← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23634

معاني القرآن للفراء

يحيى بن زياد الفراء

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

[الجزء الثالث] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 947

ومن سورة المؤمن «١» قوله : غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ (٣) . جعلها كالنعت للمعرفة وهي نكرة ألا ترى أنك تَقُولُ: مررت برجل شديد القلب، إلّا أَنَّهُ وقع معها قوله: «ذي الطول» ، وهو معرفة فأجرين مجراه. وقد يكون خفظها عَلَى التكرير فيكون المعرفة والنكرة سواء. ومثله قوله: «وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ، ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ، فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ «٢» » فهذا عَلَى التكرير [١٦٣/ ١] لأن فعّال نكرة محضة، ومثله قوله: «رفيع الدرجات ذو العرش «٣» » ، فرفيع نكرة، وأجرى «٤» عَلَى الاستئناف، أَوْ عَلَى تفسير المسألة الأولى. وقوله: وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ (٥) . ذهب إلى الرجال، وفي حرف عَبْد اللَّه «برسولها» «٥» ، وكلّ صواب وقوله: وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ (٨) . وبعضهم يقرأ «جنة عدن» واحدة، وكذلك هِيَ فِي قراءة عَبْد اللَّه: واحدة «٦» . وقوله: وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ (٨) . من نصبٌ من مكانين: إن شئتَ جعلتَ (ومن) مردودة عَلَى الهاء والميم فِي «وَأَدْخِلْهُمْ» ، وإن شئت عَلَى الهاء والميم فِي: «وعدتهم» .

стр. 948

وقوله: يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ (١٠) . المعني فِيهِ: ينادَوْن أنّ مقت اللَّه إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم يوم القيامة لأنهم مقتوا أنفسهم إذ تركوا الْإِيمَان، ولكن اللام تكفي من أن تَقُولُ فِي الكلام: ناديت أن زيدًا قائم «١» ، وناديت لزيد قائم، ومثله: «ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ» «٢» الآية، اللام بمنزلة أنّ فى كل كلام ضارع «٣» القول مثل: ينادون، ويخبرون، وما أشبه ذَلِكَ «٤» . وقوله: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ (١٥) . الروح فِي هَذَا الموضع: النبوة لينذر من يلقى عَلَيْهِ الروحَ يوم التلاق. وإنما قيل «التلاق» لأنه يلتقى فِيهِ أهل السماء وأهل الأرض. وقوله: يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ (١٦) . هم فى موضع رفع بفعلهم بعده، و [هو] «٥» مثل قولك: آتيك يوم أنت فارغ لي. وقوله: الْآزِفَةِ (١٨) . وهى: القيامة. وقوله: كاظِمِينَ (١٨) . نصبت عَلَى القطع من المعنى الَّذِي يرجع من ذكرهم فِي القلوب والحناجر، والمعنى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين. وإن شئت جعلت قطعه من الهاء في قوله: «وأنذرهم» ، والأول أجود فِي العربية. ولو كانت «كاظمون» مرفوعة عَلَى قولك: إذ القلوب لدى الحناجر إذ هُمْ كاظمون، أَوْ على الاستئناف كَانَ صوابًا. وقوله: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨) .

стр. 949

تقبلَ شفاعته، ثُمَّ قَالَ: «يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ» يعني: اللَّه ، يُقال: إنّ للرجل نظرتين: فالأولى مباحة لَهُ، والثانية محرمة عَلَيْهِ، فقوله: «يعلم خائنة» الأعين في النظرة الثانية، وما تخفى الصدور فِي النظرة الأولى. فإن كانت النظرة الأولى تعمُّدًا كَانَ فيها الإثْمُ أيضًا، وإن لم يكن تَعَمَّدَها فهي مغفورة. وقوله: أَوْ أَنْ يُظْهِرَ «١» فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) . رفع (الفساد) الْأَعْمَش «٢» ، وعاصم جعلا «٣» لَهُ الفعل. وأهل المدينة والسلمي قرءوا: [وأن] «٤» يُظهرَ «٥» فِي الأرض الفسادَ، نصبوا الفساد، وجعلوا يظهر لموسى. وأهل المدينة «٦» يلقون «٧» الألف الأولى يقولون: وأن يظهر، وكذلك [هِيَ] «٨» فِي مصاحفهم. وفي مصاحف أهل العراق: «أَوْ أن يَظْهَرَ» [المعنى «٩» ] أَنَّهُ قال: إنى أخاف التبديل على [١٦٣/ ب] دينكم، أَوْ أن يتسامع النَّاس [بِهِ] «١٠» ، فيصدقوه فيكون فيه فساد على دينكم. وقوله: [وَ] «١١» يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (٣٢) قرأها العوام على التناد بالتخفيف، وأثبت الْحَسَن «١٢» وحده [فِيهِ] «١٣» الياء، وهي من تنادي القوم. [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ] ١» حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي حبان عن الأجلح

стр. 950

عَنِ الضحاك بْن مزاحم أَنَّهُ قَالَ: تَنْزِلُ «١» الملائكةُ من السموات، فتحيط بأقطار الأرض، ويُجَاء بجهنم، فإذا رأوها هالتهم، فندوا فِي الأرض كما تند الإبل، فلا يتوجهون قُطْرًا إلا رأوا ملائكة فيرجعون من حيث جاءوا، وذلك قوله: «يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا «٢» مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» «٣» وذلك قوله: «وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا، وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ» «٤» وذلك قوله: «وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا» «٥» . قَالَ الأجلح، وقرأها الضحاك: «التنادّ» مشددة الدال «٦» . قَالَ حبان: وكذلك فسّرها الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ الفراء: ومن قرأها «التناد» [خفيفة] «٧» أراد يوم يدعو أهل الجنة أهل النار، وأَهل النار أهل الجنة «٨» ، وأصحاب الأعراف رجالًا يعرفونهم. وقوله: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ (٣٥) . أي: كبر ذَلِكَ الجدال مقتًا، وَمثله: «كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ» «٩» أضمرت في كبرت قولهم: «اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً» ومن رفع الكلمة لم يضمر، وَقرأ الْحَسَن بذلك برفع الكلمة «١٠» «كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ» . وقوله: عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥) . يضيف القلب إلى المتكبر، ومن نوّن جعل القلب هو المتكبر الجبار، وهى فى قراءة عبد الله

стр. 951

«كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ» «١» ، فهذا شاهدٌ لمن أضاف، والمعنى فِي تقدم القلب وَتأخره وَاحد وَالله أعلم. قَالَ: سمعت بعض العرب يرجّل شعره يوم كل جمعة، يريد: كل يوم جمعة، والمعنى واحد. وقوله: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) (أَسْبابَ السَّماواتِ) «٢» فَأَطَّلِعَ (٣٧) . بالرفع، يردّه عَلَى قوله: «أبلغُ» . وَمن جعله جوابًا لِلَعَلّى نصبه، وَقَدْ قَرَأَ بِهِ «٣» بعض القراء «٤» قَالَ: وأنشدني بعض العرب: علَّ صروفَ الدَّهر أَوْ دولاتها ... يدللنا «٥» اللَّمَّةَ من لَمَّاتها فتستريحَ النفسُ من زَفْراتها «٦» فنصب عَلَى الجواب بلعلّ. وقوله: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها (٤٦) . رفعت (النار) بما عاد من ذكرها فِي عليها، ولو رفَعْتها بما رفعْتَ بِهِ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) كَانَ صوابًا، ولو نصبت عَلَى أنها وقعت [١٦٤/ ١] بين راجع [من] «٧» ذكرها، وبين كلام يتصل بما قبلها كَانَ صوابا، ومثله: «قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا» «٨» . وقوله: غُدُوًّا وَعَشِيًّا (٤٦) . ليس فِي الآخرة غدو ولا عشي، ولكنه مقادير عشيات الدنيا وغدوها. وقوله: «٩» [وَ] يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ (٤٦) .

