← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23634

معاني القرآن للفراء

يحيى بن زياد الفراء

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

ومن سورة الدخان قوله : يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) . أَمْراً (٥) هو منصوب بقوله: يفرق، على معنى يفرق كل أمر فرقَا وأمرا «١» وكذلك. قوله: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ (٦) ، يفرق ذلك رحمة من ربك، ويجوز أن تنصب الرحمة بوقوع مرسلين عليها، تجعل الرحمة هى النبي صلّى الله عليه. وقوله: رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (٧) . «٢» خفضها الْأَعْمَش وأصحابه، ورفعها أهل المدينة، وَقَدْ «٣» خفضها الْحَسَن أيضًا عَلَى أن تكون تابعة لربك رب السموات. ومن رفع «٤» جعله تابعًا لقوله: «إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» ، ورفع أيضًا آخر «٥» عَلَى الاستئناف كما قَالَ: «وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ» «٦» . وقوله: تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ «٧» هذا عَذابٌ (١١) . كان النبي صلّى الله عليه دعا عليهم، فَقَالَ: اللهم أشدد وطأتك عَلَى مضمر، اللهم سنين كَسِنيِ يُوسف، فأصابهم جوعٌ، حتّى أكلوا العظام «٨» والميتة، فكانوا يرون فيما بينهم وبين السماء دخانا.

стр. 982

وقوله: يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) . يراد بِهِ ذَلِكَ عذاب، وَيُقَال: إن النَّاس كانوا يقولون: هَذَا الدخان عذاب. وقوله: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) . يُقال: عائدون إلى شرككم، وَيُقَال: عائدون إلى عذاب الآخرة. وقوله: يَوْمَ نَبْطِشُ (١٦) . يعنى: يوم بدر، وهى البطشة الكبرى. [١٧٢/ ب] وقوله: رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) . أي عَلَى ربه كريم «١» ، ويكون كريم من قومه «٢» لأنَّه قَالَ «٣» : ما بعث نبي إلا وهو فِي شرف «٤» قومه. وقوله: أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ (١٨) . يَقُولُ: ادفعوهم إليَّ، أرسلوهم معي، وهو قوله: «فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ» . ويقال: أن أدّوا إلىّ يا عباد اللَّه، والمسألة الأولى نصب فيها العباد بأدوا. وقوله: أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) . الرجم هاهنا: القتل وقوله: وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) . يَقُولُ: فاتركون لا عليّ، ولا لي وقوله: فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ «٥» قَوْمٌ (٢٢) . تفتح (أنَّ) ، ولو أضمرت القول فكسرتها لكان صوابا.

стр. 983

وقوله: وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً (٢٤) . يَقُولُ: ساكنًا، قَالَ: وأنشدني أَبُو ثروان: كأنما أهلُ حجر ينظرون مَتى ... يَرَونَني خارجًا طير تَنَادِيد «١» طيرٌ رأَتْ بازيًا نَضْخُ «٢» الدماء بِهِ ... أَوْ أمةٌ «٣» خرجَتْ رهوًا «٤» إلى عيد وقوله: وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) . يقال: منازل حسنة، ويقال: المنابر. [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ] «٥» حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي أبو شعيب عن منصور ابن المعتمر عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبير في قوله: «فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ» (٢٩) قال: يبكي على المؤمن من الأرض مصلَاه، ويبكي عليه من السماء مصعد عمله. قال الفراء: وكذلك ذكره حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عباس «٦» . وقوله: مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠) وفي حرف عبد الله: «مِنْ عَذَابِ المُهين» «٧» . وهذا مما أضيف إلى نفسه لاختلاف الاسمين مثل قوله: وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ «٨» مثل قوله: «٩» «وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه: «وَذَلِكَ الدينُ القَيِّمة» «١٠» .

стр. 984

وقوله: وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣) . يريد: نعم مبينّة، منها: أن أنجاهم من آل فرعون، وظللهم بالغمام، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى، وهو كما تَقُولُ للرجل: إن بلائي عندك لحسن، وَقَدْ قيل فيهما: إن البلاء عذاب، وكلٌّ صواب. وقوله: فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦) . يخاطبون النبي- صلى الله عليه- وحده، وهو كقوله: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ» «١» فِي كَثِير من كلام العرب، أن تجمع العرب فعل الواحد، مِنْهُ قول اللَّه : «قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ» «٢» . وقوله: إِلَّا بِالْحَقِّ (٣٩) . يريد: للحق. وقوله: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) . يريد: الأولين والآخرين، ولو نصب (ميقاتهم) لكان صوابًا يجعل «٣» اليوم صفة، قَالَ: أنشدني بعضهم: لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكم «٤» ... يوم الرحيل فعلت «٥» ما لم أفعل فنصب: يوم الرحيل، عَلَى أَنَّهُ صفة «٦» . وقوله: إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ (٤٢) . فإن المؤمنين يشفّع بعضهم فِي بعض، فإِن شئت فاجعل- من- فِي موضع رفع، كأنك قلت: لا يقوم أحد إلا فلان، وإن شئت جعلته نصبًا عَلَى الاستثناء والانقطاع عنْ أول الكلام تريد: اللهم إلَّا من رحمت.

стр. 985

وقوله: طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) . يريد: الفاجر. وقوله: كَالْمُهْلِ تَغْلِي (٤٥) قرأها كَثِير من أصحاب عَبْد اللَّه: «تغلى» ، وَقَدْ ذُكرت عنْ عَبْد اللَّه، وقرأها أهل المدينة كذلك، وقرأها الْحَسَن «يَغْلِي» «١» . جعلها للطعام أَوْ للمهل، ومن أنثها ذهب إلى تأنيث الشجرة. ومثله قوله: «أَمَنَةً نُعاساً» «٢» تغشى ويغشى فالتذكير للنعاس، والتأنيث للأمَنَة، ومثله: «أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ تُمْنَى» «٣» التأنيث للنطفة، والتذكير من المنى. وقوله: فَاعْتِلُوهُ (٤٧) . قرأها بالكسر عاصم والأعمش، وقرأها أهل المدينة: «فَاعْتِلُوهُ» . بضم التاء «٤» . وقوله: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) . قرأها القراء بكسر الألف حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا «٥» الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ عَنْ حُجْرٍ «٦» عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «٧» عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: «ذُقْ إِنَّكَ» بِفَتْحِ الْأَلِفِ «٨» . وَالْمَعْنَى فِي فَتْحِهَا: ذُقْ بِهَذَا الْقَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ فِي الدُّنْيَا، وَمَنْ كَسَرَ حَكَى قوله، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ لقى النبي- صلّى الله عليه- قال: فأخذه النبي صلّى الله عليه فَهَزَّهُ، ثُمَّ قَالَ [لَهُ] «٩» : أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ أَوْلَى «١٠» فَأَنْزَلَهَا «١١» اللَّهُ كَمَا قَالَهَا النبي صلّى الله

стр. 986

عليه. ورد عليه أبو جهل، فقال: [و] «١» الله مَا تَقْدِرُ أَنْتَ وَلَا رَبُّكَ عَلَيَّ، إِنِّي لَأَكْرَمُ أَهْلِ الْوَادِي عَلَى قَوْمِهِ، وَأَعَزُّهُمْ فَنَزَلَتْ كَمَا قَالَهَا قَالَ: فَمَعْنَاهُ- فِيمَا نَرَى وَاللَّهُ أعلم-: انه توبيخ أي [١٧٣/ ب] ذُقْ فَإِنَّكَ كَرِيمٌ كَمَا زَعَمْتُ. وَلَسْتَ كَذَلِكَ. وقوله: فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) . قرأها الْحَسَن والْأَعْمَش وعاصم: (مَقامٍ) ، وقرأها أهل المدينة (فِي مُقام) بضم الميم «٢» . والمَقام بفتح الميم أجود فى العربية لأن المكان، والمُقام: الإقامة وكلٌّ صواب. وقوله: وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) وفي قراءة عَبْد اللَّه: «وَأَمْدَدْناهُمْ بِعِيسٍ عين» ، والعيساء: البيضاء. والحوراء كذلك. وقوله: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى (٥٦) . يَقُولُ القائل: كيف استثنى موتًا فِي الدنيا قَدْ مضى من موت فِي الآخرة، فهذا مثل قوله: «وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ» «٣» . فإلا فِي هَذَا الموضع بمنزلة سوى، كأنه قَالَ: لا تنكحوا، لا تفعلوا سوى ما قَدْ فعل آباؤكم، كذلك قوله: «لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ» . سوى الموتة الأولى، ومثله: «خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ» «٤» «٥» أي سوى ما شاء ربك «٦» لهم من الزيادة عَلَى مقدار الدنيا من الخلود. وأنت قائل فِي الكلام: لَكَ عندي ألفٌ إلَّا ما لَك من قِبَل فلان، ومعناه: سوى مالك عليّ من قِبَل فلان، وإلا تكون عَلَى أنها حطٌّ مما قبلها وزيادة عليها فما ذكرناه لَكَ من هَذِهِ الآيات فهو زيادة عَلَى ما قبل إلا، والحط مما قبلَ إلا قولُك: هَؤُلَاءِ ألفٌ إلَّا مائةً «٧» فمعنى هَذِهِ ألف ينقصون مائة. وقوله: وَوَقاهُمْ «٨» عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا (٥٧) . أي فعله تفضلا مِنْهُ، وهو ممَّا لو جاء رفعا لكان صوابًا أي: ذلك فضل من ربك.

