أن يُذهب بالرئيس: النَّبِيّ والأمير وشبهه إلى الجمع لِجنوده وأتباعه، وإلى التوحيد لأنه واحد فِي الأصل. ومثله (عَلى خَوْفٍ «١» مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ) وفى موضع آخر «٢» (وَمَلَأَهُ) ورُبّما ذهبت العرب بالاثنين إلى الجمع كما يُذهب بالواحِدِ إلى الجمع ألا ترى أنك تُخاطب الرجل فتقول:
ما أحسنتم ولا أجملتم، وأنت تريده بعينه، ويقول الرجل لِلْفُتْيا يُفتي بِهَا: نحن نقول: كذا وكذا وهو يريد نفسه. ومثل ذلك قوله فى سورة ص (وَهَلْ أَتاكَ «٣» نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ) ثُمَّ أعاد ذكرهما بالتثنية إذ قَالَ: خَصْمَانِ بغى بعضنا على بعض.
وقوله: وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [١٢٣] ذُكِرَ أَنَّهُ نبيٌّ، وأنّ هَذَا الاسم اسم من أسماء العبرانية كقولِهم: إِسْمَاعِيل وإسحاق والألف واللام منه، ولو جعلته عربيًا من الألْيَس «٤» فتجعله إفعالًا مثل الإخراج والإدخالِ لَجَرى «٥» .
ثُمَّ قال: سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ [١٣٠] فجعله بالنون. والعجميُّ من الأسماء قد يفعل بِهِ هَذَا العرب. تَقُولُ: ميكالُ وميكائيل وميكائل وميكائين بالنون. وهي فِي بني أسد يقولون: هَذَا إسماعين قد جاء، بالنون، وسائر العرب باللام. قَالَ: وأنشدني بعض بني نُمَير لضب صاده بعضهم:
يقول أهلُ السوق لَمَّا جينا ... هَذَا وَربِّ البيت إسرائينا «٦»
فهذا وجه لقوله: إلياسينَ. وإن شئت ذهبت بإلياسين إلى أن تجعله جمعا «٧» . فتجعل أصحابه
стр. 912
داخلين فِي اسمه، كما تَقُولُ للقوم رئيسهم الْمُهَلّب: قد جاءتكم المهالبة والمهلَّبون، فيكون بمنزلة قوله:
الأشعرِين والسَّعْدِين وشبهه. قَالَ الشاعر «١» :
أنا ابن سعدٍ سَيّدِ السَّعْدِينا
وهو فِي الاثنين أكثر: أن يضم أحدهما إلى صاحبه إِذَا كَانَ أشهر منه اسمًا كقول الشاعر «٢» :
جزاني الزَّهدمان جزاء سَوءٍ ... وكنتُ المرءَ يُجزَى بالكرامَهْ
واسم أحدهما زَهْدَم. وقال الآخر «٣» :
جزى الله فيها الأعورَين ذَمَامةً ... وفروة ثَغْر الثورة المتضاجِم
واسم أحدهما أَعور:
وقد قرأ بعضهم (وَإِنَّ الْيَأْسَ) يجعل اسْمه يأسًا، أدخل عَلَيْهِ الألف واللام. ثُمَّ يقرءون (سَلامٌ عَلَى آل «٤» ياسينَ) جاء التفسير فِي تفسير الكلبي عَلَى آل ياسين: عَلَى آل مُحَمَّد ﷺ .
والأوّل أشبه بالصواب- والله أعلم- لأنها فِي قراءة/ ١٦٠ ب عبد الله (وَإِنّ إدريسَ لَمِنَ المرسَلِينَ) (سَلَامٌ عَلَى إدراسِين) وقد يشهد عَلَى صواب هَذَا قوله: (وَشَجَرَةً «٥» تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ) ثُمَّ قَالَ فِي موضع آخر (وَطُورِ «٦» سِينِينَ) وهو معنى واحد وموضع واحد والله أعلم.
وقوله: أَتَدْعُونَ بَعْلًا [١٢٥] ذكروا أَنَّهُ كَانَ صنمًا من ذهب يُسمَّى بعلا، فقال (أَتَدْعُونَ بَعْلًا) أي هَذَا الصنم ربًّا. ويُقال: أتدعون بعلًا ربًّا سوى الله. وذُكر عَن ابن عباس أن ضالّة «٧»
стр. 913
أُنشدت، فجاء صاحبها فقال: أنا بعلها. فقال ابن عباس: هَذَا قول الله (أَتَدْعُونَ بَعْلًا) أي ربّا.
وقوله: اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [١٢٦] تقرأ نصبًا «١» ورفعًا «٢» . قرأها بالنصب الربيع بن خيثم.
وقوله. الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
[١٤٠] السفينة إِذَا جهزت وملئت وقع عليها هَذَا الاسم. والفُلك يذكر ويؤنث ويُذهب بِهَا إلى الجمع قَالَ الله (حَتَّى إِذا «٣» كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) فجعلها جَمعًا. وهو بمنزلة الطفل يكون واحدًا وجَمعًا، والضيفُ والبَشَر مثله.
وقوله: وَهُوَ مُلِيمٌ [١٤٢] وهو الَّذِي قد اكتسبَ اللَّوْمَ وإن لَمْ يلم. والموم الذي قد لِيم باللسان. وهو مثل قول العرب أصبحت مُحمقًا معطِشًا أي عندك الحمق والعطش. وهو كثير فى الكلام.
وقوله. المدحضين [١٤١] المغلوبين. يُقال: أدحض الله حُجَّتك فَدَحضت. وهو فِي الأصل أن يَزْلَق الرَّجُل.
وقوله: مِنْ يَقْطِينٍ [١٤٦] قيل عند ابن عباس: هُوَ ورق الْقَرْع. فقال: ومَا جعل ورق الْقَرع من بين الشجر يقطينًا! كل وَرَقةٍ اتسعت وسَترت فهي يقطين.
وقوله: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [١٤٧] أو هاهنا فِي معنى بَلْ. كذلك «٤» فِي التفسير مع صحته فِي العربية.
وقوله: فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ [١٤٨] وَفِي قراءة عبد الله (فمتعناهم حَتَّى حين) وحتى وإلى فِي الغايات مع الأسماء سواء.
وقوله: فَاسْتَفْتِهِمْ [١٤٩] أي سلهم سل أهل مكة.
стр. 914
وقوله: لَكاذِبُونَ [١٥٢] أصطفى [١٥٣] استفهام وَفِيهِ توبيخ لَهُم. وقد تُطرح ألف الاستفهام من التوبيخ. ومثله قوله (أَذْهَبْتُمْ «١» طَيِّباتِكُمْ) يُستفهم بِهَا ولا يستفهم. ومعناهما جَميعًا واحد.
وألف (أَصْطَفَى) إِذَا لَمْ يُستفهم بِهَا تذهب فِي «٢» اتّصال الكلام، وتبتدئها بالكسر.
وقوله: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [١٥٨] يُقال: الْجِنَّة هاهنا الملائكة. جعلوا بينه وبين خلقه نسبا. (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ) أنّ الذين قالوا هذا القول (لَمُحْضَرُونَ) فى النار.
وقوله: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ [١٦١] يريد: وآلهتكم التي تعبدون (مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ) بمضلّين.
وما أنتم عَلَيْهِ [١٦٢] أي عَلَى ذَلِكَ الدين بمضلين. وقوله (عليه) و (به) و (له) سواء.
وأهل نَجد يقولون: بمُفتنينَ. أهل الحجاز فتنت الرجل، وأهل نَجد يقولون: أفتنتُه.
وقوله: إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ [١٦٣] إلا من قُدّر لَهُ أن يَصْلَى الجحيم فِي السابق من علم الله.
وقرأ الْحَسَن (إِلَّا من هُوَ صَالُ الجحيم) رفع اللام فيما ذكروا فإن كَانَ أراد واحدًا فليس بِجائز لأنك لا تَقُولُ: هَذَا قاضٌ ولا رامٌ. وإن يكن عَرَف فيها لغة مقلوبة مثل عاثَ وعثا فهو صواب.
قد قالت العرب. جُرُفٌ هارٌ وهَارٍ وهو شاكُ السّلاح ١٦١ اوشاكى «٣» السّلاح وأنشدني بعضهم:
فلو أَنِّي رميتك من بَعيد ... لَعاقَكَ عَن دعاء الذئبِ عَاقِي «٤»
يريد: عائِق. فهذا مما قُلِب. ومنه (وَلا تَعْثَوْا «٥» ) ولا تعِيثوا لغتان. وقد يكون أن تجعل (صالو) جَمعًا كما تَقُولُ: من الرجال من هُوَ إخوتك، تذهب بِهُوَ إلى الاسم المجهول، وتُخرج فعله عَلَى الجمع كما قَالَ الشاعر:
стр. 915
إِذَا ما حَاتم وُجد ابن عمّي ... مَجَدنَا من تكلّم أجْمَعينَا «١»
ولم يقل تكلّموا. وأجود ذَلِكَ فِي العربية إِذَا أخرجت الكناية أن تخرجها عَلَى المعنى والعدد لأنك تنوي تَحقيق الاسم.
وقوله: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [١٦٤] ، هَذَا من قول الملائكة. إلى قوله (وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ) يريد: (المصَلُّون) وَفِي قراءة عبد الله (وإِنْ كُلَّنا لَمَّا لَهُ مقامٌ معلوم) .
وَفِي مريم (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي «٢» السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً) ومعنى إن ضربت لزيدًا كمعنى قولك: ما ضربت إلا زيدًا، لذلك ذكرت هذا.
وقوله: وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ [١٦٧] يعني أهل مكة (لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ) يقول: كتابًا أو نُبُوَّةً (لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) .
