وقوله: وَلكِنْ ذِكْرى (٦٩) فِي موضع نصب أو رفع النصب بفعل مضمر (ولكن) نذكرهم (ذكرى) والرفع عَلَى قوله (ولكن) هُوَ (ذكرى) .
وقوله: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ... (٧٠)
يُقال: لَيْسَ من قوم إِلا ولَهم عيد فهم يَلْهُون فِي أعيادِهم، إلا أُمَّةَ مُحَمَّد ﷺ فإن أعيادهم بِرّ وصلاة وتكبير وخير.
وقوله: وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ أي ترتهن «١» (والعربُ «٢» تَقُولُ: هَذَا عليك بَسْل أي حرام. ولذلك قيل: أسَد باسل أي لا يُقْرَب) والعربُ تَقُولُ: أعْطِ الراقِي بُسْلته، وهو أجر الرقْية.
وقوله: يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا ... (٧١)
كَانَ أَبُو بكر الصديق وامرأته يدعوان عبد الرحمن ابنهما إلى الإسلام. فهو قوله: إِلَى الْهُدَى ائْتِنا أي أطعنا، ولو كانت «إلى الهدى أن ائتنا» لكان صوابًا كما قَالَ: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ «٣» فِي كَثِير من أشباهه، يجيء بأَنْ، ويطرحُها.
وقوله: وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ ... (٧٢)
مردودة عَلَى اللام التي فِي قوله: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ والعربُ تَقُولُ: أمرتك لتذهب (وأن «٤» تذهب) فأَن فِي موضع نصب بالرد عَلَى الأمر. ومثله فى القرآن كثير.
стр. 353
وقوله: كُنْ فَيَكُونُ ... (٧٣)
يقال إنّ قوله: فَيَكُونُ للصُّور خاصَّة، أي يوم يقول للصور: كُنْ فَيَكُونُ.
ويقال إن قوله: كُنْ فَيَكُونُ لقوله «١» هُوَ الحقّ من نعت القول، ثُمَّ تجعل فعله يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ يريد: يكون قوله الحقّ يومئذ. وقد يكون أن تقول:
وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ لكل شيء فتكون كلمة مكتفية وترفع القول بالحقّ، وتنصب (اليوم) لأنه محل لقوله الحقّ.
والعربُ تَقُولُ: نُفِخَ فِي الصورِ وَنُفِخَ، وَفِي قراءة عبد الله: كهيئة الطير فأنفخها فتكون طيرًا بإذني «٢» وقال الشاعر:
لولا ابنُ جَعْدة لَمْ يُفتَح قُهُنْدُزكم ... ولا خُراسانُ حَتَّى يُنْفَخَ الصُّورُ «٣»
ويُقال: إن الصُّور قَرن، ويُقال: هُوَ جَمع للصور «٤» ينفخ فِي الصور فِي الموتى.
والله أعلم بصواب ذَلِكَ.
وقوله: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ ... (٧٤)
يُقال: آزر فِي موضع خفض ولا يُجْرى لأنه أعجميّ. وقد أجمع أهل النسب عَلَى أَنَّهُ ابن تَارَح، فكأن آزر لقب لَهُ. وقد بلغني أن معنى (آزر) فِي كلامهم مُعوج، كأنه عابه بزيغه وبِعِوجه عَن الحق. وقد قرأ بعضهم «٥» لِأَبِيهِ آزَرَ بالرفع عَلَى النداء (يَا) وهو وجه حسن. وقوله: أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً نصبت الأصنام بإيقاع الفعل عليها، وكذلك الآلهة.
стр. 354
وقوله: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ... (٧٦)
يُقال: جنّ عَلَيْهِ الليل، وَأَجَنَّ، وَأَجَنَّهُ الليل وجَنّه الليل وبالألف «١» أجود إِذَا ألقيت (عَلَى) وهي أكثر من جنَّه الليل.
يُقال فِي قوله: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي قولان: إِنَّما قَالَ: هَذَا ربي استدراجًا للحجَّة عَلَى قومه ليعيب «٢» آلهتهم أنّها ليست بشيء، وأن الكوكب والقمر والشمس أكبر منها ولسن بآلهة ويُقال: إنه قاله عَلَى الوجه «٣» الآخر كما قَالَ الله ﵎ لِمحمد ﷺ : أَلَمْ «٤» يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى. وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى واحتجوا هاهنا بقول إِبْرَاهِيم: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ.
وقوله: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ (٨٣) وَذَلِكَ أنهم قالوا لَهُ: أمَا تَخاف أن تخبلك آلهتنا لسبِّك إيّاها؟ فقال لَهُم:
أَفلا تخافون أنتم ذَلِكَ منها إذ سوّيتم بين الصغير والكبير والذكر والأنثى أن يغضب الكبير إذ سويتم بِهِ الصغير. ثُمَّ قَالَ لَهُم: أمن يعبد إلهًا واحدًا أحقّ أن يأمن أم من يعبد آلهة شَتَّى؟ قالوا: من يعبد إلها واحدا، فغضبوا على أنفسهم. فذلك قوله: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ.
стр. 355
وقوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ ... (٨٤)
هذه الهاء لنوح: و (هدينا) من ذريته داود وسليمان. ولو رفع داود وسليمان عَلَى هَذَا المعنى إذ لَمْ يظهر الفعل كَانَ صوابًا كما تَقُولُ: أخذت صدقاتِهم لكل مائة (شاةٍ «١» شاةٌ) وشاةٌ.
وقوله: وَالْيَسَعَ ... (٨٦)
يشدّد «٢» أصحاب عبد الله اللام، وهي أشبه بأسماء العجم من الذين «٣» يقولون وَالْيَسَعَ لا تكاد العرب تدخل الألف واللام فيما لا يُجْرَى مثل يزيد ويعمر إلا فِي شعر أنشد بعضهم:
وَجَدْنَا الوليد بن اليزيد مباركًا ... شديدًا بَأحْنَاء الْخِلافَةِ كاهِله «٤»
وإنَّما أَدْخل فِي يزيد الألف واللام لَمَّا أدخلها فِي الوليد. والعربُ إِذَا فعلت ذَلِكَ فقد أمسَّت الحرف مدحًا.
وقوله: فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ ... (٨٩)
يعني أهل مَكَّةَ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً يعنى أهل المدينة لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ بالآية «٥» .
стр. 356
وقوله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (٩١) ما عظّموهُ حقّ تعظيمه. وقوله تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ يقول: كيف قلتم: لَمْ يُنزل الله عَلَى بشر من شيء وقد أنزلت التوراة عَلَى موسى تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ والقِرطاس «١» فِي هَذَا الموضع صحيفة. وكذلك قوله: وَلَوْ «٢» نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ يعنى: فى صحيفة.
تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً يقول: تبدونَ ما تُحبون، وتكتمونَ صفة مُحَمَّد ﷺ .
وقوله: قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ أُمر مُحَمَّد ﷺ أن يقول قُلِ اللَّهُ أي: أنزله الله عليكم. وإن شئت قلت: قل (هُوَ) الله.
وقد يكون قوله قُلِ اللَّهُ جوابًا لقوله: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى، قُلِ اللَّهُ أنزله. وإنما اخترت رفع اللَّهَ بغير الجواب لأن الله ﵎ الَّذِي أمر محمدًا ﷺ أن يسألهم: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ وليست بِمسألة منهم فيجابوا، ولكنه جازَ لأنه استفهام، والاستفهام يكون لَهُ جواب.
وقوله: ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ لو كانت جزمًا لكان صوابًا كما قَالَ ذَرْهُمْ «٣» يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا.
стр. 357
وقوله: وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى ... (٩٢)
يُقال فِي التفسير: إنّ «١» أمّ القرى مَكَّة.
