لمضجعه. ويقال: تَبَوَّأَ فلان كناية عن التزوّج، كما يعبّر عنه بالبناء فيقال: بنى بأهله. ويستعمل البَوَاء في مراعاة التكافؤ في المصاهرة والقصاص، فيقال: فلان بواء لفلان إذا ساواه، وقوله : باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ
[الأنفال/ ١٦] ، أي: حلّ مبّوأ ومعه غضب الله، أي: عقوبته، وقوله: بِغَضَبٍ في موضع حال، كخرج بسيفه، أي: رجع، لا مفعول نحو: مرّ بزيد. واستعمال (باء) تنبيها على أنّ مكانه الموافق يلزمه فيه غضب الله، فكيف غيره من الأمكنة؟ وذلك على حدّ ما ذكر في قوله:
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران/ ٢١] ، وقوله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ [المائدة/ ٢٩] أي: تقيم بهذه الحالة. قال:
٧٨-
أنكرت باطلها وبؤت بحقّها
«١» وقول من قال: أقررت بحقها فليس تفسيره بحسب مقتضى اللفظ «٢» . و البَاءَ ة كناية عن الجماع. وحكي عن خلف الأحمر «٣» أنه قال في قولهم: حيّاك الله وبيّاك:
إنّ أصله: بوّأك منزلا، فغيّر لازدواج الكلمة، كما غيّر جمع الغداة في قولهم: آتيه الغدايا والعشايا «٤» .
الباء
الباء يجيء إمّا متعلّقا بفعل ظاهر معه، أو متعلّقا بمضمر، فالمتعلق بفعل ظاهر معه ضربان:
- أحدهما: لتعدية الفعل، وهو جار مجرى الألف الداخل على الفعل للتعدية، نحو: ذهبت به، وأذهبته. قال تعالى: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [الفرقان/ ٧٢] .
- والثاني: للآلة، نحو: قطعه بالسكين «٥» .
والمتعلّق بمضمر يكون في موضع الحال، نحو: خرج بسلاحه، أي: وعليه السلاح، أو:
معه السلاح. وربما قالوا: تكون زائدة، نحو:
وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا [يوسف/ ١٧] ،
стр. 142
وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء/ ١١٤] ، وَكَفى بِنا حاسِبِينَ [الأنبياء/ ٤٧] ، وفي كل ذلك لا ينفكّ عن معنى، ربما يدقّ فيتصور أنّ حصوله وحذفه سواء، وهما في التحقيق مختلفان، سيما في كلام من لا يقع عليه اللغو، فقوله: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا [يوسف/ ١٧] ، فبينه وبين قولك: (ما أنت مؤمنا لنا) فرق، فالمتصوّر من الكلام إذا نصبت ذات واحدة، كقولك: زيد خارج، والمتصور منه إذا قيل: (ما أنت بمؤمن لنا) ذاتان، كقولك: لقيت بزيد رجلا فاضلا، فإنّ قوله: رجلا فاضلا- وإن أريد به زيد- فقد أخرج في معرض يتصوّر منه إنسان آخر، فكأنه قال: رأيت برؤيتي لك آخر هو رجل فاضل.
وعلى هذا: رأيت بك حاتما في السخاء، وعلى هذا: وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء/ ١١٤] ، وقوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ [الزمر/ ٣٦] .
وقوله: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [المؤمنون/ ٢٠] قيل معناه: تنبت الدهن، وليس ذلك بالمقصود، بل المقصود أنها تنبت النبات ومعه الدهن، أي: والدهن فيه موجود بالقوة، ونبّه بلفظة بِالدُّهْنِ على ما أنعم به على عباده وهداهم إلى استنباطه. وقيل: الباء هاهنا للحال «١» ، أي:
حاله أنّ فيه الدهن.
والسبب فيه أنّ الهمزة والباء اللتين للتعدية لا يجتمعان، وقوله: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً [الفتح/ ٢٨] ، فقيل: كفى الله شهيدا نحو: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ [الأحزاب/ ٢٥] الباء زائدة، ولو كان ذلك كما قيل لصحّ أن يقال:
كفى بالله المؤمنين القتال، وذلك غير سائغ، وإنما يجيء ذلك حيث يذكر بعده منصوب في موضع الحال كما تقدّم ذكره. والصحيح أن (كفى) هاهنا موضوع موضع اكتف، كما أنّ قولهم: أحسن بزيد، موضوع موضع ما أحسن. ومعناه: اكتف بالله شهيدا، وعلى هذا وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً [الفرقان/ ٣١] ، وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء/ ١٣٢] ، [الأحزاب/ ٤٨] ، وقوله: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت/ ٥٣] ، وعلى هذا قوله: حبّ إليّ بفلان، أي: أحبب إليّ به.
وممّا ادّعي فيه الزيادة: الباء في قوله:
стр. 143
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة/ ١٩٥] ، قيل تقديره: لا تلقوا أيديكم، والصحيح أنّ معناه: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة «١» ، إلا أنه حذف المفعول استغناء عنه وقصدا إلى العموم، فإنه لا يجوز إلقاء أنفسهم ولا إلقاء غيرهم بأيديهم إلى التهلكة.
وقال بعضهم: الباء بمعنى (من) في قوله:
عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين/ ٢٨] ، عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ «٢» [الإنسان/ ٦] ، والوجه ألا يصرف ذلك عمّا عليه، وأن العين هاهنا إشارة إلى المكان الذي ينبع منه الماء لا إلى الماء بعينه، نحو: نزلت بعين، فصار كقولك: مكانا يشرب به، وعلى هذا قوله تعالى:
فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ [آل عمران/ ١٨٨] أي: بموضع الفوز. والله تعالى أعلم.
تمّ كتاب الباء
стр. 144
كتاب التّاء
تبَ
التَبُّ والتَّبَابُ: الاستمرار في الخسران، يقال: تَبّاً له وتَبٌّ له، وتَبَبْتُهُ: إذا قلت له ذلك، ولتضمن الاستمرار قيل: اسْتَتَبَّ لفلان كذا، أي: استمرّ، وتَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ
[المسد/ ١] ، أي: استمرت في خسرانه، نحو: ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ [الزمر/ ١٥] ، وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [هود/ ١٠١] ، أي:
تخسير، وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ [غافر/ ٣٧] .
تابوت
التَّابُوت فيما بيننا معروف، أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ [البقرة/ ٢٤٨] ، قيل: كان شيئا منحوتا من الخشب فيه حكمة. وقيل: عبارة عن القلب، والسكينة عمّا فيه من العلم، وسمّي القلب سفط العلم، وبيت الحكمة، وتابوته، ووعاءه، وصندوقه، وعلى هذا قيل: اجعل سرّك في وعاء غير سرب «١» . وعلى تسميته بالتابوت قال عمر لابن مسعود ﵄: (كنيف مليء علما) «٢» .
تبر
التَّبْر: الكسر والإهلاك، يقال: تَبَرَهُ وتَبَّرَهُ.
قال تعالى: إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ
[الأعراف/ ١٣٩] ، وقال: وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً
[الفرقان/ ٣٩] ، وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً [الإسراء/ ٧] ، وقوله تعالى: وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً [نوح/ ٢٨] ، أي: هلاكا.
تبع
يقال: تَبِعَهُ واتَّبَعَهُ: قفا أثره، وذلك تارة بالجسم، وتارة بالارتسام والائتمار، وعلى ذلك
стр. 145
قوله تعالى: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة/ ٣٨] ، قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً [يس/ ٢٠- ٢١] ، فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ [طه/ ١٢٣] ، اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف/ ٣] ، وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ [الشعراء/ ١١١] ، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي [يوسف/ ٣٨] ، ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الجاثية/ ١٨] ، وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ [البقرة/ ١٠٢] ، وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ [البقرة/ ١٦٨] ، إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ [الدخان/ ٢٣] ، وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص/ ٢٦] ، هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ [الكهف/ ٦٦] ، وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ [لقمان/ ١٥] .
ويقال: أَتْبَعَه: إذا لحقه، قال تعالى:
فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ [الشعراء/ ٦٠] ، ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً [الكهف/ ٨٩] ، وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً [القصص/ ٤٢] ، فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ [الأعراف/ ١٧٥] ، فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً [المؤمنون/ ٤٤] .
يقال: أَتْبَعْتُ عليه، أي: أحلت عليه، ويقال: أُتْبِعَ فلان بمال، أي: أحيل عليه، والتَّبِيع خصّ بولد البقر إذا تبع أمه، والتَّبَعُ: رِجْلُ الدابة، وتسميته بذلك كما قال:
٧٩-
كأنّما اليدان والرجلان ... طالبتا وتر وهاربان
«١» والمُتْبِعُ من البهائم: التي يتبعها ولدها، وتُبَّعٌ كانوا رؤساء، سمّوا بذلك لاتباع بعضهم بعضا في الرياسة والسياسة، وقيل: تُبَّع ملك يتبعه قومه، والجمع التَّبَابِعَة قال تعالى: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ [الدخان/ ٣٧] ، والتُّبَّعُ: الظل.
تترى
تَتْرَى على فعلى، من المواترة، أي: المتابعة وترا وترا، وأصلها واو فأبدلت، نحو: تراث وتجاه، فمن صرفه جعل الألف زائدة لا للتأنيث، ومن لم يصرفه جعل ألفه للتأنيث «٢» .
قال تعالى: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا [المؤمنون/ ٤٤] ، أي: متواترين.
قال الفرّاء «٣» : يقال: تترى في الرفع، وتترى
стр. 146
في الجرّ وتترى في النصب، والألف فيه بدل من التنوين. وقال ثعلب: هي تفعل. قال أبو علي الفسوي: ذلك غلط، لأنه ليس في الصفات تفعل.
تجر
التِّجَارَة: التصرّف في رأس المال طلبا للربح، يقال: تَجَرَ يَتْجُرُ، وتَاجِر وتَجْر، كصاحب وصحب، قال: وليس في كلامهم تاء بعدها جيم غير هذا اللفظ «١» ، فأمّا تجاه فأصله وجاه، وتجوب التاء للمضارعة، وقوله تعالى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [الصف/ ١٠] ، فقد فسّر هذه التجارة بقوله:
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ «٢» [الصف/ ١١] ، إلى آخر الآية. وقال: اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة/ ١٦] ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ [النساء/ ٢٩] ، تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ [البقرة/ ٢٨٢] .
قال ابن الأعرابي «٣» : فلان تاجر بكذا، أي: حاذق به، عارف الوجه المكتسب منه.