стр. 987

ومن سورة الجاثية قوله : وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ (٤) . يَقُولُ: فِي خَلَقَ الآدميين وسواهم من كل ذي روح «١» آيات. تقرأ: الآيات بالخفض عَلَى تأويل النصب. يرد عَلَى قوله: «إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ» . ويقوّى الخفض فيها «٢» أنها فِي قراءة عَبْد اللَّه: (لآيات) . وفي قراءة أُبي: لآيات لآياتٍ لآيَاتٍ «٣» ثلاثهن. والرفع قراءة النَّاس عَلَى الاستئناف فيما بعد أن، والعرب تَقُولُ: إن لي عليك مالًا، وعلى أخيك مال كَثِير. فينصبون الثَّاني ويرفعونه. وفي قراءة عَبْد اللَّه: «وفي اختلافِ اللّيل والنهارِ» . فهذا يقوي خفض الاختلاف، ولو رفعه رافع فَقَالَ: واختلاف الليل والنهار آيَاتٌ أيضًا يجعل الاختلاف آياتٍ، ولم نسمعه من أحد من القراء قَالَ: ولو رفع رافع الآيات، وفيها اللام كَانَ صوابًا. قَالَ: أنشدني الكِسَائِيّ: إنّ الخلافة بعدهم لذميمة ... وخلائف طرف لمما أحقر «٤» فجاء باللام، وإنما هِيَ جواب لأنّ، وَقد رفع لأن الكلام مبني عَلَى تأويل إنّ. وقوله: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا (١٤) . معناه فِي الأصل حكاية بمنزلة الأمر، كقولك: قل للذين آمنوا اغفروا فإذا ظهر الأمر مصرحًا فهو مجزوم لأنَّه أمر، وإذا كَانَ عَلَى الخبر مثل قوله: «قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا» ، «وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا «٥» ) و «قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ «٦» » ، فهذا مجزوم بالتشبيه بالجزاء والشرط

стр. 988

كأنه قولك: قم «١» تصب خيرًا، وليس كذلك «٢» ، ولكن العرب إِذَا خرج الكلام فِي مثال غيره وهو مقارب لَهُ عرّبوه بتعريبه، فهذا من ذلك، وَقَدْ ذكرناه فِي غير موضع، ونزلت قوله: «قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ» فِي المشركين قبل أن يؤمر النَّبِيّ ﷺ بقتال أهل مكَّة. وقوله: لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) قرأها يَحيى بْن وثاب: لنجزى بالنون «٣» ، وقرأها النَّاس بعد «لِيَجْزِيَ قَوْماً» » بالياء وهما سواء بمنزلة قوله: «وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ» «٥» ، «وَقَدْ خلقناك من قبل» «٦» وَقَدْ قَرَأَ بعض القراء فيما ذُكر لي: ليُجزَى قَوْمًا، وهو فِي الظاهر لحن، فإن كَانَ أضمر فِي «يجزي» فعلا يقع بِهِ الرفع كما تَقُولُ: أُعطِيَ ثوبا ليُجزى ذَلِكَ الجزاء قوما فهو وجه. وقوله: عَلى شَرِيعَةٍ (١٨) . عَلَى دين وملة ومنْهاج كل ذَلِكَ يقال «٧» . وقوله: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) . ترفع اللَّه، وهو وجه الإعراب إِذَا جاء الاسم بعد إنَّ، وخبر فارفعه كَانَ معه فعل أَوْ لم يكن. فأما الَّذِي لا فعل معه فقوله: «أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ» «٨» وأمّا الَّذِي معه فعل فقوله جل وعز: «وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ» «٩» .

стр. 989

وقوله: وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها (٣٢) ترفع الساعة وهو وجه الكلام، وإن نصبتها فصواب، قَرَأَ بذلك حمزة الزيات «١» ، وفي قراءة عَبْد اللَّه: «وَإذَا قِيلَ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حقُّ وإن السَّاعةَ لا رَيْبَ فيها» «٢» ، فقد عرفت الوجهين، وفسّرا «٣» فى غير هذا الموضع. وقوله: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ (٢١) الاجتراح: الاقتراف، والاكتساب. وقوله: سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ «٤» ٢١) تنصب سواء، وترفعه، والمحيا والممات فِي موضع رفع بمنزلة قوله: رَأَيْت القومَ سواء صغارهم وكبارهم [١٧٤/ ب] ، تنصب سواء لأنك تجعله فعلا لما عاد عَلَى النَّاس من ذكرهم، وما عاد عَلَى القوم وجميع الأسماء بذكرهم، وَقَدْ تقدم فعله، فاجعل الفعل معربًا بالاسم الأول. تَقُولُ: مررت بقوم سواء صغارهم وكبارهم «٥» ، ورأيت قوما سواء صغارهم وكبارهم «٦» . وكذلك الرفع- وربما جعلت العرب: (سواءً) فِي مذهب اسم بمنزلة حسبك، فيقولون: رَأَيْت قوما سواء صغارهم وكبارهم، فيكون كقولك: مررت برجل حسبك أخوه «٧» ولو جعلت مكان سواء مستوٍ لم ترفع، ولكن تجعله متبعا لما قبله، مخالفا لسواء لأن مستويا من صفة القوم، ولأن سواء- كالمصدر، والمصدر اسم. ولو نصبت: المحيا والممات- كَانَ وجها تريد أن تجعلهم سواء فِي محياهم ومماتهم. وَقوله: وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً (٢٣) .

стр. 990

قرأها «١» يَحيى بْن وَثاب (غَشْوَة) «٢» بفتح الغين، وَلا يلحق «٣» فيها ألفا، وَقرأها النَّاس (غِشاوَة) «٤» ، كأن غشاوَة «٥» اسم، وَكأن غشوة «٦» شيء غشيها فِي وَقعة واحدة، مثل: الرجفة، وَالرحمة، وَالمرَّة. وقوله: نَمُوتُ وَنَحْيا (٢٤) . يَقُولُ القائل: كيف قَالَ: نموت ونحيا، وهم مكذبون «٧» بالبعث؟ فإنما أراد نموت، ويأتي بعدنا أبناؤنا، فجعل فعل أبنائهم كفعلهم، وهو فِي العربية كَثِير. وقوله: وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ (٢٤) . يقولون: إلّا طول الدهر، ومرور الأيام والليالي والشهور والسنين. وفي قراءة عَبْد اللَّه: «وما يُهْلِكُنا إلّا دَهْرٌ» ، كأنه: إلّا دهر يمر. وقوله: وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً ٢٨. يريد: «٨» كلّ أهل دين جاثية يَقُولُ: «٩» مجتمعة للحساب، ثُمَّ قَالَ: «كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا» (٢٨) . يَقُولُ إلى حسابها، وهو من قول اللَّه: «فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ» «١٠» و «بشماله» «١١» . وقوله: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) . الاستنساخ «١٢» : أن الملكين يرفعان عمل الرجل صغيرهِ وكبيره، فيثبت الله من عمله ما كان

стр. 991

لَهُ ثواب أَوْ عقاب، ويطرحَ مِنْهُ اللغو الَّذِي لا ثواب فِيهِ ولا عقاب، كقولك: هلُمَّ، وتعال، واذهب، فذلك الاستنساخ. وقوله: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ (٣١) . أضمر القول فيقال: أفلم، ومثله: «فَأَمَّا «١» الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ» «٢» معناه، فيقال: أكفرتم، والله أعلم. وذلك أنّ أما لا بد لها من أن تجاب بالفاء، ولكنها سقطت لما سقط الفعل الَّذِي أضمر. وقوله «٣» : وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ (٣٤) . نترككم فِي النار كما نسيتم لقاء يومكم هَذَا، يَقُولُ: كما تركتم العمل للقاء يومكم هَذَا. وقوله: فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) . يَقُولُ: لا يراجعون الكلام بعد دخولهم النار. [١٧٥/ ا] ومن سورة الأحقاف قوله : أَرَأَيْتُمْ «٤» مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، ثم قال: أَرُونِي ماذا خَلَقُوا (٤) ولم يقل: خلقت، ولا خلقن لأنَّه إنَّما أراد الأصنام، فجعل فعلهم كفعل النَّاس وأشباههم لأن الأصنام تُكلّم وتُعبد وتعتاد «٥» وتعظم كما تعظم «٦» الأمراء وأشباههم، فذهب بها إلى مثل النَّاس. وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْد اللَّه [بْن مَسْعُود] «٧» : مَن تعبدون من دون اللَّه، فجعلها (مَن) ، فهذا تصريح بشبه النَّاس فِي الفعل وفي الاسم. وفي قراءة عَبْد اللَّه «٨» : أريتكم، وعامة ما فِي قراءته من قول اللَّه أريت،

