← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23634

معاني القرآن للفراء

يحيى بن زياد الفراء

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

مزاج الرحيق «مِنْ تَسْنِيمٍ» (٢٧) من ماء يتنزل عليهم من مَعالٍ. فَقَالَ: (من تسنيم، عينا) تتسنمهم عينا فتنصب (عينا) عَلَى جهتين: إحداهما أن تنوِي من تسنيم عينٍ، فإذا نونت نصبت. كما قَرَأَ من قَرَأَ: «أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيماً «١» » ، وكما قَالَ: «أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً، أَحْياءً وَأَمْواتاً «٢» » ، وكما قَالَ من قَالَ: «فَجَزاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ «٣» » والوجه الآخر: أن تَنْوِيَ من ماء سُنِّم عينا. كقولك: رفع عينا يشرب بها، وإن [لم] «٤» يكن التسنيم اسمًا للماء فالعين نكرة، والتسنيم معرفة، وإن كَانَ اسمًا للماء فالعين معرفة «٥» ، فخرجت أيضًا نصبًا. وقوله جل وعز: فاكهين (٣١) : معجبين، وقد قرىء: «فَكِهِينَ «٦» » وكلّ صواب مثل: طمع وطامع. ومن سورة إِذَا السماء انشقت قوله : إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) . تشقق بالغمام. وقوله : [١٣٢/ ب] وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) . سمعت «٧» وحق لها ذلك. وقال بعض المفسرين: جواب «إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» قوله: «وَأَذِنَتْ» ونرى أَنَّهُ رَأَى ارتآه المفسر، وشبهه بقول الله ﵎: «حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها «٨» » لأنا لم نَسْمَع جوابًا بالواو فِي «إذ» مبتدأة، ولا قبلها كلام، ولا فِي «إِذا» إِذَا ابتدئت، وإنما تجيب العرب بالواو فِي قوله: حتَّى إِذَا كَانَ، و «فلما أن كان» لم يجاوزوا ذلك.

стр. 1192

قَالَ اللَّه ﵎: «حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، وَاقْتَرَبَ «١» » بالواو، ومعناه: اقترب. والله أعلم. وَقَدْ فسرناه فِي غير هَذَا الموضع. وقوله : وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) . بسطت ومُدِّدت كما يمدّد «٢» الأديم العكاظي «٣» والجواب فى: «إِذَا «٤» السَّماءُ انْشَقَّتْ» ، وفى «وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ» كالمتروك لأنَّ المعنى معروف قَدْ تردّد فِي القرآن معناه فعرف. وإن شئت كَانَ جوابه: يا أيها الإنسان «٥» . كقول القائل: إِذَا كَانَ كذا وكذا فيأيها النَّاس ترون ما عملتم من خير أَوْ شر. تجعل يا أيها الْإِنْسَان «٦» هُوَ الجواب، وتضمر فِيهِ الفاء، وَقَدْ فسِّر جواب: إِذَا السماء- فيما يلقى الْإِنْسَان من ثواب وَعقاب- وكأن المعنى: ترى الثواب والعقاب إذا انشقت السماء. وقوله : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) . يُقال: إن إيمانهم تُغل إلى أعناقهم، وتكون شمائلهم وراءَ ظهورهم. وقوله : فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) . الثبور «٧» أن يقول: وا ثبوراه، وا ويلاه، والعرب تَقُولُ: فلان يدعو لَهفَة «٨» إِذَا قَالَ: وا لهفاه. وقوله: وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) . قَرَأَ الْأَعْمَش وعاصم: «وَيَصْلى» ، وَقَرَأَ الْحَسَن والسلمي وبعض أهل المدينة: «وَيَصْلى» «٩» وقوله: «ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ «١٠» » .

стр. 1193

يشهد للتشديد لمن قَرَأَ «وَيَصْلى» ، و «يَصْلَى» أيضًا جائز لقول اللَّه : «يَصْلَوْنَها «١» » ، و «يَصْلاها «٢» » . وكل صواب واسع «٣» [١٣٣/ ا] . وقوله : إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى (١٥) . أن لن يعود إلينا إلى الآخرة. بلى ليحورَنَّ، ثُمَّ استأنف فَقَالَ: «إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً» (١٥) . وقوله : فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) . والشفق: الحمرة التي فِي المغرب من الشمس [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: «٤» ] حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي يَحْيَى عنْ حُسَيْن بْن عَبْد اللَّه بْن ضُمَيرة عنْ أَبِيهِ عنْ جَدّه رفعه قَالَ: «٥» الشفق: الحمرة. قَالَ الفراء: وكان بعض الفقهاء يَقُولُ: الشفق: البياض لأنّ الحمرة تذهب إِذَا أظلمت، وإنما الشفق: البياض الَّذِي إِذَا ذهب صُلِّيت العشاء الآخرة، والله أعلم بصواب ذَلِكَ. وسمعت بعض العرب يَقُولُ: عَلَيْهِ ثوبٌ مصبوغ كأنه الشفق، وكأن أحمر، فهذا شاهد للحمرة. وقوله : وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) : وما جمع. وقوله ﵎: وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) . اتساقه: امتلاؤه ثلاث عشرة إلى ست عشرة فيهن اتساقه. وقوله : لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) . [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: «٦» ] حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي قيس بْن الربيع عنْ أَبِي إِسْحَاق: أن مسروقًا قَرَأَ: «لتركَبنَّ يا مُحَمَّد حالًا بعد حال» وذُكر عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ: «لَتَرْكَبُنَّ» وفسر «لَتَرْكَبُنَّ» السماء حالا بعد حال. [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: «٧» ] ، حدثنا الفراء قال: و «٨» حدثنى سفيان بن عيينة

стр. 1194

عَنْ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ: «لَتَرْكَبُنَّ» «١» وَفَسَّرَ: لَتَصِيرَنَّ الأُمُورُ حَالا بَعْدَ حَالٍ لِلشِّدَّةِ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: وَقَعَ فِي بَنَاتِ طَبَقٍ، إِذَا وَقَعَ فِي الأَمْرِ الشَّدِيدِ «٢» ، فَقَدْ قَرَأَ هَؤُلاءِ: «لَتَرْكَبُنَّ» وَاخْتَلَفُوا فِي التَّفْسِيرِ. وَقَرَأَ أَهْلُ المدينة وكثير من الناس: «لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً» يَعْنِي: النَّاسَ عَامَّةً! وَالتَّفْسِيرُ: الشِّدَّةُ «٣» وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي الأَوَّلِ: لَتَرْكَبَنَّ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ سَمَاءً بَعْدَ سَمَاءٍ، وَقُرِئَتْ: «لَيَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ» وَمَعَانِيهِمَا مَعْرُوفَةٌ، «لَتَرْكَبُنَّ» ، كَأَنَّهُ خَاطَبَهُمْ، «وَلَيَرْكَبُنَّ» «٤» أَخْبَرَ عنهم. وقوله : بِما يُوعُونَ (٢٣) . الإيعاء:، ما يجمعون فِي صدورهم من التكذيب والإثم. والوعي لو «٥» قيل: وَالله أعلم بما يوعون [١٣٣/ ب] لكَان صوابًا، ولكنه لا يستقيم فِي القراءَة. ومن سورة البروج قوله : وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) . اختلفوا فى البروج، فقالوا: هِيَ النجوم، وقالوا: هِيَ البروج التي تجرى فيها الشمس والكواكب المعروفة: اثنا عشر برجًا، وَقالوا: هِيَ قصور فِي السماء، والله أعلم بصواب ذلك. وقوله جل وعز: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) . ذكروا أنه القيامة، «وَشاهِدٍ» (٣) يوم الجمعة، «وَمَشْهُودٍ» (٣) يوم عرفة، وَيقال: الشاهد أيضًا يوم القيامة، فكأنه قَالَ: واليوْم الموعوْد وَالشاهد، فيجعلُ «٦» الشاهد من صلة الموعود، يتبعه فى خفضه.

стр. 1195

وقوله جل وعز: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) . يقال في التفسير: إن جواب القسم في قوله: «قُتِلَ» ، كما كان جواب «وَالشَّمْسِ وَضُحاها «١» » فى قوله! «قَدْ أَفْلَحَ «٢» » : هذا في التفسير، ولم نجد العرب تدع القسم بغير لام يُسْتَقْبَلُ بها أو «لا» أو «إن» أو «ما» فإن يكن كذلك فكأنه مما ترك فيه الجواب: ثم استؤنف موضع الجواب بالخبر، كما قيل: يا أيها الإنسان في كثير من الكلام. وقوله جل وعز: أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) . كَانَ ملك خدّ لقوم أخاديد فِي الأرض، ثُمَّ جمع فيها الحطب، وألهب فيها النيران، فأحرق بها قومًا وقعد الَّذِينَ حفروها حولها، فرفع اللَّه النار إلى الكفرة الَّذِينَ حفروها فأحرقتهم، ونجا منها المؤمنون، فذلك قوله : «فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ» (١٠) فى الآخرة «وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ» (١٠) فِي الدنيا. وَيُقَال: إنها أحرقت من فيها، ونجا الَّذِينَ فوقها. واحتج قائل هَذَا بقوله: «وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ» (٧) ، والقول الأول أشبه بالصواب، وذلك لقوله: «فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ، وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ» ولقوله فى صفة الذين آمنوا «ذلِكَ [١٣٤/ ا] الْفَوْزُ الْكَبِيرُ» (١١) يَقُولُ: فازوا من عذاب الكفار، وعذاب الآخرة، فأكْبِر بِهِ فوزًا. وقوله : قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) . يَقُولُ: قتلتهم النار، ولو قرئت: «النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ» ، بالرفع كَانَ صوابًا «٣» ، وقرأ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمي: «وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ «٤» » رفع الشركاء بإعادة الفعل: زينه «٥» لهم شركاؤهم. كذلك قوله: «قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ» قتلتهم النار ذات الوقود. ومن خفض: «النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ» وهي فِي قراءة «٦» العوام- جعل النار هى الأخدود إذ كانت النار فيها كأنه قَالَ: قتل أصحاب النار ذات الوقود.

