيعن منهم من أثم أَوْ كفر. فيكون المعنى فى (أو) قريبا من معنى (الواو) . كقولك للرجل: لأعطينك سَألت، أَوْ سكتَّ. معناه: لأعطينك عَلَى كل حال. وقوله [١٢٠/ ا] : وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ (٢٨) . والأسر الخَلْق. تَقُولُ: لقد» أُسِر هَذَا الرجل أحسنُ الأسر، كقولك: خُلِقَ «٣» أحْسَن الخَلْق. وقوله : إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ (٢٩) . يَقُولُ: هَذِهِ السُّورة تذكرة وعظة. «فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا» (٢٩) وِجهة وطريقًا إلى الخير. وقوله : وَما تَشاؤُنَ (٣٠) . جواب لقوله: «فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا» . ثُمَّ أخبرهم أن الأمر ليس إليهم، فَقَالَ: (وما «٤» تشاءون) ذلك السبيل (إلا أن يشاء الله) لكم، وفي قراءة عَبْد الله (وَمَا تَشَاءُونَ إلا أن «٥» يشاء الله) والمعنى «٦» فِي (ما) و (أن) متقارب. وقوله : وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ (٣١) . نصبت الظالمين «٧» لأن الواو فى لها تصير كالظرف لأعدّ. ولو كانت رفعًا كَانَ صوابا، كما قال: «وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ «٨» » بغير همز «٩» ، وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه:

стр. 1163

«وللظالمين أعد لهم» فكرر «١» اللام فِي (الظالمين) وفي (لهم) ، وربما فعلت العرب ذَلِكَ. أنشدني بعضهم «٢» : أقول لها إِذَا سَأَلت طلاقًا ... إلامَ تسارعين إلى فراقي وأنشدني بعضهم: فأصبحْنَ لا يَسلنهُ عنْ بما بِهِ ... أصعَّد فِي غاوي الهوى أم تصوبَّا «٣» ؟ فكرر الباء مرتين. فلو قَالَ: لا يسلنه عما بِهِ، كَانَ أبين وأجود. ولكن الشَّاعِر ربما زاد ونقص ليكمل الشعر. ولو وجهت قول اللَّه ﵎: «عَمَّ يَتَساءَلُونَ، عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ «٤» » إلى هَذَا الوجه كَانَ صوابًا فِي العربية. وله وجه آخر يراد: عم يتساءلون يا مُحَمَّد!؟ ثُمَّ أخبر، فَقَالَ: يتساءلون عَنِ النبإ العظيم. ومثل هذا قوله فى المرسلات: «لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ «٥» » تعجبا، ثم قال: «لِيَوْمِ «٦» الْفَصْلِ» أي: أجلت ليوم الفصل. ومن سورة المرسلات [١٢٠/ ب] قوله : وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) . يُقال: هِيَ الملائكة، وأمَّا قوله: (عرفا) فيقال: أُرْسِلَتْ بالمعروف، وَيُقَال: تتابعت كعرف الفرس، والعرب تَقُولُ: تركتُ النَّاس إلى فلان عُرفا واحدًا، إِذَا توجهوا إِلَيْه فأكثروا. وقوله : فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) . وهى الرياح.

стр. 1164

وقوله : وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) . وهي: الرياح التي تأتي بالمطر. وقوله : فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤) . وهي: الملائكة، تنزل بالفرْق، بالوحي ما بين الحلال والحرام وبتفصيله «١» ، وهي أيضًا. «فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً» (٥) . هى: الملائكة تلقى الذكر إلي الأنبياء. وقوله : عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) . خففه الْأَعْمَش، وثقل «٢» عاصم: (النُّذر) وحده. وَأهل الحجاز والحسن يثقلون عذرًا أَوْ نذرًا «٣» . وهو مصدر مخففا كان أو مثقلا. ونصب عذرًا أَوْ نذرًا أي: أرسلت بما أرسلت بِهِ إعذارًا من اللَّه وَإنذارًا. وقوله : فَإِذَا «٤» النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) . ذهب ضوءها. وقوله : وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) . اجتمع القراء عَلَى همزها، وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه: «وقِّتت» «٥» بالواو، وقرأها «٦» أَبُو جَعْفَر الْمَدَنِيّ: «وُقِتت» بالواو خفيفة «٧» ، وإنما همزتْ لأن الواو إِذَا كانت أَوَّل حرف وضمت همزت، من ذَلِكَ قولك: صَلّى القوم أُحدانا. وأنشدني بعضهم:

стр. 1165

يَحُلّ أحَيْدَه، ويُقالُ: بَعْلٌ ... ومثلُ تموُّلٍ مِنْهُ افتقارُ «١» ويقولون: هَذِهِ أجوه حسان- بالهمز، وذلك لأن ضمة الواو ثقيلة، كما كَانَ كسر الياء ثقيلا. وقوله : أُقِّتَتْ (١١) . جمعت لوقتها يوم القيامة [١٢١/ ا] . وقوله : لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) . يعجب العباد من ذَلِكَ اليوم ثُمَّ قَالَ: «لِيَوْمِ الْفَصْلِ» (١٣) . وقوله : أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) . بالرفع. وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه: «ألم نهلك الأولين وسنتبعهم الآخرين» ، فهذا دليل عَلَى أنها مستأنفة لا مردودة عَلَى (نهلك) ، ولو جزَمت عَلَى: ألم نقدّر إهلاك الأولين، وإتباعهم الآخرين- كَانَ وجهًا جيدًا بالجزم «٢» لأنّ التقدير يصلح للماضي، وللمستقبل. وقوله : فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) . ذكر عنْ عليّ بْن أَبِي طَالِب ﵀، وعن أَبِي «٣» عَبْد الرَّحْمَن السلمي: أنهما شدَّدا، وخففها الْأَعْمَش وعاصم «٤» . ولا تبعدن أن يكون المعنى فِي التشديد والتخفيف واحدًا لأن العرب قَدْ تَقُولُ: قدِّر عَلَيْهِ الموتُ، وقدّر عَلَيْهِ رزقه، وقُدِر عَلَيْهِ بالتخفيف والتشديد، وَقَدِ احتج الَّذِينَ خففوا فقالوا: لو كَانَ كذلك لكانت: فنعم المقدّرون. وَقَدْ يجمع العرب بين اللغتين، قَالَ اللَّه ﵎: «فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً «٥» » (٤) ، وقال الأعشى:

стр. 1166

وأنْكرتْني، وما كَانَ الَّذِي نَكِرتْ ... من الحوادثِ إلَّا الشيبَ والصَّلَعا «١» وقوله : أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) . تكفتهم أحياء عَلَى ظهرها فِي بيوتهم ومنازلهم، وتكفتهم أمواتًا فِي بَطنها، أي: تحفظهم وتحرزهم. ونصبك الأحياءَ والأموات بوقوع الكفات عَلَيْهِ، كأنك قلت: ألم نجعل الأرض كفاتَ أحياءٍ، وأمواتٍ، فإذا نونت نصبت- كما يقرأ من قَرَأَ: «أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيماً» «٢» ، وكما يقرأ: «فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ «٣» » ، ومثله: «فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ «٤» » [١٢١/ ب] . وقوله : إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) . يُقال: إنه يخرج لسانٌ من النار، فيحيط بهم كالسرادق ثُمَّ يتشعب مِنْهُ ثلاث شعب من دخان فيظلهم، حتَّى يفرغ من حسابهم إلى النار. وقوله : كَالْقَصْرِ (٣٢) يريد: القصر من قصور مياه العرب، وتوحيده وجمعه عربيان، قَالَ اللَّه ﵎: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «٥» » ، معناه: الأدبار، وكأن القرآن نزل عَلَى ما يَستحب العرب من موافقة المقاطع، ألا ترى أَنَّهُ قال: «إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ «٦» » ، فثقل فى (اقتربت) لأن آياتها مثقلة، قَالَ: «فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً «٧» » . فاجتمع القراء عَلَى تثقيل الأول، وتخفيف هَذَا، ومثله: «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ «٨» » ، وقال: «جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً «٩» » فأجريت رءوس الآيات على هذه المجاري، وهو أكثر من أن «١٠» يضبطه الكتاب، ولكنك تكتفى بهذا منه إن شاء الله.