تحت
تَحْت مقابل لفوق، قال تعالى: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [المائدة/ ٦٦] ، وقوله تعالى: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [الحج/ ٢٣] ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ [يونس/ ٩] ، فَناداها مِنْ تَحْتِها [مريم/ ٢٤] ، يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [العنكبوت/ ٥٥] . و «تحت» :
يستعمل في المنفصل، و «أسفل» في المتصل، يقال: المال تحته، وأسفله أغلظ من أعلاه، وفي الحديث: «لا تقوم الساعة حتى يظهر التُّحُوت» «٤» أي: الأراذل من الناس. وقيل: بل ذلك إشارة إلى ما قال سبحانه: وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ [الانشقاق/ ٣- ٤] .
تخذ
تَخِذَ بمعنى أخذ، قال:
стр. 147
٧٩-
وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها ... نسيفا كأفحوص القطاة المطرّق
«١» واتّخذ: افتعل منه، أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي [الكهف/ ٥٠] ، قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً [البقرة/ ٨٠] ، وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً [مريم/ ٨١] ، وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة/ ١٢٥] ، لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [الممتحنة/ ١] ، لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً [الكهف/ ٧٧] .
ترب
التُّرَاب معروف، قال تعالى: أَإِذا كُنَّا تُراباً [الرعد/ ٥] ، وقال تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ [فاطر/ ١١] ، الَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[النبأ/ ٤٠] . وتَرِبَ: افتقر، كأنه لصق بالتراب، قال تعالى: أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ
[البلد/ ١٦] ، أي: ذا لصوق بالتراب لفقره. وأَتْرَبَ:
استغنى، كأنه صار له المال بقدر التراب، والتَّرْبَاء: الأرض نفسها، والتَّيْرَب واحد التَّيَارب، والتَّوْرَب والتَّوْرَاب: التراب، وريح تَرِبَة: تأتي بالتراب، ومنه قوله ﵇:
«عليك بذات الدّين تَرِبَتْ يداك» «٢» تنبيها على أنه لا يفوتنّك ذات الدين، فلا يحصل لك ما ترومه فتفتقر من حيث لا تشعر.
وبارح تَرِبٌ «٣» : ريح فيها تراب، والترائب:
ضلوع الصدر، الواحدة: تَرِيبَة. قال تعالى:
يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ [الطارق/ ٧] ، وقوله: أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً
[الواقعة/ ٣٦- ٣٧] ، وَكَواعِبَ أَتْراباً [النبأ/ ٣٣] ، وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ [ص/ ٥٢] ، أي: لدات، تنشأن معا تشبيها في التساوي والتماثل بالترائب التي هي ضلوع الصدر، أو لوقوعهنّ معا على الأرض، وقيل:
لأنهنّ في حال الصبا يلعبن بالتراب معا.
ترث
وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ
[الفجر/ ١٩] ، أصله:
وراث، وهو من باب الواو.
تفث
قال تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ
[الحج/ ٢٩] ، أي: يزيلوا وسخهم. يقال: قضى الشيء يقضي: إذا قطعه وأزاله. وأصل التَّفْث: وسخ الظفر وغير ذلك، مما شابه أن يزال عن البدن.
قال أعرابيّ: ما أَتْفَثَكَ وأدرنك.
стр. 148
ترف
التُّرْفَةُ: التوسع في النعمة، يقال: أُتْرِفَ فلان فهو مُتْرَف. أَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [المؤمنون/ ٣٣] ، وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ [هود/ ١١٦] ، وقال: ارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ [الأنبياء/ ١٣] ، وأَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ [المؤمنون/ ٦٤] ، وهم الموصوفون بقوله سبحانه: فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ [الفجر/ ١٥] .
ترق
قال تعالى: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ وَقِيلَ مَنْ راقٍ
[القيامة/ ٢٦] ، جمع تَرْقُوَة، وهي عظم وصل ما بين ثغرة النحر والعاتق.
ترك
تَرْكُ الشيء: رفضه قصدا واختيارا، أو قهرا واضطرارا، فمن الأول: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ
[الكهف/ ٩٩] ، وقوله:
وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً
[الدخان/ ٢٤] ، ومن الثاني: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ [الدخان/ ٢٥] ، ومنه: تَرِكَة فلان لما يخلفه بعد موته، وقد يقال في كل فعل ينتهي به إلى حالة ما تركته كذا، أو يجري مجرى جعلته كذا، نحو: تركت فلانا وحيدا. والتَّرِيكَة أصله: البيض المتروك في مفازته، ويسمى بيضة الحديد بها كتسميتهم إياها بالبيضة.
تسعة
التِّسْعَة في العدد معروفة وكذا التِّسْعُون، قال تعالى: تِسْعَةُ رَهْطٍ [النمل/ ٤٨] ، تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً [ص/ ٢٣] ، ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً [الكهف/ ٢٥] ، عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر/ ٣٠] ، والتِّسْع: من أظماء الإبل «١» ، والتُّسْع: جزء من تسعة «٢» ، والتُّسَعُ ثلاث ليال من الشهر آخرها التاسعة «٣» ، وتَسَعْتُ القوم: أخذت تسع أموالهم، أو كنت لهم تاسعا.
تعس
التَّعْس: أن لا ينتعش من العثرة وأن ينكسر في سفال، وتَعِسَ «٤» تَعْساً وتَعْسَةً. قال تعالى:
فَتَعْساً لَهُمْ [محمد/ ٨] .
تقوى
تاء تقوى مقلوب من الواو، وذلك مذكور في بابه «٥» .
стр. 149
تكأ
المُتَّكَأ: المكان الذي يتكأ عليه، والمخدّة:
المتكأ عليها، وقوله تعالى: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً [يوسف/ ٣١] ، أي: أترجا «١» . وقيل:
طعاما متناولا، من قولك: اتكأ على كذا فأكله، قال تعالى: قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها
[طه/ ١٨] ، مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ
[الطور/ ٢٠] ، عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ [يس/ ٥٦] ، مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ [الواقعة/ ١٦] .
تلَ
أصل التَّلِّ: المكان المرتفع، والتَّلِيل:
العنق، وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ
[الصافات/ ١٠٣] ، أسقطه على التل، كقولك: ترّبه: أسقطه على التراب، وقيل: أسقطه على تليله، والمِتَّل:
الرمح الذي يتل «٢» به.
تلو
تَلَاهُ: تبعه متابعة ليس بينهم ما ليس منها، وذلك يكون تارة بالجسم وتارة بالاقتداء في الحكم، ومصدره: تُلُوٌّ وتُلْوٌ، وتارة بالقراءة وتدبّر المعنى، ومصدره: تِلَاوَة وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها [الشمس/ ٢] ، أراد به هاهنا الاتباع على سبيل الاقتداء والمرتبة، وذلك أنه يقال: إنّ القمر هو يقتبس النور من الشمس وهو لها بمنزلة الخليفة، وقيل: وعلى هذا نبّه قوله: وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً [الفرقان/ ٦١] ، فأخبر أنّ الشمس بمنزلة السراج، والقمر بمنزلة النور المقتبس منه، وعلى هذا قوله تعالى: جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً [يونس/ ٥] ، والضياء أعلى مرتبة من النور، إذ كل ضياء نور، وليس كل نور ضياء. وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ [هود/ ١٧] ، أي:
يقتدي به ويعمل بموجب قوله: يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ [آل عمران/ ١١٣] . والتلاوة تختص باتباع كتب الله المنزلة، تارة بالقراءة، وتارة بالارتسام لما فيها من أمر ونهي، وترغيب وترهيب. أو ما يتوهم فيه ذلك، وهو أخصّ من القراءة، فكل تلاوة قراءة، وليس كل قراءة تلاوة، لا يقال: تلوت رقعتك، وإنما يقال في القرآن في شيء إذا قرأته وجب عليك اتباعه. هنالك تتلوا كلّ نفس ما أسلفت «٣» [يونس/ ٣٠] ، وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا [الأنفال/ ٣١] ، أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ
стр. 150
[العنكبوت/ ٥١] ، قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ [يونس/ ١٦] ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً [الأنفال/ ٢] ، فهذا بالقراءة، وكذلك: وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ [الكهف/ ٢٧] ، وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ [المائدة/ ٢٧] ، فَالتَّالِياتِ ذِكْراً [الصافات/ ٣] .
وأمّا قوله: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ [البقرة/ ١٢١] فاتباع له بالعلم والعمل، ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [آل عمران/ ٥٨] أي: ننزله، وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ [البقرة/ ١٠٢] ، واستعمل فيه لفظ التلاوة لما كان يزعم الشيطان أنّ ما يتلونه من كتب الله. والتِّلَاوَة والتَّلِيَّة: بقية مما يتلى، أي: يتّبع.
وأَتليته أي: أبقيت «١» منه تلاوة، أي: تركته قادرا على أن يتلوه، وأَتْلَيْتُ فلانا على فلان بحق، أي: أحلته عليه، ويقال: فلان يَتْلُو على فلان ويقول عليه، أي: يكذب عليه، قال:
وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [آل عمران/ ٧٥] ويقال: لا دَرِيَ ولا تَلِيَ، و «لا دَرَيْتَ ولا تَلِيتَ» «٢» وأصله ولا تلوت، فقلب للمزاوجة كما قيل:
«مأزورات غير مأجورات» «٣» وإنما هو موزورات.
تمَ
تَمَام الشيء: انتهاؤه إلى حدّ لا يحتاج إلى شيء خارج عنه، والناقص: ما يحتاج إلى شيء خارج عنه. ويقال ذلك للمعدود والممسوح، تقول: عدد تَامٌّ وليل تام، قال: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ
[الأنعام/ ١١٥] ، وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ
[الصف/ ٨] ، وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ
[الأعراف/ ١٤٢] .
توراة
التوراة التاء فيه مقلوب، وأصله من الورى، وبناؤها عند الكوفيين: ووراة، تفعلة «٤» ، وقال بعضهم: هي تفعلة نحو تنفلة «٥» ، وليس في كلامهم تفعلة اسما. وعند البصريين وورية، هي فوعلة نحو حوصلة. قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ [المائدة/ ٤٤] ، ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ، وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ [الفتح/ ٢٩] .
تارة
أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى
[الإسراء/
стр. 151
٦٩] ، وقال تعالى: وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى [طه/ ٥٥] ، أي مرّة وكرّة أخرى، هو فيما قيل من تار الجرح: التأم.
تين
قال تعالى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ
[التين/ ١] قيل: هما جبلان، وقيل: هما المأكولان.
وتحقيق موردهما واختصاصهما يتعلق بما بعد هذا الكتاب.
