← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23636

المفردات في غريب القرآن

الراغب الأصفهاني

Полный текст (881 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقال آخر: ٥٣- فإن تقويا منهم فإنهم بسل «١» أقوى المكان: إذا خلا. وقيل للشجاعة: البَسالة، إمّا لما يوصف به الشجاع من عبوس وجهه، أو لكون نفسه محرّما على أقرانه لشجاعته، أو لمنعه لما تحت يده عن أعدائه، وأَبْسَلْتُ المكان: حفظته وجعلته بسلا على من يريده، والبُسْلَةُ: أجرة الراقي «٢» ، وذلك لفظ مشتق من قول الراقي: أَبْسَلْتُ فلانا، أي: جعلته بَسَلًا، أي: شجاعا قويا على مدافعة الشيطان أو الحيّات والهوام، أو جعلته مُبْسَلًا، أي: محرّما عليها، [وسمّي ما يعطى الراقي بسلة] ، وحكي: بَسَّلْتُ الحنظل: طيّبته، فإن يكن ذلك صحيحا فمعناه: أزلت بَسَالَتَه، أي: شدّته، أو بَسْلَهُ أي: تحريمه، وهو ما فيه من المرارة الجارية مجرى كونه محرّما، و (بَسَلْ) في معنى أجل وبس «٣» بسم «٤» قال تعالى: فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها [النمل/ ١٩] . بشر البَشَرَة: ظاهر الجلد، والأدمة: باطنه، كذا قال عامّة الأدباء، وقال أبو زيد بعكس ذلك «٥» ، وغلّطه أبو العباس وغيره، وجمعها: بَشَرٌ وأَبْشَارٌ، وعبّر عن الإنسان بالبَشَر اعتبارا بظهور جلده من الشعر، بخلاف الحيوانات التي عليها الصوف أو الشعر أو الوبر، واستوى في لفظ البشر الواحد والجمع، وثني فقال تعالى: أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ [المؤمنون/ ٤٧] . وخصّ في القرآن كلّ موضع اعتبر من الإنسان جثته وظاهره بلفظ البشر، نحو: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً [الفرقان/ ٥٤] ، وقال : إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ [ص/ ٧١] ، ولمّا أراد الكفار الغضّ من الأنبياء اعتبروا ذلك فقالوا: إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر/ ٢٥] ، وقال تعالى: أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ [القمر/ ٢٤] ، ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [يس/ ١٥] ، أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا [المؤمنون/

стр. 107

٤٧] ، فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا [التغابن/ ٦] ، وعلى هذا قال: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الكهف/ ١١٠] ، تنبيها أنّ الناس يتساوون في البشرية، وإنما يتفاضلون بما يختصون به من المعارف الجليلة والأعمال الجميلة، ولذلك قال بعده: يُوحى إِلَيَّ [الكهف/ ١١٠] ، تنبيها أني بذلك تميّزت عنكم. وقال تعالى: لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [مريم/ ٢٠] فخصّ لفظ البشر، وقوله: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا [مريم/ ١٧] فعبارة عن الملائكة، ونبّه أنه تشبّح لها وتراءى لها بصورة بشر، وقوله تعالى: ما هذا بَشَراً [يوسف/ ٣١] فإعظام له وإجلال وأنه أشرف وأكرم من أن يكون جوهره جوهر البشر. وبَشَرْتُ الأديم: أصبت بشرته، نحو: أنفته ورجلته، ومنه: بَشَرَ الجراد الأرض إذا أكلته، والمباشرة: الإفضاء بالبشرتين، وكنّي بها عن الجماع في قوله: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ [البقرة/ ١٨٧] ، وقال تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ [البقرة/ ١٨٧] . وفلان مُؤْدَم مُبْشَر «١» ، أصله من قولهم: أَبْشَرَهُ الله وآدمه، أي: جعل له بشرة وأدمة محمودة، ثم عبّر بذلك عن الكامل الذي يجمع بين الفضيلتين الظاهرة والباطنة. وقيل معناه: جمع لين الأدمة وخشونة البشرة، وأَبْشَرْتُ الرجل وبَشَّرْتُهُ وبَشَرْتُهُ: أخبرته بسارّ بسط بشرة وجهه، وذلك أنّ النفس إذا سرّت انتشر الدم فيها انتشار الماء في الشجر، وبين هذه الألفاظ فروق، فإنّ بشرته عامّ، وأبشرته نحو: أحمدته، وبشّرته على التكثير، وأبشر يكون لازما ومتعديا، يقال: بَشَرْتُهُ فَأَبْشَرَ، أي: اسْتَبْشَرَ، وأَبْشَرْتُهُ، وقرئ: يُبَشِّرُكَ [آل عمران/ ٣٩] ويبشرك «٢» ويبشرك «٣» ، قال الله : لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ قالَ: أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قالُوا: بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ [الحجر/ ٥٣- ٥٤] . واستبشر: إذا وجد ما يبشّره من الفرح، قال تعالى: وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ [آل عمران/ ١٧٠] ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ [آل عمران/ ١٧١] ، وقال تعالى: وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ [الحجر/ ٦٧] . ويقال للخبر السارّ: البِشارة والبُشْرَى، قال تعالى: هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [يونس/ ٦٤] ، وقال

стр. 108

تعالى: لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ [الفرقان/ ٢٢] ، وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى [هود/ ٦٩] ، يا بُشْرى هذا غُلامٌ [يوسف/ ١٩] ، وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى [الأنفال/ ١٠] . والبشير: المُبَشِّر، قال تعالى: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً [يوسف/ ٩٦] ، فَبَشِّرْ عِبادِ [الزمر/ ١٧] ، وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ [الروم/ ٤٦] ، أي: تبشّر بالمطر. وقال ﷺ : «انقطع الوحي ولم يبق إلا المبشّرات، وهي الرؤيا الصالحة، يراها المؤمن أو ترى له» «١» وقال تعالى: فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ [يس/ ١١] ، وقال: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران/ ٢١] ، بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ [النساء/ ١٣٨] ، وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [التوبة/ ٣] فاستعارة ذلك تنبيه أنّ أسرّ ما يسمعونه الخبر بما ينالهم من العذاب، وذلك نحو قول الشاعر: ٥٤- تحيّة بينهم ضرب وجيع «٢» ويصحّ أن يكون على ذلك قوله تعالى: قُلْ: تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ [إبراهيم/ ٣٠] ، وقال : وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [الزخرف/ ١٧] . ويقال: أَبشرَ، أي: وجد بشارة، نحو: أبقل وأمحل، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت/ ٣٠] ، وأبشرت الأرض: حسن طلوع نبتها، ومنه قول ابن مسعود ﵁: (من أحبّ القرآن فليبشر) «٣» أي: فليسرّ. قال الفرّاء: إذا ثقّل فمن البشرى، وإذا خفّف فمن السرور يقال: بَشَرْتُهُ فَبَشَرَ، نحو: جبرته فجبر، وقال سيبويه «٤» : فَأَبْشَرَ، قال ابن قتيبة «٥» : هو من بشرت، الأديم، إذا رقّقت وجهه، قال: ومعناه فليضمّر نفسه، كما روي: «إنّ وراءنا عقبة لا يقطعها إلا الضّمر من الرّجال» «٦» ، وعلى الأول قول الشاعر:

стр. 109

٥٥- فأعنهم وابشر بما بشروا به ... وإذا هم نزلوا بضنك فانزل «١» وتَبَاشِير الوجه وبِشْرُهُ: ما يبدو من سروره، وتباشير الصبح: ما يبدو من أوائله. وتباشير النخيل: ما يبدو من رطبه، ويسمّى ما يعطى المبشّر: بُشْرَى وبشَارَة. بصر البَصَر يقال للجارحة الناظرة، نحو قوله تعالى: كَلَمْحِ الْبَصَرِ [النحل/ ٧٧] ، ووَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ [الأحزاب/ ١٠] ، وللقوّة التي فيها، ويقال لقوة القلب المدركة: بَصِيرَة وبَصَر، نحو قوله تعالى: فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق/ ٢٢] ، وقال: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [النجم/ ١٧] ، وجمع البصر أَبْصَار، وجمع البصيرة بَصَائِر، قال تعالى: فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ [الأحقاف/ ٢٦] ، ولا يكاد يقال للجارحة بصيرة، ويقال من الأوّل: أبصرت، ومن الثاني: أبصرته وبصرت به «٢» ، وقلّما يقال بصرت في الحاسة إذا لم تضامّه رؤية القلب، وقال تعالى في الأبصار: لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ [مريم/ ٤٢] ، وقال: رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا [السجدة/ ١٢] ، وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ [يونس/ ٤٣] ، وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ [الصافات/ ١٧٩] ، بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ [طه/ ٩٦] ومنه: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف/ ١٠٨] أي: على معرفة وتحقق. وقوله: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [القيامة/ ١٤] أي: تبصره فتشهد له، وعليه من جوارحه بصيرة تبصره فتشهد له وعليه يوم القيامة، كما قال تعالى: تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ [النور/ ٢٤] . والضرير يقال له: بصير على سبيل العكس، والأولى أنّ ذلك يقال لما له من قوة بصيرة القلب لا لما قالوه، ولهذا لا يقال له: مبصر وباصر، وقوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [الأنعام/ ١٠٣] حمله كثير من المفسرين على الجارحة، وقيل: ذلك إشارة إلى ذلك وإلى الأوهام والأفهام، كما قال أمير المؤمنين ﵁: (التوحيد أن لا تتوهمه) «٣» وقال: (كلّ ما أدركته فهو غيره) . والبَاصِرَة عبارة عن الجارحة الناظرة، يقال: رأيته لمحا باصرا «٤» ، أي: نظرا بتحديق، قال : فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً [النمل/ ١٣] ، وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً [الإسراء/ ١٢]

стр. 110

أي: مضيئة للأبصار وكذلك قوله : وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً [الإسراء/ ٥٩] ، وقيل: معناه صار أهله بصراء نحو قولهم: رجل مخبث «١» ومضعف، أي: أهله خبثاء وضعفاء، وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ [القصص/ ٤٣] أي: جعلناها عبرة لهم، وقوله: وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ [الصافات/ ١٧٩] أي: انظر حتى ترى ويرون، وقوله : وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ [العنكبوت/ ٣٨] أي: طالبين للبصيرة. ويصحّ أن يستعار الاسْتِبْصَار للإِبْصَار، نحو استعارة الاستجابة للإجابة، وقوله : وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً [ق/ ٧- ٨] أي: تبصيرا وتبيانا. يقال: بَصَّرْتُهُ تبصيرا وتبصرة، كما يقال: قدّمته تقديما وتقدمة، وذكّرته تذكيرا وتذكرة، قال تعالى: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ [المعارج/ ١٠- ١١] أي: يجعلون بصراء بآثارهم، يقال: بصَّرَ الجرو: تعرّض للإبصار لفتحه العين «٢» . والبَصْرَة: حجارة رخوة تلمع كأنّها تبصر، أو سمّيت بذلك لأنّ لها ضوءا تبصر به من بعد. ويقال له بِصْرٌ، والبَصِيرَة: قطعة من الدّم تلمع، والترس اللامع، والبُصْرُ: الناحية، والبَصِيرَةُ ما بين شقتي الثوب، والمزادة ونحوها التي يبصر منها، ثم يقال: بصرتُ الثوب والأديم: إذا خطت ذلك الموضع منه. بصل البَصَلُ معروف في قوله : وَعَدَسِها وَبَصَلِها [البقرة/ ٦١] ، وبيضة الحديد: بصل، تشبيها به لقول الشاعر: ٥٦- وتركا كالبصل «٣» بضع البِضَاعَة: قطعة وافرة من المال تقتنى للتجارة، يقال: أَبْضَعَ بِضَاعَة وابْتَضَعَهَا. قال تعالى: هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا [يوسف/ ٦٥] وقال تعالى: بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ [يوسف/ ٨٨] ، والأصل في هذه الكلمة: البَضْعُ وهو جملة من اللحم تُبْضَعُ «٤» ، أي: تقطع. يقال:

