وقوله: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ (٨) وإن «١» شئت رفعت الوزن بالحق، وهو وجه الكلام. وإن شئت رفعت الوزن بيومئذ، كأنك قلت: الوزن فِي يوم القيامة حقًّا، فتنصب الحق وإن كانت فِيهِ ألف ولام كما قال: فَالْحَقُّ «٢» وَالْحَقَّ أَقُولُ الأولى منصوبة «٣» بغير «٤» أقول.
والثانية بأقول.
وقوله: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ ولم يقل (فذلك) فيوحِّد لتوحيد من، ولو وحّد لكان صوابا. و (من) تذهب بِهَا إلى الواحد وإلى الجمع.
وهو كثير.
وقوله: وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ (١٠) لا تهمز لأنها- يعني الواحدة- مفعِلة، الياء من الفعل، فلذلك لَمْ تهمز، إنّما يهمز من هَذَا ما كانت الياء فِيهِ زائدة مثل مدينة ومدائن، وقبيلة وقبائل لِمَا كانت الياء لا يعرف لَهَا أصل ثُمَّ قارفتها «٥» ألف مجهولة أيضًا همزت، ومثل معايش من الواو مِمّا لا يُهمز لو جمعت، معونة قلت: (معاون) أو منارة قلت مناور. وَذَلِكَ أن الواو ترجع إلى أصلها لسكون الألف قبلها. وربما همزت العرب هَذَا وشبهه، يتوهمونَ أنها فعيلة لشبهها بوزنها فِي اللفظ وعدّة الحروف
стр. 387
كما جمعوا مسِيل الماء أمسله، شُبِّه بفعيل وهو مفعِل. وقد همزت العرب المصائب وواحدتها مصيبة شبهت بفعيلة لكثرتها فِي الكلام.
وقوله: قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ (١٢) المعنى- والله أعلم- ما منعكَ أن تسجد. و (أن) فِي هَذَا الموضع تصحبها لا، وتكون (لا) صلة. كذلك تفعل بِما كَانَ فى أوّله جحد. و «١» ربما أعادوا عَلَى خبره جحدًا للاستيثاق من الجحد والتوكيد لَهُ كما قالوا:
ما إن رأينا مثلهن لمعشر ... سود الرءوس فوالج وفيول «٢»
و (ما) جحد و (إن) جحد فجمعتا للتوكيد. ومثله: وَما «٣» يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. ومثله: وَحَرامٌ «٤» عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ. ومثله:
لِئَلَّا «٥» يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ إِلا أن معنى الجحد الساقط فِي لئلا من أوّلها لا من آخرها المعنى: ليعلم أهل الكتاب ألا يقدرون. وقوله: مَا مَنَعَكَ (ما) فِي موضع رفع. ولو وضع لمثلها من الكلام جواب مصحح كَانَ رفعًا، وقلت:
منعني منك أنك بَخيل. وهو مما ذكر جوابه عَلَى غير بناء أوله، فقال: (أَنَا خَيْرٌ منه) ولم يقل: منعني من السجود أني خيرٌ منه كما تَقُولُ فِي الكلام: كيف بتّ البارحة؟ فيقول: صالِح، فيرفع أو تقول: أنا بِخير، فتستدلّ بِهِ عَلَى معنى الجواب، ولو صحح الجواب لقالَ صالِحًا، أي بتُّ صالِحًا.
стр. 388
وقوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ (١٦) المعنى- والله أعلم-: لاقعدنَّ لَهُمْ عَلَى طريقهم أو فِي طريقهم. وإلقاء الصفة «١» من هَذَا جائز كما قَالَ: قعدت لك وجه الطريق، وَعَلَى وجه الطريق لأن الطريق صفة فِي المعنى، فاحتمل ما يَحْتَمِله اليوم والليلة والعام إِذَا قيل: آتيك غدًا أو آتيك فِي غد.
وقوله: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً (٢٦) «ورياشا» «٢» . فإن شئت جعلت رياش جَميعًا واحده الريش، وإن شئت جعلت الرياش مصدرًا فِي معنى الريش كما يُقال لِبْس ولباس قَالَ الشاعر «٣» :
فلمّا كشفن اللِّبْسَ عَنْهُ مَسَحْنَهُ ... بأطرافِ طَفْلٍ زانَ غَيْلا مُوَشَّما
وقوله: وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى و «لباسَ «٤» التقوى» يرفع بقوله: ولباس التقوى خير، ويَجعل (ذَلِكَ) من نعته. وهي فِي قراءة أبي وعبد الله جميعًا: ولباس التقوى خير. وفى قراءتنا (ذلك خير) فنصب اللباس أحب إليّ لأنه تابع الريش «٥» ، (ذلك خير) فرفع خير بذلك.
стр. 389
وقوله: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) يقول: بدأكم فِي الخلق شقيًا وسعيدًا، فكذلك تعودونَ عَلَى الشقاء والسعادة:
وقوله: فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ (٣٠) ونصب الفريق بتعودونَ، وهي فِي قراءة أُبَيّ: تعودونَ فريقين فريقًا هدى وفريقًا حقَّ عليهم الضلالة. ولو كانا رفعا كَانَ صوابًا كما قال ﵎:
كَانَ «١» لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرةو «فئة» «٢» ومثله: وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ «٣» . وقد يكون الفريق منصوبًا بوقوع «هَدَى» عَلَيْهِ ويكون الثاني منصوبًا بِمَا «٤» وقع عَلَى عائد ذكره من الفعل كقوله: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً «٥» .
وقوله: وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ (٢٩) يقول: إِذَا أدركتك الصلاة وأنت عند مسجد فصلّ فِيهِ، ولا تقولن: آتي مسجد قومي. فإن كان فِي غير وقت الصلاة صليت حَيْثُ شئت.
وقوله: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ (٣٢)
стр. 390
نصبت خالصة عَلَى القطع «١» وجعلت الخبر فِي اللام التي فِي الَّذِينَ، والخالصة ليست بقطع من اللام «٢» ، ولكنها قطع من لام أخرى مضمرة. والمعنى- والله أعلم-: قل هي للذين آمنوا فِي الحياة الدُّنْيَا يقول: مشتركة، وهي لَهم فِي الآخرة خالصة.
ولو رفعتها كَانَ صوابًا، تردّها «٣» عَلَى موضع الصفة التي رفعت لأن تِلْكَ فِي موضع رفع.
ومثله فِي الكلام قوله: إنا بِخير كَثِير «٤» صيدنا. ومثله قَوْل الله : إِنَّ «٥» الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً.. المعنى: خلق هلوعًا، ثُمَّ فسر حال الهلوع بلا نصب لأنه نصب فِي أول الكلام. ولو رفع لجازَ إِلا أن رفعه عَلَى الاستئناف لأنه لَيْسَ معه صفة ترفعه. وإنّما نزلت هَذِه الآية أن قبائل من العرب فِي الجاهلية كانوا لا يأكلونَ أيام حجهم إلا القوت، ولا يأكلون اللحم والدسم، فكانوا يطوفون بالبيت عراةً، الرجالُ نَهارًا والنساء ليلا، وكانت المرأة تلبس شيئًا شبيهًا بالحَوْف «٦» ليواريها بعض المواراة ولذلك قالت العامرية:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أُحله
قَالَ المسلمون: يا رسول الله، نحنُ أحق بالاجتهاد لربنا، فأرادوا أن يفعلوا كفعل أهل الجاهلية، فأنزل الله ﵎: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ يعنى اللباس. وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا حَتَّى يبلغ بكم ذلكم تَحريم ما أحللتُ لكم، والإسراف هاهنا الغلوّ فى الدين.
стр. 391
وقوله: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ (٣٣) (والإثم) ما دون الحدّ (والبغي) الاستطالة عَلَى الناس.
وقوله: أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ (٣٧) يُقال: ينالهم ما قضى الله عليهم فِي الكتاب من سواد الوجوه وزرقة الأعين.
وهو قوله: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ «١» ويُقال هُوَ ما ينالهم فِي الدُّنْيَا من العذاب دون عذاب الآخرة، فيكون من قوله:
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ «٢» مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ.