стр. 1167

وَيُقَال: كالقَصَر «١» كأصول النخل، ولست أشتهي ذَلِكَ لأنها مَعَ آيات مخففة، ومع أن «٢» الجَمَلَ إنما شبه بالقصر، ألا ترى قوله جل وعز: «كأنّه جمالات صُفْرٌ» ، والصّفر: سود الإبل، لا ترى أسوَدَ من الإبل إلّا وهو مشرب بصفرة، فلذلك سمتِ العربُ سودَ الإبل: صفرا، كما سَمُّوا الظبَّاء: أُدْمًا لما يعلوها من الظلمة فِي بياضها، وَقَدِ اختلف «٣» القراء فِي «جمالات» فقرأ عبد الله «٤» بن مسعود وأصحابه: «جِمالَتٌ» «٥» . قال: [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ «٦» ] حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْفَضْلِ عنْ عَطَاءٍ عنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَرْفَعُهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵀ أَنَّهُ قَرَأَ: «جِمَالاتٌ» وَهُوَ أَحَبُّ الْوَجْهَيْنِ إِلَيَّ لأَنَّ الْجِمَالَ أَكْثَرُ مِنَ الْجِمَالَةِ فِي كَلامِ الْعَرَبِ. وَهِيَ تَجَوُّزٌ، كَمَا يُقَالُ «٧» : حَجَرٌ وَحِجَارَةٌ، وَذَكَرٌ وَذِكَارَةٌ إِلا أَنَّ الأَوَّلَ أَكْثَرَ، فَإِذَا قُلْتَ: جِمَالاتٌ، فَوَاحِدُهَا: جِمَالٌ، مِثْلَ مَا قَالُوا: رِجَالٌ وَرِجَالاتٌ، وَبُيُوتٌ وَبُيُوتَاتٌ، فَقَدْ «٨» يَجُوزُ أَنْ تَجْعَلَ وَاحِدَ الْجِمَالاتِ جِمَالَةً، [وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ: جُمَالاتٌ «٩» ] ، فَقَدْ تَكُونُ «١٠» مِنَ الشَّيْءِ الْمُجْمَلِ، وَقَدْ تَكُونُ جُمَالاتٌ جَمْعًا مِنْ جَمْعِ الْجِمَالِ. كَمَا قَالُوا: الرَّخِلُ وَالرُّخَالُ، وَالرِّخَالُ. وقوله : هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) . اجتمعت القراء عَلَى رفع اليوم «١١» ، ولو نُصب لكان «١٢» جائزا على جهتين: إحداهما- أن

стр. 1168

العرب إذا أضافت اليوم والليلة إلى فعلَ أَوْ يفعل، أَوْ كلمة مجملةٍ لا خفض فيها نصبوا اليوم فِي موضع الخفض والرفع، فهذا وجه. والآخر: أن تجعل هَذَا فِي معنى: فِعلٍ مجَملٍ من «لا يَنْطِقُونَ «١» » - وعيدُ اللَّه وثوابه- فكأنك قلت: هَذَا الشأن فِي يومِ لا ينطقون. والوجه الأول أجود، والرفع أكثر في كلام العرب. ومعنى قوله: هَذَا «٢» يَوْمُ لا ينطقون «٣» ولا يعتذرون فِي بعض الساعات «٤» فِي ذَلِكَ اليوم. وذلك فِي هَذَا النوع بيّن. تقول فِي الكلام: آتيك يوم يقدُم أبوك، ويوم تقدَم، والمعنى ساعة يقدم «٥» وليس باليوم كُلِّه ولو كَانَ يومًا كلّه فِي المعنى لما جاز فِي الكلام إضافته إلى فعل، ولا إلى يفعَل، ولا إلى كلام مجمل، مثل قولك: آتيتك حين الحجاجُ أميرٌ. وإنما استجازت العربُ: أتيتك يوم مات فلان، وآتيك يوم يقدم فلان لأنهم يريدون: أتيتك إذ قدم، وإذا يقدَم فإذ وإذا لا تطلبان الأسماء، وإنما تطلبان الفعل. فلما كَانَ اليوم والليلة وجميع المواقيت فِي معناهما أضيفا إلى فعلَ ويفعَلُ وإلى الاسم المخبر عَنْهُ، كقول الشَّاعِر: [١٢٢/ ب] أزمان من يرد الصنيعة يصطنع ... مِننًا، ومن يرد الزهادة يزهد «٦» وقوله : وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) . نويت بالفاء أن يكون «٧» نسقًا عَلَى ما قبلها، واختير ذَلِكَ لأن الآيات بالنون، فلو قيل: فيعتذروا لم يوافق الآيات. وَقَدْ قَالَ اللَّه جل وعز: «لَا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا «٨» » بالنصب، وكلٌّ صواب. مثله: «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ «٩» » و (فيضاعفَه) ، قَالَ، قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: كذا كَانَ يقرأ الكِسَائِيّ، والفراء، وحمزة، (فيضاعفهُ) «١٠» .

стр. 1169

وقوله: جل وعز فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) . إن كَانَ عندكم حيلة، فاحتالوا لأنفسكم. وقوله ﵎: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) . يَقُولُ: إِذَا أُمروا بالصلاة لم يصلوا. ومن سورة عم يتساءلون قوله : عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ العظيم (٢) يُقال: عنْ أي شيء يتساءلون؟ يعني: قريشًا، ثُمَّ قَالَ لنبيه ﷺ : يتساءلون عَنِ النبأ العظيم، يعني: القرآن. ويقال: عم يتحدث «١» بِهِ قريش فِي القرآن. ثُمَّ أجابَ، فصارت: عم يتساءلون، كأنها [فِي معنى] «٢» : لأي شيء يتساءلون عَنِ القرآن، ثُمَّ إنه أخبر فقال: «الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ» (٣) بين مصدّق ومكذّب، فذلك «٣» اختلافهم. واجتمعت القراء على الياء فى قوله: «كَلَّا سَيَعْلَمُونَ» (٤) . وقرأ الْحَسَن وحده: «كلا ستعلمون» وهو صواب. وهو مثل قوله- وإن لم يكن قبله قول-: «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ «٤» » وسيغلبون «٥» . وقوله: ثَجَّاجاً كالعَزَاليِ «٦» : وقوله : وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) . مثل: «إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ «٧» » «وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ «٨» » معناه واحد، والله أعلم. بذلك جاء التفسير.

стр. 1170

[١٢٣/ ا] وقوله : لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) . حدّثت عَنِ الْأَعْمَش أَنَّهُ قَالَ: بلغنا عنْ علقمة أَنَّهُ قَرَأَ «لَبِثين «١» » وهي قراءة «٢» أصحاب عَبْد الله. والناس بعد يقرءون: (لابثين) ، وهو أجود الوجهين لأن (لابثين) إِذَا كانت فِي موضع تقع فتنصب كانت بالألف، مثل: الطامع، والباخل عنْ قليل. واللّبِثُ: البطيء، وهو جائز، كما يُقال: رَجُل طمِعٌ وطامع. ولو قلت: هَذَا طِمعٌ فيما قبلك كَانَ جائزًا، وقَالَ لبيد: أوْ مِسْحَلٌ عَملٌ عضادةَ سَمْحَجٍ ... بسَرَاتِها نَدَبٌ لَهُ وكُلومُ «٣» فأوقع عمل عَلَى العضادة، ولو كانت عاملًا كَانَ أبين فِي العربية، وكذلك إِذَا قلت للرجل: ضرّابٌ، وضروبٌ فلا توقعنهما عَلَى شيء لأنهما مدح، فإذا احتاج الشَّاعِر إلى إيقاعهما فَعَل، أنشدني بعضهم: وبالفأسِ ضَرّابٌ رءوس الكرانفِ واحدها: كِرنافة، وهي أصول السقف. ويقال: الْحُقْبُ ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يومًا، اليوم منها ألف سنة من عدد أهل الدنيا «٤» . وقوله : لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) . [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ «٥» ] : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لا يذقون فِيهَا بَرْدَ الشَّرَابِ وَلا الشَّرَابَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا يذقون فِيهَا بَرْدًا، يُرِيدُ: نَوْمًا، قَالَ الْفَرَّاءُ: وَإِنَّ النَّوْمَ لَيُبْرِدُ صَاحِبَهُ. وَإِنَّ الْعَطْشَانَ لَيَنَامَ فَيُبْرِدُ بالنوم.