стр. 952

همز الألف يَحيى بْن وثاب وأهل الحجاز «١» ، وخففها عاصم والحسن فقرأ «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ» ونصبها هنا آل فرعون «٢» عَلَى النداء: ادخلوا يا آل فرعون أشد العذاب، وفي «٣» المسألة الأولى توقَّع عليهم «أَدْخِلُوا» . وقوله: إِنَّا كُلٌّ فِيها (٤٨) . رَفَعْتَ «٤» (كلّ) بفيها، ولم تجعله نعتًا لإنّا، ولو نصبته «٥» عَلَى ذَلِكَ، وجعلت خبر إِنا [فيها] «٦» ، ومثله: «قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ» «٧» ترفع (كلّه لله) ، وتنصبها عَلَى هَذَا التفسير. قوله «٨» : «وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ» (٥١) . قرأت القراء بالياء يعني: يقوم بالتذكير «٩» ، ولو قَرَأَ قارئ: ويوم تقوم «١٠» كَانَ صوابًا لأن الأشهاد جمع، والجمع من المذكر يؤنث فعله ويذكر إِذا تقدم. العرب تَقُولُ: ذهبت [الرجال، وذهب الرجال. وقوله: إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبالِغِيهِ (٥٦) . يريد: تكبروا] «١١» أن يؤمنوا بما جاء بِهِ محمد صلى الله عليه ما هُمْ ببالغي ذَلِكَ: بنائلي ما أرادوا. وقوله: ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً (٦٧) .

стр. 953

وفي حرف «١» عَبْد اللَّه «ومنكم من يكون شيوخا» فوحدّ فِعل مَن، ثُمَّ رجع إلى الشيوخ فنوى بمن الجمع، ولو قَالَ: شيخا لتوحيد من في اللفظ كَانَ صوابًا. وقوله: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ (٧١) . [ترفع السلاسل والأغلال، ولو نصبت السلاسل وقلت «٢» : يسحبون «٣» ، تريد «٤» ] يَسْحَبونَ سَلاسلَهم فِي جهنم. وذكر الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنه قال: [وهم] «٥» فِي السلاسل يُسْحَبون، فلا يجوز خفض «٦» السلاسل، والخافض مضمر ولكن لو أنّ متوهما قَالَ: إِنما المعنى إِذ أعناقهم في الأغلال وفي السلاسل يسحبون جاز الخفض فِي السلاسل عَلَى هَذَا المذهب، ومثله مما رُدّ إلى المعنى قول الشَّاعِر: قَدْ سالم الحياتِ مِنْهُ القدَما ... الأفعوان والشُّجاعَ الشجعما «٧» فنصب الشجاع، والحيات قبل ذَلِكَ مرفوعة لَأنَّ المعنى: قَدْ سالمت رجله الحيات وسالمتها، فلما احتاج إلى نصب القافية جعل الفعل من القدم واقعًا عَلَى الحيات. [١٦٤/ ب] ومن سورة السجدة قوله : كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا (٣) . تنصب [قرآنا] «٨» عَلَى الفعل، أي: فصلت آياته كذلك، ويكون نصبًا عَلَى القطع لَأن الكلام

стр. 954

تام عند قوله: (آياته) «١» . ولو كَانَ رفعا عَلَى أَنَّهُ من نعت الكتاب كَانَ صَوَابًا. كما قَالَ فِي موضع آخر: «كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ» «٢» ، وكذلك قوله: «بَشِيراً وَنَذِيراً «٣» » فيه «٤» ما فِي: «قُرْآناً عَرَبِيًّا» . وقوله: وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ (٥) . يَقُولُ: بيننا وبينك فُرقة فِي ديننا، فاعمل فِي هلاكنا إننا عاملون فِي ذَلِكَ منك، وَيُقَال: فاعمل بما تعلم من دينك فإننا عاملون بديننا. وقوله: لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ (٧) . والزكاة «٥» فِي هَذَا الموضع: أن قريشًا كانت تطعم الحاج وتسقيهم، فحرَمُوا ذَلِكَ من آمن بمحمد صلى الله عليه فنزل هَذَا فيهم، ثُمَّ قَالَ: وفيهم أعظم من هَذَا كفرهم بالآخرة. وقوله: وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها (١٠) وفى قراءة عَبْد اللَّه: وقسم فيها أقواتها «٦» ، جعل فِي هَذِهِ «٧» ما ليس فِي هَذِهِ ليتعايشوا ويتجروا. وقوله: سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) نصبها «٨» عاصم وحمزة، وخفضها الْحَسَن «٩» ، فجعلها من نعت الأيام، وإن شئت من نعت

стр. 955

الأربعة، ومن نصبها جعلها متصلة بالَأقوات، وَقَدْ ترفع كأنه ابتداء، كأنه قَالَ: ذَلِكَ سواء للسائلين، يَقُولُ لمن أراد علمه. وقوله: فَقَضاهُنَّ (١٢) . يقول: خلقهن، وأحكمهن. وقوله: قالَتا أَتَيْنا (١١) . جعل السموات والَأرضين كالثَّنتين كقوله: «وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما» «١» ولم يقل: [وما] «٢» بينهن، ولو كَانَ كان «٣» صوابا. وقوله: أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) . ولم يقل: طائعتين، ولا طائعاتٍ. ذُهب «٤» بِهِ إلى السموات ومن فيهن، وَقَدْ يجوز: أن تقولا، وإن كانتا اثنَتين: أتينا طائعين، فيكونان كالرجال لمّا تكلمتا. وقوله: وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها (١٢) . يَقُولُ: جعل فِي كل سماء ملائكة فذلك أمرها. وقوله: إِذْ جاءَتْهُمُ [١٦٥/ ١] الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ (١٤) . أَتَت الرسل آباءهم، ومن كَانَ قبلهم ومن خلفهم يَقُولُ: وجاءتهم أنفسهم رسل من بعد أولئك الرسل، فتكون الهاء والميم فِي (خلفهم) للرسل، وتكون لهم تجعل من خلفهم لما معهم. وقوله: رِيحاً صَرْصَراً (١٦) . باردة تُحْرق [كما تحرق] «٥» النار. وقوله: فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ (١٦) .

стр. 956

العوام عَلَى تثقيلها لكسر الحاء، وَقَدْ خفف بعض أهل المدينة: (نحسات) «١» . قال: [وقد سمعت بعض العرب ينشد: أبلغْ جذاما ولخما أن إخوتهم ... طيا وبهراء قوم نصرهم نِحس] «٢» . وهذا «٣» لمن ثقلَ، ومن خفّف بناه علِي قوله: «فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ» «٤» . وقوله: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ (١٧) . القراءة برفع ثمود، قرأ بذلك عاصم، وأهل المدينة والأعمش. إلا أن الْأَعْمَش كَانَ «٥» يجري ثمود فِي كل القرآن إلا قوله: «وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ» ، فإنه كَانَ لا ينون، لَأنّ كتابه بغير ألف. ومن أجراها جعلها اسمًا لرجل أَوْ لجبل، ومن لم يجرها جعلها اسمًا للُأمة التي هِيَ منها قَالَ: وسمعت بعض العرب يَقُولُ: تترك بني أسد وهم فصحاء، فلم يُجْر أسدَ، وما أردت بِهِ القبيلة من الأسماء التي تجرى فلا تحرها، وإجراؤها أجود فِي العربية مثلَ قولك: جاءتك تميمٌ بأسرها، وقيس بأسرها، فهذا مما يُجْرَى، ولا يُجْرى مثل التفسير فِي ثمود وأسد. وكان الحسن يقرأ: «وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ» بنصب «٦» ، وهو وجه، والرفع أجود مِنْهُ، لأنَّ أمّا تطلب الأسماء، وتمتنع من الأَفعال، فهي بمنزلة الصلة للاسم، ولو كانت أمّا حرفا يلي الاسم إِذَا شئت، والفعل إِذَا شئت كَانَ الرفع والنصب معتدلين مثل قوله: «وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ» «٧» ، ألا ترى أنّ الواو تكون مع الفعل، ومع الاسم؟ فتقول: عَبْدُ اللَّه ضربته وزيدًا تركته لأنك تَقُولُ: وتركتُ زيدًا، فتصلح فِي الفعل الواو كما صلحت فِي الاسم، ولا تَقُولُ: أمّا ضربتَ فعبد اللَّه «٨» ، كما تَقُولُ: أمّا عَبْد اللَّه فضربت، ومن أجاز النصب وهو يرى هذه العلة [١٦٥/ ب] فإنه يقول:

стр. 957

خِلْقَةُ ما نصب الأسماءَ أن يسبقها لا أن تسبقه «١» . وكل صواب. وقوله: فَهَدَيْناهُمْ (١٧) . يَقُولُ: دللناهم عَلَى مذهب الخير، ومذهب الشر، كقوله: «وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ» «٢» . الخير، والشر «٣» . [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ، حَدَّثَنَا «٤» مُحَمَّدٌ قَالَ] حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ عنْ زِيَادِ بْن عِلاقَةَ عنْ أَبِي عمارة عنْ عليّ بْن أَبِي طَالِب أنه قال فى قوله: «وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ» : الخير، والشر. قَالَ أَبُو زكريا: وكذلك قوله: «إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً» «٥» . والهدى عَلَى وجه آخر الَّذِي هُوَ الإرشاد بمنزلة قولك: أسعدناه، من ذَلِكَ. قوله: «أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ» «٦» فِي كَثِير من القرآن. وقوله: فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) . فهي من وزعتَ، ومعنى وزعتُه: حبسته وكففته، وجاء فِي التفسير: يحبس أولهم عَلَى آخرهم حَتَّى يدخلوا النار. قَالَ: وسمعت بعض العرب يَقُولُ: لأبعثن عليكم «٧» من يزَعُكُم ويُحْكِمُكُم من الْحَكمَة التي للدابة «٨» . قَالَ: وأنشدني أَبوْ ثَرْوان الْعُكْلِيُّ: فإنكما «٩» إن تحكمِاني وترسلا ... عليّ غُواة الناس إيب وتضلعا «١٠»

стр. 958

فهذا من ذَلِكَ، إيب: من أبَيْتُ وآبى. وقوله: سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ (٢٠) . الجلد هاهنا- والله أعلم- الذَّكر، وهو ما كنى عَنْهُ «١» كما قال: «وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا «٢» » ، يريد: النكاح. وكما قَالَ: «أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ» «٣» ، والغائط: الصحراء، والمراد من ذَلِكَ: أَوْ قضى أحد منكم حاجةً. وقوله: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ (٢٢) . يَقُولُ: لم تكونوا تخافون أن تشهد عليكم جوارحكم فتستتروا منها، ولم تكونوا لتقدروا عَلَى الاستتار «٤» ، ويكون عَلَى التعبير: أي لم تكونوا تستترون منها. وقوله: وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ (٢٢) . فِي «٥» قراءة عَبْد اللَّه مكان (وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ) ، ولكن زعمتم «٦» ، والزعم، والظن فِي معنى واحد، وَقَدْ يختلفان. وقوله: وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ (٢٣) . «ذلكم» فِي موضع رفع «٧» بالظن، وجعلت «أرداكم» فِي موضع نصب، كأنك قلت: ذلكم ظنكم مرديا لكم. وَقَدْ يجوز أن تجعل الإرداءَ هُوَ الرافع فِي قول من قَالَ: هَذَا عَبْد اللَّه قائم [١٦٦/ ١] يريد: عَبْد اللَّه هَذَا قائم، وهو مستكره، ويكون أرداكم مستأنفا لو ظهر اسما لكان رفعا مثل قوله فِي لقمان: «الم، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ، هُدىً وَرَحْمَةً» «٨» ، قد قرأها حمزة كذلك «٩» ،

стр. 959

وفي قراءة عَبْد اللَّه «١» : «أَأَلِدُ وأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخٌ «٢» » ، وفي قَ: «هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ» «٣» كل هَذَا عَلَى الاستئناف ولو نويت الوصل كَانَ نصبا، قَالَ: وأنشدني بعضهم: مَنْ يك ذا بتّ فهذا بتّى ... مقيّظ مصيّف مُشَتِّي جمعته من نعجات ست «٤» وقوله: وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ (٢٥) . من أمر الآخرة، فقالوا: لا جنة، وَلا نار، ولا بعث، ولا حساب، وما خلفهم من أمر الدنيا فزينوا لهم اللذات، وجمع الأموال، وترك النفقات فِي وجوه البر، فهذا ما خلفهم، وبذلك جاء التفسير «٥» ، وَقَدْ يكون ما بين أيديهم ما هُمْ فِيهِ من أمر الدنيا، وما خلفهم من أمر الآخرة. وقوله: وَالْغَوْا فِيهِ (٢٦) . قاله كفّار قريش، قَالَ لهم أَبُو جهل: إذا تلا محمد صلى الله عليه القرآن فالغوا فِيهِ الغَطوا، لعله يبدّل أَوْ ينسى فتغلبوه. وقوله: ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ، ثم قال: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ (٢٨) . وهي النار بعينها، وذلك صواب لو قلت: لأهل الكوفة منها دار صالحة، والدار هي الكوفة، وحسن حين قلت [بالدار] «٦» والكوفة هِيَ «٧» والدار فاختلف لفظاهما، وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه: «ذَلِكَ جزاء أعداءِ اللَّه «٨» النار دار الخلد» «٩» فهذا بيّن لا شيء فِيهِ، لأن الدار هِيَ النار. وقوله: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ (٢٩) .

стр. 960

يُقال: إن الَّذِي أضلهم من الجن إبليس [و] «١» من الإنس قابيل الَّذِي قتل أخاه يَقُولُ: هُوَ أول من سنّ الضلالة من الإنس. وقوله: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ (٣٠) . عند الممات يبشرونهم بالجنة، وفي قراءتنا «ألّا تخافوا» «٢» ، وفي قراءة عَبْد اللَّه: «لا تخافوا» «٣» بغير أَنْ عَلَى مذهب الحكاية. وقوله: وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا (٣٥) . يريد ما يلّقى دفع السيئة بالحسنة «٤» إلّا مَن هُوَ صابر، أَوْ ذو حظ عظيم، فأنَّثها «٥» لتأنيث الكلمة، ولو أراد الكلام [فذكر] «٦» كَانَ صوابًا. وقوله: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ (٣٦) . يَقُولُ: يصدنّك عنْ أمرنا إياك يدفع بالحسنة السيئة «٧» فاستعذ بالله تعّوذ بِهِ. وقوله: لا تَسْجُدُوا «٨» لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ (٣٧) . خَلَقَ الشمس والقمر والليل والنهار، وتأنيثهن فِي قوله: «خلقهن» [١٦٦/ ب] لأن كل ذكر من غير النَّاس وشبههم فهو فِي جمعه مؤنث تَقُولُ: مرّ بي أثواب فابتعتهن، وكانت لي مساجد فهدمتهن وبنيتهن يبنى «٩» [على] «١٠» هذا. وقوله: اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ (٣٩) . زاد ريعْها، وربَت، أي: أنها تنتفخ، ثُمَّ تصدّع عن النبات.