قال الله: فَكَفَرُوا بِهِ [١٧٠] والمعنى: وقد أرسل إليهم مُحَمَّد بالقرآن، فكفروا بِهِ. وهو مضمر لَمْ يُذكر لأن معناهُ معروف مثل قوله (يُرِيدُ أَنْ «٣» يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ) ثم قال (فَماذا تَأْمُرُونَ) «٤» فوصل قول فرعون بقولِهم لأن المعنى بيّن.
وقوله: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا [١٧١] التي سبقت لَهُم السعادة. وهي فِي قراءة عبد الله (ولقد سبقت كلمتنا عَلَى عبادنا المرسَلين) وَعَلَى تصلح فِي موضع اللام لأن مَعْنَاهُمَا يرجع إلى شَيء واحدٍ.
وكأن المعنى: حَقّت عليهم ولهم، كما قَالَ (عَلى «٥» مُلْكِ سُلَيْمانَ) ومعناهُ: فِي مُلك سُلَيْمَان. فكما أُوخِيَ بين فِي وَعَلَى إذَا اتّفقَ المعنى فكذلك فُعِلَ هذا.
стр. 916
وقوله: فإذا نزل بساحتهم معناه: بهم. والعرب تجتزىء بالسَّاحة والعَقوة «١» من القوم.
ومعناهما وَاحدٌ: نزل بك العذاب وبساحتك سوَاء.
وقوله: (فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ) يريد: بئس صَبَاحُ. وهي فِي قراءة عبد الله (فَبئس صَبَاحُ المنذرينَ) وَفِي قراءة عبد الله آذنتكم بإذانة المرسلين لتسألن عَن هَذَا النبأ العظيم، قيل لَهُ إنما هي وأذنت لكم فقال هكذا عندى.
ومن سورة ص
قوله ص، وَالْقُرْآنِ [١] جَزَمَها القراء، إِلَّا الْحَسَن فإنه خفضها بلا نون لاجتماع السَّاكنين.
كانت بمنزلة من قرأ (ن وَالْقَلَمِ) و (يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) جُعلت بمنزلة الأداة كقول العرب:
تركته (حاث «٢» باث) و (خاز باز «٣» ) يخفضان لأن الذي بلى آخر الحرف ألف. فالخفض مع الألف، والنصبُ مع غير الألف. يقولون: تركته حَيْثَ بَيْثَ، ولأجعلنّك حَيْصَ «٤» بَيْصَ إِذَا ضُيّق عَلَيْهِ.
وقال الشاعر:
لَمْ يَلتحِصني حَيْص بَيْصَ الحاصي «٥»
يريدُ الحائص فقلبَ كَمَا قَالَ: (عاقِ «٦» ) يريد: عائق.
وص فى معناها «٧» كقولك: / ١٦١ ب وجب والله، ونزل والله، وحَقّ والله. فهي جواب
стр. 917
لقوله (وَالْقُرْآنِ) كما تَقُولُ: نزلَ والله. وقد زعم قوم أنّ جَوَاب (وَالْقُرْآنِ) (إِنَّ ذلِكَ «١» لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ) وَذَلِكَ كلام قد تأخّر تأخُّرًا كثيرًا عَن قوله (والقرآن) وجرت بينهما قِصص مختلفة، فلا نَجد ذَلِكَ مُستقيمًا فِي العربية والله أعلم.
ويُقال: إن قوله (وَالْقُرْآنِ) يمين اعترض كلام دون مَوقع جوابها، فصَار جوابها جوابًا للمعترضِ ولها، فكأنه أراد: والقرآن ذى الذكر لَكَمْ أهلكنا، فلمّا اعترض قوله: بَلِ الَّذِينَ كفروا فى عزّة وشقاق: صارت (كم) جَوَابًا للعزة ولليمين. ومثله قوله (وَالشَّمْسِ «٢» وَضُحاها) اعترض دون الجواب قوله (وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها) فصارت (قَدْ أَفْلَحَ) تابعة لقوله (فَأَلْهَمَها) وكفى من جَواب القسم، وكأنه كَانَ: وَالشَّمْسِ وضحاها لقد أفلح.
وقوله: فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ [٣] يقول: لَيْسَ بحين فِرار. والنَوْص: التأخّر فِي كلام العرب، والبَوْص: التقدم وقد بُصْته.
وقال امرؤ القيس:
أمِن ذكر ليلى إذ نَأَتكَ تَنُوص ... وتَقْصُر عنها خُطوةً وتَبُوص
فمناص مَفْعَل مثل مقام. ومن العرب من يضيف لات فيخفض. أنشدوني:
... لات ساعةِ مَنْدَمِ «٣»
ولا أحفظ صَدره. والكلام أن ينصب بِهَا لأنها فِي معنى لَيْسَ. أنشدني المفضل:
تذكّرَ حبّ ليلى لاتَ حينا ... وأضحى الشيب قد قطعَ القرينَا
стр. 918
فهذا نصب. وأنشدني بعضهم:
طلبوا صُلحنا ولاتَ أوانِ ... فأجبنَا أن لَيْسَ حِينَ بقَاءِ «١»
فخفض (أوانِ) فهذا خَفْض.
قَالَ الفراء: أقف عَلَى (لاتَ) بالتاء، وَالْكِسَائي يقف بالهاء.
قوله: لَشَيْءٌ عُجابٌ [٥] ، وقرأ أَبُو عبد الرحمن السُّلمي (لشيء عُجَّابٌ) والعربُ تَقُولُ:
هَذَا رجل كريم وكُرَّام وَكُرَام، والمعنى كله واحدٌ مثله قوله تعالى (وَمَكَرُوا «٢» مَكْراً كُبَّاراً) معناه: كبيرًا فشدّد. وقال الشاعر.
كحلفة من أبي رياح ... يسمعها الْهِمَّةُ الْكُبار
الهمّ والهمةُ الشيخ الفاني.
وأنشدني الْكِسَائي:
يسمعها الله والله كبار
وقال الآخر «٣» :
وآثرت إدلاجي عَلَى ليل حُرَّة ... هَضيم الْحَشَا حُسّانَة المتجرَّد
وقال آخر:
نَحن بذلنا دونَها الضِّرَابا ... إنا وجدنا ماءها طُيّابَا
يريد: طَيِّبًا وقال فِي طويل، طُوَال الساعدين أشم.
طوال الساعدين أشمّ «٤»
стр. 919
وقال الآخر:
جاء بصيد عَجَب من العجب ... أزيرق العينين طُوَّالِ الذَّنَبْ «١»
فشدّ الواو عَلَى ذَلِكَ المجرى. فكلّ نعت نعتّ بِهِ اسمًا ذكرًا أو أنثى أتاكَ عَلَى فُعَّال مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا فهو صَواب.
وقوله. وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا [٦] انطلقوا بِهذا القول. فأن فِي موضع نصب لفقدها الخافض، كأنك قلت: انطلقوا مشيًا ومُضِيًا ١٦٢ اعلى دينكم. وهي فِي قراءة عبد الله (وانطلق الملأ منهم يمشون أن اصبروا عَلَى آلهتكم) ولو لَمْ تكن (أن) لكان صوابًا كما قال (وَالْمَلائِكَةُ «٢» باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا) ولم يقل: أَنْ أخرجوا لأن النية مضمر فيها القول.
وقوله: مَا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ [٧] يعني اليهودية والنصرانية.
وقوله: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ [٨] وهي فِي قراءة عبد الله (أَمْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذكر) وهذا مما وصفت لك فِي صدر الكتاب: أن الاستفهام إِذَا توسّط الكلام ابتدئ بالألف وبأم. وإذا لَمْ يسبقه كلام لَمْ يكن إلا بالألف أو بهل.
وقوله: فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ [١٠] يريد: فليصعدوا فِي السموات، وليسوا «٣» بقادرين عَلَى ذلك أي لم يصدقوك وليسوا بقادرين عَلَى الصعود إلى السموات فما هم! فأين يذهبون.
وقوله: جُنْدٌ مَا هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ [١١] يقول مغلوب «٤» عَن أن يصعد إلى السّماء.
و (مَا) هاهنا صلة. والعرب تجعل (ما) صلة فِي المواضع التي دخولها وخروجها فيها سواء، فهذا من ذلك.
стр. 920
وقوله (عَمَّا قَلِيلٍ «١» لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ) من ذلك.
وقوله (فَبِما «٢» نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ) من ذَلِكَ لأن دخولها وخروجها لا يغير المعنى.
وأمّا قوله (إِلَّا الَّذِينَ «٣» آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ) فإنه قد يكون عَلَى هَذَا المعنى.
ويكون أن تجعل (ما) اسمًا وتجعل (هم) صلة لِمَا ويكون المعنى: وقليل ما تجدّنَّهم فتوجّه (ما) والاسم إلى المصدر ألا ترى أنك تَقُولُ: قد كنت أراك أعقل مما أنت فجعلت (أنت) صلةً لِمَا والمعنى. كنت أرى عقلك أكثر مِما هُوَ، ولو لَمْ ترد المصدر لَمْ تجعل (ما) للناس، لأن من هي التي تكون للناس وأشباههم. والعرب تَقُولُ: قد كنت أراك أعقل منك ومعناهما «٤» واحد، وكذلك قولهم: قد كنت أراهُ غير ما هُوَ المعنى: كنت أراهُ عَلَى غير ما رأيتُ منه.
وقوله: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ [١٤] وَفِي قراءة عبد الله (إِنْ كُلُّهُم لَمّا كَذَب الرُّسُلَ) .
وقوله: مَا لَها مِنْ فَواقٍ [١٥] من راحةٍ ولا إفاقة. وأصْله من الإفاقة فِي الرضاع إِذَا ارتضعت الْبَهْمَةُ أمَّها ثُمَّ تركتها حَتَّى تُنْزل شيئًا من اللبن، فتلك الإفاقة والفُواق بغير همزٍ. وجاء عَن النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: العيادة قدر فواق ناقة. وقرأها الْحَسَن وأهل المدينة وَعَاصِم بن أبى النجود (فواق) بالفتح وهي لغة جَيّدة عالية، وضم «٥» حَمْزَةُ وَيَحْيَى والأعمش وَالْكِسَائي.