وقوله: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها (٣٨) يقول: التي سبقتها، وهي أختها فِي دينها لا فِي النسب. وما كَانَ من قوله:
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً «٣» فليس بأخيهم فِي دينهم ولكنه منهم.
وقوله: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ (٤٠) ولا يَفَتَّح وتُفَتَّح. وإِنَّما يَجوز التذكير والتأنيث فِي الجمع لأنه يقع عَلَيْهِ التأنيث فيجوز فِيهِ الوجهان كما قَالَ: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ «٤» و «يشهد» فمن ذكَّر قَالَ: واحد الألسنة ذكر فأبنى عَلَى الواحد إذ كَانَ الفعل يتوحد إِذَا تقدّم الاسماء المجموعة، كما تَقُولُ ذهب القوم.
стр. 392
ورُبَّما آثرت القراء أحد الوجهين، أو يأتي ذَلِكَ فِي الكتاب بوجه فيرى من لا يعلم أَنَّهُ لا يَجوز غيره وهو جائز. ومِمّا آثروا من التأنيث قوله: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ «١» فآثروا التأنيث. ومِمّا آثروا فِيهِ التذكير قوله: لَنْ «٢» يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها والذي أتى فِي الكتاب بأحد الوجهين قوله: فُتِحَتْ «٣» أَبْوابُها ولو أتى بالتذكير كَانَ صوابًا.
ومعنى قوله: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ: لا تصعد أعمالهم. ويُقال:
إن أعمال الفجار لا تصعد ولكنها مكتوبة فى صخرة تحبت الأرض، وهي التي قَالَ الله ﵎: كَلَّا «٤» إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ.
وقوله: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ الجمل هُوَ زوج الناقة. وقد ذكر عَن ابن عباس الْجُمَّلُ يعني الحبال «٥» المجموعة. ويُقال الخياط والْمَخِيط ويُراد الإبرة. وَفِي قراءة عبد الله (الْمِخْيَط) ومثله يأتي عَلَى هذين المثالين يُقال: إزار ومِئزر، ولِحاف ومِلحف، وقِناع ومِقنع، وقِرام «٦» ومِقرم.
وقوله: وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ (٤٨) وَذَلِكَ أنَّهم عَلَى سُور بين الجنة والنار يُقال لَهُ الأعراف، يرون أهل الجنة فيعرفونَهم ببياض وجوههم، ويعرفونَ أهل النار بسواد وجوههم، فذلك قوله:
стр. 393
يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ. وأصحاب الأعراف أقوامٌ اعتدلت حسناتهم وسيئاتهم فقصَّرت بهم الحسنات عَن الجنة، ولم تبلغ بِهم سيئاتِهم النار، كانوا موقوفين ثُمَّ أدخلهم الله الجنة بفضل رحمته.
وقوله: وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً (٥٢) تنصب الهدى والرحمة عَلَى القطع من الْهَاء فِي فصّلناه. وقد تنصبهما عَلَى الفعل «١» . ولو خفضته عَلَى الاتباع للكتاب كَانَ صوابًا كما قَالَ الله ﵎:
وَهذا «٢» كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فجعله رفعًا بإتباعه للكتاب.
وقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ (٥٣) الْهَاء فِي تأويله للكتاب. يريد عاقبته وما وعد الله فِيهِ.
وقوله: فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ لَيْسَ بِمعطوفٍ عَلَى (فيشفعوا) ، إِنَّما المعنى- والله أعلم-: أو هَلْ نُردّ فنعمل غير الَّذِي كنا نعمل.
ولو نصبت (نردّ) على أن تجعل (أو) بِمنزلة حَتَّى، كأنه قَالَ: فيشفعوا لنا أبدًا حَتَّى نرد فنعمل «٣» ، ولا نعلم قارئًا «٤» قرأ بِهِ.
وقوله: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) ذكرت قريبًا لأنه لَيْسَ بقرابة فِي النسب. قَالَ: ورأيتُ العرب تؤنث القريبة فِي النسب لا يَختلفونَ فيها، فإذا قالوا: دارك منّا قريب، أو فلانة منك قريب
стр. 394
فِي القرب والبعد ذكَّروا وأنَّثوا. وَذَلِكَ أن القريب فِي المعنى وإن كَانَ مرفوعًا فكأنه فِي تأويل: هي من مكان قريب. فجعل القريب خَلَفًا من المكان كما قَالَ الله ﵎: وَما «١» هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ وقال: وَما «٢» يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ولو أنَّث ذَلِكَ فبنى عَلَى بعدَتْ منك فهي بعيدة وقَرُبت فهي قريبة كَانَ صوابًا حسنًا. وقال عروة «٣» :
عِشَّيَة لا عفراءُ مِنْكَ قريبة ... فتدنو ولا عفراء مِنك بعيد
ومن قَالَ بالرفع وذكَّر لَمْ يَجمع قريبًا [ولم] «٤» يثنه. ومن قَالَ: إنّ عفراء منك قريبة أو بعيدة ثنَّى وجَمَع.
وقوله: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ نَشْرًا (٥٧) والنَشْر من الرياح: الطيبة اللينة التي تنشئ السحاب. فقرأ بذلك أصحاب عبد الله. وقرأ غيرهم (بُشْراً) حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَسَدِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ «٥» الْهَمْدَانِيِّ عَنْ أَبِي «٦» عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَرَأَ (بُشْرًا) يُرِيدُ بَشِيرَةً، وَ (بَشْرًا) كَقَوْلِ اللَّهِ ﵎: (يُرْسِلَ الرِّياحَ «٧» مُبَشِّراتٍ) .
стр. 395
وقوله: فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى جواب «١» لانزلنا فأخرجنا به. يُقال: إن الناس يَموتونَ وجَميع الخلق فِي النفخة الأولى. وبينها وبين الآخرة أربعون سنة. ويبعث الله المطرَ فيُمطر أربعين يومًا كمنّي الرجال، فينبتونَ فِي قبورهم كما ينبتونَ فِي بطونِ أمهاتِهم. فذلك قوله:
كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى كما أخرجنا الثمار من الأرض الميتة.
وقوله: وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً (٥٨) قراءة «٢» العامة وقرأ بعضُ «٣» أهل المدينة: نَكَدا يريد: لا يخرج إلا فِي نَكَد.
والنِكد والنكَد مثل الدنِف والدَنف. قَالَ: وما أُبعد أن يكون فيها نكُد، ولم أسمعها، ولكني سمعتُ حذِر وحذُر وأشِر وأشُر وعجِل وعجُل.
وقوله: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (٥٩) تجعل «٤» (غَيْرِ) نعتًا للإلَه. وقد يرفع: يجعل تابعًا للتأويل فِي إله ألا ترى أن الاله لو نزعت منه (مِنْ) كَانَ رفعًا. وقد قرى بالوجهين جَميعًا.
وبعضُ بني أَسَد وقُضَاعة إِذَا كانت (غير) فِي معنى (إِلا) نصبوها، تَمَّ الكلام قبلها أو لَمْ يتم. فيقولون: ما جاءني غيرَك، وما أتاني أحد غيرَك. قَالَ:
وأنشدنى المفضّل:
стр. 396
لَمْ يمنع الشربَ منها غير أن هتفت ... حمامة من سحوق ذات أوقال «١»
فهذا نصبٌ وله الفعل والكلام ناقص. وقال الآخر:
لا عيبَ فيها غيرَ شُهْلةِ عينِها ... كذاكَ عِتَاق الطير شُهْلا عيونُها «٢»
فهذا نصب والكلام تامّ قبله.
وقوله: أَوَعَجِبْتُمْ (٦٣) هَذِه واو نَسَق أدخلت عَلَيْهِ ألف الاستفهام كما تدخلها عَلَى الفاء، فتقول:
أفعجبتم، وليست بأو، ولو أريد بِهَا أو لسكّنت الواو.
وقوله: أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُقال فِي التفسير: مع رجلٍ.
