وقوله: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ (١٢١) وفي قراءة عَبْد اللَّه «تبوي للمؤمنين مقاعد للقتال» والعرب تفعل ذلك، فيقولون:
ردفك وردف لك. قال الفراء قال الكسائي: سمعت بعض العرب يقول: نقدت لها مائة، يريدون نقدتها مائة، لامرأة تزوجها. وأنشدني الكسائي:
أستغفرُ اللَّه ذنبًا لستُ مُحْصِيهُ ... رَبّ الْعِبَادِ إليه الوجه والعمل
والكلام باللام كما قَالَ اللَّه ﵎: وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ «١» وفَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ «٢» وأنشدني:
أستغفر اللَّه من جدى ومن لعبي ... وزري وكل امرئٍ لا بد متزر «٣»
يريد لوزري. ووزري حين ألقيت اللام فِي موضع نصب، وأنشدني الكسائي:
إن أجز علقمة بْن سعدٍ سعيه ... لا تلقني أجزي بسعي واحد
لأحبني حب الصبي وضمني ... ضم الهدى «٤» إلى الكريم الماجد
وإنما قال (لاحبني) لأنه جعل جواب إن إذ كانت جزاء كجواب لو.
وقوله: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما (١٢٢) وفي قراءة عَبْد اللَّه «والله وليهم» رجع بهما إلى الجمع كما قال اللَّه :
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ «٥» وكما قال: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا «٦» .
стр. 247
وقوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ (١٢٨)
فى نصيبه وجهان إن شئت جعلته معطوفا على قوله: لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ أي أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ وإن شئت جعلت نصبه على مذهب حَتَّى كما تقول: لا أزال ملازمك أو تعطيني، أو إلا أن تعطيني حقي.
وقوله: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ... (١٣٥)
يقال [ما قبل «١» إلا] معرفة، وإنما يرفع ما بعد إلا بإتباعه ما قبله إذا كان نكرة ومعه جحد كقولك: ما عندي أحد إلا أبوك، فإن معنى قوله: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ما يغفر الذنوب أحد إلا اللَّه، فجعل على المعنى. وهو فِي القرآن فِي غير موضع.
وقوله: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ... (١٤٠)
وقرح. وأكثر القراء على فتح القاف. وقد قرأ أصحاب عَبْد اللَّه: قرح، وكأن القرح ألم الجراحات، وكأن القرح الجراح بأعيانها. وهو فِي ذاته مثل قوله:
أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ «٢» ووجدكم وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ «٣» وجهدهم، ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها «٤» [ووسعها] .
وقوله: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يعلم المؤمن من غيره، والصابر من غيره.
وهذا فِي مذهب أي ومن كما قال: لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى «٥» فإذا جعلت
стр. 248
مكان أىّ من الَّذِي أو ألفا ولا ما نصبت بما يقع عليه كما قال اللَّه تبارك:
فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ «١» وجاز ذلك لأن فِي «الَّذِي» وفي الألف واللام تأويل من وأي إذ كانا فِي معنى انفصال من الفعل.
فإذا وضعت مكانهما اسما لا فعل فِيهِ لم يحتمل هذا المعنى. فلا يجوز أن تقول: قد سَأَلت فعلمت عَبْد اللَّه، إلا أن تريد علمت ما هُوَ. ولو جعلت مع عَبْد اللَّه اسما فِيهِ دلالة على أي جاز ذلك كقولك: إنما سَأَلت لأعلم عَبْد اللَّه من زَيْدُ، أي لاعرف ذا من ذا. وقول الله ﵎: لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ «٢» يكون: لم تعلموا مكانهم، ويكون لم تعلموا ما هُمْ أكفار أم مسلمون. والله أعلم بتأويله.
وقوله: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ... (١٤١)
يريد: يمحص اللَّه الذنوب عن الذين آمنوا، وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ: ينقصهم ويفنيهم.
وقوله: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) خفض الْحَسَن «ويعلم الصابرين» يريد الجزم. والقراء بعد تنصبه. وهو الَّذِي يسميه النحويون الصرف كقولك: «لم آته وأكرمه إلا استخف بي» والصرف أن يجتمع الفعلان بالواو أو ثُمَّ أو الفاء أو أو، وفي أوله جحد أو استفهام، ثُمَّ ترى ذلك الجحد أو الاستفهام ممتنعا أن يكر فِي العطف، فذلك الصرف. ويجوز فِيهِ الاتباع لأنه نسق فِي اللفظ وينصب إذ كان ممتنعا أن يحدث فيهما ما أحدث
стр. 249
فِي أوله ألا ترى أنك تقول: لست لابي إن لم اقتلك أو إن لم تسبقني فِي الأرض.
وكذلك يقولون: لا يسعني شيء ويضيق عنك، ولا تكر (لا) فِي يضيق. فهذا تفسير «١» الصرف.
وقوله: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) معناه: رأيتم أسباب الموت. وهذا يوم أحد يعني السيف وأشباهه من السلاح.
وقوله: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ... (١٤٤)
كل استفهام دخل على جزاء «٢» فمعناه أن يكون فِي جوابه خبر يقوم «٣» بنفسه، والجزاء شرط لذلك الخبر، فهو على هذا، وإنما جزمته ومعناه الرفع لمجيئه بعد الجزاء كقول الشاعر «٤» :
حلفت له إن تدلج الليل لا يزل ... أمامك بيت من بيوتى سائر
ف (لا يزل) فِي موضع رفع إلا أنه جزم لمجيئه بعد الجزاء وصار كالجواب. فلو كان «أفإن مات أو قتل تنقلبون» جاز فِيهِ الجزم والرفع. ومثله أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ «٥» المعنى: أنهم الخالدون إن مت. وقوله: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً «٦» لو تأخرت فقلت فِي الكلام: (فكيف إن كفرتم تتقون) جاز الرفع والجزم فِي تتقون.
стр. 250
وقوله: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ... (١٤٦)
والربيون الألوف.
تقرأ: قُتِلَ وقاتل. فمن أراد قتل جعل قوله: فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ للباقين، ومن قال: قاتل جعل الوهن للمقاتلين. وإنما ذكر هذا لانهم قَالُوا يوم أحد: قتل مُحَمَّد ﷺ ، ففشلوا، ونافق بعضهم، فأنزل اللَّه ﵎: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، وأنزل: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ.
ومعنى وكأين: وكم.
وقد قال بعض المفسرين: «وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ» يريد «١» : و «معه ربيون» والفعل واقع على النبي ﷺ ، يقول: فلم يرجعوا عن دينهم ولم يهنوا بعد قتله. وهو وجه حسن.
وقوله: وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ... (١٤٧)
نصبت القول بكان، وجعلت أن فِي موضع رفع. ومثله فى القرآن كثير.
والوجه أن تجعل (أن) فِي موضع الرفع ولو رفع «٢» القول وأشباهه وجعل النصب فى «أن» كان صوابا.