стр. 1171

وقوله [ : جَزاءً وِفاقاً (٣٦) . وفقًا لأعمالهم] «١» . وقوله : وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨) . خففها عليّ بْن أَبِي طَالِب ﵀: «كِذَّاباً» ، وثقلها عاصم والْأَعْمَش وأهل المدينة والحسن الْبَصْرِيّ. وهي لغة يمانية فصيحة يقولون: كذبت به كذّابا، وخرّقت القميص خرّاقا، وكل فعّلت فمصدره فِعّال فِي لغتهم مشدد، قَالَ لى أعرابى منهم [١٢٣/ ب] : عَلَى المروة: آلحلقُ أحب إليك أم القِصَّار؟ يستفتيني «٢» . وأنشدني بعض بني كلاب: لقدْ طالَ ما ثَبَّطْتَنيِ عنْ صَحابتيِ ... وعن حِوَجٍ قِضَّاؤها من شِفائيا «٣» وكان الكِسَائِيّ يخفف: «لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً» (٣٥) لأنها ليست بمقيدة بفعل يصيرها مصدرًا. ويشدّد: «وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً» (٢٨) لأن كذبوا يقيدّ الكِذابَ بالمصدر «٤» ، والذي قَالَ حسن. ومعناه: لا يسمعون فيها لغوا. يَقُولُ: باطلًا، ولا كذابًا لا يكذب بعضهم بعضا. وقوله : رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (٣٧) . يخفض فِي لفظ الإعراب، ويرفع، وكذلك: «الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً» (٣٧) يرفع «الرَّحْمَنُ» ويخفض فِي الإعراب. والرفع فِيهِ أكثر. قال والفراء يخفض: (ربّ) ، ويرفع «الرحمن» «٥» .

стр. 1172

ومن سورة النازعات قوله : وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) إلى آخر الآيات. ذكر أنها الملائكة، وأنّ النزع نزعُ الأنفس من صدور الكفار، وهو كقولك: والنازعات إغراقًا، كما يُغرِق النازِع فِي القوس، ومثله: «وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً» (٢) . يُقال: إنها تقبض نفس المؤمن كما يُنْشطُ «١» العقال مِن البعير، والذي سمعت من العرب أن يقولوا: أنشَطتُ وكأنما أُنشِطَ من عقال، وربطها: نشطها، فإذا ربطتَ الحبلَ فِي يد البعير فأنت ناشط، وإذا حللته فقد أنشطته، وأنت منشط. وقوله : وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً (٣) . الملائكة أيضًا، جعل نزولها من السماء كالسباحة. والعرب تقول للفرس الجواد [١٢٤/ ا] إنه لسابح «٢» : إِذَا مرَّ يتمطى «٣» . وقوله : فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (٤) . وهي الملائكة تسبق الشياطين «٤» بالوحي إلى الأنبياء إِذ كَانَت الشياطين تسترق السمع. وقوله : فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥) . هِيَ الملائكة أيضًا «٥» ، تنزل بالحلال والحرام فذلك تدبيرها، وهو إلى اللَّه جل وعز، ولكن لما نزلت بِهِ سميت بذلك، كما قَالَ : (نزل به الرّوح الأمين «٦» ) ، وكما قال: (فإنه نزّله على قلبك «٧» ) ، يعني: جبريل ﵇ نزّله عَلَى قلب محمد صلّى الله عليهما وسلم، والله الذي

стр. 1173

أنزله، ويسأل السائل: أَيْنَ جواب القسم فِي النازعات؟ فهو مما ترك جوابهُ لمعرفة السامعين، المعنى وكأنه لو ظهر كَانَ: لتبعثُنّ، ولتحاسبُنّ ويدل عَلَى ذَلِكَ قولهم: إِذَا كُنَّا عظامًا ناخرة «١» ألا [ترى أَنَّهُ كالجواب لقوله: لتبعثن إذ قَالُوا: إِذَا كُنَّا عظامًا نخرة نبعث] «٢» . وقوله : يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) وهى: النفخة الأولى «تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ» (٧) وهى: النفخة الثانية. وقوله: أَإِذا «٣» كُنَّا عِظاماً ناخرة (١١) حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخطاب يقرأ: «إذا كنّا عظاما ناخرة» «٤» ، حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي الْكِسَائي عَن مُحَمَّد بْن الْفَضْلِ عنْ عطاء عنْ أَبِي عبد الرحمن عن علي ﵀ أنه قرأ «نَخِرَةً» ، وَزَعَمَ فِي إِسْنَادِهِ هَذَا: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قرأها «نَخِرَةً» [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ «٥» ] قَالَ: وَحَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّيْمِيُّ أَبُو سَعِيدٍ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ شَرِيكٌ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ. «عِظَامًا نَاخِرَةً» وَقَالَ [مُحَمَّدٌ] «٦» بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ [قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ.] «٧» يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: مَا بَالُ صِبْيَانٍ يَقْرَءُونَ: (نَخِرَةً) ، وإنما هى (ناخرة) [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ «٨» ] حدثنا الفراء [١٢٤/ ب] قال: وَحَدَّثَنِي مِنْدَلٌ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ: (نَاخِرَةً) . وَقَرَأَ أَهْلُ المدينة والحسن: (نخرة) ، و (ناخرة) «٩» أَجْوَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ، لأَنَّ الآيَاتِ بِالأَلِفِ. ألا ترى أن (ناخرة) مع (الحافرة) و (الساهرة) أشبه بمجىء التنزيل، و (الناخرة) و (النخرة) سواء فى المعنى بمنزلة

стр. 1174

الطَّامِعِ وَالطَّمِعِ، وَالْبَاخِلِ وَالْبَخِلِ. وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُ المفسرين بينهما، فقال: (النخرة) : البالية، و (الناخرة) : العظم المجوف الَّذِي تَمُرُّ فِيهِ الرِّيحُ فَيَنْخَرُ. وقوله : الْحافِرَةِ (١٠) . يُقال: إلى أمرنا الأول إلى الحياة، والعرب تَقُولُ: أتيت فلانًا ثُمَّ رجعت عَلَى حافرتي، أي رجعت إلى حيث جئت. ومن ذَلِكَ قول العرب: النقد عند الحافرة «١» . معناه: إِذَا قَالَ: قَدْ بعتُك رجعتُ عَلَيْهِ بالثمن، وهما فِي المعنى واحد. وبعضهم: النقد عند الحافر. قَالَ: وسألت عَنْهُ بعض العرب، فقال: النقد عند الحافر، يريد: عند حافر الفرس، وكأن هَذَا المثل جرى فِي الخيل. وقَالَ بعضهم: الحافرة الأرض التي تحفر فيها قبورهم فسماها: الحافرة. والمعنى: المحفورة. كما قيل: ماء دافق، يريد: مدفوق. وقوله : فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) . وهو وجه الأرض، كأنها سميت بهذا الاسم، لأن فيها الحيوان: نومهم، وسهرهم [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ «٢» ] قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حِبَّانُ بْنُ عَلِيٍّ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: (السَّاهِرَةُ) : الأَرْضُ، وَأَنْشَدَ: فَفِيهَا لَحْمُ سَاهِرَةٍ وَبَحْرٍ ... وَمَا فَاهُوا بِهِ لَهُمُ مُقِيمُ «٣» وقوله : طُوىً (١٦) . هُوَ واد بين المدينة ومصر «٤» ، فمن أجراه قَالَ: هُوَ ذكرٌ سمينا به ذكرا، فهذا سبيل ما يُجْرى «٥» ، ومن لم يجره جعله معدولا [١٢٥/ ا] عن جهته. كما قال: رأيت عمر، وذفر، ومضر لم تصرف

