وقوله: قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا «١» فيها ثلاثة أوجه أجودها الرفع، والنصب من جهتين: من وعدها إذ لم تكن النار مبتدأة، والنصب الآخر بإيقاع الأنباء عليها بسقوط الخفض. والخفض جائز لأنك لم تحل بينهما بمانع. والرفع على الابتداء.
فإن قلت: فما تقول فِي قول الشاعر:
الآن بعد لجاجتي تلحونني ... هلا التقدم والقلوب صحاح
بم رفع التقدم؟ قلت: بمعنى «٢» الواو فِي قوله: (والقلوب صحاح) كأنه قال: العظة والقلوب فارغة، والرطب والحر شديد، ثُمَّ أدخلت عليها هلا وهي على ما رفعتها، ولو نصبت التقدم بنية فعل كما تقول: أتيتنا بأحاديث لا نعرفها فهلا أحاديث معروفة «٣» .
ولو جعلت اللام فِي قوله: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ من صلة الأنباء جاز خفض الجنات والأزواج والرضوان.
وقوله: الَّذِينَ يَقُولُونَ ... (١٦)
إن شئت جعلته خفضا نعتا للذين اتقوا، وإن شئت استأنفتها فرفعتها إذ كانت آية وما هِيَ نعت له آية قبلها. ومثله قول الله ﵎ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ «٤» فلمّا انقضت الآية قال (التّائبون العابدون) ، وهي في قراءة عبد الله «التائبين العابدين» .
стр. 212
وكذلك: الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ ... (١٧)
موضعها خفض، ولو كانت رفعا لكان صوابا. وقوله وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ المصلون بالأسحار، ويقول: الصلاة بالسحر أفضل مواقيت الصلاة. أخبرنا محمد ابن الجهم قال حدثنا الفراء قال حَدَّثَنِي شريك «١» عن السدي «٢» فِي قوله «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي» «٣» قال: أخرهم إلى السحر.
وقوله: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ... (١٨)
قد فتحت القرّاء الألف من (أنه) ومن قوله إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ «٤» .
وإن شئت جعلت (أنه) على الشرط «٥» وجعلت الشهادة واقعة على قوله: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ» ، وتكون (أن) الأولى يصلح فيها الخفض كقولك: شهد اللَّه بتوحيده أن الدين عنده الإسْلام.
стр. 213
وإن شئت استأنفت (إن الدين) بكسرتها، وأوقعت الشهادة على «أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» . وكذلك قرأها حمزة. وهو أحب الوجهين إلى. وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ» . وكان الكسائي يفتحهما كلتيهما.
وقرأ ابن عَبَّاس بكسر الأول وفتح (أن الدين عند اللَّه الإسْلام) ، وهو وجه جيد جعل (إنه لا إله إلا هُوَ) مستأنفة معترضة- كأن الفاء تراد فيها- وأوقع الشهادة على (أن الدين عند الله) . ومثله فِي الكلام قولك للرجل: أشهد- إني أعلم الناس بهذا- أنك عالم، كأنك قلت: أشهد- إني «١» أعلم بهذا من غيري- أنك عالم. وإذا جئت بأنّ قد وقع عليها «٢» العلم أو الشهادة أو الظن وما أشبه ذلك كسرت إحداهما ونصبت الّتي يقع عليها الظن أو العلم وما أشبه ذلك نقول للرجل:
لا تحسبن أنك عاقل إنك جاهل، لأنك تريد فإنك جاهل، وإن صلحت الفاء فِي إن السابقة كسرتها وفتحت الثانية. يقاس على هذه ما ورد.
وقوله وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ منصوب «٣» على القطع لأنه نكرة نعت به معرفة. وهو فِي قراءة عَبْد اللَّه «القائم بالقسط» رفع لأنه معرفة نعت لمعرفة.
وقوله: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ (٢٠) (ومن اتبعن) للعرب فِي الياءات التي فِي أواخر الحروف- مثل اتبعن، وأكرمن، وأهانن، ومثل قوله «دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ «٤» - وَقَدْ هَدانِ» «٥» - أن يحذفوا الياء مرة ويثبتوها مرة. فمن حذفها اكتفى بالكسرة التي قبلها دليلا عليها. وذلك
стр. 214
أنها كالصلة إذ سكنت وهي فِي آخر الحروف «١» واستثقلت فحذفت. ومن أتمها فهو البناء والأصل. ويفعلون ذلك فِي الياء وإن لم يكن قبلها نون فيقولون هذا غلامي قد جاء، وغلام قد جاء قال اللَّه ﵎ «فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ» «٢» فِي غير نداء بحذف الياء. وأكثر ما تحذف بالإضافة فِي النداء لأن النداء مستعمل كثير فِي الكلام فحذف فِي غير نداء. وقال إبراهيم «رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ» «٣» بغير ياء، وقال فى سورة الملك «فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ» «٤» و «٥» «نَذِيرِ» وذلك أنهن رءوس الآيات، لم يكن فِي الآيات قبلهن ياء ثانية فأجرين على ما قبلهن إذا كان ذلك من كلام العرب.
ويفعلون ذلك فِي الياء الاصلية فيقولون: هذا قاض ورام وداع بغير ياء، لا يثبتون الياء فِي شيء من فاعل. فإذا أدخلوا فِيه الألف واللام قَالُوا بالوجهين فأثبتوا الياء وحذفوها. وقال الله «مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ» «٦» فِي كل القرآن بغير ياء.
وقال فِي الأعراف «فَهُوَ الْمُهْتَدِي» «٧» وكذلك قال «يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ» «٨» و «أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ» «٩» . وأحب ذلك إلى أن أثبت الياء فِي الألف واللام لأن طرحها في قاض ومفترٍ وما أشبهه بما أتاها من مقارنة نون «١٠» الإعراب وهي ساكنة والياء ساكنة، فلم يستقم جمع بين ساكنين، فحذفت الياء لسكونها. فإذا أدخلت الألف واللام لم يجز إدخال النون، فلذلك أحببت إثبات الياء. ومن حذفها فهو يرى هذه العلة: قال: وجدت الحرف بغير ياء قبل أن تكون فِيهِ الألف واللام، فكرهت إذ دخلت أن أزيد فيه ما لم يكن. وكلّ صواب.
стр. 215
وقوله وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ وهو استفهام ومعناه أمر. ومثله قول اللَّه «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» «١» استفهام وتأويله: انتهوا. وكذلك قوله «هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ» «٢» وهل تستطيع ربّك «٣» إنما [هو] «٤» مسألة. أو لا ترى أنك تقول للرجل: هَلْ أنت كاف عنا؟ معناه: اكفف، تقول للرجل: أَيْنَ أَيْنَ؟:
أقم ولا تبرح. فلذلك جوزى فِي الاستفهام كما جوزى فِي الأمر. وفي قراءة عَبْد اللَّه «هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِنْ عَذَابٍ أليم. آمنوا» «٥» ففسّر (هل أدلكم) بالأمر.
وفي قراءتنا على الخبر. فالمجازاة فِي قراءتنا على قوله (هل أدلكم) والمجازاة فِي قراءة عَبْد اللَّه على الأمر لأنه هُوَ التفسير.
وقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ (٢١) تقرأ: ويقتلون «٦» ، وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه وقاتلوا فلذلك قرأها من قرأها (يقاتلون) ، وقد قرأ بها الكسائي دهرًا يقاتلون ثُمَّ رجع، وأحسبه رآها فِي بعض مصاحف عَبْد اللَّه وقتلوا بغير الألف فتركها ورجع إلى قراءة العامة إذ وافق الكتاب فِي معنى قراءة العامة.
وقوله: فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ (٢٥) قيلت باللام. و (فى) قد تصلح فِي موضعها تقول فِي الكلام: جمعوا ليوم الخميس. وكأن اللام لفعل مضمر فِي الخميس كأنهم جمعوا لما يكون يوم الخميس.
стр. 216
وإذا قلت: جمعوا فِي يوم الخميس لم تضمر فعلا. وفي قوله: جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ أي للحساب والجزاء.
وقوله: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ (٢٦) اللَّهُمَّ كلمة تنصبها العرب. وقد قال بعض «١» النحويين: إنما نصبت إذ زيدت فيها الميمان لأنها لا تنادى بيا كما تقول: يا زَيْدُ، ويا عَبْد اللَّه، فجعلت الميم فيها خلفا من يا. وقد أنشدني «٢» بعضهم:
وما عليك أن تقولي كلما ... صليت أو سبحت يا اللهم ما
أردد علينا شيخنا مسلما «٣» ولم نجد العرب زادت مثل هذه الميم فِي نواقص الاسماء إلا مخففة مثل الفم وابنم وهم «٤» ، ونرى أنها كانت كلمة ضم إليها أم، تريد: يا اللَّه أمنا بخير، فكثرت فِي الكلام فاختلطت «٥» . فالرفعة التي فِي الهاء من همزة أم لما تركت «٦» انتقلت إلى ما قبلها.
ونرى أن قول العرب: (هلم إلينا) مثلها إنما كانت (هَلْ) فضم إليها أم فتركت على نصبها. ومن العرب من يقول إذا طرح الميم: يا الله اغفر لى، ويا الله
стр. 217
اغفر لي، فيهمزون ألفها ويحذفونها. فمن حذفها فهو على السبيل لأنها ألف ولام مثل الحارث من الاسماء. ومن همزها توهم أنها من الحرف إذ كانت لا تسقط منه أنشدني بعضهم:
مبارك هُوَ ومن سماه ... على اسمك اللهم يا أللَّه
وقد كثرت (اللهم) فِي الكلام حَتَّى خففت ميمها فِي بعض اللغات أنشدني بعضهم:
كحلفةٍ من أَبِي رياح ... يسمعها اللهم الكبار «١»
وإنشاد العامة: لاهه الكبار. وأنشدني الكسائي:
يسمعها اللَّه والله كبار وقوله ﵎: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ. (إذا «٢» رَأَيْت من تشاء مع من تريد من تشاء أن تنزعه منه) . والعرب تكتفي بما ظهر فِي أول الكلام مما ينبغي أن يظهر بعد شئت. فيقولون: خذ ما شئت، وكن فيما شئت. ومعناه فيما شئت أن تكون فِيهِ. فيحذف الفعل بعدها قال تعالى: «اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ» «٣» وقال ﵎ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شاءَ رَكَّبَكَ «٤» والمعنى- والله أعلم-: فِي أي صورة شاء أن
стр. 218
يركبك ركبك. ومنه قوله تعالى: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ «١» وكذلك الجزاء كله إن شئت فقم، وإن شئت فلا تقم المعنى: إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت ألا تقوم فلا تقم. وقال اللَّه فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ «٢» فهذا بين أن المشيئة واقعة على الإيمَان والكفر، وهما متروكان. ولذلك قَالَت العرب: (أيها شئت فلك) فرفعوا أيا لانهم أرادوا أيها شئت أن يكون لك فهو لك. وقالوا (بأيهم شئت فمر) وهم يريدون: بأيهم شئت أن تمر فمر.
وقوله: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ... (٢٧)
جاء التفسير أنه نقصان الليل يولج فِي النهار، وكذلك النهار يولج «٣» فِي الليل، حَتَّى يتناهى طول هذا وقصر هذا.
وقوله وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ذكر عن ابن عَبَّاس أنها البيضة: ميتة يخرج منها الفرخ حيا، والنطفة: ميتة يخرج منها الولد.
وقوله: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ ... (٢٨)
نهى، ويجزم فِي ذلك. ولو رفع على الخبر «٤» كما قرأ من قرأ: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها «٥» .
وقوله إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً هى أكثر كلام العرب، وقرأه القرّاء. وذكر عن الْحَسَن ومجاهد أنهما قرءا «تقية» وكلّ صواب.
стр. 219
وقوله: يَعْلَمْهُ اللَّهُ ... (٢٩)
جزم على الجزاء. وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ رفع على الاستئناف كما قال اللَّه فِي سورة براءة قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ «١» فجزم الأفاعيل، ثُمَّ قال وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ رفعا على الائتناف «٢» . وكذلك قوله فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ «٣» ثم قال وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ ويمح فِي نية رفع مستأنفه وإن لم تكن فيها واو حذفت منها الواو كما حذفت فى قوله سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ «٤» . وإذا عطفت على جواب الجزاء جاز الرفع والنصب والجزم. وأما قوله وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ «٥» وتقرأ جزما على العطف ومسكنه تشبه الجزم وهي فِي نية رفع تدغم الراء من يغفر عند اللام، والباء من يعذب عند الميم كما يقال أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ «٦» وكما قرأ الْحَسَن شَهْرُ رَمَضانَ «٧» .
وقوله: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً ... (٣٠)
ما فِي مذهب الَّذِي. ولا يكون جزاء لأن (تجد) قد وقعت على ما.
وقوله وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ فإنك تردّه أيضا على (ما) فتجعل (عملت) صلة لها فِي مذهب رفع لقوله (تودّ لو أنّ بينها) ولو استأنفتها فلم توقع عليها (تجد) جاز الجزاء تجعل (عملت) مجزومة. «٨» ويقول فِي تود: تود بالنصب وتود. ولو كان التضعيف
стр. 220
ظاهرا لجاز تودد. وهى فى قراءة عَبْد اللَّه وما عملت من سوء ودت فهذا دليل «١» على الجزم، ولم أسمع أحدا من القراء قرأها جزما.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ... (٣٣)
يقال اصطفى دينهم على جميع الأديان لانهم كانوا مسلمين، ومثله مما أضمر فِيهِ شيء فألقى قوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها «٢» .
ثم قال ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ فنصب الذرية على جهتين إحداهما أن تجعل الذرية قطعا من الاسماء قبلها لانهن معرفة. وإن شئت نصبت على التكرير، اصطفى ذرية بعضها من بعض، ولو استأنفت فرفعت كان صوابا.
وقوله: إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ... (٣٥)
لبيت المقدس: لا أشغله بغيره.
وقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ ... (٣٦)
قد يكون من إخبار مريم فيكون وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ يسكن العين، وقرأ بها «٣» بعض القراء، ويكون من قول اللَّه ﵎، فتجزم التاء لأنه خبر عن أنثى غائبة.
