← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23634

معاني القرآن للفراء

يحيى بن زياد الفراء

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الشعبيّ قَالَ: نزل جبريل ﷺ بالمسح عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهما وَعَلَى جَميع الأنبياء. قَالَ الفراء: السنة الغسل. وقوله: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ كناية عَن خلوة الرجل إِذَا أراد الحاجة. وقوله: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ... (٨) لو لم تكن (هو) فى الكلام كانت (أقرب) نصبًا. يكنى عَن الفعل فِي هَذَا الموضع بِهو وبذلك تصلحان جَميعًا. قَالَ فِي موضع آخر إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ «١» وفى الصفّ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ «٢» فلو لم تكن (هو) ولا (ذلك) فِي الكلام كانت نصبًا كقوله انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ «٣» . وقوله: يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ... (١٩) معناهُ: كي لا تقولوا: مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ مثل ما قَالَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا «٤» . وقوله: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ ... (٢٠) يعني السبعين الَّذِينَ اختارهم موسى ليذهبوا معه إلى الجبل، سمَّاهم أنبياء لِهذا. وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً يقول: أحدكم فِي بيته مِلك، لا يُدخَل عَلَيْهِ إلا بإذن. وَآتاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ظَلَّلَكُمْ بالغَمامِ الابيض، وأنزلَ عليكم المنّ وَالسَّلْوَى.

стр. 317

وقوله: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ ... (٢١) ذُكِرَ أَنَّ الأرض المقدسة دِمَشْق وفِلسطون «١» وبعض الأرْدُنّ (مشددة النون) . وقوله: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا ... (٢٤) فقال (أَنْتَ) ولو ألقيت (أنت) فقيل: اذهب وربك فقاتلا كَانَ صوابًا لأنه فِي إحدى القراءتين إنه يراكم وقبِيلُه بغير (هُوَ) وهي بهو «٢» وفَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ أكثر فِي كلام العرب. وذلك أن المردود عَلَى الاسم المرفوع إِذَا أُضْمِرَ يكره لأن المرفوع خفيّ فِي الفعل، وليس كالمنصوب لأن المنصوب يظهر فتقول ضربته وضربتك، وتقول فِي المرفوع: قام وقاما، فلا ترى اسمًا «٣» منفصلا فِي الاصل من الفعل، فلذلك أُوثِرَ إظهاره، وقد قال الله ﵎ أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا «٤» ولم يقل (نحن) وكلّ صواب. وَإِذَا فرقت بين الاسم المعطوف بشيء قد وقع عَلَيْهِ الفعل حسن بعضَ الْحَسَن. من ذَلِكَ قولك: ضربتُ زيدًا وأنت. ولو لَمْ يكن زيد لقلت: قمت أنا وأنت، وقمت وأنت قليل. ولو كانت (إنا هاهنا قاعدين) «٥» كان صوابا.

стр. 318

وقوله: أَرْبَعِينَ سَنَةً ... (٢٦) منصوبة بالتحريم «١» . ولو قطعت الكلام فنصبتها بقوله (يتيهون) كَانَ صوابًا. ومثله فِي الكلام أن تَقُولُ: لاعطينَّك ثوبًا ترضى، تنصب الثوب بالإعطاء، ولو نصبته بالرضا تقطعه من الكلام من (لاعطينك) كَانَ صوابًا. وقوله: فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ... (٢٧) ولم يقل: قَالَ الَّذِي لَمْ يتقبل منه (لأقتلنّك) لأن المعنى يدلّ عَلَى أن الَّذِي لَمْ يتقبّل منه هُوَ القائِل لحسده لاخيه: لاقتلنك. ومثله فِي الكلام أن تَقُولُ: إِذَا اجتمعَ السفيه والحليم حُمِد، تنوي بالحمد الحليم، وَإِذَا رأيت الظالِم والمظلوم أعَنْتَ، وأنت تنوي: أعنت المظلوم، للمعنى الَّذِي لا يُشْكِلُ. ولو قلت: مرّبى رجلٌ وامرأة فأعَنْتُ، وأنت تريد أحدهما لَمْ يَجز حَتَّى يبيّن لانهما لَيْسَ فيهما علامة تستدل بِهَا عَلَى موضع المعونة، إلا أن تريد: فأعنتهما جَميعًا. وقوله: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ... (٣٠) يريد: فتابعته. وقوله: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ ... (٣٢) جواب لقتل ابن آدم صاحبه. وقوله: وَمَنْ أَحْياها يقول: عفا عنها، والإحياء هاهنا العفو.

стр. 319

وقوله: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ ... (٣٣) (أن) فِي موضع رفع. فإذا أصابَ الرجل الدم والمال وأخاف السبيل صلب، وَإِذَا أصابَ القتل ولم يصب المال قتِل، وَإِذَا أصابَ المال ولم يصب القتل قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى «من خلاف» ويصلح مكان (من) عَلَى، والباء، واللام. ونفيه أن يُقال: من قتله فدمه هدر «١» . فهذا النفي. وقوله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ... (٣٨) مرفوعان بِما عاد من ذكرهما. والنصبُ فيهما جائز كما يَجوز أزيد ضربته، وأزيدًا ضربته. وإنما تختار العرب الرفع فى «السارق والسارقة» لأنهما [غير] «٢» موَقَّتين، فوجِّها توجيه الجزاء كقولك: مَنْ سرق فاقطعوا يده، ف (من) لا يكون إلا رفعًا، ولو أردت سارقًا بعينه أو سارقة بعينها كَانَ النصبُ وجه الكلام. ومثله وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما «٣» وَفِي قراءة عبد الله «والسارقونَ والسارقات فاقطعوا أيمانهما» . وإنّما قَالَ (أيديهما) لأن كل «٤» شيء موحَّد من خَلْق الانْسَان إِذَا ذكر مضافًا إلى اثنين فصاعدًا جُمِع. فقيل: قد هشمت رءوسهما، وملاتَ ظهورهما وبطونَهما ضربَا. ومثله إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما «٥» .

стр. 320

وإنَّما اختير الجمع عَلَى التثنية لأن أكثر ما تكون عَلَيْهِ الجوارح اثنين فِي الانْسَان: اليدين والرجلين والعينين. فلمّا جرى» أكثره عَلَى هَذَا ذهب بالواحد منه إِذَا أضيفَ إلى اثنين مذهب التثنية. وقد يَجوز تثنيتهما قَالَ أَبُو ذُؤيب: فتخالسا نَفْسَيْهِما بنوافذ ... كنوافِذِ العُبُط التي لا ترقَع «٢» وقد يَجُوز هَذَا فيما لَيْسَ من خَلْق الانْسَان. وَذَلِكَ أن تَقُولُ للرجلين: خلَّيْتما نساءكما، وأنت تريد امرأتين، وخرقتما قُمُصكما. وإنّما ذكرت ذَلِكَ لأن من النحويين من كَانَ لا يُجيزه إِلا فِي خَلْق الانْسَان، وَكُلٌّ سواء. وقد يَجوز أن تَقُولُ فِي الكلام: السارق والسارقة فاقطعوا يَمينهما «٣» لأن المعنى: اليمين من كل واحد منهما كما قال الشاعر: كلوا فِي نصف بطنِكم تعيشوا ... فإنَّ زمانكم زمن خميص «٤»

стр. 321

وقال الآخر «١» : الواردونَ وتَيْم فِي ذرى سبأٍ ... قد عَضَّ أعناقَهم جِلْدُ الجواميسِ من قَالَ: (ذَرَى) «٢» جعل سبأ جِيلا، ومن قَالَ: (ذُرَى) أراد موضعًا. ويَجوز فِي الكلام أن تَقُولُ: ائتني برأس شاتين، ورأس شاة. فإذا قلت: برأس شاة فإنّما أردت رأسَيْ هَذَا الجنس، وَإِذَا قلت برأس شاتين فإنك تريد بِهِ الرأس من كل شاة قَالَ الشاعر فِي غير ذَلِكَ: كأنّه وَجْه تركيَّيْنِ قد غَضِبا ... مستهدف لِطعانٍ غيرِ تذبيب «٣» وقوله: وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ... (٤١) إن شئت رفعت قوله «سمّاعون للكذب» بمن ولم تجعل (من) فِي المعنى متصلة بِما قبلها، كما قَالَ الله: «فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ» «٤» وإن شئت كان