стр. 961

وقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ (٤١) . يُقال: أَيْنَ جواب إِنَّ؟ فإن شئت جعلته «أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ» . وإن شئت كان فى قوله: «وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ» (٤١) «لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ (٤٢) » ، فيكون جوابه معلومًا فيترك، وكأنه أعربُ الوجهين [وأشبهه بما جاء فِي القرآن. وقوله: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ (٤٢) ، يَقُولُ: التوراة والإنجيل لا تكذبه وهي [من] «١» بين يديه «ولا من خلفه» ، يَقُولُ: لا ينزل بعده كتاب بكذبه] «٢» . وقوله: مَا يُقالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ (٤٣) . جزع (صلى الله عليه) من تكذيبهم إياه، فأنزل اللَّه جل وعز عَلَيْهِ «٣» : ما يُقال لَكَ من التكذيب إلا كما كذب الرسل من «٤» قبلك: قَرَأَ الْأَعْمَش وعاصم «٥» : «أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ» (٤٤) . استفهما، وسكنا العين، وجاء التفسير: أيكون «٦» هَذَا الرَّسُول عربيًا والكتاب أعجمي؟ «٧» وقرأ «٨» الْحَسَن بغير استفهام «٩» : أعجمي وعربي، كأنه جعله من قيلهم، يعني الكفَرة «١٠» ، أي: هلَّا فصلت آياته منها عربي يعرفه العربي، وعجمي يفهمه العجمي، فأنزل اللَّه : «قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ» (٤٤) . وقرأها بعضهم «١١» : «أَعَجَمِيٌّ وعربي» يستفهم وينسبه إلى العجم.

стр. 962

وقوله: وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى (٤٤) . حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ «١» قَالَ: وَحَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ [أبو الأحوص و] «٢» مندل عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنَ قَتَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ: عَمٍ «٣» . وقوله: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤) . تَقُولُ للرجل الَّذِي لا يفهم قولك: أنت تنادى من بعيد، تقول للفَهِم: إنك لتأخذ الشيء من قريب. وجاء فِي التفسير: كأنما «٤» ينادون [من السماء] «٥» فلا يسمعون «٦» . وقوله: وَما تَخْرُجُ مِنْ ثمرة «٧» من أكمامها (٤٧) . قشر الكفرّاة «٨» كِمّ، وقرأها أهل الحجاز «٩» : «وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ» «١٠» . وقوله: قالُوا آذَنَّاكَ (٤٧) . هَذَا من قول الآلهة التي كانوا يعبدونها فِي الدنيا. قَالُوا: أعلمناك ما منا من شهيد بما قَالُوا. وقوله: لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ (٤٩) . وفى «١١» قراءة عبد الله: «من دعاء بالخير» «١٢» . وقوله: فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١) يَقُولُ: ذو دعاء كَثِير إن وصفته بالطول والعرض فصواب:

стр. 963

وقوله: [١٦٧/ ١] أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ (٥٣) . [أَنَّهُ إن شئت جعلتَ أنَّ فِي موضع خفض عَلَى التكرير: أَوْ لم يكف بربك بأنه عَلَى كل شيء شهيد، وإن شئتَ جعلته رفعا عَلَى قولك: أَوْ لم يكف بربك] «١» شهادته عَلَى كل شيء، والرفع أحبّ إلىّ. ومن سورة عسق قوله : عسق «٢» . ذكر عَنِ ابْنِ عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: حم سق، ولا يجعل فيها عينا، ويقول: السين كل فرقة تكون، والقاف كل جماعة تكون. قال الفراء: [و] «٣» رأيتها فِي بعض مصاحف (عَبْد اللَّه) «حم سق» «٤» كما قَالَ ابْنُ عَبَّاس. وقوله: كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ (٣) . (حم عسق) يُقال: إنها أوحيت إلى كل نبي، كما أوحيت إلى محمد صلى الله عليه. قَالَ ابن عَبَّاس: وبها كَانَ عليّ بْن أَبِي طَالِب يعلم الفتن. وَقَدْ قَرَأَ بعضهم: «كذلك يوحى» ، لا يُسَمِّي فاعلَه «٥» ، ثُمَّ ترفع «٦» اللَّه العزيز الحكيم يرد الفعل إِلَيْه. كما قَرَأَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمي «وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ» «٧» ثم قال: (شركاؤهم) «٨» أي زينه «٩»

стр. 964

لهم شركاؤهم ومثله قول من قرأ: «يُسَبِّحُ لَهُ «١» فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ» «٢» ثم تقول «٣» : (رجال) فترفع «٤» يريد: يسبح له رجال. وقوله: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها (٧) وأمّ القرى: مكة ومن حولها من العرب «وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ» . معناه: وتنذرهم يوم الجمع، ومثله قوله: «إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ» «٥» معناه: يخوفكم أولياءه. وقوله: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) . رفع بالاستئناف كقولك: رأيت الناس شقي وسعيد، ولو كان فريقا في الجنة، وفريقا في السعير كان صوابا، والرفع أجود في العربية. وقوله: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً (١١) . يقول: جعل لكل شيء من الأنعام زوجا ليكثروا ولتكثروا. وقوله «٦» : يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ (١١) معنى فيه: أي به، والله أعلم. وقوله: فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ (١٥) ، أي فلهذا القرآن ومثله كثير في القرآن «٧» ، قد ذكرناه، هذا فى موضع ذلك، وذلك في موضع هذا، والمعنى: فإلى ذلك فادع. كما تقول [١٦٧/ ب] دعوت إلى فلان، ودعوت لفلان. وقوله: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى (٢٣) . ذكر: أن الأنصار جمعت للنبي صلى الله عليه- نفقة يستعين بها على ما ينوبه في أصحابه، فأتوا بها النبي- صلى الله عليه-، فقالوا: إن الله قد هدانا بك، وأنت ابن

стр. 965

أختنا فاستعن بهذه النفقة على ما ينوبك، فلم يقبلها، وأنزل الله في ذلك: قل لهم «١» لا أسألكم على الرسالة أجرا إلا المودة في قرابتي بكم. وقال ابن عباس: «لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» في قرابتي من قريش. وقوله: وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ (٢٤) . ليس بمردود على «يختم» ، فيكون مجزوما «٢» ، هو مستأنف في موضع رفع، وإن لم تكن فيه واو في الكتاب، ومثله مما حذفت منه الواو «٣» وهو في موضع رفع قوله: «وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ» «٤» وقوله: «سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ» «٥» . وقوله: وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥) . ذكر العباد، ثم قال: (ويعلم ما تفعلون) كأنه خاطبهم، والعوام يقرءونها بالياء «٦» . حدثنا الفراء «٧» قال: حدثني قيس عن رجل قد سماه عن بكير بن الأخنس عن أبيه قال: قرأت من الليل: «ويعلم ما تفعلون» فلم أدر أأقول: يفعلون أم تفعلون؟ فغدوت إلى عبد الله بن مسعود لأسأله عن ذلك، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، رجل ألم بامرأة في شبيبة، ثم تفرقا وتابا، أيحل له أن يتزوجها؟ قال، فقال عبد الله رافعا صوته: «وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ، وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ» (٢٥) . قال الفراء: وكذلك قرأها علقمة «٨» بن قيس وإبراهيم ويحيى بن وثاب «٩» وذكر عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ: أَنَّهُ قَرَأَ كذلك بالتاء.

