← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23634

معاني القرآن للفراء

يحيى بن زياد الفراء

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أو حرّة عيطل ثبجاء مجفرة ... دعائم الزور نعمت زورق البلد «١» ويجوز أن تذكر الرجلين فتقول بئسا رجلين، وبئس رجلين، وللقوم: نعم قوما ونعموا قوما. وكذلك الجمع من «٢» المؤنث. وإنما وحدوا الفعل وقد جاء بعد الاسماء لأن بئس ونعم دلالة على مدح أو ذم لم يرد منهما مذهب الفعل، مثل قاما وقعدا. فهذا فِي بئس ونعم مطرد كثير. وربما قيل فِي غيرهما مما هُوَ فِي معنى بئس ونعم. وقال بعض العرب: قلت أبياتا جاد أبياتا، فوحد فعل البيوت. وكان الكسائي يقول: أضمر «٣» حاد بهن أبياتا، وليس هاهنا مضمر إنما هُوَ الفعل وما فِيهِ. وقوله: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً «٤» إنما وحد الرفيق وهو صفة لجمع لأن الرفيق والبريد والرسول تذهب به العرب إلى الواحد وإلى الجمع. فلذلك قَالَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ولا يجوز فِي مثله من الكلام أن تقول: حسن أولئك رَجُلا، ولا قبح أولئك رجلا، إنما يجوز أن توحد صفة الجمع إذا كان اسما مأخوذا من فعل ولم يكن اسما مصرحا مثل رَجُل وامرأة، ألا ترى أن الشاعر قال: وإذا هُمُ طَعِمُوا فَأَلامُ طاعِمٍ ... وإذا هُمُ جاعوا فشرّ جياع «٥»

стр. 282

وقوله: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ «١» كذلك، وقد رفعها بعضهم ولم يجعل قبلها ضميرا تكون الكلمة خارجة من ذلك المضمر. فإذا نصبت فهي «٢» خارجة من قوله وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً أي كبرت هذه كلمة. وقوله: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ... (٤٠) ينصب الحسنة ويضمر فِي (تك) اسم مرفوع. وإن شئت رفعت «٣» الحسنة ولم تضمر شيئًا. وهو مثل قوله وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ «٤» وقوله: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ ... (٤٢) (وتسوى) «٥» ومعناه: لو يسوون بالتراب. وإنما تمنوا ذلك لأن الوحوش وسائر الدواب يوم القيامة يقال لها «٦» : كوني ترابا، ثُمَّ يحيا أهل الجنة، فإذا رَأَى ذلك الكافرون «٧» قال بعضهم لبعض: تعالوا فلنقل إذا سئلنا: والله ما كُنَّا مشركين،

стр. 283

فإذا سئلوا فقالوها «١» ختم على أفواههم وأذن لجوارحهم فشهدت عليهم. فهنالك يودون أنهم كانوا ترابا ولم يكتموا اللَّه حديثا. فكتمان الحديث هاهنا فِي التمني «٢» . ويقال: إنما المعنى: يومئذ «٣» لا يكتمون اللَّه حديثا ويودون لو تسوى بهم الأرض. وقوله: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ... (٤٣) نزلت فِي نفر من أصحاب مُحَمَّد ﷺ شربوا وحضروا الصلاة مع رسول اللَّه ﷺ قبل تحريم الخمر. فأنزل اللَّه ﵎ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ مع رسول اللَّه ﷺ ، ولكن صلوها فِي رحالكم. ثُمَّ قال وَلا جُنُباً أي لا تقربوها جنبا حَتَّى تَغْتَسِلُوا. ثم استثنى فقال إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ يقول: إلا أن تكونوا مسافرين لا تقدرون على الماء ثم قال فَتَيَمَّمُوا والتيمم: أن تقصد الصعد الطيب حيث كان. وليس التيمم إلا ضربة للوجه وضربة لليدين للجنب وغير الجنب. وقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا ... (٤٤) أَلَمْ تَرَ فِي عامة القرآن: ألم تخبر. وقد يكون فى العربية: أما ترى، أما تعلم.

стр. 284

وقوله: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ ... (٤٦) إن شئت جعلتها متصلة بقوله (أَلَمْ تَرَ إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، من الذين هادوا يحرفون الكلم) وإن شئت كانت «١» منقطعة منها مستأنفة، ويكون المعنى: من الذين هادوا من يحرفون الكلم. وذلك من كلام العرب: أن يضمروا (من) فى مبتدأ الكلام. فيقولون: منا يقول ذلك، ومنا لا يقوله. وذلك أن (من) بعض لما هِيَ منه، فلذلك أدت عن المعنى المتروك قال اللَّه ﵎: وَما «٢» مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وقال وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها «٣» وقال ذو الرمة: فظلوا ومنهم دمعه سابق له ... وآخر يثنى دمعة العين بالهمل «٤» يريد: منهم من دمعه سابق. ولا يجوز إضمار (من) فِي شيء من الصفات إلا على المعنى «٥» الَّذِي نبأتك به، وقد قالها الشاعر فِي (فِي) ولست أشتهيها، قال «٦» : لو قلت ما فِي قومها لم تأثم ... يفضلها فِي حسب وميسم «٧» ويروى أيضا (تيثم) لغة. وإنما جاز ذلك فِي (فِي) لأنك تجد معنى (من) أنه بعض ما أضيفت إليه ألا ترى أنك تقول فينا صالحون وفينا دون ذلك، فكأنك قلت: منا، ولا يجوز أن تقول: فِي الدار يقول ذلك وأنت تريد فِي الدار من يقول ذلك، إنما يجوز إذا أضفت (فى) إلى جنس المتروك.

стр. 285

وقوله: لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ يعنى: ويقولون (وراعنا) يوجهونها إلى شتم مُحَمَّد ﷺ . فذلك اللي. وقوله: (وأقوم) أي أعدل. وقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها ... (٤٧) فِيهِ قولان أحدهما: أن يحول الوجه إلى القفا، والآخر: أن يجعل الوجه منبتا للشعر كما كان وجه القرد كذلك. فهو رده على دبره لأن منابت شعر الآدميين فِي أدبارهم، (وهذا) «١» أشبه بالصواب لقوله أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ يقول: أو نسلخهم «٢» قردة. وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ... (٤٨) فإن شئت جعلتها «٣» فِي مذهب خفض ثُمَّ تلقى الخافض فتنصبها يكون فِي مذهب جزاء كأنك قلت: إن اللَّه لا يغفر ذنبا مع شرك ولا عن شرك. وقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ... (٤٩) جاءت اليهود بأولادها إلى النَّبِيّ ﷺ فقالوا «٤» : هَلْ لهؤلاء ذنوب؟ قال: لا، قَالُوا: فإنا مثلهم ما عملناه بالليل كفّر عنا بالنهار، وما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل. فذلك تزكيتهم أنفسهم.