стр. 1196

وقوله : ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) . خفضه يَحيى وأصحابه. وبعضهم رفعه جعله من صفة اللَّه ﵎. وخفْضُه من صفة العرش، كما قال: «بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ» (٢١) فوصف القرآن بالمَجَادة. وكذلك قوله: فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢) . من خفض جعله من صفة اللوح «١» ، ومن رفع جعله للقرآن، وَقَدْ رفع المحفوظ شَيْبَة، وأبو جعفر المدنيان «٢» . ومن سورة الطارق قوله : وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) . الطارق: النجم لأنَّه يطلع بالليل، وما أتاك ليلًا فهو طارق، ثم فسره فَقَالَ: «النَّجْمُ الثَّاقِبُ» (٣) والثاقب: المضيء، والعرب تَقُولُ: أثقب نارك- للموقِد، وَيُقَال: إن الثاقب: هُوَ «٣» النجم الَّذِي يُقال لَهُ: زحل. والثاقب: الَّذِي قَدِ ارتفع عَلَى النجوم. والعرب تَقُولُ للطائر إِذَا لحق ببطن السماء ارتفاعًا: قَدْ ثقب. كل ذَلِكَ جاء «٤» فِي التفسير. وقوله : لَمَّا عَلَيْها (٤) . قرأها العوام «لَمَّا» ، وخففها بعضهم. الكِسَائِيّ كَانَ يخففها، ولا نعرف جهة التثقيل، ونرى أنها لغة فِي هذيل، يجعلون إلّا مَعَ إنِ المخففة (لمّا) . ولا يجاوزون «٥» ذَلِكَ. كأنه قَالَ: ما كل نفس إلا عليها [١٣٤/ ب] حافظ.

стр. 1197

ومن خفف قَالَ: إنَّما هِيَ لام جواب لإن، (وما) التي بعدها صلة كقوله: «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ «١» » يَقُولُ: فلا يكون فِي (ما) وهي «٢» صلة تشديد. وقوله : عَلَيْها حافِظٌ (٤) : الحافظ من اللَّه يحفظها، حتَّى يُسلمها إلى المقادير. وقوله : مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) . أهل الحجاز أفعل لهذا من غيرهم، أن يجعلوا المفعول فاعلًا إِذَا كَانَ فِي مذهب نعت، كقول العرب: هَذَا سرٌّ كاتم، وهمٌّ ناصبٌ، وَلَيْلٌ نائمٌ، وعيشةٌ راضيةٌ. وأعان عَلَى ذَلِكَ أنها توافق رءوس الآيات التي هنّ «٣» معهن. وقوله : يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) . يريد: من الصلب [والترائب] «٤» وهو جائز أن تَقُولُ للشيئين: ليخرجن «٥» من بين هذين خير كثير ومن هذين. [والصلب] «٦» : صلب الرجل، والترائب: ما اكتنف لَبّاتِ المرأة مما يقع عَلَيْهِ القلائد. وقوله : إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) . إنه عَلَى رد الْإِنْسَان بعد الموت لقادر. [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ:] «٧» حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي مندل عنْ ليث عنْ مجاهد قَالَ: إنه عَلَى رد الماء إلى الإِحليل لقادر. وقوله جل وعز: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) . تبتدئ بالمطر، ثُمَّ ترجع بِهِ فِي كل عام. وقوله : وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) . تتصدع بالنبات.

стр. 1198

ومن سورة الأعلى قوله : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ (١) ، و «بِاسْمِ رَبِّكَ «١» » . كل ذَلِكَ قَدْ جاء وهو من كلام العرب. وقوله : وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) . قدّر خلقْه فهدى الذكر لَمَأتى الأنثى من البهائم. وَيُقَال: قدّر فهدى وأضل، فاكتفى من ذكر الضلال بذكر الهدى لكثرة ما يكون معه. والقراء مجتمعون عَلَى تشديد (قدّر) . وكان أَبُو عَبْد الرَّحْمَن السلمي يقرأ: قَدَر مخففة «٢» ، ويرون أنها من قراءة عليّ بْن أَبِي طالب ﵀ [١٣٥/ ا] والتشديد أحب إليَّ لاجتماع القراء عَلَيْهِ. وقوله : فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) . إِذَا صار النبت يبيسًا فهو غثاء. والأحوى: الَّذِي قَدِ اسودّ عَنِ العتق «٣» ويكون أيضًا: أخرج المرعى أحوى، فجعله غثاء، فيكون مؤخَّرًا معناه التقديم. وقوله : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ (٧) . لم يشأ أن ينسى شيئًا، وهو كقوله: «خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ «٤» » ولا يشاء. وأنت قائل فِي الكلام: لأعطينك كل ما سَأَلت إلَّا ما شئتُ، وإلَّا أن أشاءَ أن أمنعَك، والنية ألا تمنعه، وعلى هَذَا مجاري الْإِيمَان يستثنى فيها. ونية الحالف التمام. وقوله ﵎: يَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) يتجنب الذكرى فلا يذكر. وقوله جل وعز: النَّارَ الْكُبْرى (١٢) هى السفلى من أطباق النار.

стр. 1199

وقوله : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) عمِل بالخير وتصدق، وَيُقَال: قَدْ أفلح من تزكى: تصدق قبل خروجه يوم العيد. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) شهد الصلاة مَعَ الْإِمَام. وقوله : بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) اجتمع القراء عَلَى التاء، وهي فِي قراءة أبيّ: «بَلْ أَنْتُمْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ» تحقيقًا لمن قَرَأَ بالتاءِ «١» . وَقَدْ قَرَأَ بعض القراء: «بَلْ يُؤْثِرُونَ «٢» » . وقوله : إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) يَقُولُ: مَن ذكر اسم ربه فصلى وعمل بالخير، فهو فِي الصحف الأولى كما هُوَ فى القرآن. ومن سورة الغاشية [تصلى، وتُصْلَى «٣» ] (٤) قراءتان. وقوله : لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) وهو نبت يُقال لَهُ: الشِّبْرِق، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إِذَا يبس، وهو «٤» سم. وقوله : لا يُسْمَعُ فِيها لاغِيَةً «٥» (١١) : حالفة عَلَى كذب، وقرأ عاصم والْأَعْمَش وبعض القراء: «لا تَسْمَعُ» بالتاء، وقرأ بعض أهل

стр. 1200

المدينة: «لا يُسمع فيها لاغيةٌ» : ولو قرئت: «لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً» وكأنه للقراءة موافق لأن رءوس الآيات أكثرها بالرفع «١» . وقوله : فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) يُقال: مرفوعة مرتفعة: رفعت لهم، أشرفت، وَيُقَال: مخبوءة «٢» رفعت لهم. وقوله : وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) بعضها إلى جنب بعض، وهي الوسائد واحدها: نُمْرُقة. قَالَ: وسمعت بعض كلب يَقُولُ: نِمْرِقة [بِكسر النون والراء] «٣» . وقوله : وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) هِيَ: الطنافس التي لها خَمْل رقيق (مَبْثُوثَةٌ) : كثيرة. وقوله : أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) عجّبهم من حمل الإبل أنها تحمل وِقرها باركة ثُمَّ تنهض بِهِ، وليس شيء من الدواب يطيق ذَلِكَ إلّا البعير. وقوله : لَسْتَ عَلَيْهِمْ بمسيطر (٢٢) بمسلّط، والكتاب (بِمُصَيْطِرٍ) ، و (الْمُصَيْطِرُونَ «٤» ) : بالصاد والقراءة بالسين «٥» ، ولو قرئت بالصاد كَانَ مَعَ الكتاب وكان صوابًا. وقوله : إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) تكون مستثنيًا من الكلام الَّذِي كَانَ التذكير يقع عَلَيْهِ وإن لم يُذكَر، كما تَقُولُ فِي الكلام: اذهب فعِظ وذكِّر، وعُمّ إلا من لا تطمع فِيهِ، ويكون أن تجعل: (من تولّى وكفر) منقطعا