وقوله: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ الْهَاء تكون لِمحمد ﷺ وللتنزيل.
وقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ... (٩٣)
يُقال: إنَّها نزلت فِي مسيلمة الكذَّاب، وَذَلِكَ أنه ادّعى النبوة.
وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ ومن فِي موضع خفض. يريد: ومن أظلم من هَذَا ومن هَذَا الَّذِي قال: سأنزل مثل ما أنزل الله. نزلت فِي عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح.
وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يكتب لرسول الله ﷺ ، فإذا قَالَ النَّبِيّ ﷺ : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ كتب سَمِيعٌ عَلِيمٌ أو عَزِيزٌ حَكِيمٌ فيقول لَهُ النَّبِيّ ﷺ : سواء حَتَّى أملّ عَلَيْهِ قوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ «٢» إلى قوله: ثُمَّ «٣» أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فقال ابن أبي سَرْح فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ تعجُّبًا من تفصيل خَلق الانْسَان، قَالَ فقال لَهُ النَّبِيّ ﷺ : هكذا أنزِلت عَليّ، فشكّ وارتدّ. وقال: لئن كَانَ مُحَمَّد ﷺ صادقًا لقد أوحي إليّ (كما «٤» أوحي إِلَيْهِ) ولئن كَانَ كاذبًا لقد قلتُ مثل ما قَالَ، فأنزل الله ﵎ فِيهِ: وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ.
стр. 358
وقوله: وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ ويُقال: باسطو أيديهم بإخراج أنفس الكفار. وهو مثل قوله: يَضْرِبُونَ «١» وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ولو كانت (باسطون) كانت (أيدِيَهُمْ) ولو كانت «باسطو أيديهم أن أخرجِوا» كَانَ صوابًا. ومثله مما تركت فِيهِ أن قوله: يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا وَإِذَا طرحت من مثل هَذَا الكلام (أَن) ففيه القول مُضْمَرٌ كقوله: وَلَوْ «٢» تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يقولون: رَبَّنا.
وقوله: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى ... (٩٤)
وهو جمع. والعرب تَقُولُ: [قوم «٣» ] فرادى وفرادُ يا هَذَا فلا يُجرونَها، شبهت بثُلاث ورُبَاع. وفرادى واحدها فَرْد، وفِرد، وفريد وفراد «٤» للجمع، ولا يَجوز فرد فِي هَذَا المعنى. وأنشدني بعضهم:
ترى النُعَراتِ الزُّرْقِ تَحت لَبَانه ... فُرَادَ ومثْنَى أصعقتها صواهِله «٥»
وقوله: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ... (٩٤)
قرأ حمزة ومجاهد بَيْنَكُمْ يريد وصلكم. وَفِي قراءة عبد الله لَقَدْ تقطع ما بينكم وهو وجه الكلام. إِذَا جعل الفعل لبين ترك نصبًا كما قالوا: أتاني دونك من الرجال فترك نصبًا وهو فِي موضع رفع لأنه صفة. وإذا قالوا: هذا
стр. 359
دون من الرجال رفعوه فِي موضع الرفع. وكذلك تَقُولُ: بين الرجلين بين بعيد، وبون بعيد إِذَا أفردته أجريته «١» فِي العربية وأعطيته الإعراب.
وقوله: فالِقُ الْإِصْباحِ ... (٩٦)
والإصباح مصدر أصبحنا إصباحًا، والإصباح «٢» صُبْح كل يوم بِمجموع.
وقوله: وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً الليل فِي موضع نصب فِي المعنى. فردّ الشمس والقمر عَلَى معناهُ لِمَا فرق بينهما بقوله: سَكَناً فإذا لَمْ تفرق بينهما بشيء آثروا الخفض. وقد يَجوز أن ينصب وإن لَمْ يحل بينهما بشيء أنشد بعضهم:
وبينا نحنُ ننظره أتانا ... معلِّقَ شَكْوةٍ وزِنَادَ راع «٣»
وتقول: أنت آخذٌ حقَّك وَحَقِّ غيرك فتضيف فِي الثاني وقد نوَّنت فِي الأول لأن المعنى فِي قولك: أنت ضارب زيدًا وضاربُ زيدٍ سواء. وأحسن ذلك أن تحول بينهما بشيء كما قَالَ امرؤ القيس:
فظلّ طُهَاةُ اللحم من بين مُنْضِج ... صفيفَ شِوَاءٍ أو قَدِيرٍ معجَّلِ «٤»
فنصب الصفيف وخفض القدير على ما قلت لك.
стр. 360
وقوله: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ... (٩٨)
يعنى فى الرحم «١» وَمُسْتَوْدَعٌ فى صلب الرجل. ويقرأ «٢» فَمُسْتَقَرٌّ يعنى الولد فى الرحم وَمُسْتَوْدَعٌ فِي صلب الرجل. ورفعها عَلَى إضمار الصفة كقولك: رأيت الرجلين عاقل وأحمق، يريدُ منهما كذا وكذا.
وقوله: فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ... (٩٩)
يقول: رزق كل شيء، يريد ما ينبت ويصلح غذاء لكل شيء. وكذا جاء التفسير، وهو وجه الكلام. وقد يَجوز فِي العربية أن تضيف النبات إلى كل شيء وأنت تريد بكل شيء النبات أيضًا، فيكون مثل قوله: إِنَّ «٣» هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ واليقين هُوَ الحق. وقوله: مِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ الوجه الرفع فِي القنوان لأن المعنى: ومن النخل قِنوانه دانية. ولو نصب: وأخرج من النخل من طلعها قنوانًا دانية لَجَازَ فِي الكلام، ولا يقرأ بِهَا لمكان الكتاب «٤» .
وقوله: وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ نصب، إلا أن جَمْع المؤنث بالتاء يَخفض فِي موضع النصب، ولو رفعت «٥» الجنات تتبع «٦» القنوان كان صوابا.
وقوله: وَ «٧» فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ الوجه فِيهِ الرفع، تجعلها تابعة للقطع. ولو نصبتها وجعلتها تابعة للرواسي والانهار كَانَ صوابًا.
стр. 361
وقوله: وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ يريد شَجرة الزيتون وشَجر الرمان، كما قَالَ:
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «١» يريد أهل القرية.
وقوله: انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ يقول: انظروا إِلَيْهِ أول ما يَعْقِد (وَيَنْعِهِ) : بلوغه وقد قرئت (وَيُنْعِهِ «٢» ، ويانِعِهِ «٣» ) . فأمّا قوله: وَيَنْعِهِ فمثل نضجه، ويانعه مثل ناضجه وبالغه.
وقوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ (١٠٠) إن «٤» شئت جعلت الْجِنَّ تفسيرًا للشركاء. وإن شئت جعلت نصبه عَلَى:
جعلوا الجنّ شركاء لله ﵎.
وقوله: وَخَرَقُوا: واخترقوا وخلقوا واختلقوا، يريد: افْتَروْا.
وقوله: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ (١٠٢) يرفع خالِقُ عَلَى الابتداء «٥» ، وَعَلَى أن يكون خبرًا. ولو نصبته إذ لَمْ يكن فِيهِ الألف واللام عَلَى القطع «٦» كَانَ صوابًا، وهو مثل قوله: غافِرِ «٧» الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ. وكذلك: فاطِرِ «٨» السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لو نصبته إِذَا كَانَ قبله معرفة تامّة جاز ذلك لأنك قد تقول: الفاطر السموات، الخالق كل شىء،
стр. 362
القابل التوب، الشديد العقاب. وقد يَجوز أن تَقُولُ: مررت بعبد الله مُحدِّثِ زيد، تَجعله معرفة وإن حسنت فِيهِ الألف واللام إِذَا كَانَ قد عُرِفَ بذلك، فيكون مثل قولك: مررت بوحشي قاتل حَمزة، وبابن ملجَم قاتِل عليّ، عرف بِهِ حَتَّى صارَ كالاسم لَهُ.