وقوله: بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ ... (١٥٠)
رفع على الخبر، ولو نصبته «٣» : (بل أطيعوا الله مولاكم) كان وجها حسنا.
стр. 251
وقوله: حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ ... (١٥٢)
يقال: إنه مقدم ومؤخر معناه: «حَتَّى إذا تنازعتم فى الأمر فشلتم» . فهذه الواو معناها السقوط: كما يقال: فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنادَيْناهُ «١» معناه:
ناديناه. وهو فى «حَتَّى إِذا» و «فلمّا أن» «٢» مقول، لم يأت فِي غير هذين. قَالَ اللَّه ﵎: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ «٣» ثم قال: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ «٤» معناه: اقترب، وقال ﵎:
حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها «٥» وفي موضع آخر: فُتِحَتْ «٦» وقال الشاعر:
حَتَّى إذا قملت بطونكم ... ورأيتم أبناءكم شبوا
وقلبتم ظهر المجن لنا ... إن اللئيم العاجز الخب «٧»
الخب «٨» : الغدار، والخب: الغدر. وأما قوله: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ. وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ «٩» وقوله: وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ. وَأَلْقَتْ مَا فِيها وَتَخَلَّتْ «١٠» فإنه كلام واحد جوابه فيما بعده، كأنه يقول: «فيومئذ يلاقى حسابه» . وقد قال بعض من روى عن قَتَادَة من البصريين إِذَا السّماء انشقّت. أذنت لربها وحقّت ولست أشتهى ذلك لأنها فِي مذهب «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ» «١١» و «إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ» «١٢» فجواب هذا بعده «عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ» «١٣» و «عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ» «١٤» .
стр. 252
وقوله: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ ... (١٥٣)
الإصعاد فِي ابتداء الأسفار والمخارج. تقول: أصعدنا من مكة ومن بغداد إلى خراسان، وشبيه ذلك. فإذا صعدت على السلم أو الدرجة ونحوهما قلت:
صعدت، ولم تقل أصعدت. وقرأ الحسن البصرىّ: «إذ تصعدون ولا تلوون» جعل الصعود فِي الجبل كالصعود فِي السلم.
وقوله: وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ ومن العرب من يقول: أخراتكم، ولا يجوز فِي القرآن لزيادة التاء فيها على كتاب المصاحف وقال الشاعر:
ويتقى السيف بأخراته ... من دون كف الجار والمعصم «١»
وقوله: فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ الإثابة هاهنا [فِي] معنى عقاب، ولكنه كما قال الشاعر «٢» :
أخاف زيادا أن يكون عطاؤه ... أداهم سودًا أو محدرجة سمرا
وقد يقول الرجل الَّذِي قد اجترم إليك: لئن أتيتني لأثيبنك ثوابك، معناه: لأعاقبنك، وربما أنكره من لا يعرف مذاهب العربية. وقد قال اللَّه ﵎:
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ «٣» والبشارة إنما تكون فِي الخير، فقد قيل ذاك فى الشرّ.
стр. 253
ومعنى قوله (غمّا بغمّ) ما أصابهم يوم أحد من الهزيمة والقتل، ثُمَّ أشرف عليهم خَالِد بْن الوليد «١» بخيله فخافوه، وغمهم ذلك.
وقوله: وَلا مَا أَصابَكُمْ (ما) فِي موضع خفض على «مَا فاتَكُمْ» أي ولا على ما أصابكم.
وقوله: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ ... (١٥٤)
تقرأ بالتاء «٢» فتكون للأمنة وبالياء فيكون للنعاس، مثل قوله يَغْلِي فِي الْبُطُونِ «٣» وتغلي، إذا كانت (تغلي) فهي الشجرة، وإذا كانت (يغلي) فهو للمهل.
وقوله: يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ، وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ترفع الطائفة بقوله (أهمتهم) بما «٤» رجع من ذكرها، وإن شئت رفعتها «٥» بقوله يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ولو كانت نصبا لكان صوابا مثل قوله فِي الأعراف: فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ «٦» .
وإذا رَأَيْت «٧» اسما فِي أوله كلام وفي آخره فعل قد وقع على راجع ذكره جاز فِي الاسم الرفع والنصب. فمن ذلك قوله: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ «٨» وقوله:
وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ «٩» يكون نصبا ورفعا. فمن نصب جعل الواو
стр. 254
كأنها ظرف للفعل متصلة بالفعل، ومن رفع جعل الواو للاسم، ورفعه بعائد ذكره كما قال الشاعر:
إن لم اشف النفوس من حي بكرٍ ... وعدى تطاه جرب الجمال «١»
فلا تكاد العرب تنصب مثل (عدى) فِي معناه لأن الواو لا يصلح نقلها إلى الفعل ألا ترى أنك لا تقول «٢» : وتطأ عديا جرب الجمال. فإذا رَأَيْت الواو تحسن فِي الاسم جعلت الرفع وجه الكلام. وَإِذَا رَأَيْت الواو يحسن فِي الفعل جعلت النصب وجه الكلام. وإذا رَأَيْت ما قبل الفعل يحسن للفعل والاسم جعلت الرفع والنصب سواء، ولم يغلب واحد على صاحبه مثل قول الشاعر «٣» :
إذا ابن أبى مُوسَى بلالا أتيته ... فقام بفأس بين وصليك جازر
فالرفع «٤» والنصب فِي هذا سواء.
وأما قول اللَّه : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ «٥» فوجه الكلام فِيهِ الرفع لأن أما تحسن فى الاسم ولا تكون مع الفعل.
стр. 255
وأمّا قوله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما «١» فوجه الكلام فِيهِ الرفع لأنه غير موقت فرفع كما يرفع الجزاء، كقولك: من سرق فاقطعوا يده. وكذلك قوله وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ «٢» معناهُ والله أعلم من (قَالَ الشعر) «٣» اتّبعه الغاوون.
ولو نصبت قوله (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) بالفعل كان صوابا.
وقوله وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ «٤» العرب فِي (كل) تختار الرفع، وقع الفعل على راجع الذكر أو لم يقع. وسمعت العرب تقول وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ بالرفع وقد رجع ذكره. وأنشدوني «٥» فيما لم يقع الفعل على راجع ذكره:
فقالوا تعرفها المنازل من منى ... وما كل من يغشى منى أَنَا عارف «٦»
ألفنا ديارا لم تكن من ديارنا ... ومن يتألف بالكرامة يألف
فلم يقع (عارف) على كلّ وذلك أن فِي (كل) تأويل: وما من أحد يغشى مني أَنَا عارف، ولو نصبت لكان صوابا، وما سمعته إلا رفعا. وقال الآخر:
قد عَلِقت أمُّ الْخِيَار تَدَّعِي ... عليَّ ذَنْبا كله لم أصنع «٧»
رفعا، وأنشدنيه بعض بني أسد نصبا.
стр. 256
وقوله قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ فمن رفع جعل (كل) اسما فرفعه باللام فِي لله كقوله «١» وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ «٢» ومن نصب (كله) جعله من نعت «٣» الأمر.
وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ ... (١٥٦)
كان ينبغي فِي العربية أن يقال: وقالوا لإخوانهم إذ ضربوا فِي الأرض لأنه ماض كما تقول: ضربتك إذ قمت، ولا تقول ضربتك إذا قمت. وذلك جائز، والذي فِي كتاب اللَّه عربي حسن لأن القول وإن كان ماضيا فِي اللفظ فهو فِي معنى الاستقبال لأن (الذين) يذهب «٤» بها إلى معنى الجزاء من من وما. فأنت تقول للرجل: أحبب من أحبك، وأحبب كل رَجُل أحبك، فيكون «٥» الفعل ماضيا وهو يصلح للمستقبل إذ كان أصحابه غير موقّتين، فلو وقّته لم يجز. من ذلك أن تقول:
لاضربن هذا الَّذِي ضربك إذ سلمت عليك، لأنك قد وقته فسقط عَنْهُ مذهب الجزاء. وتقول: لا تضرب إلا الذي ضربك إذ سلمت عليه، فتقول (إذا) لأنك لم توقته. وكذلك قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ «٦» فقال
стр. 257
وَيَصُدُّونَ فردها على (كفروا) لأنها غير موقتة، وكذلك قوله إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ «١» المعنى: إلا الذين يتوبون من قبل أن تقدروا عليهم.
والله أعلم. وكذلك قوله إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً»
معناه: إلا من يتوب ويعمل صالحا. وقال الشاعر:
فإني لاتيكم تشكر ما مضى ... من الأمر واستيجاب ما كان فِي غد «٣»
يريد به المستقبل: لذلك قال (كان فِي غد) ولو كان ماضيا لقال: ما كان فِي أمس، ولم يجز ما كان فِي غد. وأمّا قول الكميت:
ما ذاق بؤس معيشةٍ ونعيمها ... فيما مضى أحد إذا لم يعشق
فمن ذلك إنما أراد: لم يذقها فيما مضى ولن يذوقها فيما يستقبل إذا كان لم يعشق.
وتقول: ما هلك امرؤ عرف قدره، فلو أدخلت فِي هذا (إذا) كانت أجود من (إذ) لأنك لم تخبر بذلك عن واحد فيكون بإذا، وإنما جعلته كالدأب فجرى الماضي والمستقبل. ومن ذلك أن يقول الرجل للرجل: كنت صابرا إذا ضربتك لأن المعنى: كنت كلما ضربت تصبر. فإذا قلت: كنت صابرا إذ ضربت، فإنما أخبرت عن صبره فِي ضربٍ واحد.
وقوله: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ... (١٥٩)
العرب تجعل (ما) صلة فِي المعرفة والنكرة واحدا.
قال الله فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ «٤» والمعنى فبنقضهم، وعَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ «٥» والمعنى: عن قليل. والله أعلم. وربما جعلوه اسما وهى فى مذهب
стр. 258
الصلة فيجوز فيما بعدها الرفع على أنه صلة، والخفض على إتباع الصلة لما قبلها كقول الشاعر:
فَكَفَى بِنا فَضْلا عَلَى مَنْ غَيْرِنا ... حُبُّ النَّبِيّ محمدٍ إيانا «١»
وترفع (غير) إذا جعلت صلة بإضمار (هُوَ) ، وتخفض على الاتباع لمن، وقال الفرزدق:
إني وإياك إن بلغن أرحلنا ... كمن بواديه بعد المحل ممطور «٢»
فهذا مع النكرات، فإذا كانت الصلة معرفة آثروا الرفع، من ذلك فَبِما نَقْضِهِمْ لم يقرأه أحد برفع ولم نسمعه. ولو قيل جاز. وأنشدونا بيت عدي «٣» :
لم أر مثل الفتيان فى غير ال ... أيام ينسون ما عواقبها
والمعنى: ينسون عواقبها صلة لما. وهو مما أكرهه لأن قائله يلزمه أن يقول:
«أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ» «٤» فأكرهه لذلك ولا أرده. وقد جاء، وقد وجهه بعض النحويين إلى: ينسون أي شيء «٥» عواقبها، وهو جائز، والوجه الأول أحب إلى.
والقراء لا تقرأ بكل ما يجوز فِي العربية، فلا يقبحن عندك تشنيع مشنع مما لم يقرأه القرّاء مما يجوز.
стр. 259
وقوله: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ... (١٦١)
يقرأ بعض أهل المدينة أن يغل يريدون «١» أن يخان. وقرأه أصحاب عَبْد اللَّه كذلك: أن يغل يريدون «٢» أن يسرق أو يخون. وذلك جائز وإن لم يقل: يغلل فيكون مثل «٣» قوله: فَإِنَّهُمْ لا يكذّبونك- ويُكَذِّبُونَكَ «٤» وقرأ ابن عَبَّاس وأبو عَبْد الرَّحْمَن السلمي «أن يغل» ، وذلك أنهم ظنوا يوم أحد أن لن تقسم لهم الغنائم كما فعل يوم بدر. ومعناه: أن يتهم ويقال قد غل.
وقوله: هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ... (١٦٣)
يقول: هُمْ فِي الفضل مختلفون: بعضهم أرفع من بعض.
وقوله: وَيُزَكِّيهِمْ ... (١٦٤)
: يأخذ منهم الزكاة كما قال ﵎: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها» «٥» .
وقوله: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ... (١٦٥)
يقول: تركتم ما أمرتم به وطلبتم الغنيمة، وتركتم مراكزكم، فمن قبلكم جاءكم الشر.
وقوله: قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا (١٦٧) يقول: كثروا، فإنكم إذا كثرتم دفعتم القوم بكثرتكم.
стр. 260
وقوله: بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) وقوله: فَرِحِينَ ... (١٧٠)
[لو كانت رفعا على «بل أحياء فرحون» لجاز. ونصبها على الانقطاع من الهاء فِي «ربهم» . وإن شئت يرزقون فرحين] «١» «وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ» من أخوانهم الذين يرجون لهم الشهادة للذي رأوا من ثواب اللَّه فهم يستبشرون بهم.
وقوله: أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يستبشرون لهم بأنهم لا خوف عليهم «ولا حزن» «٢» .
وقوله: وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) تقرأ بالفتح والكسر. من فتحها جعلها خفضا متبعة للنعمة. ومن كسرها استأنف. وهي قراءة عَبْد اللَّه «والله لا يضيع» فهذه حجة لمن كسر.