стр. 992

وأريتم فهي «١» فِي قراءة عَبْد اللَّه بالكاف، حَتَّى إن فِي قراءته: «أرَيتْك الَّذِي يُكذِّب بالدين» » . وقوله: أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ (٤) . قرأها العوامّ: «أثارة» ، وقرأها بعضهم قَالَ: قَرَأَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن «٣» فيما أعلم «٤» و «أثْرةً» «٥» خفيفة. وَقَدْ ذكر عنْ بعض القراء «أثَره» «٦» . والمعنى فيهن كلهن: بقية من علم، أَوْ شيء مأثور من كتب الأولين. فمن قَرَأَ «أثارة» فهو كالمصدر مثل قولك «٧» : السماحة، والشجاعة. ومن قَرَأَ «أثَرة» فإنه بناه عَلَى الأثر، كما قيل: قَتَرة «٨» . ومن قَرَأَ «أَثْرة» كأن أراد «٩» مثل قوله: «إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ» «١٠» ، والرّجفة. وقوله: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ (٥) . عنى «١١» ب (من) الأصنام، وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه: «ما لا يستجيب لَهُ» ، فهذا مما ذكرت لَكَ فِي: من، وما. وقوله: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ (٩) . يَقُولُ: لم أكن أول من بُعث، قَدْ بعث قبلى أنبياء كثير «١٢» . وقوله: وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ (٩) . نزلت فِي أصحاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وذلك أنهم شكوا إِلَيْه ما يلقون من أهل مكة قبل أن يؤمر

стр. 993

بقتالهم، فقال النبي صلّى الله عليه: إني قَدْ رَأَيْت فِي منامي أني أهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء، فاستبشَروا بذلك، ثُمَّ إنهم مكثوا برهة لا يرون ذلك فقالوا للنبى صلّى الله عليه: ما نرى تأويل ما قلت، وَقَدِ اشتد علينا الأذى؟ فأنزل اللَّه : «قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ» أَخرُج إلى الموضع الَّذِي أُريته فِي منامي أم لا؟ ثُمَّ قَالَ لهم: إنَّما هُوَ شيء أُريته فِي منامي، وما أتبع إلا ما يوحى إليَّ. يَقُولُ: لم يوح إليَّ ما أخبرتكم بِهِ، ولو كَانَ وحيا لم يقل صلّى الله عليه: «وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ» . وقوله: وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ (١٠) . شهد رَجُل من اليهود عَلَى مثل ما شهد عليه عبد الله بن سلام [١٧٥/ ب] من التصديق «١» بالنبي صلى الله عليه وأنَّه موصوف فِي التوراة، فآمن ذَلِكَ الرجل واستكبرتم. وقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ (١١) . لمّا أسلمت: مزينة، وجهينة، وأسلم، وغفَار، قالت بنو عامر بن صعصعة وغطفانُ، وأشجع وأسد: لو كان هذا خيرا ما سبقنا إليه رعاة الْبَهْمِ. «٢» ، فهذا تأويل قوله: «لَوْ كانَ خَيْراً مَا سَبَقُونا إِلَيْهِ» . وقوله: وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا (١٢) . وفي قراءة عَبْد اللَّه: مصدق لما بين يديه لسانا عربيا، فنَصْبُه فِي قراءتنا عَلَى تأويل قراءة عَبْد اللَّه، أي هَذَا القرآن يصدق التوراة عربيًا مبينًا، وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه يكون [نصبًا] «٣» من مصدق. عَلَى ما فسرت لَكَ، ويكون قطعا من الهاء فى بين يديه. وقوله : لتنذر الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) . البشرى: تكون رفعا ونصبًا، الرفع عَلَى: وهذا كتاب مصدق وبشرى، والنصب عَلَى «٤» لتنذر الَّذِينَ ظلموا وتبشر، فإذا أسقطت تبشر، ووضعت فِي موضعه بشرى أو بشارة نصبت،

стр. 994

ومثله فِي الكلام: أعوذ بالله منك، وسقيا لفلان، كأنه قَالَ: وسقي اللَّه فلانًا، وجئت لأكرمك وزيارة لَكَ وقضاء لحقك، معناه: لأزورك وأقضي حقك، فنصبت الزيارة والقضاء بفعل مضمر. وقوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً (١٥) . قرأها أهل الكوفة بالألف، وكذلك هِيَ فِي مصاحفهم، وأهل المدينة وأهل البصرة يقرءون: (حُسْنًا) «١» وكذلك هِيَ فِي مصاحفهم، ومعناهما واحد والله أعلم. وقوله: حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً (١٥) . وفي قراءة عَبْد اللَّه: حتّى إِذَا استوى وبلغ أشده «٢» وبلغ أربعين سنة، والمعنى فِيهِ، كالمعنى فِي قراءتنا لأنَّه جائز فِي العربية أن تقول: لمَّا ولد لَكَ وأدركت مدرك الرجال عققت وفعلت، والإدراك قبل الولادة، وَيُقَال: إن الأشدها هنا هُوَ الأربعون «٣» . وسمعت بعض المشيخة يذكر بإسناد لَهُ فِي الأشد: ثلاث وثلاثون، وفي الاستواء: أربعون. وسمعت أن الأشد فِي غير هذا الموضع: ثمانى عشرة. والأول أشبه بالصواب لأن الأربعين أقرب فِي النسق إلى ثلاث وثلاثين ومنها إلى ثماني عشرة ألا ترى أنك تَقُولُ: أخذت عامة المال أَوْ كلَّه، فيكون أحسن من أن تَقُولُ: أخذت «٤» أقلّ المال أَوْ كلّه. ومثله قوله: «إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ» «٥» ، فبعض ذا قريب من بعض، فهذا سبيل كلام العرب [١٧٦/ ا] ، والثاني يعنى ثمانى عشرة، [و] «٦» لو ضم إلى الأربعين كَانَ وجها. وقوله: أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ (١٥) . نزلت هَذِهِ الآية: فِي أَبِي بَكْر الصديق ﵀.

стр. 995

[حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ] «١» حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِ حِبَّانُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَنَزِيُّ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عباس قال: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ ﵀ إِلَى قوله: «أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ «٢» » إِلَى آخِرِ الآيَةِ «٣» . وقرأ يَحيى بْن وثاب، وذُكرت عنْ بعض أصحاب عَبْد اللَّه: «نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ» بالنون. وقراءة «٤» العوام: «يُتقبل «٥» عَنْهُمْ أحسن ما عملوا ويُتجاوز عنْ سيئاتهم» بالياء وضمها «٦» ، ولو قرئت «تُتَقَبَّلُ عَنْهُمْ [أحسن ما عملوا] «٧» وتُتجاوز» كان صوابا. وقوله: وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي «٨» (١٦) . كقولك: وعدا صدقا، أضيف إلى نفسه، وما كَانَ من مصدر فِي معنى حقا فهو نصب معرفة كَانَ أَوْ نكرة، مثل قوله فِي يونس: «وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا» «٩» . وقوله: وَالَّذِي «١٠» قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما (١٧) . ذُكِرَ أَنَّهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر قَالَ هَذَا القول قبل أن يسلم: (أُفٍّ لكما) قذرا لكما «١١» أتعدانني أن أخرج من القبر؟ واجتمعت القراء عَلَى (أخرج) بضم الألف لم يسم فاعله، وَلَوْ قرئت: أن أَخْرُجَ بفتح الألف كَانَ صوابًا. وقوله: وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ (١٧) .