стр. 966

وقوله: وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا [وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ] «١» (٢٦) . يكون الَّذِينَ فِي موضع نصب بمعنى: ويجيب اللَّه الَّذِينَ آمنوا، وَقَدْ جاء فِي التنزيل: «فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ» «٢» ، والمعنى، والله أعلم: فأجابهم ربهم، إلّا أنك إِذَا قلت: استجاب أدخلت اللام فِي المفعول بِهِ، وإذا قلت: أجاب حذفت اللام، ويكون استجابهم بمعنى: استجاب لهم، كما قَالَ: «وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ» «٣» المعنى، والله أعلم: وإذا كالوا لهم أو وزنوا لهم، يُخْسرون ويكون الَّذِينَ- فِي موضع رفع يجعل الفعل لهم أي: الذين آمنوا يستجيبون لله ويزيدهم اللَّه عَلَى إجابتهم والتصديق من فضله. وقوله: خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ [١٦٨/ ١] فِيهِما مِنْ دابَّةٍ (٢٩) . أراد: وما بث فِي الأرض دون السماء، بذلك جاء فِي التفسير ومثله مما ثنى ومعناه واحد قوله: «يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ» «٤» وإنما يخرج من الملح دون العذاب. وقوله: وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) ويعلَمَ الَّذِينَ مردودة عَلَى الجزم إلا أَنَّهُ صُرف والجزم إِذا صُرف عَنْهُ معطوفُه نصب كقول الشَّاعِر: فإن يهلِك أَبُو قابوسَ يهِلِك ... ربيعُ الناسِ والبلدُ الحرامُ ونُمسكَ بعده بذناب عَيْشٍ ... أجبِّ الظهرِ ليس لَهُ سَنام «٥» والرفع جائز فِي المنصوب عَلَى الصرف «٦» . وَقَدْ قَرَأَ بذلك قوم فرفعوا «٧» : «وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ» (٣٥) ومثله مما استؤنف فرفع

стр. 967

قوله: «ثُمَّ «١» يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ» فِي براءة ولو جزم ويعلمُ- جازم كان مصيبا وقوله: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كبير «٢» الإثم (٣٧) . قرأه يَحيى بْن وثاب «كبير» «٣» : وفسر عَنِ ابْنِ عَبَّاس: أن كبير الإثم هُوَ الشرك فهذا موافق لمن قَرَأَ: كبير [الإثم] «٤» بالتوحيد وقرأ العوام: «كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ» . فيجعلون كبائر كأنه شيء عام، وهو فِي الأصل واحد، وكأني أستحبّ لمن قَرَأَ: كبائر أن يخفض الفواحش لتكون الكبائر مضافةً إلى مجموع إِذ كانت جمعًا قَالَ: وما سمعت أحدًا من القراء خفض الفواحش. وقوله «٥» : وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) . نزلت خاصة فِي أَبِي بَكْر الصديق ﵀ «٦» ) ، وذلك: أن رجلًا من الأنصار وقع بِهِ عند رَسُول اللَّه فسبّه، فلم يردد عَلَيْهِ أَبُو بَكْر ولم يَنْهَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه الْأَنْصَارِيّ فأقبل عَلَيْهِ أَبُو بَكْر فرد عَلَيْهِ، فقام النبي- صلى الله عليه- كالمغضب واتبعه أَبُو بَكْر فَقَالَ: يا رَسُول اللَّه، ما صنعتَ بي أشدّ عليّ مما صنع بي: سبني فلم تَنْهَهُ، ورددتُ عَلَيْهِ فقمت كالمغضب، فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ-: كَانَ الملك يرد عَلَيْهِ إِذَا سكتَّ، فلما رددتَ عَلَيْهِ رجع الملك، فوثبتُ معه فنزلت هذه الآية. وفسرها شريك عَنِ الْأَعْمَش عنْ إِبْرَاهِيم في قوله: «وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ» ، قالوا» : كانوا يكرهون أن بذلوا أنفسهم للفساق فيجترئوا عليهم. وقوله: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ [١٦٨/ ب] فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) نزلت أيضًا فِي أَبِي بَكْر. وقوله: يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ (٤٥) .

стр. 968

قال بعضهم: يُخفونه من الذل الذي بهم، وقال بعضهم: نظروا إلى النار بقلوبهم، وَلم يروها بأعينهم لأنهم يحشرون عميًا. وقوله «١» : وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ (٤٨) . وإنما ذكر قبلهم الإنسان مفردًا، والإنسان يكون واحدًا، وفي معنى جمع فردّ الهاء والميم على التأويل، ومثل قوله: «وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً «٢» » يراد به: كل الناس، ولذلك جاز فيه الاستثناء وهو موحّد في اللفظ كقول الله «إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا «٣» » ، ومثله: «وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ «٤» » ثم قال: «لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ» وإنما ذكر ملكا لأنه في تأويل جمع. وقوله: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً (٤٩) . محضًا لا ذكور فيهن، وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذكور محضا لا إناث فيهم، أو يزوجهم يقول: يجعل بعضهم بنين، ويجعل بعضهم بنات ذلك التزويج في هذا الموضع. والعرب تقول: له بنون شِطْرة «٥» إذا كان نصفهم ذكورًا، ونصفهم إناثًا، ومعنى هذا- والله أعلم- كمعنى ما في كتاب الله. وقوله: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً (٥١) . كما كان النبي صلى الله عليه يرى فِي منامه، ويُلْهَمُه، أَوْ مِنْ وَرَاءِ حجاب، كما كلّم مُوسَى من وراء حجاب، أَوْ يرسل رسُولًا ملكًا [من ملائكته «٦» ] فيوحى بإذنه، ويكلم النَّبِيّ بما يشاء اللَّه «٧» [وذلك «٨» فِي قوله: «أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا» (٥١) الرفع والنصب أجود. قَالَ الفراء: رفع نافع المدينيّ، ونصبت العوام] ومن رفع «يرسل» «٩» قَالَ: «فيوحي» مجزومة الياء «١٠» .

стр. 969

وقوله: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ، وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً (٥٢) . يعني التنزيل، وقال بعضهم: أراد القرآن والإيمان، وجاز أن يَقُولُ «١» : جعلناه لاثنين لأن الفعل فِي كثرة أسمائه يضبطه الفعل، ألا ترى أنك تَقُولُ: إقبالك وَإِدبارك يغمني، وهما اثنان فهذا من ذلك. ومن سورة الزخرف قوله : أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ (٥) . قَرَأَ الْأَعْمَش: «إن كنتم» بالكسر، وقرأ عاصم والحسن «٢» : «ان كنتم» بفتح (أن) [١٦٩/ ١] ، كأنهم أرادوا شيئًا ماضيًا، وأنت تَقُولُ فِي الكلام: أأسُبَّك أن حرمتني؟ تريد إذ حرمتني، وتكسر إِذا أردت أأسبك إن حرمتني «٣» ، ومثله: «وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ» «٤» تكسر (إن) وتفتح «٥» . ومثله: «فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ» «٦» «إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا» «٧» ، و «إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا» «٨» ، والعرب تنشد قول الفرزدق. أتجزع إن أذنا قُتَيْبَة حزتا ... جهارًا، ولم تجزع لقتل ابْنُ خازم؟ «٩»

стр. 970

وَأنشدوني: أتجزع أن بان الخليط المودّع ... وحبل الصَّفَا من عزة المتقطع؟ «١» وفي كل واحد من البيتين ما فِي صاحبه من الكسر والفتح، وَالعرب تَقُولُ: قَدْ أضربت عنك، وَضربت عنك إِذا أردت بِهِ: تركتك، وَأعرضت عنك. وقوله: لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ (١٣) . يَقُولُ القائل: كيف قَالَ: «عَلَى ظهوره» ، فأضاف الظهور إلى واحد؟ يُقال لَهُ: إن ذَلِكَ الواحد فِي معنى جمع بمنزلة الجند والجيش والجميع، فإن قَالَ: فهلا قلت: لتستووا عَلَى ظهره «٢» ، فجعلت الظهر واحدًا إِذَا أضفته إلى واحد؟ قلت: إن الواحد فِيهِ معنى الجمع، فرددت الظهور «٣» إلى المعنى ولم تقل: ظهره، فيكون كالواحد الَّذِي معناه ولفظه واحد، فكذلك تقول: قد كثرت نساء الجند، وقلت: ورفع الجند أعينه ولا تقل «٤» عينه. وكذلك كل ما أضفت إِلَيْه من الأسماء الموضوعة، فأَخْرِجها عَلَى الجمع، فإذا أضفت إِلَيْه اسما فِي معنى فعل جاز جمعه وتوحيده مثل قولك: رفع الجند صوته وأصواته أجود، وجاز هَذَا لأن الفعل لا صورة لَهُ فِي الاثنين إلا كصورته فِي الواحد. وقوله: وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) . مطيقين، تَقُولُ «٥» للرجل: قَدْ أقرنتَ لهذا أي أطقتَه، وصرتَ لَهُ قرِنا. وقوله: ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا (١٧) . الفعل للوجه، فلذلك نصبت الفعل، ولو جعلت «ظلّ» للرجل رفعت الوجه والمسود، فقلت: ظل وجهه مسودّ وهو كظيم.