وهو فِي الكلام كقولك: جاءنا الخير عَلَى وجهك، وهُدِينا الخير عَلَى لسانِكَ، ومع وجهك، يَجوزان جَميعًا.
وقوله: قالَ الْمَلَأُ (٦٦) هم الرجال لا يكون فيهم امرأة. وكذلك القوم، والنَفَر والرّهْط.
وقوله: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً (٦٥) وقوله: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً (٧٣) منصوب بضمير أرسلنا. ولو رفع إذ فقد الفعل كَانَ صوابًا كما قَالَ: فَبَشَّرْناها «٣» بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ وقال أيضًا: فَأَخْرَجْنا «٤» بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها
стр. 397
ثم قال: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ فالوجه هاهنا الرفع لأن الجبال لا تتبع النبات ولا الثمار. ولو نصبتها عَلَى إضمار: جعلنا لكم (من الجبال جددًا بيضًا) كما قَالَ الله ﵎: خَتَمَ «١» اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ أضمرَ لَهَا جَعَلَ إِذَا نصبت كما قَالَ: وَخَتَمَ «٢» عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً والرفع فِي غشاوة الوجه. وقوله: وَمِنَ «٣» النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ ولم يقل:
ألوانهم، ولا ألوانها. وَذَلِكَ لِمكان (مِنْ) والعرب تُضمر من فتكتفي بِمن مِن مَنْ، فيقولون: مِنا مَنْ يقول ذَلِكَ ومِنّا لا يقوله. ولو جمع عَلَى التأويل كَانَ صوابًا مثل قول ذي الرّمة:
فظلُّوا ومنهم دمعه سابق له ... وآخر يثنى دمعة العين بالمهل «٤»
وقوله: وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً كَانَ أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعًا.
وقوله: وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) يقول: قد كنت فيكم أمينًا قبل أن أُبعث. ويُقال: أمين عَلَى الرسالة.
وقوله: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ (٧٨) والرجفة هي الزلزلة. والصاعقة هي النار. يُقال: أحرقتهم.
وقوله: فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ يقول: رمادا جاثما.
стр. 398
وقوله: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ (٧٩) يُقال: إنه لَمْ يعذب أمّة ونبيها فيها حتى يخرج عنها.
وقوله: أَخْرِجُوهُمْ (٨٢) يعني لُوطًا أخرجوهُ وابنتيه.
وقوله: إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ يقولون: يرغبون عَن أعمال قوم لوط ويتنزهونَ عنها.
وقوله: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها (٨٥) وإصلاحها بعثة النَّبِيّ ﷺ يأمر بالحلال وينهى عَن الحرام.
فذلك صلاحها. وفسادها العمل- قبل أن يبعث النَّبِيّ- بالمعاصي «١» .
وقول شعيب: قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ لَمْ يكن لَهُ آية إلا النبوة. وَكَانَ لثمود الناقة، ولعيسى إحياء الموتى وشبهه.
وقوله: وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ (٨٦) كانوا يقعدون لِمن آمن بالنبي عَلَى طرقهم يتوعدونهم بالقتل. وهو الإيعاد والوعيد. إِذَا كَانَ مبهمًا فهو بألف، فإذا أوقعته فقلت: وعدتك خيرًا أو شرًّا كَانَ بغير ألف كما قَالَ ﵎: النَّارُ «٢» وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا.
وقوله: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا (٨٩) يريد: اقض بيننا، وأهل عُمَان يسمون القاضي الفاتح والفتّاح.
стр. 399
وقوله: أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ (١٠٠) ثم قال: وَنَطْبَعُ ولم يقل: وطبعنا، ونطبعُ منقطعة عَن جواب لو يدلك عَلَى ذَلِكَ قوله: فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ألا ترى أَنَّهُ لا يَجوز فِي الكلام: لو سألتني لاعطيتك فأنتَ غنيّ، حَتَّى تَقُولُ: لو سألتني لاعطيتك فاستغنيت. ولو استقامَ المعنى فى قوله: فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ أن يتصل بِما قبله جازَ أن تردّ يفعل عَلَى فعل فِي جواب لو كما قَالَ الله : وَلَوْ «١» يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ فنذر مردودة على (لقضى) وفيها النون.
وسهَّل ذَلِكَ أن العرب لا تقول: وذرت، ولا ودعت، إنما يقال بالياء والألف والنون والتاء، فأوثرت عَلَى فعلت إِذَا جازت قَالَ الله ﵎: تَبارَكَ «٢» الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ ثم قال: وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً فإذا أتاك جواب لو آثرت فِيهِ (فعل «٣» عَلَى يفعل) وإن قلته ينفعل جاز، وعطف فعل عَلَى يفعل ويفعل عَلَى فعل جائز، لأن التأويل كتأويل الجزاء.
وقوله: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ (١٠٥) ويقرأ «٤» : حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ. وَفِي قراءة عبد الله: حَقِيقٌ بِأَنْ لَا أقول عَلَى الله فهذه حجة من «٥» قرأ (عَلَى) ولم يضِف. والعربُ تجعل الباء فِي موضع عَلَى رميت عَلَى القوس، وبالقوس، وجئت عَلَى حال حسنة وبحال حسنة.
стр. 400
وقوله: فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ (١٠٧) هُوَ الذكر وهو أعظم الحيّات.
وقوله: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠) فقوله: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ من «١» الملأ فَماذا تَأْمُرُونَ من كلام فرعون. جاز ذَلِكَ عَلَى كلامهم إياه، كأنه لَمْ يحك وهو حكاية. فلو صرّحت بالحكاية لقلت: يريد أن يخرجكم من أرضكم، فقال: فماذا تأمرونَ. ويحتمل القياس أن تَقُولُ عَلَى هَذَا المذهب: قلت لجاريتك قومي فَإِنِّي قائمة (تريد «٢» : فقالت:
إني قائمة) وقلّما أتى مثله فِي شعر أو غيره، قَالَ عنترة:
الشاتِمَيْ عِرْضي ولم أشتِمْهُمَا ... والناذرَيْنِ إِذَا لقيتهما دمي «٣»
فهذا شبيه بذلك لأنه حكاية وقد صار كالمتصل عَلَى غير حكاية ألا ترى أَنَّهُ أراد: الناذرين إِذَا لقينا عنترة لنقتلنه «٤» ، فقال: إِذَا لقيتهما، فأخبر عَن نفسه، وإنما ذكراه غائبا. ومعنى لقيتهما: لقيانى.
стр. 401
وقوله: أَرْجِهْ وَأَخاهُ (١١١) جاء التفسير: احبسهما عندك ولا تقتلهما، والإرجاء تأخير الأمر. وقد جزم الْهَاء حَمْزَةُ والاعمش «١» . وهي لغة للعرب: يقفونَ عَلَى الْهَاء المكنيّ عنها فِي الوصل إِذَا تحرك ما قبلها أنشدني بعضهم:
أنحي عَليّ الدهر رجلا ويدا ... يُقسم لا يُصلح إلا أفسدا
فيصلح اليوم ويُفسدهُ غدا
وكذلك بِهاء التأنيث فيقولون: هَذِه طلحة قد أقبلت، جزم أنشدني بعضهم:
لَمَّا رأى أن لادَعهْ ولا شِبَعْ ... مال إلى أرطاة حِقْف فاضطجع «٢»
وأنشدني القَنَاني:
لستُ إذًا لزَعْبَلَهُ إنْ لَم أُغَيِّرْ بِكْلَتِي إن لَمْ أُساوَ بالطُوَل «٣» بِكْلَتِي: طريقتي. كأنه «٤» قَالَ: إن لَمْ أغيِّر بكلتي حَتَّى أساوي. فهذه لامرأة: امرأة طولى و [نساء «٥» ] طول.
стр. 402
وقوله: إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) أدخل (أن) فى (إما) لأنها فِي موضع أمر بالاختيار. فهي فِي موضع نصب فِي قول القائل: اختر ذا أو ذا ألا ترى أن الأمر بالاختيار قد صلح فِي موضع إِمّا.