стр. 996

ويقولان: «وَيْلَكَ آمِنْ» . القول مضمر يعنى: أبابكر ﵀ وامرأته. وقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ «١» حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ (١٨) . لم تنزل فى عبد الرحمن بْن أَبِي بَكْر، ولكن عَبْد الرَّحْمَن قَالَ: ابعثوا [لي] «٢» جُدْعان بْن عَمْرو، وعثمان بْن عَمْرو- وهما من أجداده- حَتَّى أسألهما «٣» عما يقول محمد صلّى الله عليه- أحق أم باطل؟ فأنزل اللَّه: «أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ» . يعنى: جدعان، وعثمان. وقوله: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ (٢٠) قرأها الْأَعْمَش وعاصم ونافع الْمَدَنِيّ بغير استفهام، وقرأها الحسن وأبو جعفر المدني بالاستفهام: «أَذْهَبْتُمْ» «٤» ، والعرب تستفهم «٥» «٦» بالتوبيخ ولا تستفهم «٧» فيقولون: ذَهَبْتَ ففعلت وفعلت «٨» ، ويقولون: أذَهَبْتَ ففعلت وفعلت، وكلٌّ صواب «٩» . وقوله: إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ (٢١) . أحقاف الرمل، واحدها: حِقفٌ، والحِقفُ: الرملة المستطيلة المرتفعة إلى فوق. وقوله: وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ (٢١) . قبله «١٠» ومن خلفه من بعده، وهى [١٧٦/ ب] فِي قراءة عَبْد اللَّه «من بين يديه ومن بعده» . وقوله: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ (٢٤) .

стр. 997

طمعوا أن يكون سحابَ مطرٍ، فقالوا: هَذَا الَّذِي وعدْتَنا، هَذَا والله الغيث والخير، قَالَ اللَّه قل لهم: بل هُوَ ما استعجلتم بِهِ من العذاب. وفي قراءة عَبْد اللَّه: قل [بل] «١» ما استعجلتم بِهِ هِيَ ريح فيها عذاب أليم. وهو، وَهي «٢» فِي هَذَا الموضع بمنزلة قوله: «مِنْ مَنى تُمْنَى» وَ «يُمْنى» «٣» . من قَالَ: «هُوَ» . ذهب إلى العذاب، ومَن قَالَ: «هِيَ» ذهب إلى الريح. وقوله: فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ (٢٥) . قرأها الْأَعْمَش وَعاصم وَحمزة «لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ» «٤» . قَالَ الفراء: وقرأها عليّ بْن أَبِي طالب، ﵀. [حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ] «٥» حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخُرَسَانِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: «لا تَرَى إلا مساكنهم» . [حدثنا محمد قال] «٦» حدثنا «٧» الفراء قال و «٨» حدثنى الكسائي عنْ قطر بْن خليفة عنْ مجاهد أَنَّهُ قَرَأَ: «فأصبحوا لا تَرَى إلا مساكنهم» . قَالَ: وَقرأ الحسنُ: «فأصبحوا لا تُرى إلا مساكنُهم» وفيه قبح فِي العربية لان العرب إِذَا جعلت فِعل المؤنث قبل إِلا ذَكَّروه، فقالوا: لم يقم إلا جاريُتَك، وما قام إِلا جاريتك، ولا يكادون يقولون: ما قامت إِلا جاريتك، وذلك أن المتروك أحد، فأحد إِذَا كانت لمؤنث أَوْ مذكر ففعلهما مذكر. ألا ترى أنك تَقُولُ: إن قام أحد منهن فاضرِبه، وَلا تقل: إن قامت إلا مستكرهَا، وَهو عَلَى ذَلِكَ جائز. قَالَ أنشدني المفضل: ونارنا لم تر نارا مِثْلُها ... قَدْ عِلِمت ذاكَ معدً أكرما «٩» فأنث فعل (مثل) لأنه للنار، وأجود الكلام أن تقول: مارئى إلا مثلها.

стр. 998

وقوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ (٢٦) . يقول: فى الذي لم نمكنكم فيه، و (إن) . بمنزلة ما فِي الجحد. وقوله: وَحاقَ بِهِمْ (٢٦) . وهو فِي كلام العرب: عَادَ عليهم، وَجاء فِي التفسير: أحاط بهم، ونزل بهم «١» . وقوله: وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨) . ويقرأ أَفَكُهُم، وأَفَكَهُم. «٢» . فأمّا الإفك والَأفك فبمنزلة قولك: الحِذرُ وَالحذَر، والنِّجْس وَالنَّجَس. وأمَّا من قَالَ: أَفكَهُم فإنه يجعل الهاء وَالميم فِي موضع نصب يَقُولُ: ذَلِكَ صرفهم عَنِ الْإِيمَان «٣» وكذبهم، كما قَالَ : «يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ» «٤» أي: يصرف عَنْهُ مَن صُرِف. وقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ «٥» بِقادِرٍ (٣٣) . دخلت الباء للم، والعرب تدخلها مَعَ الجحود إِذَا كانت رافعة لما قبلها، وَيدخلونها إِذَا وقع عليها فعل يحتاج «٦» إلى اسمين مثل قولك: ما أظنك بقائم، وما أظن أنك بقائم [١٧٧/ ا] وَما كنت بقائم، فإذا خلَّفْتَ «٧» الباء نصبت الَّذِي كانت فِيهِ «٨» بما يعمل «٩» فِيهِ من الفعل، ولو ألقيت الباء من قادر فِي هَذَا الموضع رفعه لأنه خبر لأن. قَالَ «١٠» وأنشدنى بعضهم:

стр. 999

فما رَجعت بخائبةٍ رِكابٌ ... حكيمُ بنُ المسيِّب مُنتهاها «١» فأدخل الباء فِي فعلٍ لو ألقيت مِنْهُ نصب بالفعل لا بالباء يقاس عَلَى هَذَا وَما أشبهه. وَقَدْ ذكر عنْ بعض القراء أنه قرأ: (يقدر) «٢» مكان (بقادر) : كما قَرَأَ حمزة: «وَما أنتَ تهدي العمى» «٣» . وَقراءة العوام: «بِهادِي الْعُمْيِ» . وقوله: أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ (٣٤) . فِيهِ قول مضمر يُقال: أليس هَذَا بالحق بلاغٌ، أي: هَذَا بلاغ رفع بالاستئناف. ومن سورة محمّد ﷺ قوله : فَضَرْبَ الرِّقابِ (٤) . نصب عَلَى الأمر، وَالذي نصب بِهِ مضمر، وَكذلك كل أمر أظهرتَ فِيهِ الأسماء، وَتركت الأفعال فانصب فِيهِ الأسماء، وَذكر: أَنَّهُ أدبٌ من الله وتعليم للمؤمنين للقتال «٤» . وقوله: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ «٥» وَإِمَّا فِداءً (٤) . مَنْصُوب «٦» أيضًا عَلَى فعل مضمر، فإمّا أن تمنُّوا، وَإما أن تفدوا «٧» فالمن: أن تترك الأسير بغير فداء، وَالفداء: أن يفديَ «٨» المأسورُ نفسه. وقوله: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها (٤) . آثامها «٩» وَشركها حَتَّى لا يبقى إِلّا مُسْلِم، أَوْ مسالم. وَالهاء التي فِي أوزارها تكون للحرب

стр. 1000

وَأنت تعني: أوزار أهلها، وَتكون لأهل الشرك خاصةً، كقولك: حَتَّى تنفي الحرب أوزار المشركين. وقوله: ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ (٤) بملائكة غيركم، وَيُقَال: بغير قتال، ولكن ليبلو بعضكم ببعض، المؤمن بالكافر، والكافر بالمؤمن. وقوله: والذين قَاتَلُوا فِي سبيل اللهِ (٤) قرأها الْأَعْمَش وعاصم وزيد بن ثابت «١» [حدثنا محمد] «٢» حدثنا الفراء قال: حَدَّثَنِي بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخُرَاسَانِيُّ عَنْ [عَطَاءٍ عَنْ أَبِي] «٣» عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: قَاتَلُوا «٤» ، وَقَرَأَهَا الْحَسَنُ: قُتِّلُوا «٥» مُشَدَّدَةً، وَقَدْ خَفَّفَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ: قُتِلُوا مُخَفَّفٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ «٦» صَوَابٌ. وقوله: وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) يعرفون منازلهم إِذَا دخلوها، حَتَّى يكون أحدهم أعرف بمنزلة فِي الجنة مِنْهُ بمنزله إِذَا رجع من الجمعة. وقوله: فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) كأنه قَالَ: فأتعسهم اللَّه وأضل أعمالهم لأنّ الدعاء قَدْ يجري مجرى الأمر والنهي، ألا ترى أنّ أضل فعل، وأنها مردودة عَلَى التعس، وهو اسم لأن فيه معنى أتعسهم، وكذلك قوله: «حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا» مردودة [١٧٧/ ب] على أمر مضمر ناصب لضرب «٧» الرقاب.