стр. 971

وقوله «١» : أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ (١٨) . يريد الإناث، يَقُولُ: خصصتم الرَّحْمَن بالبنات، وأنتم هكذا إِذَا ولد لأحدكم بِنْت أصابه ما وصف، فأما قوله: «أومن» فكأنه قَالَ: ومن لا ينشأ «٢» إلّا فِي الحلية وهو فِي الخصام غير مبين، يَقُولُ: لا يبلغ من الحجة ما يبلغ الرجل، وفى قراءة عبد الله: «أومن لا ينشّؤا إلّا فى الحلية» ، فإن شئت [١٦٩/ ب] جعلت «مَن» فِي موضع رفع «٣» عَلَى الاستئناف، وإن شئت نصبتها «٤» عَلَى إِضمار فعل يجعلون ونحوه، وإن رددتها عَلَى أول الكلام على قوله: «وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ» خفضتها [وإن شئت نصبتها] «٥» ، وقرأ يَحْيَى بْن وثاب وأصحاب عَبْد اللَّه والحسن الْبَصْرِيّ: «يُنَشَّأُ» ، وقرأ عاصم وأهلُ الحجاز: يَنْشَأُ «٦» فِي الحلية: وقوله: عِبادُ الرَّحْمنِ (١٩) . قرأها عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وعلقمة، وأصحاب عَبْد اللَّه: «عباد الرَّحْمَن» ، وذكر [عنْ] «٧» عُمَر ﵀ أَنَّهُ قرأها: «عند الرَّحْمَن» ، وكذلك عاصم، وأهل الحجاز» ، وكأنهم أخذوا «٩» ذَلِكَ من قوله: «إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ» «١٠» ، وكل صواب. وقوله «١١» : أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ (١٩) .

стр. 972

نصب الألف من «أشهدوا» عاصم، والأعمش، ورفعها أهل الحجاز عَلَى تأويل: أُشْهدوا خلقهم لأنه لم يسم فاعله، والمعنى واحد. قرءوا بغير همز يريدون الاستفهام «١» قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: كذا قَالَ الفراء. وقوله: بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ (٢٢) . قرأها القراء بضم الأَلِفِ من «أُمّة» ، وكسرها مجاهد، وعمر بْن عَبْد العزيز «٢» ، وكأن الإمّة مثل السنة والملة، وكأن الإمّة الطريقة: والمصدر من أممت القوم، فإن العرب تَقُولُ: ما أحسن إمته وعمّته وجِلْسته إِذَا كَانَ مصدرًا، والإمة أيضا الملك والنعيم. قَالَ عدي: ثُمَّ بعد الفلاح والملك والإمّة ... وارثهم هناك القبورُ «٣» فكأنه أراد إمامة الملك ونعيمه. وقوله: وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) ومُقْتَدُونَ (٢٣) . رُفعتا ولو كانتا نصبا لجاز ذَلِكَ لأنّ الوقوف يحسن دونهما، فتقول للرجل: قدمت ونحن بالأثر متبعين ومتبعون. وقوله: إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) . العرب تَقُولُ: نَحْنُ منك البراء والخلا، والواحد والاثنان والجميع من المؤنث والمذكر يُقال فِيهِ: براء لأنه مصدر، ولو قال: (برىء) لقيل فِي الاثنين: بريئان، وفي القوم: بريئون وبرءاء، وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه: «إنَّني برى مِمَّا تَعْبُدُون» «٤» ولو قرأها قارئ كَانَ صوابا موافقا لقراءتنا «٥» لأن العرب تكتب: يستهزىء يستهزأ فيجعلون الهمزة مكتوبة بالألف فِي كل حالاتها. يكتبون شيء شيأ ومثله كَثِير في مصاحف عبد الله، وفى مصحفنا: ويهيىء لكم، ويهيأ بالألف.

стр. 973

وقوله: [١٧٠/ ١] وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ (٢٨) . اسم الْإِسْلَام، يَقُولُ لازمة لمن اتبعه، وكان من وَلَدِه، لعل أهل مكَّة يتبعون هَذَا الدين إِذَا كانوا من ولد إِبْرَاهِيم صَلَّى الله عليه، فذلك قوله: «لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» إلى دينك ودين إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّهُ عليهما. وقوله: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) . ومعناه: عَلَى أحد رجلين عنَى نفسه، وأبا مَسْعُود الثقفي، وقال هَذَا الوليدُ بْن المغيرة المخزومي، والقريتان: مكَّة والطائف. وقوله: وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ (٣٢) . فرفعنا المولى فوق عبده، وجعلنا بعضهم يسبي بعضا، فيكون العبد والذي يُسْبَى مسخَّرين لمن فوقهما. وقوله: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا (٣٢) ، و «سخريّا» وهما واحد هاهنا وفي: «قَدْ أَفْلَحَ» «١» ، وفي ص- سواء «٢» الكسر فيهن والضم لغتان «٣» . وقوله: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً (٣٣) . أن فِي موضع رفع. وقوله لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ (٣٣) . إن شئت جعلت اللام مكررة فِي لبيوتهم، كما قال: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ» «٤» ، وإن شئت جعلت اللامين مختلفتين كأنّ الثانية فِي معنى عَلَى كأنه قَالَ: لجعلنا لهم عَلَى بيوتهم سقفًا، وتقول للرجل فِي وجهه: جعلت لَكَ لقومك الأعطية، أي جعلته من أجلك لهم.

стр. 974

و (السُّقُف) قرأها عاصم والأعمش والحسن «سُقُفًا» وإن شئت جعلت واحدها سقيفة، وإن شئت جعلت سقوفا، فتكون «١» جمع الجمع كما قَالَ الشَّاعِر: حَتَّى إِذَا بلت حلاقيم الحُلُق «٢» ... أهوى لأدْنى فقرة عَلَى شفق ومثله قراءة من قَرَأَ «كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ» «٣» ، وهو جمع «٤» ، وواحده ثمار، وكقول من قَرَأَ: «فَرُهُنٌ «٥» مَقْبوضَة» «٦» واحدها رهان ورهون. وقرأ مجاهد وبعض أهل الحجاز «سَقْفًا» كالواحد مخفف لأن السَّقف مذهب الجماع «٧» . وقوله: وَزُخْرُفاً (٣٥) . وهو الذهب، وجاء فِي التفسير نجعلها لهم من فضة ومن زخرف، فإذا ألقيت من الزخرف نصبته عَلَى الفعل توقعه عَلَيْهِ أي وزخرفا، تجعل ذَلِكَ لهم مِنْهُ، وقال آخرون: ونجعل لهم مَعَ ذَلِكَ ذهبا وغنى مقصور «٨» فهو أشبه «٩» الوجهين بالصواب. وقوله: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ (٣٦) . يريد: ومن يعرض عَنْهُ، ومن قرأها: «ومن يَعْشَ عنْ» يريد «١٠» : يَعْمَ عَنْهُ. وقوله: وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ (٣٧) . يريد الشيطان وهو فى [١٧٠/ ب] مذهب جمع، وإن كَانَ قَدْ لفظ بِهِ واحدا يَقُولُ: وإن الشياطين ليصدونهم عَنِ السبيل ويحسبون هم «١١» أنهم مهتدون.