стр. 111

بَضَعْتُهُ فَابْتَضَعَ وتَبَضَّعَ، كقولك: قطعته وقطّعته فانقطع وتقطّع، والمِبْضَع: ما يبضع به، نحو: المقطع، وكنّي بالبُضْعِ عن الفرج، فقيل: ملكت بضعها، أي: تزوجتها، وبَاضَعَهَا بِضَاعاً، أي: باشرها، وفلان: حَسَنُ البَضْع والبَضِيعِ والبَضْعَة، والبضاعة عبارة عن السّمن «١» . وقيل للجزيرة المنقطعة عن البرّ: بَضِيع، وفلان بَضْعَة مني، أي: جار مجرى بعض جسدي لقربه مني، والبَاضِعَة: الشجّة التي تبضع اللحم «٢» ، والبِضع بالكسر: المنقطع من العشرة، ويقال ذلك لما بين الثلاث إلى العشرة، وقيل: بل هو فوق الخمس ودون العشرة، قال تعالى: بِضْعَ سِنِينَ [الروم/ ٤] . بطر البَطَر: دهش يعتري الإنسان من سوء احتمال النعمة وقلّة القيام بحقّها، وصرفها إلى غير وجهها. قال : بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ [الأنفال/ ٤٧] ، وقال: بَطِرَتْ مَعِيشَتَها [القصص/ ٥٨] أصله: بطرت معيشته، فصرف عنه الفعل ونصب، ويقارب البطر الطرب، وهو خطّة أكثر ما تعتري من الفرح، وقد يقال ذلك في التّرح، والبيطرة: معالجة الدابّة. بطش البَطْشُ: تناول الشيء بصولة، قال تعالى: وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ [الشعراء/ ١٣٠] ، يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى [الدخان/ ١٦] ، وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا [القمر/ ٣٦] ، إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج/ ١٢] . يقال: يد بَاطِشَة. بطل البَاطِل: نقيض الحق، وهو ما لا ثبات له عند الفحص عنه، قال تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ [الحج/ ٦٢] وقد يقال ذلك في الاعتبار إلى المقال والفعال، يقال: بَطَلَ بُطُولًا وبُطْلًا وبُطْلَاناً، وأَبْطَلَهُ غيره. قال : وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف/ ١١٨] ، وقال تعالى: لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ [آل عمران/ ٧١] ، ويقال للمستقلّ عمّا يعود بنفع دنيويّ أو أخرويّ: بَطَّال، وهو ذو بِطَالَةٍ بالكسر. وبَطَلَ دمه: إذا قتل ولم يحصل له ثأر ولا دية، وقيل للشجاع المتعرّض للموت: بَطَل، تصوّرا لبطلان دمه، كما قال الشاعر: ٥٧- فقلت لها: لا تنكحيه فإنّه ... لأوّل بُطْلٍ أن يلاقي مجمعا «٣»

стр. 112

فيكون فُعْلا بمعنى مفعول، أو لانّه يبطل دم المتعرّض له بسوء، والأول أقرب. وقد بَطُلَ الرجل بُطُولَة، صار بَطَلًا، وبُطِّلَ: نسب إلى البَطَالة، ويقال: ذهب دمه بُطْلًا أي: هدرا، والإِبطال يقال في إفساد الشيء وإزالته، حقّا كان ذلك الشيء أو باطلا، قال الله تعالى: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ [الأنفال/ ٨] ، وقد يقال فيمن يقول شيئا لا حقيقة له، نحو: وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ [الروم/ ٥٨] ، وقوله تعالى: وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ [غافر/ ٧٨] أي: الذين يبطلون الحقّ. بطن أصل البَطْن الجارحة، وجمعه بُطُون، قال تعالى: وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ [النجم/ ٣٢] ، وقد بَطَنْتُهُ: أصبت بطنه، والبَطْن: خلاف الظّهر في كلّ شيء، ويقال للجهة السفلى: بَطْنٌ، وللجهة العليا: ظهر، وبه شبّه بطن الأمر وبطن الوادي، والبطن من العرب اعتبارا بأنّهم كشخص واحد، وأنّ كلّ قبيلة منهم كعضو بطن وفخذ وكاهل، وعلى هذا الاعتبار قال الشاعر: ٥٨- النّاس جسم وإمام الهدى ... رأس وأنت العين في الرأس «١» ويقال لكلّ غامض: بطن، ولكلّ ظاهر: ظهر، ومنه: بُطْنَان القدر وظهرانها، ويقال لما تدركه الحاسة: ظاهر، ولما يخفى عنها: باطن. قال : وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ [الأنعام/ ١٢٠] ، ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [الأنعام/ ١٥١] ، والبَطِين: العظيم البطن، والبَطِنُ: الكثير الأكل، والمِبْطَان: الذي يكثر الأكل حتى يعظم بطنه، والبِطْنَة: كثرة الأكل، وقيل: (البطنة تذهب الفطنة) «٢» . وقد بَطِنَ الرجل بَطَناً: إذا أشر من الشبع ومن كثرة الأكل، وقد بَطِنَ الرجل: عظم بطنه، ومُبَطَّن: خميص البطن، وبَطَنَ الإنسان: أصيب بطنه، ومنه: رجل مَبْطُون: عليل البطن، والبِطانَة: خلاف الظهارة، وبَطَّنْتُ ثوبي بآخر: جعلته تحته. وقد بَطَنَ فلان بفلان بُطُوناً، وتستعار البِطَانَةُ

стр. 113

لمن تختصه بالاطّلاع على باطن أمرك. قال : لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ [آل عمران/ ١١٨] أي: مختصا بكم يستبطن أموركم، وذلك استعارة من بطانة الثوب، بدلالة قولهم: لبست فلانا: إذا اختصصته، وفلان شعاري ودثاري، وروي عنه ﷺ أنه قال: «ما بعث الله من نبيّ ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشرّ وتحثّه عليه» «١» . والبِطان: حزام يشدّ على البطن، وجمعه: أَبْطِنَة وبُطُن، والأَبْطَنَان: عرقان يمرّان على البطن. والبُطين: نجم هو بطن الحمل، والتَبَطُّن: دخول في باطن الأمر. والظاهر والباطن في صفات الله تعالى: لا يقال إلا مزدوجين، كالأوّل والآخر «٢» ، فالظاهر قيل: إشارة إلى معرفتنا البديهية، فإنّ الفطرة تقتضي في كلّ ما نظر إليه الإنسان أنه تعالى موجود، كما قال: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [الزخرف/ ٨٤] ، ولذلك قال بعض الحكماء: مثل طالب معرفته مثل من طوف في الآفاق في طلب ما هو معه. والبَاطِن: إشارة إلى معرفته الحقيقية، وهي التي أشار إليها أبو بكر ﵁ بقوله: يا من غاية معرفته القصور عن معرفته. وقيل: ظاهر بآياته باطن بذاته، وقيل: ظاهر بأنّه محيط بالأشياء مدرك لها، باطن من أن يحاط به، كما قال : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [الأنعام/ ١٠٣] . وقد روي عن أمير المؤمنين ﵁ ما دلّ على تفسير اللفظتين حيث قال: (تجلّى لعباده من غير أن رأوه، وأراهم نفسه من غير أن تجلّى لهم) . ومعرفة ذلك تحتاج إلى فهم ثاقب وعقل وافر. وقوله تعالى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [لقمان/ ٢٠] . قيل: الظاهرة بالنبوّة الباطنة بالعقل، وقيل: الظاهرة: المحسوسات، والباطنة: المعقولات، وقيل: الظاهرة: النصرة على الأعداء بالناس، والباطنة: النصرة بالملائكة. وكلّ ذلك يدخل في عموم الآية. بطؤ البُطْءُ: تأخر الانبعاث في السير، يقال: بَطُؤَ

стр. 114

وتَبَاطَأَ واستبطأ وأَبْطَأَ، فَبَطُؤَ إذا تخصص بالبطء، وتَبَاطَأَ تحرّى وتكلّف ذلك، واستبطأ: طلبه، وأَبْطَأَ «١» : صار ذا بطء ويقال: بَطَّأَهُ وأَبْطَأَهُ، وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ [النساء/ ٧٢] أي: يثبّط غيره. وقيل: يكثر هو التثبط في نفسه، والمقصد من ذلك أنّ منكم من يتأخر ويؤخّر غيره. بظر قرئ في بعض القراءات: (والله أخرجكم من بُظُور أمّهاتكم) «٢» ، وذلك جمع البَظَارَة، وهي اللحمة المتدلية من ضرع الشاة، والهنة الناتئة من الشفة العليا، فعبّر بها عن الهن كما عبّر عنه بالبضع. بعث أصل البَعْث: إثارة الشيء وتوجيهه، يقال: بَعَثْتُهُ فَانْبَعَثَ، ويختلف البعث بحسب اختلاف ما علّق به، فَبَعَثْتُ البعير: أثرته وسيّرته، وقوله : وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ [الأنعام/ ٣٦] ، أي: يخرجهم ويسيرهم إلى القيامة، يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً [المجادلة/ ٦] ، زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن/ ٧] ، ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ [لقمان/ ٢٨] ، فالبعث ضربان: - بشريّ، كبعث البعير، وبعث الإنسان في حاجة. - وإلهي، وذلك ضربان: - أحدهما: إيجاد الأعيان والأجناس والأنواع لا عن ليس «٣» ، وذلك يختص به الباري تعالى، ولم يقدر عليه أحد. والثاني: إحياء الموتى، وقد خص بذلك بعض أوليائه، كعيسى ﷺ وأمثاله، ومنه قوله : فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ [الروم/ ٥٦] ، يعني: يوم الحشر، وقوله : فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ [المائدة/ ٣١] ، أي: قيّضه، وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا [النحل/ ٣٦] ، نحو: أَرْسَلْنا رُسُلَنا [المؤمنون/ ٤٤] ، وقوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً [الكهف/ ١٢] ، وذلك إثارة بلا توجيه إلى مكان، وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً [النحل/ ٨٤] ، قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ [الأنعام/ ٦٥] ، وقال