وقوله: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ ... (١٧٣)
و (الناس) فِي هذا الموضع واحد، وهو نعيم بْن مَسْعُود الأشجعي. بعثه أَبُو سُفْيَان وأصحابه فقالوا: شبّط محمدا- ﷺ أو خوفه حَتَّى لا يلقانا ببدر الصغرى، وكانت ميعادا بينهم «٣» يوم أحد. فأتاهم نعيم فقال: قد أتوكم فِي بلدتكم فصنعوا بكم ما صنعوا، فكيف بكم إذا وردتم عليهم فِي بلدتهم وهم أكثر وأنتم أقل؟
فأنزل اللَّه ﵎:
стр. 261
إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ ... (١٧٥)
يقول: يخوّفكم بأوليائه «فلا تخافوهم» ومثل ذلك قوله: لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ «١» معناه: لينذركم يوم التلاق. وقوله: «لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً» «٢» المعنى: لينذركم بأسا شديدا البأس لا ينذر، وإنما ينذر به.
وقوله: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ... (١٧٨)
ومن قرأ «ولا تحسبن» قال «إنما» وقد قرأها بعضهم «ولا تحسبن الذين كفرا أنما» بالتاء والفتح على التكرير: لا تحسبنهم لا تحسبن أنما نملي لهم، وهو كقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ «٣» على التكرير: هَلْ ينظرون إلا أن تأتيهم.
وقوله: مَا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ ... (١٧٩)
قال المشركون للنبي ﷺ : مالك تزعم أن الرجل منا فِي النار، فإذا صبأ إليك وأسلم قلت: هُوَ فِي الجنة، فأعلمنا من ذا يأتيك منا قبل أن يأتيك حَتَّى نعرفهم، فأنزل اللَّه ﵎: مَا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا تقولون أيها المشركون «حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ» ثُمَّ قال: لم يكن اللَّه ليعلمكم ذلك فيطلعكم على غيبه.
وقوله: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ ... (١٨٠)
[يقال «٤» : إنما «هُوَ» هاهنا عماد، فأين اسم هذا العماد؟ قيل: هُوَ مضمر، معناه: فلا يحسبن الباخلون البخل هُوَ خيرا لهم] فاكتفى بذكر يبخلون من البخل
стр. 262
كما تقول فِي الكلام: قدم فلان فسررت به، وأنت تريد: سررت بقدومه، وقال الشاعر:
إذا نهى السفيه جرى إليه ... وخالف، والسفيه إلى خلاف «١»
يريد: إلى السفه. وهو كثير فِي الكلام.
وقوله: سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ. يقال: هِيَ الزكاة، يأتي الَّذِي منعها يوم القيامة قد طوق شجاعا أقرع بفيه زبيبتان «٢» يلدع خديه، يقول: أَنَا الزكاة التي منعتني.
وقوله: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. المعنى: يميت اللَّه أهل السَّمَوَاتِ وأهل الأرض ويبقى وحده، فذلك ميراثه ﵎: أنه يبقى ويفنى كل شيء.
وقوله: سَنَكْتُبُ مَا قالُوا ... (١٨١)
وقرىء «سيكتب ما قَالُوا» قرأها حمزة اعتبارا لأنها فِي مصحف عَبْد اللَّه.
وقوله: حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ... (١٨٣)
كان هذا. والقربان نار لها حفيف وصوت شديد كانت تنزل على بعض الأنبياء.
فلما قَالُوا ذلك للنبي ﷺ قال الله ﵎ «قُلْ» يا محمد «قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ» وبالقربان الَّذِي قلتم «فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» .
стр. 263
وقوله: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ... (١٨٨)
يقول: بما فعلوا كما قال: لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا «١» وكقوله: «وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ» «٢» وفي قراءة عَبْد اللَّه «فمن «٣» أتى فاحشة فعله» . وقوله: وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا قَالُوا: نَحْنُ أهل العلم الأول والصلاة الأولى، فيقولون ذلك ولا يقرون بمحمد ﷺ ، فذلك قوله: وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا.
وقوله: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ. يقول: ببعيد من العذاب.
(قال «٤» قال الفراء: من زعم أن أو في هذه الآية على غير معنى بل فقد افترى على اللَّه لأن اللَّه ﵎ لا يشك، ومنه قول اللَّه ﵎: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ.)
وقوله: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ يقول القائل:
كيف عطف بعلي على الاسماء؟ فيقال: إنها فِي معنى الاسماء ألا ترى أن قوله:
وَعَلى جُنُوبِهِمْ: ونياما، وكذلك عطف الاسماء على مثلها فِي موضع آخر، فقال: «دعانا لجنبه» ، يقول: مضطجعا «أو قاعدا أو قائما» فلجنبه، وعلى جنبه سواء.
وقوله: يُنادِي لِلْإِيمانِ. كما قال: «الَّذِي هَدانا لِهذا» «٥» و «أَوْحى لَها» «٦» يريد إليها، وهدانا إلى هذا.
стр. 264
وقوله: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) كانت اليهود تضرب فِي الأرض فتصيب الأموال، فقال الله :
لا يغرّنك ذلك.
وقوله: مَتاعٌ قَلِيلٌ ... (١٩٧)
فِي الدنيا.
وقوله: نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ... (١٩٨)
و (ثوابا) «١» خارجان من المعنى: لهم ذلك نزلا وثوابا، مفسرا كما تقول: هُوَ لك هبةً وبيعا وصدقة.
وقوله: خاشِعِينَ لِلَّهِ ... (١٩٩)
معناه: يؤمنون به خاشعين «٢» .
وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا ... (٢٠٠)
مع نبيكم على الجهاد (وصابروا) عدوّكم فلا يكوننّ أصبر منكم.
стр. 265
ومن سورة النساء
وقوله ﵎: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ... (١)
قال (واحدة) لأن النفس مؤنثة، فقال: واحدة لتأنيث النفس، وهو [يعني] «١» آدم، ولو كانت (من نفس واحد) لكان صوابا، يذهب إلى تذكير الرجل «٢» .
وقوله: وَبَثَّ مِنْهُما العرب تقول: بث اللَّه الخلق: أي نشرهم. وقال فى موضع آخر: كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ «٣» ومن العرب من يقول: أبث اللَّه الخلق.
ويقولون: بثثتك ما فِي نفسي، وأبثثتك.
وقوله: الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ فنصب الأرحام يريد واتقوا الأرحام أن تقطعوها. قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْن عبد الله عن الأعمش عن إِبْرَاهِيم «٤» أنه خفض الأرحام، قال: هُوَ كقولهم: بالله «٥» والرحم وفيه قبح لأن العرب لا ترد مخفوضا على مخفوض وقد كنى عَنْهُ، وقد قال الشاعر «٦» فى جوازه «٧» :
стр. 266
نعلق فِي مثل السواري سُيُوفنا ... وما بينها والكَعْبِ غوط نفانف «١»
وإنما يجوز هذا فِي الشعر لضيقه.
وقرأ بعضهم «٢» تَسائَلُونَ بِهِ يريد: تتساءلون به، فأدغم التاء عند السين.
وقوله: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ... (٢)
يقول: لا تأكلوا أموال اليتامى بدل أموالكم، وأموالهم عليكم حرام، وأموالكم حلال.