وقوله: وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ (١٠٥) يقولون: تَعلَّمْتَ من يهود. وَفِي قراءة عبد الله وَلِيقولوا درس يعنون مُحمدًا ﷺ . وهو كما تَقُولُ فِي الكلام: قالوا لي: أساء، وقالوا لي:
أسأت. ومثله: قُلْ «١» لِلَّذِينَ كَفَرُوا سيغلبون وسَتُغْلَبُونَ.
وقرأ بعضهم «٢» (دارست) يريدُ: جادلت اليهود وجادلوك. وكذلك قَالَ ابن عباس. وقرأها مُجَاهد (دارَسْت) وفسَّرها: قرأت عَلَى اليهود وقرءوا عليك.
وقد قرئت «٣» (دُرِسَتْ) أي قرِئت وتليت. وقرءوا (دَرُسَتْ) وقرءوا (دَرَسَتْ) يريد: تقادمت، أي هَذَا الَّذِي يتلوه علينا شىء قد تطاول ومرّبنا.
وقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ (١٠٩) المقسمونَ الكفار. سألوا رَسُول اللَّه ﷺ أن يأتيهم بالآية التي نزلت فِي الشعراء إِنْ «٤» نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ
стр. 363
فسألوا رَسُول اللَّه ﷺ أن ينزلها وحلفوا ليؤمنن، فقال المؤمنون:
يا رسول الله سل ربك ينزلها عليهم حَتَّى يؤمنوا، فأنزل الله ﵎: قل للذين آمنوا: وما يُشعركم أنهم يؤمنون. فهذا وجه النصب فِي أنّ وما يُشعركم أنهم يؤمنون (و) نحن نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا، وقرأ بعضهم:
(إنها) مكسور الألف (إذا جاءت) مستأنفة، ويجعل قوله (وما يشعركم) كلامًا مكتفيًا. وهي فِي قراءة عبد الله: وما يشعركم «١» إِذَا جاءتهم أنهم لا يؤمنون.
و (لا) فِي هَذَا الموضع «٢» صِلة كقوله: وَحَرامٌ «٣» عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ: المعنى: حرامٌ عليهم أن يرجعوا. ومثله: مَا مَنَعَكَ «٤» أَلَّا تَسْجُدَ معناهُ: أن تسجد.
وهي فِي قراءة أُبي: لعلها إِذَا جاءتهم لا يؤمنون وللعرب فِي (لعلّ) لغة بأن يقولوا: ما أدري أنك صاحبها، يريدون: لعلك صاحبها، ويقولون:
ما أدري لو أنّك صاحبها، وهو وجه جيد أن تَجعل (أَنّ) فِي موضع لعل.
وقوله: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ (١١١) هَذَا أمرٌ قد كانوا سألوهُ، فقال الله ﵎: لو فعلنا بِهم ذَلِكَ لَمْ يؤمنوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ.
وقوله: (قبلا) جمع قبيل. والقبيل: الكفيل. وإِنَّما اخترت هاهنا أن يكون الْقُبُلُ فِي معنى الكفالة لقولهم: أَوْ تَأْتِيَ «٥» بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا يضمنون «٦»
стр. 364
ذلك. وقد يكون (قبلا) : من قبل وجوههم كما تقول: أتيتك قُبُلا ولَمْ آتك دُبُرا. وقد يكون القبيل «١» جَميعًا للقبيلة كأنك قلت: أو تأتينا بالله والملائكة قبيلة قبيلة وجَماعة جَماعة. ولو قرئت «٢» قَبَلا عَلَى معنى: معاينةً كَانَ صوابًا، كما تَقُولُ:
أنا لقيته قبلا.
وقوله: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ (١١٢) نصبت العدوّ والشياطين بقوله: جعلنا.
وَقوله: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ فَإِنَّ إِبْلِيسَ- فِيمَا ذُكِرَ- جَعَلَ فِرْقَةً مِنْ شَيَاطِينِهِ مَعَ الإِنْسِ، وَفِرْقَةً مَعَ الْجِنِّ، فَإِذَا الْتَقَى شَيْطَانُ «٣» الإِنْسِيِّ وَشَيْطَانُ الْجِنِّيِّ «٤» قَالَ: أَضْلَلْتُ صَاحِبِي بِكَذَا وَكَذَا، فَأَضْلِلْ بِهِ صَاحِبَكَ، وَيَقُولُ «٥» لَهُ (شَيْطَانُ «٦» الْجِنِّيِّ) مِثْلَ ذَلِكَ. فَهَذَا وَحْيُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ. قَالَ الْفَرَّاءُ: حَدَّثَنِي بِذَلِكَ حَيَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وقوله: وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) الاقتراف: الكسب تَقُولُ العرب: خرج فلان يقترف «٧» أهله.
وقوله: مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) من الشاكّين أنَّهم يعلمون أَنَّهُ مُنزل من ربك.
стр. 365
وقوله: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ (١١٦) فى أكل الميتة يُضِلُّوكَ لأن أكثرهم كانوا ضُلالا. وَذَلِكَ أنهم قالوا للمسلمين: أتأكلونَ ما قَتَلتم ولا تأكلونَ ما قتلَ ربّكم! فأنزلت هَذِه الآية وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ.
وقوله: هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ (١١٧) (من) فِي موضع «١» رفع كقوله: لِنَعْلَمَ «٢» أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى إذا كانت (من) بعد العلم والنظر والدراية- مثل نظرت وعلمت ودريت- كانت فِي مذهب أيّ. فإن كَانَ بعدها فعل لَهَا رفعتها بِهِ، وإن كَانَ بعدها فعل يقع عليها نصبتها «٣» كقولك:
ما أدرى من قام، ترفع (من) بقام، وما أدري من ضربت، تنصبها بضربت.
وقوله: وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ (١٢٠) فأمّا ظَاهِره فالفجور والزنى، وأمّا باطنه فالمخالة: «٤» أن تتخذ المرأة الخليل وأن يتخذها.
وقوله: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ (١٢١) يقول: أكلكم ما لَمْ يذكر اسم الله عَلَيْهِ فسق أي كفر. وكنى عَن الأكل، كما قال:
فَزادَهُمْ «٥» إِيماناً يريد: فزادهم قول الناس إيمانا.
стр. 366
وقوله: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ (١٢٢) أي كَانَ ضالا فهديناه.
وقوله: نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ يعني إيمانه.
وقوله: الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ (١٢٤) أي من عند الله، كذلك قَالَ المفسرون. وهو فِي العربية كما تَقُولُ: سيأتيني رزق عندك، كقولك: سيأتيني الَّذِي عند الله. سيصيبهم «١» الصغار الَّذِي عنده، ولِمحمد ﷺ أن ينزله بِهم. ولا يَجوز فِي العربية أن تَقُولُ: جئتُ عند زيد، وأنت تريد: من عند زيد.
وقد يكون قوله: صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ أنَّهم اختاروا الكفر تَعزُّزًا وأَنَفةً من اتِّبَاع مُحَمَّد ﷺ ، فجعل الله ذَلِكَ صَغَارًا عنده.
وقوله: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ (١٢٥) [من «٢» ] ومن فِي موضع رفع بالهاء التي عادت عليهما من ذكرهما.