توب
التَّوْبُ: ترك الذنب على أجمل الوجوه «١» ، وهو أبلغ وجوه الاعتذار، فإنّ الاعتذار على ثلاثة أوجه: إمّا أن يقول المعتذر: لم أفعل، أو يقول:
فعلت لأجل كذا، أو فعلت وأسأت وقد أقلعت، ولا رابع لذلك، وهذا الأخير هو التوبة، والتَّوْبَةُ في الشرع: ترك الذنب لقبحه والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالأعمال بالإعادة، فمتى اجتمعت هذه الأربع فقد كملت شرائط التوبة. وتاب إلى الله، فذكر «إلى الله» يقتضي الإنابة، نحو: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ
[البقرة/ ٥٤] ، وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً [النور/ ٣١] ، أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ
[المائدة/ ٧٤] ، وتَابَ الله عليه، أي: قبل توبته، منه: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ
[التوبة/ ١١٧] ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة/ ١١٨] ، فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ [البقرة/ ١٨٧] .
والتائب يقال لباذل التوبة ولقابل التوبة، فالعبد تائب إلى الله، والله تائب على عبده.
والتَّوَّاب: العبد الكثير التوبة، وذلك بتركه كلّ وقت بعض الذنوب على الترتيب حتى يصير تاركا لجميعه، وقد يقال ذلك لله تعالى لكثرة قبوله توبة العباد «٢» حالا بعد حال. وقوله: وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً [الفرقان/ ٧١] ، أي: التوبة التامة، وهو الجمع بين ترك القبيح وتحري الجميل. عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ
[الرعد/ ٣٠] ، إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة/ ٥٤] .
التيه
يقال: تَاهَ يَتِيهُ: إذا تحيّر، وتاه يتوه لغة في تاه يتيه، وفي قصة بني إسرائيل: أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ
[المائدة/ ٢٦] ، وتوّهه وتَيَّهَهُ: إذا حيّره وطرحه. ووقع في التِّيهِ والتوه، أي في مواضع الحيرة، ومفازة تَيْهَاء: تحيّر سالكوها.
стр. 152
التاءات
التاء في أول الكلمة للقسم نحو: تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ «١» [الأنبياء/ ٥٧] ، وللمخاطب في الفعل المستقبل، نحو: تُكْرِهُ النَّاسَ [يونس/ ٩٩] ، وللتأنيث، نحو:
تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ [فصلت/ ٣٠] .
وفي آخر الكلمة تكون إمّا زائدة للتأنيث، فتصير في الوقف هاء نحو قائمة، أو تكون ثابتة في الوقف والوصل، وذلك في أخت وبنت، أو تكون في الجمع مع الألف نحو مسلمات ومؤمنات. وفي آخر الفعل الماضي لضمير المتكلم، نحو قوله تعالى: وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً [المدثر/ ١٢] ، أو للمخاطب مفتوحا نحو: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة/ ٧] ، ولضمير المخاطبة مكسورا نحو: لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا [مريم/ ٢٧] ، والله أعلم.
تمّ كتاب التاء
стр. 153
كتاب الثَّاء
ثبت
الثَّبَات ضدّ الزوال، يقال: ثَبَتَ يَثْبُتُ ثَبَاتاً، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا [الأنفال/ ٤٥] ، ورجل ثَبْتٌ وثَبِيتٌ في الحرب، وأَثْبَتَهُ السقم «١» ، ويقال ذلك للموجود بالبصر أو البصيرة، فيقال: فلان ثَابِت عندي، ونبوّة النبيّ ﷺ ثابتة، والإثبات والتَّثْبِيت تارة يقال بالفعل، فيقال لما يخرج من العدم إلى الوجود، نحو: أثبت الله كذا، وتارة لما يثبت بالحكم، فيقال: أثبت الحاكم على فلان كذا وثبّته، وتارة لما يكون بالقول، سواء كان ذلك صدقا منه أو كذبا، فيقال: أثبت التوحيد وصدق النبوّة «٢» ، وفلان أثبت مع الله إلها آخر، وقوله تعالى:
لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ [الأنفال/ ٣٠] ، أي:
يثبّطوك ويحيّروك، وقوله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [إبراهيم/ ٢٧] ، أي: يقويهم بالحجج القوية، وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً [النساء/ ٦٦] ، أي: أشد لتحصيل علمهم. وقيل: أثبت لأعمالهم واجتناء ثمرة أفعالهم، وأن يكونوا بخلاف من قال فيهم: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [الفرقان/ ٢٣] ، يقال: ثبَّتُّهُ، أي: قوّيته، قال الله تعالى: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ [الإسراء/ ٧٤] ، وقال: فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال/ ١٢] ، وقال: وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ [البقرة/ ٢٦٥] ، وقال: وَثَبِّتْ أَقْدامَنا [البقرة/ ٢٥٠] .
ثبر
الثُّبُور: الهلاك والفساد، المُثَابِر على الإتيان، أي: المواظب، من قولهم: ثَابَرْتُ. قال تعالى:
دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً
стр. 154
وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً [الفرقان/ ١٣- ١٤] ، وقوله تعالى: وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً
[الإسراء/ ١٠٢] ، قال ابن عباس ﵁: يعني ناقص العقل «١» . ونقصان العقل أعظم هلك. وثبير جبل بمكة.
ثبط
قال الله تعالى: فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ
[التوبة/ ٤٦] ، حبسهم وشغلهم، يقال: ثَبَّطَه المرض وأَثْبَطَه: إذا حبسه ومنعه ولم يكد يفارقه.
ثبا
قال تعالى: فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً
[النساء/ ٧١] ، هي جمع ثُبَة، أي: جماعة منفردة. قال الشاعر:
٨٠-
وقد أغدو على ثبة كرام
«٢» ومنه: ثَبَّيْتُ على فلان «٣» ، أي: ذكرت متفرّق محاسنه. ويصغر ثُبَيَّة، ويجمع على ثُبَاتٍ وثُبِين، والمحذوف منه اللام، وأمّا ثُبَة الحوض فوسطه الذي يثوب إليه الماء، والمحذوف منه عينه لا لامه «٤» .
ثجَ
يقال: ثَجَّ الماء، وأتى الوادي بِثَجِيجِه. قال الله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً
[النبأ/ ١٤] ، وفي الحديث: «أفضل الحجّ العجّ والثَّجُّ» «٥» أي: رفع الصوت بالتلبية، وإسالة دم الهدي.
ثخن
يقال ثَخُنَ الشيء فهو ثَخِين: إذا غلظ فلم يسل، ولم يستمر في ذهابه، ومنه استعير قولهم:
أَثْخَنْتُهُ ضربا واستخفافا. قال الله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ
[الأنفال/ ٦٧] ، حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ [محمد/ ٤] .
стр. 155
ثرب
التَّثْرِيب: التقريع والتقرير بالذنب. قال تعالى: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [يوسف/ ٩٢] ، وروي: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يثرّبها» «١» ، ولا يعرف من لفظه إلا قولهم:
الثَّرْبُ، وهو شحمة رقيقة، وقوله تعالى: يا أَهْلَ يَثْرِبَ
[الأحزاب/ ١٣] ، أي: أهل المدينة، يصح أن يكون أصله من هذا الباب والياء تكون فيه زائدة.
ثعب
قال : فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
[الأعراف/ ١٠٧] ، يجوز أن يكون سمّي بذلك من قوله: ثَعَبْتُ الماء فَانْثَعَبَ، أي: فجّرته وأسلته فسال، ومنه: ثَعَبَ المطر، والثُّعْبَة:
ضرب من الوزغ وجمعها: ثُعَبٌ، كأنّه شبّه بالثعبان في هيئته، فاختصر لفظه من لفظه لكونه مختصرا منه في الهيئة.
ثقب
الثَّاقِب: المضيء الذي يثقب بنوره وإضاءته ما يقع عليه. قال الله تعالى: فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ [الصافات/ ١٠] ، وقال تعالى: وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق/ ٢- ٣] ، وأصله من الثُّقْبَة، والمَثْقَب: الطريق في الجبل، كأنه قد ثقب، وقال أبو عمرو:
والصحيح: المِثْقَب «٢» ، وقالوا: ثَقَبْتُ النار، أي: ذكيتها.
ثقف
الثَّقْفُ: الحذق في إدراك الشيء وفعله، ومنه قيل: رجل ثَقِفٌ، أي: حاذق في إدراك الشيء وفعله، ومنه استعير: المُثَاقَفَة «٣» ، ورمح مُثَقَّف، أي: مقوّم، وما يُثَقَّفُ به: الثِّقَاف، ويقال: ثَقِفْتُ كذا: إذا أدركته ببصرك لحذق في النظر، ثم يتجوّز به فيستعمل في الإدراك وإن لم تكن معه ثِقَافَة. قال الله تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة/ ١٩١] ، وقال :
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ [الأنفال/ ٥٧] ، وقال : مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا [الأحزاب/ ٦١] .
ثقل
الثِّقْل والخفّة متقابلان، فكل ما يترجح على
стр. 156
ما يوزن به أو يقدّر به يقال: هو ثَقِيل، وأصله في الأجسام ثم يقال في المعاني، نحو: أَثْقَلَه الغرم والوزر. قال الله تعالى: أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ
[الطور/ ٤٠] ، والثقيل في الإنسان يستعمل تارة في الذم، وهو أكثر في التعارف، وتارة في المدح نحو قول الشاعر:
٨١-
تخفّ الأرض إذا ما زلت عنها ... وتبقى ما بقيت بها ثقيلا
٨٢-
حللت بمستقر العزّ منها ... فتمنع جانبيها أن تميلا
«١» ويقال: في أذنه ثقل: إذا لم يجد سمعه، كما يقال: في أذنه خفّة: إذا جاد سمعه. كأنه يثقل عن قبول ما يلقى إليه، وقد يقال: ثَقُلَ القول إذا لم يطب سماعه، ولذلك قال في صفة يوم القيامة: ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الأعراف/ ١٨٧] ، وقوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها
[الزلزلة/ ٢] ، قيل: كنوزها، وقيل: ما تضمّنته من أجساد البشر عند الحشر والبعث، وقال تعالى: وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ [النحل/ ٧] ، أي: أحمالكم الثقيلة، وقال : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [العنكبوت/ ١٣] ، أي: آثامهم التي تثقلهم وتثبطهم عن الثواب، كقوله تعالى:
لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ [النحل/ ٢٥] ، وقوله : انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا
[التوبة/ ٤١] ، قيل: شبّانا وشيوخا «٢» ، وقيل: فقراء وأغنياء، وقيل: غرباء ومستوطنين، وقيل: نشّاطا وكسالى، وكلّ ذلك يدخل في عمومها، فإنّ القصد بالآية الحثّ على النفر على كل حال تصعّب أو تسهّل. والمِثْقَال: ما يوزن به، وهو من الثّقل، وذلك اسم لكل سنج قال تعالى: وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ [الأنبياء/ ٤٧] ، وقال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة/ ٧- ٨] ، وقوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ [القارعة/ ٦- ٧] ، فإشارة إلى كثرة الخيرات، وقوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ [القارعة/ ٨] ، فإشارة إلى قلّة الخيرات.