وقوله: عَجِّلْ لَنا قِطَّنا [١٦] الْقِطّ: الصَّحيفة المكتوبة. وإنما قالوا ذَلِكَ حِينَ نزل (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ «٦» بِيَمِينِهِ) فاستهزءوا بذلك، وقالوا: عَجِّل لنا هَذَا الكتاب قبل يوم الحساب. والقِطّ فِي كلام العرب. الصكّ وهو الخط والكتاب.
стр. 921
وقوله: ذَا الْأَيْدِ [١٧] يريد: ذا القوّة.
وقوله: وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً [١٩] ذكروا أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَبَّح أجابته الجبال بالتسبيح، واجتمعت إِلَيْهِ الطير فسبحت. فذلك حشرها ولو كانت: والطير محشورة بالرفع لَمَّا لَمْ يظهر الفعل مَعَها كَانَ صوابًا.
تكون مثل قوله (خَتَمَ «١» اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ) وقال الشاعر:
ورأيتم لمجاشعٍ نَعَمًا ... وبني أبيه جَامل رُغُب
ولم يقل: جَاملًا رُغبًا والمعنى: ورأيتم لَهم جاملًا رُغُبًا. فلمّا لَمْ يظهر الفعل جاز رفعه.
وقوله: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ [٢٠] اجتمعت القراء عَلَى تَخفيفها ولو قَرَأ قارئ (وَشَدَّدنا) بالتشديد كَانَ وجهًا حسنًا. ومعنى التشديد أن محرابه كَانَ يحرسه ثلاثة وثلاثون ألفًا.
وقوله: وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ [٢٠] .
قَالَ الفراء: حَدَّثَنِي عَمْرو بن أبي المقدام عَن الحكم بن عتيبَة عَن مُجاهد فِي قوله (وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ) قَالَ: الشهود والأيمان. وقال بعضُ المفسرين: فصْل الخطاب أمّا بعد.
وقوله: إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ [٢١] إذ دخلوا [٢٢] قد يُجاء بإذ مرّتين، (وَقَد) «٢» يكون معناهما كالواحد كقولك: ضَربتك إذ دخلت عَليّ إذ اجترأت، فيكون الدخول هو الاجتراء. ويكون أن تجعل أحدهما «٣» عَلَى مذهب لِمَا، فكأنه قَالَ: إذ تسَوَّرُوا المحراب لَمَّا دخلوا. وإن شئت جعلت لِمَا فِي الأول. فإذا كانت لَمّا أولًا وآخرًا فهي بعد صاحبتها كما تَقُولُ: أعطيته لمَّا سألني. فالسؤال قبل الإعطاء فِي تقدّمه وتأخّره.
وقوله: (خَصْمانِ) رفعته بإضمار (نحن خصمان) والعرب تضمر للمتكلّم والمكلّم المخاطب ما يرفع
стр. 922
فِعْله. ولا يَكادونَ يفعلونَ ذَلِكَ بغير المخاطب أو المتكلم. من ذَلِكَ أن تَقُولَ للرجل: أذاهب، أو أنْ يقول المتكلم: واصلكم إن شاء الله ومحسن إليكم. وَذَلِكَ أن المتكلم والمكلَّم حاضِران، فتعرف معنى أسمائهما إِذَا تركت. وأكثره فِي الاستفهام يقولون: أجادّ، أمنطلق. وقد يكون فى غير الاستفهام.
فقوله (خَصْمانِ) من ذَلِكَ. وقال الشاعر:
وَقولًا إِذَا جاوزتما أرض عَامِرٍ ... وجاوزتما الحيَّيْنِ نَهْدًا وَخَثْعما
نَزيعانِ من جَرْم بن زَبَّان إنهم ... أبوا أن يميروا فِي الهزاهز مِحجَما
وقال الآخر:
تَقُولُ ابنَة الْكَعبيّ يوم لقيتُها ... أمُنْطلق فِي الجيش أم متثاقِلُ
وقد جاء فِي الآثار للراجع من سَفر: تائبونَ آئبونَ، لربنا حامدون. وقال: من أمثال العرب:
مُحسنَة فِهيلي.
قَالَ الفراء: جاء ضيف إلى امرأة ومَعه جِرابُ دقيق، فأقبلت تأخذ من جرابه لنفسها، فلمّا أقبل أخذت من جِرابها إلى جرابه. فقال: ما تصنعين؟ قالت: أزيدك من دقيقي. قَالَ: محسنة فهيلي. أي أَلْقِي. وجاء فِي الآثار: مَن أعانَ عَلَى قتل مؤمنٍ بشَطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبًا «١» بَيْنَ عينيه:
يائس من رحمة الله. وكلّ هَذَا بضمير ما أنباتك بِهِ.
ولو جاء فِي الكتاب: خصْمَين بغى بعضُنَا لكان صَوَابًا بضمير أتيناكَ خصمين، جئناكَ خَصْمين فلا تَخفنا. ومثله قول الشاعر:
وقالت ألا يا اسمع نِعظك بخُطَّةٍ ... فقلت سَميعًا فانطقى وأصيبى
١٦٣ اأي سميعًا أسمعُ منك، أو سميعًا وَعَظْتِ. والرفعُ فيه جائز على الوجوه الاول.
стр. 923
وقوله (وَلا تُشْطِطْ) يقول: ولا تَجُر: وقد يقول بعضُ العرب: شططتَ عليّ فِي السَّوم، وأكثر الكلام أشططت. فلو قرأ قارئ (وَلَا تَشْطِطْ) كأنه يذهب به إلى معنى التباعد و (تَشْطُطْ) أيضًا. العرب تَقُولُ: شطَّت الدار فهي تَشِطّ وتَشُطّ.
وقوله (وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ) إلى قَصْدِ الصراط. وهذا مِمَّا تدخل فِيهِ (إلى) وتخرج منه.
قَالَ الله (اهْدِنَا»
الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) وقال (وَهَدَيْناهُ «٢» النَّجْدَيْنِ) وقال (إِنَّا هَدَيْناهُ «٣» السَّبِيلَ) ولم يقل (إلى) فحذفت إلى من كل هَذَا. ثُمَّ قَالَ فِي موضع آخر (أَفَمَنْ «٤» يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ) وقال (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ «٥» وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) ويُقال هديتك للحق وَإِلَيْهِ قَالَ الله (الَّذِي «٦» هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ) وكأن قوله (اهْدِنَا الصِّراطَ) أعلمنا الصراط، وَكَأنَّ قوله (اهدنا إلى الصراط) أرشِدْنَا إِلَيْهِ والله أعلم بذَلِكَ.
وقوله: إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً [٢٣] وَفِي قراءة عبد الله (كانَ لَهُ) وربّما أدخلت العرب (كَانَ) عَلَى الخبر الدائم الَّذِي لا ينقطع. ومنه قول الله فِي غير موضع (وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً) (وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) فهذا دائم. والمعنى البيّن أن تُدخل (كَانَ) عَلَى كل خبر قد كَانَ ثُمَّ انقطع كما تَقُولُ للرجل: قد كنت موسرًا، فمعنى هَذَا: فأنت الآن مُعْدِم.
وَفِي قراءة عبد الله (نَعْجةً أُنْثَى) والعربُ تؤكد التأنيث بأُنثاه، والتذكير بمثل ذَلِكَ، فيكون كالفضل «٧» فِي الكلام فهذا من ذَلِكَ. ومنه قولك للرجل: هَذَا والله رجل ذكر. وإنما يدخل هذا
стр. 924
فِي المؤنث الَّذِي تأنيثه «١» فِي نفسه مثل المرأة والرجل والجمل والناقة. فإذا عَدَوت ذَلِكَ لَمْ يَجز.
فخطأ أن تَقُولَ: هَذِه دارٌ أنثى، ومِلحفة أنثى لأن تأنيثها فِي اسمها لا فِي معناها. فابن عَلَى هَذَا.
وقوله (وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ) أي غلبني. ولو قرئت (وَعَازَّني) يريد: غَالبني كَانَ وَجْهًا.
وقوله: لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ [٢٤] المعنى فِيهِ: بسؤاله نعجتك، فإذا ألقيت الْهَاء من السؤال أضفت الفعل إلى النعجة. ومثله قوله (لا يَسْأَمُ «٢» الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ) ومعناهُ من دعائه بالخير: فلمّا ألقى الْهَاء أضاف الفعل إلى الخير وألقى من الخير الباء، كقول الشاعر:
ولستُ مُسَلِّمًا ما دمتُ حيًّا ... عَلَى زَيْدٍ بتَسليم الأمِير «٣»
إنّما معناهُ: بتسليمي عَلَى الأمير. ولا يصلح أن تذكر الفاعل بعد المفعول بِهِ فيما ألقيت منه الصفة. فمن قَالَ: عجبتُ من سؤال نعجتك صاحبك لَمْ يَجز لَهُ أن يقول: عجبت من دعاء الخير الناس، لأنك إِذَا أظهرت الآخر مرفوعًا فإنَّما رَفعُه بنيَّةِ أن فَعل أو أن يفعل، فلا بُدَّ من ظهور الباء وما أشبهَهَا من الصفات. فالقول فِي ذَلِكَ أن تَقُولَ عَجِبْتُ من دعاءٍ بالخير زَيْدٌ، وعجبتُ من تسليمٍ عَلَى الأمير زيدٌ. وجازَ فِي النعجة لأن الفعل يقع عليها بلا صفة فتقول: سألتك نعجة، ولا تَقُولُ: سالتك بنعجة. فابن عَلَى هَذَا.
وقوله (وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ) أي علمَ. وكل ظنٍّ أدخلته عَلَى خبر فجائز أن تجعله عِلْمًا إلا أَنَّهُ علم ١٦٣ ب مالا يعاين.