وقوله: يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً «٣» قرأها ابن عباس وعمر (حرِجًا) . وقرأها الناس: حَرَجًا. والحرج- فيما فسر ابن عباس- الموضع الكثير الشجر الَّذِي لا تصل إِلَيْهِ الراعية. قَالَ: فكذلك صَدْر الكافر لا تصل إِلَيْهِ الحكمة. وهو فِي كسره وفتحه
стр. 367
بِمنزلة الوحَد «١» والوحِد، والفَرَد والفِرِد، والدَنَف والدِنِف: تقوله «٢» العرب فِي معنى واحد.
وقوله: كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ يقول: ضاق عَلَيْهِ المذهب فلم يَجد إِلا أَنْ يَصعد فِي السماء وليس يقدر. وتقرأ «٣» كَأَنَّما يصَّاعَد يريد يتصاعد، (ويَصَّعَّدُ «٤» ) مخففة.
وقوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ (١٢٨) يقول: قد أضللتم كثيرا.
وقوله: وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ فالاستمتاع من الإنس بالجِنّ أن الرجل كَانَ إِذَا فارق «٥» فاستوحش أو قتل صيدًا من صيدهم فخاف قَالَ: أعوذ بسيد هَذَا الوادي، فيبيت آمنًا فِي نفسه. وأمّا استمتاع الجن بالإنس فما نالوا بِهم من تعظيم الإنس إيّاهم، فكان الجِنّ «٦» يقولون: سُدْنا الجنّ والإنس.
وقوله: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
(١٣٠) فيقول القائل: إِنَّمَا الرسل من الإنس خاصة، فكيف قال للجنّ والإنس (منكم) ؟ قيل: هذا كقوله: مَرَجَ «٧» الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ. ثم قال: يَخْرُجُ «٨» مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ وإنّما يخرج اللؤلؤ والمرجان من الملح دون العَذْب.
فكأنك قلت: يخرج من بعضهما، ومن أحدهما.
стр. 368
وقوله: ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ (١٣١) إن شئت جعلت (ذَلِكَ) فِي موضع نصب، وجعلت (أن) مما يصلح فِيهِ الخافض فإذا حذفته كانت نصبًا. يريد: فعل ذَلِكَ أن لَمْ يكن مهلك القرى.
وإن شئت جعلت (ذَلِكَ) رفعًا عَلَى الاستئناف إن لَمْ يظهر الفعل. ومثله:
ذلِكَ «١» بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وذلِكَ «٢» بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ. ومثله: ذلِكَ «٣» لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ، وذلِكُمْ «٤» وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ الرفع والنصب فيه كله جائز.
وقوله: مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ يقول: لَمْ يَكُنْ ليهلكهم بظلمهم وهم غافلونَ لَمَّا يأتهم رسول ولا حُجَّة. وقوله فِي هود: وَما «٥» كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ يقول: لم يكن ليهلكهم بظلمهم، يقول: بشركهم (وأهلها مصلحون) يتعاطَون الحقّ فيما بينهم. هكذا جاء التفسير. وفيها وجه- وهو أحبّ إليّ من ذا لأن الشرك أعظم الذنوب- والمعنى والله أعلم: لم يكن ليهلكهم بظلم منه وهم مصلحون.
وقوله: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ (١٣٥) (من «٦» تكون له) فِي موضع «٧» رفع، ولو نصبتها «٨» كَانَ صوابًا كما قَالَ الله ﵎: وَاللَّهُ «٩» يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ.
стр. 369
وقوله: مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِذَا «١» كَانَ الفعل فِي مذهب مصدر مؤنثًا مثل العاقبة، والموعظة، والعافية، فإنك إِذَا قدّمت فعله قبله أنَّثْتَهُ وذكّرته كما قَالَ الله : فَمَنْ «٢» جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ بالتذكير، وقال «٣» : قَدْ «٤» جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ بالتأنيث. وكذلك وَأَخَذَ «٥» الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ وَأَخَذَتِ «٦» فلا تهابنّ من هَذَا تذكيرًا ولا تأنيثا.
وقوله: هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ (١٣٦) وبرعمهم، وزِعْمِهم، ثلاث لغات. ولم يقرأ بكسر «٧» الزَّاي أحدٌ نعلمه. والعربُ قد تَجعل الحرف فِي مثل هَذَا فيقولون: الفَتْك «٨» والفُتْك والفِتْك، والوُدّ والوِدّ والوَدّ، فِي أشباه لَهَا. وأجود ذَلِكَ ما اختارته القرّاء الذين يؤثر عنهم القراءة. وَفِي قراءة عبد الله «وهذا لشركائِهم» وهو كما تَقُولُ فِي الكلام: قَالَ عبد الله: إِنّ لَهُ مالا، وإِنّ لي مالا، وهو يريد نفسه. وقد قَالَ الشاعر:
رَجُلانِ من ضَبَّةَ أَخبرانا ... إِنَّا رأينا رجلًا عُريانا
ولو قَالَ: أخبرانا أنّهما رأيا كان صوابا.
стр. 370
وقوله: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ (١٣٧) وهم قوم كانوا يَخدمون آلهتهم، فزيَّنوا لَهُم دفن البنات وهنّ أحياء. وَكَانَ أيضًا أحدهم يقول: لئن وُلد لي كذا وكذا من الذكور لانحرنّ واحدًا. فذلك قتل أولادهم. والشركاء رفع لانهم الَّذِينَ زَيَّنوا.
وَكَانَ بعضهم يقرأ: «وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ» فيرفع القتل إِذَا لَمْ يسمّ فاعله، ويرفع (الشركاء «١» ) بفعل ينويه كأنه قَالَ: زيَّنه لَهم شركاؤهم. ومثله قوله: يُسَبِّحُ «٢» لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ثم قال: رِجالٌ «٣» لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ. وَفِي بعض «٤» مصاحف أهل الشام (شركايهم) بالياء، فإن تكن مثبتة «٥» عَن الأوّلين فينبغي أن يقرأ (زُيِّنَ) وتكون الشركاء هم الأولاد لانهم منهم فِي النسب والميراث. فإن كانوا يقرءون (زيّن) فلست أعرف جهتها إلا أن يكونوا فيها آخذين بلغة قوم يقولون: أتيتها عِشايا «٦» ثُمَّ يقولون فِي تثنية (الحمراء «٧» :
حمرايان) فهذا وجه أن يكونوا قالوا: «زُيِّنَ لكثيرٍ مِنَ المشركين قتل أولادهم
стр. 371
شركايهم» وإن شئت جعلت (زيّن) إِذَا فتحته فعلا لإبليس ثُمَّ تُخفض الشركاء باتباع الأولاد. وليس قول «١» من قَالَ: إنَّما أرادوا مثل قول الشاعر:
فزججتها متمكنًا ... زجّ الْقَلوصَ أبِي مزاده «٢»
بشيء. وهذا مما كَانَ يقوله نَحْويُّو أهلِ الحجاز، ولم نَجد مثله فِي العربية.
وقوله: وَقالُوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا (١٣٩) وَفِي قراءة عبد الله «خالصٌ لذكورنا» وتأنيثه لتأنيث الأنعام لأن ما فِي بطونِها مثلها فأنث لتأنيثها. ومن ذكره فلتذكير (ما) وقد قرأ بعضهم «خالصُهُ لذكورِنا» يضيفه إلى الْهَاء وتكون الهاء لِمَا. ولو نصبت الخالص «٣» والخالصة «٤» عَلَى القطع وجعلت خبر ما فِي اللام التي فى قوله (لذكورنا) كأنك قلت: ما فِي بطون هَذِه الأنعام لذكورنا خالصًا وخالصةً كما قَالَ: «وَلَهُ الدِّينُ واصبا «٥» » والنصبُ فِي هَذَا الموضع قليل لا يكادونَ يقولون: عبد الله قائِمًا فيها، ولكنه قياس.
وقوله: وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ إن شئت رفعت «٦» الميتة، وإن شئت نصبتها «٧» فقلت (ميتةً) ولك أن تَقُولُ تكن «٨» ويكن بالتاء والياء.