стр. 286

وقوله: وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا الفتيل هُوَ ما فتلت بين إصبعيك من الوسخ، ويقال: هُوَ الَّذِي فِي بطن النواة. وقوله: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ... (٥١) فأما الجبت فحيي بْن أخطب. والطاغوت كعب بْن الاشرف. وقوله: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣) النقير: النقطة فِي ظهر النواة. و (إذًا) إذا استؤنف بها الكلام نصبت الفعل الَّذِي فِي أوله الياء أو التاء أو النون أو الألف فيقال: إذا أضربك، إذًا أجزيك. فإذا كان فيها فاء أو واو أو ثُمَّ أو (أو) حرف من حروف النسق، فإن شئت كان معناها معنى الاستئناف فنصبت بها أيضا. وإن شئت جعلت الفاء أو الواو إذا كانتا منها منقولتين «١» عَنْهَا إلى غيرها. والمعنى فى قوله (وإذا لا يؤتون) على: فلا يؤتون الناس نقيرا إذًا. ويدلك على ذلك أنه فِي المعنى- والله أعلم- جواب لجزاء مضمر، كأنك قلت: ولئن كان لهم، أو ولو كان لهم نصيب لا يؤتون الناس إذا نقيرا. وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه منصوبة فإذا لا يؤتوا الناس نقيرا وإذا رَأَيْت الكلام تاما مثل قولك: هَلْ أنت قائم؟ ثم قلت: فإذا أضربك، نصبت بإذًا ونصبت بجواب الفاء ونويت النقل. وكذلك الأمر والنهي يصلح فِي إذًا وجهان: النصب بها ونقلها «٢» . ولو شئت رفعت بالفعل إذا نويت النقل فقلت:

стр. 287

إيته فإذا يكرمك، تريد فهو يكرمك إذا، ولا تجعلها جوابها. وإذا كان قبلها جزاء وهي له جواب قلت: إن تأتني إذا أكرمك. وإن شئت: إذا أكرمك وأكرمك فمن جزم أراد أكرمك إذا. ومن نصب نوى فِي إذا فاء تكون جوابا فنصب الفعل بإذا. ومن رفع جعل إذا منقولة إلى آخر الكلام كأنه قال: فأكرمك إذا «١» . وإذا رَأَيْت فِي جواب إذًا اللام فقد أضمرت لها (لئن) أو يمينا أو (لو) . من ذلك قوله مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ «٢» والمعنى- والله أعلم-: لو كان [معه] «٣» فيهما إله لذهب كل إله بما خلق. ومثله وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ، وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا «٤» ومعناه: لو فعلت لا تخذوك. وكذلك قوله كِدْتَ تَرْكَنُ «٥» ثم قال: إِذاً لَأَذَقْناكَ، معناه لو ركنت لأذقناك إذًا. وإذا أوقعت (إذًا) على يفعل وقبله اسم بطلت فلم تنصب فقلت: إنا إذا أضربك. وإذا كانت فِي أول الكلام (إن) نصبت يفعل ورفعت فقلت: إنى إذا أو ذيك. والرفع جائز أنشدني بعض العرب: لا تَترُكنِّي فِيهم شطيرًا ... إني إذًا أهلِكَ أو أطيرا «٦»

стр. 288

وقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ... (٥٤) هذه اليهود حسدت النَّبِيّ ﷺ كثرة النساء، فقالوا: هذا يزعم أنه نبىّ وليس له هُمْ إلا النساء. فأنزل اللَّه ﵎ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وفي آل إِبْرَاهِيم سُلَيْمَان بْن دَاوُد، وكان له تسعمائة امْرَأَة، ولداود مائة امْرَأَة. فلما تليت عليهم هذه الآية كذب بعضهم وصدق بعضهم. وهو قوله: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ ... (٥٥) بالنبأ عن سُلَيْمَان وداود وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ بالتكذيب والإعراض. وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً ... (٧١) يقول: عصبًا «١» . يقول إذا دعيتم إلى السرايا، أو دعيتم لتنفروا جميعًا. وقوله: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ... (٧٢) اللام التي فى (من) دخلت لمكان (إن) كما تقول: إن فيها لأخاك. ودخلت اللام فى (ليبطّئنّ) وهي صلة لمن على إضمار شبيه باليمين كما تقول فِي الكلام: هذا الَّذِي ليقومن، وأرى رجلا ليفعلن ما يريد. واللام فِي النكرات إذا وصلت أسهل دخولا منها فِي من وما والَّذِي لأن الوقوف عليهن لا يمكن.

стр. 289

والمذهب فِي الرجل والذي واحد إذا احتاجا إلى صلة. وقوله: وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ «١» من ذلك، دخلت اللام فِي (ما) لمكان إن، ودخلت فِي الصلة كما دخلت فِي ليبطئن. ولا يجوز ذلك فِي عَبْد اللَّه، وزيد أن تقول: إن أخاك ليقومن لأن الأخ وزيدا لا يحتاجان إلى صلة، ولا تصلح اللام أن تدخل فِي خبرهما وهو متأخر لأن اليمين إذا وقعت بين الاسم والخبر بطل جوابها كما تقول: زَيْدُ والله يكرمك، ولا تقول زَيْدُ والله ليكرمك. وقوله: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ... (٧٣) العرب تنصب ما أجابت بالفاء فِي ليت لأنها تمن، وفي التمني معنى يسرني أن تفعل فأفعل. فهذا نصب كأنه منسوق كقولك فِي الكلام: وددت أن أقوم فيتبعني الناس. وجواب صحيح يكون لجحد ينوى فِي التمني لأن ما تمنى مما قد مضى فكأنه مجحود ألا ترى أن قوله يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فالمعنى: اكن معهم فأفوز. وقوله فِي الأنعام يَا لَيْتَنا» نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ هِيَ فِي قراءة عَبْد اللَّه بالفاء نرد فلا نكذب بآيات ربنا فمن قرأها كذلك جاز النصب على الجواب، والرفع على الاستئناف «٣» ، أي فلسنا نكذب. وفي قراءتنا بالواو. فالرفع فِي قراءتنا أجود من النصب، والنصب «٤» جائز على الصرف كقولك: لا يسعنى شىء ويضيق عنك. وقوله: وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ ... (٧٥) و (المستضعفين) فى موضع خفض.

стр. 290

وقوله: الظَّالِمِ أَهْلُها خفض (الظالم) لأنه نعت للأهل، فلما أعاد الأهل على القرية كان فعل ما أضيف إليها بمنزلة فعلها كما تقول: مررت بالرجل الواسعة داره، وكما تقول: مررت برجلٍ حسنة عينه. وفي قراءة عَبْد اللَّه: «أخرجنا من القرية التي كانت ظالمة» . ومثله مما نسب الظلم إلى القرية وإنما الظلم لأهلها فِي غير موضع من التنزيل. من ذلك وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها «١» ومنه قوله: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها «٢» معناه: سل أهل القرية. وقوله: فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ... (٧٨) يشدد ما كان من جمع مثل قولك: مررت بثياب مصبغةٍ وأكبشٍ مذبحةٍ. فجاز التشديد لأن الفعل متفرق «٣» فِي جمع. فإذا أفردت الواحد من ذلك فإن كان الفعل يتردد فِي الواحد ويكثر جاز فِيهِ التشديد والتخفيف مثل قولك: مررت برجل مشجج، وبثوب ممزق جاز التشديد لأن الفعل قد تردد فِيهِ وكثر. وتقول: مررت بكبشٍ مذبوح، ولا تقل مذبح «٤» لأن الذبح لا يتردد كتردد التخرق، وقوله: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ «٥» يجوز فِيهِ التشديد لأن التشييد «٦» بناء فهو يتطاول ويتردد. يقاس على هذا ما ورد.