стр. 322

المعنى: لا يَحزنك الَّذِينَ يُسارِعونَ فِي الكفر من هؤلاء ولا «من الذين هادوا» فترفع حينئذ (سمّاعون) عَلَى الاستئناف، فيكون مثل قوله «لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ» «١» ثم قال ﵎: «طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ» ولو قيل: سماعين، وطوّافين لكان صوابًا كما قال: «مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا» «٢» وكما قَالَ: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ» «٣» ثُمَّ قَالَ: «آخِذِينَ «٤» ، وفاكِهِينَ «٥» ، ومُتَّكِئِينَ» «٦» والنصبُ أكثر. وقد قَالَ أيضًا فِي الرفع: «كَلَّا إِنَّها لَظى نَزَّاعَةً لِلشَّوى» «٧» فرفع «٨» (نزَّاعة) عَلَى الاستئناف، وهي نكرة من صفة معرفة. وكذلك قوله: «لا «٩» تُبْقِي وَلا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ» وَفِي قراءة أبيّ «إنَّها «١٠» لإحدى الكُبَر نَذِير لِلبشرِ» بغير ألف. فما أتاكَ من مثل هذا فى الكلام نصبته ورفعته. ونصبه عَلَى القطع وَعَلَى الحال. وَإِذَا حسن فِيهِ المدح أو الذم فهو وجهٌ ثالث. ويصلح إِذَا نصبته عَلَى الشتم أو المدح أن تنصب معرفته كما نصبت نكرته. وكذلك قوله «سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ للسّحت» عَلَى ما ذكرت لك. وقوله: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... (٤٥) تنصب (النفس) بوقوع (أنّ) عليها. وأنتَ فِي قوله (وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بالأنف) إلى قوله (والجروح قصاص) بالخيار. إن شئت رفعت، وإن شئت

стр. 323

نصبت. وقد نصب حَمْزَةُ ورفع الْكِسَائي. قَالَ الفراء: وحدّثنى إبراهيم «١» بن محمد ابن أَبِي يَحْيَى عَنْ أَبَانِ «٢» بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قرأ: (والعين بالعين) رَفْعًا. قَالَ الفراء: فإذا رفعت الْعَيْن أتبع الكلام العين، وإن نصبنه فجائز. وقد كَانَ بعضهم ينصب كله، فإذا انتهى إلى (والجروح قصاص) رفع. وكل صواب، إِلا أن الرفع والنصب فِي عطوف إِنّ وأنّ إنّما يسهلان إِذَا كَانَ مع الاسماء أفاعيل مثل قوله (وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا ريب فيها) «٣» كَانَ النصب سهلا لأن بعد الساعة خبرها. ومثله إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ «٤» ومثله وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ «٥» فإذا لَمْ يكن بعد الاسم الثاني خبر رفعته، كقوله أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ «٦» وكقوله فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ «٧» وكذلك تَقُولُ: إِنَّ أخاكَ قائِم وزيد، رفعت (زيد) باتباعه الاسم المضمر فِي قائم. فابنِ عَلَى هَذَا. وقوله «٨» : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى ... (٦٩) فإن رفع (الصَّابِئِينَ) عَلَى أَنَّهُ عطف عَلَى (الذين) ، و (الذين) حرف عَلَى جهة واحدة «٩» فِي رفعه ونصبه وخفضه، فلمّا كَانَ إعرابه واحدًا وَكَانَ نصب (إنّ) نصبا

стр. 324

ضعيفًا- وضعفه أَنَّهُ يقع عَلَى (الاسم «١» ولا يقع عَلَى) خبره- جاز رفع الصابئين. ولا أستحبُّ أن أقول: إنّ عبد الله وزيد قائمانِ لتبين الإعراب فِي عبد الله. وقد كَانَ الْكِسَائي يُجيزه لضعف إنّ. وقد أنشدونا هَذَا البيت رفعًا ونصبًا: فمن يك أمسى بالمدينةِ رحلُهُ ... فإِنّي وقيَّارا بِهَا لغريب «٢» وَقيَّارٌ. لَيْسَ هَذَا بِحُجَّةِ للكسائي فِي إجازته (إنّ عمرًا وزيد قائمان) لأن قيارًا قد عطف عَلَى اسم مكنّى عَنْهُ، والمكنّى لا إعرابَ لَهُ فسهل ذَلِكَ (فِيهِ «٣» كما سهلَ) فِي (الذين) إذا عطفت عليه (الصابئون) وهذا أقوى فِي الجواز من (الصابئون) لانّ المكنى لا يتبين فِيهِ الرفع فِي حال، و (الذين) قد يُقال: اللذونَ فيرفع فِي حال. وأنشدني بعضهم: وَإِلا فاعلموا أَنَّا وَأنْتُم ... بُغَاة ما حيينا فِي شِقَاقِ «٤» وقال الآخر: يا لَيْتَنِي وأَنْتِ يا لَمِيسُ ... ببلدٍ لَيْسَ بِهِ أنِيس وأنشدنى بعضهم: يا ليتنى وهما نخلو بمنزلة ... حتى يرى بعضنا بعضا ونأتلف

стр. 325

قَالَ الْكِسَائي: أرفع (الصابِئون) عَلَى إتباعه الاسم الَّذِي فِي هادوا، ويجعله «١» من قوله (إِنَّا هدنا إليك) «٢» لا من «٣» اليهودية. وجاء التفسير بغير ذَلِكَ لأنه وصف الَّذِينَ آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ثُمَّ ذكر اليهود والنصارى فقال: من آمن منهم فله كذا، فجعلهم يهودا ونصارى. وقوله «٤» : فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ... (٤٥) كنى (عَن «٥» [الفعل] بهو) وهي فِي الفعل الَّذِي يَجري منه فعل ويفعل، كما تَقُولُ: قد قدمت القافلة ففرحت بِهِ، تريد: بقدومها. وقوله (كفّارة له) يعني: للجارح والجاني، وأجر للمجروح. وقوله: وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً ... (٤٦) ثم قال (ومصدّقا) فإن شئت جعل (مصدّقا) من صفة عيسى، وإن شئت من صفة الإنجيل. وقوله وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ متبع للمصدق فِي نصبه، ولو رفعته عَلَى أن تتبعهما قوله (فيه هدى ونور) كان صوابا. وقوله: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ ... (٤٧) قرأها حَمْزَةُ وغيره نصبًا «٦» ، وجعلت اللام فِي جهة كى. وقرئت (وليحكم) جزما على أنها لام أمر.

стр. 326

وقوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ ... (٤٩) دليل على أنّ قوله (وليحكم) جزم. لأنه كلام معطوف بعضه عَلَى بعض. وقوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ... (٥٣) مستأنفة فِي رفع. ولو نصبت «١» عَلَى الردّ عَلَى قوله (فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أو أمر من عنده) «٢» كَانَ صوابًا. وهي فِي مصاحف أهل المدينة (يقول «٣» الَّذِينَ آمنوا) بغير واو. وقوله: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ... (٥٤) خفض، تجعلها لعتا (لقوم) ولو نصبت عَلَى القطع «٤» من أسمائِهم فِي (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) كَانَ وجهًا. وَفِي قراءة عبد الله (أَذِلَّةً عَلَى الْمُؤْمِنِين غُلظاء عَلَى الكافرين) أذلة: أي رحماء بهم. وقوله: وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ ... (٥٧) وهي «٥» فِي قراءة أُبيّ (ومن الكفار) ، ومن نصبها ردّها على (الذين اتخذوا) . وقوله: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ ... (٥٩) (أنّ) فِي موضع نصب عَلَى قوله (هَلْ تَنْقِمُونَ منا) إلا إيماننا وفسقكم. (أن) فِي موضع مصدر، ولو استأنفت (وَإِنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسقون) فكسرت «٦» لكان صوابا.