стр. 1001

وقوله: كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ (٩) كرهوا القرآن وسخطوه. وقوله: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠) يَقُولُ: لأهل مكَّة أمثال ما أصاب قوم لوط وعاد وثمود «١» وعيدٌ من الله. وقوله: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا (١١) يريد: وَلِيّ الَّذِينَ آمنوا، وكذلك هِيَ فِي قراءة عَبْد اللَّه «ذَلِكَ بأن اللَّه ولِيّ الَّذِينَ آمنوا» وهي مثل التي «٢» فِي المائدة فى قراءتنا: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» «٣» ، ومعناهما واحد، والله أعلم. وقوله: وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢) . ترفع النار بالمثوى، ولو نصبت المثوى، ورفعت النار باللام التي فِي (لهم) كَانَ وجها. وقوله: مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ (١٣) . يريد: التي أخرجك أهلها إلى المدينة، ولو كَانَ من قريتك التي أخرجوك كَانَ وجها، كما قال: «فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ «٤» » ، فَقَالَ: (قائلون) ، وفي أول الكلمة: (فجاءها) . وقوله: فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣) . جاء فِي التفسير: فلم يكن لهم ناصر حين أهلكناهم، فهذا وجه، وَقَدْ يجوز إضمار كَانَ، وإن كنت قَدْ نصبت الناصر بالتبرية، ويكون: أهلكناهم فلا ناصر لهم الآن من عذاب اللَّه. وقوله: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤) ولم يقل: واتبع هواه، وذلك أنّ من تكون فِي معنى واحد وجميع، فرُدّت أهواؤهم عَلَى المعنى، ومثله: «وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ» «٥» ، وفي موضع آخر: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ» «٦» ، وَفِي موضع آخر: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ» «٧» .

стр. 1002

وقوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ (١٥) . [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ:] «١» حدثنا الفراء قال: أخبرني حِبَّانُ بْنُ عَلِيٍّ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: مثل «٢» الجنة، أمثال الجنة، صفات الجنة. قَالَ ابْنُ عباس: وكذلك قرأها عليّ بْن أَبِي طَالِب: أمثال. وقوله: مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ (١٥) . غير متغير، غير آجن. وقوله: وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ (١٥) لم يخرج من ضروع الإبل ولا الغنم برغوته. وقوله «٣» : وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (١٥) . اللذة مخفوضة، وهي الخمر بعينها، وإن شئت جعلتها تابعة للَأنهار، وأنهارٌ لذةٌ، وإن شئت نصبتها عَلَى يتلذذ بها لذة، كما تَقُولُ: هَذَا لَكَ هبةً وشبهه، ثُمَّ قَالَ: «كَمَنْ هُوَ خالِدٌ» لم يقل: أمن كَانَ فِي هَذَا كَمَن هُوَ خَالِد فِي النار؟ ولكنه فِيهِ ذلك المعنى فَبُني عَلَيْهِ. وقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ (١٦) . يعنى خطبتك فى الجمعة [١٧٨/ ا] فلا يستمعون ولا يعون [حَتَّى] «٤» إِذَا انصرفوا، وخرج النَّاس قَالُوا للمسلمين: مَاذَا قَالَ آنِفًا، يعنون النبي صلّى الله عليه استهزاءً منهم. قَالَ اللَّه : «أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ» «٥» .

стр. 1003

وقوله وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً (١٧) . زادهم «١» استهزاؤهم هدى، وآتاهم اللَّه تقواهم، يُقال: أثابهم ثواب تقواهم، وَيُقَال: ألهمهم تقواهم، وَيُقَال: آتاهم تقواهم من المنسوخ إِذَا نزل الناسخ. وقوله: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها (١٨) . (أن) مفتوحة فى القراءة كلها. حدثنا الفراء قال: وحدثني أَبُو جَعْفَر الرؤاسي قَالَ: قلت لأبي عَمْرو بْن العلاء: ما هَذِهِ الفاء التي فى قوله: «فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها» ؟ قَالَ: جواب للجزاء. قَالَ: قلت: أَنْها (أَنْ تأتيهم) مفتوحة؟ قَالَ: فَقَالَ: مُعَاذِ اللَّه إنَّما هِيَ (إِنْ تَأْتِهِمْ) . قَالَ الفراء: فظننت أَنَّهُ أخذها عنْ أهل مكَّة لأنَّه عليهم قَرَأَ، وهي أيضًا فِي بعض مصاحف الكوفيين: تأتهم بسينة واحدة «٢» ، ولم يقرأ بها «٣» أحد منهم، وهو من المكرّر: هَلْ ينظرون إلا الساعة، هَلْ ينظرون إلا أن تأتيهم بغتة. والدليل عَلَى ذَلِكَ أن التي فِي الزخرف فِي قراءة عَبْد اللَّه: «هَلْ يَنْظُرونَ إِلّا أنْ تَأْتيهم الساعةُ» «٤» ومثله: «وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ» «٥» لولا أن تطَئوهم فإن فِي موضع رفع عند الفتح، وأن فى الزخرف- وهاهنا نصب «٦» مردودة عَلَى الساعة، والجزم جائز تجعل: هل ينظرون إلا الساعة مكتفيًا، ثُمَّ تبتدئ: إن تأتهم، وتجيئها بالفاء عَلَى الجزاء، «٧» والجزم جائز «٨» . وقوله: فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨) . «ذكراهم» فِي موضع رفع بلهم، والمعنى: فإني «٩» لهم ذكراهم إذا جاءتهم الساعة؟ ومثله: «يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى» «١٠» أي: ليس ينفعه ذكره، ولا ندامته.

стр. 1004

وقوله: فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ (٢٠) . وفي قراءة عَبْد اللَّه: سُورةٌ مُحْدَثةٌ. كَانَ المسلمون إِذَا نزلت الآية فيها القتال. وذِكْره شق عليهم وتواقعوا أن تنسخ، فذلك قوله: «لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ «١» » (١٣) أي هلّا أنزلت سوى هَذِهِ، فإذا نزلت «٢» وَقَدْ أُمروا فيها بالقتال كرهوها، قَالَ اللَّه: (فأولى لهم) لمن كرهها، ثُمَّ وصف قولهم قبل أن تنزَّل: سَمِعَ وطاعة، قَدْ يقولون: سَمِعَ وطاعة، فإذا نزل الأمر كرهوه «٣» ، فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لكان خيرا لهم، فالطاعة مرفوعة فِي كلام العرب إِذَا قيل لهم: افعلوا كذا وكذا، فثقل عليهم أَوْ لم يثقل قالوا: سمع وطاعة. [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ] «٤» : حدثنا الفراء قال: أخبرني حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ اللَّه : (فأولى) ثُمَّ قَالَ لَهُمْ للذِين آمنوا مِنْهم طَاعَةٌ وقول معروف، فصارت: فأولى وعيدًا لمن كرهها، واستأنف الطاعة بلهم، والأول عندنا كلام العرب، وقول الكلبي هَذَا غير مردود. وقوله: [١٧٨/ ب] فَهَلْ عَسَيْتُمْ (٢٢) . قرأها العوام بنصب السين «٥» ، وقرأها نافع الْمَدَنِيّ: فهل عَسِيتُم، بكسر السين «٦» ، ولو كانت كذلك لقال: عَسى [فِي موضع عسى] . «٧» ولعلها لغة نادرة، وربما اجترأت العرب عَلَى تغيير بعض اللغة إِذَا كَانَ الفعل لا يناله قَدْ. قَالُوا: لُسْتُم يُريدون «٨» لستُمِ، ثُمَّ يقولون: لَيْسَ وَلَيْسُوا سواء، لأنَّه فعل لا يتصرف ليس لَهُ يفعل «٩» وكذلك «١٠» عسى ليس لَهُ يفعل «١١» فلعله اجترى عَلَيْهِ كما اجترى عَلَى لستم.

стр. 1005

وقوله: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ» ... إن توليتم أمور النَّاس أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ، وَتُقَطِّعُوا أرحامكم، وَيُقَال: ولعلكم «١» إن انصرفتم عنْ مُحَمَّد صَلَّى الله عليه، وتوليتم عَنْهُ أن تصيروا إلى أمركم الأول من قطيعة الرحم والكفر والفساد. وقوله: الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ (٢٥) . زين لهم وأملي لهم اللَّه، وكذلك قرأها الْأَعْمَش وعاصم، وَذُكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُود وزيد بْن ثابت ﵏ أنهم قرءوها كذلك بفتح الألف. وذُكر عنْ مجاهد أَنَّهُ قرأها: (وَأُمْلَى لهم) مرسلة الياء، يخبر اللَّه جل وعز عنْ نفسه، وقرأ بعض أهل المدينة: وأُملى لهم بنصب الياء وضم الألف، يجعله فعلا لم يسمّ فاعله، والمعنى متقارب «٢» . وقوله: إِسْرارَهُمْ (٢٦) . قرأها النَّاس: أَسرارهم: جمع سر، وقرأها يَحيى بْن وثاب وحده: إسرارهم بكسر الألف، واتبعه الأعمش وحمزة والكسائي «٣» ، وهو مصدر، ومثله: «وَأَدْبارَ السُّجُودِ» «٤» . وقوله: أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩) يقول: أن لن يبدى الله عداوتهم وبغضهم لمحمد صلى الله عليه. وقوله: وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ (٣٠) . يريد: لعرفناكهم، تقول «٥» للرجل: قد أريتك كذا وكذا، ومعناه عرفتكه وعلمتكه، ومثله: «وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ» ، فِي نحو القول، وفي معنى القول. وقوله: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ (٣٥)