стр. 221
وقوله: وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا ... (٣٧)
من شدد جعل زكرياء فِي موضع نصب كقولك: ضمنها زكرياء، ومن خفف الفاء جعل زكرياء فِي موضع رفع. وفي زكريا ثلاث لغات: القصر فى ألفه، فلا يستبين فيها رفع ولا نصب ولا خفض، وتمد ألفه فتنصب وترفع بلا نون لأنه لا يجرى «١» ، وكثير من كلام العرب أن تحذف المدة والياء «٢» الساكنة فيقال: هذا زكرى قد حاء فيجرى لأنه يشبه المنسوب من أسماء العرب.
وقوله: هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ... (٣٨)
الذرية جمع، وقد تكون فِي معنى واحد. فهذا من ذلك لأنه قد قال:
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا «٣» ولم يقل أولياء. وإنما قيل «طيبة» ولم يقل طيبا لأن الطيبة أخرجت على لفظ الذرّية فأنث لتأنيثها، ولو قيل ذرية طيبا كان صوابا.
ومثله من كلام العرب قول الشاعر:
أَبُوك خليفة ولدته أخرى ... وأنت خليفة ذاك الكمال
فقال (أخرى) لتأنيث اسم الخليفة، والوجه أن تقول: ولده آخر. وقال آخر.
فما تزدرى من حية جبلية ... سكاتٍ إذا ما عضّ ليس بأدردا «٤»
стр. 222
فقال: جبليّة، فأنّث لتأنيث اسم الحية، ثُمَّ ذكر إذ قال: إذا ما عض ولم يقل:
عضت. فذهب إلى تذكير المعنى. وقال الآخر «١» :
تجوب بنا الفلاة إلى سعيدٍ ... إذا ما الشاة فِي الأرطاة قالا
ولا يجوز هذا النحو إلا فِي الاسم الَّذِي لا يقع عليه فلان مثل «٢» الدابة والذرية والخليفة فإذا سميت رجلا بشيء من ذلك فكان فِي معنى فلان لم يجز تأنيث فعله ولا نعته. فتقول فِي ذلك: حَدَّثَنَا المغيرة الضبي، ولا يجوز الضبية. ولا يجوز أن تقول: حدثتنا لأنه فِي معنى فلان وليس فِي معنى فلانة. وأما قوله «٣» :
وعنترة الفلحاء جاء ملامًا ... كأنه فند من عماية أسود
فإنه قال: الفلحاء «٤» فنعته بشفته. قال: وسمعت أبا ثروان يقول لرجل من ضبة وكان عظيم العينين: هذا عينان قد جاء، جعله كالنعت له. وقال بعض الأعراب لرجل أقصم «٥» الثنية: قد جاءتكم القصماء، ذهب إلى سنّه.
стр. 223
وقوله: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ ... (٣٩)
يقرأ بالتذكير والتأنيث «١» . وكذلك فعل الملائكة وما أشبههم من الجمع: يؤنث ويذكر. وقرأت القراء يعرج الملائكة «٢» ، وتَعْرُجُ و «تَتَوَفَّاهُمُ «٣» - ويتوفاهم الملائكة» وكل صواب. فمن ذكر ذهب إلى معنى التذكير، ومن أنث فلتأنيث الاسم، وأن الجماعة من الرجال والنساء وغيرهم يقع عليه «٤» التأنيث. والملائكة فِي هذا الموضع جبريل ﷺ وحده. وذلك جائز فِي العربية: أن يخبر عن الواحد بمذهب الجمع كما تقول فِي الكلام: خرج فلان فِي السفن، وإنما خرج فِي سفينة واحدة، وخرج على البغال، وإنما ركب بغلا واحدا. وتقول: ممن سمعت هذا الخبر؟
فيقول: من الناس، وإنما سمعه من رَجُل واحد. وقد قال اللَّه ﵎:
وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ «٥» ، وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ «٦» ومعناهما والله أعلم واحد:
وذلك جائز فِيما لم يقصد فِيهِ قصد واحدٍ بعينه.
وقوله وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ تقرأ بالكسر. والنصب فيها أجود فِي العربية. فمن فتح (أن) أوقع النداء عليها كأنه قال: نادوه بذلك أن اللَّه يبشرك. ومن كسر قال: النداء «٧» فِي مذهب القول، والقول حكاية. فاكسر إن بمعنى الحكاية. وفي قراءة عَبْد اللَّه فناداه الملائكة وهو قائم يصلي فِي المحراب يا زكريا إن اللَّه يبشرك فإذا أوقع النداء على منادى ظاهر مثل (يا زَكَرِيَّا) وأشباهه كسرت (إن) لأن الحكاية تخلص، إذا كان ما فِيهِ (يا) ينادي بها، لا يخلص إليها رفع ولا نصب ألا ترى أنك تقول: يا زَيْدُ إنك قائم، ولا يجوز يا زَيْدُ أنك قائم. وإذا قلت:
стр. 224
ناديت زيدا أنه قائم فنصبت (زيدا) بالنداء جاز أن توقع النداء على (أن) كما أوقعته على زَيْد. ولم يجز أن تجعل إن مفتوحة إذا قلت يا زَيْدُ لأن زيدا لم يقع عليه نصب معروف. وقال فِي طه: «فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يَا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ» «١» فكسرت (إني) . ولو فتحت كان صوابا من الوجهين أحدهما أن تجعل النداء واقعا على (إن) خاصة لا إضمار «٢» فيها، فتكون (أن) فِي موضع رفع. وإن شئت جعلت فِي (نودي) اسم مُوسَى مضمرا، وكانت (أن) فِي موضع نصب تريد: بأني أَنَا ربك. فإذا خلعت الباء نصبته. فلو قيل فِي الكلام: نودي أن يا زَيْدُ فجعلت (أن يا زيد) [هو المرفوع بالنداء] «٣» كان صوابا كما قال الله ﵎: «وَنادَيْناهُ أَنْ يَا إِبْراهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا» «٤» .
فهذا ما فى النداء إذا أوقعت (إن) قيل يا زَيْد، كأنك قلت: نودي بهذا النداء إذا أوقعته على اسم بالفعل فتحت أن وكسرتها. وَإِذَا ضممت إِلَى النداء الَّذِي قد أصابه الفعل اسما منادى فلك أن تحدث (أن) معه فتقول ناديت أن يا زَيْدُ، فلك أن تحذفها من (يا زَيْدُ) فتجعلها فِي الفعل بعده ثُمَّ تنصبها.
ويجوز الكسر على الحكاية.
ومما يقوى مذهب من أجاز «إِنَّ الله يبشرك» بالكسر على الحكاية قوله:
«وَنادَوْا يَا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ» «٥» ولم يقل: أن ليقض علينا ربك. فهذا مذهب الحكاية. وقال فِي موضع أخر «وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا» «٦» ولم يقل: أفيضوا، وهذا أمر وذلك أمر لتعلم أن الوجهين صواب.