стр. 291

وقوله: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ... (٧٨) وذلك أن اليهود لما أتاهم النَّبِيّ ﷺ بالمدينة قَالُوا: ما رأينا رجلا أعظم شؤما من هذا نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا. فقال اللَّه ﵎: إن أمطروا وأخصبوا قَالُوا «١» : هذه من عند اللَّه، وإن غلت أسعارهم قَالُوا: هذا من قبل مُحَمَّد ﷺ . يقول اللَّه ﵎: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وقوله: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ (فمال) كثرت فِي الكلام، حَتَّى توهموا أن اللام متصلة ب (ما) وأنها حرف فِي بعضه. ولا تصال القراءة لا يجوز الوقف على اللام لأنها لام خافضة. وقوله: طاعَةٌ (٨١) الرفع على قولك: منا طاعة، أو أمرك طاعة. وكذلك قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ «٢» معناه- والله أعلم-: قولوا: سمع وطاعة. وكذلك التي فى سورة مُحَمَّد ﷺ فَأَوْلى لَهُمْ طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ «٣» ليست بمرتفعة ب (لهم) . هى مرتفعة على الوجه الَّذِي ذكرت لك. وذلك أنهم أنزل عليهم الأمر بالقتال فقالوا: سمع وطاعة، فإذا فارقوا محمّدا ﷺ غيروا قولهم. فقال اللَّه ﵎ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وقد يقول بعض النحويين: وذكر فيها القتال،

стр. 292

وذكرت «١» (طاعة) وليست فيها واو فيجوز هذا الوجه. ولو رددت الطاعة وجعلت كأنها تفسير للقتال جاز رفعها ونصبها أما النصب فعلى: ذكر فيها القتال بالطاعة أو على الطاعة. والرفع على: ذكر فيها القتال ذكر فيها طاعة. وقوله: بَيَّتَ طائِفَةٌ القراءة أن تنصب التاء، لأنها على جهة فعل. وفي قراءة عَبْد اللَّه: «بيت مبيت منهم» غير الَّذِي تقول. ومعناه: غيروا ما قَالُوا وخالفوا. وقد جزمها حمزة وقرأها بيت طائفة. جزمها لكثرة الحركات، فلما سكنت التاء اندغمت فِي الطاء. وقوله: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ ... (٨٣) هذا نزل فِي سرايا كان رسول اللَّه ﷺ يبعثها، فإذا غلبوا أو غلبوا بادر المنافقون إلى الاستخبار عن حال السرايا، ثُمَّ أفشوه قبل أن يفشيه رسول اللَّه ﷺ أو يحدّثه «٢» ، فقال أَذاعُوا بِهِ يقول أفشوه. ولو لم يفعلوا حَتَّى يكون رسول اللَّه ﷺ الَّذِي يخبر به لكان خيرا لهم، أو ردوه إلى أمراء «٣» السرايا. فذلك قوله وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ. وقوله: لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا قال المفسرون معناه: لعلمه الذين يستنبطونه إلا قليلا. ويقال: أذاعوا به إلا قليلا. وهو أجود الوجهين لأن علم السرايا

стр. 293

إذا ظهر علمه المستنبط وغيره، والإذاعة قد تكون في بعضهم دون بعض. فلذلك استحسنت الاستثناء من الإذاعة. وقوله: يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها ... (٨٥) الكفل: الحظ. ومنه قوله: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ «١» معناه: نصيبين. وقوله: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً المقيت: المقدر والمقتدر، كالذي يعطي كل رَجُل قوته. وجاء فِي الحديث: كفى بالمرء (إثما) «٢» أن يضيع من يقيت، ويقوت «٣» . وقوله: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها ... (٨٦) أي زيدوا عليها كقول القائل: السلام عليكم، فيقول: وعليكم ورحمة الله. فهذه الزيادة أَوْ رُدُّوها قيل هذا للمسلمين. وأما أهل الكتاب فلا يزادون علي: وعليكم. وقوله: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ... (٨٨) إنما كانوا تكلموا فِي قوم هاجروا إلى المدينة من مكة، ثُمّ ضجروا منها واستوخموها «٤» فرجعوا سرا إلى مكة. فقال بعض المسلمين: إن لقيناهم قتلناهم وسلبناهم، وقال بعض المسلمين: أتقتلون قوما على دينكم أن استوخموا المدينة فجعلهم اللَّه منافقين، فقال اللَّه فما لكم مختلفين فى المنافقين. فذلك قوله (فئتين) .

стр. 294

ثُمَّ قال تصديقا لنفاقهم وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فنصب (فئتين) بالفعل «١» ، تقول: مالك قائما، كما قال اللَّه ﵎ فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ «٢» فلا تبال أكان المنصوب معرفة أو نكرة يجوز فى الكلام أن تقول: مالك الناظر فِي أمرنا، لأنه كالفعل الَّذِي ينصب بكان وأظن وما أشبههما. وكل موضع صلحت فِيهِ فعل ويفعل من المنصوب جاز نصب المعرفة منه والنكرة كما تنصب كان وأظن لانهن نواقص فِي المعنى وإن ظننت أنهن تامات. ومثل مال، ما بالك، وما شأنك. والعمل فِي هذه الأحرف بما ذكرت لك سهل كثير. ولا تقل: ما أمرك القائم، ولا ما خطبك القائم، قياسا عليهن لانهن قد كثرن، فلا يقاس الَّذِي لم يستعمل على ما قد استعمل ألا ترى أنهُمْ قَالُوا: أيش عندك؟ ولا يجوز القياس على هذه فِي شيء من الكلام. وقوله: وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا يقول: ردهم إلى الكفر. وهي «٣» فِي قراءة عَبْد اللَّه وأبي والله ركسهم. وقوله: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ... (٩٠) يقول: إذا واثق القوم النَّبِيّ ﷺ ألا يقاتلوه ولا يعينوا عليه، فكتبوا صلحا لم يحل قتالهم ولا من أتصل بهم، فكان رأيه فِي قتال رسول اللَّه ﷺ كرأيهم فلا يحل قتاله. فذلك قوله (يصلون) معناه: يتصلون بهم.