стр. 115

عزّ وجلّ: فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ [البقرة/ ٢٥٩] ، وعلى هذا قوله : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ [الأنعام/ ٦٠] ، والنوم من جنس الموت فجعل التوفي فيهما، والبعث منهما سواء، وقوله : وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ [التوبة/ ٤٦] ، أي: توجههم ومضيّهم. بعثر قال الله تعالى: وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار/ ٤] ، أي: قلب ترابها وأثير ما فيها، ومن رأى تركيب الرباعي والخماسيّ من ثلاثيين نحو: تهلل وبسمل «١» : إذا قال: لا إله إلا الله وبسم الله يقول: إنّ بعثر مركّب من: بعث وأثير، وهذا لا ي بعد في هذا الحرف، فإنّ البعثرة تتضمن معنى بعث وأثير. بعد البُعْد: ضد القرب، وليس لهما حدّ محدود، وإنما ذلك بحسب اعتبار المكان بغيره، يقال ذلك في المحسوس، وهو الأكثر، وفي المعقول نحو قوله تعالى: ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً [النساء/ ١٦٧] ، وقوله : أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت/ ٤٤] ، يقال: بعد: إذا تباعد، وهو بعيد، وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود/ ٨٣] ، وبَعِدَ: مات، والبعد أكثر ما يقال في الهلاك، نحو: بَعِدَتْ ثَمُودُ [هود/ ٩٥] ، وقد قال النابغة: ٥٩- في الأدنى وفي البعد «٢» . والبَعَدُ والبُعْدُ يقال فيه وفي ضد القرب، قال تعالى: فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون/ ٤١] ، فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [المؤمنون/ ٤٤] ، وقوله تعالى: بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ [سبأ/ ٨] ، أي: الضلال الذي يصعب الرجوع منه إلى الهدى تشبيها بمن ضلّ عن محجّة الطريق بعدا متناهيا، فلا يكاد يرجى له العود إليها، وقوله : وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [هود/ ٨٩] ، أي: تقاربونهم في الضلال، فلا يبعد أن يأتيكم ما أتاهم من العذاب. (بَعْد) : يقال في مقابلة قبل، ونستوفي أنواعه في باب (قبل) إن شاء الله تعالى. بعر قال تعالى: وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ [يوسف/ ٧٢] ، البَعِير معروف، ويقع على الذكر

стр. 116

والأنثى، كالإنسان في وقوعه عليهما، وجمعه أَبْعِرَة وأَبَاعِر وبُعْرَان، والبَعْرُ: لما يسقط منه، والمِبْعَر: موضع البعر، والمِبْعَار من البعير: الكثير البعر. بعض بَعْضُ الشيء: جزء منه، ويقال ذلك بمراعاة كلّ، ولذلك يقابل به كلّ، فيقال: بعضه وكلّه، وجمعه أَبْعَاض. قال : بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [البقرة/ ٣٦] ، وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً [الأنعام/ ١٢٩] ، وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [العنكبوت/ ٢٥] ، وقد بَعَّضْتُ كذا: جعلته أبعاضا نحو جزّأته. قال أبو عبيدة: وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ [الزخرف/ ٦٣] ، أي: كلّ الذي «١» ، كقول الشاعر: ٦٠- أو يرتبط بعض النّفوس حمامها «٢» وفي قوله هذا قصور نظر منه «٣» ، وذلك أنّ الأشياء على أربعة أضرب: - ضرب في بيانه مفسدة فلا يجوز لصاحب الشريعة أن يبيّنه، كوقت القيامة ووقت الموت. - وضرب معقول يمكن للناس إدراكه من غير نبيّ، كمعرفة الله ومعرفته في خلق السموات والأرض، فلا يلزم صاحب الشرع أن يبيّنه، ألا ترى أنه كيف أحال معرفته على العقول في نحو قوله: قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [يونس/ ١٠١] ، وبقوله: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا [الأعراف/ ١٨٤] ، وغير ذلك من الآيات. - وضرب يجب عليه بيانه، كأصول الشرعيات المختصة بشرعه. - وضرب يمكن الوقوف عليه بما بيّنه صاحب الشرع، كفروع الأحكام. وإذا اختلف الناس في أمر غير الذي يختص بالمنهي بيانه فهو مخيّر بين أن يبيّن وبين ألا يبيّن حسب ما يقتضي اجتهاده وحكمته، فإذا قوله تعالى: وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ [الزخرف/ ٦٣] ، لم يرد به كل ذلك، وهذا

стр. 117

ظاهر لمن ألقى العصبية عن نفسه، وأما قول الشاعر: ٦١- أو يرتبط بعض النفوس حمامها «١» فإنه يعني به نفسه، والمعنى: إلا أن يتداركني الموت، لكن عرّض ولم يصرح، حسب ما بنيت عليه جملة الإنسان في الابتعاد من ذكر موته. قال الخليل: يقال: رأيت غربانا تَتَبَعَّضُ «٢» ، أي: يتناول بعضها بعضا، والبَعُوض بني لفظه من بعض، وذلك لصغر جسمها بالإضافة إلى سائر الحيوانات. بعل البَعْلُ هو الذكر من الزوجين، قال الله : وَهذا بَعْلِي شَيْخاً [هود/ ٧٢] ، وجمعه بُعُولَة، نحو: فحل وفحولة. قال تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ [البقرة/ ٢٢٨] ، ولما تصوّر من الرجل الاستعلاء على المرأة فجعل سائسها والقائم عليها كما قال تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ [النساء/ ٣٤] ، سمّي باسمه كل مستعل على غيره، فسمّى العرب معبودهم الذين يتقربون به إلى الله بَعْلًا، لاعتقادهم ذلك فيه في نحو قوله تعالى: أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ [الصافات/ ١٢٥] ، ويقال: أتانا بَعْلُ هذه الدابة، أي: المستعلي عليها، وقيل للأرض المستعلية على غيرها بَعْلٌ، ولفحل النخل بَعْلٌ تشبيها بالبعل من الرجال، ولما عظم حتى يشرب بعروقه بعل لاستعلائه، قال ﷺ : «فيما سقي بعلا العشر» «٣» . ولمّا كانت وطأة العالي على المستولى عليه مستثقلة في النفس قيل: أصبح فلان بَعْلًا على أهله، أي: ثقيلا لعلوّه عليهم، وبني من لفظ البعل المُبَاعَلَة والبِعَال كناية عن الجماع، وبَعَلَ الرجل «٤» يَبْعَلُ بُعُولَةً، واسْتَبْعَلَ فهو بَعْلٌ ومُسْتَبْعِلٌ: إذا صار بعلا، واستبعل النخل: عظم «٥» ، وتصوّر من البعل الذي هو النّخل قيامه في مكانه، فقيل: بَعِلَ فلانٌ بأمره: إذا أدهش وثبت مكانه ثبوت النخل في مقرّه، وذلك كقولهم: ما هو إلا شجر، فيمن لا يبرح. بغت البَغْت: مفاجأة الشيء من حيث لا يحتسب. قال تعالى: لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً [الأعراف/

стр. 118

١٨٧] ، وقال: بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً [الأنبياء/ ٤٠] ، وقال: تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً [يوسف/ ١٠٧] ، ويقال: بَغَتَ كذا فهو بَاغِت. قال الشاعر: ٦٢- إذا بغتت أشياء قد كان مثلها ... قديما فلا تعتدّها بغتات «١» بغض البُغْض: نفار النفس عن الشيء الذي ترغب عنه، وهو ضد الحبّ، فإنّ الحب انجذاب النفس إلى الشيء، الذي ترغب فيه. يقال: بَغُضَ الشيء بُغْضاً وبَغَضْتُه «٢» بَغْضَاء. قال الله : وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ [المائدة/ ٦٤] ، وقال: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ [المائدة/ ٩١] ، وقوله ﵇: «إنّ الله تعالى يبغض الفاحش المتفحّش» «٣» فذكر بغضه له تنبيه على بعد فيضه وتوفيق إحسانه منه. بغل قال الله تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ [النحل/ ٨] ، والبَغْل: المتولّد من بين الحمار والفرس، وتَبَغَّلَ البعير: تشبّه به في سعة مشيه، وتصوّر منه عرامته وخبثه، فقيل في صفة النذل: هو بغل. بغي البَغْي: طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرّى، تجاوزه أم لم يتجاوزه، فتارة يعتبر في القدر الذي هو الكمية، وتارة يعتبر في الوصف الذي هو الكيفية، يقال: بَغَيْتُ الشيء: إذا طلبت أكثر ما يجب، وابْتَغَيْتُ كذلك، قال الله : لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ [التوبة/ ٤٨] ، وقال تعالى: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ [التوبة/ ٤٧] . والبَغْيُ على ضربين: - أحدهما محمود، وهو تجاوز العدل إلى الإحسان، والفرض إلى التطوع. - والثاني مذموم، وهو تجاوز الحق إلى الباطل، أو تجاوزه إلى الشّبه، كما قال ﵊: «الحقّ بيّن والباطل بيّن، وبين ذلك أمور مشتبهات، ومن رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه» «٤» ، ولأنّ البغي قد يكون محمودا ومذموما، قال تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي

стр. 119

الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الشورى/ ٤٢] ، فخصّ العقوبة ببغيه بغير الحق. وأَبْغَيْتُك: أعنتك على طلبه، وبَغَى الجرح: تجاوز الحدّ في فساده، وبَغَتِ المرأة بِغَاءً: إذا فجرت، وذلك لتجاوزها إلى ما ليس لها. قال : وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً [النور/ ٣٣] ، وبَغَتِ السماء: تجاوزت في المطر حدّ المحتاج إليه، وبَغَى: تكبّر، وذلك لتجاوزه منزلته إلى ما ليس له، ويستعمل ذلك في أي أمر كان. قال تعالى: يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الشورى/ ٤٢] ، وقال تعالى: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ [يونس/ ٢٣] ، ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ [الحج/ ٦٠] ، إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ [القصص/ ٧٦] ، وقال: فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي [الحجرات/ ٩] ، فالبغي في أكثر المواضع مذموم، وقوله: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ [البقرة/ ١٧٣] ، أي: غير طالب ما ليس له طلبه ولا متجاوز لما رسم له. قال الحسن: غير متناول للذّة ولا متجاوز سدّ الجوعة «١» . وقال مجاهد ﵀: غير باغ على إمام ولا عاد في المعصية طريق الحق «٢» . وأمّا الابتغاء فقد خصّ بالاجتهاد في الطلب، فمتى كان الطلب لشيء محمود فالابتغاء فيه محمود نحو: ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ [الإسراء/ ٢٨] ، وابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى [الليل/ ٢٠] ، وقولهم: يَنْبغي مطاوع بغى. فإذا قيل: ينبغي أن يكون كذا؟ فيقال على وجهين: أحدهما ما يكون مسخّرا للفعل، نحو: النار ينبغي أن تحرق الثوب، والثاني: على معنى الاستئهال، نحو: فلان ينبغي أن يعطى لكرمه، وقوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [يس/ ٦٩] ، على الأول، فإنّ معناه لا يتسخّر ولا يتسهّل له، ألا ترى أنّ لسانه لم يكن يجري به، وقوله تعالى: وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص/ ٣٥] .