стр. 372
وقد تكون الخالصة مصدرا لتأنيثها كما تَقُولُ: العاقبة والعافية. وهو مثل قوله:
إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ «١» .
وقوله: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ (١٤١) هَذِه الكروم، ثُمَّ قَالَ: وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً فى لونه وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ فِي طعمه، منه حلو ومنه حامض.
وقوله: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ هَذَا لِمَن حضره من اليتامى والمساكين.
وقوله: وَلا تُسْرِفُوا فِي أن تعطوا كله. وَذَلِكَ أن ثابت «٢» بن قيس خلَّى بين النّاس وبين نَخله، فذُهِبَ «٣» بِهِ كله ولم يبق لأهله منه شيء، فقال الله ﵎:
وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.
وقوله: وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً (١٤٢) يقول: وأَنشأ لَكم من الأنعام حمولة، يريدُ ما أطاقَ الحمل والعمل:
والفرش: الصغار. ثُمَّ قال:
وقوله: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ (١٤٣) فإنْ شِئتَ جعلت الثمانية مردودة عَلَى الحمولة. وإن شئت أضمرت لَهَا فعلا «٤» .
وقوله: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ الذكر زوج، والأنثى زوج، ولو رفعت «٥» اثنين واثنين
стр. 373
لدخول (مِنْ) كَانَ صوابًا كما تَقُولُ: رأيت القوم منهم قاعد ومنهم قائم، وقاعدًا وقائِمًا.
والمعنى فى قوله: قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ يقول: أجاءكم التحريم فيما حرمتم من السائبة والبَحِيرة والوَصِيلة والحام من الذكرين أم من الأنثيين؟ فلو قالوا: من قِبل الذكر حرم عليهم كل ذكر، ولو قالوا: من قبل الأنثى حرمت عليهم كل أنثى.
ثُمَّ قَالَ: أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ يقول أم حرّم عليكم اشتمال الرحم؟ فلو قالوا ذَلِكَ لحرّم عليهم الذكر والأنثى لأن الرحم يشتمل عَلَى الذكر والأنثى. و (ما) فى قوله: «أمّا اشتملت» فِي موضع نصب، نصبته بإتباعه «١» الذكرين والأنثيين.
وقوله: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا (١٤٤) يقول: أوَصَّاكُم الله بِهذا معاينة؟
وقوله: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً (١٤٥) ثُمَّ قَالَ جل وجهه: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً وإن شئت (تَكُون «٢» ) وَفِي (الميتة) وجهان الرفع والنصب. ولا يصلح «٣» الرفع فِي القراءة لأن الدم منصوب بالرد عَلَى الميتة وَفِيهِ ألف تَمنع من جواز الرفع. ويَجوز (أن تكون) لتأنيث الميتة، ثُمَّ تردّ «٤» ما بعدها عليها.
стр. 374
ومن رفع (الميتة) جعل (يكون) فعلا لَهَا، اكتفى بيكون بلا فعل «١» . وكذلك (يكون) «٢» فِي كل الاستثناء لا تَحتاج إلى فعل، ألا ترى أنك تَقُولُ: ذهب الناس إلا أن يكون أخاكَ، وأخوكَ. وإنّما استغنت كَانَ ويكون عَن الفعل كما استغنى ما بعد إلا عَن فعل يكون للاسم. فلما قيلَ: قام الناس إلا زيدًا وإلا زيد فنصب بلا فعل ورفع بلا فعل صلحت كَانَ تامة. ومن نصب: قَالَ كَانَ من عادة كَانَ عند العرب مرفوع ومنصوب، فأضمروا فِي كَانَ اسمًا مجهولا، وصيّروا الَّذِي بعده فعلا لذلك المجهول. وَذَلِكَ جائزٌ فِي كَانَ، وليس، ولم يزل، وَفِي أظنّ وأخواتها: أن تَقُولُ (أظنه زيد أخوك «٣» و) أظنّه فيها زيد. ويَجوز فِي إنّ وأخواتها كقول الله ﵎: يَا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ «٤» وكقوله: إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «٥» فتذكر الْهَاء وتوحدها، ولا يَجوز تثنيتها ولا جمعها مع جمع ولا غيره. وتأنيثها مع المؤنث وتذكيرها مع المؤنث جائز فتقول: إنّها ذاهبة جاريتك، وإنه ذاهبة جاريتك.
فإن قلت: كيف جاز التأنيث مع الأنثى، ولم تَجز التثنية مع الاثنين؟
قلت: لأن العرب إِنَّما ذهبت إلى تأنيث الفعل وتذكيره، فلمّا جازَ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ وَأَخَذَتِ جازَ التأنيث، والتذكير. ولَما لَمْ يَجز:
قاما أخواك ولا قاموا قومك، لَمْ يَجز تثنيتها ولا جَمعها.
فإن قلت: أتُجيز تثنيتها فِي قول من قَالَ: ذهبا أخواك؟ قلت: لا، من قِبل أن الفعل واحد، والألف التي فيها كأنّها تدلّ عَلَى صاحِبي الفعل، والواو فى الجمع
стр. 375
تدل عَلَى أصحاب الفعل، فلم يستقم أن يكنى عَن فعل واسم فِي عقدة، فالفعل واحد أبدًا لأن الَّذِي فِيهِ من الزيادات أسماء.
وتقول فِي مسألتين منه يستدل بِهما عَلَى غيرهما: إنَّها أسَد جاريتك، فأنثت لأن الأسد فعل «١» للجارية، ولو جعلت الجارية فعلا «٢» للأسد ولِمثله من المذكر لَمْ يَجز إلا تذكير الْهَاء. وكذلك كل اسم مذكر شبهته بمؤنث فذكّر فيه الهاء، وكل مؤنث شبهته بِمذكر ففيه تذكير الْهَاء وتأنيثها فهذه واحدة. ومتى ما ذكَّرت فعل مؤنث فقلت: قام جاريتك، أو طالَ صلاتك، (ثُمَّ «٣» أدخلت عَلَيْهِ إنه) لَم يَجز إلا تذكيرها، فتقول: إنه طال صلاتك فذكَّرتها «٤» لتذكير الفعل، لا يَجوز أن تؤنث وقد ذكّر الفعل.
وَإِذَا رأيت الاسم مرفوعًا بالمحالّ- مثل عندك، وفوقك، وفيها- فأنِّثْ وذَكّر فِي المؤنث ولا تؤنث فِي المذكر. وَذَلِكَ أن الصفة لا يُقدر فيها عَلَى التأنيث كما يقدر (فِي «٥» قام) جاريتك عَلَى أن تَقُولُ: قامت جاريتك. فلذلك كَانَ فِي الصفات الإجراء «٦» عَلَى الاصل.
وَإِذَا أخليت كَانَ باسم واحد جازَ أن ترفعه «٧» وتَجعل لَهُ الفعل. وإن شئت أضمرت فِيهِ مَجهولا ونصبت ما بعده فقلت: إِذَا كَانَ غدًا فأتنا. وتقول:
اذهب فليس «٨» إلا أباكَ، وأبوك. فمن رفع أضمر أحدًا كأنه قَالَ: لَيْسَ أحد
стр. 376
إلا أبوك، ومن نصب أضمر الاسم المجهول فنصب لأن المجهول معرفة فلذلك نصبت. ومن قَالَ: إِذَا كَانَ غُدْوةً فأتنا لَمْ يَجز لَهُ أن يقول: إِذَا غدوةً كَانَ فأتنا، كذلك الاسم المجهول لا يتقدمه منصوبه. وَإِذَا قرنت بالنكرة فِي كَانَ صفة فقلت:
إن كَانَ بينهم شرّ فلا تقربهم، رفعت. وإن بدأت بالشر وأخرت الصفة كَانَ الوجه الرفع فقلت: إن كَانَ شر بينهم فلا تقربهم، ويَجوز النصب. قَالَ وأنشدني بعضهم:
فعينَيَّ هلا تبكيان عفاقا ... إذا كان طعنا بينهم وعناقا «١»
فإذا أفردت النكرة بكان اعتدلَ النصبُ والرفع. وَإِذَا أفردت المعرفة بكان كَانَ الوجه النصب يقولون: لو كَانَ إلا ظله لَخابَ ظله. فهذه عَلَى ما وصفت لك.