стр. 295

وقوله أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ، يقول: ضاقت صدورهم عن قتالكم أو قتال قومهم. فذلك معنى قوله حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أي ضاقت صدورهم. وقد قرأ الْحَسَن «حصرة صدورهم» ، والعرب تقول: أتاني ذهب عقله، يريدون قد ذهب عقله. وسمع الكسائي بعضهم يقول: فأصبحت نظرت إلى ذات التنانير «١» . فإذا رَأَيْت فعل بعد كان ففيها قد مضمرة «٢» ، ألا أن يكون مع كان جحد فلا تضمر فيها (قد مع جحد) «٣» لأنها توكيد والجحد لا يؤكد ألا ترى أنك تقول: ما ذهبت، ولا يجوز ما قد ذهبت. وقوله: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ (٩١) معناه: أن يأمنوا فيكم ويأمنوا فِي قومهم. فهؤلاء بمنزلة الذين ذكرناهم فِي أن قتالهم حلال إذا لم يرجعوا. وقوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (٩٢) مرفوع على قولك: فعليه تحرير رقبة. والمؤمنة: المصلية المدركة. فإن «٤» لم يقل: رقبة مؤمنة، أجزأت الصغيرة التي لم تصل ولم تبلغ. وقوله: فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ كان الرجل يسلم فِي قومه وهم كفار فيكتم إسلامه، فمن قتل وهو غير معلوم إسلامه من هؤلاء أعتق قاتله رقبة ولم تدفع ديته إلى الكفار فيقووا بها على أهل الإسلام. وذلك إذا «٥» لم

стр. 296

يكن بين قومه وبين النَّبِيّ ﷺ عهد. فإن كان عهد جرى مجرى المسلم. وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا (٩٤) (فتثبتوا «١» - قراءة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وأصحابه. وكذلك التي فى الحجرات «٢» . ويقرأان: فتثبتوا) وهما متقاربتان «٣» فِي المعنى. تقول للرجل: لا تعجل بإقامة حَتَّى تتبين وتتثبت. وقوله: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً ذكروا أنه رَجُل سلم على بعض سرايا المسلمين، فظنوا أنه عائذ بالإسْلام وليس بمسلم فقتل. وقرأه العامة: السلم. والسلم: الاستسلام والإعطاء بيده. وقوله: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ (٩٥) يرفع «٤» (غير) لتكون كالنعت للقاعدين كما قال: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ وكما قال أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ «٥» وقد ذكر أن (غير) نزلت بعد أن ذكر فضل المجاهد على القاعد، فكان الوجه فِيهِ الاستثناء والنصب» . إلا أن اقتران (غير) بالقاعدين يكاد يوجب الرفع لأن الاستثناء ينبغي

стр. 297

أن يكون بعد التمام. فتقول «١» فِي الكلام: لا يستوي المحسنون والمسيئون إلا فلانا وفلانا. وقد يكون نصبا على أنه حال كما قال: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ «٢» ولو قرئت خفضا «٣» لكان وجها: تجعل «٤» من صفة المؤمنين. وقوله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ (٩٧) إن شئت جعلت تَوَفَّاهُمُ فِي موضع نصب «٥» . ولم تضمر تاء مع التاء، فيكون مثل قوله إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا «٦» وإن شئت جعلتها رفعا تريد: إن الذين تتوفاهم الملائكة. وكل موضع اجتمع فِيهِ تاءان جاز فِيهِ إضمار إحداهما مثل قوله لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ «٧» ومثل قوله فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ «٨» . وقوله: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ (٩٨) فِي موضع نصب على الاستثناء من مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ «٩» . وقوله: يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً (١٠٠) ومراغمة مصدران. فالمراغم: المضطرب والمذهب فِي الأرض.

стр. 298

وقوله: فَلْتَقُمْ ... (١٠٢) وكل لام أمر إذا استؤنفت ولم يكن قبلها واو ولا فاء ولا ثُمَّ كسرت. فإذا كان معها شيء من هذه الحروف سكنت. وقد تكسر مع الواو على الاصل. وإنما تخفيفها مع الواو كتخفيفهم (وهو) قال ذاك، (وهي) قَالَتْ ذاك. وبنو سليم يفتحون اللام إذا استؤنفت فيقولون: ليقم زَيْدُ، ويجعلون اللام منصوبة فِي كل جهة كما نصبت تميم لام كي إذا قَالُوا: جئت لآخذ حقّى. وقوله: طائِفَةٌ أُخْرى ولم يقل: آخرون ثُمَّ قال لَمْ يُصَلُّوا ولم يقل: فلتصل. ولو قيل: «فلتصل» كما قيل «أخرى» لجاز ذلك. وقال فِي موضع آخر: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا «١» ولو قيل: اقتتلتا فِي الكلام كان صوابا. وكذلك قوله هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ «٢» ولم يقل: اختصما. وقال فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ «٣» وفي قراءة أَبِي «عليه الضلالة» . فإذا ذكرت اسما مذكرا لجمع جاز جمع فعله وتوحيده كقول الله تعالى وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ «٤» . وقوله: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ «٥» وكذلك إذا كان الاسم مؤنثا وهو لجمع جعلت فعله كفعل الواحدة الأنثى مثل الطائفة والعصبة والرفقة. وإن شئت جمعته فذكرته على المعنى. كل ذلك قد أتى فِي القرآن.

стр. 299

وقوله: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ ... (١٠٤) قال بعض المفسرين: معنى ترجون: تخافون. ولم نجد معنى الخوف يكون رجاء إلا ومعه جحد. فإذا كان كذلك كان الخوف على جهة الرجاء والخوف، وكان الرجاء كذلك كقوله تعالى قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ «١» : هذه: للذين لا يخافون أيام اللَّه، وكذلك قوله: مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً «٢» : لا نحافون لله عظمة. وهي لغة حجازية. وقال الراجز: لا ترتجِي حِينَ تلاقي الذائدا ... أسَبْعَةً لاقَتْ معا أم واحدا «٣» وقال الهدلىّ «٤» : إِذَا لسعته النحلُ لَمْ يرجُ لَسْعها ... وخالفها فِي بيتِ نُوب عوامِلِ ولا يَجوزُ: رجوتك وأنت تريد: خفتك، ولا خفتك وأنت تريد رجوتك. وقوله: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً (١١٢) يُقال: كيف قَالَ «بِهِ» وقد ذكر الخطيئة والإثم؟. وَذَلِكَ جائز أن يُكْنَى عَن الفعلين وأحدهما مؤنث بالتذكير والتوحيد، ولو كثر لَجازَ الكناية عَنْهُ بالتوحيد لأن الأفاعيل يقع عليها فعل واحد، فلذلك جاز. فإن شئت ضممت الخطيئة والإثم فجعلته كالواحد. وإن شئت جعلت الْهَاء للإثم

стр. 300

خاصَّة كما قَالَ وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها «١» فجعله للتجارة. وَفِي قراءة عَبْد اللَّه وَإِذَا رأوا لَهْوًا أو تجارة انفَضُّوا إليها فجعله للتجارة فِي تقديمها وتأخيرها. ولو أتى بالتذكير فجعلا كالفعل الواحد لجاز. ولو ذكر عَلَى نِيَّة اللهو لجاز. وقال إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما «٢» فثنى. فلو أتى فِي الخطيئة واللهو والإثم والتجارة مثنى لَجاز. وَفِي قراءة أبيّ إن يَكُن غنِيّ أو فقير فالله أولى بِهم وَفِي قراءة عبد الله إِنْ يَكُن غنيّ أو فقير فالله أولى بِهما فأما قول أبيّ (بِهم) «٣» فإنه كقوله وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ «٤» ذهبَ إلى الجمع، كذلك جاء فِي قراءة أبيّ، لأنه قد ذكرهم جَميعًا ثُمَّ وحّد الغنيّ والفقير وهما فِي مذهب الجمع كما تَقُولُ: أصبح الناس صائِمًا و «٥» مفطرا، فأدّى اثنان عَن معنى الجمع. وقوله: لَهَمَّتْ طائِفَةٌ ... (١١٣) يريد: لقد همت طائفة فأضمرت «٦» . وقوله: أَنْ يُضِلُّوكَ : يُخطِّئوكَ فِي حكمك. وقوله: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ... (١١٤) (من) فِي موضع خفض ونصب الخفض: إلا فيمن أمر بصدقة. والنجوى هنا رجال كما قال وَإِذْ هُمْ نَجْوى «٧» ومن جعل النجوى فعلا كما قال