وقوله: إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً الحوب: الإثم العظم. ورأيت بني أسد يقولون الحائب: القاتل، وقد حاب يحوب. وقرأ الْحَسَن (إنه كان حوبا كبيرا) وقوله: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ ... (٣)
واليتامى فِي هذا الموضع أصحاب الأموال، فيقول القائل: ما عدل الكلام من أموال اليتامى إلى النكاح؟ فيقال: إنهم تركوا مخالطة اليتامى تحرجا، فأنزل اللَّه ﵎: فإن كنتم تتحرجون من مؤاكلة اليتامى فاحرجوا «٣» من جمعكم «٤» بين النساء ثُمَّ لا تعدلون بينهن، فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ يعني الواحدة إلى الاربع.
فقال ﵎: ما طابَ لَكُمْ ولم يقل: من طاب. وذلك أنه ذهب
стр. 267
إلى الفعل «١» كما قال أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يريد: أو ملك أيمانكم. ولو قيل «٢» فِي هذين (من) كان صوابا، ولكن الوجه ما جاء به الكتاب. وأنت تقول فِي الكلام: خذ من عبيدي ما شئت، إذا أراد مشيئتك، فإن قلت: من شئت، فمعناه: خذ الَّذِي تشاء.
وأما قوله: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فإنها حروف لا تجرى «٣» . وذلك أنهن مصروفات «٤» عن جهاتهن ألا ترى أنهن للثلاث والثلاثة، وأنهن لا يضفن إلى ما يضاف إليه الثلاثة والثلاث. فكان لا متناعه من الإضافة كأن فِيهِ الألف واللام.
وامتنع من الألف واللام لأن فِيهِ تأويل الإضافة كما كان بناء الثلاثة أن تضاف إلى جنسها، فيقال: ثلاث نسوة، وثلاثة رجال. وربما جعلوا مكان ثلاث ورباع مثلث ومربع، فلا يجرى أيضا كما لم يجر ثلاث ورباع لأنه مصروف، فِيهِ من العلة ما فِي ثلاث ورباع. ومن جعلها نكرة وذهب بها إلى الاسماء أجراها.
والعرب تقول: ادخلوا ثلاث ثلاث، وثلاثا ثلاثا «٥» . وقال الشاعر:
[وإن الغلام المستهام بذكره] ... قتلنا به من بين مثنى وموحد
بأربعةٍ منكم وآخر خامسٍ ... وسادٍ مع الإظلام فِي رمح معبد «٦»
стр. 268
فوجه الكلام ألا تجرى وأن تجعل معرفة لأنها مصروفة، والمصروف خلقته أن يترك «١» على هيئته، مثل: لكع «٢» ولكاع. وكذلك قوله: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ «٣» .
والواحد يقال فِيهِ موحد وأحاد ووحاد، ومثنى وثناء وأنشد بعضهم:
ترى النعرات الزرق تحت لبانه ... أحاد ومثنى أصعقتها صواهله «٤»
وقوله: فَواحِدَةً تنصب على: فإن خفتم ألّا تعدلوا على الاربع فِي الحب والجماع فانكحوا واحدة أو ما ملكت أيمانكم لا وقت «٥» عليكم فِيهِ. ولو قال: فواحدة، بالرفع كان «٦» كما قال فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ كان صوابا على قولك:
فواحدة (مقنع «٧» ، فواحدة) رضا.
وقوله: ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا: ألا تميلوا. وهو أيضا فِي كلام العرب:
قد عال يعول. وفي قراءة عَبْد اللَّه: (ولا يعل أن يأتيني بهم جميعا) «٨» كأنه فى المعنى:
ولا يشقّ عليه أن يأتيني بهم جميعا. والفقر يقال منه عال يعيل عيله وقال الشاعر «٩» :
ولا يدري الفقير مَتَى غناه ... ولا يدري الغنى مَتَى يعيل
стр. 269
وقوله: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً (٤) يعني أولياء النساء لا الأزواج: وذلك أنهم كانوا فِي الجاهلية لا يعطون النساء من مهورهن شيئًا، فأنزل اللَّه تعالى: أعطوهن صدقاتهن نحلة، يقول: هبة وعطية.
وقوله: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً. ولم يقل طبن. وذلك «١» أن المعنى- والله أعلم-: فإن طابت أنفسهن لكم عن شيء. فنقل الفعل من الأنفس إليهن فخرجت النفس مفسّرة كما قالوا: أنت حسن وجها، والفعل في الاصل للوجه، فلما حول إلى صاحب الوجه خرج الوجه مفسرا لموقع الفعل. ولذلك وحد النفس. ولو جمعت لكان صوابا ومثله ضاق به ذراعي «٢» ، ثُمَّ تحول الفعل من الذراع إليك: فتقول «٣» قررت به عينا. قال اللَّه ﵎: فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً «٤» . وقال: سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً «٥» وقال الشاعر «٦» :
إذا التياز ذو العضلات قُلْنَا ... إليك إليك ضاق بها ذراعا «٧»
وإنما قيل: ذرعا وذراعا لأن المصدر والاسم فِي هذا الموضع يدلان على معنى واحد، فلذلك كفى المصدر من الاسم.
وقوله: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ... (٥)
السفهاء: النساء والصبيان الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً يقول التي بها تقومون قواما وقياما. وقرأ نافع الْمَدَنِيّ (قيما) والمعنى- والله أعلم- واحد.
стр. 270
والعرب تقول فِي جمع النساء (اللاتي) أكثر مما يقولون (التي) ، ويقولون (التي) ، ويقولون فِي جمع الأموال وسائر الأشياء سوى النساء (التي) أكثر مما يقولون فِيهِ «١» (اللاتي) .
وقوله: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً (٦) يريد: فإن وجدتم. وفي قراءة عَبْد اللَّه «فإن أحستم «٢» منهم رشدا» .
فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ يعني الأوصياء واليتامى.
وقوله: وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا (أن) فِي موضع نصب. يقول: لا تبادروا كبرهم.
وقوله: فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ هذا الوصى. يقول: يأكل قرضا.
وقوله: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ (٧) ثُمَّ قال اللَّه ﵎: نَصِيباً مَفْرُوضاً. وإنما نصب النصيب المفروض وهو نعت للنكرة لأنه أَخْرَجَهُ مخرج المصدر. ولو كان اسما صحيحا لم ينصب. ولكنه بمنزلة قولك: لك على حق حقا، ولا تقول: لك على حق درهما. ومثله عندي درهمان هبةً مقبوضة. فالمفروض فِي هذا الموضع بمنزلة قولك:
فريضة وفرضا.
وقوله: يُورَثُ كَلالَةً (١٢) الكلالة: ما خلا الولد والوالد.
وقوله: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ولم يقل: ولهما وهذا جائز إذا جاء حرفان فِي معنى «٣» واحد بأو أسندت التفسير إلى أيهما شئت. وإن شئت ذكرتهما فِيهِ
стр. 271
جميعا تقول فِي الكلام: من كان له أخ أو أخت فليصله، تذهب إلى الأخ (و) «١» فليصلها، تذهب إلى الأخت. وإن قلت (فليصلهما) فذلك جائز.