стр. 327

وقوله: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً ... (٦٠) نصبت (مثوبة) لأنها مفسرة كقوله (أَنَا «١» أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وأعزّ نفرا) . وقوله مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ (من) فى موضع خفض تردّها على (بشرّ) وإن شئت استأنفتها فرفعتها كما قَالَ: «قُلْ «٢» أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا» ولو نصبت (من) عَلَى قولك: أُنبئكم (من) كما تَقُولُ: أنبأتك خيرًا، وأنبأتك زيدًا قائِمًا «٣» ، والوجه الخفض. وقوله وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ عَلَى قوله «٤» : «وَجَعل منهم القِرَدَة [والخنازيرَ] «٥» ومن عبد الطاغوتَ» وهي فِي قراءة أُبَيّ وعَبْد الله (وعبدوا) عَلَى الجمع، وَكَانَ أصحاب عبد الله يقرأون «وَعَبَد الطاغوتِ» عَلَى فَعَل، ويضيفونَها إلى الطاغوتِ «٦» ، ويفسّرونَها: خَدَمة الطاغوت. فأراد قوم هَذَا المعنى، فرفعوا الْعَيْن فقالوا: عُبُد الطاغوتِ مثل «٧» ثمار وثُمُر، يكون جمع جمع. ولو قرأ قارئ (وعَبَد الطاغوتِ) كَانَ صوابًا جيّدًا. يريد عبدة الطاغوت فيحذف الْهَاء لمكان الإضافة كما قَالَ الشاعر: قام وُلاها فسقَوها صَرْخدًا «٨» يريد: ولاتها. وأما قوله (وعبد الطاغوت) فإن تكن «٩» فِيهِ لغة مثل حَذِر وحَذُر وَعَجُلَ فهو وجه، وإلا فإنَّه أراد- والله أعلم- قول الشاعر «١٠» :

стр. 328

أَبَنِي لُبَيْنَى إِنّ أمَّكُمُ ... أَمَةٌ وإِن أباكم عَبُد «١» وهذا فِي الشعر يَجوز لضرورة القوافي، فأمّا فِي القراءة فلا. وقوله: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ... (٦٤) أرادوا: ممسكة عَن «٢» الإنفاق والإسباغ علينا. وهو كقوله وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ «٣» فى الإنفاق. بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ وَفِي حرف عبد الله بَلْ يداهُ بُسْطَانِ والعربُ تَقُولُ: الق أخاكَ بوجه مبسوط، وبوجه بُسْطٍ. وقوله: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ... (٦) يقول: من قَطْر السماء ونبات الأرض من ثمارها وغيرها. وقد يقال: إن هَذَا عَلَى وجه التوسعة كما تَقُولُ: هُوَ فِي خير من قَرْنه إلى قَدَمه. وقوله: فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ ... (٧١)

стр. 329

فقد يكون رفع الكثير من جهتين إحداهما أن تكر «١» الفعل عليها تريد: عمي وَصَمَّ كَثِير منهم، وإن شئت جعلت عَمُوا وَصَمُّوا فعلا للكثير كما قال الشاعر «٢» : يلوموننى فى اشترائى النخي ... ل أَهلِي فكلُّهم أَلْوَمُ وهذا لمن قَالَ: قاموا قومك. وإن شئت جعلت الكثير مصدرًا فقلت أي ذَلِكَ كَثِير منهم «٣» ، وهذا وجه ثالث. ولو نصبت «٤» عَلَى هَذَا المعنى كَانَ صوابًا. ومثله قول الشاعر «٥» . وسوَّد ماءُ الْمَرْدِ فاها فلونه ... كلون النؤور وهي أدماء سَارُها ومثله قول الله ﵎: «وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» «٦» إن شئت جعلت (وأسرّوا) فعلا لقوله «لاهية قلوبهم وأسرّوا النجوى» ثم تستأنف (الذين)

стр. 330

بالرفع. وإن شئت جعلتها خفضًا (إن «١» شئت) عَلَى نعت الناس فِي قوله «اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حسابهم» وإن شئت كانت رفعًا كما يَجوز (ذهبوا قومك) . وقوله: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ... (٧٣) يكون مضافًا. ولا يَجوز التنوين فِي (ثَالِثُ) فتنصب الثلاثة. وكذلك «٢» قلت: واحد من اثنين، وواحد من ثلاثة ألا ترى أَنَّهُ لا يكون ثانيًا لنفسه ولا ثالثًا لنفسه. فلو قلت: أنت ثالث اثنين لَجَازَ أن تَقُولُ: أنت ثالث اثنين، بالإضافة، وبالتنوين ونصب الاثنين وكذلك لو قلت: أنت رابع ثلاثة جاز ذَلِكَ لأنه فعل واقع. وقوله: وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ لا يكون قوله (إله واحد) إلا رفعًا لأن المعنى: لَيْسَ إله إلا إله واحد، فرددت ما بعد (إلا) إلى المعنى ألا ترى أن (من) إِذَا فُقِدت من أوّل الكلام رفعت. وقد قَالَ بعضُ الشعراء: ما من حوِيّ بين بدرٍ وصاحةٍ ... ولا شُعْبَةٍ إِلا شِبَاعٌ نسورها «٣» فرأيت الْكِسَائي قد أجازَ خفضه وهو بعد إلا، وأنزل (إلا) مع الجحود بمنزلة غير، وليس ذَلِكَ بشيء لأنه أنزله بمنزلة قول الشاعر: أبنِي لُبَيْنَى لستُم بِيَدٍ ... إِلا يدٍ ليست لها عضد

стр. 331

وهذا جائز لأن الباء قد تكون واقعة فِي الجحد كالمعرفة والنكرة، فيقول: ما أنت بقائِم، والقائِم نكرة، وما أنت بأخينا، والأخ معرفة، ولا يَجوز أن تقول: ما قام من أخيكَ، كما تَقُولُ ما قام من رجل. وقوله: وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ... (٧٥) وقع «١» عليها التصديق كما «٢» وقع عَلَى الأنبياء. وَذَلِكَ لقول الله ﵎: «فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا «٣» تَمَثَّلَ لَها» فلما كلَّمها جبريل ﷺ وصدّقته وقع عليها اسم الرسالة، فكانت كالنبي. وقوله: ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ ... (٨٢) نزلت فيمن أسلم من النصارى. ويُقال: هُوَ النَّجاشي وأصحابه. قَالَ الفراء ويُقال: النِّجَاشِيُّ. وقوله: لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا (٨٧) هم نفرٌ من أصحاب النَّبِيّ ﷺ أرادوا أن يرفضوا الدُّنْيَا، ويُجبُّوا أنفسهم، فأنزلَ الله ﵎: «لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا» أي لا تجبُّوا أنفسكم. وقوله: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ... (٨٩) فِي حرف عبد الله: «ثلاثة أيام متتابعات» ولو نونت فِي الصيام نصبت الثلاثة كما قَالَ الله ﵎: «أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيماً» «٤» نصبت

стр. 332

(يتيمًا) بإيقاع الإطعام عَلَيْهِ. ومثله قوله: «أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً» «١» : تكْفِتُهم «٢» أحياء وأمواتًا. وكذلك قوله «فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ» «٣» ولو نصبت «٤» (مثل) كانت صوابا. وهى فى قراءة عبد الله «فجزاؤه مثل ما قتل» وقرأها بعضُ أهل المدينة «فجزاءُ مِثلِ ما قَتَل» وكلُّ ذَلِكَ صواب. وأما قوله «وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ» لو نوّنت فِي الشهادة جاز النصب فِي إعراب (الله) عَلَى: ولا نكتم الله شهادةً. وأمّا من استفهم بالله فقال (الله) فإنما يخفض (الله) فِي الإعراب كما يخفض القسم، لا عَلَى إضافة الشهادة إليه. وقوله: الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ... (٩٠) الميسر: القمار كله، والأنصاب: الأوثان، والأزلام: سهام كانت فِي الكعبة يقتسمونَ بِهَا فِي أمورهم، وواحدها زلم. وقوله: إِذا مَا اتَّقَوْا ... (٩٣) أي اتقَوا شرب الخمر، وآمنوا بتحريمها. وقوله: تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ ... (٩٤) فما نالته الأيدي فهو بَيْض النعام وفراخها، وما نالت الرماح فهو سائر الوحش.