والثقيل والخفيف يستعمل على وجهين:
أحدهما على سبيل المضايفة، وهو أن لا يقال لشيء ثقيل أو خفيف إلا باعتباره بغيره، ولهذا
стр. 157
يصحّ للشيء الواحد أن يقال خفيف إذا اعتبرته بما هو أثقل منه، وثقيل إذا اعتبرته بما هو أخفّ منه، وعلى هذه الآية المتقدمة آنفا.
والثاني أن يستعمل الثقيل في الأجسام المرجّحة إلى أسفل، كالحجر والمدر، والخفيف يقال في الأجسام المائلة إلى الصعود كالنار والدخان، ومن هذا الثقل قوله تعالى: اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ
[التوبة/ ٣٨] .
ثل ث
الثَّلَاثَة والثَّلَاثُون، والثَّلَاث والثَّلَاثُمِائَة، وثَلَاثَة آلاف، والثُّلُثُ والثُّلُثَان.
قال : فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ [النساء/ ١١] ، أي: أحد أجزائه الثلاثة، والجمع أَثْلَاث، قال تعالى: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً [الأعراف/ ١٤٢] ، وقال : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ [المجادلة/ ٧] ، وقال تعالى: ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ [النور/ ٥٨] ، أي: ثلاثة أوقات العورة، وقال : وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ [الكهف/ ٢٥] ، وقال تعالى: بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ [آل عمران/ ١٢٤] ، وقال تعالى:
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ [المزمل/ ٢٠] ، وقال :
مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
[فاطر/ ١] ، أي: اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة. وثَلَّثْتُ الشيء: جزّأته أثلاثا، وثَلَّثْتُ القوم: أخذت ثلث أموالهم، وأَثْلَثْتُهُمْ:
صرت ثالثهم أو ثلثهم، وأَثْلَثْتُ الدراهم فأثلثت هي «١» ، وأَثْلَثَ القوم: صاروا ثلاثة وحبل مَثْلُوث: مفتول على ثلاثة قوى، ورجل مَثْلُوث:
أخذ ثلث ماله، وثَلَّثَ الفرس وربّع جاء ثالثا ورابعا في السباق، ويقال: أثلاثة وثلاثون عندك أو ثلاث وثلاثون؟ كناية عن الرجال والنساء، وجاؤوا ثُلَاثَ ومَثْلَثَ، أي: ثلاثة ثلاثة، وناقة ثَلُوث «٢» : تحلب من ثلاثة أخلاف، والثَّلَاثَاء والأربعاء من الأيام جعل الألف فيهما بدلا من الهاء، نحو: حسنة وحسناء، فخصّ اللفظ باليوم، وحكي: ثَلَّثْتُ الشيء تَثْلِيثاً: جعلته على ثلاثة أجزاء، وثَلَّثَ البسر: إذا بلغ الرطب ثلثيه، أو ثَلَّثَ العنب: أدرك ثلثاه، وثوب ثُلَاثِيٌّ: طوله ثلاثة أذرع.
ثل
الثَّلَّة: قطعة مجتمعة من الصوف، ولذلك قيل للمقيم ثلّة، ولاعتبار الاجتماع قيل: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ
[الواقعة/ ٣٩- ٤٠] ،
стр. 158
أي: جماعة «١» ، وثللت كذا: تناولت ثلّة منه، وثلّ عرشه: أسقط ثلة منه، والثلل. قصر الأسنان لسقوط ثلة منه، وأثلّ فمه:
سقطت أسنانه، وتثللت الركية، أي: تهدّمت.
ثم د
ثَمُود قيل: هو أعجمي، وقيل: هو عربيّ، وترك صرفه لكونه اسم قبيلة، أو أرض، ومن صرفه جعله اسم حيّ أو أب، لأنه يذكر فعول من الثَّمَد، وهو الماء القليل الذي لا مادّة له، ومنه قيل: فلان مَثْمُود، ثَمَدَتْهُ النساء أي:
قطعن مادّة مائه لكثرة غشيانه لهنّ، ومَثْمُود: إذا كثر عليه السّؤال حتى فقد مادة ماله.
ثمر
الثَّمَرُ اسم لكلّ ما يتطعم من أحمال الشجر، الواحدة ثَمَرَة، والجمع: ثِمَار وثَمَرَات، كقوله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ [البقرة/ ٢٢] ، وقوله تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ [النحل/ ٦٧] ، وقوله تعالى: انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ [الأنعام/ ٩٩] ، وقوله تعالى: وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ [الرعد/ ٣] ، والثَّمَر قيل: هو الثِّمَار، وقيل: هو جمعه، ويكنّى به عن المال المستفاد، وعلى ذلك حمل ابن عباس (وكان له ثمر) «٢» [الكهف/ ٣٤] ويقال: ثَمَّرَ الله ماله، ويقال لكلّ نفع يصدر عن شيء: ثَمَرَة كقولك: ثمرة العلم العمل الصالح، وثمرة العمل الصالح الجنّة «٣» ، وثمرة السوط عقدة أطرافها تشبيها بالثمر في الهيئة، والتدلي عنه كتدلي الثمر عن الشجر، والثَّمِيرَة من اللبن: ما تحبّب من الزبد تشبيها بالثمر في الهيئة وفي التحصيل من اللبن.
ثمَ
ثُمَّ حرف عطف يقتضي تأخر ما بعده عمّا قبله «٤» ، إمّا تأخيرا بالذات، أو بالمرتبة، أو بالوضع حسبما ذكر في (قبل) وفي (أول) . قال تعالى: أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا، [يونس/ ٥١- ٥٢] ، وقال : ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ [البقرة/ ٥٢] ، وأشباهه.
стр. 159
وثُمَامَة: شجر، وثَمَّتِ الشاة: إذا رعتها «١» ، نحو: شجّرت: إذا رعت الشجر، ثم يقال في غيرها من النبات. وثَمَمْتُ الشيء: جمعته، ومنه قيل: كنّا أَهْلَ ثُمِّهِ ورُمِّهِ «٢» ، والثُّمَّة: جمعة من حشيش. و:
ثَمَّ إشارة إلى المتبعّد من المكان، و «هنالك» للتقرب، وهما ظرفان في الأصل، وقوله تعالى:
وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ [الإنسان/ ٢٠] فهو في موضع المفعول «٣» .
ثمن
قوله تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ
[يوسف/ ٢٠] . الثَّمَنُ: اسم لما يأخذه البائع في مقابلة البيع، عينا كان أو سلعة. وكل ما يحصل عوضا عن شيء فهو ثمنه. قال تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا [آل عمران/ ٧٧] ، وقال تعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا [النحل/ ٩٥] ، وقال: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا [البقرة/ ٤١] ، وأَثْمَنْتُ الرَّجُلَ بمتاعه وأَثْمَنْتُ لَهُ: أكثرت له الثمن، وشيء ثَمِين: كثير الثمن، والثَّمَانِيَة والثَّمَانُون والثُّمُن في العدد معروف. ويقال:
ثَمَّنْتُهُ: كنت له ثامنا، أو أخذت ثمن ماله، وقال : سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف/ ٢٢] ، وقال تعالى: عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ [القصص/ ٢٧] . والثَّمِين:
الثُّمْن، قال الشاعر:
٨٣-
فما صار لي في القسم إلا ثمينها
«٤»
стр. 160
وقوله تعالى: فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ [النساء/ ١٢] .
ثنى
الثَّنْي والاثنان أصل لمتصرفات هذه الكلمة، ويقال ذلك باعتبار العدد، أو باعتبار التكرير الموجود فيه أو باعتبارهما معا، قال الله تعالى:
ثانِيَ اثْنَيْنِ [التوبة/ ٤٠] ، اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً [البقرة/ ٦٠] ، وقال: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
[النساء/ ٣] فيقال: ثَنَّيْتُهُ تَثْنِيَة: كنت له ثانيا، أو أخذت نصف ماله، أو ضممت إليه ما صار به اثنين.
والثِّنَى: ما يعاد مرتين، قال ﵇:
«لا ثِنى في الصّدقة» «١» أي: لا تؤخذ في السنة مرتين. قال الشاعر:
٨٤-
لقد كانت ملامتها ثنى
»
وامرأة ثِنْيٌ: ولدت اثنين، والولد يقال له:
ثِنْيٌ، وحلف يمينا فيها ثُنْيَا وثَنْوَى وثَنِيَّة ومَثْنَوِيَّة «٣» ، ويقال للاوي الشيء: قد ثَناه، نحو قوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ
[هود/ ٥] ، وقراءة ابن عباس: (يَثْنَوْنَى صدورهم) «٤» من: اثْنَوْنَيْتُ، وقوله :
ثانِيَ عِطْفِهِ
[الحج/ ٩] ، وذلك عبارة عن التّنكّر والإعراض، نحو: لوى شدقه، وَنَأى بِجانِبِهِ [الإسراء/ ٨٣] .
والثَّنِيُّ من الشاة: ما دخل في السنة الثانية وما سقطت ثنيته من البعير، وقد أَثْنَى، وثَنَيْتُ الشيء أَثْنِيهِ: عقدته بثنايين غير مهموز، قيل «٥» : وإنما لم يهمز لأنه بنى الكلمة على التثنية، ولم يبن عليه لفظ الواحد. والمُثَنَّاة: ما ثني من طرف الزمام، والثُّنْيَان الذي يثنّى به إذا عدّ السادات. وفلان ثَنِيَّة أهل بيته كناية عن قصور منزلته فيهم، والثَّنِيَّة من الجبل: ما يحتاج في قطعه وسلوكه إلى صعود وحدود، فكأنه يثني السير، والثّنية من السنّ تشبيها بالثّنية من الجبل في الهيئة والصلابة. والثُّنْيَا من الجزور: ما يثنيه جازره إلى ثنيه من الرأس والصلب، وقيل:
стр. 161
الثُّنْوَى والثَّنَاء: ما يذكر في محامد الناس، فيثنى حالا فحالا ذكره، يقال: أثني عليه.