стр. 1201

عما قبله. كما تَقُولُ فِي الكلام: قعدنا نتحدث ونتذاكر الخبر إلّا أن كثيرًا من النَّاس لا يرغب، فهذا المنقطع. وتعرف المنقطع من الاستثناء بِحُسْن إن فِي المستثنى فإذا كَانَ الاستثناء محضًا متصلًا لم يحسن فِيهِ إن. ألا ترى أنك تَقُولُ: عندي مائةٌ إلّا درهما، فلا تدخل إن هاهنا فهذا كاف من ذكر غيره. وَقَدْ يَقُول بعض القراء وأهل العلم: إن (إلا) بمنزلة لكن، وذاك منهم تفسير للمعنى، فإمَّا أن تصلح (إلّا) مكان لكن فلا ألا ترى أنك تَقُولُ: ما قام عَبْد اللَّه ولكن زَيْد فَتُظْهِرُ الْوَاوَ، وتحذفها. ولا تَقُولُ: ما قام عَبْد اللَّه إلا زَيْد، إلّا أن تنويَ: ما قام إلا زَيْد لتكرير «١» أَوَّل الكلام. سئل الفراء [١٣٦/ ا] عنْ (إيّابَهم «٢» ) (٢٥) فَقَالَ: لا يجوز عَلَى جهة من الجهات. ومن سورة الفجر قوله : وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) . [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ «٣» ] : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي قيس بن الربيع عن أبى إسحق عَنِ الأسود بْن يزيد فِي قوله: «وَالْفَجْرِ» قال: هو «٤» فجركم هذا. «وَلَيالٍ عَشْرٍ» قال: عشر الأضحى. «وَالشَّفْعِ» (٣) يوم الأضحى، و «الْوَتْرِ» (٣) يوم عرفة. [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ «٥» قَالَ] : حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي شيخ عن عبد الملك ابن أَبِي سليمان عنْ عطاء قَالَ اللَّه ﵎: الوتر والشفع «٦» : خلقه.

стр. 1202

قال حدثنا الفراء قال «١» : وَحَدَّثَنِي شَيْخٌ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْوَتْرُ آدَمُ، شُفِعَ بِزَوْجَتِهِ. وقد اختلف [القراء] «٢» فى الوتر: فَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْوِتْرِ مَكْسُورَةُ الْوَاوِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ «٣» ، وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَعَاصِمٌ [وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ] «٤» «الْوَتْرِ» بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَهِيَ لُغَةٌ حِجَازِيَّةٌ «٥» . وقوله : وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) . ذكروا أنها ليلة المزدلفة، وَقَدْ قَرَأَ القراءُ: «يَسرى» بإثبات الياء، و «يَسْرِ» بحذفها «٦» ، وحذفها أحب إليَّ لمشاكلتها رءوس الآيات، ولأن العرب قَدْ تحذف الياء، وتكتفي بكسر ما قبلها منها، أنشدني بعضُهم. كفاكَ كفٌّ ما تُليق دِرْهمًا ... جُودًا، وأخرى تُعطِ بالسيف الدِّما «٧» وأنشدني آخر: ليس تخفى يسارتي قَدْر يومٍ ... ولقد تُخْفِ شِيمتي إعساري «٨» وقوله : هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) . لذي عقلِ: لذي سِتْر، وكله يرجع إلى أمر واحد من العقل، والعرب تَقُولُ: إنه لذو حجر إِذَا كَانَ قاهرًا لنفسه ضابطًا لها، كأنه أخذ من قولك: حجرت عَلَى الرجل. وقوله جل وعز [١٣٦/ ب] إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) . لم يجر القراء (إرم) لأنها فيما ذكروا اسم بلدة، وذكر الكلبي بإسناده أن (إرم) سام بن نوح، فإن كان هكذا اسما فإنما ترك إجراؤه لأنه كالعجمى. و (إرم) تابعة لعاد، و (العماد) : أنهم كانوا أهل عَمَد ينتقلون إلى الكلأ حيث كان، ثم يرجعون إلى منازلهم:

стр. 1203

وقوله : جابُوا الصَّخْرَ (٩) خرقوا الصخر، فاتخذوه بيوتًا. وقوله : وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) . كَانَ إِذَا غضب عَلَى الرجل مدّه بين أربعة أوتاد حتَّى يموت معذبًا، وكذلك فعل بامرأته آسية ابْنَة مزاحم، فسمى بهذا لذلك. وقوله جل وعز: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) . هَذِهِ كلمة تقولها العرب لكل نوع من العذاب، تُدخل فِيهِ السوط. جرى بِهِ الكلام والمثل. ونرى «١» ذَلِكَ: أن السوط من عذابهم الَّذِي يعذبون بِهِ، فجرى لكل عذاب إذ كَانَ فِيهِ عندهم غاية العذاب. وقوله ﵎: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤) . يَقُولُ: إِلَيْه المصير «٢» . وقوله جل وعز: فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ (١٦) . خفف عاصم والْأَعْمَش وعامة القراء، وقرأ نافع [أ] وأبو جَعْفَر: (فقدّر) مشددة «٣» ، يريد (فقتّر) وكلٌّ صواب. وقوله : كَلَّا (١٧) لم يكن ينبغي لَهُ أن يكون هكذا، ولكن يحمده عَلَى الأمرين: عَلَى الغنى والفقر. وقوله : وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) قَرَأَ الْأَعْمَش وعاصم بالألف وفتح التاء، وقرأ أهل المدينة: «ولا تَحُضُون» ، وقرأ الْحَسَن الْبَصْرِيّ «٤» : «ويُحضون، ويأكلون «٥» » ، وَقَدْ قَرَأَ بعضهم: «تَحَاضُّونَ «٦» » برفع التاء، وكل صواب. كأن «تَحَاضُّونَ» تحافظون، وكأن، «تُحضون» تأمرون بإطعامه «٧» ، وكأنَّ تَحاضُّون: يحض بعضكم «٨» [١٣٧/ ا] بعضا.

стр. 1204

وقوله : أَكْلًا لَمًّا (١٩) أكلا شديدا «وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا» (٢٠) كثيرًا. وقوله : يَقُولُ «١» يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) لآخرتي التي فيها الحياة والخلود. وقوله : فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) قَرَأَ عاصم والْأَعْمَش وأهل المدينة: «لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ، وَلا يُوثِقُ» بالكسر جميعا. وقرأ بذلك حَمْزَةُ [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ] «٢» قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَمَّنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ: «فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ، وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ» بِالْفَتْحِ «٣» . وَقَالَ [أَبُو عَبْدِ اللَّهِ «٤» ] مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَهَّابِ الْخَفَّافَ «٥» بِهَذَا الْإِسْنَادِ مثله [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ] «٦» . قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سُلَيْمَانَ أَبِي الرَّبِيعِ «٧» عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ قَرَأَ: «لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ، وَلا يُوثِقُ» بِالْكَسْرِ، فَمَنْ كَسَرَ أَرَادَ: فَيَوْمَئِذٍ لا يعذّب عذاب الله أحد، ومن قال: «يُعَذِّبُ» بالفتح فهو أيضا على ذلك الوجه: لا يعذّب أحد فى الدنيا كعذاب اللَّهِ يَوْمَئِذٍ. وَكَذَلِكَ الْوَجْهُ الأَوَّلُ، لا تَرَى أَحَدًا يُعَذِّبُ فِي الدُّنْيَا كَعَذَابِ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ. وقد وجّهه بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ رَجُلٌ مُسَمًّى لا يُعَذَّبُ كعذابه أحد. وقوله : «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) . بالإيمان والمصدِّقة بالثواب والبعث «ارْجِعِي» (٢٨) تَقُولُ لهم الملائكة إذا أعطوا كتبهم

стр. 1205

بأيمانهم «ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ» إلى ما أعد اللَّه لَكَ من الثواب. وقد يكون أن يقولوا لهم هَذَا القول ينوون: ارجعوا من الدنيا إلى هذا المرجع. وأنت تقول للرجل: ممن أنت؟ فيقول: مضرى. فتقول: كن تميميا، أو قيسيا. أي: أنت من أحد هذين. فيكون «١» «كن» [صلة] «٢» كذلك الرجوع [١٣٧/ ب] يكون [صلة] «٣» لأنه قَدْ صار إلى القيامة، فكأن الأمر بمعنى الخبر، كأنه قَالَ: أيتها النفس أنت راضية مرضية. وقرأ ابْنُ عَبَّاس وحده: «فادخلي فِي عبدي «٤» ، وادخلي جنتي» والعوام (فِي عِبادِي) . ومن سورة البلد وقوله : أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً (٦) . اللبد: الكثير. قَالَ بعضهم واحدته: لُبدة، ولُبَد جماع. وجعله بعضهم عَلَى جهة: قُثَم، وحُطَم واحدًا، وهو فِي الوجهين جميعا الكثير. وقرأ أَبُو جَعْفَر الْمَدَنِيّ. «مالًا لُبَداً» «٥» مشددة مثل رُكّع، فكأنه أراد: مال لا بِدٌ، ومالان لابدان، وأموالٌ لبَّد. والأموال والمال قَدْ يكونان معنى واحد. وقوله : وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) . يقول: هُوَ حلال لَكَ أحله يوم فتح مكَّة لم يحل قبله، ولن يحل بعده. وقوله : وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) . أَقسم بآدم وولده، وصلحت (ما) للناس، ومثله: «وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى «٦» » وهو الخالق الذكر والأنثى ومثله «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ «٧» » ، ولم يقل: من طاب. وكذلك: «وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ «٨» » كل هَذَا جائز فِي العربية. وَقَدْ