стр. 975

وقوله: حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ «١» (٣٨) . فيقال: (جاءنا) لأحدهما، وجاءنا الإنسي وقرينه، فقرأها جاءانا بالتثنية عاصم والسُّلَمي والحسن وقرأها أصحاب عبد الله يحيى بن وثاب وإبراهيم بن يزيد النخعي (جاءنا) على التوحيد «٢» ، وهو ما «٣» يكفي واحده من اثنيه، ومثله قراءة من قرأ (كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ «٤» ، يقول: ينبذ هو وماله، (ولَيُنْبَذَنَّ) والمعنى واحد. وقوله: يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ (٣٨) . يريد: ما بين مشرق الشتاء ومشرق الصيف، ويقال: إنه أراد المشرق والمغرب «٥» : فقال المشرقين، وهو أشبه الوجهين بالصواب لأن العرب قد تجمع الاسمين على تسمية أشهرهما، فيقال: قد جاءك الزهدمان، وإنما أحدهما زهدم «٦» ، قال «٧» الشاعر: أخذنا بآفاق السماء عليكمُ ... لنا قمراها والنجوم الطوالع» يريد: الشمس والقمر «٩» . وقال الآخر: قسموا البلاد فما بها لمقيلهم ... تضغيث مفتصل يباع فصيله «١٠» فقرى العراق مسير يوم واحد ... فالبصرتان فواسط تكميله يريد: البصرة والكوفة.

стр. 976

قال، وأنشدنى رجل من طيىء: فبصرة الأزد منا، والعراق لنا ... والموصلان ومنا مصر فالحرم يريد: الجزيرة، والموصل. وقوله: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) . يقول: لن ينفعكم اشتراككم يعني [الشيطان] «١» وقرينه. وأنكم في موضع رفع. وقوله: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ (٤٤) . لَشَرف لك ولقومك، يعني: القرآن والدين، وسوف تسألون عن الشكر عليه. وقوله «٢» : وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ (٤٥) . يقول القائل: وكيف أمر أن يسأل «٣» رسلا قد مضوا؟ ففيه وجهان: أحدهما: أن يسأل أهل التوراة والإنجيل، فإنهم إنما يخبرونه عن كتب الرسل التي جاءوا بها، فإذا [سأل] «٤» الكتب فكأنه سأل الأنبياء «٥» . وقال «٦» بعضهم: إنه سيسرى بك يا محمد فتلقى الأنبياء فسلهم عن ذلك، فلم يشكك صلى الله عليه ولم يسلهم «٧» . وقوله [١٧١/ ا] : أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥) . قال: (يُعبدَون) للآلهة، ولم يقل: تعبد «٨» ولا يُعْبَدن، وذلك أن الآلهة تُكلَّم ويدعى لها وتعظَّم، فأُجريت مُجرى الملوك والأمراء وما أشبههم.

стр. 977

وقوله: وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها (٤٨) . يريد: من الآية التي مضت قبلها. وقوله: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ (٥٢) . من الاستفهام الذي جعل بأم لاتصاله بكلام قبله، وإن شئت رددته على قوله: «أَلَيْسَ لى ملك مصر» (٥١) . [حدثنا محمد قال] «١» حدثنا الفراء قال: وقد أخبرني بعض المشيخة أظنه الكسائي: أنه بلغه أن بعض القراء قرأ: «أَمَا أنا خير» ، وقال لي هذا الشيخ: لو حفظت الأثر فيه لقرأت به، وهو جيد في المعنى «٢» . وقوله: فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أساورة من ذهب (٥٣) . يريد: فهلا ألقي عليه أساورة من ذهب «٣» ، قرأها يحيى بن وثاب «أساورة من ذهب» «٤» ، وأهل المدينة، وذكر عَنِ الحسن: (أَسْوِرَةٌ) «٥» ، وكل صواب. ومن قرأ: «أساورة» ، جعل واحدها إسوارا، ومن قرأ: «أَسْوِرَةٌ» فواحدها سوار، وقد تكون الأساورة جمع أسورة كما يقال في جمع: الأسقية: أساقي «٦» ، وفي جمع الأَكرُع: أكارع «٧» . وقوله: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ (٥٤) يريد: استفزهم. وقوله: فَلَمَّا آسَفُونا (٥٥) يريد: أغضبونا.

стр. 978

وقوله: فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً (٥٦) . [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ] «١» حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي القاسم بن مَعْن عَن الْأَعْمَش عَن يَحْيَى بْن وثاب أَنَّهُ قرأها: (سُلُفا) مضمومة مثقلة، وزعم القاسم [ابن معن] «٢» أَنَّهُ سَمِعَ واحدها سليف، والعوام بعد يقرءون: (سلف) «٣» . [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ] «٤» حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عيينة أن الأعرج قرأها: (فجعلناهم سُلُفا) كأن واحدته سُلفة من النَّاس أي قطعة من النَّاس مثل أمّة «٥» . وقوله مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) . [حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ] «٦» حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْر بْن عياش عنْ عاصم: أَنَّهُ ترك يَصُدون من قراءة أَبِي عَبْد الرَّحْمَن، وقرأ يصِدون. (قَالَ الْفَرَّاءُ) «٧» ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنِي عَاصِمٌ عَنْ أَبِي رَزِينٍ عَنْ أَبِي يحيى: أن ابن عباس [١٧١/ ب] قرأ: (يصدون) أي: يضجون يَعِجِّونَ «٨» . وفي حديث آخر: أن ابْنُ عَبَّاس لقي ابْنُ أخي عُبَيْد بْن عمير «٩» فَقَالَ: ان ابن عمك «١٠» لعربى

стр. 979

فما لَهُ يلحن فِي قوله: (إِذَا قومك مِنْهُ يصُدون) إنَّما هِيَ يصِدون، العرب تَقُولُ: يصِد ويصُد «١» مثل: يشِد ويشُد، وينِم وينُم من النميم. يصدون مِنْهُ وعنه سواء. وقوله: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ (٦١) وفي قراءة أُبَيّ: «وَإِنَّهُ لذكر للساعة» ، وَقَدْ روى عَنِ ابْنِ عَبَّاس: «وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ «٢» لِلسَّاعَةِ» و (عِلْمٌ) جميعًا، وكلٌّ صواب متقارب فِي المعنى. وقوله: يَا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ «٣» (٦٨) . وهي في قراءة أهل المدينة: «يا عبادي» . بإثبات الياء، والكلام وقراءة العوام على حذف الياء. وقوله: وَأَكْوابٍ (٧١) . والكوب: المستدير الرأس الذي لا أذن له، قال عدي: خيرٌ لها إن خشيت حجرة ... من ربِّها زيدِ بن أيوبِ متكئا تصفق أبوابه ... يَسِقي عليه العبد بالكوب وقوله: تَشْتَهِي الأَنْفُس (٧١) ، وفي مصاحف «٤» أهل المدينة: تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ» . وقوله: لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) فى العذاب. وفى قراءة عبد الله: (وهم فيها مبلسون) ، ذهب إلى جهنم، والمبلس: القانط اليائس من النجاة «٦» . وقوله: وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) . جعلت (هم) هاهنا عمادًا، فنصب الظالمين، ومن جعلها اسمًا رفع، وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه: (ولكن كانُوا هم الظّالمون) .