وقوله: وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما (١٤٦) حَرَّمَ عليهم الثَّرْب «٢» ، وشحوم الْكُلَى.
ثُمَّ قَالَ: إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما و (ما) فِي موضع نصب بالفعل بالاستثناء.
و (الْحَوَايَا) فِي موضع رفع، تردّها عَلَى الظهور: إِلا ما حملت ظهورهما أو حملت الحوايا، وهي المباعر «٣» وبنات «٤» اللبن. والنصبُ عَلَى أن تريد (أو شحوم الحوايا) فتحذف الشحوم وتكتفى بالحوايا كما قال: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ، يريد: واسأل أهل القرية.
وقوله: أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ وهى الألية. و (ما) فى موضع نصب.
стр. 377
وقوله: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً (١٥١) إن شئت جعلت (لا تُشْرِكُوا) نهيًا أدخلت عَلَيْهِ (أَنْ) . وإن شئت جعلته خبرًا و (تشركوا) فِي موضع نصب كقولك: أمرتك ألا تذهبَ (نَصْب) إلى زيد، وأن لا تذهب (جَزْم) وإن شئت جعلت ما نسقته عَلَى (أَلَّا تشركوا به) بعضه جزمًا ونصبًا بعضه كما قَالَ: قُلْ «١» إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ، فنصب أوله ونَهى عَن آخره كما قَالَ الشاعر:
حجَّ وأوصى بسليمى الاعبدا ... ألا ترى ولا تكلم أحدا
ولا تُمَشِّ بفَضاء بعدَا فنوى الخبر فِي أوّله ونَهى فِي آخره. قَالَ: والجزم فِي هَذِه الآية أحبّ إليّ لقوله:
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ
. فجعلت أوّله نهيا لقوله: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ.
وقوله: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً (١٥٣) تكسر «٢» إِنَّ إِذَا نويت الاستئناف، وتفتحها من وقوع (أتل) عليها. وإن شئت جعلتها خفضًا، تريد ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ وأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ.
وقوله: وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ يعني اليهودية والنصرانية. يقول: لا تتبعوها فتضلوا.
стр. 378
وقوله: ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ (١٥٤) تَمامًا عَلَى المحسن. ويكون المحسن فِي مذهب جَمع كما قَالَ: إِنَّ الْإِنْسانَ «١» لَفِي خُسْرٍ. وَفِي قراءة عبد الله تَمَامًا عَلَى الَّذِينَ أَحْسَنوا تصديقًا لذلك.
وإن شئت جعلت (الَّذِي) عَلَى معنى «٢» (ما) تريد: تَمامًا عَلَى ما أحسن موسى، فيكون المعنى: تَمامًا عَلَى إحسانه. ويكون (أحسن) مرفوعًا «٣» تريد عَلَى الَّذِي هُوَ أحسن، وتنصب (أحسن) هاهنا تنوي بِهَا «٤» الخفض لأن العرب تَقُولُ:
مررتُ بالذي هُوَ خيرٌ منك، وشرٌّ منك، ولا يقولون: مررتُ بالذي قائم لأن (خيرًا منك) كالمعرفة إذ لَمْ تدخل فِيهِ الألف واللام. وكذلك يقولون: مررتُ بالذي أخيك، وبالذي مثلك، إِذَا جعلوا صلة الَّذِي معرفة أو نكرة لا تدخلها الألف واللام جعلوها تابعة للذي أنشدني الْكِسَائي:
إن الزُّبَيْريَّ الَّذِي مِثْلَ الْحَلَمْ ... مَشَّى بأسلابك فِي أَهْلِ الْعَلَم «٥»
وقوله: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ (١٥٥) جعلت مباركًا من نعت الكتاب فرفعته. ولو نصبته عَلَى الخروج «٦» من الْهَاء فِي (أَنْزَلْنَاهُ) كان صوابا.
стр. 379
وقوله: أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ (١٥٦) (أن) فِي موضع نصب من مكانين. أحدهما: أنزلناهُ لئلا تقولوا إِنَّما أنزلَ. والآخر من قوله: واتقوا أن تقولوا، (لا) يصلح فِي موضع (أن) هاهنا كقوله: يُبَيِّنُ «١» اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا يصلح فيه لا تضلون كما قال: سَلَكْناهُ «٢» فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لا يُؤْمِنُونَ بِهِ.
وقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ (١٥٨) لقبض أرواحهم: أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ: القيامة أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ:
طلوع الشمس من مغربها.
وقوله: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ (١٥٩) قرأها عَليّ «٣» (فارقوا) ، وقال: والله ما فرَّقوه ولكن فارقوه. وهم اليهود والنصارى. وقرأها الناس فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكلّ وجه.
وقوله: لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ يقول من قتالِهم فِي شيء، ثُمَّ نسختها:
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «٤» .
وقوله: فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها (١٦٠) من خفض يريد: فله عشر حسناتٍ أمثالها. ولو قَالَ هاهنا: فله عشر مِثلها يريد عشر حسنات مثلها كَانَ صوابًا. ومن قَالَ:
стр. 380
عشرٌ أمثالها جعلهنّ من نعت العشر. و (مثل) يَجوز توحيده: أن تَقُولُ فِي مثله من الكلام: هم مثلكم، وأمثالكم قَالَ الله ﵎: إِنَّكُمْ «١» إِذاً مِثْلُهُمْ فوحّد، وقال: ثُمَّ «٢» لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ فجمع. ولو قلت: عَشْرٌ أَمثالها «٣» كما تَقُولُ «٤» : عندي خمسةٌ أثوابٌ لَجازَ.
وقوله: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ: بلا إله إلا الله، والسيئة: الشِّرك.
وقوله: دِيناً قِيَماً (١٦١) و «٥» «قيّما» . حَدَّثَنَا «٦» مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُذَيْفَةَ قَالَ: رَآنِي أَبِي حُذَيْفَةُ رَاكِعًا قَدْ صَوَّبْتُ رَأْسِي، قَالَ ارْفَعْ رَأْسَكَ، دينا قيما. (دينا قيما) منصوب على المصدر. ومِلَّةَ إِبْراهِيمَ كذلك.
وقوله: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ (١٦٥) جعلت أمة مُحَمَّد ﷺ خلائف كل الأمم وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ فى الرزق (ليبلوكم) بذلك (فيما آتاكم) .
стр. 381
ومن سورة الأعراف
قلت: «١» أرأيت ما يأتي بعد حروف الهجاء مرفوعًا مثل قوله: المص كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ومثل قوله: الم «٢» تَنْزِيلُ الْكِتابِ، وقوله: الر «٣» كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ وأشباه ذَلِكَ بم رفعت الكتاب فِي هَؤُلاءِ الأحرف؟
قلت: رفعته بِحروف الهجاء التي قبله كأنك قلت: الألف واللام والميم والصاد من حروف المقطع كتابٌ أنزل إليك مجموعًا. فإن قلت: كأنك قد جعلت الألف واللام والميم والصاد يؤدّين عَن جَميع حروف المعجم، وهو ثلاثة أحرف أو أربعة؟ قلت: نعم، كما أنك تقول: اب ت ث ثَمانية وعشرون حرفًا، فتكتفي بأربعة أحرف من ثَمانية وعشرين. فإن قلت: إن ألف ب ت ث قد صارت كالاسم لحروف الهجاء كما تقول: قرأت الحمد، فصارت اسمًا لفاتِحة الكتاب. قلت: إن الَّذِي تَقُولُ ليقع فِي الوَهْم، ولكنك قد تَقُولُ: ابني فى اب ت ث، ولو قلت فِي حاط لجاز ولعلمت بأنه يريد: ابني فِي الحروف المقطعة.