فإن قلت: إن (أو) فِي المعنى بِمنزلة (إمّا وإمّا) فهل يَجوز أن يقول يا زيد أن تقوم أو تقعد؟ قلت: لا يَجوز ذَلِكَ لأن أول الاسمين فِي (أو) يكون خبرًا يَجوز السكوت عَلَيْهِ، ثُمَّ تستدرك الشك فِي الاسم الآخر، فتُمضي الكلام عَلَى الخبر ألا ترى أنك تقبول: قام أخوكَ، وتسكت، وإن بدا لك قلت: أو أبوك، فأدخلت الشك، والاسم الأول مكتفٍ يصلح السكوت عَلَيْهِ. وليس يَجوز أن تَقُولُ: ضربت إمّا عبد الله وتسكت. فلمّا آذنت (إمّا) بالتخيير من أول الكلام أحدثْتَ لَهَا أن.
ولو وقعت إِمّا وإمّا مع فعلين قد وُصِلا باسم معرفة أو نكرة ولم يصلح الأمر بالتمييز فِي موقع إمّا لَمْ يحدث فيها أن كقول الله ﵎: وَآخَرُونَ «١» مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ أَلا ترى أن الأمرَ لا يصلح هاهنا، فلذلك لَمْ يكن فِيهِ أن. ولو جعلت (أن) فِي مذهب (كي) وصيّرتها صلة ل (مرجون) يريد أُرجئوا أن يعذبوا أو يتاب عليهم، صلح ذَلِكَ فِي كل فعل تامّ، ولا يصلح فِي كَانَ وأخواتها ولا فِي ظننت وأخواتها. من ذَلِكَ أن تَقُولُ آتيكَ إما أن تعطي وإما أن تمنع.
وخطأ أن تَقُولُ: أظنكَ إمّا أن تُعطي وإمّا أن تمنع، ولا أصبحت إما أن تعطي وإما أن تمنع. ولا تُدخلنّ «٢» (أو) عَلَى (إما) ولا (إما) عَلَى (أو) . وربما فعلت العرب ذَلِكَ لتآخيهما فِي المعنى عَلَى التوهّم فيقولون: عبد الله إما جالس أو ناهض،
стр. 403
ويقولون: عبد الله يقوم وإما يقعد. وَفِي قراءة أُبَيّ: وإِنّا «١» وإيّاكم لامَّا عَلَى هدى أو فِي ضلالٍ فوضع أو فِي موضع إِمّا. وقال الشاعر:
فقلت لَهن امشين إِمّا نلاقهِ ... كما قَالَ أو نشف النفوس فنعذرا «٢»
وقال آخر «٣» :
فكيفَ بنفس كلما قلت أشرفت ... عَلَى البرء من دهماء هِيض اندمالها
تُهاضُ بدارٍ قد تقادم عهدُها ... وإمّا بأمواتٍ ألمَّ خيالها
فوضع (وإِمّا) فِي موضع (أو) . وهو عَلَى التوهم إِذَا طالت الكلمة بعض الطول أو فرقت بينهما بشيء هنالك يَجوز التوهم كما تَقُولُ: أنت ضاربُ زيدٍ ظالِمًا وأخاهُ حين فرقت بينهما ب (ظالِم) جاز نصب الأخ وما قبله مخفوض. ومثله يَا ذَا «٤» الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً وكذلك قوله إِمَّا «٥» أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى.
وقوله: تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) وتَلْقَفُ «٦» . يقال لقفت»
الشيء فأنا ألقفه لقفا، يجعلون مصدره لقفانا. وهى فى التفسير: تبتلع.
стр. 404
وقوله: فَوَقَعَ الْحَقُّ (١١٨) معناهُ: أن السحرة قالوا: لو كَانَ ما صنع موسى سِحرًا لعادت حبالنا وعِصيّنا إلى حالها الأولى، ولكنها فُقدت. فذلك قوله (فَوَقَعَ الحق) : فتبين الحق من السحر.
وقوله: آمَنْتُمْ بِهِ (١٢٣) يقول: صدّقتموهُ. ومن قَالَ: آمنتم لَهُ يقول: جعلتم لَهُ الَّذِي أراد.
وقوله: ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ (١٢٤) مشددة، وَ (لأصْلِبَنَّكم) بالتخفيف قرأها بعضُ «١» أهل مكة. وهو مثل قولك:
قتلت القوم وقتَّلتهم إِذَا فشا القتل جاز التشديد.
وقوله: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ (١٢٧) لك فى (ويذرك) النصبُ عَلَى الصرف لانّها فِي قراءة أُبَيّ (أتذرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأرض وَقَدْ تركوك أن يعبدوك) فهذا معنى الصرف. والرفع لِمن أتبع آخر الكلام أوّله كما قَالَ الله مَنْ «٢» ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ بالرفع «٣» . وقرأ ابن عباس (وإلا هتك) وفسّرها: ويذرك وعبادتك وقال: كَانَ فرعون يُعبد ولا يَعبد.
وقوله: أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا (١٢٩) قَالَ: فأمَّا الأذى الأول فقتله الأبناء واستحياؤه النساء. ثُمَّ لَمّا قالوا لَهُ:
أتَذَرُ موسى وقومه ليفسدوا فِي الأرض قَالَ: أُعِيد عَلَى أبنائهم القتل وأستحيى النساء كما كَانَ فعل. وهو أذى بعد مجىء موسى.
стр. 405
وقوله: وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ (١٣٠) أخذهم بالسنين: القحط والجدوبة عامًا بعد عام.
وقوله: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ (١٣١) والحسنة هاهنا الخفض «١» .
وقوله: لَنا هذِهِ يقولون: نستحقّها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يعنى الجدوبة يَطَّيَّرُوا يتشاءموا بِمُوسى كما تشاءمت اليهود بالنبي ﷺ بالمدينة، فقالوا: غلت أسعارنا وقلّت أمطارنا مذ أتانا.
وقوله: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ (١٣٣) أرسل الله عليهم السماء سَبْتًا «٢» فلم تقلع ليلا ونهارا، فضاقت بهم الأرض من تهدّم بيوتِهم وشُغُلهم عَن ضياعِهم، فسألوهُ أن يرفع عنهم، فرفع فلم يتوبوا، فأرسلَ الله عليهم (الجراد) فأكل ما أنبتت «٣» الأرض فِي تِلْكَ السنة. وذاك أنهم رأوا من غِبّ ذَلِكَ المطر خصبًا لَمْ يروا مثله قطُّ، فقالوا: إنّما كَانَ هَذَا رحمةً لنا ولم يكن عذابًا. وضاقوا بالجراد فكان قدر ذراع فِي الأرض، فسألوهُ أن يكشف عنهم ويؤمنوا، فكشف «٤» الله عنهم وبقي لَهُم ما يأكلونَ، فطغوا بِهِ وقالوا (لن نؤمن لك) فأرسل الله عليهم (القمل) وهو الدّبَى «٥» الَّذِي لا أجنحة لَهُ، فأكل كلّ ما كَانَ أبقى الجراد، فلم يؤمنوا فأرسل الله (الضفادع) فكان أحدهم يصبح وهو عَلَى فراشه متراكب، فضاقوا بذلك، فلمّا كُشِفَ عنهم لَمْ يؤمنوا، فأرسل الله عليهم
стр. 406
(الدم) فتحوّلت عيونهم وأَنْهارُهم دمًا حَتَّى موتت الأبكارُ، فضاقوا بذلك وسألوهُ أن يكشفه عنهم فيؤمنوا، فلم يفعلوا، وَكَانَ العذاب يَمكث عليهم سبتًا، وبين العذاب إلى العذاب شهر، فذلك قوله آياتٍ مُفَصَّلاتٍ ثُمَّ وعد الله موسى أن يغرق فرعون، فسار موسى من مصر ليلا. وبلغ ذَلِكَ فرعون فأتبعه- يُقال فِي ألف ألف ومائة ألف سوى كتيبته التي هو فيها، ومُجَنِّبَتَيْه «١» - فأدركهم هُوَ وأصحابه مع طلوع الشمس. فضرب موسى البحر بعصاهُ فانفرج لَهُ فِيهِ اثنا عشر طريقًا. فلمّا خرجوا تبعه فرعون وأصحابه فِي طريقه، فلما كَانَ أوَلهم يَهُمّ بالخروج وآخرهم فِي البحر أطبقه الله ﵎ عليهم فغرَّقهم. ثُمَّ سأل موسى أصحابه أن يخرج فرعون ليعاينوهُ، فأخرج هُوَ وأصحابه، فأخذوا من الأمتعة والسلاح ما اتخذوا بِهِ العِجْل.