стр. 120

بقر البَقَر واحدته بَقَرَة. قال الله تعالى: إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا [البقرة/ ٧٠] ، وقال: بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ [البقرة/ ٦٨] ، بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها [البقرة/ ٦٩] ، ويقال في جمعه: بَاقِر «١» كحامل، و بَقِي ر كحكيم وقيل: بَيْقُور، وقيل للذكر: ثور، وذلك نحو: جمل وناقة، ورجل وامرأة. واشتق من لفظه لفظ لفعله، فقيل: بقر لأرض، أي: شق، ولما كان شقه واسعا استعمل في كلّ شق واسع. يقال: بَقَرْتُ بطنه: إذا شققته شقا واسعا، وسمّي محمد بن عليّ ﵁ بَاقِراً «٢» لتوسعه في دقائق العلوم وبقره بواطنها. وبَيْقَرَ الرجل في المال وفي غيره: اتسع فيه، وبَيْقَرَ في سفره: إذا شقّ أرضا إلى أرض متوسعا في سيره، قال الشاعر: ٦٣- ألا هل أتاها والحوادث جمّة ... بأنّ امرئ القيس بن تملك بيقرا «٣» وبَقَّرَ الصبيان: إذا لعبوا البقّيرى، وذلك إذا بقّروا حولهم حفائر. والبَيْقَرَان: نبت، قيل: إنّه يشق الأرض لخروجه ويشقّه بعروقه. بقل قوله تعالى: بَقْلِها وَقِثَّائِها [البقرة/ ٦١] ، البَقْلُ: ما لا ينبت أصله وفرعه في الشتاء، وقد اشتق من لفظه لفظ الفعل، فقيل: بَقَل، أي: نبت، وبَقَل وجه الصبيّ تشبيها به «٤» ، وكذا بَقَلَ ناب البعير، قاله ابن السكّيت «٥» . وأَبْقَلَ المكان: صار ذا بقل «٦» فهو مُبْقِلٌ، وبَقَلْتُ البقل: جززته، والمَبْقَلَة: موضعه. بقي البَقَاء: ثبات الشيء على حاله الأولى، وهو يضادّ الفناء، وقد بَقِيَ بَقَاءً، وقيل: بَقَي «٧» في الماضي موضع بقي، وفي الحديث: «بقينا رسول الله» «٨» أي: انتظرناه وترصّدنا له مدة كثيرة، والباقي ضربان: باق بنفسه لا إلى مدّة وهو الباري تعالى، ولا يصحّ عليه الفناء، وباق

стр. 121

بغيره وهو ما عداه ويصح عليه الفناء. والباقي بالله ضربان: - باق بشخصه إلى أن يشاء الله أن يفنيه، كبقاء الأجرام السماوية. - وباق بنوعه وجنسه دون شخصه وجزئه، كالإنسان والحيوان. وكذا في الآخرة باق بشخصه كأهل الجنة، فإنهم يبقون على التأبيد لا إلى مدّة، كما قال : خالِدِينَ فِيها [البقرة/ ١٦٢] . والآخر بنوعه وجنسه، كما روي عن النبيّ ﷺ : «أنّ ثمار أهل الجنة يقطفها أهلها ويأكلونها ثم تخلف مكانها مثلها» «١» ، ولكون ما في الآخرة دائما، قال الله : وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى [القصص/ ٦٠] ، وقوله تعالى: وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ [الكهف/ ٤٦] ، أي: ما يبقى ثوابه للإنسان من الأعمال، وقد فسّر بأنها الصلوات الخمس، وقيل: سبحان الله والحمد لله «٢» ، والصحيح أنها كلّ عبادة يقصد بها وجه الله تعالى «٣» ، وعلى هذا قوله: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ [هود/ ٨٦] ، وأضافها إلى الله تعالى، وقوله تعالى: فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ [الحاقة/ ٨] . أي: جماعة باقية، أو: فعلة لهم باقية. وقيل: معناه: بقية. قال: وقد جاء من المصادر ما هو على فاعل «٤» ، وما هو على بناء مفعول «٥» ، والأوّل أصح. بك بكّة هي مكة عن مجاهد، وجعله نحو: سبد رأسه وسمده، وضربة لازب ولازم في كون الباء

стр. 122

بدلا من الميم. قال : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً [آل عمران/ ٩٦] . وقيل: بطن مكة، وقيل: هي اسم المسجد، وقيل: هي البيت، وقيل: هي حيث الطواف «١» وسمّي بذلك من التَبَاكِّ، أي: الازدحام، لأنّ الناس يزدحمون فيه للطواف، وقيل: سميت مكّة بَكَّة لأنها تبكّ أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم. بكر أصل الكلمة هي البُكْرَة التي هي أوّل النهار، فاشتق من لفظه لفظ الفعل، فقيل: بَكَرَ فلان بُكُورا: إذا خرج بُكْرَةً، والبَكُور: المبالغ في البكرة، وبَكَّر في حاجته وابْتَكَر وبَاكَرَ مُبَاكَرَةً. وتصوّر منها معنى التعجيل لتقدمها على سائر أوقات النهار، فقيل لكلّ متعجل في أمر: بِكْر، قال الشاعر: ٦٤- بكرت تلومك بعد وهن في النّدى ... بسل عليك ملامتي وعتابي » وسمّي أول الولد بكرا، وكذلك أبواه في ولادته [إيّاه تعظيما له، نحو: بيت الله، وقيل: أشار إلى ثوابه وما أعدّ لصالحي عباده ممّا لا يلحقه الفناء، وهو المشار إليه بقوله تعالى: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ] «٣» [العنكبوت/ ٦٤] ، قال الشاعر: ٦٥- يا بكر بكرين ويا خلب الكبد «٤» فبكر في قوله تعالى: لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ [البقرة/ ٦٨] . هي التي لم تلد، وسمّيت التي لم تفتضّ بكرا اعتبارا بالثيّب، لتقدّمها عليها فيما يراد له النساء، وجمع البكر أبكار. قال تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً [الواقعة/ ٣٥- ٣٦] . والبَكَرَة: المحالة الصغيرة، لتصوّر السرعة فيها. بكم قال : صُمٌّ بُكْمٌ [البقرة/ ١٨] ، جمع أَبْكَم، وهو الذي يولد أخرس، فكلّ أبكم أخرس، وليس كل أخرس أبكم، قال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ [النحل/ ٧٦] ، ويقال: بَكِمَ عن

стр. 123

الكلام: إذا ضعف عنه لضعف عقله، فصار كالأبكم. بكي بَكَى يَبْكِي بُكًا وبُكَاءً، فالبكاء بالمدّ: سيلان الدمع عن حزن وعويل، يقال إذا كان الصوت أغلب كالرّغاء والثغاء وسائر هذه الأبنية الموضوعة للصوت، وبالقصر يقال إذا كان الحزن أغلب، وجمع البَاكِي بَاكُون وبُكِيّ، قال الله تعالى: خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا [مريم/ ٥٨] . وأصل بكيّ فُعُول «١» ، كقولهم: ساجد وسجود، وراكع وركوع، وقاعد وقعود، لكن قلب الواو ياء فأدغم نحو: جاث وجثيّ، وعات وعتيّ، وبكى يقال في الحزن وإسالة الدمع معا، ويقال في كل واحد منهما منفردا عن الآخر، وقوله : فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً [التوبة/ ٨٢] إشارة إلى الفرح والترح وإن لم تكن مع الضحك قهقهة ولا مع البكاء إسالة دمع. وكذلك قوله تعالى: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ [الدخان/ ٢٩] ، وقد قيل: إنّ ذلك على الحقيقة، وذلك قول من يجعل لهما حياة وعلما، وقيل: ذلك على المجاز، وتقديره: فما بكت عليهم أهل السماء. بل بَلْ كلمة للتدارك، وهو ضربان: - ضرب يناقض ما بعده ما قبله، لكن ربما يقصد به لتصحيح الحكم الذي بعده وإبطال ما قبله، وربما يقصد تصحيح الذي قبله وإبطال الثاني، فممّا قصد به تصحيح الثاني وإبطال الأول قوله تعالى: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين/ ١٣- ١٤] ، أي: ليس الأمر كما قالوا بل جهلوا، فنبّه بقوله: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ على جهلهم، وعلى هذا قوله في قصة إبراهيم قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ [الأنبياء/ ٦٢- ٦٣] . وممّا قصد به تصحيح الأول وإبطال الثاني قوله تعالى: فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ [الفجر/ ١٥- ١٧] . أي: ليس إعطاؤهم المال من الإكرام ولا منعهم من الإهانة، لكن جهلوا ذلك لوضعهم المال في غير موضعه، وعلى ذلك قوله تعالى:

стр. 124

ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ [ص/ ١- ٢] ، فإنّه دلّ بقوله: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ أنّ القرآن مقرّ للتذكر، وأن ليس امتناع الكفار من الإصغاء إليه أن ليس موضعا للذكر، بل لتعزّزهم ومشاقّتهم، وعلى هذا: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا [ق/ ١- ٢] ، أي: ليس امتناعهم من الإيمان بالقرآن أن لا مجد للقرآن، ولكن لجهلهم، ونبّه بقوله: بَلْ عَجِبُوا على جهلهم، لأنّ التعجب من الشيء يقتضي الجهل بسببه، وعلى هذا قوله : ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ [الانفطار/ ٦- ٩] ، كأنه قيل: ليس هاهنا ما يقتضي أن يغرّهم به تعالى، ولكن تكذيبهم هو الذي حملهم على ما ارتكبوه. - والضرب الثاني من «بل» : هو أن يكون مبيّنا للحكم الأول وزائدا عليه بما بعد «بل» ، نحو قوله تعالى: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ [الأنبياء/ ٥] ، فإنّه نبّه أنهم يقولون: أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ، يزيدون على ذلك أنّ الذي أتى به مفترى افتراه، بل يزيدون فيدّعون أنه كذّاب، فإنّ الشاعر في القرآن عبارة عن الكاذب بالطبع، وعلى هذا قوله تعالى: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ [الأنبياء/ ٣٩- ٤٠] ، أي: لو يعلمون ما هو زائد عن الأول وأعظم منه، وهو أن تأتيهم بغتة، وجميع ما في القرآن من لفظ «بل» لا يخرج من أحد هذين الوجهين وإن دقّ الكلام في بعضه. بلد البَلَد: المكان المحيط المحدود المتأثر باجتماع قطّانه وإقامتهم فيه، وجمعه: بِلَاد وبُلْدَان، قال : لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ [البلد/ ١] ، قيل: يعني به مكة «١» . قال تعالى: بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ [سبأ/ ١٥] ، فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً [الزخرف/ ١١] ، وقال : فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ [الأعراف/ ٥٧] ، رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً [البقرة/ ١٢٦] ، يعني: مكة وتخصيص ذلك في أحد الموضعين وتنكيره في الموضع الآخر له موضع غير هذا الكتاب «٢» .