وفى قراءتنا إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما «٢» وفى إحدى «٣» القراءتين فالله أولى بهم ذهب إلى الجماع لانهما اثنان غير موقتين. وفي قراءة عَبْد اللَّه (والذين «٤» يفعلون منكم فاذوهما) فذهب إلى الجمع لانهما اثنان غير موقتين، وكذلك فِي قراءته:
(والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما) «٥» .
وقوله: غَيْرَ مُضَارٍّ يقول: يوصى بذلك غير مضار.
ونصب قوله وصية من قوله: فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ- وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ مثل قولك: لك درهمان نفقةً إلى أهلك، وهو مثل قوله نَصِيباً مَفْرُوضاً.
وقوله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ... (١٣)
معناه: هذه حدود اللَّه.
وقوله: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ ... (١٥)
وفي قراءة عَبْد اللَّه واللاتي يأتين بالفاحشة والعرب تقول: أتيت أمرا عظيما، وأتيت بأمر عظيم، وتكلمت كلاما قبيحًا، وبكلام قبيح. وقال فِي مريم لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا «٦» وجِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا «٧» ولو كانت فِيه الباء لكان صوابًا.
وقوله: فأمسكوهن فى البيوت كن يحبسن فِي بيوت لهن إذا أتين «٨» الفاحشة حتى أنزل الله ﵎:
стр. 272
قوله: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما.. (١٦)
فنسخت هذه الأولى.
وقوله: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ... (١٧)
يقول: قبل الموت. فمن تاب فِي صحته أو فِي مرضه قبل أن ينزل به الموت فتوبته مقبولة.
وقوله: يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ لا يجهلون أنه ذنب، ولكن لا يعلمون كنه ما فِيهِ كعلم العالم.
وقوله: وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ... (١٨)
(الذين) فِي موضع خفض. يقول: إن أسلم الكافر فِي مرضه قبل أن ينزل به الموت كان مقبولا، فإذا نزل به الموت فلا توبة.
وقوله: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً ... (١٩)
كان الرجل إذا مات عن امرأته وله ولد من غيرها وثب الولد فألقى ثوبه عليها، فتزوجها بغير مهر إلا مهر الأول، ثم أضرّ بها ليرثها ما ورثت من أَبِيهِ، فأنزل اللَّه ﵎ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ (تعضلوهن) فِي موضع نصب بأن. وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه (ولا أن تعضلوهن) ولو كانت جزما على النهى كان صوابا.
وقوله: وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ ... (٢١)
الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها.
وقوله مِيثاقاً غَلِيظاً الغليظ الذي أخذنه قوله ﵎ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ.
стр. 273
وقوله: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ... (٢٣)
أن فِي موضع رفع كقولك: والجمع بين الأختين.
وقوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ ... (٢٤)
المحصنات: العفائف. والمحصنات: ذوات الأزواج التي أحصنهن أزواجهن.
والنصب «١» فِي المحصنات أكثر. وقد روى علقمة «٢» : «المحصنات» بالكسر فِي القرآن كله إلا قوله وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ هذا الحرف الواحد لأنها ذات الزوج من سبايا المشركين. يقول: إذا كان لها فى زوج فِي أرضها استبرأتها بحيضة وحلت لك «٣» .
وقوله كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ كقولك «٤» : كتابا من اللَّه عليكم. وقد قَالَ بعض أهل النحو: معناه «٥» : عليكم كتاب اللَّه. والأول أشبه بالصواب. وقلما تقول العرب:
زيدا عليك، أو زيدا دونك. وهو جائز كأنه منصوب بشيء مضمر قبله، وقال الشاعر «٦» :
يا أيّها المائح دلوى دونكا ... إني رَأَيْت الناس يحمدونكا «٧»
الدلو رفع، كقولك: زَيْدُ فاضربوه. والعرب تقول: الليل فبادروا، والليل فبادروا. وتنصب الدلو بمضمر فِي الخلفة كأنك قلت: دونك دلوى دونك.
стр. 274
وقوله: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ يقول: ما سوى ذلكم.
وقوله: وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ «١» يريد: سواه.
وقوله: أَنْ تَبْتَغُوا يكون موضعها رفعا يكون تفسيرا ل (ما) ، وإن شئت كانت خفضا، يريد: أحل الله لكم ماوراء ذلكم لأن تبتغوا. وإذا فقدت الخافض كانت نصبا.
وقوله: مُحْصِنِينَ يقول: أن تبتغوا الحلال غير الزنا. والمسافحة الزنا.
وقوله: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ ... (٢٥)
يقول: إنما يرخص لكم فِي تزويج الإماء إذا خاف أحدكم أن يفجر. ثُمَّ قَالَ:
وأن تتركوا تزويجهن أفضل.
وقوله: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ... (٢٦)
وقال فِي موضع آخر وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ والعرب تجعل اللام التي على معنى كي فِي موضع أن فِي أردت وأمرت. فتقول: أردت أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك أن تقوم، وأمرتك لتقوم قال اللَّه ﵎ وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ «٢» وقال فِي موضع آخر قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ «٣» وقال يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا «٤» وأَنْ يُطْفِؤُا «٥» وإنما صلحت اللام فِي موضع أن فِي (أمرتك) «٦» وأردت لانهما يطلبان المستقبل ولا يصلحان مع الماضي ألا ترى أنك تقول: أمرتك أن تقوم، ولا يصلح أمرتك أن قمت. فلما رأوا (أن) فى غير
стр. 275
هذين تكون للماضي والمستقبل استوثقوا لمعنى الاستقبال بكى وباللام التي فِي معنى كي. وربما جمعوا «١» بين ثلاثهن أنشدني أَبُو ثروان:
أردت لكيما لا ترى لي عثرة ... ومن ذا الَّذِي يعطي الكمال فيكمل «٢»
فجمع (بين «٣» اللام وبين كي) وقال اللَّه ﵎: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ «٤» وقال الآخر فِي الجمع بينهن:
أردت لكيما أن تطير بقربتى ... فتتركها شنّا ببيداء بلقع «٥»
وإنما جمعوا بينهنّ لا تفاقهن فِي المعنى واختلاف لفظهن كما قال رؤبة:
بغير لا عصفٍ ولا اصطراف «٦» وربما جمعوا بين ما ولا وإن التي على معنى الجحد أنشدني الكسائي فِي بعض البيوت: (لا ما إن رَأَيْت مثلك) فجمع بين ثلاثة أحرف.