стр. 333

قوله: فَجَزاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ... (٩٥) يقول: من أصاب صيدًا ناسيًا لإحرامه معتمدًا للصيد حكم عَلَيْهِ حاكمانِ عدلانِ فقيهان يسألانه: أقتلت قبل هَذَا صيدًا؟ فإن قَالَ: نعم، لَمْ يحكما عَلَيْهِ، وقالا: ينتقمُ الله منك. وإن قَالَ: لا، حكما عَلَيْهِ، فإن بلغَ قيمةُ حكمها ثَمن بَدَنة أو شاة حكما بذلك عليه هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ وإن لَمْ يبلغ ثمن شاة حكما عَلَيْهِ بقيمة ما أصاب: دراهم، ثُمَّ قوّماهُ طعامًا، وأطعمه المساكين لكل مسكين نصفُ صاع. فإن لَمْ يَجد حَكَما عَلَيْهِ أن يصوم يومًا مكان كل نصف صاع. وقوله: أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً وَالْعَدْلُ: ما عادلَ الشيء من غير جنسه، والعدل المِثْل. وَذَلِكَ أن تَقُولُ: عندي عِدْلُ غلامك وَعِدْلُ شاتك إِذَا كَانَ غلامًا يعدل غلامًا أو شاة تعدل شاة. فإذا أردت قيمته من غير جنسه نضبت الْعَيْن. وربما قَالَ بعضُ العرب: عِدله. وكأنه منهم غلط لتقارب معنى العَدْل من العِدل. وقد اجتمعوا على واحد الأعدال أَنَّهُ عِدل. ونصبك الصيام عَلَى التفسير كما تَقُولُ: عندي رطلان عسلا، ومِلء بيت قَتّا «١» ، وهو مما يفسر للمبتدئ: أن ينظر إلى (مِنْ) فإذا حسنت فِيهِ ثُمَّ أُلقيت نصبت ألا ترى أنك تَقُولُ: عَلَيْهِ عَدْلُ ذَلِكَ من الصيام. وكذلك قول الله ﵎ «فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً» «٢» .

стр. 334

وقوله: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ ... (٩٦) الصيد: ما صِدْته، وطعامه ما نضب «١» عَنْهُ الماء فبقي عَلَى وجه الأرض. قوله: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ... (١٠١) خطبَ النَّبِيّ ﷺ النّاس، وأخبرهم أنّ الله ﵎ قد فرض عليهم الحجّ، فقام رجل فقال: يا رسول الله (أَوَفي) «٢» كل عام؟ فأعرض عَنْهُ. ثُمَّ عاد (فقال «٣» : أفي كل عام؟ فأعرضَ عَنْهُ، ثُمَّ عادَ) فقال لَهُ النَّبِيّ ﷺ : «ما يؤمنك أن أقول (نعم) فيجب عليكم ثُمَّ لا تفعلوا فتكفروا؟ اتركوني ما تركتكم» . و (أشياء) فِي موضع خفض لا تُجْرَى. وقد قَالَ فيها بعضُ النحويين: إِنَّما كثرت فِي الكلام وهي (أفعال) فأشبهت فَعْلاء فلم تُصرف كما لَمْ تصرف حمراء، وجمعها أشاوَى- كما جمعوا عذراء عذَارَى، وصحراء صَحَارى- وأشياوات كما قيل: حَمْرَاوات. ولو كانت عَلَى التوهم لكان أملك الوجهين بِهَا أن تُجْرَى لأن الحرف إِذَا كثر بِهِ الكلام خَفّ كما كثرت التسمية بيزيد فأجروهُ وَفِيهِ ياء زائدة تَمنع من الإجراء. ولكنا نرى أن أشياء جمعيت «٤» عَلَى أفعِلاء كما جمع لَيِّن وأَلْيِناء، فحذف من وسط أشياء همزة، كَانَ ينبغي لَهَا أن تكون (أَشْيِئاء) فحذفت الْهَمْزَةُ لكثرتها. وقد قالت العرب: هَذَا من أبناوات سعد، وأُعيذكَ بأسَمَاوَاتِ الله، وواحدها أسماء وأبناء تجري، فلو مَنَعْتُ أشياء الْجَرْي لجمعهم إياها أشياوات لَمْ أُجر أسماء ولا أبناء لانهما جُمِعَتَا أسَمَاوَاتِ وأبناوات.

стр. 335

وقوله: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ ... (١٠٣) قد اختُلِفَ فِي السائبةِ. فقيلَ: كَانَ الرجل يسيِّب من ماله ما شاء، يذهب بِهِ إلى الَّذِينَ يقومونَ عَلَى خدمة آلهتهم. قَالَ بعضهم: السائبة إِذَا ولدت الناقة عشرة «١» أبطن كلهنّ «٢» إناث سيّبت فلم تركب ولم يجزّ لَهَا وَبَر، ولم يَشْرَب لبنها إلا ولدها أو ضيف حَتَّى تَموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء وبُحِرت أذن ابن «٣» ابنتها- يريد: خرقت- فالبحيرة ابنة السائبة، وهي بمنزلة أمّها. وأمّا الوصيلة فمن الشاء. إِذَا ولدت الشاة سبعة أبطن عَنَاقين عَناقين «٤» فولدت فِي سابعها عَناقًا وَجَدْيًا قيل: وصلت أخاها، فلا يشرب لبنها النساء وَكَانَ للرجال، وجرت مجرى السائِبة. وأمّا الحامي فالفحلُ من الإبل كَانَ إِذَا لَقِح ولدُ ولده حَمَى ظهره، فلا يُركب ولا يجزّ لَهُ وَبَر، ولا يُمنع من مَرعًى، وأيّ إبل ضَرَب فيها لَمْ يُمنع. فقال الله ﵎ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ هَذَا أنتم جعلتموه كذلك. قَالَ الله ﵎ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ. وقوله: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ... (١٠٥) هَذَا أمرٌ من الله كقولك: عليكم «٥» أنفسكم. والعرب تأمر من الصفات «٦» بغليك، وعندك، ودونك، وإليك. يقولون: إليك إليك، يريدون: تأخّر

стр. 336

كما تَقُولُ: وراءك وراءك. فهذه الحروف كثيرة. وزعم الْكِسَائي أَنَّهُ سمعَ: بينكما البعير فحَذَاه. فأجازَ ذَلِكَ فِي كلّ الصفات التي قد تُفرد، ولم يُجِزه فِي اللام ولا فِي الباء ولا فِي الكاف. وسمع بعضُ العرب تَقُولُ «١» : كما أنت زيدًا، ومكانكَ زيدًا. قَالَ الفراء: وسمعتُ [بعض] «٢» بني سُلَيْم يقول فِي كلامه: كما أنتَنِي، ومكانَكَني، يريد انتظرني فِي مكانك. ولا تقدّمن ما نصبته هَذِه الحروف قبلها لانّها أسماء، والاسم لا يَنصب شيئًا قبله تَقُولُ: ضربًا زيدًا، ولا تَقُولُ: زيدًا ضربًا. فإن قلته نصبت زيدًا بفعل مضمر قبله كذلك قال الشاعر: يا أيها المائِح دلوي دونكا إن شئت نصبت (الدلو) بمضمر قبله، وإن شئت جعلتها رفعًا، تريد: هذه دلوى فدونكا. لا يَضُرُّكُمْ رفع، ولو جزمت كَانَ صوابًا كما قَالَ فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تخف، ولا تَخافُ «٣» جائزان. وقوله: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ... (١٠٦) يقول: شاهدان أو وصيّان، وقد اختلفَ فِيهِ. ورفع الاثنين بالشهادة، أي ليشهدكم اثنان من المسلمين.