стр. 1006

كلاهما مجزومتان «١» بالنهى: لا تهنوا ولا تدعوا، وَقَدْ يكون منصوبًا عَلَى الصرف يَقُولُ: لا تدعوا إلى السلم، وهو الصلح، وأنتم الأعلون، أنتم الغالبون آخر الأمر لكم. وقوله: وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥) . من وترت الرجل إِذَا قتلت «٢» لَهُ قتيلًا، أَوْ أخذت «٣» لَهُ مالًا فقد وترته. وجاء فِي الحديث: (من فاتته العصر فكأنما وتر أهله وماله «٤» ) «٥» قَالَ الفراء، وبعض الفقهاء يَقُولُ: أوتر، والصواب وتر «٦» . وقوله: إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ (٣٧) . أي يجهدكم تبخلوا ويخرج أضغانكم، ويخرج ذَلِكَ البخل «٧» عداوتكم، ويكون يخرج الله أضغناكم. «٨» أحفيت الرجل: أجهدته «٩» . ومن سورة الفتح قوله: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) . كَانَ فتح وفيه قتال [قليل] «١٠» مراماة بالحجارة، فالفتح «١١» قَدْ يكون صلحًا، ويكون أخذ الشيء عنوة، ويكون القتال إنما [١٧٩/ ا] أريد به يوم الحديبية.

стр. 1007

وقوله: دائِرَةُ السَّوْءِ (٦) . مثل قولك: رجل السّوء، ودائرة السوء: العذاب، والسّوء أفشى فِي اللغة «١» وأكثر، وقلما تَقُولُ «٢» العرب: دائرة السّوء. وقوله «٣» : إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً (٨) ثم قال: لِتُؤْمِنُوا (٩) . ومعناه: ليؤمن بك من آمن، ولو قيل: ليؤمنوا لأن المؤمن غير المخاطَب، فيكون المعنى: إنا أرسلناك ليؤمنوا بك، والمعنى فى الأول يراد بِهِ مثل هَذَا، وإن كَانَ كالمخاطب لأنك تَقُولُ للقوم: قَدْ فعلتم وليسوا بفاعلين كلهم، أي فعلَ بعضكم، فهذا دليل عَلَى ذلك. وقوله: وَتُعَزِّرُوهُ (٩) . تنصروه بالسيف كذلك ذكره عَنِ الكلبي. وقوله: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (١٠) بالوفاء والعهد «٤» . وقوله: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ (١١) . الَّذِينَ تخلفوا عَنِ الحديبية: شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا، وهم «٥» أعراب: أسلم، وجهينة، ومزينة، وغِفَار- ظنوا أن لن ينقلب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عليه، فتخلفوا. وقوله: إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا (١١) . ضم يَحيى بْن وثاب وحده الضاد، ونصبها عاصم، وأهل المدينة والحسن «ضَرًّا» «٦» . وقوله: أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً «٧» (١٢) وفى قراءة عهد اللَّه: «إلى أهلهم» بغير ياء، والأهل جمع وواحد.

стр. 1008

وقوله: وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (١٢) . [حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ] : «١» حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنِي حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْبُورُ فِي لُغَةِ أَزْدِ عُمَانَ: الْفَاسِدُ، وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا، قَوْمًا فَاسِدِينَ، وَالْبُورُ فِي كَلامِ الْعَرَبِ: لا شَيْءَ «٢» يُقَالُ «٣» : أَصْبَحَتْ أَعْمَالُهُمْ بُورًا، وَمَسَاكِنُهُمْ قُبُورًا. وقوله : سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها (١٥) . يعني خيبر لأن الله فتحها عَلَى رسوله من فوره من الحديبية، فقالوا ذَلِكَ لرسول اللَّه: ذرنا نتبعك، قَالَ: نعم عَلَى ألّا يُسْهَم لكم، فإن «٤» خرجتم عَلَى ذا فاخرجوا فقالوا للمسلمين: ما هَذَا لكم ما فعلتموه بنا إلا حسدا؟ قَالَ المسلمون: كذلكم قَالَ اللَّه لنا من قبل أن تقولوا. وقوله: يُرِيدُون أَنْ يُبِدَّلُوا كلِمَ اللَّهِ (١٥) . قرأها يَحيى (كَلِم) وحده، والقراء بعدُ (كَلامَ اللَّهِ) بألف «٥» ، والكلام مصدرٌ، والكلمُ جمع الكلمة والمعنى فِي قوله: «يريدون أن يبدلوا كلم اللَّه» «٦» : طمعوا أن يأذن لهم فيبدِّل كلام اللَّه، ثُمَّ قيل: إن كنتم إنَّما ترغبون فِي الغزو والجهاد لا فِي الغنائم، فستدعون غدا إلى أهل اليمامة إلى قوم أولى بأس شديد- بني حنيفة أتباع مسيلمة- هَذَا من تفسير الكلبي. وقوله: تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ (١٦) . وفي إحدى القراءتين: أَوْ يُسْلِموا. والمعنى: تقاتلونهم أبدًا حَتَّى يسلموا، وإلّا أن يسلموا تقاتلونهم، أو يكون [١٧٩/ ب] منهم الْإِسْلَام. وقوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ (١٧) فى ترك الغزو إلى آخر الآية.

стр. 1009

وقوله: تَحْتَ الشَّجَرَةِ (١٨) كانت سَمُرةً «١» . وقوله: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ (١٨) . كان النبي صلّى الله عليه أُرِيَ فِي منامه أَنَّهُ يدخل مكَّة، فلما لم يتهيأ لَهُ «٢» ذَلِكَ، وصالح أهل مكَّة عَلَى أن يخلوها «٣» لَهُ ثلاثًا من العام المقبل دخل المسلمين أمر عظيم، فَقَالَ لهم النبي صلّى الله عليه: إنَّما كانت رؤيا أُريتُها، ولم تكن وحيًا من السماء، فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السكينة عليهم. والسكينة: الطمأنينة والوقار إلى ما أخبرهم بِهِ النَّبِيّ صلّى الله عليه: أنها إلى العام المقبل، وذلك قوله: «فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا» من تأخير تأويل الرؤيا. وقوله: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها (٢٠) مما يكون بعد اليوم فعجل «٤» لكم هَذِهِ: خيبر. وقوله: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ. (٢٠) كانت أسد وغطفان مَعَ أهل خيبر عَلَى رسول الله صلّى الله عليه، فقصدهم «٥» النبي صلى الله عليه، فصالحوه، فكفوا، وخلّوا بينه وبين أهل خيبر، فذلك قوله: «وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ» . وقوله: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها (٢١) . فارس- قَدْ أحاط اللَّه بها، أحاط لكم بها أن يفتحها لكم. وقوله: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ (٢٤) . هَذَا لأهل «٦» الحديبية، لا لأهل خيبر. وقوله: وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً (٢٥) محبوسا.

стр. 1010

وقوله: أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ (٢٥) منحره، أي: صدوا الهدى «١» . وقوله: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ (٢٥) . كَانَ مسلمون بمكة، فَقَالَ: لولا أن تقتلوهم، وأنتم لا تعرفونهم فتصيبكم منهم معرة، يريد: الدية، ثُمَّ قَالَ اللَّه جل وعز: «لَوْ تَزَيَّلُوا» لو تميّز «٢» وخلَص «٣» الكفار من المؤمنين، لأنزل اللَّه بهم القتل والعذاب. وقوله: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ (٢٦) . حموا أنفا أن يَدخلها عليهم رَسُول اللَّه صلّى الله عليه، فأنزل الله سكينته يَقُولُ: أذهب اللَّه عَنِ المؤمنين أن يَدخلهم ما دخل أولئك من الحمية، فيعصوا اللَّه ورسوله «٤» . وقوله: كَلِمَةَ التَّقْوى (٢٦) لا إله إلا الله. وقوله: كانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها (٢٦) . ورأيتها فِي مصحف الحارث بْن سويد التيمي من أصحاب عَبْد اللَّه، «وكانوا أهلها وأحق بها» وهو تقديم وتأخير، وكان مصحفه دفن أيام الحجاج. وقوله: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ [١٨٠/ ا] الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٢٧) . وفي قراءة عَبْد اللَّه: لا تخافون مكان آمنين، «مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ» ، ولو قيل: محلقون ومقصرون أي بعضكم «٥» محلقون وبعضكم «٦» مقصرون لكان صوابًا [كما] «٧» قَالَ الشَّاعِر: وغودر البقل ملوى ومحصود وقوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ (٢٨) . يُقال: لا تذهب الدنيا حَتَّى يَغلب الْإِسْلَام عَلَى أهل كل دين، أَوْ يؤدوا إليهم الجزية، فذلك قوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ.