وقوله: عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ (١٤٨) كان جسدا مجوّفًا. وجاء فِي التفسير أَنَّهُ خار مرة واحدة.
وقوله: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ (١٤٩) من الندامة. ويُقال: أسقِط لغة. و (سُقِطَ فى أيديهم) أكثر وأجود. قالوا لئن لم ترحمنا ربّنا نصب «٢» بالدعاء (لئن لَمْ ترحمنا ربنا) ويقرأ (لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا) والنصبُ أحبّ إليّ لأنها فِي مصحف عبد الله (قالوا ربنا لئن لَمْ ترحمنا) .
وقوله: أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ (١٥٠) تقول: عجلت الشيء: سبقته، وأعجلته استحثثته «٣» .
стр. 407
وقوله: وَأَلْقَى الْأَلْواحَ ذكر أنَّهما كانا لوحين. وجازَ أن يُقال الألواح للاثنين كما قَالَ فَإِنْ «١» كانَ لَهُ إِخْوَةٌ وهما أخوان وكما قَالَ إِنْ تَتُوبا «٢» إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وهما قلبانِ.
وقوله ﵎: قالَ ابْنَ أُمَّ يقرأ (ابن أمَّ، وَأُمِّ) بالنصب والْخفض «٣» ، وَذَلِكَ أنه كثر فِي الكلام فحذفت العرب منه الياء. ولا يكادونَ يحذفونَ الياء إِلا من الاسم المنادى يضيفه المنادِي إلى نفسه، إلا قولهم: يا ابن عمّ ويا ابن أمّ. وذلك أنه يكثر استعمالهما فِي كلامهم. فإذا جاء ما لا يستعمل أثبتوا الياء فقالوا: يا ابن أبى، ويا ابن أخى، ويا ابن خالتى، فأثبتوا الياء. ولذلك قالوا: يا ابن أمّ، ويا ابن عمَّ فنصبوا كما تنصب المفرد فِي بعض الحالات، فيُقال: حسرتا، ويا ويلتا، فكأنّهم قالوا: يا أمّاه، ويا عمّاه. ولم يقولوا ذَلِكَ فِي أخ، ولو قيل كَانَ صوابًا. وَكَانَ هارون أخاهُ لابيه وأمّه. وإنّما قَالَ لَهُ (يا ابن أم) ليستعطفه عَلَيْهِ.
وقوله: فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ مِنْ أشمت، حَدَّثَنَا مُحَمَّد قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنَا سفيان بن عبينة عَن رجل- أظنه الأعرج «٤» - عَن مجاهد أَنَّهُ قرأ (فلا تَشْمِت بيَ) ولم يسمعها من العرب، فقال الْكِسَائي: ما أدري لعلهم أرادوا (فلا تَشْمَت بِيَ الاعداءُ) فإن تكن صحيحة فلها نظائِر، العرب تَقُولُ فرغت: وفرِغْت. فمن قَالَ فرَغت قَالَ: أنا أفرغُ، ومن قَالَ فرِغت قَالَ أنَا أَفْرَغ، ورَكَنت وركِنْت وشمِلِهم شر، وشمَلهم، فِي كَثِير من الكلام. و (الأَعْدَاءَ) رفع لأن الفعل لَهُم، لمن قَالَ: تَشْمَت أو تشمت.
стр. 408
وقوله: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا (١٥٥) وجاء التفسير: اختارَ منهم سبعين رجلا. وإِنَّما استجيز وقوع الفعل عليهم إذ طرحت (من) لأنه مأخوذ من قولك: هَؤُلاءِ خير القوم، وخير من القوم. فلما جازت الإضافة مكان (مِن) ولم يتغير المعنى استجازوا أن يقولوا: اخترتكم رجلا، واخترت منكم رجلا.
وقد قَالَ الشاعر «١» :
فقلت لَهُ اخترها قَلُوصا سَمِينة ... ونابًا علينا مثل نابك فِي الْحَيَا
فقام إليها حبتر بسلاحه ... فلله عينا حَبْتَرٍ أيّما فتى
وقال الراجز «٢» :
تحت الَّذِي اختار لَهُ الله الشجر
وقوله: أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا وَذَلِكَ أن الله ﵎ أرسلَ عَلَى الَّذِينَ معه- وهم سبعون- الرجفة، فاحترقوا، فظنّ موسى أنّهم أهلكوا باتِّخَاذ أصحابِهم العجل، فقال: أتهلكنا بِما فعلَ السفهاء منا، وإِنّما أهلكوا بمسألتهم موسى (أرنا الله جهرة) .
стр. 409
وقوله (ثم اتخذوا «١» العجل) ليس بمردود على قوله (فأخذتهم الصاعقة) ثُمَّ اتخذوا هَذَا مردود عَلَى فعلهم الأول. وفيه وجه آخر: أن تجعل (ثم) خبرًا مستأنفًا. وقد تستأنف العرب بثم والفعل الَّذِي بعدها قد مضى قبل الفعل الأول من ذَلِكَ أن تَقُولُ للرجل: قد أعطيتك ألفًا ثُمَّ أعطيتك قبل ذَلِكَ مالا فتكون (ثُمَّ) عطفًا عَلَى خبر المخبر كأنه قَالَ: أخبرك أني زرتك اليوم، ثُمَّ أخبرك أني زرتك أمس.
وأمّا قول الله خَلَقَكُمْ «٢» مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها فإن فِيهِ هَذَا الوجه لئلا يقول القائل: كيف قَالَ: خلقكم ثُمَّ جعل منها زوجها والزوج مخلوق «٣» قبل الولد؟ فهذا الوجه المفسّر يدخل فِيهِ هَذَا المعنى. وإن شئت جعلت (ثم) مردودة عَلَى الواحدة أراد- والله أعلم- خلقكم من نفسٍ وحدها ثُمَّ جعل منها زوجها، فيكون (ثم) بعد خلقه آدم وَحده. فهذا ما فِي ثُمَّ. وخِلْقةُ ثُمَّ أن يكون آخِر. وكذلك الفاء. فأما الواو فإنك إنّ شئت جعلت الآخر هو الأوّل والأوّل الآخر. فإذا قلت: زرت عبد الله وزيدًا، فأيّهما شئت كان هو المبتدأ بالزيادة، وَإِذَا قلت: زرت عبد الله ثُمَّ زيدًا، أو زرت عبد الله فزيدًا كَانَ الأوّل قبل الآخِر، إلا أن تريد بالآخر أن يكون مردودًا عَلَى خبر المخبر فتجعله أوّلا.
стр. 410
وقوله: وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ (١٦٠) فقال: اثنتي عشرة والسبط ذكر لأن بعده «١» أمم، فذهب التأنيث إلى الأمم.
ولو كَانَ (اثني عشر) لتذكير السبط كَانَ جائزًا.
وقوله: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا (١٣٧) فتنصب مشارق ومغارب تريد: فِي مشارق الأرض وفى مغاربها، وتوقع «٢» (وأورشا) على قوله الَّتِي بارَكْنا «٣» فِيها. ولو جعلت (وأورثنا) واقعة عَلَى المشارق والمغارب لانهم قد أورثوها وتجعل (التي) من نعت المشارق والمغارب فيكون نصبًا «٤» ، وإن شئت جعلت (التي) نعتًا للارض فيكون خفضًا.
وقوله: وَما ظَلَمُونا يقول: وما نقصونا شيئًا بِما فعلوا، ولكن نقصوا أنفسهم.