وربما جعلت العرب اللام مكان (أن) فيما أشبه (أردت وأمرت) مما يطلب المستقبل أنشدني الأنفى»
من بني أنف الناقة من بنى سعد:
стр. 276
ألم تسأل الأنفى يوم يسوقني ... ويزعم أني مبطل القول كاذبه
أحاول إعناتي بما قال أم رجا ... ليضحك مني أو ليضحك صاحبه
والكلام: رجا أن يضحك مني. ولا يجوز: ظننت لتقوم. وذلك أن (أن) التي تدخل مع الظن تكون مع الماضي من الفعل. فتقول: أظن (أن قد) «١» قام زَيْدُ، ومع المستقبل، فتقول: أظن أن سيقوم زَيْدُ، ومع الاسماء فتقول: أظن أنك قائم. فلم تجعل اللام فِي موضعها ولا كي فِي موضعها إذ لم تطلب المستقبل وحده.
وكلما رَأَيْت (أن) تصلح مع المستقبل والماضي فلا تدخلن عليها كي ولا اللام.
وقوله: فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً ... (٣٠)
وتقرأ: نصليه «٢» ، وهما لغتان، وقد قرئتا، من صليت وأصليت. وكأن صليت: تصليه على النار، وكأن أصليت: جعلته يصلاها.
وقوله: وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (٣١) ومدخلا «٣» ، وكذلك: أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ «٤» وإدخال صدق. ومن قال: مدخلا ومخرجا ومنزلا فكأنه بناه «٥» على: أدخلنى دخول صدق
стр. 277
وأخرجني خروج صدق. وقد يكون إذا كان مفتوحا أن يراد به المنزل بعينه كما قال: رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً «١» ولو فتحت الميم كانت كالدار والبيت. وربما فتحت العرب الميم منه، ولا يقال فِي الفعل منه إلا أفعلت. من ذلك قوله:
بمصبح الحمد وحيث يمسى «٢» وقال الآخر «٣» :
الحمد لله ممسانا ومصبحنا ... بالخير صبحنا ربي ومسانا
وأنشدني المفضل.
وأعددت للحرب وثابة ... جواد المحثة والمرود «٤»
فهذا مما لا يبنى على فعلت، وإنما يبنى على أرودت. فلما ظهرت الواو فِي المرود «٥» ظهرت فى المرود كما قَالُوا: مصبح وبناؤه أصبحت لا غير.
وقوله: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ (٣٢) ليس هذا بنهي محرم إنما هُوَ من اللَّه أدب. وإنما قَالَتْ أم سلمة وغيرها:
ليتنا كُنَّا رجالا فجاهدنا وغزونا وكان لنا مثل أجر الرجال، فأنزل اللَّه ﵎
стр. 278
وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ وقد جاء «١» : لا يتمنين أحدكم مال أخيه، ولكن ليقل:
اللهم ارزقني، اللهم أعطني.
وقوله: فَالصَّالِحاتُ (٣٤) وفي قراءة عَبْد اللَّه فالصوالح قوانت «٢» تصلح فواعل وفاعلات فِي جمع فاعلة.
وقوله: بِما حَفِظَ اللَّهُ القراءة بالرفع. ومعناه: حافظات لغيب أزواجهن بما حفظهن اللَّه حين أوصى بهن الأزواج. وبعضهم يقرأ بِما حَفِظَ اللَّهُ فنصبه على أن يجعل الفعل واقعا كأنك قلت: حافظات للغيب بالذي يحفظ اللَّه كما تقول: بما أرضى اللَّه، فتجعل الفعل لما، فيكون فِي مذهب مصدر. ولست أشتهيه لأنه ليس بفعل لفاعل معروف، وإنما هُوَ كالمصدر.
وقوله: فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا يقول: لا تبغوا عليهن عللا.
وقوله: وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ جاء التفسير أن معنى تخافون: تعلمون.
وهي كالظن لأن الظان كالشاك والخائف قد يرجو. فلذلك ضارع الخوف الظن والعلم ألا ترى أنك تقول للخبر يبلغك: أما والله لقد خفت ذاك، وتقول: ظننت ذلك، فيكون معناهما واحدا. ولذلك قال الشاعر:
ولا تدفننّى بالفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها «٣»
وقال الآخر:
أتاني كلام عن نصيب يقوله ... وما خفت يا سلام أنك عائبى
стр. 279
كأنه قال: وما ظننت أنك عائبي. ونقلنا فِي الحديث أن رسول اللَّه ﷺ قال: أمرت بالسواك حَتَّى خفت لأدردن. كقولك: حَتَّى ظننت لأدردن «١» .
وقوله: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها (٣٥) يقول: حكما من أهل الرجل وحكما من أهل المرأة ليعلما من أيهما جاء النشوز.
فينبغي للحكم «٢» أن يأتي الرجل فينتظر ما عنده هَلْ يهوى المرأة، فإن قال: لا والله مالي فِيها حاجة، علم أن النشوز جاء من قبله. ويقول حكم المرأة لها مثل ذلك، ثُمَّ يعلماهما «٣» جميعا على قدر ذلك، فيأتيا الزوج فيقولا: أنت ظالم أنت ظالم اتق اللَّه، إن «٤» كان ظالما. فذلك قوله إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إذا فعلا هذا الفعل.
وقوله: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً (٣٦) أمرهم بالإحسان إلى الوالدين. ومثله وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً «٥» ولو رفع الإحسان «٦» بالباء «٧» إذ لم يظهر الفعل كان صوابا كما- تقول فِي الكلام: أحسن إلى أخيك، وإلى المسيء الإساءة.
стр. 280
وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى بالخفض. وفي بعض (مصاحف «١» أهل الكوفة وعتق المصاحف) ذا القربى مكتوبة بالألف. فينبغي لمن قرأها على الألف أن ينصب والجار ذا القربى فيكون مثل قوله حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى يضمر «٢» فعلا يكون النصب به.
وَالْجارِ الْجُنُبِ: الجار الَّذِي ليس بينك وبينه قرابه وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ:
الرفيق وَابْنِ السَّبِيلِ: الضيف.
وقوله: فَساءَ قَرِيناً (٣٨) بمنزلة قولك: نعم رجلا، وبئس رجلا. وكذلك وَساءَتْ مَصِيراً «٣» وكَبُرَ مَقْتاً «٤» وبناء نعم وبئس ونحوهما أن ينصبا ما وليهما من النكرات، وإن يرفعا ما يليهما من معرفة غير موقتة وما أضيف إلى تلك المعرفة. وما أضيف إلى نكرة كان فِيهِ الرفع والنصب.
فإذا مضى الكلام بمذكر قد جعل خبره مؤنثا مثل: الدار منزل صدق، قلت:
نعمت منزلا، كما قال (وَسَاءَتْ مصيرا) «٥» وقال حَسُنَتْ مُرْتَفَقاً «٦» ولو قيل:
وساء مصيرا، وحسن مرتفقا، لكان صوابا كما تقول: بئس المنزل النار، ونعم المنزل الجنة. فالتذكير والتأنيث على هذا ويجوز: نعمت المنزل دارك، وتؤنث فعل المنزل لما كان وصفا للدار. وكذلك تقول: نعم الدار منزلك، فتذكر فعل الدار إذ كانت وصفا للمنزل. وقال ذو الرمّة:
стр. 281
أو حرّة عيطل ثبجاء مجفرة ... دعائم الزور نعمت زورق البلد «١»
ويجوز أن تذكر الرجلين فتقول بئسا رجلين، وبئس رجلين، وللقوم: نعم قوما ونعموا قوما. وكذلك الجمع من «٢» المؤنث. وإنما وحدوا الفعل وقد جاء بعد الاسماء لأن بئس ونعم دلالة على مدح أو ذم لم يرد منهما مذهب الفعل، مثل قاما وقعدا.