стр. 125

وسميت المفازة بلدا لكونها موطن الوحشيات، والمقبرة بلدا لكونها موطنا للأموات، والبَلْدَة منزل من منازل القمر، والبُلْدَة: البلجة ما بين الحاجبين تشبيها بالبلد لتمدّدها، وسميت الكركرة بلدة لذلك، وربما استعير ذلك لصدر الإنسان «١» ، ولاعتبار الأثر قيل: بجلده بَلَدٌ، أي: أثر، وجمعه: أَبْلَاد، قال الشاعر: ٦٦- وفي النّحور كلوم ذات أبلاد «٢» وأَبْلَدَ الرجل: صار ذا بلد، نحو: أنجد وأتهم «٣» . وبَلِدَ: لزم البلد. ولمّا كان اللازم لموطنه كثيرا ما يتحيّر إذا حصل في غير موطنه قيل للمتحيّر: بَلُدَ في أمره وأَبْلَدَ وتَبَلَّدَ، قال الشاعر: ٦٧- لا بدّ للمحزون أن يتبلّدا «٤» ولكثرة وجود البلادة فيمن كان جلف البدن قيل: رجل أبلد، عبارة عن عظيم الخلق، وقوله تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً [الأعراف/ ٥٨] ، كنايتان عن النفوس الطاهرة والنجسة فيما قيل «٥» . بلس الإِبْلَاس: الحزن المعترض من شدة البأس، يقال: أَبْلَسَ، ومنه اشتق إبليس فيما قيل. قال : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ [الروم/ ١٢] ، وقال تعالى: أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام/ ٤٤] ، وقال تعالى: وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ [الروم/ ٤٩] . ولمّا كان المبلس كثيرا ما يلزم السكوت وينسى ما يعنيه قيل: أَبْلَسَ فلان: إذا سكت وإذا انقطعت حجّته، وأَبْلَسَتِ الناقة فهي مِبْلَاس: إذا

стр. 126

لم ترع من شدة الضبعة. وأمّا البَلَاس: للمسح، ففارسيّ معرّب «١» . بلع قال : يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ [هود/ ٤٤] ، من قولهم: بَلَعْتُ الشيء وابْتَلَعْتُهُ، ومنه: البَلُوعة. وسعد بُلَع نجم، وبَلَّعَ الشيب في رأسه: أول ما يظهر. بلغ البُلُوغ والبَلَاغ: الانتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى، مكانا كان أو زمانا، أو أمرا من الأمور المقدّرة، وربما يعبّر به عن المشارفة عليه وإن لم ينته إليه، فمن الانتهاء: بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً [الأحقاف/ ١٥] ، وقوله : فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ [البقرة/ ٢٣٢] ، وما هُمْ بِبالِغِيهِ [غافر/ ٥٦] ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ [الصافات/ ١٠٢] ، لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ [غافر/ ٣٦] ، أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ [القلم/ ٣٩] ، أي: منتهية في التوكيد. والبَلَاغ: التبليغ، نحو قوله : هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ [إبراهيم/ ٥٢] ، وقوله : بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ [الأحقاف/ ٣٥] ، وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [يس/ ١٧] ، فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ [الرعد/ ٤٠] . والبَلَاغ: الكفاية، نحو قوله : إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ [الأنبياء/ ١٠٦] ، وقوله : وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [المائدة/ ٦٧] ، أي: إن لم تبلّغ هذا أو شيئا مما حمّلت تكن في حكم من لم يبلّغ شيئا من رسالته، وذلك أنّ حكم الأنبياء وتكليفاتهم أشدّ، وليس حكمهم كحكم سائر الناس الذين يتجافى عنهم إذا خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، وأمّا قوله : فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق/ ٢] ، فللمشارفة، فإنها إذا انتهت إلى أقصى الأجل لا يصح للزوج مراجعتها وإمساكها. ويقال: بَلَّغْتُهُ الخبر وأَبْلَغْتُهُ مثله، وبلّغته أكثر، قال تعالى: أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي [الأعراف/ ٦٢] ، وقال: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة/ ٦٧] ، وقال : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ [هود/ ٥٧] ، وقال تعالى: بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ [آل عمران/ ٤٠] ، وفي موضع: وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [مريم/ ٨] ، وذلك نحو: أدركني الجهد وأدركت

стр. 127

الجهد، ولا يصحّ: بلغني المكان وأدركني. والبلاغة تقال على وجهين: - أحدهما: أن يكون بذاته بلي غا، وذلك بأن يجمع ثلاثة أوصاف: صوبا في موضوع لغته، وطبقا للمعنى المقصود به، وصدقا في نفسه «١» ، ومتى اخترم وصف من ذلك كان ناقصا في البلاغة. - والثاني: أن يكون بليغا باعتبار القائل والمقول له، وهو أن يقصد القائل أمرا فيورده على وجه حقيق أن يقبله المقول له، وقوله تعالى: وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً [النساء/ ٦٣] ، يصح حمله على المعنيين، وقول من قال «٢» : معناه قل لهم: إن أظهرتم ما في أنفسكم قتلتم، وقول من قال: خوّفهم بمكاره تنزل بهم، فإشارة إلى بعض ما يقتضيه عموم اللفظ، والبلغة: ما يتبلّغ به من العيش. بلى يقال: بَلِيَ الثوب بِلًى وبَلَاءً، أي: خلق، ومنه قيل لمن سافر: بلو سفر وبلي سفر، أي: أبلاه السفر، وبَلَوْتُهُ: اختبرته كأني أخلقته من كثرة اختباري له، وقرئ: هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ «٣» [يونس/ ٣٠] ، أي: تعرف حقيقة ما عملت، ولذلك قيل: بلوت فلانا: إذا اختبرته، وسمّي الغم بلاءً من حيث إنه يبلي الجسم، قال تعالى: وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [البقرة/ ٤٩] ، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ الآية [البقرة/ ١٥٥] ، وقال : إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ [الصافات/ ١٠٦] ، وسمي التكليف بلاء من أوجه: - أحدها: أن التكاليف كلها مشاق على الأبدان، فصارت من هذا الوجه بلاء. - والثاني: أنّها اختبارات، ولهذا قال الله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [محمد/ ٣١] . - والثالث: أنّ اختبار الله تعالى للعباد تارة بالمسار ليشكروا، وتارة بالمضار ليصبروا، فصارت المحنة والمنحة جميعا بلاء، فالمحنة مقتضية للصبر، والمنحة مقتضية للشكر. والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر فصارت المنحة أعظم البلاءين، وبهذا النظر قال عمر: (بلينا بالضراء فصبرنا وبلينا بالسراء فلم نشكر) «٤» ، ولهذا قال أمير

стр. 128

المؤمنين: من وسع عليه دنياه فلم يعلم أنه قد مكر به فهو مخدوع عن عقله «١» . وقال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء/ ٣٥] ، وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً «٢» [الأنفال/ ١٧] ، وقوله : وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [البقرة/ ٤٩] ، راجع إلى الأمرين، إلى المحنة التي في قوله : يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ [البقرة/ ٤٩] ، وإلى المنحة التي أنجاهم، وكذلك قوله تعالى: وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ [الدخان/ ٣٣] ، راجع إلى الأمرين، كما وصف كتابه بقوله: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [فصلت/ ٤٤] . وإذا قيل: ابْتَلَى فلان كذا وأَبْلَاهُ فذلك يتضمن أمرين: أحدهما تعرّف حاله والوقوف على ما يجهل من أمره، والثاني ظهور جودته ورداءته، وربما قصد به الأمران، وربما يقصد به أحدهما، فإذا قيل في الله تعالى: بلا كذا وأبلاه فليس المراد منه إلا ظهور جودته ورداءته، دون التعرف لحاله، والوقوف على ما يجهل من أمره إذ كان الله علّام الغيوب، وعلى هذا قوله : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة/ ١٢٤] . ويقال: أَبْلَيْتُ فلانا يمينا: إذا عرضت عليه اليمين لتبلوه بها «٣» . بَلَى: ردّ للنفي نحو قوله تعالى: وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً [البقرة/ ٨٠- ٨١] ، أو جواب لاستفهام مقترن بنفي نحو: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا: بَلى [الأعراف/ ١٧٢] . و (نعم) يقال في الاستفهام المجرّد نحو: فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا: نَعَمْ [الأعراف/ ٤٤] ، ولا يقال هاهنا: بلى فإذا قيل: ما عندي شيء فقلت: بلى فهو ردّ لكلامه، وإذا قلت نعم فإقرار منك. قال تعالى: فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل/ ٢٨] ، وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [سبأ/ ٣] ، وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى [الزمر/ ٧١] ، قالُوا أَوَلَمْ تَكُ

стр. 129

تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى [غافر/ ٥٠] . بنَ البَنَان: الأصابع، قيل: سمّيت بذلك لأنّ بها صلاح الأحوال التي يمكن للإنسان أن يبنّ بها، يريد: أن يقيم بها، ويقال: أَبَنَّ بالمكان يُبِنُّ «١» ، ولذلك خصّ في قوله تعالى: بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ [القيامة/ ٤] ، وقوله تعالى: وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [الأنفال/ ١٢] ، خصّه لأجل أنهم بها تقاتل وتدافع، والبَنَّة: الرائحة التي تبنّ بما تعلق به. بنى يقال: بَنَيْتُ أَبْنِي بِنَاءً وبِنْيَةً وبِنًى. قال : وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً [النبأ/ ١٢] . والبِنَاء: اسم لما يبنى بناء، قال تعالى: لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ [الزمر/ ٢٠] ، والبَنِيَّة يعبر بها عن بيت الله تعالى «٢» . قال تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ [الذاريات/ ٤٧] ، وَالسَّماءِ وَما بَناها [الشمس/ ٥] ، والبُنيان واحد لا جمع، لقوله تعالى: لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ [التوبة/ ١١٠] ، وقال: كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ [الصف/ ٤] ، قالُوا: ابْنُوا لَهُ بُنْياناً [الصافات/ ٩٧] ، وقال بعضهم: بُنْيَان جمع بُنْيَانَة، فهو مثل: شعير وشعيرة، وتمر وتمرة، ونخل ونخلة، وهذا النحو من الجمع يصح تذكيره وتأنيثه. و (ابْنُ) أصله: بنو، لقولهم في الجمع: أَبْنَاء، وفي التصغير: بُنَيّ، قال تعالى: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ [يوسف/ ٥] ، يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات/ ١٠٢] ، يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ [لقمان/ ١٣] ، يا بنيّ لا تعبد الشيطان، وسماه بذلك لكونه بناء للأب، فإنّ الأب هو الذي بناه وجعله الله بناء في إيجاده، ويقال لكلّ ما يحصل من جهة شيء أو من تربيته، أو بتفقده أو كثرة خدمته له أو قيامه بأمره: هو ابنه، نحو: فلان ابن الحرب، وابن السبيل للمسافر، وابن الليل، وابن العلم، قال الشاعر: ٦٨- أولاك بنو خير وشرّ كليهما «٣»