стр. 225
و «يبشرك» قرأها [بالتخفيف] «١» أصحاب عَبْد اللَّه فِي خمسة مواضع من القرآن: فِي آل عِمْرَانَ حرفان «٢» ، وفي بني «٣» إسرائيل، وفي الكهف «٤» ، وَفِي مريم «٥» . والتخفيف والتشديد صواب. وكأن المشدد على بشارات البشراء، وكأن التخفيف من وجهة الأفراح والسرور. وهذا شيء كان المشيخة يقولونه. وأنشدني بعض العرب:
بشرت عيالى إذ رأيت صحيفةً ... أتتك من الحجاج يتلى كتابها
وقد قَالَ بعضهم: أبشرت، ولعلها لغة حجازية. وسمعت سُفْيَان بْن عيينة يذكرها يبشر «٦» . وبشرت لغة سمعتها من عكل، ورواها الكسائي عن غيرهم. وقال أَبُو ثروان:
بشرني بوجه حسن. وأنشدني الكسائي:
وإذا رَأَيْت الباهشين إلى العلى ... غبرا أكفهم بقاع ممحل «٧»
فأعنهم وابشر بما بشروا به ... وإذا هُمْ نزلوا بضنك فانزل
وسائر القرآن يشدد فِي قول أصحاب عَبْد الله وغيرهم.
وقوله: يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً نصبت (مصدقا) لأنه نكرة، ويحيى معرفة.
وقوله: بِكَلِمَةٍ يعنى مصدّقا بعيسى.
стр. 226
وقوله: وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مردودات على قوله: مصدقا.
ويقال: إن الحصور: الَّذِي لا يأتي النساء.
وقوله: أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ إذا أردت الاستقبال المحض نصبت (تكلم) وجعلت (لا) على غير معنى ليس. وإذا أردت: آيتك أنك على هَذِهِ الحال ثلاثة أيّام رفعت، فقلت: أن لا تكلّم الناس ألا ترى أنه يحسن أن تَقُولَ: آيتك أنك لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا. والرمز يكون بالشفتين والحاجبين والعينين. وأكثره فِي الشفتين. كل ذلك رمز.
وقوله: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ ... (٤٥)
مما ذكرت «١» لك فِي قوله ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً قيل فيها (اسمه) بالتذكير للمعنى، ولو أنث كما قال ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً كان صوابا.
وقوله: (وجيها) قطعا «٢» من عِيسَى، ولو خفضت على أن تكون نعتا للكلمة لأنها هِيَ عِيسَى كان صوابا.
وقوله: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ... (٤٦)
والكهل «٣» مردود على الوجيه. (ويكلّم الناس) ولو كان فِي موضع (ويكلم) ومكلما كان نصبا، والعرب تجعل يفعل وفاعل إذا كانا فِي عطوف مجتمعين فِي الكلام، قال الشاعر:
بتّ أعشّيها بعضب باتر ... يقصد فى أسوقها وجائر «٤»
стр. 227
وقال آخر:
من الذريحيات جعدا آركا ... يقصر يمشى ويطول باركا «١»
كأنه قال: يقصر ماشيا فيطول باركا. فكذلك (فعل) إذا كانت فِي موضع صلة لنكرة أتبعها (فاعل) وأتبعته. تقول فِي الكلام: مررت بفتى ابن عشرين أو قد قارب ذلك، ومررت بغلام قد احتلم أو محتلمٍ قال الشاعر:
يا ليتني علقت غير خارج ... قبل الصباح ذات خلقٍ بارج
أم الصبي قد حبا أو دارج «٢»
وقوله: كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ ... (٤٩)
يذهب إلى الطين «٣» ، وفي المائدة (فَتَنْفُخُ فِيها) «٤» ذهب إلي الهيئة، فأنث لتأنيثها، وفي إحدى القراءتين (فأنفخها) وفي قراءة عَبْد اللَّه (فأنفخها) بغير فِي، وهو مما تقوله «٥» العرب: رب ليلة قد بتّ فيها وبتّها.
стр. 228
ويقال فِي الفعل أيضا:
ولقد أبيت على الطوى وأظله «١»
تلقى الصفات وإن اختلفت فِي الأسماء والأفاعيل. وقال الشاعر:
إذا قَالَتْ حَذَامِ فأنصتُوها ... فإنّ القول ما قَالَتْ حذام «٢»
وقَالَ اللَّه ﵎ وَهو أصدق قيلا: وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ «٣» يريد: كالوا لهم، وقال الشاعر:
ما شق جيب ولا قامتك نائحة ... ولا بكتك جياد عند أسلاب «٤»
وقوله: (وَما تَدَّخِرُونَ) هِيَ تفتعلون من ذخرت، وتقرأ «٥» (وَمَا تَدخِرُونَ) خفيفة على تفعلون، وبعض العرب يقول: تدخرون فيجعل الدال والذال يعتقبان فِي تفتعلون من ذخرت، وظلمت «٦» تقول: مظلم ومطلم، ومذكر ومدكر، وسمعت بعض بني أسد يقول: قد اتغر «٧» ، وهذه اللغة كثيرة فيهم خاصة. وغيرهم: قد اثّغر.
فأمّا الذين يقولون: يدّخر ويدّكر ومدّكر فإنهم وجدوا التاء إذا سكنت واستقبلتها ذال دخلت التاء فِي الذال فصارت ذالا، فكرهوا أن تصير التاء ذالا فلا يعرف الافتعال من ذلك، فنظروا إلى حرف يكون «٨» عدلا بينهما فِي المقاربة، فجعلوه مكان التاء ومكان الذال.
стр. 229
وأما الذين غلبوا الذال فأمضوا القياس، ولم يلتفتوا إلى أنه حرف واحد، فأدغموا تاء الافتعال عند الذال والتاء والطاء.
ولا تنكرن اختيارهم الحرف بين الحرفين فقد قَالُوا: ازدجر ومعناها: ازتجر، فجعلوا الدال عدلا بين التاء والزاي. ولقد قال بعضهم: مزجر، فغلب الزاي كما غلب التاء. وسمعت بعض بني عقيل يقول: عليك بأبوال الظباء فاصعطها فإنها شفاء للطحل «١» ، فغلب الصاد على التاء، وتاء الافتعال تصير مع الصاد والضاد طاء، كذلك الفصيح من الكلام كما قال اللَّه : (فمن اضطرّ فى مخمصة) «٢» ومعناها افتعل من الضرر. وقال اللَّه ﵎ (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها) «٣» فجعلوا التاء طاء فِي الافتعال.
وقوله: وَمُصَدِّقاً (٥٠) نصبت (مصدقا) على فعل (جئت) ، كأنه قال: وجئتكم مصدقا لما بين يدي من التوراة، وليس نصبه بتابع لقوله (وجيها) لأنه لو كان كذلك لكان (ومصدّقا لما بين يديه) .
وقوله: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ الواو فيها بمنزلة قوله وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ «٤» .
وقوله: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ (٥٢) يقول: وجد عِيسَى. والإحساس: الوجود، تقول فِي الكلام: هَلْ أحسست أحدا.
وكذلك قوله هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ «٥» .
стр. 230
فإذا قلت: حسست، بغير ألف فهي فِي معنى الإفناء والقتل. من ذلك قول اللَّه إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ «١» والحس أيضا: العطف والرقة كقول الكُميت:
هَلْ من بكى الدار راجٍ أن تحس له ... أو يبكى الدار ماء العبرة الخضل «٢»
وسمعت بعض «٣» العرب يقول: ما رَأَيْت عقيليا إلا حسست له، وحسست لغة.
والعرب تقول: من أَيْنَ حسيت هذا الخبر؟ يريدون: من أَيْنَ تخبرته؟ [وربما «٤» قَالُوا حسيت بالخبر وأحسيت به، يبدلون من السين ياء] كقول أبي زبيد.