стр. 1175

لأنها معدولة عنْ جهتها، كأن عُمَر كَانَ عامرًا، وزفر زافرًا، وطوى طاوٍ، ولم نجد اسمًا من الياء والواو عدل عنْ جهته غير طوى، فالِإجراء فِيهِ أحب إليَّ: إذ لم أجد فِي المعدول نظيرًا. وقوله : فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) . إحدى الكلمتين قوله: «مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي «١» » والأخرى قوله: «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى» (٢٤) . وقوله جل وعز: فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى. أي: أخذه اللَّه أخذًا نكالًا للآخرة والأولى. وقوله ﵎: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ (٢٧) . يعني: أهل مكَّة ثُمَّ «٢» وصف صفة السماء، فَقَالَ: بناها. وقوله : وَأَغْطَشَ لَيْلَها. (٢٩) أظلم ليلها. وقوله جل وعز: وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) . ضوءها ونهارها. وقوله ﵎: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) . يجوز نصب الأرض ورفعها «٣» . والنصب أكثر فِي قراءة القراء، وهو مثل قوله: «وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ» «٤» ، مَعَ نظائر كثيرة فِي القرآن. وقوله : مَتاعاً لَكُمْ (٣٣) ، خَلَقَ ذَلِكَ منفعة لكم، ومتعة لكم، ولو كانت متاع لكم كَانَ صوابًا، مثل ما قَالُوا: «لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ» «٥» ، وكما قَالَ: «مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» «٦» وهو عَلَى الاستئناف يُضْمَر لَهُ ما يرفعه،

стр. 1176

وقوله : فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ (٣٤) وهي القيامة تطم عَلَى كل شيء، يُقال: تَطِمُ وتطُمُّ لغتان، وقوله ﵎، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) . مأوى «١» أهل هَذِهِ الصفة، وكذلك قوله: «فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى» (٤١) . مأوى من وصفناه بما وصفناه بِهِ من خوف ربه ونهيه [١٢٥/ ب] نفسه عنْ هواها. وقوله : أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) . يَقُولُ القائل: إنَّما الإرساء للسفينة والجبال، وما أشبههن، فكيف وصفت الساعةُ بالإرساءِ؟ قلت: هِيَ بمنزلة السفينة إِذَا كانت جارية فرست، ورسوّها قيامها، وليس قيامها كقيام القائم عَلَى رجلِه ونحوه، إنَّما هُوَ كقولك: قَدْ قام العدل، وقام الحق، أي: ظهر وثبت. وقوله : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) . أضاف عاصم والْأَعْمَش، ونوّن طلحة بْن مصرف وبعض أهل المدينة، فقالوا: «مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها «٢» » ، وكلّ صواب و «٣» هو مثل قوله: «بالِغُ أَمْرِهِ» ، و «بالِغُ أَمْرِهِ» «٤» و «مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ» و «مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ» «٥» مَعَ نظائر لَهُ فِي القرآن. وقوله ﵎: «إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها» (٤٦) . يقول القائل: وهل للعشى ضحا؟ إنما الضحى لصدر النهار، فهذا بيّن ظاهر من كلام العرب أن يقولوا: آتيك العشية أَوْ غداتها، وآتيك «٦» الغداة أَوْ عشيتها. تكون العشية فِي معنى: آخرِ، والغداة فِي معنى: أول، أنشدني بعض بنى عقيل:

стр. 1177

نَحْنُ صبحنا عامرًا فِي دارها ... عشية الهلال أَوْ سَرارِها أراد عشية الهلال أَوْ عشية سَرار العشية، فهذا أسد «١» من آتيك الغداة أو عشيتها «٢» ومن سورة عبس [١٢٦/ ا] قوله : عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) ذَلِكَ عَبْد اللَّه بْن أم مكتوم وكانت أم مكتوم أم أَبِيهِ آتى رَسُول اللَّه ﷺ وعنده نفر من أشراف قريش ليسأله عنْ بعض ما ينتفع بِهِ، فكرِه رَسُول اللَّه ﷺ أن يقطع كلامه فأنزل اللَّه ﵎، «عَبَسَ وَتَوَلَّى» ، يعني: محمدا ﷺ ، «أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى» ، لأن جاءه الأعمى. ثم قال جل وعز: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى «٣» (٣) بما أراد أن يتعلَّمه من عِلْمِك، فعطف النَّبِيّ ﷺ عَلَى ابْنُ أم مكتوم، وأكرمه بعد هذه الآية حتَّى استخلفه عَلَى الصلاة، وَقَدِ اجتمع القراء عَلَى: «فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى» (٤) بالرفع، ولو كَانَ نصبًا «٤» عَلَى جواب الفاء للعل- كَانَ صوابًا. أنشدني بعضهم «٥» علَّ صروفَ الدَّهر أَوْ دولاتِها ... يُدلْنَنَا اللَّمَّةَ من لَمَّاتها فتستريحَ النفسُ من زَفْراتها ... وتُنْقعَ الغلَّةُ من غلاتها

стр. 1178

و «١» قد قَرَأَ بعضهم: «أأن جاءَه الأعمى» «٢» بهمزتين مفتوحتين، أي: أن جاءَه عبس، وهو «٣» مثل قوله: «أأَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ «٤» » . وقوله ، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) . ولو قرأ قارئٌ: «تَصَدَّى» «٥» كان صوابًا. وقوله : كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) . هَذِهِ السُّورة تذكرة، وإن شئت جعلت الهاء عمادا لتأنيث التذكرة. «فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ «٦» » (١٢) ذكر القرآن رجع «٧» التذكير إلى الوحي. «فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ» (١٣) . لأنها نزلت من اللوح «٨» المحفوظ مرفوعة عند ربك هنالك مطهرة، لا يمسها إلا المطهرون، وهذا مثل قوله: «فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً «٩» » . جعل [١٢٦/ ب] الملائكة والصحف مطهرة لان الصحف يقع عليها التطهير، فجعل التطهير لمن حملها أيضًا. وقوله : بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) . وهم الملائكة، واحدهم سافر، والعرب تَقُولُ: سفرت بين القوم إِذَا أصلحت بينهم، فجعلت الملائكة إِذَا نزلت بوحي اللَّه ﵎ وتأديبه كالسفير الَّذِي يصلح بين القوم، قَالَ «١٠» الشَّاعِر وما أدعُ السِّفارةَ بينَ قومي ... وما أمْشي يغشّ إن مشيت «١١»

стр. 1179

والبررة: الواحد منهم فِي قياس العربية بار لأن العرب لا تَقُولُ: فَعَلة يَنْوُونَ بِهِ الجمع إلا والواحد مِنْهُ فاعل مثل: كافر وكفرة، وفاجر فجرة. فهذا الحكم عَلَى واحده بار، والذي تَقُولُ العرب: رَجُل بَرّ، وامرأة برة، ثُمَّ جمع عَلَى تأويل فاعل، كما قَالُوا: قوم خَيَرَة بَرَرَة. سمعتها من بعض «١» العرب، وواحد الخَيرَة: خيّر، والبررة: برٌّ. ومثله: قوم سَراةٌ، واحدهم: سِرى. كَانَ ينبغي أن يكون ساريًا. والعرب إِذَا جمعت: ساريًا جمعوه بضم أوله فقالوا: سُراة وغُزاة. فكأنهم إذ قَالُوا: سُرَاة: كرهوا أن يضموا أوله. فيكون الواحد كأنه سارٍ، فأرادوا أن يفرقوا بفتحة أول سراة بين: السرىّ والساري. وقوله : ما أَكْفَرَهُ (١٧) يكون تعجبًا، ويكون: ما الَّذِي أكفره؟. وبهذا الوجه الآخر جاء التفسير، ثُمَّ عجّبه، فَقَالَ: «مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ» (١٨) ثم [١٢٧/ ا] فسّر فقال: «مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ» (١٩) أطورا نطفة، ثُمَّ علقة إلى آخر خلقِه، وشقيًا أَوْ سعيدًا، وذكرًا أَوْ أنثى. وقوله : ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ «٢» (٢٠) معناه: ثُمَّ يسره للسبيلِ، ومثله: «إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ» ، أي: أعلمناه طريق الخير، وطريق الشر. وقوله : ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) جعله مقبورا، ولم يجعله ممن يُلْقَى للسباع والطير، ولا ممن يلقى فِي النواويس، كأن القبر مما أكرم المسلم بِهِ، ولم يقل: فقبره لأنّ القابر هُوَ الدافن بيده، والمُقبِر: اللَّه ﵎ لأنه صيره ذا قبر، وليس فعله كفعل الآدمي. والعرب تَقُولُ: بترتُ ذنب البعير، والله أبتره. وعضبت قرن الثور، والله أعضبه، وطردت فلانًا عني، والله أطرده «٣» صيّره طريدًا، ولو قَالَ قائل: فقبره، أَوْ قَالَ فِي الآدمي: أقبره إِذَا وجهه لجهته صلح، وكان صوابًا ألا ترى أنك تَقُولُ: قتل فلان أخاه، فيقول الآخر: اللَّه قتله. والعرب تَقُولُ: هَذِهِ كلمة مُقتلة مُخيفة إِذَا كانت من قالها قُتِل قيلت هكذا، ولو قيل فيها: قاتلة خائفة كَانَ صوابًا، كما تَقُولُ: هَذَا الداء قاتِلك.