стр. 337

أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ من غير دينكم. هَذَا فِي السَّفَر، وله حديث طويل. إلا أنّ المعنى فِي قوله مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فمن قال: الأوليان أراد وليّى الموروث يقومان مَقَام النصرانيين إِذَا اتُّهِمَا أنهما اختانا، فيحلفانِ بعد ما حلفَ النصرانيَّانِ وَظُهِرَ عَلَى خيانتهما، فهذا وجه قد قرأ بِهِ عليّ، وذُكِرَ عَن «١» أبيّ بن كعب. حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنه قال الأولين يَجْعَلُهُ نَعْتًا لِلَّذِينَ. وَقَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الأَوْلَيَانِ صَغِيرَيْنِ كَيْفَ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا. وقوله اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ معناه: فيهم كما قال وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ «٢» أي فِي مُلْك، وكقوله وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ «٣» جاء التفسير: عَلَى جذوع النخل. وقرأ الْحَسَن (الأوّلان) يريد: استحقَّا بِما حقَّ عليهما من ظهور خيانتهما. وقرأ عبد الله بن مسعود الأوّلِين كقول ابن عباس. وقد يكون الْأَوْلَيانِ هاهنا النصرانيِّين- والله أعلم- فيرفعهما ب (اسْتَحَقَّ) ، ويَجعلهما الأولَيَيْن باليمين لأن اليمين كانت عليهما، وكانت البيِّنَة عَلَى الطالب فقيل الأوليان بِموضع اليمين. وهو عَلَى معنى قول الْحَسَن. وقوله أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ غيرهم عَلَى «٤» أيمانِهِم فتبطلها. وقوله: قالُوا لا عِلْمَ لَنا ... (١٠٩) قالوا: فيما ذكر من هول يوم القيامة. ثُمَّ قالوا: إلا ما علمتنا «٥» ، فإن كانت على ما ذكر ف (ما) التي بعد (إلا) فِي موضع نصب لحسن السكوت عَلَى قوله: (لا علم لنا) ، والرفع جائز.

стр. 338

وقوله: إِذْ أَيَّدْتُكَ ... (١١٠) عَلَى فعَّلْتُكَ كما تَقُولُ: قوّيتك. وقرأ مجاهد (آيدتك) عَلَى أفعلتك. وقال الْكِسَائي: فاعلتك، وهي تَجوز. وهي مثل عاونتك. وقوله: فِي الْمَهْدِ يقول: صبيّا وَكَهْلًا فردّ الكهل عَلَى الصفة كقوله دَعانا «١» لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً. وقوله: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي ... (١١١) يقول: ألهمتهم كما قَالَ وَأَوْحى «٢» رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً أي ألهمها. وقوله: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ... (١١٢) بالتاء والياء. قرأها أهلُ المدينة وَعَاصِم بن أبي النجود والأعمش بالياء: يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ وقد يكون ذَلِكَ عَلَى قولِكَ: هَلْ يستطيع فلان القيام معنا؟ وأنت تعلم أَنَّهُ يستطيعه، فهذا وجه. وذُكِرَ «٣» عَن عَليّ وعائشة رحمهما الله أنهما قرآ هَلْ تستطيعُ ربَّك بالتاء، وذكر عَن مُعاذ أَنَّهُ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ تستطيعُ ربَّكَ بالتاء، وهو وجه حسن. أي هَلْ تقدر عَلَى أن تسأل ربك أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ. وقوله: تَكُونُ لَنا عِيداً ... (١١٤) (وتَكُنْ لَنا) . وهي فِي قراءة عبد الله تَكْن لنا عِيدًا بغير واو. وما كَانَ من نكرةٍ قد وقع عليها أمر جاز في الفعل بعده الجزم والرفع. وأمّا المائدة فذكر

стр. 339

أنَّها نزلت، وكانت خبزًا وسمكًا. نزلت- فيما ذكر- يوم الاحد مرَّتين، فلذلك اتخذوهُ عيدًا. وقال بعض المفسّرين: لم تنزل لأنه اشترط عليهم أَنَّهُ إن أنزلها فلم يؤمنوا عذبهم، فقالوا: لا حاجة لنا فيها. وقوله: يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ (١١٦) عِيسَى فِي موضع رفع، وإن شئت نصبت «١» . وأمّا ابْنَ فلا يَجوز فِيهِ إلا النصب. وكذلك تفعل فى كل اسم دعوته باسمه ونسبته إلى أبيه كقولك: يا زيدُ بن عبدِ الله، ويا زيدَ بنَ عبد الله. والنصب فِي (زيد) فِي كلام العرب أكثر. فإذا رفعت فالكلام عَلَى دعوتين، وَإِذَا نصبت فهو دعوة. فإذا قلت: يا زيد أخا تَميم، أو قلت: يا زيد ابن الرجل الصالح رفعت الأوّل، ونصبت الثاني كقول الشاعر «٢» : يا زِبْرِقانُ أخا بني خَلَفٍ ... ما أنتَ وَيْلُ أبيك والْفَخْرُ وقوله: هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ (١١٩) ترفع (اليوم) ب (هذا) ، ويَجوز أن تنصبه «٣» لأنه مضاف إلى غير اسم كما قالت العرب: مضى يومئذ بما فِيهِ. ويفعلون ذَلِكَ بِهِ فِي موضع الخفض قَالَ الشاعر «٤» : رددنا لشعثاء الرسولَ ولا أرى ... كيومئذ شيئا تردّ رسائله

стр. 340

وكذلك وجه القراءة فِي قوله: مِنْ «١» عَذابِ يَوْمِئِذٍ وَمِنْ «٢» خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ويَجوز خفضه فِي موضع الخفض كما جازَ رفعه فِي موضع الرفع. وما أُضيفَ إلى كلام لَيْسَ فِيهِ مخفوض فافعل بِهِ ما فعلت فِي هَذَا كقول الشاعر «٣» : عَلَى حينِ عاتبتُ المشيبَ عَلَى الصِّبا ... وقلتُ أَلَمَّا تَصْحُ والشيبُ وازعُ وتفعل ذَلِكَ فِي يوم، وليلة، وحين، وغَداة، وَعَشِيَّةً، وزمن، وأزمان وأيام، وليال. وقد يكون قوله: هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ كذلك. وقوله: هذا «٤» يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ فيه ما فى قوله: يَوْمُ يَنْفَعُ وإن قلت «هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ» كما قَالَ الله: وَاتَّقُوا «٥» يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ تذهب إلى النكرة كَانَ صوابًا. والنصبُ فِي مثل هَذَا مكروهٌ فِي الصفة وهو عَلَى ذلك جائز، ولا يصلح فى القراءة.