حسين به فهن إليه شوس «٥» وقد تقول العرب ما أحست بهم أحدا، فيحذفون «٦» السين الأولى، وكذلك فِي وددت، ومسست وهممت، قال: أنشدني بعضهم:
هَلْ ينفعنك اليوم إن همت بهمّ ... كثرة ما تأتى وتعقاد الرتم «٧»
стр. 231
وقوله: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ المفسّرون يقولون: من أنصارى مع اللَّه، وهو وجه حسن. وإنما يجوز أن تجعل (إلى) موضع (مع) إذا ضممت الشيء إلى الشيء مما لم يكن معه كقول العرب: إن الذود إلى الذود إبل أي إذا ضممت الذود إلى الذود صارت إبلا. فإذا كان الشيء مع الشيء لم تصلح مكان مع إلى، ألا ترى أنك تقول: قدم فلان ومعه مال كثير، ولا تقول فِي هذا الموضع: قدم فلان وإليه مال كثير. وكذلك تقول: قدم فلان إلى أهله، ولا تقول: مع أهله، ومنه قوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ «١» معناه: ولا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم.
والحواريون كانوا خاصة عِيسَى. وكذلك خاصة رسول اللَّه ﷺ يقع عليهم الحواريون. وكان الزبير يقال له حواري رسول اللَّه ﷺ . وربما جاء فِي الحديث لابي بَكْر وعمر وأشباههما حواري. وجاء فِي التفسير أنهم سموا حواريين لبياض ثيابهم «٢» .
ومعنى قوله: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ (٥٤) نزل هذا فِي شأن عِيسَى إذ أرادوا قتله، فدخل بيتا فِيهِ كوة «٣» وقد أيده اللَّه ﵎ بجبريل ﷺ ، فرفعه إلى السماء من الكوة، ودخل عليه رَجُل منهم ليقتله، فألقى اللَّه على ذلك الرجل شبه عِيسَى بْن مريم. فلما دخل البيت فلم يجد فِيهِ عِيسَى خرج إليهم وهو يقول: ما فِي البيت أحد، فقتلوه وهم يرون أنه عِيسَى.
فذلك قوله وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ والمكر من الله استدراج، لا على مكر المخلوقين.
стр. 232
وقوله: إِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ (٥٥) يقال: إن هذا مقدم ومؤخر. والمعنى فِيهِ: إني رافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالي إياك فِي الدنيا. فهذا وجه.
وقد يكون الكلام غير مقدم ولا مؤخر فيكون معنى متوفيك: قابضك كما تقول: توفيت مالي من فلان: قبضته من فلان. فيكون التوفي على أخذه ورفعه إليه من غير موت.
وقوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ (٥٩) هذا لقول «١» النصارى إنه ابنه إذ لم يكن أب، فأنزل اللَّه ﵎ علوا
كبيرا إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ لا أَبَ له ولا أم، فهو أعجب أمرا من عِيسَى، ثُمَّ قال: خَلَقَهُ لا أن قوله «خَلَقَهُ» صلة لآدم إنما تكون الصلات للنكرات كقولك: رَجُل خلقه من تراب، وإنما فسّر أمر آدم حين ضرب به المثل فقال «خَلَقَهُ» على الانقطاع والتفسير، ومثله قوله مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ «٢» ثم قال يَحْمِلُ أَسْفاراً والأسفار: كتب العلم يحملها ولا يدري ما فيها. وإن شئت جعلت «يَحْمِلُ» صلة للحمار، كأنك قلت:
كمثل حمار يحمل أسفارا لأن ما فِيهِ الألف واللام قد يوصل فيقال «٣» : لا أمر إلا بالرجل يقول ذلك، كقولك بالذي يقول ذلك. ولا يجوز فِي زَيْدُ ولا عمرو أن يوصل كما يوصل الحرف فيه الألف واللام.
стр. 233
وقوله: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ (٦٠) رفعته بإضمار (هُوَ) ومثله فِي البقرة الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ «١» أي هُوَ الْحَق، أو ذلك الحق فلا تمتر.
وقوله: تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ (٦٤) وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه إلى كلمة عدل بيننا وبينكم وقد يقال فِي معنى عدل سوى وسوى، قال اللَّه ﵎ فى سورة طه (فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً) «٢» وسوى يراد به عدل ونصف بيننا وبينك.
ثم قال أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ فأن فِي موضع «٣» خفض على معنى: تعالوا إلى ألا نعبد إلا اللَّه. ولو أنك رفعت (ما نعبد) «٤» مع العطوف عليها على نية تعالوا نتعاقد لا «٥» نعبد إلا اللَّه لأن معنى الكلمة القول، كأنك حكيت تعالوا نقول لا نعبد إلا اللَّه. ولو جزمت العطوف لصلح على التوهم لأن الكلام مجزوم لو لم تكن فِيهِ أن كما تقول: تعالوا لا نقل إلا خيرا.
ومثله مما يرد على التأويل قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ «٦» فصيّر (ولا تكونن) نهيا فِي موضع جزم، والأول منصوب، ومثله وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ. وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ «٧» فرد أن على لام كي لأن (أن) تصلح فى موقع
стр. 234
اللام. فرد أن على أن مثلها يصلح فِي موقع اللام ألا ترى أنه قال فى موضع يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا «١» وفى موضع يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا «٢» .
وقوله: لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ (٦٥) فإن أهل نجران قَالُوا: كان إِبْرَاهِيم نصرانيا على ديننا، وقالت اليهود: كان يهوديا على ديننا، فأكذبهم اللَّه فقال وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أي بعد إِبْرَاهِيم بدهر طويل، ثُمَّ عيرهم أيضا.
فقال: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ (٦٦) إِلَى آخر الآية. ثُمَّ بين ذلك.
فقال: مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً (٦٧) إلى آخر الآية.
وقوله: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يقول: تشهدون أن مُحَمَّدا ﷺ بصفاته فِي كتابكم. فذلك قوله:
(تشهدون) .
وقوله: لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ (٧١) لو أنك قلت فِي الكلام: لم تقوم وتقعد يا رَجُل؟ على الصرف «٣» لجاز، فلو نصبت (وتكتموا) كان صوابا.
стр. 235
وقوله: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ (٧٢) يعنى صلاة الصبح وَاكْفُرُوا آخِرَهُ يعني صلاة الظهر. هذا قالته اليهود لما صرفت القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة فقالت اليهود: صلوا مع مُحَمَّد- ﷺ الصبح، فإذا كانت الظهر فصلوا إلى قبلتكم لتشككوا أصحاب مُحَمَّد فِي قبلتهم لانكم عندهم أعلم منهم فيرجعوا إلى قبلتكم.
فأما قوله: وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ (٧٣) فإنه يقال: إنها من قول اليهود. يقول: ولا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم.
واللام بمنزلة قوله: عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ «١» المعنى: ردِفكم.
وقوله: أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ (٧٣) يقول: لا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. أوقعت تُؤْمِنُوا على أَنْ يُؤْتى كأنه قال: ولا تؤمنوا أن يعطى أحد مثل ما أعطيتم، فهذا وجه.