وقوله: الصَّافِناتُ الْجِيادُ [٣١] يعني الخيل، كَانَ غَنِمَها سُلَيْمَان بن داود من جيش قاتله فظفر بِهِ. فلما صَلَّى الظهر دعا بِهَا، فلم يزل يعرضها حَتَّى غابت الشمس ولم يصلّ العصر. وَكَانَ عندهم مهيبًا. لا يبتدأ بشيء حَتَّى يَأمر بِهِ، فلم يذكر الْعَصْر. ولم يَكُن ذَلِكَ عَن تجبّر منه،
стр. 925
فلمّا ذكرها قَالَ (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ) يقول: آثرت حُبّ الخيل، والخير فِي كلام العرب:
الخيل. والصافناتِ- فيما ذكر الكلبي بإسناده- القائِمة عَلَى ثلاث قوائم وقد أقامت الأخرى عَلَى طرف الحافر من يدٍ أو رجلٍ. وهي فِي قراءة عبد الله (صَوَافِنَ «١» فإذا وَجَبَتْ) يريد:
معقولة عَلَى ثلاث. وقد رأيتُ العرب تجعل الصَّافِن القائم عَلَى ثلاث، أو عَلَى غير ثلاث. وأشعارهم تدل عَلَى أنها القيام خاصة والله أعلم بصوابه: وَفِي قراءة عبد الله (إني أحببت) بغير (قَالَ) ومثله ممّا حذفت فِي قراءتنا منه القول وأثبت فِي قراءة عبد الله (وَإِذْ «٢» يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ من البيتِ وإسْمَاعيلَ وَيَقُولانِ) وليسَ فِي قراءتنا ذَلِكَ. وكلّ صواب.
وقوله: فَطَفِقَ [٣٣] يريد أقبل يمسح: يضرب سوقها وأعناقها. فالمسحُ القطع.
وقوله: عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً [٣٤] يريدُ: صَنَمًا. ويُقال: شيطان.
وقوله: لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [٣٥] فيريد سُخرة الريح والشياطين.
وقوله: رُخاءً حَيْثُ أَصابَ [٣٦] والرُخَاء: الريح اللينة التي لا تعصف. وقوله (حَيْثُ أَصابَ) :
حَيْثُ أراد.
وقوله: هَذَا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ [٣٩] . يقول فمُنّ بِهِ أي أعط، أو أمسك، ذاك إليك. وَفِي قراءة عبد الله: (هَذَا فامنن أو أمسك عطاؤنا بغير حساب) مقدّم ومؤخّر.
وقوله: بِنُصْبٍ وَعَذابٍ [٤١] . اجتمعت القراء عَلَى ضم النون من (نُصْبٍ) وتخفيفها «٣» .
وذكروا أن أبا جَعْفَر «٤» المدني قَرأ (بِنَصَبٍ وعذابٍ) ينصب النون والصاد. وكلاهما فِي التفسير واحد.
стр. 926
وذكروا أَنَّهُ المرض وما أصابه من الْعَناء فِيهِ. والنُّصْبُ والنَّصَبُ بمنزلة الْحُزن والْحَزَن، والْعُدْمِ والْعَدَمِ، والرُّشْد والرَشَد، والصُّلْب والصَّلَب: إِذَا خُفِّفَ ضُمّ أوله ولم يثقل لأنهم جعلوهما عَلَى سَمْتين «١» : إِذَا فتحُوا «٢» أوّله ثقّلوا، وإذا ضَمُّوا أوله خَفَّفُوا، قَالَ: وأنشدني.
بعض العرب:
لئِن بعثت أم الْحُميدَينِ مَائِرا ... لقد غنِيت فِي غير بؤسٍ ولا جُحد «٣»
والعرب تَقُولُ: جَحِد عيشُهم جحَدًا إِذَا ضاق واشتدّ، فلمّا قَالَ: جُحْد وضمّ أوله خَفَّف. فابن عَلَى ما رأيت من هاتين اللغتين.
وقوله: ضِغْثاً [٤٤] والضِّغْث: ما جمعته من شيء مثل حُزمة الرَّطْبَة «٤» ، وما قام عَلَى ساقٍ واستطالَ ثُمَّ جمعته فهو ضغث.
وقوله: وَاذْكُرْ عِبادَنا [٤٥] . قرأت القراء (عبادنا) يريدونَ: إِبْرَاهِيم وولده وقرأ «٥» ابن عباس:
(واذكر عَبْدنا إِبْرَاهِيم) وقال: إنما ذكر إِبْرَاهِيم. ثُمَّ ذكرت ذرِّيّتُه من بعده. ومثله:
(قالوا «٦» نَعْبُدُ إلهَكَ وَإِلَهَ أبيِك) عَلَى هَذَا المذهب فِي قراءة ابن عباس. والعامّة (آبائِكَ) وكلّ صواب.
وقوله (أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ) يريد: أولي القوَّة والبصر فِي أمر الله. وهي فِي قراءة عبد الله: (أولِي الْأَيْدِ) بغير ياء، فقد يكون لَهُ وجهان. إن أراد: الأيدى وحذف الياء
стр. 927
فهو صواب مثل: الجوار «١» والمناد «٢» . وأشباه ذاك. وقد يكون فِي قراءة عبد الله من القوة من التأييد.
وقوله: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [٤٦] فردّ (ذِكْرَى الدَّارِ) وهى معرفة على (خالصة) وهى نكرة. وهى كقراءد مسروق (بِزِينَةٍ «٣» الْكَواكِبِ] ومثله/ ١٦٤ اقوله (هَذَا «٤» وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها) فردّ جهنّم وهى معرفة على (لَشَرَّ مَآبٍ) وهي نكرة. وكذلك قوله: (وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ «٥» لَحُسْنَ مَآبٍ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً) والرفعُ فِي المعرفة كلها جائز عَلَى الابتداء.
أنشدني بعضُ العرب:
لعمرك ما نخلي بدارِ مَضِيعَةٍ ... ولا ربُّهَا إن غاب عنها بخائفِ
وإن لَهَا جَارين لن يَغْدِرا بِهَا ... رَبيبُ النَّبِيّ وابن خير الخلائفِ
فرفع عَلَى الابتداء.
وقد قرأ أهلُ الحجاز (بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) أضافوها. وهو وجهٌ حسنٌ. ومنه:
(كَذلِكَ «٦» يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) ومن قَالَ (قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ) جَعَلَ القلب هُوَ المتكبّر.
وقوله: وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ [٤٨] قرأه أصحاب «٧» عبد الله بالتشديد. وقرأه العوام (اليسع) بالتخفيف. والأوَّل أشبه بالصواب وبأسماء الأنبياء من بنى إسرائيل. حدّثنا أبو العباس
стр. 928
قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّيْمِيّ عَن مُغيرة عَن إِبْرَاهِيم أَنَّهُ قرأ (واللَّيْسَع) بالتشديد. وأما قولهم (وَالْيَسَعَ) فإن العرب لا تُدخل عَلَى يفعَل إِذَا كَانَ فِي معنى فلانٍ ألفًا ولامًا. يقولون: هَذَا يَسَع، وهذا يَعْمر، وهذا يزيد. فهكذا الفصيح من الكلام. وقد أنشدني بعضهم:
وجدنا الوليد بن اليزيد مباركًا ... شديدًا بأحناء الْخِلافة كاهلُهْ
فلمَّا ذَكَر الوليد فِي أول الكلمة بالألف واللام أتبعه يزيد بالألف واللام وكلّ صواب.
وقوله (وَذَا الْكِفْلِ) يُقال إنه سُمي ذا الكفل أن مائة من بني إسرائيل انفلتوا من القتل فآواهم وَكَفَلَهُمْ. ويُقال: إنه كَفَلَ لله بشيء فوفى بِهِ. والْكِفْلُ فِي كلام العرب: الْجَدّ والحَظّ فلو مُدح بذلك كَانَ وَجْهًا عَلَى غير المذهبين الأوّلين.
وقوله: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ [٥٠] ترفع (الْأَبْوابُ) لأن المعنى: مفتَّحَةً لَهم أبْوابها.
والعربُ تجعل الألف واللام خَلفا من الإضافة فيقولون: مررتُ عَلَى رجلٍ حَسَنَةٍ الْعَيْنُ قَبِيحٍ الأنفُ والمعنى: حسنةٍ عَيْنُه قَبِيحٍ أنفهُ. ومنه قوله (فَإِنَّ الْجَحِيمَ «١» هِيَ الْمَأْوى) فالمعنى- والله أعلم-:
مأواهُ. ومثله قول الشاعر:
ما ولدتكم حيّة بنة مالك ... سِفَاحًا وَمَا كانت أحاديث كاذب
ولكن نرى أقدامنا فِي نعالكم ... وآنُفَنا بين اللحى والْحَواجِبِ
ومعناهُ: ونرى آنفنا بين لِحاكم وحواجبكم فِي الشبة. ولو قَالَ: (مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ) عَلَى أن تجعل المفتحة فِي اللفظ للجنات وَفِي المعنى للأبواب، فيكون مثل قول الشاعر «٢» .
ومَا قَوْمِي بثعلبة بن سَعْدٍ ... ولا بفزارة الشعر الرقابا
стр. 929
والشُعْرى رقابا. ويروى: الشُّعْر الرقابا.
وقال عَدِيّ:
مِن وَلِيٍّ أوْ أخي ثِقَةٍ ... والبعيد الشاحِط الدّارا «١»
وكذلك تجعل معنى الأبواب فِي نَصْبها، كأنك أردت: مفتَّحة الأبواب ثُمَّ نوَّنت فنصبت.
وقد يُنشَد بيت النابغة:
ونأخذ بعده بذُناب دَهْرٍ ... أجبَّ الظهرَ ليسَ لَهُ سَنَامُ «٢»
وأَجَبِّ الظهر.