стр. 341

من سورة الأنعام ومن سورة الأنعام: قوله ﵎: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ (٦) القرن ثمانون سنة. وقد قَالَ بعضهم: سبعون «١» . وقوله «٢» : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا (٩) : فِي صورة رجل لانَّهم لا يقدرون عَلَى النظر إلى صُورة المَلَك. وقوله: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ (١٢) إن شئت جعلت (الرحمة) غاية كلام، ثُمَّ استأنفت بعدها لَيَجْمَعَنَّكُمْ وإن شئت جعلته «٣» فِي موضع نصب كما قَالَ: كَتَبَ «٤» رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ والعربُ تَقُولُ فِي الحروف التي يَصْلح معها جواب الأيْمان بأن المفتوحة وباللام. فيقولون: أرسلت إِلَيْهِ أن يقوم، وأرسلت إِلَيْهِ ليقومنّ. وكذلك قوله: ثُمَّ «٥» بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ وهو فِي القرآن كَثِير ألا ترى أنك لو قلت: بدا لَهُم أن يسجنوه كَانَ صوابًا. وقوله: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ (١٤) مخفوض «٦» فِي الإعراب تَجعله صفة من صفات الله ﵎. ولو نصبته عَلَى المدح كَانَ صوابًا، وهو معرفة. ولو نويت الفاطر الخالق نصبته على القطع

стр. 342

إذ لَمْ يكن فِيهِ ألف ولام. ولو استأنفته فرفعته كَانَ صوابًا كما قَالَ: رَبِّ السَّماواتِ «١» وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ: وقوله: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ (١٨) كلُّ شيء قهر شيئًا فهو مُسْتَعلٍ عَلَيْهِ. وقوله: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ (١٩) يريد: ومن بلغه القرآن من بعدكم، و (بلغ) صلة ل (من) . ونصبت (من) بالإنذار. وقوله: آلِهَةً أُخْرى ولم يقل: أُخَر لأن الآلهة جَمع، (والجمع) «٢» يقع عَلَيْهِ التأنيث كما قَالَ الله ﵎: وَلِلَّهِ «٣» الْأَسْماءُ الْحُسْنى وقال الله ﵎: فَما «٤» بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ولم يقل: الأوَل والأوّلين. وكلّ ذَلِكَ صواب. وقوله: يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ (٢٠) ذُكِرَ أنّ عمر بن الخطاب قَالَ لعبد الله بن سَلام: ما هذه المعرفة التي تعرفون بِهَا محمدًا ﷺ ؟ قال: والله لأنابه إِذَا رأيته أعرفُ مني بابني وهو يلعب مع الصبيان لاني لا أشكُّ فِيهِ أَنَّهُ مُحَمَّد ﷺ ولستُ أدري ما صنع النساء فِي الابن. فهذه المعرفة لصفته فِي كتابِهم. وجاء التفسير فِي قوله: خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ يُقال: لَيْسَ من مؤمن ولا كافر إلا لَهُ منزل فِي الجنة وأهل وأزواج، فمن أسلم وسعد صار إلى منزله وأزواجه

стр. 343

(ومن «١» كفر صار منزله وأزواجه) إلى من أسلم وسعد. فذلك قوله الَّذِينَ «٢» يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ يقول: يرثونَ منازل الكفار، وهو قوله: الَّذِينَ «٣» خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ. وقوله: وَاللَّهِ رَبِّنا (٢٣) تقرأ «٤» : رَبِّنَا وربَّنا خفضًا ونصبًا. قَالَ الفراء: وَحَدَّثَنِي الْحَسَن بن عيَّاش «٥» أخو أبي بكر بن عياش عَن الأعمش عَن الشعبي عَن عَلقمة «٦» أَنَّهُ قرأ وَاللَّهِ رَبِّنا قَالَ: معناهُ: والله يا ربَّنا. فمن قَالَ رَبِّنا جعله محلوفا به. وقوله: وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ ... (٣٢) جعلت الدار هاهنا اسمًا، وجُعِلت الآخِرة من صفتها، وأضيفت فِي غير هَذَا الموضع «٧» . ومثله مِمّا يُضاف إلى مثله فِي المعنى قوله (إِنَّ «٨» هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ والحق هُوَ اليقين كما أنّ الدار هي الآخرة. وكذلك آتيتك بارحة الأولى، والبارحة الأولى. ومنه: يوم الخميس، وليلة الخميس. يُضاف الشيء إلى نفسه إِذَا اختلف لفظه كما اختلف الحق واليقين، والدار [و «٩» ] الآخرة، واليوم والخميس. فإذا اتفقا لَمْ تقل العرب: هَذَا حقُّ الحقّ، ولا يقين اليقين لانهم يتوهمون إذا

стр. 344

اختلفا فِي اللفظ أنهما مختلفان فِي المعنى. ومثله فِي قراءة عَبْد اللَّه وَذَلِكَ «١» الدينُ القَيِّمَةُ وفى قراءتنا دِينُ الْقَيِّمَةِ والقَيِّمُ والقَيِّمة بمنزلة قولك: رجل راوية وَهَّابة للأموال ووهَّاب وراو، وشبهه. وقوله: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ (٣٣) قرأها العامَّة بالتشديد. قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَسَدِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ «٢» عَنْ نَاجِيَةَ «٣» بْنِ كَعْبٍ عَنْ علىّ أنه قرأ «٤» يُكَذِّبُونَكَ مُخَفَّفَةً. ومعنى التخفيف- والله أعلم-: لا يجعلونك كذَّابًا، وإنَّما يريدونَ أن ما جئت بِهِ باطل لانهم لَمْ يجرّبوا عَلَيْهِ ﷺ كذبًا فيكذبوه وإنَّما أكذبوه «٥» أي ما جئت بِهِ كذب لا نعرفه. والتكذيب «٦» : أن يُقال: كَذَبت. والله أعلم. وقوله: فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ... (٣٥) فافعل «٧» ، مضمرة، بذلك. جاء التفسير، وَذَلِكَ معناهُ. وإنَّما تفعله العرب فِي كل موضع يُعرف فِيهِ معنى الجواب ألا ترى أنك تَقُولُ للرجل: إن استطعت أن تتصدق، إن رأيت أن تقوم مَعَنا، بترك الجواب لمعرفتك بِمعرفته به «٨» . فإذا جاء

стр. 345

ما لا يُعرف جوابه إلا بظهوره أظهرته كقولك للرجل: إن تقم تضب خيرًا، لا بدّ فِي هَذَا من جواب لأن معناهُ لا يُعرف إِذَا طُرِح. وقوله: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ... (٣٨) (الطائر) مخفوض. ورفعه «١» جائز (كما «٢» تَقُولُ: ما عندي من) رجل ولا امرأةٍ، وامرأةٌ من رفع قَالَ: ما عندي من رجلٍ ولا عندي امرأة. وكذلك قوله: وَما «٣» يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ ثُمَّ قَالَ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ، وَلا أَكْبَرَ، وَلا أَكْبَرَ إِذَا نصبت (أصغر) فهو فِي نية خفض، ومن رفع ردّه عَلَى المعنى. وأمّا قوله وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ فإنّ الطائر لا يطير إلا بجناحيه. وهو فِي الكلام بِمنزلة قوله (لَهُ «٤» تِسع وتسعونَ نَعْجَة [ولي نعجة] أنثى) ، وكقولك للرجل: كلَّمْته بِفيّ، ومشيت إِلَيْهِ عَلَى رِجْلَيَّ، إبلاغًا فِي الكلام. يُقال: إنّ كل صنف من البهائم أُمَّةٌ، والعربُ تَقُولُ صِنْف [وصَنْف «٥» ] . ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ حَشْرها: موتها، ثُمَّ تُحشر مع الناس فيُقال لَهَا: كوني ترابًا. وعند ذَلِكَ يتمنّى الكافر أنه كان ترابا مثلها.