وتَثَنَّى في مشيته نحو: تبختر، وسميت سور القرآن مثاني في قوله : وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي [الحجر/ ٨٧] لأنها تثنى على مرور الأوقات وتكرّر فلا تدرس ولا تنقطع دروس سائر الأشياء التي تضمحل وتبطل على مرور الأيام، وعلى ذلك قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ [الزمر/ ٢٣] ، ويصح أنه قيل للقرآن: مثاني، لما يثنى ويتجدّد حالا فحالا من فوائده، كما روي في الخبر في صفته: «لا يعوجّ فيقوّم ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه» «١» .
ويصح أن يكون ذلك من الثناء، تنبيها على أنه أبدا يظهر منه ما يدعو إلى الثناء عليه وعلى من يتلوه، ويعلمه ويعمل به، وعلى هذا الوجه وصفه بالكرم في قوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [الواقعة/ ٧٧] ، وبالمجد في قوله:
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ [البروج/ ٢١] .
والاستثناء: إيراد لفظ يقتضي رفع بعض ما يوجبه عموم لفظ متقدم، أو يقتضي رفع حكم اللفظ عما هو. فممّا يقتضي رفع بعض ما يوجبه عموم اللفظ قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً الآية: [الأنعام/ ١٤٥] .
وما يقتضي رفع ما يوجبه اللفظ فنحو قوله:
والله لأفعلنّ كذا إن شاء الله، وامرأته طالق إن شاء الله، وعبده عتيق إن شاء الله، وعلى هذا قوله تعالى: إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ [القلم/ ١٧- ١٨] .
ثوب
أصل الثَّوْب: رجوع الشيء إلى حالته الأولى التي كان عليها، أو إلى الحالة المقدّرة المقصودة بالفكرة، وهي الحالة المشار إليها بقولهم: أوّل الفكرة آخر العمل «٢» . فمن الرجوع إلى الحالة الأولى قولهم: ثَابَ فلان إلى داره، وثَابَتْ إِلَيَّ نفسي، وسمّي مكان المستسقي على فم البئر مَثَابَة، ومن الرجوع إلى الحالة المقدرة المقصود بالفكرة الثوب، سمّي بذلك لرجوع الغزل إلى الحالة التي قدّرت له، وكذا ثواب العمل، وجمع الثوب أَثْوَاب وثِيَاب، وقوله تعالى: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر/ ٤] يحمل على تطهير الثوب، وقيل:
الثياب كناية عن النفس لقول الشاعر:
стр. 162
٨٥-
ثياب بني عوف طهارى نقيّة
«١» وذلك أمر بما ذكره الله تعالى في قوله:
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب/ ٣٣] . والثَّوَاب:
ما يرجع إلى الإنسان من جزاء أعماله، فيسمى الجزاء ثوابا تصوّرا أنه هو هو، ألا ترى كيف جعل الله تعالى الجزاء نفس العمل في قوله:
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة/ ٧] ، ولم يقل جزاءه، والثواب يقال في الخير والشر، لكن الأكثر المتعارف في الخير، وعلى هذا قوله : ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ [آل عمران/ ١٩٥] ، فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ [آل عمران/ ١٤٨] ، وكذلك المَثُوبَة في قوله تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ [المائدة/ ٦٠] ، فإنّ ذلك استعارة في الشر كاستعارة البشارة فيه. قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [البقرة/ ١٠٣] ، والإِثَابَةُ تستعمل في المحبوب، قال تعالى: فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [المائدة/ ٨٥] ، وقد قيل ذلك في المكروه فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ [آل عمران/ ١٥٣] ، على الاستعارة كما تقدّم، والتَّثْوِيب في القرآن لم يجئ إلا في المكروه، نحو: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ [المطففين/ ٣٦] ، وقوله : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً
[البقرة/ ١٢٥] ، قيل: معناه: مكانا يثوب إليه النّاس على مرور الأوقات، وقيل: مكانا يكتسب فيه الثواب. والثَّيِّب: التي تثوب عن الزوج.
قال تعالى: ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً [التحريم/ ٥] ، وقال ﵇: «الثيّب أحقّ بنفسها» «٢» .
والتَّثْوِيب: تكرار النداء، ومنه: التثويب في الأذان، والثُّوبَاء التي تعتري الإنسان سميت بذلك لتكررها، والثُّبَة: الجماعة الثائب بعضهم إلى بعض في الظاهر. قال : فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً [النساء/ ٧١] ، قال الشاعر:
٨٦-
وقد أغدو على ثبة كرام
«٣» وثبة الحوض: ما يثوب إليه الماء، وقد تقدّم «٤» .
стр. 163
ثور
ثَارَ الغبار والسحاب ونحوهما، يَثُور ثَوْراً وثَوَرَانا: انتشر ساطعا، وقد أَثَرْتُهُ، قال تعالى:
فَتُثِيرُ سَحاباً [الروم/ ٤٨] ، يقال: أَثَرْتُ الأرض، كقوله تعالى: وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها [الروم/ ٩] ، وثَارَتِ الحصبة ثَوْراً تشبيها بانتشار الغبار، وثَوَّرَ شرّا كذلك، وثَارَ ثَائِرُهُ كناية عن انتشار غضبه، وثَاوَرَهُ: واثبه، والثَّوْرُ: البقر الذي يثار به الأرض، فكأنه في الأصل مصدر جعل في موضع الفاعل «١» ، نحو: ضيف وطيف في معنى: ضائف وطائف، وقولهم: سقط ثور الشفق «٢» أي: الثائر المنتثر، والثأر هو طلب الدم، وأصله الهمز، وليس من هذا الباب.
ثوى
الثَّوَاء: الإقامة مع الاستقرار، يقال: ثَوَى يَثْوِي ثَوَاءً، قال : وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ
[القصص/ ٤٥] ، وقال: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ
[الزمر/ ٦٠] ، قال الله تعالى: فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [فصلت/ ٢٤] ، ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر/ ٧٢] ، وقال:
النَّارُ مَثْواكُمْ [الأنعام/ ١٢٨] ، وقيل: من أمّ مثواك «٣» ؟ كناية عمّن نزل به ضيف، والثَّوِيَّة:
مأوى الغنم، والله أعلم بالصواب.
تمّ كتاب الثاء
стр. 164
كتاب الجيم
جبَ
قال الله تعالى: وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ
[يوسف/ ١٠] ، أي: بئر لم تطو، وتسميته بذلك إمّا لكونه محفورا في جَبُوب، أي: في أرض غليظة، وإمّا لأنه قد جبّ، والجَبُّ: قطع الشيء من أصله كجبّ النّخل، وقيل: زمن الجِبَاب، نحو: زمن الصّرام، وبعير أَجَبُّ: مقطوع السنام «١» ، وناقة جَبَّاء، وذلك نحو: أقطع وقطعاء، للمقطوع اليد، وخصي مَجْبُوب:
مقطوع الذّكر من أصله، والجُبَّة التي هي اللباس منه، وبه شبّه ما دخل فيه الرمح من السنان، والجُبَاب: شيء يعلو ألبان الإبل، و جَبَّتِ المرأة النساء حسنا: إذا غلبتهن، استعارة من الجبّ الذي هو القطع، وذلك كقولهم: قطعته في المناظرة والمنازعة، وأمّا الجُبْجُبَة «٢» فليست من ذلك، بل سميت به لصوتها المسموع منها.
جبت
قال الله تعالى: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ
[النساء/ ٥١] ، الجِبْتُ «٣» والجبس: الفسل «٤» الذي لا خير فيه «٥» ، وقيل:
التاء بدل من السين، تنبيها على مبالغته في الفسولة، كقول الشاعر:
٨٧-
عمرو بن يربوع شرار النّاس
«٦» أي: خساس الناس، ويقال لكلّ ما عبد من
стр. 165
دون الله: جبت، وسمي الساحر والكاهن جبتا.
جبر
أصل الجَبْر: إصلاح الشيء بضرب من القهر، يقال: جَبَرْتُهُ فَانْجَبَرَ واجْتَبَرَ، وقد قيل:
جَبَرْتُهُ فَجَبَرَ «١» ، كقول الشاعر:
٨٨-
قد جبر الدين الإله فجبر
«٢» هذا قول أكثر أهل اللغة، وقال بعضهم: ليس قوله (فجبر) مذكورا على سبيل الانفعال، بل ذلك على سبيل الفعل، وكرّره، ونبّه بالأول على الابتداء بإصلاحه، وبالثاني على تتميمه، فكأنه قال: قصد جبر الدين وابتدأ به فتمّم جبره، وذلك أنّ «فعل» تارة يقال لمن ابتدأ بفعل، وتارة لمن فرغ منه. وتَجَبَّرَ بعد الأكل يقال إمّا لتصور معنى الاجتهاد والمبالغة، أو لمعنى التكلف، كقول الشاعر:
٨٩-
تجبّر بعد الأكل فهو نميص
«٣» وقد يقال الْجَبْرُ تارة في الإصلاح المجرد، نحو قول عليّ ﵁: (يا جَابِر كلّ كسير، ويا مسهّل كلّ عسير) ومنه قولهم للخبز:
جَابِر بن حبّة «٤» ، وتارة في القهر المجرد نحو قوله ﵇: «لا جَبْر ولا تفويض» «٥» والجَبْر في الحساب: إلحاق شيء به إصلاحا لما يريد إصلاحه، وسمي السلطان جَبْراً كقول الشاعر:
٩٠-
وأنعم صباحا أيها الجبر
«٦» لقهره الناس على ما يريده، أو لإصلاح أمورهم.
والإجبار في الأصل: حمل الغير على أن يجبر الآخر لكن تعورف في الإكراه المجرّد، فقيل: أَجْبَرْتُهُ على كذا، كقولك: أكرهته.
وسمي الذين يدّعون أنّ الله تعالى يكره العباد على المعاصي في تعارف المتكلمين مُجْبِرَة، وفي قول المتقدمين جَبْرِيَّة وجَبَرِيَّة. والجبّار في
стр. 166
صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصته بادّعاء منزلة من التعالي لا يستحقها، وهذا لا يقال إلا على طريق الذم، كقوله : وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [إبراهيم/ ١٥] ، وقوله تعالى:
وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا [مريم/ ٣٢] ، وقوله : إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ [المائدة/ ٢٢] ، وقوله :
كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [غافر/ ٣٥] ، أي: متعال عن قبول الحق والإيمان له. يقال للقاهر غيره: جَبَّار، نحو:
وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ [ق/ ٤٥] ، ولتصور القهر بالعلو على الأقران قيل: نخلة جبّارة وناقة جبّار «١» . وما روي في الخبر: «ضرس الكافر في النار مثل أحد، وكثافة جلده أربعون ذراعا بذراع الجبّار» «٢» فقد قال ابن قتيبة: هو الذراع المنسوب إلى الملك الذي يقال له: ذراع الشاة «٣» . فأمّا في وصفه تعالى نحو: الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ
[الحشر/ ٢٣] ، فقد قيل: سمي بذلك من قولهم: جَبَرْتُ الفقير، لأنّه هو الذي يجبر الناس بفائض نعمه، وقيل: لأنه يجبر الناس، أي: يقهرهم على ما يريده «٤» .