/ ١٦٤ ب وقوله: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ [٥٢] مرفوعة لأن (قاصِراتُ) نكرة وإن كانت مضافة إلى معرفة ألا ترى أن الألف واللام يحسنان فيها كقول الشاعر: «٣»
من القاصرات الطَّرْفِ لو دَبّ مُحْوِلِ ... من الذَّرّ فوق الإتْب منها لأثَّرا
(الإتب «٤» : المئزر) فإذا حسنت الألف واللام فِي مثل هَذَا ثُمَّ ألقيتهما فالاسم نكرة. وربما شبَّهت العرب لفظه بالمعرفة لِمَا أضيف إلى الألف واللام، فينصبونَ نعته إِذَا كَانَ نكرة فيقولون:
هَذَا حَسَن الوجه قائمًا وذاهبًا. ولو وضعت مكان الذاهب والقائم نكرة فيها مدح أو ذمّ آثرت الإتباع، فقلتُ: هَذَا حَسَنُ الوجه موسر، لأنَّ الْيَسَارة مدح. ومثله قول الشاعر:
ومَنْ يُشوِه يوم فإن وراءه ... تباعة صيّاد الرّجال غشوم «٥»
стр. 930
قَالَ الفراء: (وَمَنْ يُشوِه) أي يأخذ شَوَاه وأطايبه. فخفض الغشوم لأنه مدح، ولو نصب لأن لفظه نكرة ولفظ الَّذِي هُوَ نعت لَهُ معرفة كَانَ صوابًا كما قالوا: هَذَا مِثْلك قائِمًا، ومثلك جَميلًا.
وقوله : فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [٥٧] رفعت الحميم والغسّاق بِهذا مقدّمًا ومؤخرًا.
والمعنى هَذَا حميم وغسَّاق فليذوقوه. وإن شئت جعلته مستأنفًا، وجعلت الكلام قبله مكتفيًا كأنك قلت: هذا فليذوقوه، ثُمَّ قلت: منه حميم ومنه غسّاق كقول الشاعر:
حَتَّى إِذَا ما أضاءَ الصُّبْحُ فِي غَلَسٍ ... وغودر البقلُ مَلْوِيّ ومحصودُ
ويكون (هَذَا) فِي موضع رفعٍ، وموضع نصبٍ. فمن نصب أضمرَ قبلها ناصِبًا كقول الشاعر «١» :
زيادتنا نُعمان لا تَحْرِمَنَّها ... تَقِ الله فينا والكتابَ الَّذِي تتلو
ومن رفع رفع بالهاء التي فِي قوله: (فَلْيَذُوقُوهُ) كما تَقُولُ فِي الكلام: اللَّيْلَ فبادرُوه واللَّيْلُ.
والغساق تشدّد سينُه وتُخفف «٢» شددها يَحْيَى بن وثاب وعامّة أصحاب عبد الله، وخففها الناس بَعْدُ. وذكروا أن الغساق بارد يُحرق كإحراق الحميم «٣» . ويُقال: إنه ما يَغْسِق ويسيل من صديدهم وجلودهم.
وقوله: وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ [٥٨] قرأ الناس (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ) إلّا مجاهدا «٤» فإنه قرأ
стр. 931
(وَأُخَرُ) كأنه ظنّ أن الأزواج لا تكون من نعتٍ وَاحِدٍ «١» . وإذا كَانَ الاسم فعلًا جاز أن ينعت بالاثنين والكثير كقولك فِي الكلام: عذاب فلان ضروب شتّى وضربان مختلفان. فهذا بيّن.
وإن شئت جعلت الأزواج نعتًا للحميم وللغساق ولآخر، فهنّ ثلاثة، وأن تجعله صفة لواحد أشبهُ، والذي قَالَ مجاهد جائز، ولكني لا أستحبّه لاتّباع الْعَوَامّ وبيانه فِي العربيّة.
وقوله: هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ [٥٩] هي الأمَّة تدخل بعد الأمة النار.
ثُمَّ قال: (لا مَرْحَباً بِهِمْ) الكلام متصل، كأنه قول واحد، وإنما قوله: لا مرحبا بهم) من قول «٢» أهل النار، وهو كقوله: (كُلَّما دَخَلَتْ «٣» أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها) وهو فِي اتّصاله كقوله: (يُرِيدُ «٤» أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ) فاتصل قول فرعون بقولِ أصحابه.
وقوله: قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا [٦١] معناه: من شرع لنا وسنّه (فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً/ ١٦٥ ب فِي النَّارِ) .
وقوله: أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا [٦٣] قَالَ زهير عَن أبان عَن مجاهد- قَالَ الفراء ولم أسمعه من زهير- (أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا) ولم يكونوا كذلك. فقرأ أصحابُ عبد الله بغير استفهامٍ، واستفهم الْحَسَن وَعَاصِم وأهل المدينة، وهو من الاستفهام الَّذِي معناه التعجب «٥» والتوبيخ فهو يَجوز بالاستفهام وبطرحِهِ.
وقوله: إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ [٧٠] إن شئت جعلت (أَنَّما) فِي موضع رفع،
стр. 932
كأنك قلت: ما يوحى إلي إلا الإنذار. وإن شئت جعلت المعنى: ما يوحى إليّ إلا لأني نذير ونبي فإذا ألقيتَ اللام كَانَ موضع (أنَّما) نصبًا. ويكون فِي هَذَا الموضع: ما يوحى إليّ إلا أنك نذير مبين لأن المعنى حكاية، كما تَقُولُ فِي الكلام: أخبروني أني مسيء وأخبروني أنك مسيء، وهو كقوله:
رَجُلانِ من ضَبَّةَ أَخبرانا ... إِنَّا رأينا رجلًا عُرْيَانَا
والمعنى: أخبرانا أنهما رأيا، فجازَ ذَلِكَ لأن أصله الحكاية.
وقوله: بيدَيّ اسْتكبرت اجتمع القراء عَلَى التثنية ولو قرأ قارئ (بيدي) يريد يدًا عَلَى واحدة كَانَ صدابا كقول الشاعر:
أيها المبتغى فناء قريشٍ ... بيد الله عُمرها والفناء
والواحد من هَذَا يكفي من الاثنين، وكذلك العينان والرجلان واليدان تكتفي إحداهما من الأخرى لأن معناهما واحد.
وقوله: قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ [٨٤] قرأ الْحَسَن وأهل الحجاز بالنصب قيهما. وقرأ الأعمش وَعَاصِم وأكبر منهم «١» : ابن عباس ومجاهد بالرفع فِي الأولى والنصب فِي الثانية.
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي بِهرام- وَكَانَ شيخًا يقرىء فِي مسجد المطمورة ومسجد الشعبيين- عَن أبان بن تَغْلِب عَن مجاهد أَنَّهُ قرأ (فالحقُّ مني والحقَّ أقولُ) : وأقول الحقَّ. وهو وجه: ويكون رفعه عَلَى إضمار: فهو الحقّ.
وذُكِرَ عَن ابن عباس أَنَّهُ قَالَ: فأنا الحقُّ. وأقولُ الْحَقَّ. وقد يكون رفعه بتأويل جَوابَه لأن العرب تَقُولُ: الحقُّ لأقومَنَّ، ويقولون: عَزْمَةٌ صادقة لآتينَّك لأن فِيهِ تأويل: عَزْمة صادقة أن آتيك.
стр. 933
ويبين ذَلِكَ قوله: (ثُمَّ بَدا لَهُمْ «١» مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ) أَلَا ترى أَنَّهُ لا بد لقوله (بَدا لَهُمْ) من مرفوع مضمر فهو فِي المعنى يكون رفعًا ونصبًا. والعربُ تنشد بيت امرئ القيس:
فقلتُ يَمينَ الله أبرحُ قاعدًا ... ولو قطّعوا رَأْسِي لديكِ وَأوصالِي
والنصبُ فِي يمين أكثر. والرفعُ عَلَى ما أنبَأتُك بِهِ من ضمير (أن) وَعَلى قولك عَلَيّ يمين.
وأنشدونا:
فإنّ عليّ الله إن يحملونني ... عَلَى خُطّة إلا انطلقتُ أسيرها
ويروى لا يحملونني.
فلو ألقيت إن لقلت عَليّ الله لأضربنك أي عليّ هَذِه اليمين. ويكون عَلَيّ الله أن أضربك فترفع (الله) بالجواب. ورفعه بعلى أحبُّ إليَّ. ومن نَصَب (الحقَّ والحقَّ) فعلى معنى قولك حقًّا لآتينّك، والألف واللام وطرحهما سواء. وهو بمنزلة قولك حَمْدًا لله والحمدُ لله. ولو خفض الحق الأول خافِضٌ يجعله الله تعالى يعني فِي «٢» الإعراب فيقسم بِهِ كَانَ صوابًا والعربُ تُلقي الواو من القسم ويخفضونه سمعناهم يقولون: الله لتفعلنّ فيقول/ ١٦٥ ب المجيب: أَلله لأفعلنّ لأن المعنى مستعمل والمستعمل يَجوز فِيهِ الحذف، كما يقول القائل للرجل: كيف أصبحت؟ فيقول: خيرٍ يريد بِخَيْرٍ، فلما كثرت فِي الكلام حذفت.
وقوله: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ [٨٨] نبأ القرآن أَنَّهُ حَقّ، ونبأ مُحَمَّد ﵇ أنه نبىّ.
وقوله: (بَعْدَ حِينٍ) يقول: بعد الموت وقبله: لَمّا ظهر الأمر غلموه، ومن مات علمه يقينا.
стр. 934
ومن سورة الزمر
قوله: تَنْزِيلُ الْكِتابِ [١] ترفع (تَنْزِيلُ) بإضمار: هَذَا تنزيل، كما قَالَ: (سُورَةٌ أَنْزَلْناها «١» ) ومعناه: هذه سورة أنزلناها وإن شئت جعلت رفعه بِمَن. والمعنى: من الله تنزيل الكتاب ولو نصبته وأنت تأمر باتباعه ولزومه كَانَ صوابًا كما قَالَ الله (كِتابَ «٢» اللَّهِ عَلَيْكُمْ) أي ألزمُوا كتابَ الله.