стр. 130

وفلان ابن بطنه وابن فرجه: إذا كان همّه مصروفا إليهما، وابن يومه: إذا لم يتفكّر في غده. قال تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَقالَتِ النَّصارى: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة/ ٣٠] . وقال تعالى: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي [هود/ ٤٥] ، إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ [يوسف/ ٨١] ، وجمع ابْن: أَبْنَاء وبَنُون، قال : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً [النحل/ ٧٢] ، وقال : يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ [يوسف/ ٦٧] ، يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف/ ٣١] ، يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ [الأعراف/ ٢٧] ، ويقال في مؤنث ابن: ابْنَة وبِنْت، وقوله تعالى: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ [هود/ ٧٨] ، وقوله: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ [هود/ ٧٩] ، فقد قيل: خاطب بذلك أكابر القوم وعرض عليهم بناته «١» لا أهل قريته كلهم، فإنه محال أن يعرض بنات له قليلة على الجمّ الغفير، وقيل: بل أشار بالبنات إلى نساء أمته، وسماهنّ بنات له لكون كلّ نبيّ بمنزلة الأب لأمته، بل لكونه أكبر وأجل الأبوين لهم كما تقدّم في ذكر الأب، وقوله تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ [النحل/ ٥٧] ، هو قولهم عن الله: إنّ الملائكة بنات الله. بهت قال الله : فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [البقرة/ ٢٥٨] ، أي: دهش وتحيّر، وقد بَهَتَهُ. قال : هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ [النور/ ١٦] أي: كذب يبهت سامعه لفظاعته. قال تعالى: وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ [الممتحنة/ ١٢] ، كناية عن الزنا «٢» ، وقيل: بل ذلك لكل فعل مستبشع يتعاطينه باليد والرّجل من تناول ما لا يجوز والمشي إلى ما يقبح، ويقال: جاء بالبَهِيتَةِ، أي: بالكذب. بهج البَهْجَة: حسن اللون وظهور السرور، وفيه قال : حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ [النمل/ ٦٠] ، وقد بَهُجَ فهو بَهِيج، قال: وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ق/ ٧] ، ويقال: بَهِجٍ، كقول الشاعر: ٦٩- ذات خلق بهج «٣» ولا يجيء منه بهوج، وقد ابْتَهَجَ بكذا، أي:

стр. 131

سرّ به سرورا بان أثره على وجهه، وأَبْهَجَهُ كذا. بهل أصل البَهْل: كون الشيء غير مراعى، والباهل: البعير المخلّى عن قيده أو عن سمة، أو المخلّى ضرعها عن صرار. قالت امرأة: أتيتك باهلا غير ذات صرار «١» ، أي: أبحت لك جميع ما كنت أملكه لم أستأثر بشيء من دونه، وأَبْهَلْتُ فلانا: خلّيته وإرادته، تشبيها بالبعير الباهل. والبَهْل والابتهال في الدعاء: الاسترسال فيه والتضرع، نحو قوله : ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ [آل عمران/ ٦١] ، ومن فسّر الابتهال باللعن فلأجل أنّ الاسترسال في هذا المكان لأجل اللعن، قال الشاعر: ٧٠- نظر الدّهر إليهم فابتهل «٢» أي: استرسل فيهم فأفناهم. بهم البُهْمَة: الحجر الصلب، وقيل للشجاع بهمة تشبيها به، وقيل لكلّ ما يصعب على الحاسة إدراكه إن كان محسوسا، وعلى الفهم إن كان معقولا: مُبْهَم. ويقال: أَبْهَمْتُ كذا فَاسْتَبْهَمَ، وأَبْهَمْتُ الباب: أغلقته إغلاقا لا يهتدى لفتحه، والبَهيمةُ: ما لا نطق له، وذلك لما في صوته من الإبهام، لكن خصّ في التعارف بما عدا السباع والطير. فقال تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ [المائدة/ ١] ، وليل بَهِيم، فعيل بمعنى مُفْعَل «٣» ، قد أبهم أمره للظلمة، أو في معنى مفعل لأنه يبهم ما يعنّ فيه فلا يدرك، وفرس بَهِيم: إذا كان على لون واحد لا يكاد تميّزه العين غاية التمييز، ومنه ما روي أنه: «يحشر الناس يوم القيامة بُهْماً» «٤» أي: عراة، وقيل: معرّون مما يتوسّمون به في الدنيا ويتزينون به، والله أعلم. والبَهْم: صغار الغنم، والبُهْمَى: نبات يستبهم منبته لشوكه، وقد أبهمت الأرض: كثر بهمها «٥» ، نحو: أعشبت وأبقلت، أي: كثر عشبها.

стр. 132

باب البَاب يقال لمدخل الشيء، وأصل ذلك: مداخل الأمكنة، كباب المدينة والدار والبيت، وجمعه: أَبْوَاب. قال تعالى: وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ [يوسف/ ٢٥] ، وقال تعالى: لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ [يوسف/ ٦٧] ، ومنه يقال في العلم: باب كذا، وهذا العلم باب إلى علم كذا، أي: به يتوصل إليه. وقال ﷺ : «أنا مدينة العلم وعليّ بابها» «١» . أي: به يتوصّل، قال الشاعر: ٧١- أتيت المروءة من بابها «٢» وقال تعالى: فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام/ ٤٤] ، وقال : بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ [الحديد/ ١٣] وقد يقال: أبواب الجنّة وأبواب جهنم للأشياء التي بها يتوصّل إليهما. قال تعالى: فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ [النحل/ ٢٩] ، وقال تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ [الزمر/ ٧٣] ، وربما قيل: هذا من بَابَة كذا، أي: ممّا يصلح له، وجمعه: بابات، وقال الخليل: بابة «٣» في الحدود، وبَوَّبْتُ بابا، أي: عملت، وأبواب مُبَوَّبَة، والبَوَّاب حافظ البيت، وتَبَوَّبْتُ بوابا: اتخذته، وأصل باب: بوب.

стр. 133

بيت أصل البيت: مأوى الإنسان بالليل، لأنه يقال: بَاتَ: أقام بالليل، كما يقال: ظلّ بالنهار ثم قد يقال للمسكن بيت من غير اعتبار الليل فيه، وجمعه أَبْيَات وبُيُوت، لكن البيوت بالمسكن أخصّ، والأبيات بالشعر. قال : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [النمل/ ٥٢] ، وقال تعالى: وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً [يونس/ ٧٨] ، لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ [النور/ ٢٧] ، ويقع ذلك على المتخذ من حجر ومدر وصوف ووبر، وبه شبّه بيت الشعر، وعبّر عن مكان الشيء بأنه بيته، وصار أهلُ البيتِ متعارفا في آل النبيّ ﵊، ونبّه النبيّ ﷺ بقوله: «سلمان منّا أهل البيت» «١» أنّ مولى القوم يصح نسبته إليهم، كما قال: «مولى القوم منهم، وابنه من أنفسهم» «٢» . وبيت الله والبيت العتيق: مكة، قال الله : وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج/ ٢٩] ، إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ [آل عمران/ ٩٦] ، وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ [البقرة/ ١٢٧] يعني: بيت الله. وقوله : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى [البقرة/ ١٨٩] ، إنما نزل في قوم كانوا يتحاشون أن يستقبلوا بيوتهم بعد إحرامهم، فنبّه تعالى أنّ ذلك مناف للبرّ «٣» ، وقوله : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ [الرعد/ ٢٣] ، معناه: بكل نوع من المسارّ، وقوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور/ ٣٦] ، قيل: بيوت النبيّ «٤» نحو: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ [الأحزاب/ ٥٣] ، وقيل: أشير بقوله: فِي بُيُوتٍ إلى أهل بيته وقومه. وقيل: أشير به إلى القلب. وقال بعض الحكماء في قول النبيّ ﷺ : «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة» «٥» : إنه أريد به القلب، وعني بالكلب الحرص بدلالة أنه يقال: كلب

стр. 134

فلان: إذا أفرط في الحرص، وقولهم: هو أحرص من كلب «١» . وقوله تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ [الحج/ ٢٦] يعني: مكة، وقالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ [التحريم/ ١١] ، أي: سهّل لي فيها مقرّا، وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً [يونس/ ٨٧] يعني: المسجد الأقصى. وقوله : فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات/ ٣٦] ، فقد قيل: إشارة إلى جماعة البيت فسمّاهم بيتا كتسمية نازل القرية قرية. والبَيَاتُ والتَّبْيِيتُ: قصد العدوّ ليلا. قال تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ [الأعراف/ ٩٧] ، بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ [الأعراف/ ٤] . والبَيُّوت: ما يفعل بالليل، قال تعالى: بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ [النساء/ ٨١] . يقال لكلّ فعل دبّر فيه بالليل: بُيِّتَ، قال تعالى: إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ [النساء/ ١٠٨] ، وعلى ذلك قوله ﵇: «لا صيام لمن لم يبيّت الصيام من الليل» «٢» . وبَاتَ فلان يفعل كذا عبارة موضوعة لما يفعل بالليل، كظلّ لما يفعل بالنهار، وهما من باب العبارات. باد قال : ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً [الكهف/ ٣٥] ، يقال: بَادَ الشيءُ يَبِيدُ بَيَاداً: إذا تفرّق وتوزّع في البَيْدَاء، أي: المفازة، وجمع البيداء: بِيد، وأتان بَيْدَانَة: تسكن البادية البيداء. بور البَوَار: فرط الكساد، ولمّا كان فرط الكساد يؤدّي إلى الفساد- كما قيل: كسد حتى فسد- عبّر بالبوار عن الهلاك، يقال: بَارَ الشيء يَبُورُ بَوَاراً وبَوْراً، قال : تِجارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر/ ٢٩] ، وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ [فاطر/ ١٠] ،