ودفع بعض أهل اللغة «٥» ذلك من حيث اللفظ، فقال: لا يقال من: «أفعلت» فعّال، فجبّار لا يبنى من: أجبرت، فأجيب عنه بأنّ ذلك من لفظ الجبر المروي في قوله: «لا جَبْرَ ولا تفويض» لا من لفظ الإجبار «٦» ، وأنكر جماعة من المعتزلة ذلك من حيث المعنى فقالوا: يتعالى الله عن ذلك، وليس ذلك بمنكر فإنّ الله تعالى قد أجبر الناس على أشياء لا انفكاك لهم منها حسبما تقتضيه الحكمة الإلهية، لا على ما تتوهمه الغواة والجهلة، وذلك كإكراههم على المرض والموت والبعث، وسخّر كلا منهم لصناعة يتعاطاها، وطريقة من الأخلاق والأعمال يتحرّاها، وجعله
стр. 167
مجبرا في صورة مخيّر، فإمّا راض بصنعته لا يريد عنها حولا، وإمّا كاره لها يكابدها مع كراهيته لها، كأنه لا يجد عنها بدلا ولذلك قال تعالى: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون/ ٥٣] ، وقال : نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [الزخرف/ ٣٢] ، وعلى هذا الحدّ وصف بالقاهر، وهو لا يقهر إلا على ما تقتضي الحكمة أن يقهر عليه، وقد روي عن أمير المؤمنين ﵁: (يا بارئ المسموكات وجبّار القلوب على فطرتها شقيّها وسعيدها) .
وقول ابن قتيبة «١» : هو من: جبرت العظم، فإنه جبر القلوب على فطرتها من المعرفة، فذكر لبعض ما دخل في عموم ما تقدّم. وجَبَرُوت: فعلوت من التجبر، واسْتَجْبَرْتُ حاله: تعاهدت أن أجبرها، وأصابته مصيبة لا يَجْتَبِرُهَا أي: لا يتحرّى لجبرها من عظمها، واشتق من لفظ جبر العظم الجَبِيرَة:
للخرقة التي تشد على المَجْبُور، والجِبَارة للخشبة التي تشدّ عليه، وجمعها جَبَائِر، وسمّي الدّملوج «٢» جبارة تشبيها بها في الهيئة، والجبار:
لما يسقط من الأرش.
جبل
الجَبَل جمعه: أَجْبَال وجِبَال، وقال :
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً [النبأ/ ٦- ٧] ، وقال تعالى: وَالْجِبالَ أَرْساها [النازعات/ ٣٢] ، وقال تعالى:
وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ [النور/ ٤٣] ، وقال تعالى: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها [فاطر/ ٢٧] ، وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ: يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً [طه/ ١٠٥] ، وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ [الشعراء/ ١٤٩] ، واعتبر معانيه، فاستعير منه واشتق منه بحسبه، فقيل: فلان جبل لا يتزحزح تصورا لمعنى الثبات فيه.
وجَبَلَهُ الله على كذا، إشارة إلى ما رّكب فيه من الطبع الذي يأبى على الناقل نقله، وفلان ذو جِبِلَّة، أي: غليظ الجسم، وثوب جيد الجبلة، وتصور منه معنى العظم، فقيل للجماعة العظيمة: جِبْلٌ. قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً
[يس/ ٦٢] ، أي: جماعة تشبيها بالجبل في العظم وقرئ: جِبِلًّا «٣» مثقّلا.
قال التوزي «٤» : جُبْلًا «٥» وجَبْلًا وجُبُلًّا «٦» وجِبِلًّا.
стр. 168
وقال غيره: جُبُلًّا جمع جِبِلَّة، ومنه قوله : وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ [الشعراء/ ١٨٤] ، أي: المجبولين على أحوالهم التي بنوا عليها، وسبلهم التي قيّضوا لسلوكها المشار إليها بقوله تعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ [الإسراء/ ٨٤] ، وجَبِلَ: صار كالجبل في الغلظ.
جَبن
قال تعالى: وَتَلَّهُ لِلْ جَبِي نِ
[الصافات/ ١٠٣] ، فالجَبِينَان جانبا ال جبه ة، والجُبْن: ضعف القلب عمّا يحق أن يقوى عليه. ورجل جَبَان وامرأة جبان، وأَجْبَنْتُهُ: وجدته جبانا «١» وحكمت بجبنه، والجُبْنُ: ما يؤكل. وتَجَبَّنَ اللبن: صار كالجبن.
جبه
الجَبْهَة: موضع السجود من الرأس، قال الله تعالى: فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ [التوبة/ ٣٥] ، والنّجم يقال له: جبهة تصورا أنه كالجبهة للمسمّى بالأسد، ويقال لأعيان الناس جبهة، وتسميتهم بذلك كتسميتهم بالوجوه، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس في الجبهة صدقة» «٢» أي: الخيل.
جبى
يقال: جَبَيْتُ الماء في الحوض: جمعته، والحوض الجامع له: جَابِيَة، وجمعها جَوَابٍ.
قال الله تعالى: وَجِفانٍ كَالْجَوابِ [سبأ/ ١٣] ، ومنه استعير: جبيت الخراج جِبَايَةً، ومنه قوله تعالى: يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص/ ٥٧] ، والاجتباء: الجمع على طريق الاصطفاء. قال : فَاجْتَباهُ رَبُّهُ [القلم/ ٥٠] ، وقال تعالى: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا: لَوْلا اجْتَبَيْتَها [الأعراف/ ٢٠٣] ، أي:
يقولون: هلّا جمعتها، تعريضا منهم بأنك تخترع هذه الآيات وليست من الله.
واجتباء الله العبد: تخصيصه إياه بفيض إلهيّ يتحصل له منه أنواع من النعم بلا سعي من العبد، وذلك للأنبياء وبعض من يقاربهم من الصديقين والشهداء، كما قال تعالى: وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ [يوسف/ ٦] ، فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [القلم/ ٥٠] ،
стр. 169
وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام/ ٨٧] ، وقوله تعالى: ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى [طه/ ١٢٢] ، وقال : يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [الشورى/ ١٣] ، وذلك نحو قوله تعالى: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [ص/ ٤٦] .
جث
يقال: جَثَثْتُهُ فَانْجَثَّ، وجَثَثْتُهُ فَاجْتَثَّ «١» ، قال الله : اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ
[إبراهيم/ ٢٦] ، أي: اقتلعت جثّتها، والمِجَثَّة:
ما يجثّ به، وجثَّة الشيء: شخصه الناتئ، والجُثُّ: ما ارتفع من الأرض، كالأكمة، وال جَثِي ثَة سميت به لما بان جثته بعد طبخه، والجَثْجَاث: نبت.
جثم
فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ
[الأعراف/ ٧٨] ، استعارة للمقيمين، من قولهم: جَثَمَ الطائرُ إذا قعد ولطئ بالأرض، والجُثْمَان: شخص الإنسان قاعدا، ورجل جُثَمَة وجَثَّامَة كناية عن النئوم والكسلان.
جثى
جَثَا على ركبتيه يَجْثُو جُثُوّاً وجِثِيّاً فهو جَاثٍ، نحو: عتا يعتو عتوّا وعتيّا، وجمعه: جُثِيّ نحو: باك وبكيّ، وقوله : وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا [مريم/ ٧٢] ، يصح أن يكون جمعا نحو: بكي، وأن يكون مصدرا موصوفا به، والجاثية في قوله : وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً [الجاثية/ ٢٨] فموضوع موضع الجمع، كقولك: جماعة قائمة وقاعدة.
جحد
الجُحُود: نفي ما في القلب إثباته، وإثبات ما في القلب نفيه، يقال: جَحَدَ جُحُوداً وجَحْداً قال : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ [النمل/ ١٤] ، وقال : بِآياتِنا يَجْحَدُونَ [الأعراف/ ٥١] . وتَجَحَّدَ تَخَصَّصَ بفعل ذلك، يقال: رجل جَحِدٌ: شحيح قليل الخير يظهر الفقر، وأرض جَحْدَة: قليلة النبت، يقال: جَحَداً له ونَكَداً، وأَجْحَدَ: صار ذا جحد.
جحم
الجُحْمَة: شدة تأجج النار، ومنه: الجحيم، وجَحَمَ وجهه من شدة الغضب، استعارة من جحمة النار، وذلك من ثوران حرارة القلب، وجَحْمَتَا الأسد: عيناه لتوقدهما.
جد
الجَدُّ: قطع الأرض المستوية، ومنه: جَدَّ في سيره يَجِدُّ جَدّاً، وكذلك جَدَّ في أمره وأَجَدَّ: صار ذا جِدٍّ، وتصور من: جَدَدْتُ الأرض: القطع
стр. 170
المجرد، فقيل: جددت الثوب إذا قطعته على وجه الإصلاح، وثوب جديد: أصله المقطوع، ثم جعل لكل ما أحدث إنشاؤه، قال تعالى:
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق/ ١٥] ، إشارة إلى النشأة الثانية، وذلك قولهم:
أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق/ ٣] ، وقوبل الجديد بالخلق لما كان المقصود بالجديد القريب العهد بالقطع من الثوب، ومنه قيل لليل والنهار: الجَدِيدَان والأَجَدَّان «١» ، قال تعالى:
وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ
[فاطر/ ٢٧] ، جمع جُدَّة، أي: طريقة ظاهرة، من قولهم:
طريق مَجْدُود، أي: مسلوك مقطوع «٢» ، ومنه:
جَادَّة الطريق، والجَدُود والجِدَّاء من الضأن:
التي انقطع لبنها. وجُدَّ ثدي أمه على طريق الشتم «٣» ، وسمي الفيض الإلهي جَدّاً، قال تعالى: وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا [الجن/ ٣] ، أي: فيضه، وقيل: عظمته، وهو يرجع إلى الأوّل، وإضافته إليه على سبيل اختصاصه بملكه، وسمي ما جعل الله للإنسان من الحظوظ الدنيوية جَدّاً، وهو البخت، فقيل: جُدِدْتُ وحُظِظْتُ وقوله ﵇: «لا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ» «٤» ، أي: لا يتوصل إلى ثواب الله تعالى في الآخرة بالجدّ، وإنّما ذلك بالجدّ في الطاعة، وهذا هو الذي أنبأ عنه قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء/ ١٨] ، وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [الإسراء/ ١٩] ، وإلى ذلك أشار بقوله: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ [الشعراء/ ٨٨] .