وقوله: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ [٢] منصوب بوقوع الإخلاص عَلَيْهِ. وكذلك ما أشبهه فى القرآن مثل (مُخْلِصِينَ «٣» لَهُ الدِّينَ) ينصب كما نُصب فِي هَذَا. ولو «٤» رفعت (الدين) بِلَهُ، وجعلت الإخلاص مُكتفيًا غير واقع كأنك قلت: اعبد الله مُطيعًا فَلَه الدين.
وقوله: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ [٣] (الَّذِينَ) فِي موضع رفع بقول مضمر. والمعنى:
(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ) يقولون لأوليائهم وهى الأصنام: ما نعبدكم إلا لتقربونا إلى الله.
وكذلك هي فِي (حرف «٥» ) أُبَيّ وَفِي حرف عبد الله (قالوا ما نعبدهم) والحكاية إِذَا كانت بالقول مضمرًا أو ظاهرًا جازَ أن يجعلَ الغائب كالمخاطب، وأن تتركه كالغائب، كقوله: (قُلْ لِلَّذِينَ «٦» كَفَرُوا سيغلبون) و (سَتُغْلَبُونَ) بالياء والتاء عَلَى ما وصفتُ لك.
وقوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها [٦] يقول القائل: كيف قَالَ:
(خلقكم) لبني آدم. ثم قال: (ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها) والزوجُ مخلوق قبل الولد؟ ففي ذَلِكَ وجهان من العربيّة:
стр. 935
أحدهما: أن العرب إِذَا أخبرت عَن رجل بفعلين رَدّوا الآخر بِثُمَّ إِذَا كَانَ هُوَ الآخر فِي المعنى. وربما جعلوا (ثُمَّ) فيما معناهُ التقديم ويَجعلونَ (ثُمَّ) من خبر المتكلم. من ذَلِكَ أن تَقُولَ: قد بلغني ما صنعت يومك هَذَا، ثُمَّ ما صنعت أمس أعجب. فهذا نَسَق من خبر المتكلم.
وتقول: قد أعطينك اليوم شيئًا، ثُمَّ الَّذِي أعطيتك أمس أكثر، فهذا من ذَلِكَ.
والوجه الآخر: أن تجعل خَلْقَه الزوج مردودًا عَلَى (وَاحدة) كأنه قَالَ: خلقكم من نفسٍ وحدها، ثُمَّ جعل منها زوجها. ففي (واحدةٍ) معنى خَلقها واحدة.
قَالَ: أنشدني بعضُ العرب:
أعددتَه للخَصْم ذي التعدّي ... كوّحتَه منك بدون الْجَهْدِ «١»
ومعناهُ الَّذِي إِذَا تعدى كوَّحتَه، وكوَّحته: غلبته وقوله: وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [٧] يقول: يرضى الشكر لكم. وهذا مثل قوله:
(فَاخْشَوْهُمْ «٢» فَزادَهُمْ إِيماناً) أي فزادهم قولُ الناس، فإن قَالَ قائل: كيف قال (وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ) وقد كفروا؟ قلتُ: إنه لا يرضى أن يكفرو. فمعنى الكفر: أن يكفروا. وليسَ معناهُ الكفر بعينه. ومثله مما يبيّنه لك أنك تَقُولُ: لست أحب الإساءة، وإني لأحب أن يُسيء فلان فيُعذَّب «٣» فهذا «٤» مما يبيّن لك معناهُ.
وقوله: نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ [٨] .
يقول: ترك الَّذِي كَانَ يدعوه إِذَا «٥» مسّه، الضر يريد الله تعالى. فإن قلت: فهلّا قيل: نسى من
стр. 936
كَانَ يَدْعُو؟ قلت: إن (ما) قد تكون فى موضع (من) قال الله (قُلْ يا أَيُّهَا «١» الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ) يعني الله. وقال (فَانْكِحُوا «٢» مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) فهذا وجه. وبه جاء التفسير، ومثله (أَنْ «٣» تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) وقد تكون (نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ) يراد «٤» : نسيَ دعاءه إلى الله من قبل. فإن شئت جعلت الْهَاء التي فِي (إِلَيْهِ) لِمَا «٥» .
وإن شئت جعلتها «٦» لله وكل مستقيم.
وقوله (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا) ١٦٦ افهذا تهدُّد وليس بأمر محض. وكذلك قوله: (فَتَمَتَّعُوا «٧» فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) وَمَا أشبهه.
وقوله: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ [٩] قرأها يَحْيَى بن وَثّاب بالتخفيف. وذُكر ذَلِكَ عَن نَافِع وَحَمْزَة وفسروها يريد: يا من هو قانت. وهو وجه حسن، العرب تدعو بألف، كما يدعون بيَا.
فيقولون: يا زيدُ أقبل، وأزيدُ أقبل. قال الشاعر:
أبنِي لُبَيْنَى لستُم بِيَدٍ ... إِلا يدٍ ليسَت لَهَا عَضُد
وقال الآخر:
أضمر بن ضمرة ماذا ذكر ... ت مِنْ صِرْمة أُخذت بالْمُرارِ «٨»
وهو كَثِير فِي الشعر فيكون المعنى مردودًا بالدعاء كالمنسوق «٩» ، لأنه ذكر الناسي الكافر، ثم
стр. 937
قَصّ قصة الصالِح بالنداء، كما تَقُولُ فِي الكلام: فلان لا يصلّى ولا يصوم فيامن يُصلي ويصوم أبشر فهذا هُوَ معناه. والله أعلم.
وقد تكون الألف استفهامًا بتأويل أم لأن العرب قد تضع (أَمْ) فِي موضع الألف إِذَا سَبَقَها كلام، قد وصفت من ذَلِكَ ما يُكتفى بِهِ. فيكون المعنى أمَن هُوَ قانت (خفيف) كالأول الَّذِي ذُكِرَ بالنسيان والكفر.
ومن قرأها بالتشديد فإنه يريد معنى الألف. وهو الوجه: أن تجعل أم إِذَا كانت مردودة عَلَى معنى قد سَبق قلتها بأم. وقد قرأ بِهَا الْحَسَن وَعَاصِم وَأَبُو جَعْفَر المدني. يريدون: أمْ مَنْ. والعرب تَقُولُ: كَانَ هَذَا حين قلت: أأخوكَ أم الذئب. تقال هَذِه الكلمة بعد المغرب إِذَا رأيت الشخص فلم تَدْر ما هُوَ. ومنه قولك: أَفتِلكَ أم وَحْشِيّة، وقولك أذلك أم جأْب «١» يطارد أُتنا «٢» .
فإن قَالَ قائل فأين جواب (أَمَّنْ هُوَ) فقد تبيّن فِي الكلام أَنَّهُ مضمر، قد جرى معناه فِي أوّل الكلمة، إذ ذكر الضال ثُمَّ ذكر المهتدي بالاستفهام فهو دليلٌ عَلَى أَنَّهُ يريد: أهذا مثل هَذَا أو أهذا أفضل أم هَذَا. ومن لَمْ يعرف مذاهب العرب ويتبين لَهُ المعنى فِي هَذَا وشبهه لَمْ يكتف ولم يشتف ألا ترى قول الشَّاعِر:
فأقسمُ لو شَيْء أتانا رَسولُه ... سِوَاك ولكن لَمْ نَجد لك مَدْفعَا
أنّ معناهُ: لو أتانا رسولُ غيرِك لدفعنَاهُ، فعلم المعنى ولم يُظهر. وجرى قوله: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ) «٣» عَلَى مثل هَذَا.
وقوله (آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً) نُصِب عَلَى قوله: يَقنت ساجدًا مرة وقائمًا مرة، أي مطيع فِي الحالين. ولو رفع كما رُفعَ القانت كَانَ صوابًا. والقنوت: الطاعة.
стр. 938
وقوله: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ [١٩] .
يقال: كيف اجتمع استفهامان فِي معنى واحد؟ يُقال: هَذَا مِمّا يُرادُ بِهِ استفهامٌ واحدٌ فيسبق الاستفهام إلى غير موضعه يُردّ الاستفهام إلى موضعه الَّذِي هُوَ لَهُ. وإنَّما الْمَعْنَى- والله أعلم-: أفأنتَ تُنْقِذُ من حَقّت عَلَيْهِ كلمةُ العذاب. ومثله من غير الاستفهام قوله: (أَيَعِدُكُمْ «١» أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) فردّ (أنّكم) مرّتين، والمعنى- والله أعلم-: أيعدكم أنكم مخرجونَ إِذَا متم وكنتم ترابًا. ومثله قوله: (لا تَحْسَبَنَّ «٢» الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ) فرَدّ (تَحْسَبَنَّ) مرّتين ومعناهما- والله أعلم- لا تحسبن الَّذِينَ يفرحونَ بما أتوا بِمفازةٍ من العذاب. ومثله كَثِير فِي التنزيل وغيره من كلام العرب.
وقوله: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [٢٢] و (عَن ذكرِ الله) كلّ صواب. تَقُولُ:
اتّخمتُ من طعامٍ أكلته وعن طعام أكلته، سَواءً فِي المعنى. وكأنّ قوله: قسَت من ذكره أنهم جعلوه كذبًا فأقسى قلوبهم: زادها قَسْوة. وكأن من قَالَ: قست عَنْهُ يريد: أعرضت عنه.
وقوله: كِتاباً مُتَشابِهاً [٢٣] أي غير مختلف لا ينقض بعضه بعضًا.
وقوله (مَثانِيَ) أي مكرّرًا يكرّر فِيهِ ذكر الثواب والعقاب.
وقوله: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) : تقشعر خوفًا من آية العذاب إِذَا نزلت (ثُمَّ تَلِينُ) عند نزول آية رَحْمة.