فلما اكتفي بغير أوّلها علمنا أن أوّلها لَيْسَ لَهَا باسم وإن كان أوّلها آثر فِي الذكر من سائرها. فإن قلت: فكيف جاءت حروف (المص) (وكهيعص) مختلفة ثُمَّ أنزلا «٤» منزل با تا ثا وهنّ متواليات؟ قلت: إِذَا ذكرن متواليات دللن على أب ت ث
стр. 382
بعينها مقطّعة، وَإِذَا لَمْ يأتين متواليات دَللن عَلَى الكلام المتصل لا عَلَى المقطع.
أنشدني الحارثىّ:
تعلمت باجاد وآل مزامر ... وسوَّدتُ أثوابي ولست بكاتب «١»
وأنشدني بعض بني أسَد:
لَمَّا رأيت أمرها فِي حُطِّي ... وَفَنَكت فِي كذب ولط «٢»
أخذتُ منها بقرونٍ شُمطِ ... ولم يزل ضربي لَهَا ومَعْطي
حَتَّى عَلَى الرأسِ دم يغطِي فاكتفى بحطي من أبي جاد، ولو قَالَ قائل: الصبي فِي هوّز أو كلمن، لكفى ذَلِكَ من أبي جاد.
وقد قال الكسائىّ: رفعت كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وأشباهه من المرفوع بعد الهجاء بإضمار (هَذَا) أو (ذَلِكَ) وهو وجه. وكأنه إِذَا أضمرَ (هَذَا) أو (ذَلِكَ) أضمر لحروف الهجاء ما يرفعها قبلها لأنها لا تكون إلا وَلَهَا موضع.
قَالَ: أفرأيت ما جاء منها لَيْسَ بعده «٣» ما يرافعه مثل قوله: حم. عسق، ويس، وق، وص، مما يقل أو يكثر، ما موضعه إذ لم يكن بعده مرافع؟ قلت:
стр. 383
قبله ضمير «١» يرفعه، بمنزلة قول الله ﵎: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ «٢» المعنى والله أعلم: هَذِه براءة من الله. وكذلك سُورَةٌ أَنْزَلْناها «٣» وكذلك كل حرف مرفوع مع القول ما ترى معه ما يرفعه فقبله اسم مضمر يرفعه مثل قوله: وَلا تَقُولُوا «٤» ثَلاثَةٌ انْتَهُوا المعنى والله أعلم: لا تقولوا هم ثلاثة، يعني الآلهة، وكذلك قوله:
سَيَقُولُونَ «٥» ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ المعنى والله أعلم: سيقولونَ هم ثلاثة.
وقد قيل فى (كهيعص) : إنه مفسّر لأسماء الله. فقيل: الكاف من كريم، وَالْهَاء من هاد، والعين والياء من عليم، والصاد من صدوق. فإن يك كذلك (فالذكر) مرفوع بضمير لا ب (كهيعص) . وقد قيل فى (طه) إنه: يا رجل، فإن يك كذلك فليس يَحتاج إلى مرافع لأن المنادي يرفع بالنداء وكذلك (يس) جاء فيها يا إنسان، وبعضهم: يا رجل، والتفسير فيها كالتفسير فِي طه.
وقوله: فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ (٢) يقول: لا يضيق صدرك بالقرآن بأن يكذبوك، وكما قَالَ الله ﵎:
فَلَعَلَّكَ «٦» باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا. وقد قيل: فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ: شك.
لِتُنْذِرَ بِهِ مؤخر، ومعناه: المص كتاب أنزل إليك لِتُنْذِرَ بِهِ فلا يكن فِي صدرك حرج منه.
وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ فِي موضع نصب ورفع. إن شئت رفعتها على الردّ على الكتاب كأنك قلت: كتاب حقّ وذكرى للمؤمنين والنصبُ يُرَاد به: لتنذر وتذكّر به المؤمنين.
стр. 384
وقوله: اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ (٣) وإنما خاطب «١» النَّبِيّ ﷺ وحده لأن ما أنذر بِهِ فقد أنذرت بِهِ أمته كما قال: يا أَيُّهَا «٢» النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فخاطبه، ثُمَّ جعل الفعل للجميع، وأنت قد تَقُولُ للرجل: ويحك أما تتقون الله، تذهب إليه وإلى أهل بيته أو عشيرته. وقد يكون قوله: (اتبعوا) محكيا من قوله (لتنذر به) لأن الإنذار قول، فكأنه قيل لَهُ: لتقول لَهم اتبعوا كما قَالَ الله ﵎: يُوصِيكُمُ «٣» اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ لأن الوصية قول.
ومثله: يا أَيُّهَا «٤» النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ. ثم قال: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ «٥» فجمع.
وقوله: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها (٤) يُقال: إِنَّما أتاها البأس من قَبْل الإهلاك، فكيف تقدم الهلاك؟ قلت:
لأن الهلاك والبأس يقعان معًا كَمَا تَقُولُ: أعطيتني فأحسنت، فلم يكن الإحسان بعد الإعطاء ولا قبله: إنّما وقَعا معًا، فاستجيزَ ذَلِكَ. وإن شئت كَانَ المعنى:
وكم من قريةٍ أهلكناها فكان مجيء البأس قبل الإهلاك، فأضمرت كَانَ.
وإنَّما جازَ ذَلِكَ عَلَى شبيه بِهذا المعنى، ولا يكون فِي الشروط التي خَلَفْتها «٦» بِمقدّم معروف أن يقدم المؤخر أو يؤخر المقدم مثل قولك: ضربته فبكى، وأعطيته
стр. 385
فاستغنى، إلا أن تدع الحروف فِي مواضعها. وقوله: (أهلكناها فجاءها) قد يكونان خبرًا بالواو: أهلكناها وجاءها البأسُ بياتا.
وقوله: أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) ردّ الفعل إلى أهل القرية وقد قَالَ فى أولها (أهلكناها) ولم يقل: أهلكناهم فجاءهم، ولو قيل، كَانَ صوابًا. ولم يقل: قائلة، ولو قيل لكان صوابا.
وقوله: أَوْ هُمْ قائِلُونَ واو «١» مضمرة. المعنى أهلكناها فجاءها بأسنا بياتًا أو وهم قائلون، فاستثقلوا نسقًا عَلَى نسق، ولو قيل لكان جائزًا كما تَقُولُ فِي الكلام:
أتيتني واليًا، أو وأنا معزول، وإن قلت: أو أنا معزول، فأنت مضمو للواو.
وقوله: فَما كانَ دَعْواهُمْ (٥) الدعوى فِي موضع نصب لكان. ومرفوع كَانَ قوله: إِلَّا أَنْ قالُوا فأن فِي موضع رفع. وهو الوجه فِي أكثر القرآن: أن تكون أن إِذَا كَانَ معها فعل، أن تَجعل مرفوعة والفعل منصوبًا مثل قوله: فَكانَ «٢» عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ وما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا «٣» أَنْ قالُوا. ولو جعلت الدعوى مرفوعة (وأن) فِي موضع نصب كَانَ صوابًا كما قَالَ الله ﵎: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا «٤» وهي فِي إحدى «٥» القراءتين: لَيْسَ البر بأن تولوا.