والجَدُّ: أبو الأب وأبو الأم. وقيل: معنى «لا ينفع ذا الجدّ» : لا ينفع أحدا نسبه وأبوّته، فكما نفى نفع البنين في قوله: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ [الشعراء/ ٨٨] ، كذلك نفى نفع الأبوّة في هذا الحديث.
جدث
قال تعالى: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً
[المعارج/ ٤٣] ، جمع الجَدَث،
стр. 171
يقال: جدث وجدف «١» ، وفي سورة يس: فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ [يس/ ٥١] .
جدر
الجِدَار: الحائط، إلا أنّ الحائط يقال اعتبارا بالإحاطة بالمكان، والجدار يقال اعتبارا بالنتوّ والارتفاع، وجمعه جُدُر. قال تعالى: وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ [الكهف/ ٨٢] ، وقال:
جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ [الكهف/ ٧٧] ، وقال تعالى: أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ [الحشر/ ١٤] ، وفي الحديث: «حتى يبلغ الماء الجدر» «٢» ، وجَدَرْتُ الجدار: رفعته، واعتبر منه معنى النتوّ فقيل: جَدَرَ الشجر: إذا خرج ورقه كأنه حمّص، وسمي النبات الناتئ من الأرض جَدَراً، الواحد: جَدَرَة، وأَجْدَرت الأرض:
أخرجت ذلك، وجُدِرَ «٣» الصبي وجُدِّرَ: إذا خرج جدريّه تشبيها بجدر الشجر.
وقيل: الجُدَرِيُّ والجُدَرَةُ: سلعة تظهر في الجسد، وجمعها أَجْدَار، وشاة جَدْرَاء «٤» والجَيْدَر: القصير. اشتق ذلك من الجدار، وزيد فيه حرف على سبيل التهكم حسبما بينّاه في «أصول الاشتقاق» . والجَدِيرُ: المنتهى لانتهاء الأمر إليه انتهاء الشيء إلى الجدار، وقد جَدُرَ بكذا فهو جَدِير، وما أَجْدَرَهُ بكذا وأَجْدِرْ به.
جدل
الجِدَال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من: جَدَلْتُ الحبل، أي:
أحكمت فتله ومنه: الجَدِيل «٥» ، وجدلت البناء:
أحكمته، ودرع مَجْدُولَة، والأَجْدَل: الصقر المحكم البنية. والمِجْدَل: القصر المحكم البناء، ومنه: الجِدَال، فكأنّ المتجادلين يفتل كلّ واحد الآخر عن رأيه. وقيل: الأصل في
стр. 172
الجِدَال: الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجَدَالَة، وهي الأرض الصلبة. قال الله تعالى:
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل/ ١٢٥] ، الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ [غافر/ ٣٥] ، وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ [الحج/ ٦٨] ، قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا [هود/ ٣٢] ، وقرئ: (جدلنا) «١» . ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا [الزخرف/ ٥٨] ، وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف/ ٥٤] ، وقال تعالى:
وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ [الرعد/ ١٣] ، يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ [هود/ ٧٤] ، وَجادَلُوا بِالْباطِلِ [غافر/ ٥] ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ [الحج/ ٣] ، وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [البقرة/ ١٩٧] ، يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا [هود/ ٣٢] .
جذ
الجَذُّ: كسر الشيء وتفتيته، ويقال لحجارة الذهب المكسورة ولفتات الذهب: جذاذ، ومنه قوله تعالى: فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً
[الأنبياء/ ٥٨] ، عَطاءً غَيْرَ مَ جْذُو ذٍ
[هود/ ١٠٨] ، أي: غير مقطوع عنهم ولا محترم وقيل: ما عليه جذّة، أي: متقطع من الثياب.
جذع
الجِذْعُ جمعه جُذُوع، قال: فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه/ ٧١] .
جَذَعْتُهُ: قطعته قطع الجذع، والجَذَع من الإبل: ما أتت لها خمس سنين، ومن الشاة: ما تمّت له سنة. ويقال للدهم الإزالة: الجذع، تشبيها بالجذع من الحيوان.
جذو
الجَذْوَة والجِذْوَة: الذي يبقى من الحطب بعد الالتهاب، والجمع: جذى. قال : أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ [القصص/ ٢٩] ، قال الخليل: يقال: جَذَا يَجْذُو، نحو: جثا يجثو «٢» ، إلا أنّ جذا أدلّ على اللزوم. يقال: جذا القراد في جنب البعير: إذا شدّ التزامه به، وأَجَذَتِ الشجرة: صارت ذات جذوة. وفي الحديث:
«كمثل الأرزة المجذية» «٣» .
ورجل جَاذٍ: مجموع الباع، كأنّ يديه جذوة، وامرأة جَاذِيَة.
جرح
الجرح: أثر دام في الجلد، يقال: جَرَحَه
стр. 173
جَرْحاً، فهو جَرِيح ومجروح. قال تعالى:
وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ
[المائدة/ ٤٥] ، وسمي القدح في الشاهد جرحا تشبيها به، وتسمى الصائدة من الكلاب والفهود والطيور جَارِحَة، وجمعها جَوَارِح، إمّا لأنها تجرح، وإمّا لأنها تكسب. قال : وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ [المائدة/ ٤] ، وسميت الأعضاء الكاسبة جوارح تشبيها بها لأحد هذين، والاجتراح: اكتساب الإثم، وأصله من الجِرَاحة، كما أنّ الاقتراف من: قرف القرحة «١» ، قال تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ
[الجاثية/ ٢١] .
جرد
الجَرَاد معروف، قال تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ [الأعراف/ ١٣٣] ، وقال: كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ [القمر/ ٧] ، فيجوز أن يجعل أصلا فيشتق من فعله: جَرَدَ الأرض، ويصح أن يقال: إنما سمّي ذلك لجرده الأرض من النبات، يقال: أرض مَجْرُودَة، أي:
أكل ما عليها حتى تجرّدت. وفرس أَجْرَد:
منحسر الشعر، وثوب جَرْدٌ: خلق، وذلك لزوال وبره وقوّته، وتَجَرَّدَ عن الثوب، وجَرَّدْتُهُ عنه، وامرأة حسنة المتجرد. وروي: «جرّدوا القرآن» «٢» أي: لا تلبسوه شيئا آخر ينافيه، وانْجَرَدَ بنا السير «٣» ، وجَرِدَ الإنسان «٤» : شري جلده من أكل الجراد.
جرز
قال : صَعِيداً جُرُزاً
[الكهف/ ٨] ، أي: منقطع النبات من أصله، وأرض مَجْرُوزَة: أكل ما عليها، والجَرُوز: الذي يأكل ما على الخوان، وفي المثل: لا ترضى شانئة إلا بِجَرْزَة «٥» ، أي: باستئصال، والجَارِز: الشديد من السّعال، تصوّر منه معنى الجرز، والجَرْزُ:
قطع بالسيف، وسيف جُرَاز «٦» .
جرع
جَرِعَ الماء يَجْرَعُ، وقيل: جَرَعَ «٧» ، وتَجَرَّعَهُ:
стр. 174
إذا تكلّف جرعه. قال : يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم/ ١٧] ، والجُرْعَة: قدر ما يتجرّع، وأفلت بجُرَيْعَة الذّقن «١» ، بقدر جرعة من النفس. ونوق مَجَارِيع: لم يبق في ضروعها من اللبن إلا جرع، والجَرَعُ والجَرْعَاء: رمل لا ينبت شيئا كأنّه يتجرع البذر.
جرف
قال : عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ
[التوبة/ ١٠٩] ، يقال للمكان الذي يأكله السيل فيجرفه- أي: يذهب به-: جُرْف، وقد جَرَفَ الدهر ماله، أي: اجتاحه تشبيها به، ورجل جُرَاف: نكحة، كأنه يجرف في ذلك العمل.
جرم
أصل الجَرْم: قطع الثّمرة عن الشجر، ورجل جَارِم، وقوم جِرَام، وثمر جَرِيم. والجُرَامَة:
رديء التمر المَجْرُوم، وجعل بناؤه بناء النّفاية، وأَجْرَمَ: صار ذا جرم، نحو: أثمر وألبن، واستعير ذلك لكل اكتساب مكروه، ولا يكاد يقال في عامّة كلامهم للكيس المحمود، ومصدره: جَرْم، وقول الشاعر في صفة عقاب:
٩١-
جريمة ناهض في رأس نيق
«٢» فإنه سمّى اكتسابها لأولادها جرما من حيث إنها تقتل الطيور، أو لأنّه تصورها بصورة مرتكب الجرائم لأجل أولادها، كما قال بعضهم: ما ذو ولد- وإن كان بهيمة- إلا ويذنب لأجل أولاده.
- فمن الإجرام قوله : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ [المطففين/ ٢٩] ، وقال تعالى: فَعَلَيَّ إِجْرامِي [هود/ ٣٥] ، وقال تعالى: كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ [المرسلات/ ٤٦] ، وقال تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ [القمر/ ٤٧] ، وقال : إِنَّ الْمُجْرِمِينَ، فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ [الزخرف/ ٧٤] .
- ومن جَرَم، قال تعالى: لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ [هود/ ٨٩] ، فمن قرأ بالفتح «٣» فنحو: بغيته مالا، ومن ضمّ «٤» فنحو:
стр. 175
أبغيته مالا، أي أغثته.
وقوله : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا [المائدة/ ٨] ، وقوله : فَعَلَيَّ إِجْرامِي
[هود/ ٣٥] ، فمن كسر «١» فمصدر، ومن فتح «٢» فجمع جرم.
واستعير من الجرم- أي: القطع- جَرَمْتُ صوف الشاة، وتَجَرَّمَ الليل «٣» .
والجِرْمُ في الأصل: المجروم، نحو نقض ونفض للمنقوض والمنفوض، وجعل اسما للجسم المجروم، وقولهم: فلان حسن الجرم، أي: اللون، فحقيقته كقولك: حسن السخاء.
وأمّا قولهم: حسن الجرم، أي: الصوت «٤» .
فالجرم في الحقيقة إشارة إلى موضع الصوت لا إلى ذات الصوت، ولكن لمّا كان المقصود بوصفه بالحسن هو الصوت فسّر به، كقولك: فلان طيب الحلق، وإنما ذلك إشارة إلى الصوت لا إلى الحلق نفسه. وقوله : لا جَرَمَ
«٥» قيل: إنّ «لا» يتناول محذوفا، نحو «لا» في قوله تعالى: لا أُقْسِمُ [القيامة/ ١] ، وفي قول الشاعر:
٩٢-
لا وأبيك ابنة العامري «٦»
ومعنى جرم: كسب، أو جنى. و: أَنَّ لَهُمُ النَّارَ [النحل/ ٦٢] ، في موضع المفعول، كأنه قال: كسب لنفسه النار.