ويقال: قد انقطع كلام اليهود عند قوله وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، ثُمَّ صار الكلام من قوله قل يا مُحَمَّد إن الهدى هدى اللَّه أن يؤتى أحد مثل ما أوتى أهل الإسْلام، وجاءت (أن) لأن فِي قوله قُلْ إِنَّ الْهُدى مثل قوله: إن البيان بيان اللَّه، فقد بين أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتى أهل الإسلام. وصلحت (أحد)
стр. 236
لأن معنى أن معنى لا كما قال ﵎ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا «١» معناه:
لا تضلون. وقال ﵎ كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لا يُؤْمِنُونَ بِهِ «٢» أن تصلح فِي موضع لا.
وقوله أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ فِي معنى حَتَّى وفي معنى إلا كما تقول فِي الكلام: تعلق به أبدا أو يعطيك حقك، فتصلح حَتَّى وإلا فِي موضع أو.
وقوله: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ (٧٥) كان الاعمش وعاصم يجزمان الهاء فِي يؤده، و «نُوَلِّهِ «٣» ما تَوَلَّى» ، و «أَرْجِهْ وَأَخاهُ» «٤» ، و «خَيْراً يَرَهُ» ، و «شَرًّا «٥» يَرَهُ» . وفيه لهما مذهبان أما أحدهما فإن القوم ظنوا أن الجزم فِي الهاء، وإنما هُوَ فيما قبل الهاء. فهذا وإن كان توهما، خطأ. وأما الآخر فإن من العرب من يجزم الهاء إذا تحرك ما قبلها فيقول ضربته ضربا شديدا، أو يترك الهاء إذ سكنها وأصلها الرفع بمنزلة رأيتهم وأنتم ألا ترى أن الميم سكنت وأصلها الرفع. ومن العرب من يحرك الهاء حركة بلا واو، فيقول ضربته (بلا واو) ضربا شديدا. والوجه الأكثر أن توصل بواو فيقال كلمتهو كلاما، على هذا البناء، وقد قال الشاعر فِي حذف الواو:
أَنَا ابن كلاب وابن أوس فمن يكن ... قناعه مغطيّا فإنّى لمجتلى «٦»
стр. 237
وأما إذا سكن ما قبل الهاء فإنهم يختارون حذف الواو من الهاء فيقولون: دعه يذهب، ومنه، وعنه. ولا يكادون يقولون: منهو ولا عنهو، فيصلون بواو إذا سكن ما قبلها وذلك أنهم لا يقدرون على تسكين الهاء وقبلها حرف ساكن، فلما صارت متحركة لا يجوز تسكينها اكتفوا بحركتها من الواو.
وقوله إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً يقول: ما دمت له متقاضيا. والتفسير فِي ذلك أن أهل الكتاب كانوا إذا بايعهم أهل الإسْلام أدى بعضهم الأمانة، وقال بعضهم: ليس للاميين- وهم العرب- حرمة كحرمة أهل ديننا، فأخبر اللَّه- ﵎ أن فيهم أمانة وخيانة فقال ﵎ «وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ» فِي استحلالهم الذهاب بحقوق المسلمين.
وقوله: بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) تقرأ: تعلّمون و «١» تعلمون، وجاء فِي التفسير: بقراءتكم الكتب وعلمكم بها.
فكان الوجه (تعلمون) وقرأ الكسائي وحمزة (تعلمون) لأن العالم يقع عليه يعلم ويعلم.
وقوله: وَلا يَأْمُرَكُمْ ... (٨٠)
أكثر القراء على نصبها يردونها على (أَنْ يُؤْتِيَهُ الله) : ولا أن يأمركم. وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه (ولن يأمركم) فهذا دليل على انقطاعها من النسق وأنها مستأنفة، فلما وقعت (لا) فِي موقع (لن) رفعت كما قال ﵎ (إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً
стр. 238
وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ «١» الْجَحِيمِ) وهى فى قراءة عَبْد اللَّه (ولن تسأل) وَفِي قراءة أبىّ (وما تسأل عن أصحاب الجحيم) .
وقوله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ (٨١) ولما آتيتكم، قرأها يحيى بْن وثاب بكسر اللام يريد أخذ الميثاق للذين آتاهم، ثُمَّ جعل قوله (لتؤمنن به) من الأخذ «٢» كما تقول: أخذت ميثاقك لتعملن لأن أخذ الميثاق بمنزلة الاستحلاف. ومن نصب اللام فِي (لما) جعل اللام لا ما زائدة إذ أوقعت على جزاء «٣» صير على جهة فعل وصير جواب الجزاء باللام وبإن وبلا وبما، فكأن اللام يمين إذ صارت تلقى بجواب اليمين. وهو وجه الكلام.
وقوله: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً (٨٣) أسلم أهل السَّمَوَاتِ طوعا. وأما أهل الأرض فإنهم لما كانت السنة فيهم أن يقاتلوا إن لم يسلموا أسلموا طوعا وكرها.
وقوله: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً (٩١) نصبت الذهب لأنه مفسر لا يأتي مثله إلا نكرة، فخرج نصبه كنصب قولك:
عندي عشرون درهما، ولك خيرهما كبشا. ومثله قوله (أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً) «٤»
стр. 239
وإنما ينصب على خروجه من المقدار الَّذِي تراه قد ذكر قبله، مثل ملء الأرض، أو عدل ذلك، فالعدل مقدار معروف، وملء الأرض مقدار معروف، فانصب ما أتاك على هذا المثال ما أضيف إلى شيء له قدر كقولك: عندى قدر قفيز «١» دقيقا، وقدر حملةٍ تبنا، وقدر رطلين عسلا، فهذه مقادير معروفة يخرج الَّذِي بعدها مفسرا لأنك ترى التفسير خارجا من الوصف يدل على جنس المقدار من أي شيء هُوَ كما أنك إذا قلت: عندي عشرون فقد أخبرت عن عدد مجهول قد تم خبره، وجهل جنسه وبقي تفسيره، فصار هذا مفسرا عَنْهُ، فلذلك نصب.
ولو رفعته على الائتناف لجاز كما تقول: عندي عشرون، ثُمَّ تقول بعد: رجال، كذلك لو قلت: ملء الأرض، ثُمَّ قلت: ذهب، تخبر على غير اتصال.
وقوله: وَلَوِ افْتَدى بِهِ الواو هاهنا قد يستغنى عَنْهَا، فلو قيل ملء الأرض ذهبا لو افتدى به كان صوابا. وهو بمنزلة قوله: (وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) «٢» فالواو هاهنا كأن لها فعلا مضمرا «٣» بعدها.
وقوله: إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ ... (٩٣)
يذكر فِي التفسير أنه أصابه عرق النسا فجعل على نفسه إن برأ أن يحرم أحب الطعام والشراب إليه، فلما برأ حرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها، وكان «٤» أحب الطعام والشراب إليه.
стр. 240
وقوله: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ... (٩٦)
يقول: إن أول مسجد وضع للناس (لَلَّذِي ببكّة) وإنما سميت بكة لازدحام الناس بها يقال: بك الناس بعضهم بعضًا: إذا ازدحموا.
وقوله: هُدىً موضع نصب متبعة للمبارك. ويقال إنما قيل: مباركا لأنه مغفرة للذنوب.
وقوله: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ ... (٩٧)
يُقَالُ: الآيات المقام والحجر والحطيم، وقرا ابن عَبَّاس «فِيهِ آية بينة» جعل المقام هُوَ الآية لا غير.