والعربُ تَقُولُ: ظلمت سِقاءك إِذَا سقيته «٥» قبل أن يُمَخض ويَخرج زُبْده. ويُقال ظلم الوادي إِذَا بلغ الماء منه موضعًا لَمْ يكن ناله فيما خلا أنشدني بعضهم:
يكاد يطلع ظلمًا ثُمَّ يمنعه ... عَن الشواهِقِ فالوادِي بِهِ شِرق «٦»
ويُقال: إنه لأظلم من حيَّة لانَّها تأتي الجُحْر ولم تَحفره فتسكنه. ويقولون:
ما ظلمك أن تفعل، يريدونَ: ما منعك أن تفعل، والأرض المظلومة: التي لَمْ ينلها
стр. 411
المطر، وقال أَبُو الجراح: ما ظلمك أَنْ تفيء، لرجل شكا كثرة الأكل. ويُقال «١» صَعِق الرجل وصُعِق إِذَا أخذته الصاعقة، وَسَعِدَ وسُعِد ورَهِصت الدابة ورهصت «٢» .
وقوله: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ (١٦٣) والعربُ تَقُولُ: يُسْبِتونَ ويَسْبِتونَ وسَبَت وأَسبت. ومعنى أسبتوا: دخلوا فِي السبت، ومعنى يَسْبِتون: يفعلونَ سبتهم. ومثله فِي الكلام: قد أجمعنا، أي مرَّت بنا جُمعة، وجَمّعنا: شهدنا الجمعة. قَالَ وقال لي بعضُ العرب: أترانا «٣» أشهرنا مذ لم نلتق؟ أراد: مرّ بنا شهر.
وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ منصوب بقوله: لا تَأْتِيهِمْ.
وقوله: قالُوا مَعْذِرَةً (١٦٤) إعذارًا فعلنا ذَلِكَ. وأكثر كلام العرب أن ينصبوا المعذرة. وقد آثرت القراء رفعها. ونصبها جائز «٤» . فمن رفع قَالَ: هي معذرة كما قال: إِلَّا ساعَةً «٥» مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ.
وقوله: مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ (١٦٧) : الجزية إلى يوم القيامة.
стр. 412
وقوله: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ (١٦٩) وخَلْفٌ»
أَضاعُوا الصَّلاةَ أي قرن، بِجزم اللام. والخلف: ما استخلفته، تقول: أعطاك الله خَلَفًا مما ذهب لك، وأنت خَلَف سَوْء، سمعته من العرب.
وقوله: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ (١٧٠) ويُقرأ يُمَسِّكُونَ «٢» بِالْكِتابِ ومعناهُ: يأخذونَ بِما فِيهِ.
وقوله: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ (١٧١) رفع الجبل عَلَى عسكرهم فرسخًا فِي فرسخ. نَتَقْنَا: رفعنا. ويُقال: امرأة مِنتاق إِذَا كانت كثيرة الولد.
وقوله: وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ (١٧٦) : ركن إليها وسكن. ولغة يُقال: خلد إلى الأرض بغير ألف، وهي قليلة.
ويُقال للرجل إِذَا بقي سواد رأسه ولحيته: إِنّه مُخْلِد، وَإِذَا لَمْ تسقط أسنانه قيل:
إنه لَمخلد.
وقوله: أَيَّانَ مُرْساها (١٨٧) المرسى فى موضع رفع.
ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثقل عَلَى أهل الأرض والسماء أن يعلموه «٣» .
وقوله: كَأَنَّكَ حَفِيٌّ كأنّك حفيّ عنها مقدّم ومؤخر ومعناهُ يسألونَكَ عنها كأنك حفِيّ بِهَا. ويُقال فِي التفسير كأنك حَفِيّ أي كأنك عالم بها.
стр. 413
وقوله: وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ (١٨٨) يقول: لو كنت أعلم الغيب لاعددت للسنة المجدبة من السنة المخصبة، ولعرفتُ الغلاء فاستعددت له فى الرخص. هذا قول مُحَمَّد ﷺ .
وقوله: حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً (١٨٩) الماء خفيف عَلَى المرأة إِذَا حملت.
فَمَرَّتْ بِهِ فاستمرت بِهِ: قامت بِهِ وقعدت.
فَلَمَّا أَثْقَلَتْ: دنت ولادتها، أتاها إبليس فقال: ماذا فِي بطنك؟ فقالت:
لا أدري. قَالَ: فلعله بَهيمة، فما تصنعين لي إن دعوت الله لك حتى يجعله إنسانا؟ قالت: قل، قَالَ: تسمينه باسمي. قالت: وما اسمك؟ قَالَ: الحرث.
فسمَّته عبد الحارث، ولم تعرفه أَنَّهُ إبليس.
وقوله: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ (١٩٠) إِذْ قالت: عبد الحارث، ولا ينبغي أن يكون عبدًا إلا لله. ويقرأ «١» :
«شِرْكًا» .
وقوله: أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً (١٩١) أراد الألهة ب (ما) ، ولم يقل: من، ثُمَّ جعل فعلهم كفعل الرجال.
وقال: وَهُمْ يُخْلَقُونَ ولا يملكون.
وقوله: وَلا يَسْتَطِيعُونَ (١٩٢) فجعل الفعل للرجال.
стр. 414
وقوله: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى (١٩٣) يقول: إِنْ يَدْعُ المشركون الآلهة إلى الهدى لا يتبعوهم.
وقوله: سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ ولم يقل: أم صمتُّم.
وَعَلَى هَذَا أكثر كلام العرب: أن يقولوا: سواء عليّ أقمت أم قعدت. ويَجوز:
سواء عليّ أقمت أم أنت قاعد قَالَ الشاعر:
سواء إِذَا ما أصلح الله أمرهم ... علينا أدثر ما لهم أم أَصارِم «١»
وأنشدني الْكِسَائي:
سواء عليك النفْرُ أم بِتَّ ليلة ... بأَهل القِباب مِن نُمَيْرِ بنِ عامِرِ «٢»
وأنشده بعضهم (أو أنت بائت) وجاز فيها (أو) لقوله: النفر لأنك تَقُولُ: سواء عليك الخير والشر، ويَجوز مكان الواو (أو) لأن المعنى جزاء كما تَقُولُ: اضربه قام أو قعد. ف (أو) تذهب إلى معنى العموم كذهاب الواو.
وقوله: وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ (١٩٨) يريد الآلهة: أنّها صُوَر لا تُبصر. ولم يقل: وتراها لأن لَهَا أجسامًا وعيونًا.
والعرب تَقُولُ للرجل القريب من الشيء: هُوَ ينظر، وهو لا يراهُ، والمنازل تتناظر إِذَا كَانَ بعضها بحذاء بعض.
стр. 415
وقوله: إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ (٢٠١) وقرأ إِبْرَاهِيم النخعيّ «١» (طَيْف) وهو اللمم والذنب فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ أي منتهون إذا أبصروا.
وقوله: وَإِخْوانُهُمْ (٢٠٢) إخوان المشركين يَمُدُّونَهُمْ فِي الغيّ، فلا يتذكرون ولا ينتهونَ. فذلك قوله: ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ يعني المشركين وشياطينَهم. والعربُ تَقُولُ: قد قَصُر عَن الشيء وأقصر عَنْهُ. فلو قرئت (يُقْصِرُونَ «٢» ) لكان صوابًا.
وقوله: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها (٢٠٣) يقول: هلا افتعلتها. وهو من «٣» كلام العرب جائز أن يُقال: اختار الشيء، وهذا اختياره.
وقوله: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا (٢٠٤) قَالَ: كَانَ الناس يتكلمون فِي الصلاة المكتوبة، فيأتي الرجل القوم فيقول:
كم صليتم؟ فيقول: كذا وكذا. فنهوا عَن ذَلِكَ، فحرم الكلام فى الصلاة لما أنزلت هذه الآية.
стр. 416
ومن سورة الأنفال
وقوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ (١) نَزلت فِي أنفال أهل بدر. وَذَلِكَ أنَّ النَّبِيّ ﷺ لما رأى قِلََّة الناس وكراهيتهم للقتال قَالَ: من قتل قتيلا فله كذا، ومن أسر أسيرًا فله كذا.