стр. 346

وقوله: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ ... (٤٠) العرب لها فى (أرأيت) لغتان، ومعينان. أحدهما أن يسأل الرجل الرجل: أرأيت زيدًا بعينك؟ فهذه مهموزة. فإذا أوقعتها عَلَى الرجُل منه قلت: أرأيتكَ عَلَى غير هَذِه الحال؟ تريدُ: هَلْ رأيتَ نفسك عَلَى غير هَذِه الحال. ثم «١» تثنّى وتجمع، فتقول للرجلين: أرايتما كما، وللقوم: أَرَأَيْتموكم، وللنسوة: أَرَأَيْتُنَّكُنَّ «٢» ، وللمرأة: أَرَأَيْتِكِ، تخفض التاء والكاف، لا يَجوز إلا ذَلِكَ. والمعنى الآخر أن تَقُولُ: أرأيتَكَ، وأنت تريد: أَخْبِرني (وتهمزها) «٣» وتنصب التاء منها وتترك الْهَمْز إن شئت، وهو أكثر كلام العرب، وتترك التاء موحّدة مفتوحة للواحد والواحدة [والجميع «٤» فِي] مؤنثه ومذكره. فتقول للمرأة: أرايتَكِ زيدًا هَلْ خرج، وللنسوة: أرايتَكُنَّ زيدًا ما فعل. وإنّما تركت العرب التاء واحدة لانهم لَمْ يريدوا أن يكون الفعل منها واقعًا عَلَى نفسها، فاكتَفْوا بذكرها فِي الكاف، ووجَّهوا التاء إلى المذكر والتوحيد إذ لَمْ يكن الفعل واقعًا. وموضع الكاف نصب وتأويله رفع كما أنك إِذَا قلت للرجل: دونك زيدًا وجدت الكاف فِي اللفظ خفضًا وَفِي المعنى رفعًا لانّها مأمورة. والعرب إِذَا أوقعَتْ فِعْل شيء عَلَى نفسه قد كُنِّيَ فِيهِ عَن الاسم قالوا فِي الأفعال التامَّة غير ما يقولون فِي الناقصة. فيُقال للرجل: قتلتَ نفسك، وأحسنت إلى

стр. 347

نفسكَ، ولا يقولون: قتلتكَ ولا أحسنتَ إليك. كذلك قَالَ الله ﵎ فَاقْتُلُوا «١» أَنْفُسَكُمْ فِي كَثِير من القرآن كقوله وَما «٢» ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فإذا كَانَ الفعلُ ناقصًا- مثل حسبت وظننتُ- قالوا: أَظُنُّني خارجًا، وأَحْسبني خارجًا، ومتى تراك خارجًا. ولم يقولوا: متى ترى نفسك، ولا متى تظنّ نفسك. وَذَلِكَ أنّهم أرادوا أن يفرقُوا بين الفعل الَّذِي قد يُلْغَى، وبين الفعل الَّذِي لا يَجوز إلغاؤه ألا ترى أنك تَقُولُ: أنا- أظنّ- خارج، فتبطل (أظنّ) ويعمل فِي الاسم فعله. وقد قَالَ الله ﵎ إِنَّ «٣» الْإِنْسانَ لَيَطْغى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ولم يقل: رأى نفسه. وربما جاء فِي الشعر: ضربتَكَ أو شَبههُ من التامّ. من ذَلِكَ قول الشاعر «٤» : خُذَا حَذَرًا يا جارتَيَّ فإنَّني ... رأيتُ جِرَانَ الْعَوْدِ قد كَادَ يُصْلح لقد كَانَ لي فِي ضَرّتين عدِمتُني ... وما كنت ألقى من رزينة أبرح والعرب يقولون: عدِمتُنِي، ووجدتُني، وفقدتُني، وليس بوجه الكلام. وقوله: فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ... (٤٣) معنى (فَلَوْلا) فهلا. ويكون معناها عَلَى معنى لولا «٥» كأنك قلت: لولا عبد الله لضربتك. فإذا رأيت بعدها اسمًا واحدًا مرفوعًا فهو بِمعنى لولا التي جوابها اللام وَإِذَا لَمْ تَر بعدها اسمًا فهي استفهام كقوله: لَوْلا «٦» أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ [فَأَصَّدَّقَ

стр. 348

وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ] وكقوله: فَلَوْلا «١» إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ [تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ] وكذلك (لوما) فيها ما فِي لولا: الاستفهام والخبر. وقوله: فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ (٤٤) يعني أبواب الرزق والمطر وهو «٢» الخير فِي الدُّنْيَا لنفتنهم فِيهِ. وهو مثل قوله: حَتَّى «٣» إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً ومثله وَأَنْ «٤» لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ مَاءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ والطريقة طريقة «٥» الشِرك أي لو استمروا عليها فعلنا ذَلِكَ بِهم. وقوله: فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ المبلس: اليائس المنقطع رجاؤه. ولذلك قيل للذي يسكت عند انقطاع حجته ولا يكون عنده جواب: قد أبلس وقد قَالَ الراجز «٦» : يا صاحِ هَلْ تعرف رَسْمًا مُكْرَسَا ... قَالَ نعم أعرفه، وأبلسا أي لَمْ يُحِرْ إليّ جوابًا. وقوله: يَأْتِيكُمْ بِهِ (٤٦) كناية عَن ذهاب «٧» السمع والبصر والختم عَلَى الأفئدة. وإذا كنيت عَن الأفاعيل وإن كثرت وحَّدْت الكناية كقولك للرجل: إقبالك وإدبارك يؤذيني. وقد يُقال: إنَّ الْهَاء التي فِي «٨» بِهِ كناية عن الهدى، وهو كالوجه الأوّل.

стр. 349

وقوله: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ (٥١) يقول: يَخافونَ أن يحشروا إلى ربهم علمًا بأنه سيكون. ولذلك «١» فسّر المفسرون يَخافُونَ: يعلمون. وقوله: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ (٥٢) يقول القائل: وكيف يَطْرد رسول الله ﷺ من يدعو ربه حَتَّى يُنْهَى عَن ذَلِكَ؟ فإنه بلغنا أن عيينة بن حِصْن الفَزَاري دخل عَلَى النَّبِيّ ﷺ وعنده سَلْمَان وبلال وصُهَيْب وأشباههم، فقال عُيينة: يا رسول الله لو نحَّيْتَ هَؤُلاءِ عنك لاتاك أشراف قومك فأسلموا. فأنزل الله ﵎: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ. وقوله: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ (٥٤) تكسر الألف من (أنّ) والتي بعدها «٢» فى جوابها على الائتناف، وهي قراءة «٣» القرّاء «٤» . وإن شئت فتحت الألف من (أنّ) تريد: كتب ربكم عَلَى نفسه أَنَّهُ من عمل. ولك فى (أنّ) التي بعد الفاء الكسر والفتح. فأمّا من «٥» فتح فإنه يقول: إنَّما يَحتاج الكتاب إلى (أنّ) مرة واحدة ولكن الخبر هُوَ موضعها، فلمّا دخلت فى ابتداء

стр. 350

الكلام أعيدت إلى موضعها كما قَالَ: أَيَعِدُكُمْ «١» أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ فلمّا كَانَ موقع أنّ: أيعدكم أنكم مخرجون إِذَا متم دخلت فِي أول الكلام وآخره. ومثله: كُتِبَ «٢» عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ بالفتح. ومثله: أَلَمْ «٣» يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ ولك أن تكسر «٤» (إِنَّ) التي بعد الفاء فِي هَؤُلاءِ الحروف عَلَى الاستئناف ألا ترى أنك قد تراه حسنًا أن تَقُولُ: «كتب أَنَّهُ من تولاهُ فهو يضله» بالفتح. وكذلك «وأصلح فهو غفور رحيم» لو كَانَ لكان صوابًا. فإذا حسُنَ دخول (هُوَ) حسن الكسر. وقوله: وليستبين سبيل المجرمين (٥٥) ترفع (السبيل) بقوله: (وليستبين) لأن «٥» الفعل لَهُ. ومن «٦» أنَّثَ السبيل قَالَ: وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ. وقد يجعل «٧» الفعل للنبي ﷺ فتنصب «٨» السبيل، يراد بِهِ: ولتستبين يا مُحَمَّد سبيلَ المجرمين. وقوله: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يقض الحقّ (٥٧) كتبت بطرح الياء لاستقبالها الألف واللام كما كتب سَنَدْعُ «٩» الزَّبانِيَةَ بغير واو، وكما كتب فَما «١٠» تُغْنِ النُّذُرُ بغير ياء عَلَى اللفظ. فهذه قراءة أصحاب «١١»