стр. 1180

وقوله ﵎: كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) لم يقض بعض ما أمره. وقوله : أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) قَرَأَ الْأَعْمَش وعاصم (أَنَا) «١» يجعلانها فِي موضع خفض أي: فلينظر إلى صبِّنَا الماء إلى أن صَبَبْنا، وفعلنا وفعلنا. وقرأ أهل الحجاز والحسن الْبَصْرِيّ: (إنا) «٢» يخبر عنْ صفة الطعام بالاستئناف، وكلٌّ حسن، وكذلك قوله جل وعز: «فَانْظُرْ كَيْفَ [١٢٧/ ب] كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ «٣» » ، و «إنا دمرناهم «٤» . وَقَدْ يكون موضع «أَنَا» هاهنا فى (عبس) إِذَا فتحتْ رفعًا كأنه استأنف فَقَالَ: طعامُه، صَبُّنا الماء، وإنباتُنا كذا وكذا. وقوله ﵎: حَبًّا (٢٧) . الحب: كل الحبوب: الحنطة والشعير، وما سواهما. والقضب: الرَّطبة، وأهل مكَّة يسمون القتَّ: القضب. والحدائق: كل بستان كَانَ عَلَيْهِ حائط فهو حديقة. وما لم يكن عَلَيْهِ حائط لم يُقَلْ: حديقة. والغُلْب: ما غلظ من النخل. والأبّ: ما تأكله الأنعام. كذلك قَالَ ابْنُ عَبَّاس. وقوله ﵎: مَتاعاً لَكُمْ (٣٢) أي: خلقناه متعةً لكم ومنفعة. ولو كَانَ رفعًا جاز عَلَى ما فسرنا. وقوله : الصَّاخَّةُ (٣٣) : القيامة. وقوله : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) . يفر عنْ أخيه: من، وعن فِيهِ سواء. وقوله : لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) . أي: يشغله عنْ قرابته، وَقَدْ قَرَأَ بعض القراء: «يعنيه» «٥» وهى شاذة.

стр. 1181

وقوله ﵎: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) . مشرقة مضيئة، وإذا ألقت المرأة نقابها، أَوْ برقعها قيل: سفرت فهي سافرٌ، ولا يُقال: أسفرت. وقوله : تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) . ويجوز فِي الكلام: قَتْرة بجزم التاء. ولم يقرأ بها أحد «١» . ومن سورة إذا الشمس كورت قوله : إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) ذهب ضوءها. وقوله ﵎: [١٢٨/ ا] وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) . أي: انتثرت وقعت عَلَى وجه الأرض. وقوله جل وعز: وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) . والعشار: لُقُح الإبل عطلها أهلها لاشتغالهم بأنفسهم. وقوله : وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) . [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ] «٢» حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي أبو الأحوص سلام ابن سليم عن سعيد بْن مسروق عنْ عكرمة قَالَ: حشرها: موتها. وقوله : وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) . أفضى بعضها إلى بعض، فصارت بحرًا واحدًا. وقوله جل وعز: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) . [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ] «٣» حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي أبو الأحوص سلام ابن سليم عَن سَعِيد بْن مسروق أَبِي سُفْيَان عَن عكرمة فِي قوله: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ قال:

стр. 1182

يقرن الرجل بقرينه الصالح فِي الدنيا فِي الجنة، ويقرن الرجل الَّذِي كَانَ يعمل العمل السيّء بصاحبه الَّذِي كَانَ يعينه عَلَى ذَلِكَ فِي النار، فذلك تزويج الأنفس. قَالَ الفراء: وسمعت «١» بعض العرب يَقُولُ: زوجت إبلي، ونهى اللَّه أن يقرن بين اثنين، وذلك أن يقرن البعير بالبعير فيعتلفان معا، ويرحلان معا. [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ] «٢» حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ أبيه «٣» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ غُرَابٍ عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عباس أنه قرأ: «وإذا الموؤدة سألت «٤» » (٨) «بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ» (٩) وقال: هى «٥» التي تسأل ولا تسأل وقد يجوز أن يقرأ: «بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ» ، وَالْمَعْنَى: بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلْتُ. كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلامِ: عَبْدَ اللَّهِ بِأَيِّ ذَنْبِ ضُرِبَ، وَبِأَيِّ ذَنْبٍ ضُرِبْتُ. وَقَدْ مرّ لَهُ نظائر من الحكاية، من ذلك [١٢٨/ ب] قول عنترة: الشاتِمي عِرضي ولم أشتمها ... والناذرين إِذَا لقيتهما دمي «٦» والمعنى: أنهما كانا يقولان: إِذَا لقينا عنترة لنقتلنه. فجرى الكلام فِي شعره عَلَى هَذَا المعنى. واللفظ مختلف، وكذلك قوله رَجُلانِ من ضَبَّةَ أَخبرانا ... إِنَّا رأينا رجلًا عريانًا «٧» والمعنى: أخبرانا أنهما، ولكنه جرى عَلَى مذهب القول، كما يَقُولُ «٨» : قَالَ عَبْد الله: إنه إنه لذاهب «٩» وإني ذاهب «١٠» ، والذهاب لَهُ فِي الوجهين جميعًا.

стр. 1183

ومن قرأ: «وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ» (٨) ففيه وجهان: سئلت: فقيل لها: «بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ» (٩) ثم يجوز قتلت. كما جاز فِي المسألة الأولى، ويكون سئلت: سئل عَنْهَا الَّذِينَ وأدُوها. كأنك قلت: طلبتْ منهم، فقيل: أَيْنَ أولادُكم؟ وبأي ذنب قتلتموهم؟ وكل الوجوه حسن بيّن إلّا أن الأكثر (سئلت) فهو أحبُّها إلي. وقوله : وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) . شدّدها يَحيى بْن وثاب، وأصحابه، وخففها آخرون من أهل المدينة «١» وغيرهم. وكلٌّ صواب، قَالَ الله جل وعز «صُحُفاً مُنَشَّرَةً «٢» » ، فهذا شاهد لمن شدّد، ومنشورة عربي، والتشديد فِيهِ والتخفيف لكثرته، وأنَّه جمع كما تَقُولُ: مررت بكباش مذبّحة، ومذبوحةٍ، فإذا كَانَ واحدًا لم يجز إلا التخفيف، كما تَقُولُ: رَجُل مقتول، ولا تَقُولُ: مُقَتَّلٌ. وقوله جل وعز وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) . نزعت وطويت، وفى [١٢٩/ ا] قراءة عَبْد اللَّه: «قشطت» بالقاف، وهما لغتان، والعرب تَقُولُ: القافور «٣» والكافور، والقَفُّ والْكَفُّ- إِذَا تقارب الحرفان فِي المخرج تعاقبًا فِي اللغات: كما يقال: جدف وجدث، تعاقبت الفاء الثاء فى كثير من الكلام، كما قيل: الأثافى والأثاثى «٤» ، وثوب فُرْقبي وثُرقبي «٥» ، ووقعوا فِي عاثورِ شَرّ، وعافور شر «٦» . وقوله : وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) . خففها الْأَعْمَش وأصحابه، وشددها الآخرون «٧» . وقوله ﵎: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤) جواب لقوله «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ» (١) ولما بعدها، «وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ» (١٣) قربت.