стр. 135

وروي: «نعوذ بالله من بوار الأيّم» «١» ، وقال : وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ [إبراهيم/ ٢٨] ، ويقال: رجل حائر بَائِر «٢» ، وقوم حُور بُور. وقال : حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً [الفرقان/ ١٨] ، أي: هلكى، جمع: بَائِر. وقيل: بل هو مصدر يوصف به الواحد والجمع، فيقال: رجل بور وقوم بور، وقال الشاعر: ٧٢- يا رسول المليك إنّ لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور «٣» وبَارَ الفحل الناقة: إذا تشمّمها ألاقح هي أم لا «٤» ؟، ثم يستعار ذلك للاختبار، فيقال: بُرْتُ كذا، أي: اختبرته. بئر قال : وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج/ ٤٥] ، وأصله الهمز، يقال: بَأَرْتُ بِئْراً وبَأَرْتُ بُؤْرَة، أي: حفيرة. ومنه اشتق المِئْبَر، وهو في الأصل حفيرة يستر رأسها ليقع فيها من مرّ عليها، ويقال لها: المغواة، وعبّر بها عن النميمة الموقعة في البلية، والجمع: المآبر. بؤس البُؤْسُ والبَأْسُ والبَأْسَاءُ: الشدة والمكروه، إلا أنّ البؤس في الفقر والحرب أكثر، والبأس والبأساء في النكاية، نحو: وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا [النساء/ ٨٤] ، فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ [الأنعام/ ٤٢] ، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ [البقرة/ ١٧٧] ، وقال تعالى: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ [الحشر/ ١٤] ، وقد بَؤُسَ يَبْؤُسُ، وبِعَذابٍ بَئِيسٍ [الأعراف/ ١٦٥] ، فعيل من البأس أو من البؤس، فَلا تَبْتَئِسْ [هود/ ٣٦] ، أي: لا تلزم البؤس ولا تحزن، وفي الخبر أنه ﵇: «كان يكره البُؤْسَ والتَّبَاؤُسَ والتَّبَؤُّسَ» «٥» أي: الضراعة للفقر، أو أن يجعل نفسه ذليلا، ويتكلف ذلك جميعا. و «بِئْسَ» كلمة تستعمل في جميع المذام،

стр. 136

كما أنّ نعم تستعمل في جميع الممادح، ويرفعان ما فيه الألف واللام، أو مضافا إلى ما فيه الألف واللام، نحو: بئس الرجل زيد، وبئس غلام الرجل زيد. وينصبان النكرة نحو: بئس رجلا، ولَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة/ ٧٩] ، أي: شيئا يفعلونه، قال تعالى: وَبِئْسَ الْقَرارُ [إبراهيم/ ٢٩] ، وفَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [النحل/ ٢٩] ، بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [الكهف/ ٥٠] ، لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة/ ٦٣] . وأصل: بئس: بئس، وهو من البؤس. بيض البَيَاضُ في الألوان: ضدّ السواد، يقال: ابْيَضَّ يَبْيَضُّ ابْيِضَاضاً وبَيَاضاً، فهو مُبْيَضٌّ وأَبْيَضُ. قال : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ [آل عمران/ ١٠٦- ١٠٧] . والأَبْيَض: عرق سمّي به لكونه أبيض، ولمّا كان البياض أفضل لون عندهم كما قيل: البياض أفضل، والسواد أهول، والحمرة أجمل، والصفرة أشكل، عبّر به عن الفضل والكرم بالبياض، حتى قيل لمن لم يتدنس بمعاب: هو أبيض اللون. وقوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ [آل عمران/ ١٠٦] ، فابيضاض الوجوه عبارة عن المسرّة، واسودادها عن الغم، وعلى ذلك وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا [النحل/ ٥٨] ، وعلى نحو الابيضاض قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ [القيامة/ ٢٢] ، وقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ [عبس/ ٣٨- ٣٩] . وقيل: أمّك بيضاء من قضاعة «١» وعلى ذلك قوله تعالى: بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [الصافات/ ٤٦] ، وسمّي البَيْض لبياضه، الواحدة: بَيْضَة، وكنّي عن المرأة بالبيضة تشبيها بها في اللون، وكونها مصونة تحت الجناح. وبيضة البلد يقال في المدح والذم، أمّا المدح فلمن كان مصونا من بين أهل البلد ورئيسا فيهم، وعلى ذلك قول الشاعر: ٧٣- كانت قريش بيضة فتفلّقت ... فالمحّ خالصه لعبد مناف «٢»

стр. 137

وأمّا الذم فلمن كان ذليلا معرّضا لمن يتناوله كبيضة متروكة بال بلد، أي: العراء والمفازة. وبَيْضَتَا الرجل سمّيتا بذلك تشبيها بها في الهيئة والبياض، يقال: بَاضَتِ الدجاجة، وباض كذا، أي: تمكّن. قال الشاعر: ٧٤- بداء من ذوات الضغن يأوي ... صدورهم فعشش ثمّ باض «١» وبَاضَ الحَرُّ: تمكّن، وبَاضَتْ يد المرأة: إذا ورمت ورما على هيئة البيض، ويقال: دجاجة بَيُوض، ودجاج بُيُض «٢» . بيع البَيْع: إعطاء المثمن وأخذ الثّمن، والشراء: إعطاء الثمن وأخذ المثمن، ويقال للبيع: الشراء، وللشراء البيع، وذلك بحسب ما يتصور من الثمن والمثمن، وعلى ذلك قوله : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ [يوسف/ ٢٠] ، وقال ﵇: «لا يبيعنّ أحدكم على بيع أخيه» «٣» أي: لا يشتري على شراه. وأَبَعْتُ الشيء: عرضته، نحو قول الشاعر: ٧٥- فرسا فليس جوادنا بمباع «٤» والمُبَايَعَة والمشارة تقالان فيهما، قال الله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا [البقرة/ ٢٧٥] ، وقال: وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة/ ٩] ، وقال : لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ [إبراهيم/ ٣١] ، لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ [البقرة/ ٢٥٤] ، وبَايَعَ السلطان: إذا تضمّن بذل الطاعة له بما رضخ له، ويقال لذلك: بَيْعَة ومُبَايَعَة. وقوله : فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ [التوبة/ ١١١] ، إشارة إلى بيعة الرضوان المذكورة في قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح/ ١٨] ، وإلى ما ذكر في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ الآية [التوبة/ ١١١] ، وأمّا الباع فمن الواو بدلالة قولهم: باع في السير يبوع: إذا مدّ باعه. بال البَال: الحال التي يكترث بها، ولذلك يقال: ما باليت بكذا بالة، أي: ما اكترثت به. قال: كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ [محمد/ ٢] ، وقال: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى

стр. 138

[طه/ ٥١] ، أي: فما حالهم وخبرهم. ويعبّر بالبال عن الحال الذي ينطوي عليه الإنسان، فيقال: خطر كذا ببالي. بين بَيْن موضوع للخلالة بين الشيئين ووسطهما. قال تعالى: وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً «١» [الكهف/ ٣٢] ، يقال: بَانَ كذا أي: انفصل وظهر ما كان مستترا منه، ولمّا اعتبر فيه معنى الانفصال والظهور استعمل في كلّ واحد منفردا، فقيل للبئر البعيدة القعر: بَيُون، لبعد ما بين الشفير والقعر لانفصال حبلها من يد صاحبها. وبان الصبح: ظهر، وقوله تعالى: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ «٢» [الأنعام/ ١٩٤] ، أي: وصلكم. وتحقيقه: أنه ضاع عنكم الأموال والعشيرة والأعمال التي كنتم تعتمدونها، إشارة إلى قوله سبحانه: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ [الشعراء/ ٨٨] ، وعلى ذلك قوله: لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى الآية [الأنعام/ ٩٤] . و «بَيْن» يستعمل تارة اسما وتارة ظرفا، فمن قرأ: بينكم [الأنعام/ ٩٤] ، جعله اسما، ومن قرأ: بَيْنَكُمْ جعله ظرفا غير متمكن وتركه مفتوحا، فمن الظرف قوله: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات/ ١] ، وقوله: فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً [المجادلة/ ١٢] ، فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ [ص/ ٢٢] ، وقوله تعالى: فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما [الكهف/ ٦١] ، فيجوز أن يكون مصدرا، أي: موضع المفترق. وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ [النساء/ ٩٢] . ولا يستعمل «بين» إلا فيما كان له مسافة، نحو: بين البلدين، أو له عدد ما اثنان فصاعدا نحو: الرجلين، وبين القوم، ولا يضاف إلى ما يقتضي معنى الوحدة إلا إذا كرّر، نحو: وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [فصلت/ ٥] ، فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً [طه/ ٥٨] ، ويقال: هذا الشيء بين يديك، أي: متقدما لك، ويقال: هو بين يديك أي: قريب منك، وعلى هذا قوله: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [الأعراف/ ١٧] ، ولَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا [مريم/ ٦٤] ، وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا [يس/ ٩] ، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ [المائدة/ ٤٦] ، أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [ص/ ٨] ، أي: من جملتنا، وقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [سبأ/ ٣١] ، أي: متقدّما له من الإنجيل ونحوه، وقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ

стр. 139

[الأنفال/ ١] ، أي: راعوا الأحوال التي تجمعكم من القرابة والوصلة والمودة. ويزاد في بين «ما» أو الألف، فيجعل بمنزلة «حين» ، نحو: بَيْنَمَا زيد يفعل كذا، وبَيْنَا يفعل كذا، قال الشاعر: ٧٦- بينا يعنّقه الكماة وروغه ... يوما أتيح له جريء، سلفع «١» . يقال: بَانَ واسْتَبَانَ وتَبَيَّنَ نحو عجل واستعجل وتعجّل وقد بَيَّنْتُهُ. قال الله سبحانه: وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ [العنكبوت/ ٣٨] ، وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ [إبراهيم/ ٤٥] ، ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام/ ٥٥] ، قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة/ ٢٥٦] ، قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ [آل عمران/ ١١٨] ، وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ [الزخرف/ ٦٣] ، وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل/ ٤٤] ، لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ [النحل/ ٣٩] ، فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ [آل عمران/ ٩٧] ، وقال: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ [البقرة/ ١٨٥] . ويقال: آية مُبَيَّنَة اعتبارا بمن بيّنها، وآية مُبَيِّنَة اعتبارا بنفسها، وآيات مبيّنات ومبيّنات. والبَيِّنَة: الدلالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة، وسمي الشاهدان بيّنة لقوله ﵇: «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر» «٢» ، وقال سبحانه: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ [هود/ ١٧] ، وقال: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال/ ٤٢] ، جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ [الروم/ ٩] . والبَيَان: الكشف عن الشيء، وهو أعمّ من النطق، لأنّ النطق مختص بالإنسان، ويسمّى ما بيّن به بيانا. قال بعضهم: البيان يكون على ضربين: أحدهما بالتسخير، وهو الأشياء التي تدلّ على حال من الأحوال من آثار الصنعة. والثاني بالاختبار، وذلك إما يكون نطقا، أو كتابة، أو إشارة.