فلمّا فرغ من أهل بدر قام سعد بن مُعَاذ «١» فقال: يا رسول الله إن نفَّلت هَؤُلاءِ ما سمّيت لَهم بقي كَثِير من المسلمين بغير شيء، فأنزلَ الله ﵎:
قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ: يصنع فيها ما يشاء، فسكتوا وَفِي أنفسهم من ذَلِكَ كراهية.
وهو قوله: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ (٥) عَلَى كره منهم، فامض لأمر الله فِي الغنائم كما مضيت عَلَى مُخْرِجك وهم كارهون.
ويُقال فيها: يسألونَك عَن الأنفال كما جادلوكَ يوم بدر فقالوا: أخرجتنا للغنيمة ولم تعْلمنا قتالا فنستعدّ «٢» لَهُ. فذلك قوله: يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ (٦) وقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ أمر المسلمين أن يتأسوا «٣» فِي الغنائم بعد ما أمضيت لهم، أمرا ليس بواجب «٤» .
стр. 417
وقوله: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، ثم قال «١» أَنَّها لَكُمْ فنصب (إحدى «٢» الطائفتين) ب «يعد» ثُمَّ كرّها عَلَى أن يعِدكم أن إحدى الطائفتين لكم كما «٣» قَالَ:
فَهَلْ يَنْظُرُونَ «٤» إِلَّا السَّاعَةَ ثم قال: أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فأن فِي موضع نصب كما نصبت الساعة وقوله: وَلَوْلا «٥» رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ رفعهم ب «لولا» ، ثم قال: أَنْ تَطَؤُهُمْ فأن فى موضع رفع ب «لولا» .
وقوله: بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) ويقرأ (مردفين) «٦» فأما (مردفين) فمتتابعين، و (مردَفين) فُعِل بِهم.
وقوله: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ (١٠) هذه الهاء للإرداف: ما جعل الله الإرداف إِلَّا بُشْرى.
وقوله: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ (١١) بات المسلمونَ ليلة بدر عَلَى غير ماء، فأصبحوا مجنبِين، فوسوس إليهم الشيطانُ فقال: تزعمونَ أنكم عَلَى دين الله وأنتم عَلَى غير الماء وعدّوكم عَلَى الماء تصلون مجنبين، فأرسلَ الله عليهم السماء «٧» وشربوا واغتسلوا وأذهبَ الله عنهم رِجْزَ الشيطان يعني وسوسته، وكانوا فِي رمل تغيب فِيهِ الأقدام فشدّده المطر حَتَّى اشتدّ عَلَيْهِ الرجال، فذلك قوله: وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ.
стр. 418
وقوله: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا (١٢) كَانَ الملك يأتي الرجل من أصحاب مُحَمَّد ﷺ فيقول: سمعت «١» هَؤُلاءِ القوم- يعني أبا سفيان وأصحابه- يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشِفَنَّ، فيحدث المسلمونَ بعضهم بعضًا بذلك فتقوى أنفسهم. فذلك وحيه إلى الملائكة.
وقوله: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ علَّمهم مواضع الضرب فقال: اضربوا الرءوسَ والأيدي «٢» والأرْجُل.
فذلك قوله: وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ.
وقوله: ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ (١٤) خاطب المشركين.
ثُمَّ قَالَ: وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ فنصب (أنّ) من جهتين.
أَمَّا إحداهما: وَذَلِكَ بأن للكافرينَ عذابَ النار، فألقيت الباء فنصبت. والنصب الآخر أن تضمر فعلا مثل قول الشاعر:
تسمع للأحشاء مِنْهُ لغطًا ... ولليدين جُسْأَةً وبَدَدَا «٣»
أضمرَ (وترى لليدين) كذلك قال ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ واعلموا أَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ. وإن شئت جعلت (أن) فى موضع رفع تريد: ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وذلكم (أنّ
стр. 419
للكافرين عذاب النّار) ومثله فِي كتاب الله ﵎: خَتَمَ «١» اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ قرأها عَاصِم فيما حَدَّثَنِي المفضل، وزعم أن عاصمًا أخذها عَلَيْهِ مرتين بالنصب. وكذلك قوله: وَحُورٌ عِينٌ «٢» .
وقوله: ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨) ومُوهِنُ. فإن شئت أضفت، وإن شئت نوّنت ونصبت «٣» ، ومثله: إِنَّ «٤» اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ، وبالغ أمره وكاشِفاتُ «٥» ضُرِّهِ، وكاشفات ضُرَّه.
وقوله: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى (١٧) دعا رسول الله ﷺ يوم بدر بكفّ من تراب فحثاهُ فِي وجوه القوم، وقال: شَاهت الوجوه، أي قبحت، فكان ذَلِكَ أيضًا سبب هزمهم «٦» .
وقوله: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ (١٩) (قَالَ «٧» أَبُو جهل يومئذ: اللَّهُمَّ انصر أفضل الدينين وأحقَّهُ بالنصر، فقال الله ﵎ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ يعنى النصر.
стр. 420
وقوله «١» : وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: كسر ألفها أحب إِليّ من فَتَحها لأن فِي قراءة عبد الله: (وإِنّ الله لمع المؤمنين) فحسّن هذا كسرها بالابتداء. ومن فَتَحها أرادَ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ يريدُ: لكثرتها ولأن الله مع الْمُؤْمِنِين، فيكون موضعها نصبًا لأن الخفض يصلح فيها.
وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ (٢٤) يقول: استجيبوا لله وللرسول إِذَا دعاكم إلى إحياء أمركم.
وقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ يحول بين المؤمن وبين المعصية، وبين الكافر وبين الطاعة و (أنه) مردود على (واعلموا) ولو استأنفت فكسرت لكان صوابًا.
وقوله: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ (٢٥) أمرهم ثُمَّ نَهاهم، وَفِيهِ طَرَف من الجزاء وإن كان نهيا. ومثله قوله يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ «٢» أمرهم ثُمَّ نَهاهم، وَفِيهِ تأويل الجزاء.
وقوله: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ (٢٦) نزلت فى المهاجرين خاصّة.
وقوله: فَآواكُمْ يعنى إلى المدينة، وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ أي قوّاكم.
стр. 421
وقوله: لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ (٢٧) إن شئت جعلتها «١» جزمًا عَلَى النهي، وإن شئت جعلتها صرفًا ونصبتها قَالَ «٢» :
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ
وَفِي إحدى القراءتين (وَلا تَخونوا أماناتِكم) فقد يكون أيضًا هاهنا جزمًا ونصبًا.
وقوله: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً (٢٩) يقول: فتحًا ونصرًا. وكذلك قوله يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ يوم الفتح والنصر.
وقوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ (٣٠) اجتمعَ نفرٌ من قريش فقالوا: ما ترونَ فِي مُحَمَّد ﷺ ويدخل إبليس عليهم فِي صورة رجل من أهل نَجد، فقال عَمْرو بن هشام «٣» : أرى أن تَحبسوهُ فِي بيت وتُطَيِّنُوه عَلَيْهِ وتفتحوا لَهُ كُوَّة وتضيِّقوا عَلَيْهِ حَتَّى يَموت. فأبى ذَلِكَ إبليس وقال: بئس الرأي رأيك، وقال أَبُو البَخْتَرِيّ بن هشام: أرى أن يحمل عَلَى بعير ثُمَّ يطرد بِهِ حَتَّى يهلك «٤» أو يكفيكموهُ بعض العرب، فقال إبليس: بئس الرأي! أتخرجونَ عنكم رجلا قد أفسدَ عامّتكم فيقع إلى غيركم! فعلّه يغزوكم بِهم. قَالَ الفاسق أَبُو جهل: أرى أن نَمشي إِلَيْهِ برجل من كل فخذ من قريش فنضر به بأسيافنا، فقال إبليس: الرأي ما رأى هَذَا «٥» الفتى، وأتى جبريل ﵇ إلى
стр. 422
النَّبِيّ ﷺ بالخبر، فخرج من مكَّة هُوَ وَأَبُو بكر. فقوله (لِيُثْبِتُوكَ) :
ليحبسوك فى البيت. (أو يخرجوك) على البعير «١» (أو يقتلوك) .