وقوله: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ [٢٤] .
يُقال: إِنّ الكافر تنطلقُ بِهِ الْخَزنة إلى النار مغلولًا، فيُقذف بِهِ فِي النار، فلا يتقيها إلا بوجهه وجوابه من المضمر «٣» الَّذِي ذكرت لك.
стр. 939
وقوله: فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ [٢٩] مختلفونَ. هَذَا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن. فجعل الَّذِي فِيهِ شركاء الَّذِي يَعبد الآلهة المختلفة.
وقوله (رَجُلًا سَالِمًا لرجُلٍ) هُوَ المؤمن الموحّد. وقد قرأ العوامّ (سَلَماً) وَسَلَمٌ وسالِم متقاربان فِي المعنى، وكأن (سَلَماً) مصدر لقولك: سَلِم لَهُ سَلَمًا والعرب تَقُولُ: رَبِحَ رِبْحًا ورَبَحًا، وَسَلِمَ سلمًا وسَلَمًا وسلامة. فسالِم من صفة الرجل، وسَلَمَ مصدرٌ لذلك. والله أعلم.
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ التَّيْمِيُّ- وَلَيْسَ بِصَاحِبِ هُشَيْمٍ- عَنْ أَبِي رَوْقٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ (وَرَجُلًا سَالِمًا) قَالَ الفراء:
وَحَدَّثَنِي ابن عيينة عَن عبد الكريم الجزري عَن مجاهد أَنَّهُ قرأ (سالِمًا) .
وقوله: هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا [٢٩] ولم يقل مثلين، لأنهما جَميعًا ضُرِبا مثلًا واحدًا، فجرى المثل فيهما بالتوحيد. ومثله (وَجَعَلْنَا «١» ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً) ولم يقل: آيتين لأن شأنهما واحد. ولو قيل مَثَلين أو آيتين كَانَ صوابًا لأنهما اثنان فِي اللفظ.
وقوله: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [٣٣] (الَّذِي) غير موقّت، فكأنه فِي مذهب جماع فِي المعنى. وَفِي قراءة عبد الله (وَالَّذِينَ جاءوا بالصدق وصَدّقوا بِهِ) فهذا دليل أنّ (الَّذِي) فِي تأويل جَمْع.
وقوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عِبَادَهُ [٣٦] قرأها يَحْيَى «٢» بن وثاب وَأَبُو جَعْفَر المدني (أليس الله بكافٍ عباده) عَلَى الجمع. وقرأها الناس (عَبْدَهُ) وَذَلِكَ أن قريشًا قالت للنبي ﷺ :
أما تخاف أن تَخْبِلَكَ آلهتُنا لعيبكَ إيّاها! فأنزلَ الله (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ) محمّدا ﷺ ، فكيف يخوِّفونَكَ بِمن دونه. والذين قالوا (عباده) قالوا:
стр. 940
قد همّت أمم الأنبياء بهم، ووعدوهم مثل هذا، فقالوا الشعيب (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ.) فقال الله (أليس الله بكافٍ عباده) أي محمدا ﵇ والأنبياء قبله، وكلٌّ صواب.
وقوله: هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ [٣٨] وممسكات رحمته [٣٨] نوَّن فيهما عَاصِم والحسن وشَيْبَة المدني. وأضافَ «١» يَحْيَى بن وثاب. وكل صواب. ومثله (إِنَّ اللَّهَ «٢» بالِغُ أَمْرِهِ) و (بالِغُ أَمْرِهِ) و (مُوهِنُ «٣» كَيْدِ الْكافِرِينَ) و (مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ) وللإضافة معنى مضى من الفعل. فإذا رأيت الفعل قد مضى فِي المعنى فآثر الإضافة فِيهِ، تَقُولُ أخوك أخذ حقه، فتقول هاهنا:
أخوك آخذُ حقِّه. ويقبح أن تَقُولَ: آخذٌ حقَّه. فإذا كَانَ مستقبلًا لَمْ يقع بعد قلت: أخوكَ آخِذٌ حقّه عَن قليل، وآخذُ حقِّه عَن قليل: ألا ترى أنك لا تَقُولُ: هَذَا قاتلٌ حَمْزَةَ مُبغضًا، لأن معناهُ ماضٍ فقبح التنوين لأنه اسم.
وقوله: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [٤٢] والمعنى فِيهِ يتوفى الأنفس حين موتها، ويتوفى التي لَمْ تمت فِي منامها عند انقضاء أجلها. ويُقال: إن توفِّيهَا نومُها.
وهو أحبّ الوجهين إليّ لقوله (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ) .
ولقوله: (وَهُوَ الَّذِي «٤» يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) وتقرأ «٥» (قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ) (وقُضِيَ عَليها الموتُ) .
وقوله: بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ [٤٩] خرجت (هي) بالتأنيث لتأنيث الفتنة. ولو قيل: بل هو فتنة لكان
стр. 941
صوابًا كما قَالَ (هَذَا رَحْمَةٌ «١» مِنْ رَبِّي) ومثله كَثِير فِي القرآن. وكذلك قوله: (قَدْ قالَهَا «٢» الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أنثت إرادة الكلمة ولو قيل: قد قاله الَّذِينَ من قبلهم كَانَ صوابًا. ومثله فِي الكلام أن تَقُولُ: قد «٣» فعلتها وفعلت ذاك: ومثله. قوله: (وَفَعَلْتَ «٤» فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ) يَجوز مكانها لو أتى: وفعلت فِعلكَ.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [٥٣] هي فِي قراءة عبد الله (الذنوبَ جَميعًا لِمن يشاء) قَالَ الْفَرَّاءُ: وَحَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي رَوْقٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا كَمَا هِيَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَنْ يَشَاءُ) وَإِنَّمَا نَزَلَتْ فِي وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حَمْزَةَ وَذَوِيهِ.
وقوله: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتى [٥٦] أي افعلوا وأنيبوا وافعلوا (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ) ألّا يقول أحدكم غدا (يا حَسْرَتى) ومثله قوله: (وَأَلْقى فِي «٥» الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) أي لا تميد.
وقوله: (يا حَسْرَتى) : يا ويلتا مُضاف إلى المتكلم يَحوّل العرب الياء إلى الألف فِي كلّ كلام كَانَ معناهُ الاستغاثة، يَخرج عَلَى لفظ الدعاء. وربّما قيل: يا حَسْرَتِ «٦» كما قالوا: يا لَهفِ عَلَى فلانٍ، ويا لَهَفَا عَلَيْهِ قَالَ: أنشدني أبو ثروان العكلىّ.
تزورونها أو لا أزور نِساءكم ... ألهَفِ لأولاد الإماء الحواطِبِ
فخفض كما يُخفض المنادَى إِذَا أضافه المتكلم إلى نفسه.
стр. 942
وربَّما أدخلت العرب الْهَاء بَعدَ الألف التي فى (حَسْرَتى) فيخفضونها مَرة، ويرفعونَها. قَالَ:
أنشدني أَبُو فَقْعَس، بعضُ «١» بني أسد:
يا ربِّ يا ربّاهِ إيّاك أسَلْ ... عَفْراء يا ربّاهِ من قبل الأجَل «٢»
فخفض، قَالَ: وأنشدني أَبُو فَقْعَسٍ:
يا مرحباهِ بِحمار ناهِيَهْ ... إِذَا أتى قرّبته للسَّانية «٣»
والخفضُ أكثر فِي كلام العرب، إلا فِي قولهم: يا هَناه «٤» ويا هَنْتَاه، فالرفع فِي هَذَا أكثر من الخفض لأنه كثُر «٥» فِي الكلام فكأنه حَرف واحدٌ مدعو.
وقوله: لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [٥٨] النصب فِي قوله (فَأَكُونَ) جَواب لِلو.
وإن شئت جَعلته مردودًا عَلَى تأويل أَنْ، تُضمرهَا فِي الكرَّة، كما تَقُولُ: لو أَنَّ لي أن أكُرَّ فأكونَ. ومثله مِمَّا نُصِبَ عَلَى ضمير أنْ قوله: (وَما «٦» كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ) المعْنَى- والله أعلم- ما كَانَ لبشرٍ أن يُكلمه الله إلا أن يُوحي إِلَيْهِ أو يرسل. ولو رفع (فيُوحي) إِذَا لَمْ يظهر أن قبله ولا معه كَانَ صوابًا. وقد قرأ به «٧» بعض القراء.
قال: وأنشدني بعض بنى أسد:
стр. 943
يَحُلّ أحَيْدَه ويُقالُ بَعْلٌ ... ومثلُ تموُّلٍ مِنْهُ افتقارُ
فما يُخطئكِ لا يخطئكِ منه ... طَبَانِيَةٌ فيحظل أو يغار «١»
فرفع. وأنشدنى آخر:
فمالك منها غير ذِكرى وحِسْبة ... وتسأل عَن ركبانها أينَ يَمَّمُوا «٢»
وقال الْكِسَائي: سمعتُ من العرب: ما هي إِلَّا ضَرْبة من الأسَد فيحطِمُ ظهره، (و) يحطم ظهرَه. قَالَ: وأنشدني الأسَدِي:
عَلى أَحْوذِيَّيْنِ استقلت عَشِيَّة ... فما هي إلا لَمْحة فتغيب «٣»
وقوله: بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها [٥٩] القراء مجتمعونَ عَلَى نصب الكاف وأن المخاطب ذَكَر. قَالَ الفراء وَحَدَّثَنِي شيخ عَن وِقَاء بن إياسٍ بسنده أَنَّهُ قرأ (بَلَى قد جاءَتْكِ آيَاتِي) فكذَّبْتِ بِهَا واستكبرت (فخفض الكاف والتاء كأنه يُخاطب النفس. وهو وجه حسَن لأنه ذكر النفس فخاطبها أوَّلًا، فأجْرى الكلام الثاني عَلَى النفس فِي خطابها.