وقوله: وَمَنْ كَفَرَ يقول: من قَالَ ليس علي حج فَإِنَّمَا يجحد بالكفر فرضه لا يتركه «١» .
وقوله: مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً ... (٩٩)
يريد السبيل فأنثها، والمعنى تبغون لها. وكذلك (يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) »
: يبغون لكم الفتنة. والعرب يقولون: ابغني خادما فارها، يريدون: ابتغه لي، فإذا أرادوا:
ابتغ معي «٣» وأعني على طلبه قَالُوا أبغني (ففتحوا الألف الأولى من بغيت، والثانية من أبغيت) «٤» وكذلك يقولون: المسني «٥» نارا وألمسني، واحلبني وأحلبني، وأحملني «٦» واحملني،
стр. 241
واعكمنى وأعكمنى «١» فقوله: احلبني يريد: احلب لي أي اكفنى الحلب، وأحلبنى:
أعنّى عليه، وبقيته على مثل هذا.
وقوله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ... (١٠٣)
الكلام العربىّ هكذا بالباء، وربما طرحت العرب الباء فقالوا: اعتصمت بك واعتصمتك قال بعضهم:
إذا أنت جازيت الإخاء بِمِثْلِهِ ... وآسيتني ثُمَّ اعتصمت حباليا
فألقى الباء. وهو كقولك: تعلقت زيدا، وتعلقت بزيد. وأنشد بعضهم:
تعلقت هندا ناشئا ذات مئزرٍ ... وأنت وقد قارفت «٢» لم تدر ما الحلم
وقوله: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ... (١٠٦)
لم يذكر الفعل أحد من القراء كما قيل (لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها) «٣» وقوله (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ) «٤» وإنما سهل التذكير فِي هذين لأن معهما جحدا، والمعنى فِيهِ: لا يحل لك أحد من النساء، ولن ينال اللَّه شيء من لحومها، فذهب بالتذكير إلى المعنى، والوجوه ليس ذلك فيها، ولو ذكر فعل الوجوه كما تقول:
قام القوم لجاز ذلك.
وقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ يقال: (أمّا) لا بدّ لها من الفاء جوابا فأين هِيَ؟ فيقال: إنها كانت مع قولٍ مضمر، فلما سقط القول سقطت الفاء معه، والمعنى- والله أعلم- فأما الذين اسودّت وجوههم فيقال: أكفرتم،
стр. 242
فسقطت الفاء مع (فيقال) . والقول قد يضمر. ومنه فِي كتاب اللَّه شيء كثير من ذلك قوله (وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا) «١» وقوله (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا) «٢» وفي قراءة عَبْد اللَّه «ويقولان ربنا» .
وقوله: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ ... (١٠٨)
يريد «٣» : هذه آيات اللَّه. وقد فسر شأنها فِي أول البقرة.
وقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ... (١١٠)
فِي التأويل: فِي اللوح المحفوظ. ومعناه أنتم خير أمة كقوله (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ) «٤» ، و (إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ) «٥» فإضمار كان فِي مثل هذا وإظهارها سواء.
وقوله: يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ... (١١١)
مجزوم لأنه جواب للجزاء ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ مرفوع على الائتناف، ولأن رءوس الآيات بالنون، فذلك مما يقوى الرفع كما قال (وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) «٦» فرفع، وقال ﵎ (لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا) «٧» .
стр. 243
وقوله: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ ... (١١٢)
يقول: إلا أن يعتصموا بحبل من اللَّه فأضمر ذلك، وقال الشاعر «١» :
رأتني بحبليها فصَدَّت مخافةً ... وَفِي الحبل روعاء الفؤاد فروق
أراد: أقبلت بحبليها، وقال الآخر «٢» :
حنتني حانيات الدهر حَتَّى ... كأني خاتلٍ أدنو لصيد
قريب الخطو يحسب من رآني ... ولست مقيدا أنى بقيد
يريد: مقيدا بقيد.
وقوله: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ ... (١١٣)
ذكر أمة ولم يذكر بعدها أخرى، والكلام مبني على أخرى يراد لأن سواء لا بد لها من اثنين فما زاد.
ورفع الأمة على وجهين أحدهما أنك تكره على سواء كأنك قلت:
لا تستوي أمة صالحة وأخرى كافرة منها أمة كذا وأمة كذا، وقد تستجيز العرب إضمار أحد الشيئين إذا كان فِي الكلام دليل عليه، قال الشاعر «٣» :
عصيت إليها القلب إنى لأمرها ... سميع فما أدرى أرشد طلابها
стр. 244
ولم يقل: أم غىّ، ولا: أم لا لأن الكلام معروف المعنى. وقال الآخر:
أراك فلا أدرى أهم هممته ... وذو الهم قدمًا خاشع متضائل
وقال الآخر «١» :
وما أدْرِي إِذَا يمَّمْتُ وجهًا ... أريدُ الخيرَ أيُّهما يليني
أألخير الَّذِي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي لا يأتليني
ومنه قول اللَّه ﵎: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً «٢» ولم يذكر الَّذِي هُوَ ضده لأن قوله: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ «٣» دليل على ما أضمر من ذلك.
وقوله: يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ السجود فِي هذا الموضع اسم للصلاة لا للسجود لأن التلاوة لا تكون فِي السجود ولا فِي الركوع.
وقوله تعالى: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ (١١٨) وفي قراءة عَبْد اللَّه «وقد بدا البغضاء من أفواههم» ذكر لأن البغضاء مصدر، والمصدر إذا كان مؤنثا جاز تذكير فعله إذا تقدّم مثل وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ «٤» وفَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ «٥» وأشباه ذلك.
وقوله: ها أَنْتُمْ أُولاءِ (١١٩) العرب إذا جاءت إلى اسم مكنى قد وصف بهذا وهاذان وهؤلاء فرقوا بين (ها) وبين (ذا) وجعلوا المكنى بينهما، وذلك فِي جهة التقريب «٦» لا فى غيرها،
стр. 245
فيقولون: أَيْنَ أنت؟ فيقول القائل: هأنذا، ولا يكادون يقولون: هذا أَنَا، وكذلك التثنية والجمع، ومنه ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وربما أعادوا (ها) فوصلوها بذا وهذان وهؤلاء فيقولون: ها أنت هذا، وها أنتم هؤلاء، وقال اللَّه ﵎ فِي النساء: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ
«١» .
فإذا كان الكلام على غير تقريب أو كان مع اسم ظاهر جعلوا (ها) موصولة بذا، فيقولون: هذا هو، وهذان هما، إذا كان على خبر يكتفى كل واحد بصاحبه بلا فعل، والتقريب لا بد فِيهِ من فعل لنقصانه، وأحبوا أن يفرقوا بذلك بين معنى التقريب وبين معنى الاسم الصحيح.
وقوله: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً (١٢٠) إن شئت جعلت جزما وإن كانت مرفوعة، تكون كقولك للرجل: مد يا هذا، ولو نصبتها أو خفضتها كان صوابا لأن من العرب من يقول مد يا هذا، والنصب فِي العربية أهيؤها «٢» ، وإن شئت جعلته رفعا وجعلت (لا) على مذهب ليس فرفعت وأنت مضمر للفاء كما قال الشاعر «٣» :
فإن كان لا يرضيك حَتَّى تردني ... إلى قطري لا إخالك راضيا
وقد قرأ بعض القراء «لا يضركم» تجعله من الضير، وزعم الكسائي أنه سمع بعض أهل العالية يقول: لا ينفعني ذلك وما يضورني، فلو قرئت «لا يضركم» على هذه اللغة كان صوابا.