стр. 1206

تكون: (ما) وما بعدها فِي «١» معنى مصدر، كقوله: «وَالسَّماءِ وَما بَناها «٢» » ، «وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها «٣» » ، كأنه قَالَ: والسماء وبنائها ونفس وتسويتها. ووالد وولادته، وخلقه الذكر والأنثى، فأينما وجّهته فصواب. وقوله : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) . يَقُولُ: منتصبا معتدلًا، وَيُقَال: خَلَقَ فِي كبد، إنه خَلَقَ يعالج ويكابد أمر الدنيا وأمر الآخرة، [١٣٨/ ا] ونزلت فِي رَجُل من بني جمح كَانَ يكنى: أبا الأشدين، وكان يجعل «٤» تحت قدميه الأديم العكاظي، ثُمَّ يأمر العشرة فيجتذبونه من تحت قدميه فيتمزق «٥» الأديم. ولم تزل قدماه. فَقَالَ اللَّه ﵎: «أَيَحْسَبُ» (٥) لشدته «أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ» (٥) والله قادر عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: يَقُولُ: أنفقت مالًا كثيرًا فِي عداوة محمد صلّى الله عليه وهو كاذب، فَقَالَ اللَّه ﵎: «أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ» (٧) فِي إنفاقه. وقوله : وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) . النجدان: سبيل الخير، وسبيل الشر. قال: [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ] «٦» حَدَّثَنَا الفراء قال: [حدثنا الْكِسَائِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ] «٧» وَحَدَّثَنِي قَيْسٌ عنْ زِيَادِ بْن عِلاقَةَ عنْ أَبِي عُمَارَةَ عَنْ عَلِيٍّ ﵀ فِي قوله جَلَّ وَعَزَّ: «وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ» قَالَ: الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وقوله : فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) . ولم يُضَم إلى قوله: [فلا أقتحم] كلام آخر فيه (لا) لان العرب لا تكاد تفرد (لا) في الكلام حتى يعيدوها عليه في كلام آخر، كما قال : «فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى «٨» » و «لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ «٩» » ، وهو مما كان في آخره معناه، فاكتفى بواحدة من

стр. 1207

أخرى. ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بشيئين، فقال: «فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ» ، ثم كان [من الَّذِينَ آمنوا «١» ] ففسرها بثلاثة أشياء، فكأنه كان «٢» في أول الكلام، فلا فعل ذا ولا ذا ولا ذا «٣» . وقد قرأ العوام: «فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ «٤» » (١٤) ، وقرأ الحسن البصري: «فَكُّ رَقَبَةٍ» وكذلك علي بن أبى طالب [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ «٥» ] قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي «٦» مُحَمَّد بْن الفضل المروزي عنْ عطاء عنْ أبي عبد الرحمن عن علي أنه قرأها: «فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ «٧» » وهو أشبه الوجهين بصحيح العربية لأن الإطعام: اسم، وينبغي أن يرد عَلَى الاسم «٨» اسم مثله، فلو قيل: ثم إن كان أشكل للإطعام، والفك، فاخترنا: فَكَّ رقبةً لقوله: «ثُمَّ كانَ» ، والوجه الآخر جائز تضمر فيه (أن) ، وتلقى [١٣٨/ ب] فيكون مثل قول الشاعر «٩» : ألا أيها ذا الزَّاجِري أحْضُرَ الوغى ... وأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أنتَ مُخْلِدِي ألا ترى أن ظهور (أن) فِي آخر الكلام يدل: عَلَى أنها معطوفة عَلَى أخرى مثلها فِي أول الكلام وَقَدْ حذفها. وقوله : أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) . ذي مجاعة، ولو كانت «ذا مسغبة» تجعلها من صفة اليتيم، كأنه قَالَ: أَوْ أطعم فِي يَوْم يتيمًا ذا مسغبة أَوْ مسكينًا [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ «١٠» ] قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي «١١» حبّان

стр. 1208

عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ مَرَّ بِمِسْكِينٍ لاصِقٍ بِالتُّرَابِ حَاجَةً، فَقَالَ: هَذَا الَّذِي قَالَ اللَّهُ ﵎: «أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ» (١٦) «وَالْمُوصَدَةُ» (٢٠) : تُهْمَزُ وَلا تُهْمَزُ، وَهِيَ: الْمُطْبَقَةُ. ومن سورة الشمس وضحاها وقوله : وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) ضحاها: نهارها، وكذلك قوله: «وَالضُّحى «١» » هُوَ النهار كُلِّه بكسرِ «٢» الضحى: من ضحاها، وكل الآيات التي تشاكلها، وإن كَانَ أصل بعضها بالواو. من ذلك: تلاها، وصحاها، ودحاها لما ابتدئت السُّورة بحروف الياء والكسر اتّبَعها ما هو من الواو، ولو كان الابتداء للواو «٣» لجاز فتح ذَلِكَ كُلِّه. وكان حمزة يفتح ما كان من الواو، ويكسر ما كَانَ من الياء، وذلك من قلة البصر بمجاري كلام العرب، فإذا انفرد جنس الواو فتحته، وإذا انفرد جنس الياء، فأنت فِيهِ بالخيار إن فتحت وإن كسرت فصواب. وقوله : وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) قال الفراء: أنا أكسر كلّا [١٣٩/ ا] ، يريد اتبعها يعني اتبع «٤» الشمس، ويقال: إذا تلاها فأخذ من ضوئها، وأنت قائل في الكلام: اتبعت قول أبي حنيفة، وأخذت بقول أبي حنيفة، والاتباع والتلوُّ سواء. وقوله : وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها (٣) : جلى الظلمة، فجاز الكناية عَنِ الظلمة ولم تُذْكر لأنّ معناها معروف، ألا ترى أنك تقول: أصبَحت باردةً، وأمست باردة، وَهبت شَمالًا، فكنى عن مؤنثات لم يجر لهن ذكر لأن معناها «٥» معروف. وقوله : فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) عرفها سبيل الخير، وسبيل الشر، وهو مثل قوله: «وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ «٦» » .

стр. 1209

وقوله : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) يقول: قد أفلحت نفس زكَّاها الله، وقد خابت نفس دسّاها، ويقال: قد أفلح من زكّى نفسَه بالطاعة والصدقة، وقد خاب من دسَّى نفسه، فأخملها بترك الصدقة والطاعة، ونرى- والله أعلم- أنّ دساها من: دسّسْت، بُدّلَت بعض سيناتها ياء، كما قالوا: تظنيت من: الظن، وتقضيت يريدون: تقضضتُ من: تقضّض [البازي،] «١» وخرجت أتلعّى: ألتمس اللّعاع أرعاه. والعرب تبدل في المشدد الحرف منه بالياء «٢» والواو «٣» من ذلك ما ذكرنا لك، وسمعت بعض بني عقيل ينشد: يشبو بها نشجانه [من النشيج «٤» ] هذا «٥» آخر بيت، يريد: [يَشُب] «٦» : يظهر، يقال: الخمار الأسود [يشب] «٧» لون [البيضاء] «٨» فجعلها واوا، وقد سمعته في غير ذلك، ويقال: دويّه وداويّه، ويقال: أما فلان فصالح وأيما، ومن ذلك قولهم: دينار أصله دِنّار، يدل على ذلك جمعهم إياه دنانير، ولم يقولوا: ديانير، وديوان كان أصله: دِوّان لجمعهم إياه: دواوين [١٣٩/ ب] ، وديباج: ديابيج، وقيراط: قراريط، كأنه كان قِرّاط، ونرى أن دسّاها دسسها لأن البخيل يخفي منزله وماله، وأن الآخر يبرز منزله على الأشراف والروابي، لئلا يستتر عَنِ الضيفان، ومن أراده، وكل صواب. وقوله: بِطَغْواها (١١) أراد بطغيانها إلّا أن الطغوى أشكلُ برءوس الآيات فاختير لذلك. ألا ترى أَنَّهُ قَالَ: «وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ «٩» .» ومعناه آخر دعائهم، وكذلك «دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ «١٠» » ودعاؤهم فيها هذا.