стр. 301

ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ «١» ف (مَنْ) حينئذ فِي موضع رفع. وأمّا النصب فأن تَجعل النجوى فعلا. فإذا استثنيت الشيء من خلافه كَانَ الوجه النصب، كما قَالَ الشاعر «٢» : وقفتُ فيها أُصَيْلانًا أُسائلها ... عَيَّت جوابا وما بالربع مِن أحدِ «٣» إِلا الأوارِيّ لأيًا ما أُبيِّنها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد «٤» وقد يكون فِي موضع رفع وإن ردّت عَلَى خلافها كما قَالَ الشاعر «٥» : وبلد لَيْسَ بِهِ أنيسُ ... إلا اليعافِيرُ وَإِلا الْعِيسُ «٦» وقوله: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً ... (١١٧) يقول: اللات والعُزَّى وأشباههما من الآلهة المؤنثة. وقد قرأ ابن عباس إِن يدعون من دونه إلا أُثْنًا جمع الوثن فضم الواو فهمزها، كما قال وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ «٧»

стр. 302

وقد قرئت إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أُنُثا جمع الإناث، فيكون مثل جَمع الثمار والثمر كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ «١» . وقوله: نَصِيباً مَفْرُوضاً ... (١١٨) جعل الله لَهُ عَلَيْهِ السبيل فهو كالمفروض. وقوله: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ ... (١١٩) وَفِي قراءة أُبَيّ «وأُضلهم وأُمَنِّيهم» . وقوله: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا ... (١٢٥) يقول القائل: ما هَذِه الخُلَّة؟ فذُكِر أنَّ إبراهيم ﷺ كان يضيف الضيفان ويُطعم الطعام، فأصابَ الناس سنة جدب فعزَّ الطعام. فبعث إبراهيم ﷺ إلى خليل لَهُ بِمصر كانت الميرة من عنده، فبعث غلمانه معهم الغرائر والابل ليميره، فردّهم وقال: إِبْرَاهِيم لا يريد هَذَا لنفسه، إنما يريده لغيره. قَالَ: فرجع غلمانه «٢» ، فمرّوا ببطحاء «٣» لينة. فاحتملوا من رملها فملئوا الغرائر استحياء من أن يردّوها فارغة، فرُدّوا عَلَى إِبْرَاهِيم ﷺ فأخبروه الخبر وامرأته نائمة، فوقع عَلَيْهِ «٤» النوم هَمّا، وانتبهت والناس عَلَى الباب يلتمسون الطعام «٥» . فقالت للخبّازين: افتحوا هذه الغرائر واعتجنوا، ففتحوها فإذا أطيب طعام، فعجنوا واختبزوا. وانتبه

стр. 303

إِبْرَاهِيم ﷺ فوجد ريح الطعام، فقال: من أين هَذَا؟ فقالت امرأة إِبْرَاهِيم ﷺ : هَذَا من عند خليلك الْمصْرِيّ. قَالَ فقال إِبْرَاهِيم: هَذَا من عند خليلي الله لا من عند خليلي الْمصْرِيّ. قَالَ: فذلك خُلّته. وقوله: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى ... (١٢٧) (معناهُ: «١» قل الله يفتيكم فيهنَّ وما يُتلى) . فموضع (ما) رفع كأنه «٢» قَالَ: يفتيكم فيهنّ ما يتلى عليكم. وإن شئت جعلت ما فِي موضع خفض «٣» : يفتيكم الله فيهنّ وما يتلى عليكم غيرهنّ. وقوله: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ فِي موضع خفض، عَلَى قوله «٤» : يفتيكم فيهنّ وفى المستضعفين. وقوله: وَأَنْ تَقُومُوا (أن) موضع خفض عَلَى قوله: ويفتيكم فِي أن تقوموا لليتامى بالقسط. وقوله: خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً ... (١٢٨) والنشوز يكون من قِبَل المرأة والرجل. والنشوز هاهنا من الرجل «٥» لامن المرأة. ونشوزه أن تكون تَحته المرأة الكبيرة فيريد أن يتزوج عليها شَابَّةً فيؤثرها فِي القسمة والجماع. فينبغي لَهُ أن يقول للكبيرة: إني أريد أن أتزوج عليك شابَّة وأوثرها عليك، فإن هي رضيت صلح ذَلِكَ لَهُ، وإن لَمْ ترض فلها من القسمة ما للشابّة.

стр. 304

وقوله: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ إنَّما عني بِهِ الرجل وامرأته الكبيرة. ضنّ الرجل بنصيبه من الشابة، وضنّت الكبيرة بنصيبها منه «١» . ثُمَّ قَالَ: وإن رضيت بالإمرة «٢» . وقوله: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ ... (١٢٩) إلى الشابة، فتهجروا الكبيرة كل الهجر فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وهي فِي قراءة أُبَيّ (كالمسجونة) . وقوله: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ... (١٣٥) هَذَا فِي إقامة الشهادة عَلَى أنفسهم وَعَلَى الوالدين والاقربين. ولا تنظروا فِي غِنى الغَنِيّ ولا فقر الفقير فإن الله أولى بذلك. فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى [أَنْ تَعْدِلُوا] فرارًا «٣» من إقامة الشهادة. وقد يُقال: لا تتبعوا الهوى لتعدلوا كما تَقُولُ: لا تتبِعنّ هواك لتُرضِي ربك، أي إني أنْهَاكَ عَن هَذَا كيما ترضِي ربك. وقوله وَإِنْ تَلْوُوا وَتَلُوا، قد قرئتا جَميعًا «٤» . ونرى الَّذِينَ قالوا (تلوا) أرادوا (تلؤوا) فيهمزونَ الواو لانضمامها، ثُمَّ يتركون الْهَمْز فيتحوّل إعراب «٥» الْهَمْز إلى اللام فتسقط الْهَمْزَةُ. إلا أن يكون المعنى فيها: وإن تلوا ذَلِكَ، يريد: تتولّوه أَوْ تُعْرِضُوا عنه: أو تتركوه، فهو وجه.

стр. 305

وقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ... (١٣٧) وهم الذين آمنوا بموسى ثم كفرا من بعده بعزيز، ثم آمنوا بعزيز وكفروا بعيسى «١» . وآمنت اليهود بِموسى وكفرت بعيسى. ثم قال: [ثُمَ] ازْدادُوا كُفْراً يعني اليهود: ازدادوا كفرًا بكفرهم بِمحمد ﷺ . وقوله: أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ ... (١٤١) جَزْم. ولو نصبت «٢» عَلَى تأويل الصرف كقولك فِي الكلام: ألم نستحوذ عليكم وقد منعناكم، فيكون مثل قوله وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ «٣» وهي فِي قراءة أبي ومنعناكم من الْمُؤْمِنِين فإن شئت جعلت «ومنعناكم» فِي تأويل «وقد كنا منعناكم» وإن شئت جعلته مردودًا عَلَى تأويل الم كأنه قَالَ: أمَّا «٤» استحوذنا عليكم ومنعناكم. وَفِي قراءة أُبيّ أَلَمْ تُنْهَيَا عَنِ تِلْكُمَا الشّجَرَةِ وَقِيلَ لَكُمَا «٥» . وقوله: فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ (١٤٥) يُقال الدرك «٦» ، والدرَك، أي أسفل دَرَج فِي النار.