стр. 386
وقوله: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ (٨) وإن «١» شئت رفعت الوزن بالحق، وهو وجه الكلام. وإن شئت رفعت الوزن بيومئذ، كأنك قلت: الوزن فِي يوم القيامة حقًّا، فتنصب الحق وإن كانت فِيهِ ألف ولام كما قال: فَالْحَقُّ «٢» وَالْحَقَّ أَقُولُ الأولى منصوبة «٣» بغير «٤» أقول.
والثانية بأقول.
وقوله: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ ولم يقل (فذلك) فيوحِّد لتوحيد من، ولو وحّد لكان صوابا. و (من) تذهب بِهَا إلى الواحد وإلى الجمع.
وهو كثير.
وقوله: وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ (١٠) لا تهمز لأنها- يعني الواحدة- مفعِلة، الياء من الفعل، فلذلك لَمْ تهمز، إنّما يهمز من هَذَا ما كانت الياء فِيهِ زائدة مثل مدينة ومدائن، وقبيلة وقبائل لِمَا كانت الياء لا يعرف لَهَا أصل ثُمَّ قارفتها «٥» ألف مجهولة أيضًا همزت، ومثل معايش من الواو مِمّا لا يُهمز لو جمعت، معونة قلت: (معاون) أو منارة قلت مناور. وَذَلِكَ أن الواو ترجع إلى أصلها لسكون الألف قبلها. وربما همزت العرب هَذَا وشبهه، يتوهمونَ أنها فعيلة لشبهها بوزنها فِي اللفظ وعدّة الحروف
стр. 387
كما جمعوا مسِيل الماء أمسله، شُبِّه بفعيل وهو مفعِل. وقد همزت العرب المصائب وواحدتها مصيبة شبهت بفعيلة لكثرتها فِي الكلام.
وقوله: قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ (١٢) المعنى- والله أعلم- ما منعكَ أن تسجد. و (أن) فِي هَذَا الموضع تصحبها لا، وتكون (لا) صلة. كذلك تفعل بِما كَانَ فى أوّله جحد. و «١» ربما أعادوا عَلَى خبره جحدًا للاستيثاق من الجحد والتوكيد لَهُ كما قالوا:
ما إن رأينا مثلهن لمعشر ... سود الرءوس فوالج وفيول «٢»
و (ما) جحد و (إن) جحد فجمعتا للتوكيد. ومثله: وَما «٣» يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. ومثله: وَحَرامٌ «٤» عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ. ومثله:
لِئَلَّا «٥» يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ إِلا أن معنى الجحد الساقط فِي لئلا من أوّلها لا من آخرها المعنى: ليعلم أهل الكتاب ألا يقدرون. وقوله: مَا مَنَعَكَ (ما) فِي موضع رفع. ولو وضع لمثلها من الكلام جواب مصحح كَانَ رفعًا، وقلت:
منعني منك أنك بَخيل. وهو مما ذكر جوابه عَلَى غير بناء أوله، فقال: (أَنَا خَيْرٌ منه) ولم يقل: منعني من السجود أني خيرٌ منه كما تَقُولُ فِي الكلام: كيف بتّ البارحة؟ فيقول: صالِح، فيرفع أو تقول: أنا بِخير، فتستدلّ بِهِ عَلَى معنى الجواب، ولو صحح الجواب لقالَ صالِحًا، أي بتُّ صالِحًا.
стр. 388
وقوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ (١٦) المعنى- والله أعلم-: لاقعدنَّ لَهُمْ عَلَى طريقهم أو فِي طريقهم. وإلقاء الصفة «١» من هَذَا جائز كما قَالَ: قعدت لك وجه الطريق، وَعَلَى وجه الطريق لأن الطريق صفة فِي المعنى، فاحتمل ما يَحْتَمِله اليوم والليلة والعام إِذَا قيل: آتيك غدًا أو آتيك فِي غد.
وقوله: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً (٢٦) «ورياشا» «٢» . فإن شئت جعلت رياش جَميعًا واحده الريش، وإن شئت جعلت الرياش مصدرًا فِي معنى الريش كما يُقال لِبْس ولباس قَالَ الشاعر «٣» :
فلمّا كشفن اللِّبْسَ عَنْهُ مَسَحْنَهُ ... بأطرافِ طَفْلٍ زانَ غَيْلا مُوَشَّما
وقوله: وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى و «لباسَ «٤» التقوى» يرفع بقوله: ولباس التقوى خير، ويَجعل (ذَلِكَ) من نعته. وهي فِي قراءة أبي وعبد الله جميعًا: ولباس التقوى خير. وفى قراءتنا (ذلك خير) فنصب اللباس أحب إليّ لأنه تابع الريش «٥» ، (ذلك خير) فرفع خير بذلك.
стр. 389
وقوله: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) يقول: بدأكم فِي الخلق شقيًا وسعيدًا، فكذلك تعودونَ عَلَى الشقاء والسعادة:
وقوله: فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ (٣٠) ونصب الفريق بتعودونَ، وهي فِي قراءة أُبَيّ: تعودونَ فريقين فريقًا هدى وفريقًا حقَّ عليهم الضلالة. ولو كانا رفعا كَانَ صوابًا كما قال ﵎:
كَانَ «١» لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرةو «فئة» «٢» ومثله: وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ «٣» . وقد يكون الفريق منصوبًا بوقوع «هَدَى» عَلَيْهِ ويكون الثاني منصوبًا بِمَا «٤» وقع عَلَى عائد ذكره من الفعل كقوله: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً «٥» .
وقوله: وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ (٢٩) يقول: إِذَا أدركتك الصلاة وأنت عند مسجد فصلّ فِيهِ، ولا تقولن: آتي مسجد قومي. فإن كان فِي غير وقت الصلاة صليت حَيْثُ شئت.
وقوله: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ (٣٢)
стр. 390
نصبت خالصة عَلَى القطع «١» وجعلت الخبر فِي اللام التي فِي الَّذِينَ، والخالصة ليست بقطع من اللام «٢» ، ولكنها قطع من لام أخرى مضمرة. والمعنى- والله أعلم-: قل هي للذين آمنوا فِي الحياة الدُّنْيَا يقول: مشتركة، وهي لَهم فِي الآخرة خالصة.
ولو رفعتها كَانَ صوابًا، تردّها «٣» عَلَى موضع الصفة التي رفعت لأن تِلْكَ فِي موضع رفع.
ومثله فِي الكلام قوله: إنا بِخير كَثِير «٤» صيدنا. ومثله قَوْل الله : إِنَّ «٥» الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً.. المعنى: خلق هلوعًا، ثُمَّ فسر حال الهلوع بلا نصب لأنه نصب فِي أول الكلام. ولو رفع لجازَ إِلا أن رفعه عَلَى الاستئناف لأنه لَيْسَ معه صفة ترفعه. وإنّما نزلت هَذِه الآية أن قبائل من العرب فِي الجاهلية كانوا لا يأكلونَ أيام حجهم إلا القوت، ولا يأكلون اللحم والدسم، فكانوا يطوفون بالبيت عراةً، الرجالُ نَهارًا والنساء ليلا، وكانت المرأة تلبس شيئًا شبيهًا بالحَوْف «٦» ليواريها بعض المواراة ولذلك قالت العامرية:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أُحله
قَالَ المسلمون: يا رسول الله، نحنُ أحق بالاجتهاد لربنا، فأرادوا أن يفعلوا كفعل أهل الجاهلية، فأنزل الله ﵎: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ يعنى اللباس. وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا حَتَّى يبلغ بكم ذلكم تَحريم ما أحللتُ لكم، والإسراف هاهنا الغلوّ فى الدين.