стр. 1011

وقوله: تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً (٢٩) . فى الصلاة. وقوله: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ. (٢٩) وهي الصفرة من السهر بالليل. وقوله: ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ (٢٩) . وفي «١» الإنجيل: أيضًا كمثلهم فِي القرآن، وَيُقَال: ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ «٢» وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ، كزرع أخرج شطأه، وشطؤه «٣» : السنبل تُنبت الحبة عشرًا وثمانيًا وسبعًا، فيقوى بعضه ببعض، فذلك قوله: (فآزره) فأعانه وقواه فاستغلظ [ذَلِكَ] «٤» فاستوى، ولو كانت واحدة لم تقم عَلَى ساق، وهو مَثَل ضربه اللَّه للنبى صلّى الله عليه إذ «٥» خرج وحده ثُمَّ قوّاه بأصحابه، كما قوّى الحبة بما نبت منها. آزرت، أُؤازره، مؤازرة: قوّيته، وعاونته، وهي المؤازرة. ومن سورة الحجرات قوله جل وعز: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا (١) . اتفق عليها «٦» القراء، ولو قَرَأَ قارئ: (لا تقدموا) لكان صوابًا يُقال: قَدَمت «٧» فِي كذا وكذا، وتقدَّمت. وقوله : لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ (٢) «٨» وفي قراءة عَبْد اللَّه «بأصواتكم» «٩» ، ومثله فِي الكلام: تكلم كلامًا حسنًا، وتكلم بكلام حسن.

стр. 1012

وقوله: «١» وَلا تَجْهَرُوا لَهُ «٢» بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ (٢) : يَقُولُ: لا تقولوا: يا مُحَمَّد، ولكن قولوا: يا نبي اللَّه- يا رَسُول اللَّه، يا أبا القاسم. وقوله: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ (٢) . معناه: لا تحبطُ وفيه الجزم والرفع إِذَا وضعت (لا) مكان (أن) ، وَقَدْ فُسر فِي غير موضع، وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه: فتحبطَ أعمالكم، وهو دليل عَلَى جواز الجزم فِيهِ. وقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى (٣) . أخلصها للتقوى كما يمتحن الذهب بالنار، فيخرج جيده، ويسقط خبثه. وقوله: مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ (٤) . وجه الكلام أن تضم الحاءَ والجيم، وبعض العرب يَقُولُ: الحُجَرات والرُّكَبات «٣» وكل جمع كأن يُقال فِي ثلاثةٍ إلى عشرةٍ: غرف، وحجر «٤» ، فإذا جمعته بالتاء نصبت ثانية، فالرفع «٥» [١٨٠/ ب] أجودُ من ذَلِكَ. وقوله: أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) . أتاه وفد بني تميم فِي الظهيرة، وَهو راقد صلّى الله عليه، فجعلوا ينادون: يا مُحَمَّد، اخرج إلينا، فاستيقظ فخرج، فنزل: «إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ» إلى آخر الآية، وَأذِن بعد ذَلِكَ لهم فقام شاعرهم، وشاعر المسلمين «٦» ، وخطيب منهم، وخطيب المسلمين، فعلت أصواتهم بالتفاخر، فأنزل اللَّه جل وَعز فِيهِ «٧» : «لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ» (٢) . وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ «٨» بِنَبَإٍ فتثبتوا «٩» (٦)

стр. 1013

«١» قراءة أصحاب عَبْد اللَّه، ورأيتها فِي مصحف عَبْد اللَّه منقوطة بالثاء، وَقراءة النَّاس: (فَتَبَيَّنُوا) «٢» ومعناهما متقارب لأن قوله: (فَتَبَيَّنُوا) أمهلوا حَتَّى تعرفوا، وَهذا معنى «٣» تثبتوا «٤» . وَإنما كَانَ ذَلِكَ أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بعث عاملًا عَلَى بني المصطلق ليأخذ «٥» صدقاتهم، فلما توجه إليهم تلقوه ليعظموه، فظن أنهم يريدون قتاله، فرجع إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عليه فَقَالَ: إنهم قاتلوني، وَمنعوني أداء ما عليهم فبينما «٦» هُمْ كذلك وَقَدْ غضب النَّبِيّ صَلَّى الله عليه قدم عَلَيْهِ «٧» وَفد بني المصطلق فقالوا: أردنا تعظيم رَسُول «٨» رَسُول اللَّه، وَأداء الحق إِلَيْه، فاتهمهم رسول الله صلّى الله عليه ولم يصدقهم فأنزل الله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فتثبتوا» إلى آخر الآية، وَالآية التي بعدها. وقوله: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا (٩) . ولم يقل: اقتتلتا، وهى فى قراءة عبد الله: فخذوا بينهم. مكان فأصلحوا بينهم، وفى قراءته: حتى يفيئوا «٩» إلى أمر الله فإن فاءوا فخذوا بينهم. وقوله: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ (١٠) . ولم يقل: بين «١٠» إخوتكم، وَلا إخوانكم، وَلو قيل ذَلِكَ كَانَ صوابًا. وَنزلت فِي رهط عَبْد اللَّه بْن أَبِي، ورَهط عَبْد اللَّه بْن رواحة الْأَنْصَارِيّ، فمر رَسُول اللَّه صَلَّى الله عليه عَلَى حِمار فوقف عَلَى عَبْد اللَّه بْن أَبِي فِي مجلس قومه، فراث حمار رَسُول اللَّه، فوضع عَبْد اللَّه يده عَلَى أنفه وَقال: إليك حمارك فقد آذاني، فَقَالَ لَهُ ابْنُ روَاحة: أَلِحِمارِ رَسُول اللَّه تَقُولُ هَذَا؟ فو الله لهو أطيب عِرضا منك وَمن أبيك، فغضب قوم هَذَا، وَقوم هَذَا، حَتَّى اقتتلوا بالأيدي وَالنعال، فنزلت هذه الآية.

стр. 1014

وقوله: فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي (٩) التي لا تقبل الصلح، فأصلح النَّبِيّ صَلَّى الله عليه بينهم «١» . وقوله: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ (١١) . نزلت فِي أن ثابت بْن قيس الْأَنْصَارِيّ كَانَ ثقيل السمع، فكان يدنو من النَّبِيّ صلّى الله عليه ليسمع حديثه، فجاء بعد ما قضي ركعة من الفجر، وَقد أخذ النَّاس أماكنهم من رَسُول اللَّه فجعل «٢» يتخطى وَيقول: تفسحوا حَتَّى انتهى إلى رَجُل دون النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عليه، فَقَالَ: تفسح، فَقَالَ لَهُ الرجل: قَدْ أصبت مكانًا فاقعد، فلما أسفر قَالَ: من الرجل؟ قَالَ: فلان بْن فلان، قَالَ: أنت «٣» ابْنُ هَنَةٍ لأمٍّ لَهُ، قَدْ كَانَ يعير بها فشق على الرجل، فأنزل اللَّه : «لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ) وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه فيما أعلم: عسوا أن يكونوا خيرًا منهم «٤» ، ولا نساء من نساء عسَين أن يكنَّ خيرًا منهن. ونزل أيضًا فِي هذه القصة: [١٨١/ ا] «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً» (١٢) والشعوب أكبر من القبائل، والقبائل أكبر من الأفخاذ (لتعارفوا) : ليعرف بعضكم بعضا فِي النسب (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ) مكسورة لم يقع عليها التعارف، وهي قراءة «٥» عَبْد اللَّه: لتعارفوا بينكم، وخيركم عند اللَّه أتقاكم فَقَالَ «٦» ثابت: والله لا أفاخر رجلًا فِي حسبه أبدا. وقوله: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ (١١) . لا يَعب بعضكم بعضًا، ولا تنابزوا بالألقاب: كَانَ الرجل يَقُولُ للرجل من اليهود وَقَدْ أسلم: يا يهودي! فنُهوا عنْ ذَلِكَ وَقال فيه: «بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ» ومن فتح: أن

стр. 1015

أكرمكم فكأنه قَالَ: لتعارفوا أن الكريم المتقِي «١» ، ولو كَانَ «٢» كذلك لكانت: لتعرفوا أن أكرمكم، وجاز: لتعارفوا ليعرِّف بعضكم بعضًا أن أكرمكم عند الله أتقاكم. وقوله: وَلا تَجَسَّسُوا (١٢) . القُراء مجتمعون عَلَى الجيم نزلت خاصة «٣» فِي «٤» سلمان، وكانوا نالوا منه «٥» . وقوله: فَكَرِهْتُمُوهُ (١٢) . قال لهم النبي صلّى الله عليه: أكان أحدكم آكلًا لحم أخيه بعد موته؟ قَالُوا: لا! قَالَ. فإِن الغيبة أكل لحمه، وهو أن تَقُولُ ما فِيهِ، وإذا قلت ما ليس فِيهِ فهو البَهْت «٦» ليست بغيبة «٧» فكرهتموه أي فقد كرهتموه «٨» ، فلا تفعلوه. ومن قَرَأَ: فكُرِّهتموه «٩» يَقُولُ: قَدْ «١٠» بُغِّض إليكم «١١» والمعنى واللَّه أعلم- واحد، وهو بمنزلة قولك: مات الرجل وأُميت. وقوله: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا (١٤) . فهذه نزلت فى أعاريب بني أسد قدموا عَلَى «١٢» النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عليه المدينة بعيالاتهم طمعًا فِي الصدقة، فجعلوا يروحون ويغدون، ويقولون: أعطنا فإنا أتيناك بالعيال والأثقال، وجاءتك العرب عَلَى ظهور رواحلها فأنزل اللَّه جل وعز «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا» (١٧) (وأن) فِي موضع نصب لأنها فِي قراءة عَبْد اللَّه: يمنون عليك إِسلامهم، ولو جعلتَ: يَمُنُّون عَلَيْك لأنْ أسْلَمُوا، فإذا ألقيت اللام كان نصبا مخالفا للنصب الأول.