стр. 306

وقوله: فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ... (١٤٦) جاء فِي التفسير: من الْمُؤْمِنِين. وقوله: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ... (١٤٨) وَظَلَمَ «١» . وقد يكون مِنَ فِي الوجهين نصبًا عَلَى الاستثناء عَلَى الانقطاع من الأوّل. وإن شئت جعلت مِنَ رفعًا إِذَا قلت ظُلِمَ فيكون «٢» المعنى: لا يُحبُّ الله أن يجهر بالسوء من القول إلا المظلوم. وهو الضيف إِذَا أراد النزول عَلَى رجل فمنعه فقد ظلمه، ورخّص لَهُ أن يذكره بما فعل لأنه منعه حقَّه. ويكون لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ كلامًا تامًّا، ثُمَّ يقول: إلا الظالِم فدعوه، فيكون مثل قول الله ﵎ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا «٣» فإن الظالِمَ لا حُجَّةَ لَهُ، وكأنّه قَالَ إلا من ظلم فخلّوه. وهو مثل قوله فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ «٤» ثُمَّ استثنى فقال إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ «٥» فالاستثناء من قوله إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ وليست فِيهِ أسماء. وليس الاستثناء «٦» من قوله لَسْتَ عَلَيْهِمْ

стр. 307

بِمُصَيْطِرٍ ومثله مِمّا يَجوز أن يستثنى (الاسماء «١» لَيْسَ قبلها) شيء ظاهر قولك: إني لاكره الخصومة والمِرَاء، اللَّهُمَّ إِلا رَجلا يريد بذلك الله. فجازَ استثناء الرجل ولم يذكر قبله شيء من الاسماء لأن الخصومة والمِرَاء لا يكونان إلا بين الآدميّين. وقوله: قُلُوبُنا غُلْفٌ (١٥٥) أي «٢» أوعية للعلم تعلمه «٣» وتعقله، فما لنا لا نفهمُ ما يأتي بِهِ (مُحَمَّد ﷺ فَقَالَ اللَّه ﵎ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا. وقوله: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ ... (١٥٧) الْهَاء هاهنا لعيسى ﷺ . وقوله وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً الْهَاء هاهنا للعلم، كما تَقُولُ قتلته علمًا، وقتلته يقينًا، للرأي والحديث والظنّ. وقوله: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ... (١٥٩) معناهُ: من ليؤمنَّن بِهِ قبل موته. فجاء التفسير بوجهين أحدهما أن تكون الْهَاء فِي موته لعيسى، يقول: يؤمنونَ إِذَا أنزل «٤» قبل موته، وتكون الملّة والدين واحدا.

стр. 308

ويُقال: يؤمن كل يهوديّ بعيسى عند موته «١» . وتَحقيق ذَلِكَ فِي قراءة أبي إِلا ليؤمنُنَّ بِهِ قبل موتهم. وقوله: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ ... (١٦٣) كما أوحينا إلى كلهم. وقوله: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ ... (١٦٤) نصبه من جهتين. يكون من قولك: كما أوحينا إلى رسل من قبلك، فإذا ألقيت (إلى) والإرسال «٢» اتصلت بالفعل فكانت نصبًا كقوله يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً «٣» ويكون نصبا من (قصصناهم) . ولو كَانَ رفعًا كَانَ صوابًا بِمَا عاد من ذكرهم. وَفِي قراءة أُبي بالرفع وَرُسُلٌ قَدْ قَصَصْنَاهم عليك من قَبْل ورسلٌ لَمْ نقصصهم عليك. وقوله: فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ ... (١٧٠) (خيرا) منصوب باتصاله «٤» بالأمر لأنه من صفة الأمر وقد يستدل عَلَى ذَلِكَ ألم تر «٥» الكناية عَن الأمر تصلح قبل الخير، فتقول للرجل: اتق الله هو خير لك أي

стр. 309

الاتقاء خيرٌ لك، فإذا سقطت (هُوَ) اتصل بما قبله وهو معرفة فنصب، وليس نصبه عَلَى إضمار (يكن) لأن ذَلِكَ يأتي بقياس يبطل هَذَا ألا ترى أنك تَقُولُ: اتق الله تكن محسنًا، ولا يَجوز أن تَقُولُ: اتق الله محسنًا وأنت تُضمر (تكن) ولا يصلح أن تَقُولُ: انصرنا أخانا (وأنت «١» تريد تكن أخانا) . وقوله: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ ... (١٧١) أي تقولوا: هم ثلاثة كقوله تعالى سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ فكل ما رأيته بعد القول مرفوعًا ولا رافع معه ففيه إضمار اسم رافع لذلك الاسم. وقوله: سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ يصلح فى (أن) مِنْ وعن، فإذا ألقيتا كانت (أن) فِي موضع نصب. وَكَانَ الْكِسَائي يقول: هي فِي موضع خفض، فِي كَثِير من أشباهها. وقوله: وَلا يَجِدُونَ ... (١٧٣) ردّت عَلَى ما بعد الفاء فرفعت، ولو جزمت «٢» عَلَى أن تردّ عَلَى موضع الفاء كَانَ صوابًا، كما قَالَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ «٣» . وقوله: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ ... (١٧٦) (هلك) فِي موضع جزم. وكذلك قوله وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ «٤» لو كَانَ مكانهما يفعل كانتا جزمًا كما قال الكميت:

стр. 310

فإن أنت تفعل فللفاعلين ... أنت المجيزين تلك الغمارا «١» وأنشد بعضهم: صعدة نابتة فِي حائرٍ ... أَيْنَما الريحُ تُمَيِّلْها تَمِلْ «٢» إلا أن العرب تَختار إِذَا أتى الفعل بعد الاسم فِي الجزاء أن يَجعلوه «٣» (فعل) لأن الجزم لا يتبين فِي فَعَل، ويكرهون أن يعترض شيء بين الجازم وما جزم. وقوله يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا معناهُ: أَلا تضلوا «٤» . ولذلك صلحت لا فِي موضع أن. هَذِه محنة «٥» ل (أن) إِذَا صلحت فِي موضعها لئلا وكيلا صلحت لا.

стр. 311

من سورة المائدة ومن قوله ﵎: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ... (١) يعني: بالعهود. [والعقود] «١» والعهود واحد. وقوله: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ وهي بقر الوحش والظباء والْحُمُر الوحشيَّة. وقوله: إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي موضع نصب بالاستثناء، ويَجوز الرفع، كما يَجوز: قام القوم إِلا زيدًا وَإِلا زيد. والمعنى فِيهِ: إِلا ما نبينه لكم من تَحريمِ ما يَحْرُم وأنتم مُحرمون، أو فِي الحرم. فذلك قوله غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ يقول: أحلّت لكم هَذِه غير مستحلّين للصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ. ومثله إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ «٢» وهو «٣» بمنزلة قولك (فِي قولك) «٤» أحلّ لك هَذَا الشيء لا مفرطًا فِيهِ ولا متعدّيًا. فإذا جعلت (غير) مكان (لا) صار النصبُ الَّذِي بعد لا فِي غير. ولو كَانَ (محلِّين الصيد) نصبت كما قَالَ الله جل وعز وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ وَفِي قراءة عبد الله (ولا آمِّي البيتِ الحرام) . إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ: يقضى ما يشاء. وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ... (٢) كانت عَامَّةُ العرب لا يرونَ الصفا والمروة من الشعائر «٥» ، ولا يطوفونَ بينهما، فأنزلَ الله ﵎: لا تستحلّوا ترك ذلك.