стр. 140

فممّا هو بيان بالحال قوله: وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [الزخرف/ ٦٢] ، أي: كونه عدوّا بَيِّن في الحال. تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ [إبراهيم/ ١٠] . وما هو بيان بالاختبار فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل/ ٤٣- ٤٤] ، وسمّي الكلام بيانا لكشفه عن المعنى المقصود إظهاره نحو: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ [آل عمران/ ١٣٨] . وسمي ما يشرح به المجمل والمبهم من الكلام بيانا، نحو قوله: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [القيامة/ ١٩] ، ويقال: بَيَّنْتُهُ وأَبَنْتُهُ: إذا جعلت له بيانا تكشفه، نحو: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل/ ٤٤] ، وقال: نَذِيرٌ مُبِينٌ [ص/ ٧٠] ، وإِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ [الصافات/ ١٠٦] ، وَلا يَكادُ يُبِينُ [الزخرف/ ٥٢] ، أي: يبيّن، وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف/ ١٨] . باء أصل البَوَاء: مساواة الأجزاء في المكان، خلاف النّبو الذي هو منافاة الأجزاء. يقال: مكان بَوَاء: إذا لم يكن نابيا بنازله، وبَوَّأْتُ له مكانا: سوّيته فَتَبَوَّأَ، وبَاءَ فلان بدم فلان يَبُوءُ به أي: ساواه، قال تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً [يونس/ ٨٧] ، وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ [يونس/ ٩٣] ، تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ [آل عمران/ ١٢١] ، يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ [يوسف/ ٥٦] ، وروي أنه: (كان ﵇ يتبوّأ لبوله كما يتبوّأ لمنزله) «١» وبَوَّأْتُ الرمح: هيأت له مكانا، ثم قصدت الطعن به، وقال ﵇: «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوأ مقعده من النّار» «٢» ، وقال الراعي في صفة إبل: ٧٧- لها أمرها حتى إذا ما تبوّأت ... بأخفافها مأوى تبوّأ مضجعا «٣» أي: يتركها الراعي حتى إذا وجدت مكانا موافقا للرعي طلب الراعي لنفسه متبوّأ

стр. 141

لمضجعه. ويقال: تَبَوَّأَ فلان كناية عن التزوّج، كما يعبّر عنه بالبناء فيقال: بنى بأهله. ويستعمل البَوَاء في مراعاة التكافؤ في المصاهرة والقصاص، فيقال: فلان بواء لفلان إذا ساواه، وقوله : باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [الأنفال/ ١٦] ، أي: حلّ مبّوأ ومعه غضب الله، أي: عقوبته، وقوله: بِغَضَبٍ في موضع حال، كخرج بسيفه، أي: رجع، لا مفعول نحو: مرّ بزيد. واستعمال (باء) تنبيها على أنّ مكانه الموافق يلزمه فيه غضب الله، فكيف غيره من الأمكنة؟ وذلك على حدّ ما ذكر في قوله: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران/ ٢١] ، وقوله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ [المائدة/ ٢٩] أي: تقيم بهذه الحالة. قال: ٧٨- أنكرت باطلها وبؤت بحقّها «١» وقول من قال: أقررت بحقها فليس تفسيره بحسب مقتضى اللفظ «٢» . و البَاءَ ة كناية عن الجماع. وحكي عن خلف الأحمر «٣» أنه قال في قولهم: حيّاك الله وبيّاك: إنّ أصله: بوّأك منزلا، فغيّر لازدواج الكلمة، كما غيّر جمع الغداة في قولهم: آتيه الغدايا والعشايا «٤» . الباء الباء يجيء إمّا متعلّقا بفعل ظاهر معه، أو متعلّقا بمضمر، فالمتعلق بفعل ظاهر معه ضربان: - أحدهما: لتعدية الفعل، وهو جار مجرى الألف الداخل على الفعل للتعدية، نحو: ذهبت به، وأذهبته. قال تعالى: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [الفرقان/ ٧٢] . - والثاني: للآلة، نحو: قطعه بالسكين «٥» . والمتعلّق بمضمر يكون في موضع الحال، نحو: خرج بسلاحه، أي: وعليه السلاح، أو: معه السلاح. وربما قالوا: تكون زائدة، نحو: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا [يوسف/ ١٧] ،

стр. 142

وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء/ ١١٤] ، وَكَفى بِنا حاسِبِينَ [الأنبياء/ ٤٧] ، وفي كل ذلك لا ينفكّ عن معنى، ربما يدقّ فيتصور أنّ حصوله وحذفه سواء، وهما في التحقيق مختلفان، سيما في كلام من لا يقع عليه اللغو، فقوله: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا [يوسف/ ١٧] ، فبينه وبين قولك: (ما أنت مؤمنا لنا) فرق، فالمتصوّر من الكلام إذا نصبت ذات واحدة، كقولك: زيد خارج، والمتصور منه إذا قيل: (ما أنت بمؤمن لنا) ذاتان، كقولك: لقيت بزيد رجلا فاضلا، فإنّ قوله: رجلا فاضلا- وإن أريد به زيد- فقد أخرج في معرض يتصوّر منه إنسان آخر، فكأنه قال: رأيت برؤيتي لك آخر هو رجل فاضل. وعلى هذا: رأيت بك حاتما في السخاء، وعلى هذا: وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء/ ١١٤] ، وقوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ [الزمر/ ٣٦] . وقوله: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [المؤمنون/ ٢٠] قيل معناه: تنبت الدهن، وليس ذلك بالمقصود، بل المقصود أنها تنبت النبات ومعه الدهن، أي: والدهن فيه موجود بالقوة، ونبّه بلفظة بِالدُّهْنِ على ما أنعم به على عباده وهداهم إلى استنباطه. وقيل: الباء هاهنا للحال «١» ، أي: حاله أنّ فيه الدهن. والسبب فيه أنّ الهمزة والباء اللتين للتعدية لا يجتمعان، وقوله: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً [الفتح/ ٢٨] ، فقيل: كفى الله شهيدا نحو: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ [الأحزاب/ ٢٥] الباء زائدة، ولو كان ذلك كما قيل لصحّ أن يقال: كفى بالله المؤمنين القتال، وذلك غير سائغ، وإنما يجيء ذلك حيث يذكر بعده منصوب في موضع الحال كما تقدّم ذكره. والصحيح أن (كفى) هاهنا موضوع موضع اكتف، كما أنّ قولهم: أحسن بزيد، موضوع موضع ما أحسن. ومعناه: اكتف بالله شهيدا، وعلى هذا وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً [الفرقان/ ٣١] ، وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء/ ١٣٢] ، [الأحزاب/ ٤٨] ، وقوله: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت/ ٥٣] ، وعلى هذا قوله: حبّ إليّ بفلان، أي: أحبب إليّ به. وممّا ادّعي فيه الزيادة: الباء في قوله:

стр. 143

وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة/ ١٩٥] ، قيل تقديره: لا تلقوا أيديكم، والصحيح أنّ معناه: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة «١» ، إلا أنه حذف المفعول استغناء عنه وقصدا إلى العموم، فإنه لا يجوز إلقاء أنفسهم ولا إلقاء غيرهم بأيديهم إلى التهلكة. وقال بعضهم: الباء بمعنى (من) في قوله: عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين/ ٢٨] ، عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ «٢» [الإنسان/ ٦] ، والوجه ألا يصرف ذلك عمّا عليه، وأن العين هاهنا إشارة إلى المكان الذي ينبع منه الماء لا إلى الماء بعينه، نحو: نزلت بعين، فصار كقولك: مكانا يشرب به، وعلى هذا قوله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ [آل عمران/ ١٨٨] أي: بموضع الفوز. والله تعالى أعلم. تمّ كتاب الباء

стр. 144

كتاب التّاء تبَ التَبُّ والتَّبَابُ: الاستمرار في الخسران، يقال: تَبّاً له وتَبٌّ له، وتَبَبْتُهُ: إذا قلت له ذلك، ولتضمن الاستمرار قيل: اسْتَتَبَّ لفلان كذا، أي: استمرّ، وتَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد/ ١] ، أي: استمرت في خسرانه، نحو: ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ [الزمر/ ١٥] ، وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [هود/ ١٠١] ، أي: تخسير، وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ [غافر/ ٣٧] . تابوت التَّابُوت فيما بيننا معروف، أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ [البقرة/ ٢٤٨] ، قيل: كان شيئا منحوتا من الخشب فيه حكمة. وقيل: عبارة عن القلب، والسكينة عمّا فيه من العلم، وسمّي القلب سفط العلم، وبيت الحكمة، وتابوته، ووعاءه، وصندوقه، وعلى هذا قيل: اجعل سرّك في وعاء غير سرب «١» . وعلى تسميته بالتابوت قال عمر لابن مسعود ﵄: (كنيف مليء علما) «٢» . تبر التَّبْر: الكسر والإهلاك، يقال: تَبَرَهُ وتَبَّرَهُ. قال تعالى: إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ [الأعراف/ ١٣٩] ، وقال: وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً [الفرقان/ ٣٩] ، وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً [الإسراء/ ٧] ، وقوله تعالى: وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً [نوح/ ٢٨] ، أي: هلاكا. تبع يقال: تَبِعَهُ واتَّبَعَهُ: قفا أثره، وذلك تارة بالجسم، وتارة بالارتسام والائتمار، وعلى ذلك

стр. 145

قوله تعالى: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة/ ٣٨] ، قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً [يس/ ٢٠- ٢١] ، فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ [طه/ ١٢٣] ، اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف/ ٣] ، وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ [الشعراء/ ١١١] ، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي [يوسف/ ٣٨] ، ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الجاثية/ ١٨] ، وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ [البقرة/ ١٠٢] ، وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ [البقرة/ ١٦٨] ، إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ [الدخان/ ٢٣] ، وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص/ ٢٦] ، هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ [الكهف/ ٦٦] ، وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ [لقمان/ ١٥] . ويقال: أَتْبَعَه: إذا لحقه، قال تعالى: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ [الشعراء/ ٦٠] ، ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً [الكهف/ ٨٩] ، وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً [القصص/ ٤٢] ، فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ [الأعراف/ ١٧٥] ، فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً [المؤمنون/ ٤٤] . يقال: أَتْبَعْتُ عليه، أي: أحلت عليه، ويقال: أُتْبِعَ فلان بمال، أي: أحيل عليه، والتَّبِيع خصّ بولد البقر إذا تبع أمه، والتَّبَعُ: رِجْلُ الدابة، وتسميته بذلك كما قال: ٧٩- كأنّما اليدان والرجلان ... طالبتا وتر وهاربان «١» والمُتْبِعُ من البهائم: التي يتبعها ولدها، وتُبَّعٌ كانوا رؤساء، سمّوا بذلك لاتباع بعضهم بعضا في الرياسة والسياسة، وقيل: تُبَّع ملك يتبعه قومه، والجمع التَّبَابِعَة قال تعالى: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ [الدخان/ ٣٧] ، والتُّبَّعُ: الظل. تترى تَتْرَى على فعلى، من المواترة، أي: المتابعة وترا وترا، وأصلها واو فأبدلت، نحو: تراث وتجاه، فمن صرفه جعل الألف زائدة لا للتأنيث، ومن لم يصرفه جعل ألفه للتأنيث «٢» . قال تعالى: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا [المؤمنون/ ٤٤] ، أي: متواترين. قال الفرّاء «٣» : يقال: تترى في الرفع، وتترى
следующие страницы →