стр. 246
وقوله: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ (١٢١) وفي قراءة عَبْد اللَّه «تبوي للمؤمنين مقاعد للقتال» والعرب تفعل ذلك، فيقولون:
ردفك وردف لك. قال الفراء قال الكسائي: سمعت بعض العرب يقول: نقدت لها مائة، يريدون نقدتها مائة، لامرأة تزوجها. وأنشدني الكسائي:
أستغفرُ اللَّه ذنبًا لستُ مُحْصِيهُ ... رَبّ الْعِبَادِ إليه الوجه والعمل
والكلام باللام كما قَالَ اللَّه ﵎: وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ «١» وفَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ «٢» وأنشدني:
أستغفر اللَّه من جدى ومن لعبي ... وزري وكل امرئٍ لا بد متزر «٣»
يريد لوزري. ووزري حين ألقيت اللام فِي موضع نصب، وأنشدني الكسائي:
إن أجز علقمة بْن سعدٍ سعيه ... لا تلقني أجزي بسعي واحد
لأحبني حب الصبي وضمني ... ضم الهدى «٤» إلى الكريم الماجد
وإنما قال (لاحبني) لأنه جعل جواب إن إذ كانت جزاء كجواب لو.
وقوله: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما (١٢٢) وفي قراءة عَبْد اللَّه «والله وليهم» رجع بهما إلى الجمع كما قال اللَّه :
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ «٥» وكما قال: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا «٦» .
стр. 247
وقوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ (١٢٨)
فى نصيبه وجهان إن شئت جعلته معطوفا على قوله: لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ أي أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ وإن شئت جعلت نصبه على مذهب حَتَّى كما تقول: لا أزال ملازمك أو تعطيني، أو إلا أن تعطيني حقي.
وقوله: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ... (١٣٥)
يقال [ما قبل «١» إلا] معرفة، وإنما يرفع ما بعد إلا بإتباعه ما قبله إذا كان نكرة ومعه جحد كقولك: ما عندي أحد إلا أبوك، فإن معنى قوله: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ما يغفر الذنوب أحد إلا اللَّه، فجعل على المعنى. وهو فِي القرآن فِي غير موضع.
وقوله: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ... (١٤٠)
وقرح. وأكثر القراء على فتح القاف. وقد قرأ أصحاب عَبْد اللَّه: قرح، وكأن القرح ألم الجراحات، وكأن القرح الجراح بأعيانها. وهو فِي ذاته مثل قوله:
أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ «٢» ووجدكم وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ «٣» وجهدهم، ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها «٤» [ووسعها] .
وقوله: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يعلم المؤمن من غيره، والصابر من غيره.
وهذا فِي مذهب أي ومن كما قال: لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى «٥» فإذا جعلت
стр. 248
مكان أىّ من الَّذِي أو ألفا ولا ما نصبت بما يقع عليه كما قال اللَّه تبارك:
فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ «١» وجاز ذلك لأن فِي «الَّذِي» وفي الألف واللام تأويل من وأي إذ كانا فِي معنى انفصال من الفعل.
فإذا وضعت مكانهما اسما لا فعل فِيهِ لم يحتمل هذا المعنى. فلا يجوز أن تقول: قد سَأَلت فعلمت عَبْد اللَّه، إلا أن تريد علمت ما هُوَ. ولو جعلت مع عَبْد اللَّه اسما فِيهِ دلالة على أي جاز ذلك كقولك: إنما سَأَلت لأعلم عَبْد اللَّه من زَيْدُ، أي لاعرف ذا من ذا. وقول الله ﵎: لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ «٢» يكون: لم تعلموا مكانهم، ويكون لم تعلموا ما هُمْ أكفار أم مسلمون. والله أعلم بتأويله.
وقوله: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ... (١٤١)
يريد: يمحص اللَّه الذنوب عن الذين آمنوا، وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ: ينقصهم ويفنيهم.
وقوله: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) خفض الْحَسَن «ويعلم الصابرين» يريد الجزم. والقراء بعد تنصبه. وهو الَّذِي يسميه النحويون الصرف كقولك: «لم آته وأكرمه إلا استخف بي» والصرف أن يجتمع الفعلان بالواو أو ثُمَّ أو الفاء أو أو، وفي أوله جحد أو استفهام، ثُمَّ ترى ذلك الجحد أو الاستفهام ممتنعا أن يكر فِي العطف، فذلك الصرف. ويجوز فِيهِ الاتباع لأنه نسق فِي اللفظ وينصب إذ كان ممتنعا أن يحدث فيهما ما أحدث
стр. 249
فِي أوله ألا ترى أنك تقول: لست لابي إن لم اقتلك أو إن لم تسبقني فِي الأرض.
وكذلك يقولون: لا يسعني شيء ويضيق عنك، ولا تكر (لا) فِي يضيق. فهذا تفسير «١» الصرف.
وقوله: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) معناه: رأيتم أسباب الموت. وهذا يوم أحد يعني السيف وأشباهه من السلاح.
وقوله: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ... (١٤٤)
كل استفهام دخل على جزاء «٢» فمعناه أن يكون فِي جوابه خبر يقوم «٣» بنفسه، والجزاء شرط لذلك الخبر، فهو على هذا، وإنما جزمته ومعناه الرفع لمجيئه بعد الجزاء كقول الشاعر «٤» :
حلفت له إن تدلج الليل لا يزل ... أمامك بيت من بيوتى سائر
ف (لا يزل) فِي موضع رفع إلا أنه جزم لمجيئه بعد الجزاء وصار كالجواب. فلو كان «أفإن مات أو قتل تنقلبون» جاز فِيهِ الجزم والرفع. ومثله أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ «٥» المعنى: أنهم الخالدون إن مت. وقوله: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً «٦» لو تأخرت فقلت فِي الكلام: (فكيف إن كفرتم تتقون) جاز الرفع والجزم فِي تتقون.
стр. 250
وقوله: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ... (١٤٦)
والربيون الألوف.
تقرأ: قُتِلَ وقاتل. فمن أراد قتل جعل قوله: فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ للباقين، ومن قال: قاتل جعل الوهن للمقاتلين. وإنما ذكر هذا لانهم قَالُوا يوم أحد: قتل مُحَمَّد ﷺ ، ففشلوا، ونافق بعضهم، فأنزل اللَّه ﵎: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، وأنزل: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ.
ومعنى وكأين: وكم.
وقد قال بعض المفسرين: «وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ» يريد «١» : و «معه ربيون» والفعل واقع على النبي ﷺ ، يقول: فلم يرجعوا عن دينهم ولم يهنوا بعد قتله. وهو وجه حسن.
وقوله: وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ... (١٤٧)
نصبت القول بكان، وجعلت أن فِي موضع رفع. ومثله فى القرآن كثير.
والوجه أن تجعل (أن) فِي موضع الرفع ولو رفع «٢» القول وأشباهه وجعل النصب فى «أن» كان صوابا.
وقوله: بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ ... (١٥٠)
رفع على الخبر، ولو نصبته «٣» : (بل أطيعوا الله مولاكم) كان وجها حسنا.