стр. 1184

وقوله : فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) . وهي النجوم الخمسة تَخنُس فِي مجراها، ترجع وتكنِس: تستتر كما تكنس الظباء فِي المغار، وهو الكنِاسُ. والخمسة: بَهرام، وزُحَل، وعُطارد، والزُّهَرة، والمشترى. وقَالَ الكلبي: البِرْجيس: يعني المشترى. وقوله : وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) . اجتمع المفسرون: عَلَى أن معنى «عَسْعَسَ» : أدبر، وكان بعض أصحابنا يزعم أن عسعس: دنا من أوله وأظلم، وكان أَبُو البلاد النحوي ينشد فِيهِ «١» عَسْعسَ حتَّى لو يشاءُ أدّنا ... كان له من ضوئه مقبس يريد: إذ دنا، ثُمَّ يلقى همزة إذ «٢» ، ويُدغم الذال فِي الدال، وكانوا يرون أن هَذَا البيت مصنوع. وقوله: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) . إِذَا ارتفع النهار، فهو تنفس الصبح. وقوله : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) . يعني: جبريل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وعلى جميع الأنبياء. وقوله: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بظنين [١٢٩/ ب] (٢٤) . [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ «٣» ] حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي قيس بن الربيع عن عاصم ابن أَبِي النجود عنْ زر بْن حبيش قَالَ: أنتم تقرءون: (بِضَنِينٍ) ببخيل، ونحن نقرأ (بظنين) «٤» بِمتَهم. وقرأ عاصم وأهل الحجاز وزيد بن ثابت (بِضَنِينٍ) وهو حسن، يَقُولُ: يأتيه غيب السماء، وهو منفوس «٥» فيه فلا يضن به عنكم، فلو كَانَ مكان: عَلَى- عنْ- صلح أَوِ الباء

стр. 1185

كما تقول: ما هو بضنين بالغيب. والذين قالوا: بظنين. احتجوا بأن على تقوى «١» قوهم، كما تَقُولُ: ما أنت عَلَى فلان بمتهم، وتقول: ما هو عَلَى الغيب بظنين: بضعيف، يَقُولُ: هُوَ محتمل لَهُ، والعرب تَقُولُ للرجل الضعيف أَوِ الشيء القليل: هُوَ ظنون. سمعت بعض قضاعة يَقُولُ: ربما دلّك عَلَى الرأي الظنون، يريد: الضعيف من الرجال، فإن يكن معنى ظنين: ضعيفًا، فهو كما قيل: ماءٌ شريب، وشروب، وقرونى، وقرينى، وسمعت: قرونى وقرينى، وقرونتى وقرينتي «٢» - إلا أنّ الوجه ألّا تدخِل الهاء. وناقة طعوم وطعيم، وهي التي» بين الغثّة والسمينة. وقوله : فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) ؟ العرب تَقُولُ: إلى أَيْنَ تذهب؟ وأينَ تذهب؟ ويقولون: ذهبت الشامَ، وذهبت السوق، وانطلقت الشام، وانطلقت السوق، وخرجت الشام- سمعناه فِي هَذِهِ الأحرف الثلاثة: خرجت، وانطلقت، وذهبت. وقَالَ الكِسَائِيّ: سمعت العرب تَقُولُ: انطُلِقَ بِهِ الفورَ، فتنصب عَلَى معنى إلقاء الصفة، وأنشدني بعض بني عُقَيل «٤» : تَصيحُ بنا حَنيفةُ إذ رأتنا ... وأيّ الأرضِ تذهبُ للصِّياح يريد: إلى أي الأرض تذهب [١٣٠/ ا] واستجازوا فِي هَؤُلَاءِ الأحرف إلقاءَ (إلى) لكثرة استعمالهم إياها. ومن سورة إذا السماء انفطرت قوله : إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) : انشقت. وقوله : وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) . خرج ما فِي بطنها من الذهب والفضة، وخرج الموتى بعد ذَلِكَ، وهو «٥» من أشراط الساعة: أن تخرج الأرضُ أفلاذَ كبدها من ذهبها وفضتها. قَالَ الفراء: الأفلاذ القِطَعُ من الكبد المشرح والمشرحة «٦» ، الواحد فلذ، وفلذة.

стр. 1186

وقوله ﵎: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ من عملها وَأَخَّرَتْ (٥) . وما أخرت: ما سنت من سنة حسنة، أَوْ سيئة فعُمل بها. وجواب: «إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ» (١) قوله: «عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ» . وقوله جل وعز: الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) . قرأها الْأَعْمَش وعاصم: «فَعَدَلَكَ» مخففة «١» . وقرأها أهل الحجاز: «فَعَدَلَكَ» مشددة. فمن قرأها بالتخفيف فوجهه والله أعلم: فصرفكَ إلى أيِّ صورةٍ شاءَ إما: حَسَنٌ، أَوْ قَبيحٌ، أَوْ طويل، أَوْ قصير. قال: [حدثنا «٢» الفراء قال] «٣» : وحدثني بعض المشيخة عنْ ليثٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح أَنَّهُ قَالَ: فِي صورة عمٍّ فِي صورة أبٍ، فِي صورة بعض القرابات تشبيهًا. ومن قَرَأَ: «فَعَدَلَكَ» مشددة، فإنه أراد- والله أعلم: جعلك معتدلا معدّل الخلق، وهو أعجب الوجهين إليَّ، وأَجودُهما فِي العربية لأنك تَقُولُ: فِي أي صورة ما شاء ركبك، فتجعل- فِي- للتركيب أقوى فِي العربية من أن يكون «٤» فى للعدل [١٣٠/ ب] لأنك تَقُولُ: عَدَلتك إلى كذا وكذا، وصرفتك إلى كذا وكذا، أجود من أن تَقُولُ: عدلتك فِيه، وصَرفتك فِيهِ. وقوله جل وعز: كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) . بالتاء، وقرأ بعض أهل المدينة بالياءِ «٥» ، وبعضهم بالتاءِ، والْأَعْمَشُ وعاصمٌ بالتاء، والتاء أحسنُ الوجهين لقوله: «وَإِنَّ عَلَيْكُمْ» ولم يقل: عليهم. وقوله جل وعز: وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) : يَقُولُ: إِذَا دخلوها فليسوا بمخْرَجين منها. اجتمع القراء عَلَى نصب «يَوْمَ لا تَمْلِكُ» (١٩) والرفع

стр. 1187

جائز لو قرىء بِهِ «١» . زعم الكِسَائِيّ: أن العرب تُؤْثر الرفعَ إِذَا أضافوا اليوم إلى يفعل، وتفعلُ، وأفعلُ، ونفعلُ فيقولون: هَذَا يومُ نفعلُ ذاك، وأفعل ذاك، ونفعلُ ذاك. فإذا قَالُوا: هَذَا يومَ فعلتَ، فأضافوا يوم إلى فعلتُ أَوْ إلى إذْ «٢» آثروا النصب، وأنشدونا: عَلَى حينِ عاتبتُ المشيبَ عَلَى الصِّبا ... وقلتُ أَلَمَّا تَصْحُ والشَّيبُ وازِعُ؟ «٣» وتجوز «٤» فِي اليَاءِ والتاء ما يجوز فِي فعلت، والأكثر ما فسّر الكِسَائِيّ. ومن سورة المطففين قوله : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) . نزلت أَوَّل قدوم النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ إلى المدينة، فكان أهلها إِذَا ابْتاعوا كَيْلًا أَوْ وزنًا استوفَوْا وأفرطوا. وإذا باعوا كيلًا أو وزنا نقصوا فنزلت «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ» فانتهَوْا، فهم أَوْ فِي النَّاس «٥» كيْلًا إلى يومهم هَذَا. [قَالَ] «٦» قَالَ الفراء: ذُكرَ أن «وَيْلٌ» وادٍ فِي جهنم، والويل الَّذِي نعرف «٧» . وقوله : وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ [١٣١/ ا] وَزَنُوهُمْ «٨» (٣) الهاء فِي موضع نصب، تَقُولُ: قَدْ كِلتك طعامًا كثيرًا، وكِلتني مثله. تريد: كِلْتَ لي،