стр. 1016

وقوله: أَنْ هَداكُمْ (١٧) ، وفى قراءة عبد الله: إذ هداكم. ف (أن) فِي موضع نصب لا بوقع الفعل، ولكن بسقوط الصفة. وقوله: لا يَلِتْكُمْ (١٤) . لا ينقصكم، ولا يظلمكم من أعمالكم شيئًا، وهى من لات يليت، والقراء مجمعون «١» عليها، وَقَدْ قَرَأَ بعضهم: لا يَأْلِتْكم «٢» ، ولست «٣» أشتهيها لأنها بغير ألف كتبت فى المصاحف، وليس هذا بموضع يجوز فيه سقوط الهمز ألا ترى قوله: (يأتون) «٤» ، و (يأمرون) «٥» ، و (يأكلون) «٦» لم تلق الألف فِي شيء مِنْهُ لأنها ساكنة، وإنما تلقى الهمزة إِذَا سكن ما قبلها، فإذا «٧» سكنت هِيَ تعني «٨» الهمزة ثبتت فلم تسقط، وإنما اجترأ عَلَى قراءتها «يألتكم» أَنَّهُ وجد «وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ» «٩» فى موضع، فأخذ ذا من ذَلِكَ فالقرآن ١» يأتي باللغتين المختلفتين ألا ترى قوله: (تملى عليه) «١١» . وهو فى موضع آخر: «فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ» «١٢» . ولم تحمل إحداهما عَلَى الأخرى فتتفقا ولات يليت، وألتَ يألِتُ لغتان [قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الجهم بْن إِبْرَاهِيم السِّمَّرِيّ قَالَ حَدَّثَنَا الفراء] «١٣» .

стр. 1017

ومن سورة ق والقرآن المجيد قوله : ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) . قاف: فيها المعنى الذي أقسم به [١٨١/ ب] ذكر أنها قُضى والله كما قيل فِي حُمَّ: قُضى والله، وحُمَّ والله: أي قضى. وَيُقَال: إن (قاف) جبل محيط بالأرض، «١» فإن يكن كذلك فكأنه فِي موضع رفع، أي هو (قاف والله) ، وكان [ينبغي] «٢» لرفعه أن يظهر لأنَّه «٣» اسم وليس بهجاء، فلعل القاف وحدها ذكرت من اسمه كما قَالَ الشَّاعِر: قلنا لها: قفي، فقالت: قاف «٤» ذكرت القاف أرادت القاف من الوقوف «٥» ، أي «٦» : إنى واقفة. وقوله إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً (٣) . كلام لم يظهر قبله ما يكون هَذَا جوابًا لَهُ، ولكن معناه مضمر «٧» ، إنَّما كان- والله- أعلم: «ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ» لتبعثن «٨» . بعد الموت، فقالوا: أنبعث إِذَا كُنَّا ترابا؟ فجحدوا البعث

стр. 1018

ثم قالوا «١» : (ذلك رجع بعيد) (٣) . جحدوه أصلا [و] «٢» قوله: (بعيد) كما تقول للرجل يخطىء فِي المسألة: لقد ذهبت مذهبًا بعيدًا من الصواب: أي أخطأت. وقوله: قَدْ عَلِمْنا مَا تَنْقُصُ «٣» الْأَرْضُ مِنْهُمْ (٤) ما «٤» تأكل منهم. وقوله: فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) . فى ضلال. وقوله: ما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) . ليس فيها خلل ولا صدع. وقوله: وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) . والحب هُوَ الحصيد، وهو مما أضيف إلى نفسه مثل قوله: «إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ» «٥» ، ومثله: «وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» (١٦) . والحبلِ هُوَ الوريد بعينه أضيف إلى نفسه لاختلاف لفظ اسميه، والوريد: عرق بين الحلقوم والعلباوين «٦» . وقوله: وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ (١٠) . طوال، يقال: قد بسق طولا، فهن طوال النخل. وقوله: لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) . يعني: الكفُرَّى «٧» ما كَانَ فِي أكمامه وهو «٨» نضيد، أي منضود بعضه، فوق بعض، فإذا خرج من «٩» أكمامه فليس بنضيد.

стр. 1019

وقوله: أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ (١٥) . يَقُولُ: كيف نعيا عندهم بالبعث ولم نعي بخلقهم أولًا؟ ثُمَّ قَالَ: «بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ» ، أي هُمْ فِي ضلال وشك. وقوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ (١٦) . الهاء لما، وَقَدْ يكون ما توسوس أن تجعل الهاء للرجل الَّذِي توسوس بِهِ- تريد- توسوس إِلَيْه وتحدثه. وقوله: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) . يقال «١» : قعيد، «٢» ولم يقل: قعيدان «٣» . حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي حِبَّانُ بْنُ عَلِيٍّ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَعِيدٌ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ يُرِيدُ- قَعُودٌ، فَجَعَلَ الْقَعِيدَ جَمْعًا، كَمَا تَجْعَلَ الرَّسُولَ لِلْقَوْمِ وَالاثْنَيْنِ «٤» . قال الله تعالى: ِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ» «٥» لموسى وأخيه، وقال الشَّاعِر: ألِكْني إليها، وخيرُ الرسو ... ل أعلَمُهم بنواحيِ الْخَبَرْ «٦» فجعل الرَّسُول للجمع، فهذا وجه، وإن شئت جعلت القعيد واحدًا اكتفى بِهِ من صاحبه، كما قَالَ الشَّاعِر: نَحْنُ بما عندنا، وأنت بما ... عندك راض، والرأي مختلف «٧» ومثله قول الفرزدق: إنّي ضمنت لمن أتاني ما جَنَى ... وأبي، «٨» وكان وكنت غير غدور «٩»

стр. 1020

وَلم يقل: غدورين. وقوله. وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ (١٩) وفي قراءة عبد الله: سكرة الحق بالموت «١» ، فإن شئت أردت (بالحق) أَنَّهُ اللَّه ، وإن شئت جعلت السكرة هِيَ الموت، أضفتها إلى نفسها كأنك قلت: جاءت السكرة الحقّ بالموت، وقوله: «سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ» يَقُولُ: بالحق الذي قَدْ كَانَ غير متبين لهم من أمر «٢» الآخرة، ويكون الحق هُوَ الموت، أي جاءت سكرة الموت بحقيقة الموت. وقوله: فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) . يَقُولُ: قَدْ كنت تُكذب، فأنت اليوم عالم نافذ البصر، والبصر هاهنا: هو العلم ليس بالعين. [١٨٢/ ا] وقوله: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) . العرب تأمر الواحد والقوم بما يؤمر بِهِ الاثنان، فيقولون للرجل: قوما عنا، وسمعت بعضهم: ويحكَ! ارحلاها وازجراها «٣» ، وأنشدني بعضهم: فقلت لصاحبي لا تحبسانا «٤» ... بنزع أصوله، واجتزَّ «٥» شيحا «٦» قَالَ: ويروى: واجدزّ «٧» يريد: واجتز، قَالَ: وأنشدني أَبُو ثروان: وإن تزجراني يا ابْنُ عفان أنزجر ... وإن تدعاني أَحْمِ عرضًا ممنَّعًا «٨» ونرى أن ذَلِكَ منهم أن الرجل أدنى أعوانه فِي إبله وغنمه اثنان، وكذلك الرِّفقة، أدنى ما يكونون «٩» ثلاثة، فجرى كلام الواحد عَلَى «١٠» صاحبيه، ألا ترى الشعراء أكثر شيء قيلا: يا صاحبىّ، يا خليلى، فقال امرؤ القيس:
следующие страницы →