стр. 1210

وقوله : إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) يُقال: إنهما كانا اثنين فلان ابْنُ دهر، والآخر قدار «١» ، ولم يقل: أشقياها، وذلك جائز لو أتى لأن العرب إِذَا [أضافت] «٢» أفعل التي يمدحون بها وتدخل فيها (من) إلى أسماء وحدوها فِي موضع الاثنين والمؤنث والجمع، فيقولون للاثنين: هذان أفضل النَّاس، وهذان خير النَّاس، ويثنون أيضًا، أنشدني فِي تثنيته أَبُو القمقام الأسَدي: ألا بكرَ النَّاعِي بِخيرَيْ بنى أسد ... بعمرِو بْن مسعودٍ، وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ فإِنْ تَسَلُوني بالبيانِ فإنَّه ... أَبُو مَعْقِل لا حيَّ عَنْهُ، ولَا حَدَدْ «٣» قَالَ الفراء: أي لا يكفي عَنْهُ حيٌّ، أي لا يُقال: حيَّ عَلَى فلان سواه، ولا حدد: أي لا يحد عَنْهُ لا يحرم، وأنشدني آخر فِي التوحيد، وهو يلوم ابنين لَهُ: يا أخبثَ الناسِ كل النَّاس قَدْ علموا ... لو تستطيعانِ كُنَّا مِثْل مِعْضاد «٤» فوحَّد، ولم يقل: يا أخبثي، وكل صواب، ومن وحَّد فِي الاثنين قَالَ فِي الأنثى أيضًا: هِيَ أشقى القوم، ومن ثنى قَالَ: هِيَ شُقْيا النسوة عَلَى فُعْلَى. وأنشدني المفضل الضبي: غَبَقْتُك عُظْمَاها سَنَامًا أَوِ انبرى ... برزقك براق المتون أريب «٥» وقوله : فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ (١٣) نصبت الناقة عَلَى التحذير حذرهم إياها، وكل تحذير فهو نصب [١٤٠/ ا] ولو رفع عَلَى «٦» ضمير: هَذِهِ ناقة اللَّه، فإِن العرب قَدْ ترفعه، وفيه معنى التحذير، ألا ترى أن «٧» العرب تقول: هذا

стр. 1211

العدوُّ هَذَا العدوُّ فاهربوا، وفيه تحذير، وهذا الليل فارتحلوا، فلو قَرَأَ «١» قارئ بالرفع كَانَ مصيبًا أنشدني بعضهم: إن قومًا منهم عميرٌ وأشباهُ ... عُمَيْرٍ ومنْهُم السَّفَّاحُ لجديرون بالوفاءِ إِذَا قا ... ل أَخو النجدة: السلاحُ السلاحُ «٢» فرفع، وفيه الأمر بلباس السلاح. وقوله : فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها (١٤) . يَقُولُ القائل: كيف كذبوه فعقروها؟ ونرى أن الكلام أن يُقال: فعقروها فكذبوه، فيكون التكذيب بعد العقر. وقد يكون عَلَى ما ظنّ، لأنك تَقُولُ: قتلوا رسولهم فكذبوه، أي: كفى بالقتل تكذيبًا، فهذا وجه، ويكون فكذبوه كلمة مكتفى بها، ويكون قوله: (فعقروها) جوابا لقوله: (إذ انبعث أشقاها) ، فعقروها. وكذلك جاء التفسير. ويكون مقدمًا وَمؤخرًا لأن العقر وقع بالتكذيب، وإذا وقع الفعلان معا جاز تقديم أيهما شئت. من ذَلِكَ: أعطيتَ فأحْسنت، وإن قلت: أحسنت فأعطيت كَانَ بذلك المعنى لأن الإعطاء هُوَ الإحسان، والإحسان هُوَ الإعطاء، كذلك العقر: هُوَ التكذيب. فقدمتَ ما شئتَ وأخرت الآخر. ويقول القائل: كيف قَالَ: فكذبوه ولم يكذبوه قبل ذَلِكَ إذ رضوا بأن يكون للناقة شِربٌ ولهم شِرب فجاء فِي التفسير: أنهم كانوا أقرُّوا بهذا غير مصدقين له: وقوله : فَدَمْدَمَ (١٤) . أرجف بهم. «فَسَوَّاها» (١٤) عليهم. ويقال: فسوّاها: سوّى الأمة، أنزل العذاب بصغيرها وكبيرها بمعنى سوَّى بينهم. وقوله : وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥) . أهل المدينة يقرءون: «فلا يخاف عقباها «٣» » بالفاء، وكذلك هى فى مصاحفهم، وأهل

стр. 1212

الكوفة «١» والبصرة: «وَلا يَخافُ عُقْباها» بالواو «٢» والواو فى التفسير أجود [١٤٠/ ب] لأنَّه جاء: عقرها ولم يخف عاقبة عقرها، فالواو هاهنا أجود، وَيُقَال: لا يخاف عقباها. لا يخاف اللَّه أن ترجع وتعقب بعد إهلاكه، فالفاء بهذا المعنى أجود من الواو وكل صواب. ومن سورة الليل قوله : وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) . هِيَ فِي قراءة عَبْد اللَّه «والذكرِ والأنثى» فلو خفض خافض فِي قراءتنا «الذَّكَرَ وَالْأُنْثى «٣» » يجعل «وَما خَلَقَ» كأنه قَالَ: والذي «٤» خَلَقَ من الذكر والأنثى، وقرأه العوام عَلَى نصبها، يريدون: وخلقه الذكر والأنثى. وقوله : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) . هَذَا جواب القسم، وقوله: «لَشَتَّى» يَقُولُ: لمختلف، نزلت فِي أَبِي بَكْر بْن أَبِي قحافة ﵀، وفي أَبِي سُفْيَان، وذلك أن أبابكر الصديق ﵁ اشترى تسعة رجال كانوا فِي أيدي المشركين من ماله يريد بِهِ اللَّه ﵎ فانزل اللَّه جل وعز فِيهِ ذَلِكَ: «فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى» (٥) «وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى» (٦) أبو بكر «فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى» (٧) للعود إلى العمل الصالح. وقوله : وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) : بثواب الجنة: أَنَّهُ لا ثواب. وقوله: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) . يَقُولُ: قَدْ خَلَقَ عَلَى أَنَّهُ شقي ممنوع من الخير، ويقول القائل: فكيف قَالَ: «فَسَنُيَسِّرُهُ

стр. 1213

للعسرى» فهل فِي العسرى تيسير؟ فيقال فِي هَذَا فى إجازته بمنزلة قول الله تبارك الله وتعالى: «وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ «١» » . والبشارة فِي الأصل عَلَى المفرح والسار فإذا جمعت «٢» فِي كلامين: هَذَا خير، وهذا شر جاز التيسير فيهما جميعًا. وقوله : فَسَنُيَسِّرُهُ سنهيئه. والعرب تَقُولُ: قَدْ يسّرَت الغنم إِذَا ولدت وتهيأت للولادة: وقَالَ الشَّاعِر «٣» : هما سيدانا يزعمان وإنما ... يسوداننا أن يسَّرت غنماهما وقوله [١٤١/ ا] : إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) . يَقُولُ: من سلك الهدى فعلى اللَّه سبيله، ومثله قوله: «وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ «٤» » يَقُولُ: من أراد اللَّهَ فهو عَلَى السبيل القاصد، وَيُقَال: إن علينا للهدى والِإضلال، فترك الإضلال كما قال: «سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ «٥» » ، وهي تقي الحرّ والبرد. وقوله جل وعز: وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) . لثواب هَذِهِ، وثواب هَذِهِ. وقوله ﵎: فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤) . معناه: تتلظى فهي فِي موضع رفع، ولو كانت عَلَى معنى فعل ماض لكانت: فأنذرتكم نارا تلظّت. [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ «٦» ] قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سفيان بن عيينة «٧»

стр. 1214

عنْ عَمْرو بْن دينار قَالَ، «فاتت عبيدَ بْن عمير ركعةٌ من المغرب، فقام يقضيها فسمعته يقرأ: «فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَتَلَظّى «١» » : قَالَ الفراء ورأيتُها فِي مصحف عَبْد اللَّه: «تتلظّى» بتاءين. وقوله : لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) . إلا من كَانَ شقيًا فِي علم اللَّه. وقوله : الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) . لم يكن كذّب بردٍّ ظاهر، ولكنه قصّر عما أمِر بِهِ من الطاعة، فجُعل تكذيبًا، كما تَقُولُ: لقي فلان العدو فكذب إِذَا نكَل ورجع. قَالَ الفراء: وسمعت أبا ثَرْوان يَقُولُ: إنّ بني نمير ليس لجدهم «٢» مكذوبة. يَقُولُ: إِذَا لَقُوا صدقوا القتال ولم يرجعوا، وكذلك قول اللَّه ﵎: «لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ «٣» » يَقُولُ: هِيَ حق. وقوله : وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) أَبُو بَكْر. وقوله : وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) . يَقُولُ: لم ينفق «٤» نفقته مكافأة ليد أحد عنده، ولكن أنفقها ابتغاء وجه ربه، فإلّا فِي هَذَا الموضع بمعنى (لكن) وقد يجوز أن تجعل الفعل فِي المكافأة «٥» مستقبلًا، فتقول: ولم يُرد مما «٦» أنفق مكافأةً من أحد. ويكون موقع اللام التي فِي أحدٍ- فِي الهاء التي [١٤١/ ب] خفضتها عنده، فكأنك قلت: وماله عند أحد فيما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، وكلا الوجهين حسن، قَالَ الفراء: ما أدري أي الوجهين أحسن، وَقَدْ تضع العرب الحرف فِي غير موضعه إِذَا كَانَ المعنى معروفًا وَقَدْ قَالَ الشَّاعِر «٧» . لقد خفت حَتَّى ما تزيدُ مخافتي ... عَلَى وعلٍ فِي ذي المكاره عاقل