стр. 312

وقوله: وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ: ولا القتال فِي الشهر الحرام. وَلَا الْهَدْيَ وهو هَدْيُ المشركين: أن تعرضوا لَهُ ولا أن تخيفوا من قلّد بعيره. وكانت العرب إِذَا أرادت أن تُسافرَ فِي غير أشهر «١» الحُرُم قلّد أحدُهم بعيره، فيأمن بذلك، فقال: لا تخيفوا من قلّد. وَكَانَ أهلُ مكة يقلِّدونَ بلِحَاء «٢» الشجر، وسائر العرب يقلدون بالوَبَر والشعر. وقوله: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ يقول: ولا تَمْنَعُوا مَنْ أَمّ البيت الحرام أو أراده من المشركين. ثُمَّ نَسَخَتْ هَذِه «٣» الآية التي فِي التوبة فَاقْتُلُوا «٤» الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ إلى آخر الآية. وقوله: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ قرأها يَحْيَى بن وثَّاب والاعمش: ولا يُجْرِمنَّكم، من أجرمت، وكلام «٥» العرب وقراءة القراء يَجْرِمَنَّكُمْ بفتح الياء. جاء التفسير: ولا يحملنَّكم بغض قوم. قَالَ الفراء: وسمعتُ العرب تَقُولُ: فُلان جَرِيمة أهله، يريدونَ: كاسب لأهله، وخرج يجرمهم: يكسب لَهُم. والمعنى فيها متقارب: لا يكسبنَّكم بغضُ قوم أن تفعلوا شرًّا. ف (أن) فى موضع تصب. فإذا جعلت «٦» فِي (أن) (عَلَى) ذهبتَ إلى معنى: لا يحملنَّكم بغضهم عَلَى كذا وكذا، عَلَى أن لا تعدلوا، فيصلح طرح (عَلَى) كما تَقُولُ: حملتني أن أسألَ وَعَلَى أن أسأل.

стр. 313

وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ وقد ثقّل «١» الشنآن بعضهم «٢» ، وأكثر القُراء عَلَى تَخفيفه «٣» . وقد رُوي تَخفيفه وتثقيله عَن الاعمش وهو: لا يحملنكم بغض قومٍ، فالوجه إِذَا كَانَ مصدرًا أن يثقل، وَإِذَا أردت بِهِ بغيض قوم قلت: شنآن. وأَنْ صَدُّوكُمْ فِي موضع نصب لصلاح «٤» الخافض فيها. ولو كسرت «٥» عَلَى معنى الجزاء لكان صوابًا. وَفِي حرف عبد الله إِنْ يَصدُّوكم فإن كسرت جعلت الفعل مستقبلا، وإن فتحت جعلته ماضيًا. وإن جعلته جزاء بالكسر صلح ذَلِكَ كقوله» أَفَنَضْرِبُ «٧» عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ وَإِن، تفتح وتكسر. وكذلك أَوْلِياءَ «٨» إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ تكسر. ولو فتحت لكان صوابًا، وقوله باخِعٌ «٩» نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [فِيهِ] «١٠» الفتح والكسر. وأما قوله بَلِ «١١» اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ ف (أَنْ) مفتوحة لأن معناها ماضٍ كأنك قلت: منّ عليكم أن هداكم. فلو نويت الاستقبال جاز الكسرُ فيها. والفتح الوجه «١٢» لمضي أوّل الفعلين. فإذا قلت: أكرمتك أن أتيتني، لَمْ يَجز كسر أن لأنّ الفعل ماضٍ. وقوله: وَتَعاوَنُوا هُوَ فِي موضع جزم. لأنها أمر، وليست بمعطوفة على تَعْتَدُوا.

стр. 314

وقوله: وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ... (٣) ما فِي موضع رفع بِما لَمْ يسم فاعله. وَالْمُنْخَنِقَةُ: ما اختنقت فماتت ولم تدرك. وَالْمَوْقُوذَةُ: المضروبة حتى تموت ولم تذكّ. وَالْمُتَرَدِّيَةُ: ما تردّى من فوق جبل أو بئر «١» ، فلم تدرك ذكاته. وَالنَّطِيحَةُ: ما نُطِحت حَتَّى تَموت. كل ذَلِكَ محرّم إِذَا لَمْ تُدرك ذكاته. وقوله: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ نصب ورفع. وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ: ذبح للأوثان. و (ما ذبح) فِي موضع رفع «٢» لا غير. وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا رفع بِما لَمْ يسم فاعله. والاستقسام: أنّ سهامًا كانت تكون فِي الكعبة، فِي بعضها: أمرني ربي، (وَفِي موضعها: نهاني ربي «٣» ) فكان أحدهم إِذَا أراد سفرًا أخرج سهمين فأجالهما، فإن خرج الَّذِي فِيهِ (أمرني ربي) خرج. وإن خرج الَّذِي فِيهِ (نهاني ربي) قعد وأمسكَ عَن الخروج. قَالَ الله ﵎: ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ والكلام منقطع عند الفسق، والْيَوْمَ منصوب ب (يئس) لا بالفسق. الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ نصب (اليوم) ب (أُحِلّ) . وقوله: غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ مثل قوله غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ يقول: غير معتمد لاثم. نصبت (غير) لأنها حال ل (مَنْ) ، وهي خارجة من الاسم الذي فى (اضطرّ) .

стр. 315

وقوله: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ ... (٤) يعنى الكلاب. ومُكَلِّبِينَ نصب عَلَى الحال خارجة من (لكم) ، يعني بِمكلِّبين: الرجال أصحاب الكلاب، يُقال للواحد: مكلِّب وكلّاب. وموضع (ما) رفع. وقوله: (تعلّمونهنّ) : تؤدبونهنّ أَلا يأكلن صيدهنّ. ثُمَّ قَالَ ﵎ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ مِمَّا لَمْ يأكلن منه، فإن أكلَ فليس بِحلال لأنه إِنَّما أمسكَ عَلَى نفسه. وقوله: وَأَرْجُلَكُمْ ... (٦) مردودة عَلَى الوجوه «١» . قَالَ الْفَرَّاءُ: وَحَدَّثَنِي قَيْسُ «٢» بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ عَاصِمٍ «٣» عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ (وَأَرْجُلَكُمْ) مُقَدِّمٌ «٤» وُمُؤَخِّرٌ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ «٥» بْنُ أبان القريشي عَنْ أَبِي «٦» إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَ «٧» الْكِتَابُ بِالْمَسْحِ، وَالسُنَّةُ الْغَسْلُ. قَالَ الفراء: وَحَدَّثَنِي أَبُو شِهَاب «٨» عَن رجل عن