стр. 1188

وكِلْتُ لَكَ، وسمعت أعرابية تَقُولُ: إِذَا صَدَرَ النَّاس أتينا التاجر، فيكيلنا الْمُدَّ والمُدَّين إلى الموسم المقبل، فهذا شاهد، وهو من كلام أهل الحجاز، ومن جاورهم من قيس. وقوله : اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ (٢) . يريد: اكتالوا من الناس، وهما تعتقبان: على ومِن- في هذا الموضع لأنه حقّ عليه فإذا قال: اكتلتُ عليك، فكأنه قال: أخذتُ ما عليك، وإذا قال: اكتلت منك، فهو كقولك: استوفيت منك. وقوله : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ (٦) . هو تفسير اليوم المخفوض لمّا ألقي اللام من الثاني ردّه إلى «مَبْعُوثُونَ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ» فلو خفضت يومَ بالرَّد على اليوم الأوَّلِ كان صوابًا. وقد تكونُ في موضع خفض «١» إلَّا أنها أضيفت إلى يفعلُ، فنصبت إذ أضيفت إلى غير محضٍ «٢» ، ولو رفع على ذلك «يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ» كما قَالَ الشَّاعِر: فَكُنْتُ كذي رِجْلين: رَجُل صحيحة ... وأخرى رمَى فيها الزَّمانُ فَشَلَّتِ «٣» . وقوله : وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) . ذكروا أنها الصخرة التي تحت الأرض، ونرى أنه صفة من صفاتها لأنه لو كان لها اسما لم يجر. وإن قلت: أجريته لأنى ذهبت بالصخرة إلى أَنَّها الحجر الَّذِي فِيهِ الكتاب كَانَ وجهًا. وقوله : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) . يَقُولُ: كثرت المعاصي والذنوب منهم، فأَحاطت بقلوبهم فذلك الرَّين عليها. وجاء فِي الحديث: أن عمر «٤» بن الخطاب ﵀، قال للأسيفع «٥» أصبَح قدرِين بِهِ. يَقُولُ: قَدْ أحاط بماله [١٣١/ ب] ، الدين وأنشدنى بعض العرب «٦» :

стр. 1189

لم ترو حتَّى هجرت ورين بي يقول: حتَّى غُلبتُ من الإعياء، كذلك غلبَةُ الدَّيْنِ، وغلبةُ الذنوبِ. وقوله : كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) . يَقُولُ القائل: كيف جمعت (عِلِّيون) بالنون، وهذا من جمع الرجال فإن «١» العرب إِذَا جمعت جمعًا لا يذهبون فِيهِ إلى أن لَهُ بناءً من واحد واثنين، فقالوه فِي المؤنث، والمذكر بالنون، فمن ذَلِكَ هَذَا، وهو شيء فوق شىء غير معروف واحده ولا أثناه. وسمعت بعضَ العرب يَقُولُ: أَطْعَمَنَا مرقة مَرَقَيْن «٢» يريد: اللحم إِذَا طبخت بمرق. قَالَ، [وقَالَ الفراء مرة أخرى: طبخت بماء] «٣» واحد. قَالَ الشَّاعِر: قَدْ رَوِيَتْ إلا الدُّهَيْدِهِينَا ... قُليَصِّاتٍ وأُبَيْكِرينَا «٤» فجمع بالنون لأنَّه أراد: العدد الَّذِي لا يُحَدُّ، وكذلك قول الشَّاعِر: فأصبحت المذَاهِبُ قَدْ أذاعت ... بِهَا الإعصار بعد الوابلينا «٥» أراد: المطر بعد المطر غير محدود. ونرى أن قول العرب: عشرون، وثلاثون إذ جعل للنساء وللرجال من العدد الَّذِي يشبه هَذَا النوع، وكذلك عليّون: ارتفاعٌ بعد ارتفاع وكأنه لا غاية لَهُ. وقوله : تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)

стр. 1190

يَقُولُ. بريق النعيم ونداه، والقراء مجتمعون عَلَى (تعرف) إلا أبا جَعْفَر الْمَدَنِيّ فإنه قَرَأَ: «تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ «١» » و «يُعْرَفُ» أيضًا يجوز لأنّ النَّضْرةَ اسمٌ مؤنثٌ مأخوذ من فعلٍ وتذكير فعله قبله [١٣٢/ ا] وتأنيثه جائزان. مثل قوله: «وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا «٢» الصَّيْحَةُ» وفى موضع آخر. «وَأَخَذَتِ «٣» » . وقوله : خَاتَمة مِسْكٌ (٢٦) . [قرأ الحسنُ وأهل الحجاز وعاصم والأعمش «خِتامُهُ مِسْكٌ «٤» » . حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا «٥» مُحَمَّدٌ قال: حدثنا الفراء قال: [و] «٦» حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ «٧» عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيِّ أنه قرأ «خاتمه مسك» [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ] قال: «٨» حدثنا الفراء قال: [و] «٩» حدثنى أبو الأحوص عن أشعث بن أبى الشعناء المحاربي قال: قرأ علقمة بن قيس «خاتَمُهُ مِسْكٌ» «١٠» . وقال: أما رأيت المرأة تَقُولُ للعطّار: اجْعل لي خاتمهُ مِسْكَا تريد: آخره، والخاتم والختام متقاربان فِي المعنى، إلا أن الخاتم: الاسم، والختام: المصدر، قَالَ الفرزدق: فَبتْنَ جنابَتيَّ مُصرَّعَاتٍ ... وَبِتُّ أفضّ أغلاق الختام «١١» ومثل الخاتم، والختام قولك للرجل: هُوَ كريم الطابع، والطباع، وتفسيره: أن أحدهم إِذَا شرب وجد آخر كأسه ريح المسك. وقوله : وَمِزاجُهُ (٢٧)

стр. 1191

مزاج الرحيق «مِنْ تَسْنِيمٍ» (٢٧) من ماء يتنزل عليهم من مَعالٍ. فَقَالَ: (من تسنيم، عينا) تتسنمهم عينا فتنصب (عينا) عَلَى جهتين: إحداهما أن تنوِي من تسنيم عينٍ، فإذا نونت نصبت. كما قَرَأَ من قَرَأَ: «أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيماً «١» » ، وكما قَالَ: «أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً، أَحْياءً وَأَمْواتاً «٢» » ، وكما قَالَ من قَالَ: «فَجَزاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ «٣» » والوجه الآخر: أن تَنْوِيَ من ماء سُنِّم عينا. كقولك: رفع عينا يشرب بها، وإن [لم] «٤» يكن التسنيم اسمًا للماء فالعين نكرة، والتسنيم معرفة، وإن كَانَ اسمًا للماء فالعين معرفة «٥» ، فخرجت أيضًا نصبًا. وقوله جل وعز: فاكهين (٣١) : معجبين، وقد قرىء: «فَكِهِينَ «٦» » وكلّ صواب مثل: طمع وطامع. ومن سورة إِذَا السماء انشقت قوله : إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) . تشقق بالغمام. وقوله : [١٣٢/ ب] وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) . سمعت «٧» وحق لها ذلك. وقال بعض المفسرين: جواب «إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» قوله: «وَأَذِنَتْ» ونرى أَنَّهُ رَأَى ارتآه المفسر، وشبهه بقول الله ﵎: «حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها «٨» » لأنا لم نَسْمَع جوابًا بالواو فِي «إذ» مبتدأة، ولا قبلها كلام، ولا فِي «إِذا» إِذَا ابتدئت، وإنما تجيب العرب بالواو فِي قوله: حتَّى إِذَا كَانَ، و «فلما أن كان» لم يجاوزوا ذلك.