стр. 1215

والمعنى: حَتَّى ما تزيد مخافة (وعلٍ) عَلَى مخافتي، ومثله من غير المخفوض قول الراجز «١» : إن سراجًا لكريم مفخره ... تَحْلَى بِهِ الْعَيْنُ إِذَا ما تجهره [قَالَ] «٢» الفراء: حلِيت بعيني، وحلوت [فى صدرى] «٣» والمعنى: تحلى بالعين إِذَا ما تجهره، ونصبُ الابتغاء من جهتين: من أن تجعل فيها نية إنفاقه ما ينفق إلا ابتغاء وجه ربه. والآخر عَلَى اختلاف ما قَبْلَ إلّا وما بعدها والعرب تَقُولُ: ما فِي الدار أحد إلّا أكلبًا وأحمرةً، وهي لغة لأهل الحجاز، ويتبعون آخر الكلام أوله «٤» فيرفعون فِي الرفع، وقَالَ الشَّاعِر «٥» فِي ذَلِكَ. وبلدةٍ ليس بها أنيس ... إلّا اليعافير وإلّا العيس فرفع، ولو رفع (إلا ابتغاء «٦» وجه ربه) رافع لم يكن خطأ لأنك لو ألقيت من: من النعمة لقلت «٧» : ما لأحد عنده نعمةٌ تجزى إلا ابتغاء، فيكون الرفع عَلَى اتباع المعنى، كما تَقُولُ: ما أتاني من أحد إلّا أبوك. ومن سورة الضحى قوله : وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) . فأمَّا الضحى فالنهار كُلِّه، والليل إِذَا سجى: إِذَا أظلم وركد في طوله، كما تَقُولُ: بحر ساج، وليل ساج، إِذَا ركد وسكن وأظلم. وقوله : ما وَدَّعَكَ [١٤٢/ ا] رَبُّكَ وَما قَلى (٣) . نزلت فِي احتباس الوحي عَنِ النَّبِيّ ﷺ خمس عشرة [ليلة] «٨» ، فَقَالَ المشركون: قَدْ ودّع مُحَمَّدًا ﷺ ربُّه، أَوْ قلاه التابع الَّذِي يكون معه، فأنزل اللَّه جلّ وعزّ: «مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ» يا محمد، «وَما قَلى» يريد: وما قلاك، فألقيت الكاف، كما يَقُولُ «٩» : قد أعطيتك وأحسنت

стр. 1216

ومعناهُ: أحسنت إليك، فتكتفي بالكاف الأولى من إعادة الأخرى، ولأن رءوس الآيات بالياء، فاجتمع ذَلِكَ فِيهِ. وقوله : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) . وهي «١» فِي قراءة عَبْد اللَّه: «ولسيعطيك [ربك فترضى «٢» ] » والمعنى واحد، إلا أن (سوف) كثرت فِي الكلام، وعرِف موضعها، فترك منها الفاء والواو، والحرف إذا كثر فربما فعل به ذلك، كما قيل: أيش تقول، وكما قيل: قم لاباك، وقم لا بشانئك، يريدون: لا أبا لك، ولا أبا لشانئك، وَقَدْ سمعت بيتًا حذفت الفاء فِيهِ من كيف، قَالَ الشَّاعِر «٣» : من طالبين لِبُعران لنا رفضت ... كيلا يحسون من بعراننا أثرًا أراد: كيف لا يحسون؟، وهذا لذلك. وقوله : أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) . يَقُولُ: كنت فِي حجر أَبِي طَالِب، فجعل لك مأوى، وأغناك عَنْهُ، ولم يك غنى عنْ «٤» كثرة مال، ولكنّ اللَّه رضّاه بما آتاه. وقوله : فَأَغْنى (٨) و «فَآوى» يراد به (فأغناك) و (فآواك) فجرى عَلَى طرح الكاف لمشاكلة رءوس الآيات. ولأنّ المعنى معروف. وقوله : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) . يريد: فِي قوم ضلال فهداك «٥» «وَوَجَدَكَ عائِلًا» (٨) : فقيرًا، ورأيتها فِي مصاحف عَبْد اللَّه «عديما» ، و [المعنى واحد] «٦» . وقوله : فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) . فتذهب بحقه لضعفه، وهي فِي مصحف عَبْد اللَّه «فلا تكهر «٧» » ، وسمعتها من أعرابي من بنى أسد قرأها علىّ.

стр. 1217

وقوله : وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) . السائل على [١٤٢/ ب] الباب يَقُولُ: إمّا «١» أعطيته، وإمّا رددته ردًّا لينا. وقوله ﵎: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) . فكان القرآن أعظم نعمة اللَّه عَلَيْهِ، فكان يقرؤه ويحدث بِهِ، وبغيره من نعمه. ومن سورة ألم نشرح قوله : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) . نلين لك قلبك. «وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ» (٢) ، يَقُولُ: إثم الجاهلية، وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه: «وحللنا عنك وِقْرك «٢» » ، يَقُولُ: من الذنوب. وقوله : وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) . لا أُذكر إلَّا ذُكِرتَ معي. وقوله : الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) . فِي تفسير الكلبي: الَّذِي أثقل ظهرك، يعني: الوِزر. وقوله : فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) . وفي قراءة عَبْد اللَّه: مرةً واحدةً ليست بمكررة. قال حدثنا الفراء، وقال «٣» : وَحَدَّثَنِي حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لا يَغْلِبُ يُسْرَيْنِ عُسْرٌ وَاحِدٌ. وقوله : فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) . إِذَا فرغت من صلاتك، فانصب إلى ربك «٤» فِي الدعاء وارغب. قَالَ الفراء: فانصب من النّصب.

стр. 1218

[حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ] «١» قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: [وَحَدَّثَنِي] «٢» قيس بْن الربيع عنْ أَبِي حصين، قَالَ: مرّ شريح برجلين يصطرعان، فَقَالَ: ليس بهذا أُمِرَ الفارغ «٣» ، إنَّما قَالَ اللَّه ﵎: «فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ، وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ» ، فكأنه فِي قول شريح: إِذَا فرغ الفارغ من الصلاة أو غيرها. ومن سورة التين «٤» قوله : وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) . قَالَ ابْنُ عَبَّاس: هُوَ تينكم هَذَا وزيتونكم، وَيُقَال: إنهما جبلان بالشام، وقَالَ مرة أخرى: مسجدان بالشام، أحدهما الَّذِي كلّم اللَّه ﵎ مُوسَى ﷺ عَلَيْهِ. قال الفراء: وسمعت [١٤٣/ ا] رجلًا من أهل الشام وكان صاحب تفسير قال: التين جبال ما بين حلوان إلى همدان، والزيتون: جبال «٥» الشام، «وَطُورِ سِينِينَ» (٢) : جبل. وقوله : وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) . مكَّة، يريد: الآمِن، والعرب تَقُولُ للآمن. الأمين، قَالَ الشَّاعِر «٦» : ألم تعْلمي يا أسْم ويْحكِ أنني ... حَلفتُ يمينًا لا أخون أميني؟ يريد آمني. وقوله : فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) . يَقُولُ: إنا لنبلغ بالآدمي أحسن تقويمه، وهو اعتداله واستواء شبابه، وهو أحسن ما يكون، ثُمَّ نرده بعد ذَلِكَ إلى أرذل العمر، وهو وإن كَانَ واحدًا، فإنه يراد بِهِ نفعل ذا بكثير من الناس، وقد

стр. 1219

تَقُولُ العرب «١» : أنْفَق فلان ماله عَلَى فلان، وإنما أنفق بعضه، وهو كَثِير فِي التنزيل من ذَلِكَ قوله فِي أَبِي بَكْر: «الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى «٢» » لم يُرد كل ماله إنَّما أراد بعضه. ويقال: «ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ» (٥) . إلى النار ثُمَّ استثنى فَقَالَ: «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا» استثناء «٣» من الْإِنْسَان: لأنّ معنى الْإِنْسَان: الكثير. ومثله: «إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا «٤» » وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه «أسفل السافلين «٥» » ، ولو كانت: أسفل سافل لكان «٦» صوابًا لأنّ لفظ الْإِنْسَان. واحدٌ، فقيل: «سافِلِينَ» عَلَى الجمع لأن الْإِنْسَان فِي معنى جمع، وأنت تَقُولُ: هَذَا أفضل قائم، ولا تقول: هَذَا أفضل قائمين لأنك تضمر لواحد، فإذا كَانَ الواحد غير مقصود «٧» لَهُ رجع اسمه بالتوحيد وبالجمع كقوله «وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ «٨» » وقَالَ فِي عَسَقَ: «وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ «٩» » فردّ الْإِنْسَان عَلَى جمع، ورد تصبهم عَلَى الإنسان للذى أنبأتك بِهِ. وقوله : فَما يُكَذِّبُكَ [١٤٣/ ب] (٧) . يَقُولُ: فما الَّذِي يكذبك بأن النَّاس يدانون بأعمالهم، كأنه قَالَ، فمن يقدر عَلَى تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما تبين لَهُ من خلقنا الإنسان على ما وصفنا.