فهذا فِي بئس ونعم مطرد كثير. وربما قيل فِي غيرهما مما هُوَ فِي معنى بئس ونعم.
وقال بعض العرب: قلت أبياتا جاد أبياتا، فوحد فعل البيوت. وكان الكسائي يقول: أضمر «٣» حاد بهن أبياتا، وليس هاهنا مضمر إنما هُوَ الفعل وما فِيهِ.
وقوله: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً «٤» إنما وحد الرفيق وهو صفة لجمع لأن الرفيق والبريد والرسول تذهب به العرب إلى الواحد وإلى الجمع. فلذلك قَالَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ولا يجوز فِي مثله من الكلام أن تقول: حسن أولئك رَجُلا، ولا قبح أولئك رجلا، إنما يجوز أن توحد صفة الجمع إذا كان اسما مأخوذا من فعل ولم يكن اسما مصرحا مثل رَجُل وامرأة، ألا ترى أن الشاعر قال:
وإذا هُمُ طَعِمُوا فَأَلامُ طاعِمٍ ... وإذا هُمُ جاعوا فشرّ جياع «٥»
стр. 282
وقوله: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ «١» كذلك، وقد رفعها بعضهم ولم يجعل قبلها ضميرا تكون الكلمة خارجة من ذلك المضمر. فإذا نصبت فهي «٢» خارجة من قوله وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً أي كبرت هذه كلمة.
وقوله: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ... (٤٠)
ينصب الحسنة ويضمر فِي (تك) اسم مرفوع. وإن شئت رفعت «٣» الحسنة ولم تضمر شيئًا. وهو مثل قوله وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ «٤»
وقوله: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ ... (٤٢)
(وتسوى) «٥» ومعناه: لو يسوون بالتراب. وإنما تمنوا ذلك لأن الوحوش وسائر الدواب يوم القيامة يقال لها «٦» : كوني ترابا، ثُمَّ يحيا أهل الجنة، فإذا رَأَى ذلك الكافرون «٧» قال بعضهم لبعض: تعالوا فلنقل إذا سئلنا: والله ما كُنَّا مشركين،
стр. 283
فإذا سئلوا فقالوها «١» ختم على أفواههم وأذن لجوارحهم فشهدت عليهم. فهنالك يودون أنهم كانوا ترابا ولم يكتموا اللَّه حديثا. فكتمان الحديث هاهنا فِي التمني «٢» .
ويقال: إنما المعنى: يومئذ «٣» لا يكتمون اللَّه حديثا ويودون لو تسوى بهم الأرض.
وقوله: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ... (٤٣)
نزلت فِي نفر من أصحاب مُحَمَّد ﷺ شربوا وحضروا الصلاة مع رسول اللَّه ﷺ قبل تحريم الخمر. فأنزل اللَّه ﵎ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ مع رسول اللَّه ﷺ ، ولكن صلوها فِي رحالكم.
ثُمَّ قال وَلا جُنُباً أي لا تقربوها جنبا حَتَّى تَغْتَسِلُوا.
ثم استثنى فقال إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ يقول: إلا أن تكونوا مسافرين لا تقدرون على الماء ثم قال فَتَيَمَّمُوا والتيمم: أن تقصد الصعد الطيب حيث كان. وليس التيمم إلا ضربة للوجه وضربة لليدين للجنب وغير الجنب.
وقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا ... (٤٤)
أَلَمْ تَرَ فِي عامة القرآن: ألم تخبر. وقد يكون فى العربية: أما ترى، أما تعلم.
стр. 284
وقوله: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ ... (٤٦)
إن شئت جعلتها متصلة بقوله (أَلَمْ تَرَ إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، من الذين هادوا يحرفون الكلم) وإن شئت كانت «١» منقطعة منها مستأنفة، ويكون المعنى: من الذين هادوا من يحرفون الكلم. وذلك من كلام العرب: أن يضمروا (من) فى مبتدأ الكلام. فيقولون: منا يقول ذلك، ومنا لا يقوله. وذلك أن (من) بعض لما هِيَ منه، فلذلك أدت عن المعنى المتروك قال اللَّه ﵎:
وَما «٢» مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وقال وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها «٣» وقال ذو الرمة:
فظلوا ومنهم دمعه سابق له ... وآخر يثنى دمعة العين بالهمل «٤»
يريد: منهم من دمعه سابق. ولا يجوز إضمار (من) فِي شيء من الصفات إلا على المعنى «٥» الَّذِي نبأتك به، وقد قالها الشاعر فِي (فِي) ولست أشتهيها، قال «٦» :
لو قلت ما فِي قومها لم تأثم ... يفضلها فِي حسب وميسم «٧»
ويروى أيضا (تيثم) لغة. وإنما جاز ذلك فِي (فِي) لأنك تجد معنى (من) أنه بعض ما أضيفت إليه ألا ترى أنك تقول فينا صالحون وفينا دون ذلك، فكأنك قلت: منا، ولا يجوز أن تقول: فِي الدار يقول ذلك وأنت تريد فِي الدار من يقول ذلك، إنما يجوز إذا أضفت (فى) إلى جنس المتروك.
стр. 285
وقوله: لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ يعنى: ويقولون (وراعنا) يوجهونها إلى شتم مُحَمَّد ﷺ . فذلك اللي.
وقوله: (وأقوم) أي أعدل.
وقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها ... (٤٧)
فِيهِ قولان أحدهما: أن يحول الوجه إلى القفا، والآخر: أن يجعل الوجه منبتا للشعر كما كان وجه القرد كذلك. فهو رده على دبره لأن منابت شعر الآدميين فِي أدبارهم، (وهذا) «١» أشبه بالصواب لقوله أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ يقول: أو نسلخهم «٢» قردة.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ... (٤٨)
فإن شئت جعلتها «٣» فِي مذهب خفض ثُمَّ تلقى الخافض فتنصبها يكون فِي مذهب جزاء كأنك قلت: إن اللَّه لا يغفر ذنبا مع شرك ولا عن شرك.
وقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ... (٤٩)
جاءت اليهود بأولادها إلى النَّبِيّ ﷺ فقالوا «٤» : هَلْ لهؤلاء ذنوب؟
قال: لا، قَالُوا: فإنا مثلهم ما عملناه بالليل كفّر عنا بالنهار، وما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل. فذلك تزكيتهم أنفسهم.