стр. 1192

قَالَ اللَّه ﵎: «حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، وَاقْتَرَبَ «١» » بالواو، ومعناه: اقترب. والله أعلم. وَقَدْ فسرناه فِي غير هَذَا الموضع. وقوله : وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) . بسطت ومُدِّدت كما يمدّد «٢» الأديم العكاظي «٣» والجواب فى: «إِذَا «٤» السَّماءُ انْشَقَّتْ» ، وفى «وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ» كالمتروك لأنَّ المعنى معروف قَدْ تردّد فِي القرآن معناه فعرف. وإن شئت كَانَ جوابه: يا أيها الإنسان «٥» . كقول القائل: إِذَا كَانَ كذا وكذا فيأيها النَّاس ترون ما عملتم من خير أَوْ شر. تجعل يا أيها الْإِنْسَان «٦» هُوَ الجواب، وتضمر فِيهِ الفاء، وَقَدْ فسِّر جواب: إِذَا السماء- فيما يلقى الْإِنْسَان من ثواب وَعقاب- وكأن المعنى: ترى الثواب والعقاب إذا انشقت السماء. وقوله : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) . يُقال: إن إيمانهم تُغل إلى أعناقهم، وتكون شمائلهم وراءَ ظهورهم. وقوله : فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) . الثبور «٧» أن يقول: وا ثبوراه، وا ويلاه، والعرب تَقُولُ: فلان يدعو لَهفَة «٨» إِذَا قَالَ: وا لهفاه. وقوله: وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) . قَرَأَ الْأَعْمَش وعاصم: «وَيَصْلى» ، وَقَرَأَ الْحَسَن والسلمي وبعض أهل المدينة: «وَيَصْلى» «٩» وقوله: «ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ «١٠» » .

стр. 1193

يشهد للتشديد لمن قَرَأَ «وَيَصْلى» ، و «يَصْلَى» أيضًا جائز لقول اللَّه : «يَصْلَوْنَها «١» » ، و «يَصْلاها «٢» » . وكل صواب واسع «٣» [١٣٣/ ا] . وقوله : إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى (١٥) . أن لن يعود إلينا إلى الآخرة. بلى ليحورَنَّ، ثُمَّ استأنف فَقَالَ: «إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً» (١٥) . وقوله : فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) . والشفق: الحمرة التي فِي المغرب من الشمس [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: «٤» ] حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي يَحْيَى عنْ حُسَيْن بْن عَبْد اللَّه بْن ضُمَيرة عنْ أَبِيهِ عنْ جَدّه رفعه قَالَ: «٥» الشفق: الحمرة. قَالَ الفراء: وكان بعض الفقهاء يَقُولُ: الشفق: البياض لأنّ الحمرة تذهب إِذَا أظلمت، وإنما الشفق: البياض الَّذِي إِذَا ذهب صُلِّيت العشاء الآخرة، والله أعلم بصواب ذَلِكَ. وسمعت بعض العرب يَقُولُ: عَلَيْهِ ثوبٌ مصبوغ كأنه الشفق، وكأن أحمر، فهذا شاهد للحمرة. وقوله : وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) : وما جمع. وقوله ﵎: وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) . اتساقه: امتلاؤه ثلاث عشرة إلى ست عشرة فيهن اتساقه. وقوله : لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) . [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: «٦» ] حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي قيس بْن الربيع عنْ أَبِي إِسْحَاق: أن مسروقًا قَرَأَ: «لتركَبنَّ يا مُحَمَّد حالًا بعد حال» وذُكر عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ: «لَتَرْكَبُنَّ» وفسر «لَتَرْكَبُنَّ» السماء حالا بعد حال. [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: «٧» ] ، حدثنا الفراء قال: و «٨» حدثنى سفيان بن عيينة

стр. 1194

عَنْ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ: «لَتَرْكَبُنَّ» «١» وَفَسَّرَ: لَتَصِيرَنَّ الأُمُورُ حَالا بَعْدَ حَالٍ لِلشِّدَّةِ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: وَقَعَ فِي بَنَاتِ طَبَقٍ، إِذَا وَقَعَ فِي الأَمْرِ الشَّدِيدِ «٢» ، فَقَدْ قَرَأَ هَؤُلاءِ: «لَتَرْكَبُنَّ» وَاخْتَلَفُوا فِي التَّفْسِيرِ. وَقَرَأَ أَهْلُ المدينة وكثير من الناس: «لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً» يَعْنِي: النَّاسَ عَامَّةً! وَالتَّفْسِيرُ: الشِّدَّةُ «٣» وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي الأَوَّلِ: لَتَرْكَبَنَّ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ سَمَاءً بَعْدَ سَمَاءٍ، وَقُرِئَتْ: «لَيَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ» وَمَعَانِيهِمَا مَعْرُوفَةٌ، «لَتَرْكَبُنَّ» ، كَأَنَّهُ خَاطَبَهُمْ، «وَلَيَرْكَبُنَّ» «٤» أَخْبَرَ عنهم. وقوله : بِما يُوعُونَ (٢٣) . الإيعاء:، ما يجمعون فِي صدورهم من التكذيب والإثم. والوعي لو «٥» قيل: وَالله أعلم بما يوعون [١٣٣/ ب] لكَان صوابًا، ولكنه لا يستقيم فِي القراءَة. ومن سورة البروج قوله : وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) . اختلفوا فى البروج، فقالوا: هِيَ النجوم، وقالوا: هِيَ البروج التي تجرى فيها الشمس والكواكب المعروفة: اثنا عشر برجًا، وَقالوا: هِيَ قصور فِي السماء، والله أعلم بصواب ذلك. وقوله جل وعز: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) . ذكروا أنه القيامة، «وَشاهِدٍ» (٣) يوم الجمعة، «وَمَشْهُودٍ» (٣) يوم عرفة، وَيقال: الشاهد أيضًا يوم القيامة، فكأنه قَالَ: واليوْم الموعوْد وَالشاهد، فيجعلُ «٦» الشاهد من صلة الموعود، يتبعه فى خفضه.

стр. 1195

وقوله جل وعز: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) . يقال في التفسير: إن جواب القسم في قوله: «قُتِلَ» ، كما كان جواب «وَالشَّمْسِ وَضُحاها «١» » فى قوله! «قَدْ أَفْلَحَ «٢» » : هذا في التفسير، ولم نجد العرب تدع القسم بغير لام يُسْتَقْبَلُ بها أو «لا» أو «إن» أو «ما» فإن يكن كذلك فكأنه مما ترك فيه الجواب: ثم استؤنف موضع الجواب بالخبر، كما قيل: يا أيها الإنسان في كثير من الكلام. وقوله جل وعز: أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) . كَانَ ملك خدّ لقوم أخاديد فِي الأرض، ثُمَّ جمع فيها الحطب، وألهب فيها النيران، فأحرق بها قومًا وقعد الَّذِينَ حفروها حولها، فرفع اللَّه النار إلى الكفرة الَّذِينَ حفروها فأحرقتهم، ونجا منها المؤمنون، فذلك قوله : «فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ» (١٠) فى الآخرة «وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ» (١٠) فِي الدنيا. وَيُقَال: إنها أحرقت من فيها، ونجا الَّذِينَ فوقها. واحتج قائل هَذَا بقوله: «وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ» (٧) ، والقول الأول أشبه بالصواب، وذلك لقوله: «فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ، وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ» ولقوله فى صفة الذين آمنوا «ذلِكَ [١٣٤/ ا] الْفَوْزُ الْكَبِيرُ» (١١) يَقُولُ: فازوا من عذاب الكفار، وعذاب الآخرة، فأكْبِر بِهِ فوزًا. وقوله : قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) . يَقُولُ: قتلتهم النار، ولو قرئت: «النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ» ، بالرفع كَانَ صوابًا «٣» ، وقرأ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمي: «وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ «٤» » رفع الشركاء بإعادة الفعل: زينه «٥» لهم شركاؤهم. كذلك قوله: «قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ» قتلتهم النار ذات الوقود. ومن خفض: «النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ» وهي فِي قراءة «٦» العوام- جعل النار هى الأخدود إذ كانت النار فيها كأنه قَالَ: قتل أصحاب النار ذات الوقود.
следующие страницы →