стр. 1220

ومن سورة اقرأ باسم ربك قوله : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) . هَذَا أول ما أنزل عَلَى النَّبِيّ صَلَّى الله عليه من القرآن. وقوله : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) . [قيل: من علق] «١» ، وإنما هِيَ علقةٌ، لأنّ الْإِنْسَان فِي معنى جمع، فذهب بالعلق إلى الجمع لمشاكلة رءوس الآيات. وقوله : أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) . ولم يقل: أن رَأَى نفسه والعرب إِذَا أوقعت فلا يكتفي «٢» باسم واحد عَلَى أنفسها، أَوْ أوقعته من غيرها عَلَى نفسه جعلوا موضع المكني نفسه، فيقولون: قتلتَ نفسك، ولا يقولون: قتلتَك قتلته «٣» ، ويقولون «٤» : قتل نفسَه، وقتلتُ نفسي، فإذا كَانَ الفعل يريد: اسمًا وخبرًا طرحوا النفس فقالوا: مَتَى تراك خارجًا، ومتى تظنك خارجًا؟ وقوله : «أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى» من ذَلِكَ. وقوله جل وعز: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى، (١٠) . نزلَت فِي أَبِي جهل: كَانَ يأتي رَسُول اللَّه ﷺ فِي مصلّاه، فيؤذيه وينهاه، فَقَالَ اللَّه ﵎، «أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى، عَبْداً إِذا صَلَّى» ؟ يعني النَّبِيّ ﷺ ثُمَّ «٥» قَالَ جل وعز: أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) . وفيه عربية، مثله من الكلام لو قيل: أرأيت الَّذِي ينهى عبدًا إِذَا صلّى وهو كاذب متولٍّ عَنِ الذكر؟ أي: فما أعجب من «٦» ذا.

стр. 1221

ثُمَّ قَالَ: وَيْلَهُ!، أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) . يعني: أبا جهل، ثُمَّ قال: «كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ [١٤٤/ ا] لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ» (١٥) . ناصيته: مقدم رأسه، أي: لَنَهْصرنها، لنأخذن «١» بها لنقمئنّه «٢» ولنذلّنه، ويقال: لنأخذن بالناصية إلى النار، كما قَالَ جلّ وعز، «فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ «٣» » ، فيُلقَون فِي النار، وَيُقَال: لنسوّدَنَّ وجهه، فكفَتِ الناصية من الوجه لأنها فِي مقدّم الوجه. وقوله : فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) قومه. والعرب تَقُولُ: النادي يشهدون عليك، والمجلس، يجعلون: الناديَ، والمجلس، والمشهد، والشاهد- القوم قوم الرجل، قَالَ الشَّاعِر «٤» . لهمْ مجلِسْ صُهبُ السِّبَالِ أذِلَّةٌ ... سواسيةٌ أحرارُها وعبيدُها أي: هُمْ سواء. وقوله : لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ (١٦) . عَلَى التكرير، كما قَالَ: «إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِراطِ اللَّهِ «٥» » المعرفة تُرد عَلَى النكرة بالتكرير، والنكرة عَلَى المعرفة، ومن نصب (ناصيةً) جعله فعلًا للمعرفة وهي جائزة فِي القراءة «٦» . وقوله : فَلْيَدْعُ نادِيَهُ، (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) .

стр. 1222

فهم أقوى وهم يعملون بالأيدي والأرجل، والناقة قَدْ تَزْبِن الحالب وتركضه برجلها. وقَالَ الكِسَائِيّ: بأَخَرة واحد الزبانية زِبْنِيٌّ «١» وكان قبل ذَلِكَ يَقُولُ: لم أسمع لها بواحد، ولست أدري أقياسًا مِنْهُ أَوْ سماعًا. وفي قراءة عَبْد اللَّه: «كَلَّا لَئِن لَمْ يَنتَهِ لِأَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ» ، وفيها: «فَلْيَدْعُ إِليّ نَادِيَه فسأدعو الزّبانية» . ومن سورة القدر قوله : وَما أَدْراكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) . كل ما كَانَ فِي القرآن من قوله: «وَما أَدْراكَ» فقد أدراه، وما كَانَ من قوله: «وَما يُدْرِيكَ» فلم يدره. وقوله : لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) . [١٤٤/ ب] يَقُولُ: العمل فِي ليلة القدر خير من العمل فِي ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. وليلة- القدر- فيما ذكر حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابن عباس فِي كل شهر رمضان. وقوله : تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها (٤) يُقال: إن جبريل ﷺ ينزل ومعه الملائكة، فلا يَلْقون مؤمنًا ولا مؤمنة إلا سلّموا عليه، [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ «٢» ] قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عباس أنه كان يقرأ: «من كلّ امرى (٤) سَلَامٌ» ، (٥) فَهَذَا مُوَافِقٌ لِتَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ، وَلَمْ يَقْرَأْ به أحد غير ابن عباس «٣» . وقول العوام: انقطع الكلام عند قوله: «مِنْ كُلِّ أَمْرٍ» ، ثُمَّ استأنف فَقَالَ: «سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ» و (المطلِع) كسره يَحيى بْن وثاب وحدَه «٤» ، وقرأه العوام بفتح اللام (مطلع) .

стр. 1223

وقول العوام أقوى فِي قياس العربية لأن المطلَع بالفتح هُوَ: الطلوع، والمطِلع: المشرق، والموضع الَّذِي تطلع مِنْهُ إلّا أن العرب يقولون: طلعت الشمس مطلعا فيكسرون. وهم يريدون: المصدر، كما تقول: أكرمتك كرامة، فتجتزىء بالاسم من المصدر. وكذلك قولك: أعطيتك عطاء اجتزى فيه بالاسم من المصدر. ومن سورة لم يكن قوله : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) . يعني: النَّبِيّ ﷺ ، وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه: «لَمْ يَكُنِ المُشْرِكُون وَأَهْلُ الكِتابِ مُنْفَكِّين» . فقد اختَلف التفسير، فقيل: لم يكونوا منفكين منتهين حتى [١٤٥/ ا] تأتيهم البينة. يعني: بعثه مُحَمَّد ﷺ والقرآن. وقَالَ آخرون: لم يكونوا تاركين لصفة مُحَمَّد ﷺ فى كتابهم: أَنَّهُ نبيٌ حتَّى ظهر، فلما ظهر تفرقوا واختلفوا، ويصدّق ذَلِكَ. قوله : وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَقَدْ يكون الانفكاك عَلَى جهةِ يُزال، ويكون عَلَى الانفكاك الَّذِي تعرفه، فإِذا كانت عَلَى جهة يَزال فلا بد لها من فعل، وأن يكون معها جحد، فتقول: ما انفككت أذكرك، تريد: ما زلت أذكرك، فإِذا كانت عَلَى غير معنى: يزال، قلت: قَدِ انفككت منك، وانفك الشيء من الشيء، فيكون بلا جحد، وبلا فعل، وَقَدْ قَالَ ذو الرمة: قلائص لا تنفك إلّا مُناخة ... عَلَى الخسف أَوْ ترمي بها بلدًا قفرا «١» فلم يدخل فيها إلا (إِلا) وهو ينوي بها التمام وخلاف: يزال، لأنك لا تَقُولُ: ما زلت إلا قائمًا.

стр. 1224

وقوله : رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ (٢) . نكرة استؤنف عَلَى البينة، وهي معرفة، كما قَالَ: «ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ، فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ «١» » وهي فِي قراءة أَبِي: «رَسُولًا مِنَ اللَّهِ» بالنصب عَلَى الانقطاع من البيِّنة. وقوله ﵎: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ (٥) . العرب تجعل اللام فِي موضع (أن) فِي الأمر والإرادة كثيرًا من ذَلِكَ قول اللَّهِ ﵎: «يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ «٢» » ، و «يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا «٣» » . وقَالَ فِي الأمر فِي غير موضع من التنزيل، «وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ «٤» » وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه، «وَمَا أُمِرُوا إلّا أن يعبدوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ» وفي قراءة عَبْد اللَّه: «ذَلِكَ الدين القيمة «٥» » (٥) وفي قراءتنا «وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» وهو [١٤٥/ ب] مما يضاف إلى نفسه لاختلاف لفظيه. وَقَدْ فسر فِي غير موضع. وقوله جل وعز: أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) . البرية غير مهموز، إلا أن بعض أهل الحجاز همزها «٦» كأنه أخذها من قول اللَّه جل وعز برأكم، وبرأ الخلق، «٧» ، ومن لم يهمزها فقد تكون من هَذَا المعنى. ثُمَّ اجتمعوا عَلَى ترك همزها كما اجتمعوا عَلَى: يَرَى وتَرى ونرى «٨» وإن أخذِتْ من البَرَى كانت غير مهموزة، والبرى: التراب سمعت العرب تَقُولُ: بفيه «٩» البري، وحمّى خيبري، وشرُّ ما يرى «١٠» [فإنه خيسرى «١١» ] .