стр. 980

وقوله: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً (٧٩) . يريد: أبرموا أمرًا ينجيهم من عذابنا عند أنفسهم، فإنا مبرمون معذبوهم. وقوله: وَقِيلِهِ يَا رَبِّ (٨٨) . خفضها عاصم والسلمي وحمزة وبعض أصحاب عبد الله، ونصبها أهل المدينة والحسن فيما أعلم «١» فمن خفضها قال: «عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ» وعلم «قيله يا رب» . ومن نصبها أضمر معها قولا، كأنه قال: وقال قوله، وشكا شكواه إلى ربه وهى فى إحدى القراءتين [١٧٢/ ا] . قال الفراء «٢» : «٣» لا أعلمها إلا في قراءة أبي، لأني رأيتها في بعض مصاحف عبد الله [على] «٤» وقيله، ونصبها أيضًا يجوز «٥» من قوله: «نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ» ، ونسمع قيله، ولو قال قائل: وقيلُه رفعا كان جائزا، كما تقول: ونداؤه هذه الكلمة: يا رب، ثم قال: «فَاصْفَحْ عَنْهُمْ» ، فوصله بدعائه كأنه من قوله وهو من أمر الله أمره أن يصفح، أمره بهذا قبل أن يؤمر بقتالهم. وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩) . رفع سلام بضمير عليكم وما أشبهه، ولو كان: وقل سلامًا كان صوابًا، كما قال: «قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ» «٦» .

стр. 981

ومن سورة الدخان قوله : يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) . أَمْراً (٥) هو منصوب بقوله: يفرق، على معنى يفرق كل أمر فرقَا وأمرا «١» وكذلك. قوله: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ (٦) ، يفرق ذلك رحمة من ربك، ويجوز أن تنصب الرحمة بوقوع مرسلين عليها، تجعل الرحمة هى النبي صلّى الله عليه. وقوله: رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (٧) . «٢» خفضها الْأَعْمَش وأصحابه، ورفعها أهل المدينة، وَقَدْ «٣» خفضها الْحَسَن أيضًا عَلَى أن تكون تابعة لربك رب السموات. ومن رفع «٤» جعله تابعًا لقوله: «إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» ، ورفع أيضًا آخر «٥» عَلَى الاستئناف كما قَالَ: «وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ» «٦» . وقوله: تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ «٧» هذا عَذابٌ (١١) . كان النبي صلّى الله عليه دعا عليهم، فَقَالَ: اللهم أشدد وطأتك عَلَى مضمر، اللهم سنين كَسِنيِ يُوسف، فأصابهم جوعٌ، حتّى أكلوا العظام «٨» والميتة، فكانوا يرون فيما بينهم وبين السماء دخانا.

стр. 982

وقوله: يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) . يراد بِهِ ذَلِكَ عذاب، وَيُقَال: إن النَّاس كانوا يقولون: هَذَا الدخان عذاب. وقوله: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) . يُقال: عائدون إلى شرككم، وَيُقَال: عائدون إلى عذاب الآخرة. وقوله: يَوْمَ نَبْطِشُ (١٦) . يعنى: يوم بدر، وهى البطشة الكبرى. [١٧٢/ ب] وقوله: رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) . أي عَلَى ربه كريم «١» ، ويكون كريم من قومه «٢» لأنَّه قَالَ «٣» : ما بعث نبي إلا وهو فِي شرف «٤» قومه. وقوله: أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ (١٨) . يَقُولُ: ادفعوهم إليَّ، أرسلوهم معي، وهو قوله: «فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ» . ويقال: أن أدّوا إلىّ يا عباد اللَّه، والمسألة الأولى نصب فيها العباد بأدوا. وقوله: أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) . الرجم هاهنا: القتل وقوله: وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) . يَقُولُ: فاتركون لا عليّ، ولا لي وقوله: فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ «٥» قَوْمٌ (٢٢) . تفتح (أنَّ) ، ولو أضمرت القول فكسرتها لكان صوابا.

стр. 983

وقوله: وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً (٢٤) . يَقُولُ: ساكنًا، قَالَ: وأنشدني أَبُو ثروان: كأنما أهلُ حجر ينظرون مَتى ... يَرَونَني خارجًا طير تَنَادِيد «١» طيرٌ رأَتْ بازيًا نَضْخُ «٢» الدماء بِهِ ... أَوْ أمةٌ «٣» خرجَتْ رهوًا «٤» إلى عيد وقوله: وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) . يقال: منازل حسنة، ويقال: المنابر. [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ] «٥» حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي أبو شعيب عن منصور ابن المعتمر عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبير في قوله: «فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ» (٢٩) قال: يبكي على المؤمن من الأرض مصلَاه، ويبكي عليه من السماء مصعد عمله. قال الفراء: وكذلك ذكره حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عباس «٦» . وقوله: مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠) وفي حرف عبد الله: «مِنْ عَذَابِ المُهين» «٧» . وهذا مما أضيف إلى نفسه لاختلاف الاسمين مثل قوله: وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ «٨» مثل قوله: «٩» «وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه: «وَذَلِكَ الدينُ القَيِّمة» «١٠» .

стр. 984

وقوله: وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣) . يريد: نعم مبينّة، منها: أن أنجاهم من آل فرعون، وظللهم بالغمام، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى، وهو كما تَقُولُ للرجل: إن بلائي عندك لحسن، وَقَدْ قيل فيهما: إن البلاء عذاب، وكلٌّ صواب. وقوله: فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦) . يخاطبون النبي- صلى الله عليه- وحده، وهو كقوله: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ» «١» فِي كَثِير من كلام العرب، أن تجمع العرب فعل الواحد، مِنْهُ قول اللَّه : «قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ» «٢» . وقوله: إِلَّا بِالْحَقِّ (٣٩) . يريد: للحق. وقوله: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) . يريد: الأولين والآخرين، ولو نصب (ميقاتهم) لكان صوابًا يجعل «٣» اليوم صفة، قَالَ: أنشدني بعضهم: لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكم «٤» ... يوم الرحيل فعلت «٥» ما لم أفعل فنصب: يوم الرحيل، عَلَى أَنَّهُ صفة «٦» . وقوله: إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ (٤٢) . فإن المؤمنين يشفّع بعضهم فِي بعض، فإِن شئت فاجعل- من- فِي موضع رفع، كأنك قلت: لا يقوم أحد إلا فلان، وإن شئت جعلته نصبًا عَلَى الاستثناء والانقطاع عنْ أول الكلام تريد: اللهم إلَّا من رحمت.

стр. 985

وقوله: طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) . يريد: الفاجر. وقوله: كَالْمُهْلِ تَغْلِي (٤٥) قرأها كَثِير من أصحاب عَبْد اللَّه: «تغلى» ، وَقَدْ ذُكرت عنْ عَبْد اللَّه، وقرأها أهل المدينة كذلك، وقرأها الْحَسَن «يَغْلِي» «١» . جعلها للطعام أَوْ للمهل، ومن أنثها ذهب إلى تأنيث الشجرة. ومثله قوله: «أَمَنَةً نُعاساً» «٢» تغشى ويغشى فالتذكير للنعاس، والتأنيث للأمَنَة، ومثله: «أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ تُمْنَى» «٣» التأنيث للنطفة، والتذكير من المنى. وقوله: فَاعْتِلُوهُ (٤٧) . قرأها بالكسر عاصم والأعمش، وقرأها أهل المدينة: «فَاعْتِلُوهُ» . بضم التاء «٤» . وقوله: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) . قرأها القراء بكسر الألف حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا «٥» الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ عَنْ حُجْرٍ «٦» عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «٧» عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: «ذُقْ إِنَّكَ» بِفَتْحِ الْأَلِفِ «٨» . وَالْمَعْنَى فِي فَتْحِهَا: ذُقْ بِهَذَا الْقَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ فِي الدُّنْيَا، وَمَنْ كَسَرَ حَكَى قوله، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ لقى النبي- صلّى الله عليه- قال: فأخذه النبي صلّى الله عليه فَهَزَّهُ، ثُمَّ قَالَ [لَهُ] «٩» : أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ أَوْلَى «١٠» فَأَنْزَلَهَا «١١» اللَّهُ كَمَا قَالَهَا النبي صلّى الله
следующие страницы →