стр. 351

عبد الله. وذُكِرَ عَن عَليّ «١» أَنَّهُ قَالَ: (يَقُصُّ الْحَقَّ) بالصاد. قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي سُفْيَانُ «٢» بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو «٣» بْنِ دِينَارٍ عَنْ رَجُلٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ (يَقْضِي بِالْحَقِّ) قَالَ الْفَرَّاءُ: وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ. وقوله: وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ (٥٩) يَجوز رفعها. وقوله: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً (٦٣) يُقال: خُفْيَة وخِفْية. وفيها لغة بالواو، - ولا تصلح فِي القراءة-: خُفوة وخِفوة كما قيل: قد حلّ حبوته وحبوته وحبيته. وقوله: لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ (٦٣) قراءة أهل الكوفة، - وكذلك هي فِي مصاحفهم- «أن «٤» جِ ي ن ألف» وبعضهم «٥» بالألف (أَنْجَانَا) وقراءة الناس (أنجيتنا) بالتاء. وقوله: قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ (٦٥) كما فعل بقوم نوح: المطر والحجارة والطوفان أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ: الخسف أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً: يخلطكم شيعا ذوى أهواء.

стр. 352

وقوله: وَلكِنْ ذِكْرى (٦٩) فِي موضع نصب أو رفع النصب بفعل مضمر (ولكن) نذكرهم (ذكرى) والرفع عَلَى قوله (ولكن) هُوَ (ذكرى) . وقوله: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ... (٧٠) يُقال: لَيْسَ من قوم إِلا ولَهم عيد فهم يَلْهُون فِي أعيادِهم، إلا أُمَّةَ مُحَمَّد ﷺ فإن أعيادهم بِرّ وصلاة وتكبير وخير. وقوله: وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ أي ترتهن «١» (والعربُ «٢» تَقُولُ: هَذَا عليك بَسْل أي حرام. ولذلك قيل: أسَد باسل أي لا يُقْرَب) والعربُ تَقُولُ: أعْطِ الراقِي بُسْلته، وهو أجر الرقْية. وقوله: يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا ... (٧١) كَانَ أَبُو بكر الصديق وامرأته يدعوان عبد الرحمن ابنهما إلى الإسلام. فهو قوله: إِلَى الْهُدَى ائْتِنا أي أطعنا، ولو كانت «إلى الهدى أن ائتنا» لكان صوابًا كما قَالَ: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ «٣» فِي كَثِير من أشباهه، يجيء بأَنْ، ويطرحُها. وقوله: وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ ... (٧٢) مردودة عَلَى اللام التي فِي قوله: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ والعربُ تَقُولُ: أمرتك لتذهب (وأن «٤» تذهب) فأَن فِي موضع نصب بالرد عَلَى الأمر. ومثله فى القرآن كثير.

стр. 353

وقوله: كُنْ فَيَكُونُ ... (٧٣) يقال إنّ قوله: فَيَكُونُ للصُّور خاصَّة، أي يوم يقول للصور: كُنْ فَيَكُونُ. ويقال إن قوله: كُنْ فَيَكُونُ لقوله «١» هُوَ الحقّ من نعت القول، ثُمَّ تجعل فعله يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ يريد: يكون قوله الحقّ يومئذ. وقد يكون أن تقول: وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ لكل شيء فتكون كلمة مكتفية وترفع القول بالحقّ، وتنصب (اليوم) لأنه محل لقوله الحقّ. والعربُ تَقُولُ: نُفِخَ فِي الصورِ وَنُفِخَ، وَفِي قراءة عبد الله: كهيئة الطير فأنفخها فتكون طيرًا بإذني «٢» وقال الشاعر: لولا ابنُ جَعْدة لَمْ يُفتَح قُهُنْدُزكم ... ولا خُراسانُ حَتَّى يُنْفَخَ الصُّورُ «٣» ويُقال: إن الصُّور قَرن، ويُقال: هُوَ جَمع للصور «٤» ينفخ فِي الصور فِي الموتى. والله أعلم بصواب ذَلِكَ. وقوله: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ ... (٧٤) يُقال: آزر فِي موضع خفض ولا يُجْرى لأنه أعجميّ. وقد أجمع أهل النسب عَلَى أَنَّهُ ابن تَارَح، فكأن آزر لقب لَهُ. وقد بلغني أن معنى (آزر) فِي كلامهم مُعوج، كأنه عابه بزيغه وبِعِوجه عَن الحق. وقد قرأ بعضهم «٥» لِأَبِيهِ آزَرَ بالرفع عَلَى النداء (يَا) وهو وجه حسن. وقوله: أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً نصبت الأصنام بإيقاع الفعل عليها، وكذلك الآلهة.

стр. 354

وقوله: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ... (٧٦) يُقال: جنّ عَلَيْهِ الليل، وَأَجَنَّ، وَأَجَنَّهُ الليل وجَنّه الليل وبالألف «١» أجود إِذَا ألقيت (عَلَى) وهي أكثر من جنَّه الليل. يُقال فِي قوله: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي قولان: إِنَّما قَالَ: هَذَا ربي استدراجًا للحجَّة عَلَى قومه ليعيب «٢» آلهتهم أنّها ليست بشيء، وأن الكوكب والقمر والشمس أكبر منها ولسن بآلهة ويُقال: إنه قاله عَلَى الوجه «٣» الآخر كما قَالَ الله ﵎ لِمحمد ﷺ : أَلَمْ «٤» يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى. وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى واحتجوا هاهنا بقول إِبْرَاهِيم: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. وقوله: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ (٨٣) وَذَلِكَ أنهم قالوا لَهُ: أمَا تَخاف أن تخبلك آلهتنا لسبِّك إيّاها؟ فقال لَهُم: أَفلا تخافون أنتم ذَلِكَ منها إذ سوّيتم بين الصغير والكبير والذكر والأنثى أن يغضب الكبير إذ سويتم بِهِ الصغير. ثُمَّ قَالَ لَهُم: أمن يعبد إلهًا واحدًا أحقّ أن يأمن أم من يعبد آلهة شَتَّى؟ قالوا: من يعبد إلها واحدا، فغضبوا على أنفسهم. فذلك قوله: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ.

стр. 355

وقوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ ... (٨٤) هذه الهاء لنوح: و (هدينا) من ذريته داود وسليمان. ولو رفع داود وسليمان عَلَى هَذَا المعنى إذ لَمْ يظهر الفعل كَانَ صوابًا كما تَقُولُ: أخذت صدقاتِهم لكل مائة (شاةٍ «١» شاةٌ) وشاةٌ. وقوله: وَالْيَسَعَ ... (٨٦) يشدّد «٢» أصحاب عبد الله اللام، وهي أشبه بأسماء العجم من الذين «٣» يقولون وَالْيَسَعَ لا تكاد العرب تدخل الألف واللام فيما لا يُجْرَى مثل يزيد ويعمر إلا فِي شعر أنشد بعضهم: وَجَدْنَا الوليد بن اليزيد مباركًا ... شديدًا بَأحْنَاء الْخِلافَةِ كاهِله «٤» وإنَّما أَدْخل فِي يزيد الألف واللام لَمَّا أدخلها فِي الوليد. والعربُ إِذَا فعلت ذَلِكَ فقد أمسَّت الحرف مدحًا. وقوله: فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ ... (٨٩) يعني أهل مَكَّةَ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً يعنى أهل المدينة لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ بالآية «٥» .
следующие страницы →