стр. 1225

ومن سورة الزلزلة قوله ! إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) . الزّلزال مصدر، قال [حدثنا الفراء قال] «١» ، وحدثني مُحَمَّد بْن مروان قَالَ: قلت: للكلبي: أرأيت قوله: «إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها» فقال: هذا بمنزلة قوله: «وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً «٢» » قَالَ الفراء، فأضيف المصدر إلى صاحبه وأنت قائل فِي الكلام: لأعطينَّك عطيتك، وأنت تريد عطية، ولكن قرّبه من الجواز موافقة رءوس الآيات التي جاءت بعدها. والزِّلزال بالكسر: المصدر والزَّلزال بالفتح: الاسم. كذلك القَعقاع الَّذِي يقعقع- الاسم، والقِعقاع المصدر. والوَسواس «٣» : الشيطان وما وسوس إليك [أو حدثك، فهو اسم] «٤» والوِسواس المصدر. وقوله : وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) . لفظتْ ما فيها من ذهب أَوْ فضة أَوْ ميّت. وقوله جل وعز: وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) . الإنسان، يعنى به هاهنا: الكافر قَالَ اللَّه ﵎: «يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها» (٤) . تخبر بما عمل [١٤٦/ ا] عليها من حسن أو سيىء. وقوله : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) . يَقُولُ: تحدِّث أخبارها بوحي اللَّه ﵎، وإذنه لها، ثم قال: «لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ» (٦) فهي- فيما جاء بِهِ التفسير- متأخرة، وهذا موضعها. اعترض بينهما

стр. 1226

«يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً» (٦) ، مقدم معناه التأخير. اجتمع القراء عَلَى (لِيُرَوْا) ، ولو قرئت: (لِيَرَوْا) كَانَ صوابًا «١» . وفي قراءة عبد الله مكان (تحدّث) ، (تنبّىء) ، وكتابها (تنبّأ) بالألف. «يَرَهُ» (٧) تجزم الهاء وترفع «٢» . ومن سورة العاديات قوله : وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) . قَالَ ابْنُ عَبَّاس: هِيَ الخيلُ، والضبيح: أصوات أنفاسها إذا عدون. قال: حدثنا [الفراء قال] «٣» : حدثني بذلك حِبَّان بإسناده عَنِ ابْنِ عَبَّاس. وقوله : فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) . أورت النار بحوافرها، فهي نار الحُباحب. قَالَ الكلبي بإسناده: وكان الحباحب من أحياء العرب، وكان من أبخل النَّاس، فبلغ بِهِ البخل، أَنَّهُ كَانَ لا يوقد نارًا إلَّا بليل، فإذا انتبه منتبه ليقتبس منها «٤» أطفأها، فكذلك ما أورت الخيل من النار لا ينتفع بها، كما لا ينتفع بنار الحباحب. وقوله : فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) . أغارت الخيل صبحا، وإنما كانت سريَّة بعثها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بني كنانة، فأبطأ عَلَيْهِ خبرها، فنزل عَلَيْهِ الوحي بخبرها فِي العاديات، وكان عليّ بْن أَبِي طَالِب ﵀ يَقُولُ: هِيَ الإبلُ، وذهب إلى وقعة بدر، وقَالَ: ما كَانَ معنا يومئذ إلا فرس عَلَيْهِ المقداد بْن الأسود. وقوله : فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) . والنقع: الغبار، ويقال: التراب.

стр. 1227

وقوله : بِهِ نَقْعاً «١» يريد [١٤٦/ ب] : بالوادي، ولم يذكره قبل ذَلِكَ، وهو جائز لأن الغبار لا يثار إِلّا من موضع وإن لم يذكر، وإذا عرف اسم الشيء كُني عَنْهُ وإن لم يَجْرِ لَهُ ذكر. قَالَ اللَّه ﵎: «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ «٢» » ، يعنى: القرآن، وهو مستأنف سورة، وما استئنافه فِي سورة إلّا كذكره فِي آية قَدْ جرى ذكره فيما قبلها، كقوله: «حم، وَالْكِتابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْناهُ «٣» » ، وقَالَ اللَّه ﵎: «إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ «٤» » يريد: الشمس ولم يجر لها «٥» ذكر. وقوله : فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) . اجتمعوا عَلَى تخفيف (فوسطن) ، ولو قرئت «فَوَسَطْنَ» كَانَ صوابًا «٦» لأن العرب تَقُولُ: وسَطت الشيء، ووسّطته وتوسَّطته، بمعنى واحد. وقوله : إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) . قَالَ الكلبي وزعم «٧» أنها فِي لغة كندة وحضرموت: «لَكَنُودٌ» : لَكفور بالنعمة. وقَالَ الْحَسَن: «إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ» قَالَ: لَوّام لربه يُعد المسيئات، وينسى النعم. وقوله : وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) . يَقُولُ: وإن اللَّه عَلَى ذَلِكَ لشهيد. وقوله ﵎: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) . قَدِ اختلف فِي هَذَا قَالَ الكلبي بإسناده: لشديد: لبخيل، وقَالَ آخر: وَإِنَّهُ لحب الخير لقويٌّ، والخير: المال. ونرى والله أعلم- أن المعنى: وَإِنَّهُ لِلْخير لشديد الحب، والخير: المال،

стр. 1228

وكأن الكلمة لما تقدم فيها الحب، وكان موضعه أن يضاف إِلَيْه شديد حذف الحب من آخره لمّا جرى ذكره فِي أوله، ولرءوس الآيات، ومثله فى سورة إِبْرَاهِيم: «أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ «١» » والعصُوف لا يكون للَأيام إنَّما يكون للريح [١٤٧/ ا] فلما جرى ذكر الريح قبل اليوم طرحت من آخره، كأنه قيل: فِي يَوْم عاصف الريح. وقوله : أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) . رأيتها فِي مصحف عَبْد اللَّه: «إِذَا بحث ما فِي القبور «٢» » ، وسمعت بعض أعراب بني أسد، وقرأها فَقَالَ: «بحثر» «٣» وهما لغتان: بحثر، وبعثر. وقوله : وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) بُيّن. وقوله : إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) . وهي «٤» فِي قراءة عبد اللَّه: «بأنه يومئذ بهم خبير «٥» » ومن سورة القارعة قوله : يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) . يريد: كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضًا، كذلك النَّاس يومئذ يجول بعضهم فِي بعض. وقوله : كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) وفي قراءة عَبْد اللَّه: «كالصوف المنفوش» وذكِر: أن صُوَر الجبال تسّير عَلَى الأرض، وهي فى صور الجبال كالهباء.

стр. 1229

وقوله : كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ. لأن ألوانها مختلفة، كألوان العهن. وقوله : فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) . ووزنه، والعرب تَقُولُ: هَلْ لَكَ فِي درهم بميزان درهمك ووزن درهمك، ويقولون: داري بميزان دارك ووزن دارك، وقَالَ الشَّاعِر: قَدْ كنتُ قبلَ لقائِكم ذا مِرَّةٍ ... عندي لكلٍ مخاصم ميزانه «١» يريد: عندي وزن كلامه ونقضه. وقوله جل وعز: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) . صارت مأواه، كما تؤوي المرأة ابنها، فجعلها إِذ لا مأوى لَهُ غيرها أمًّا لَهُ. ومن سورة التكاثر قوله : أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) . نزلت فى حيين من قريش تفاخروا: أيهم أكثر عددًا؟ وهما: بنو عَبْد مناف وبنو سهم فكثرت [١٤٧/ ب] بنو عَبْد مناف بني سهم، فَقَالَت بنو سهم: إن البغي أهلكنا فِي الجاهلية، فعادّونا بالأحياء وَالأموات فكثَرتهم بنو سهم، فأنزل اللَّه : «أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ» حتَّى ذكرتم الأموات، ثُمَّ قَالَ لهم: «كَلَّا» (٣) ليس الأمر عَلَى ما أنتم [عَلَيْهِ «٢» ] ، وقَالَ: [ «سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ] «٣» » (٤) . والكلمة قَدْ تكررها العرب عَلَى التغليظ والتخويف، فهذا من ذاك. وقوله : عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) . مثل قوله: «إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ «٤» » ، المعنى فيه: لو تعلمون علما يقينا.

стр. 1230

وقوله : لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) . «ثُمَّ لَتَرَوُنَّها» (٧) مرتين من التغليظ أيضًا. «لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ» (٧) عينًا لستم عَنْهَا بغائبين، فهذه قراءة العوام أهل المدينة، وأهل الكوفة وأهل «١» البصرة بفتح التاء من الحرفين. [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ «٢» ] حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْفَضْلِ عنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ ﵀ أَنَّهُ قَرَأَ «لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها» ، بِضَمِّ التَّاءِ الأُولَى، وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ «٣» . وَالأَوَّلُ أَشْبَهُ بِكَلامِ الْعَرَبِ، لأَنَّهُ تَغْلِيظٌ، فَلا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ لَفْظُهُ، أَلا تَرَى قوله: «سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ» ؟ وقوله : «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً «٤» » . ومن التغليظ قوله فى سورة: «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ «٥» » مكرر، كرر فيها وهو معنى واحد، ولو رفعت التاء فِي الثَّانية، كما رفعت الأولى كَانَ وجهًا جيدًا. وقوله : ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) . قَالَ «٦» : إنه الأمن والصحة. وَذَكَرَ الْكَلْبِيُّ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا فِي أَمْرٍ فَرَجَعُوا جِيَاعًا، فَدَخَلُوا عَلَى رجل من الأنصار، فأصابوا تمرا وماءا بَارِدًا، فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَا إِنَّكُمْ سَتُسْأَلُونَ عَنْ هَذِهِ وَعَنْ هَذَا فَقَالُوا: فَمَا شُكْرُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تَقُولُوا: الْحَمْدُ لله [١٤٨/ ا] . وَذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: أنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «٧» (ثَلَاثٌ لَا يُسْأَلُ عَنْهُنَّ الْمُسْلِمُ: طَعَامٌ يُقِيمُ صُلْبَهُ، وَثَوْبٌ يُوَارِي عورته، وبيت يكنه من الحر والبرد) .
следующие страницы →