стр. 316

الشعبيّ قَالَ: نزل جبريل ﷺ بالمسح عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهما وَعَلَى جَميع الأنبياء. قَالَ الفراء: السنة الغسل. وقوله: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ كناية عَن خلوة الرجل إِذَا أراد الحاجة. وقوله: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ... (٨) لو لم تكن (هو) فى الكلام كانت (أقرب) نصبًا. يكنى عَن الفعل فِي هَذَا الموضع بِهو وبذلك تصلحان جَميعًا. قَالَ فِي موضع آخر إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ «١» وفى الصفّ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ «٢» فلو لم تكن (هو) ولا (ذلك) فِي الكلام كانت نصبًا كقوله انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ «٣» . وقوله: يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ... (١٩) معناهُ: كي لا تقولوا: مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ مثل ما قَالَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا «٤» . وقوله: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ ... (٢٠) يعني السبعين الَّذِينَ اختارهم موسى ليذهبوا معه إلى الجبل، سمَّاهم أنبياء لِهذا. وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً يقول: أحدكم فِي بيته مِلك، لا يُدخَل عَلَيْهِ إلا بإذن. وَآتاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ظَلَّلَكُمْ بالغَمامِ الابيض، وأنزلَ عليكم المنّ وَالسَّلْوَى.

стр. 317

وقوله: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ ... (٢١) ذُكِرَ أَنَّ الأرض المقدسة دِمَشْق وفِلسطون «١» وبعض الأرْدُنّ (مشددة النون) . وقوله: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا ... (٢٤) فقال (أَنْتَ) ولو ألقيت (أنت) فقيل: اذهب وربك فقاتلا كَانَ صوابًا لأنه فِي إحدى القراءتين إنه يراكم وقبِيلُه بغير (هُوَ) وهي بهو «٢» وفَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ أكثر فِي كلام العرب. وذلك أن المردود عَلَى الاسم المرفوع إِذَا أُضْمِرَ يكره لأن المرفوع خفيّ فِي الفعل، وليس كالمنصوب لأن المنصوب يظهر فتقول ضربته وضربتك، وتقول فِي المرفوع: قام وقاما، فلا ترى اسمًا «٣» منفصلا فِي الاصل من الفعل، فلذلك أُوثِرَ إظهاره، وقد قال الله ﵎ أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا «٤» ولم يقل (نحن) وكلّ صواب. وَإِذَا فرقت بين الاسم المعطوف بشيء قد وقع عَلَيْهِ الفعل حسن بعضَ الْحَسَن. من ذَلِكَ قولك: ضربتُ زيدًا وأنت. ولو لَمْ يكن زيد لقلت: قمت أنا وأنت، وقمت وأنت قليل. ولو كانت (إنا هاهنا قاعدين) «٥» كان صوابا.

стр. 318

وقوله: أَرْبَعِينَ سَنَةً ... (٢٦) منصوبة بالتحريم «١» . ولو قطعت الكلام فنصبتها بقوله (يتيهون) كَانَ صوابًا. ومثله فِي الكلام أن تَقُولُ: لاعطينَّك ثوبًا ترضى، تنصب الثوب بالإعطاء، ولو نصبته بالرضا تقطعه من الكلام من (لاعطينك) كَانَ صوابًا. وقوله: فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ... (٢٧) ولم يقل: قَالَ الَّذِي لَمْ يتقبل منه (لأقتلنّك) لأن المعنى يدلّ عَلَى أن الَّذِي لَمْ يتقبّل منه هُوَ القائِل لحسده لاخيه: لاقتلنك. ومثله فِي الكلام أن تَقُولُ: إِذَا اجتمعَ السفيه والحليم حُمِد، تنوي بالحمد الحليم، وَإِذَا رأيت الظالِم والمظلوم أعَنْتَ، وأنت تنوي: أعنت المظلوم، للمعنى الَّذِي لا يُشْكِلُ. ولو قلت: مرّبى رجلٌ وامرأة فأعَنْتُ، وأنت تريد أحدهما لَمْ يَجز حَتَّى يبيّن لانهما لَيْسَ فيهما علامة تستدل بِهَا عَلَى موضع المعونة، إلا أن تريد: فأعنتهما جَميعًا. وقوله: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ... (٣٠) يريد: فتابعته. وقوله: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ ... (٣٢) جواب لقتل ابن آدم صاحبه. وقوله: وَمَنْ أَحْياها يقول: عفا عنها، والإحياء هاهنا العفو.

стр. 319

وقوله: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ ... (٣٣) (أن) فِي موضع رفع. فإذا أصابَ الرجل الدم والمال وأخاف السبيل صلب، وَإِذَا أصابَ القتل ولم يصب المال قتِل، وَإِذَا أصابَ المال ولم يصب القتل قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى «من خلاف» ويصلح مكان (من) عَلَى، والباء، واللام. ونفيه أن يُقال: من قتله فدمه هدر «١» . فهذا النفي. وقوله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ... (٣٨) مرفوعان بِما عاد من ذكرهما. والنصبُ فيهما جائز كما يَجوز أزيد ضربته، وأزيدًا ضربته. وإنما تختار العرب الرفع فى «السارق والسارقة» لأنهما [غير] «٢» موَقَّتين، فوجِّها توجيه الجزاء كقولك: مَنْ سرق فاقطعوا يده، ف (من) لا يكون إلا رفعًا، ولو أردت سارقًا بعينه أو سارقة بعينها كَانَ النصبُ وجه الكلام. ومثله وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما «٣» وَفِي قراءة عبد الله «والسارقونَ والسارقات فاقطعوا أيمانهما» . وإنّما قَالَ (أيديهما) لأن كل «٤» شيء موحَّد من خَلْق الانْسَان إِذَا ذكر مضافًا إلى اثنين فصاعدًا جُمِع. فقيل: قد هشمت رءوسهما، وملاتَ ظهورهما وبطونَهما ضربَا. ومثله إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما «٥» .

стр. 320

وإنَّما اختير الجمع عَلَى التثنية لأن أكثر ما تكون عَلَيْهِ الجوارح اثنين فِي الانْسَان: اليدين والرجلين والعينين. فلمّا جرى» أكثره عَلَى هَذَا ذهب بالواحد منه إِذَا أضيفَ إلى اثنين مذهب التثنية. وقد يَجوز تثنيتهما قَالَ أَبُو ذُؤيب: فتخالسا نَفْسَيْهِما بنوافذ ... كنوافِذِ العُبُط التي لا ترقَع «٢» وقد يَجُوز هَذَا فيما لَيْسَ من خَلْق الانْسَان. وَذَلِكَ أن تَقُولُ للرجلين: خلَّيْتما نساءكما، وأنت تريد امرأتين، وخرقتما قُمُصكما. وإنّما ذكرت ذَلِكَ لأن من النحويين من كَانَ لا يُجيزه إِلا فِي خَلْق الانْسَان، وَكُلٌّ سواء. وقد يَجوز أن تَقُولُ فِي الكلام: السارق والسارقة فاقطعوا يَمينهما «٣» لأن المعنى: اليمين من كل واحد منهما كما قال الشاعر: كلوا فِي نصف بطنِكم تعيشوا ... فإنَّ زمانكم زمن خميص «٤»
следующие страницы →