وقوله: وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ (٣٢) فى (الحق) النصب والرفع «٢» إن جعلت (هو) اسمًا رفعت الحق بهو. وإن جعلتها عمادًا بِمنزلة الصلة نصبت الحق. وكذلك فافعل فِي أخوات كَانَ، وأظنّ وأخواتها كما قَالَ الله ﵎ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ «٣» تنصب الحق لأن (رَأَيْتَ) من أخوات ظننت. وكل موضع صلحت فِيهِ يفعل أو فعل مكان الفعل «٤» المنصوب ففيه العماد ونصب الفعل. وَفِيهِ رفعه بِهو عَلَى أن تجعلها اسمًا، ولا بدّ من الألف واللام إِذَا وجدت إليهما السبيل. فإذا قلت:
وجدت عبد الله هُوَ خيرًا منك وشرًا منك أو «٥» أفضل منك، ففيما أشبه هَذَا الفعل النصب والرفع. النصب عَلَى أن ينوي الألف واللام، وإن لَمْ يمكن إدخالَهما. والرفع عَلَى أن تَجعل (هو) اسمًا فتقول: ظننت أخاكَ هُوَ أصغرُ منك وهو أصغرَ منك.
وَإِذَا جئت إلى الاسماء الموضوعة مثل عَمْرو، وَمُحَمَّد، أو المضافة مثل أبيك، وأخيك رفعتها، فقلت: أظنّ زيدًا هُوَ أخوك، وأظنَّ أخاكَ هُوَ زيد، فرفعت إذ لَمْ تأت بعلامة المردود، وأتيت بِهو التي هي علامة الاسم، وعلامة المردود أن يرجع كل فعل لَمْ تكن فِيهِ ألف ولام بألف ولام ويرجع عَلَى الاسم فيكون (هُوَ)
стр. 423
عماد للاسم و (الألف واللام) عماد للفعل. فلمّا لَمْ يُقدَر عَلَى الألف واللام ولم يصلح أن تُنويا فِي زيد لأنه فلان، ولا في الأخ لأنه مُضاف، آثروا الرفع وصلح فِي (أفضل منك) لأنك تلقى (من) فتقول: رأيتك أنت الافضل، ولا يصلح ذَلِكَ فِي (زيد) ولا فِي (الأخ) أن تنوي فيهما ألفا ولا ما. وَكَانَ الْكِسَائي يجيز ذَلِكَ فيقول: رأيتُ أخاكَ هُوَ زيدًا، ورأيتُ زيدًا هُوَ أخاكَ. وهو جائز كما جاز فِي (أفضل) للنية نية الألف واللام. وكذلك جاز فِي زيد، وأخيك. وَإِذَا أمكنتك الألف واللام ثُمَّ لَمْ تأت بِهما فارفع «١» فتقول «٢» : رأيتُ زيدًا هُوَ قائم ورأيتُ عمرًا هُوَ جالس. وقال الشاعر:
أَجِدَّك لَن تزال نجِيَّ هَمّ ... تبيتُ اللَّيْلَ أنت لَهُ ضجيع
ويَجوز النصب فِي (ليت) بالعماد، والرفع لِمَنْ «٣» قَالَ: ليتك قائمَا. أنشدني الْكِسَائي:
ليت الشباب هُوَ الرجِيعُ عَلَى الفتى ... والشيبُ كَانَ هُوَ البديءُ الأوّل «٤»
ونصب فِي (ليت) عَلَى العماد ورفع فِي كَانَ عَلَى الاسم. والمعرفة والنكرة فِي هَذَا سواء.
وقوله: إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ (١٦) هُوَ استثناء والمتحيِّز غير مَن. وإن شئت جعلته من صفة «٥» من، وهو عَلَى مذهب قولك: إِلا أن يوليهم يريد الكرَّّة، كما تَقُولُ فِي الكلام: عبد الله يأتيكَ إِلا ماشيًا، ويأتيكَ إِلا أن تمنعه الرحلة. ولا يكون (إلا) هاهنا عَلَى معنى قوله إِلى «٦» طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ لأن (غير) فِي مذهب (لا) ليست فِي مذهب (إِلا) .
стр. 424
وقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ (٤١) دخلت (أنّ) فِي أوّله وآخره لأنه جزاء بِمنزلة قوله كُتِبَ «١» عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وبِمنزلة قوله أَلَمْ «٢» يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ ويجوز فى (أنّ) الآخرة أن تكسر ألفها لأن سقوطها يَجوز ألا ترى أنك لو قلت:
(أعلموا أنّ ما غنمتم من شيء فلله خمسه) تصلح، فإذا صلح سقوطها صلح كسرها.
وقوله: وَلِذِي الْقُرْبى: قرابة رَسُول اللَّه ﷺ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ: يتامى الناس ومساكينهم، لَيْسَ فيها يتامى بني هاشم ولا مساكينهُم.
وقوله: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا (٤٢) والعدوة: شاطئ الوادي الدُّنْيا مما يلى المدينة، والْقُصْوى مما يلي مكة.
وقوله وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ يعني أبا سفيان وَالْعِيرَ، كانوا عَلَى شاطئ البحر.
وقوله أَسْفَلَ مِنْكُمْ نصبت يريد: مكانا أسفلَ منكم. ولو وصفهم بالتسفل وأراد: والركب أشد تسفلا لَجازَ ورفع.
وقوله وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ كتابتها عَلَى الادغام بياء واحدة، وهي أكثر قراءة القراء. وقد قرأ بعضهم «٣» (حيى عن بيّنة) بإظهارها. وإِنَّما أدغموا الياء مع الياء وَكَانَ ينبغي لَهم ألا يفعلوا لأن الياء الآخرة لزمها النصب فِي فَعَلَ، فأدغموا لَما التقى حرفان متحركان من جنس واحد. ويَجوز الادغام فِي الاثنين للحركة اللازمة للياء الآخرة، فتقول للرجلين: قد حَيّا، وحَيِيا. وينبغي للجمع ألا يدغم لأنّ ياءه
стр. 425
يصيبها الرفع وما قبلها مكسور، فينبغي لَهَا أن تسكن فتسقط بواو الجمع. وربما أظهرت العرب الادغام فِي الجمع إرادة تأليف الأفعال وأنْ تكون كلها مشدّدة.
فقالوا فِي حَيِيت حَيُّوا، وَفِي عيِيت عَيُّوا أنشدني بعضهم:
يَحِدن بِنَا عَن كلّ حَيٍّ كأنَّنا ... أخارِيس عَيُّوا بالسلام وبالنَّسْبِ «١»
يريد النّسَبَ. وقال الآخر:
مِن الَّذِينَ إِذَا قلنا: حَدِيثَكم ... عَيُّوا، وإن نحن حَدَّثناهُمُ شَغبوا «٢»
وقد اجتمعت العرب عَلَى إدغام التحيَّة والتحيّات بِحركة الياء الأخيرة فيها كما استحبّوا إدغام عيَّ وَحَيَّ بالحركة اللازمة فيها. وقد يستقيم أن تدغم الياء والياء فِي يَحْيَا ويَعْيا وهو أقل من الادغام فِي حيّ لأن يحيا يسكن ياؤها إِذَا كانت فِي موضع رفع، فالحركة فيها ليست لازمة. وجواز ذَلِكَ أنك «٣» إِذَا نصبتها كقول الله ﵎ أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى «٤» استقام إدغامها هاهنا ثم نؤلّف الكلام، فيكون فِي رفعه وجزمه بالإدغام فتقول (هو يحىّ وَيُمِيتُ) أنشدني بعضهم:
وكأنها بين النساءِ سَبيِكةٌ ... تَمْشِي بِسُدَّةِ بَيْتها فَتُعِيُّ «٥»
وكذلك يَحَيَّان ويَحَيُّون.