وقوله: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [٦٠] ترفع (وجوههم) و (مسودّة) لأنّ الفعل قد وقع عَلَى (الَّذِينَ) ثُمَّ جاء بعد (الذينَ) اسم لَهُ فعل فرفعته بفعله، وَكَانَ فِيهِ معنى نصب. وكذلك فالفعل بكل اسم أوقعتَ عَلَيْهِ الظنّ والرأي وما أشبههما فارفع ما يأتي بعده من الأسماء إِذَا كَانَ معها أفاعيلها بعدها كقولك: رأيت عبد الله أمرُه مستقيم. فإن قدمت
стр. 944
الاستقامة»
نصبتها، ورفعت الاسم، فقلت: رأيتُ عبد الله مستقيمًا أمرُه، ولو نصبت الثلاثة فِي المسألة الأولى عَلَى التكرير كَانَ جائزًا، فتقول: رأيتُ عبد الله أمرَهُ مستقيمًا. وقال عدي «٢» ابن زيد.
ذرِيني إِن أمركِ لن يُطاعا ... وما ألفيتني حِلْمي مُضَاعا
فنصب الحلم والمضاع عَلَى التكرير. ومثله:
ما للجمال مشيها وئيدا «٣»
فخفض الجمال والمشي عَلَى التكرير. ولو قرأ قارئ (وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) عَلى هَذَا لكان صوابًا.
وقوله: بِمفازاتِهم [٦١] جمع «٤» وقد قرأ أهل المدينة (بِمَفازَتِهِمْ) بالتوحيد «٥» . وكل صواب. تَقُولُ فِي الكلام: قد تَبيَّن أمر القوم وأمورُ القوم، وارتفع الصوت والأصوات (ومعناهُ «٦» ) واحد قَالَ الله (إِنَّ أَنْكَرَ «٧» الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) ولم يقل: أصواتٌ وكل صواب.
وقوله: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ [٦٦] تنصب (الله) - يعني فِي الإعراب- بِهذا الفعل الظاهر لأنه رد كلام. وإن شئت نصبته بفعل تُضمره قبله لأن الأمر والنهي لا يتقدمهما إلا الفعل.
ولكن العرب تَقُولُ: زيد فليقم، وزيدًا فليقم، فمَن رفعه قَالَ: أرفعه بالفعل الذي بعده
стр. 945
إِذْ لَمْ يظهر الَّذِي قبله. وقد يرفع أيضًا بأن يُضمر لَهُ مثل الَّذِي بعده كأنك قلت: لينظر زيد فليقم.
ومن نصبه فكأنه قَالَ: انظروا زيدًا فليقم.
وقوله: (وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ) [٦٧] ترفع القبضة. ولو نصبها ناصب، كما تَقُولُ: شهر رمضان انسلاخ شعبان أي هَذَا فِي انسلاخ هذا.
وقوله: (وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) ترفع السموات بمطويات إِذَا رفعت المطويات. ومن قَالَ (مَطْوِيَّاتٌ) رفع السموات بالباء التي فِي يمينه، كأنه قَالَ: والسموات فِي يمينه. وينصبُ المطويَّاتِ عَلَى الحال أو عَلَى القطع «١» . والحال أجود.
وقوله: فِي الصُّورِ [٦٨] قَالَ: كَانَ الكلبي يقول: لا أدري ما الصور. وقد ذُكِرَ أَنَّهُ القرن وذكر عَن الْحَسَن أو عَن قتادة أَنَّهُ قَالَ: الصور جماعة الصورة.
وقوله: طِبْتُمْ [٧٣] أي زكوتم (فَادْخُلُوها) .
وقوله: وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ [٧٤] يعنى الجنّة.
ومن سورة المؤمن «١»
قوله : غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ (٣) .
جعلها كالنعت للمعرفة وهي نكرة ألا ترى أنك تَقُولُ: مررت برجل شديد القلب، إلّا أَنَّهُ وقع معها قوله: «ذي الطول» ، وهو معرفة فأجرين مجراه. وقد يكون خفظها عَلَى التكرير فيكون المعرفة والنكرة سواء. ومثله قوله: «وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ، ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ، فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ «٢» » فهذا عَلَى التكرير [١٦٣/ ١] لأن فعّال نكرة محضة، ومثله قوله: «رفيع الدرجات ذو العرش «٣» » ، فرفيع نكرة، وأجرى «٤» عَلَى الاستئناف، أَوْ عَلَى تفسير المسألة الأولى.
وقوله: وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ (٥) .
ذهب إلى الرجال، وفي حرف عَبْد اللَّه «برسولها» «٥» ، وكلّ صواب
وقوله: وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ (٨) .
وبعضهم يقرأ «جنة عدن» واحدة، وكذلك هِيَ فِي قراءة عَبْد اللَّه: واحدة «٦» .
وقوله: وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ (٨) .
من نصبٌ من مكانين: إن شئتَ جعلتَ (ومن) مردودة عَلَى الهاء والميم فِي «وَأَدْخِلْهُمْ» ، وإن شئت عَلَى الهاء والميم فِي: «وعدتهم» .
стр. 948
وقوله: يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ (١٠) .
المعني فِيهِ: ينادَوْن أنّ مقت اللَّه إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم يوم القيامة لأنهم مقتوا أنفسهم إذ تركوا الْإِيمَان، ولكن اللام تكفي من أن تَقُولُ فِي الكلام: ناديت أن زيدًا قائم «١» ، وناديت لزيد قائم، ومثله: «ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ» «٢» الآية، اللام بمنزلة أنّ فى كل كلام ضارع «٣» القول مثل: ينادون، ويخبرون، وما أشبه ذَلِكَ «٤» .
وقوله: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ (١٥) .
الروح فِي هَذَا الموضع: النبوة لينذر من يلقى عَلَيْهِ الروحَ يوم التلاق. وإنما قيل «التلاق» لأنه يلتقى فِيهِ أهل السماء وأهل الأرض.
وقوله: يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ (١٦) .
هم فى موضع رفع بفعلهم بعده، و [هو] «٥» مثل قولك: آتيك يوم أنت فارغ لي.
وقوله: الْآزِفَةِ (١٨) .
وهى: القيامة.
وقوله: كاظِمِينَ (١٨) .
نصبت عَلَى القطع من المعنى الَّذِي يرجع من ذكرهم فِي القلوب والحناجر، والمعنى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين. وإن شئت جعلت قطعه من الهاء في قوله: «وأنذرهم» ، والأول أجود فِي العربية.
ولو كانت «كاظمون» مرفوعة عَلَى قولك: إذ القلوب لدى الحناجر إذ هُمْ كاظمون، أَوْ على الاستئناف كَانَ صوابًا.
وقوله: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨) .
стр. 949
تقبلَ شفاعته، ثُمَّ قَالَ: «يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ» يعني: اللَّه ، يُقال: إنّ للرجل نظرتين: فالأولى مباحة لَهُ، والثانية محرمة عَلَيْهِ، فقوله: «يعلم خائنة» الأعين في النظرة الثانية، وما تخفى الصدور فِي النظرة الأولى. فإن كانت النظرة الأولى تعمُّدًا كَانَ فيها الإثْمُ أيضًا، وإن لم يكن تَعَمَّدَها فهي مغفورة.
وقوله: أَوْ أَنْ يُظْهِرَ «١» فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) .
رفع (الفساد) الْأَعْمَش «٢» ، وعاصم جعلا «٣» لَهُ الفعل. وأهل المدينة والسلمي قرءوا: [وأن] «٤» يُظهرَ «٥» فِي الأرض الفسادَ، نصبوا الفساد، وجعلوا يظهر لموسى. وأهل المدينة «٦» يلقون «٧» الألف الأولى يقولون: وأن يظهر، وكذلك [هِيَ] «٨» فِي مصاحفهم. وفي مصاحف أهل العراق: «أَوْ أن يَظْهَرَ» [المعنى «٩» ] أَنَّهُ قال: إنى أخاف التبديل على [١٦٣/ ب] دينكم، أَوْ أن يتسامع النَّاس [بِهِ] «١٠» ، فيصدقوه فيكون فيه فساد على دينكم.
وقوله: [وَ] «١١» يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (٣٢) قرأها العوام على التناد بالتخفيف، وأثبت الْحَسَن «١٢» وحده [فِيهِ] «١٣» الياء، وهي من تنادي القوم. [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ] ١»
حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي حبان عن الأجلح
стр. 950
عَنِ الضحاك بْن مزاحم أَنَّهُ قَالَ: تَنْزِلُ «١» الملائكةُ من السموات، فتحيط بأقطار الأرض، ويُجَاء بجهنم، فإذا رأوها هالتهم، فندوا فِي الأرض كما تند الإبل، فلا يتوجهون قُطْرًا إلا رأوا ملائكة فيرجعون من حيث جاءوا، وذلك قوله: «يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا «٢» مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» «٣» وذلك قوله: «وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا، وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ» «٤» وذلك قوله: «وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا» «٥» . قَالَ الأجلح، وقرأها الضحاك: «التنادّ» مشددة الدال «٦» . قَالَ حبان: وكذلك فسّرها الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ الفراء: ومن قرأها «التناد» [خفيفة] «٧» أراد يوم يدعو أهل الجنة أهل النار، وأَهل النار أهل الجنة «٨» ، وأصحاب الأعراف رجالًا يعرفونهم.
وقوله: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ (٣٥) .
أي: كبر ذَلِكَ الجدال مقتًا، وَمثله: «كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ» «٩» أضمرت في كبرت قولهم: «اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً» ومن رفع الكلمة لم يضمر، وَقرأ الْحَسَن بذلك برفع الكلمة «١٠» «كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ» .
وقوله: عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥) .
يضيف القلب إلى المتكبر، ومن نوّن جعل القلب هو المتكبر الجبار، وهى فى قراءة عبد الله