وقيل: جَرَمَ وجَرِمَ بمعنى، لكن خصّ بهذا الموضع «جرم» كما خصّ عمر بالقسم، وإن كان عمر وعمر «٧» بمعنى، ومعناه: ليس بجرم أنّ لهم النار، تنبيها أنهم اكتسبوها بما ارتكبوه إشارة إلى قوله تعالى: وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها [الجاثية/ ١٥] .
стр. 176
وقد قيل في ذلك أقوال، أكثرها ليس بمرتضى عند التحقيق «١» .
وعلى ذلك قوله : فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ [النحل/ ٢٢] ، لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ [النحل/ ٢٣] ، وقال تعالى: لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ [النحل/ ١٠٩] .
جرى
الجَرْي: المرّ السريع، وأصله كمرّ الماء، ولما يجري بجريه. يقال: جَرَى يَجْرِي جِرْيَة وجَرَيَاناً. قال : وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف/ ٥١] ، وقال تعالى:
جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ [الكهف/ ٣١] ، وقال: وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ [الروم/ ٤٦] ، وقال تعالى: فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ [الغاشية/ ١٢] ، وقال: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ
[الحاقة/ ١١] ، أي: السفينة التي تجري في البحر، وجمعها:
جَوَارٍ، قال : وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ [الرحمن/ ٢٤] ، وقال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ [الشورى/ ٣٢] ، ويقال للحوصلة: جِرِّيَّة «٢» ، إمّا لانتهاء الطعام إليها في جريه، أو لأنها مجرى الطعام.
والإِجْرِيَّا: العادة التي يجري عليها الإنسان، والجَرِيُّ: الوكيل والرسول الجاري في الأمر، وهو أخصّ من لفظ الرسول والوكيل، وقد جَرَيْتُ جَرْياً. وقوله ﵇: «لا يستجرينّكم الشّيطان» «٣» يصح أن يدّعى فيه معنى الأصل.
أي: لا يحملنّكم أن تجروا في ائتماره وطاعته، ويصح أن تجعله من الجري، أي: الرسول والوكيل «٤» . ومعناه: لا تتولوا وكالة الشيطان ورسالته، وذلك إشارة إلى نحو قوله :
فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ [النساء/ ٧٦] ، وقال : إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ [آل عمران/ ١٧٥] .
جزع
قال تعالى: سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا [إبراهيم/ ٢١] ، الجَزَع: أبلغ من الحزن، فإنّ الحزن عام والجزع هو: حزن يصرف الإنسان
стр. 177
عمّا هو بصدده، ويقطعه عنه، وأصل الجَزَع:
قطع الحبل من نصفه، يقال: جَزَعْتُهُ فَانْجَزَعَ، ولتصوّر الانقطاع منه قيل: جِزْعُ الوادي، لمنقطعه، ولانقطاع اللون بتغيّره قيل للخرز المتلوّن جَزْع، ومنه استعير قولهم: لحم مُجَزَّع، إذا كان ذا لونين. وقيل للبسرة إذا بلغ الإرطاب نصفها: مجزّعة. والجَازِع: خشبة تجعل في وسط البيت فتلقى عليها رؤوس الخشب من الجانبين، وكأنما سمي بذلك إمّا لتصور الجزعة لما حمل من العبء، وإمّا لقطعه بطوله وسط البيت.
جزء
جُزْءُ الشيء: ما يتقوّم به جملته، كأ جزا ء السفينة، وأجزاء البيت، وأجزاء الجملة من الحساب قال تعالى: ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً [البقرة/ ٢٦٠] ، وقال :
لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر/ ٤٤] ، أي: نصيب، وذلك جزء من الشيء، وقال تعالى: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً [الزخرف/ ١٥] ، وقيل: ذلك عبارة عن الإناث، من قولهم: أَجْزَأَتِ المرأة: أتت بأنثى «١» .
وجَزَأَ الإبل: مَجْزَءاً وجَزْءاً: اكتفى بالبقل عن شرب الماء. وقيل: اللّحم السمين أجزأ من المهزول «٢» ، وجُزْأَة السكين: العود الذي فيه السيلان، تصوّرا أنه جزء منه.
جزا
الجَزَاء: الغناء والكفاية، وقال تعالى: لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً
[لقمان/ ٣٣] ، والجَزَاء: ما فيه الكفاية من المقابلة، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
يقال: جَزَيْتُهُ كذا وبكذا. قال الله تعالى:
وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى [طه/ ٧٦] ، وقال:
فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى [الكهف/ ٨٨] ، وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى/ ٤٠] ، وقال تعالى: وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً [الإنسان/ ١٢] ، وقال :
جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً [الإسراء/ ٦٣] ، أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا [الفرقان/ ٧٥] ، وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الصافات/ ٣٩] ، والجِزْيَة: ما يؤخذ من أهل الذمة، وتسميتها بذلك للاجتزاء بها عن حقن دمهم. قال الله تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [التوبة/ ٢٩] ، ويقال:
جازيك فلان، أي: كافيك.
ويقال: جَزَيْتُهُ بكذا وجَازَيْتُهُ، ولم يجئ في القرآن إلا جزى دون جازى، وذاك أنّ المجازاة
стр. 178
هي المكافأة، وهي المقابلة من كل واحد من الرجلين، والمكافأة هي: مقابلة نعمة بنعمة هي كفؤها. ونعمة الله تتعالى عن ذلك، ولهذا لا يستعمل لفظ المكافأة في الله «١» ، وهذا ظاهر.
جسس
قال الله تعالى: وَلا تَجَسَّسُوا
[الحجرات/ ١٢] ، أصل الجَسِّ: مسُّ العرق وتعرّف نبضه للحكم به على الصحة والسقم، وهو أخص من الحسّ، فإنّ الحس تعرّف ما يدركه الحس. والجَسُّ: تعرّف حال ما من ذلك، ومن لفظ الجسّ اشتق الجاسوس «٢» .
جسد
الجَسَد كال جسم لكنه أخصّ، قال الخليل ﵀: لا يقال الجسد لغير الإنسان من خلق الأرض «٣» ونحوه، وأيضا فإنّ الجسد ما له لون، والجسم يقال لما لا يبين له لون، كالماء والهواء.
وقوله : وَما جَعَلْ ناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ [الأنبياء/ ٨] ، يشهد لما قال الخليل، وقال: عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ [طه/ ٨٨] ، وقال تعالى: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ [ص/ ٣٤] .
وباعتبار اللون قيل للزعفران: جِسَاد، وثوب مِجْسَد: مصبوغ بالجساد «٤» ، والمِجْسَد: الثوب الذي يلي الجسد، والجَسَد والجَاسِد والجَسِد من الدم ما قد يبس.
جسم
الجسم: ما له طول وعرض وعمق، ولا تخرج أجزاء الجسم عن كونها أجساما وإن قطع ما قطع، وجزّئ ما قد جزئ. قال الله تعالى:
وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة/ ٢٤٧] ، وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ [المنافقون/ ٤] ، تنبيها أن لا وراء الأشباح معنى معتدّ به، والجُسْمَان قيل: هو الشخص، والشخص قد يخرج من كونه شخصا بتقطيعه وتجزئته بخلاف الجسم.
جعل
جَعَلَ: لفظ عام في الأفعال كلها، وهو أعمّ من فعل وصنع وسائر أخواتها، ويتصرّف على خمسة أوجه:
الأول: يجري مجرى صار وطفق فلا يتعدّى، نجو جعل زيد يقول كذا «٥» ، قال الشاعر:
стр. 179
٩٣-
فقد جعلت قلوص بني سهيل ... من الأكوار مرتعها قريب «١»
والثاني: يجري مجرى أوجد، فيتعدّى إلى مفعول واحد نحو قوله : وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [الأنعام/ ١] ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ [النحل/ ٧٨] .
والثالث: في إيجاد شيء من شيء وتكوينه منه، نحو: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً [النحل/ ٧٢] ، وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً [النحل/ ٨١] ، وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا [الزخرف/ ١٠] .
والرابع: في تصيير الشيء على حالة دون حالة، نحو: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً [البقرة/ ٢٢] ، وقوله: جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا [النحل/ ٨١] ، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [نوح/ ١٦] ، وقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [الزخرف/ ٣] .
والخامس: الحكم بالشيء على الشيء، حقا كان أو باطلا، فأمّا الحقّ فنحو قوله تعالى: إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص/ ٧] ، وأمّا الباطل فنحو قوله : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً [الأنعام/ ١٣٦] ، وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ [النحل/ ٥٧] ، الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [الحجر/ ٩١] .
والجِعَالَة الجُعَالَة: خرقة ينزّل بها القدر، والجُعْل والجَعَالَة والجَعِيلَة: ما يجعل للإنسان بفعله فهو أعمّ من الأجرة والثواب، وكلب مُجْعِل، كناية عن طلب السفاد، والجُعَل: دويبة.
جفن
الجَفْنَة خصت بوعاء الأطعمة، وجمعها جِفَا ن، قال : وَجِفانٍ كَالْجَوابِ [سبأ/ ١٣] ، وفي حديث «وأنت الجفنة الغرّاء» «٢» أي: المطعام، وقيل للبئر الصغيرة جفنة تشبيها بها، والجِفْن خصّ بوعاء السيف والعين، وجمعه أجفان، وسمي الكرم جفنا تصوّرا أنّه وعاء العنب.
جفأ
قال تعالى: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً
[الرعد/ ١٧] ، وهو ما يرمي به الوادي أو القدر من الغثاء إلى جوانبه. يقال: أَجْفَأَتِ القدر زبدها: ألقته، إِجْفَاء، وأَجْفَأَتِ الأرض: صارت
стр. 180
كالجفاء في ذهاب خيرها، وقيل: أصل ذلك الواو لا الهمز «١» ، ويقال: جفت القدر وأجفت، ومنه: الجفاء، وقد جفوته أجفوه جفوة وجفاء، ومن أصله أخذ: جفا السرج عن ظهر الدابة:
رفعه عنه.
جلَ
الجَلَالَة: عظم القدر، والجلال بغير الهاء:
التناهي في ذلك، وخصّ بوصف الله تعالى، فقيل: ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن/ ٢٧] ، ولم يستعمل في غيره، والجليل: العظيم القدر. ووصفه تعالى بذلك «٢» إمّا لخلقه الأشياء العظيمة المستدلّ بها عليه، أو لأنه يجلّ عن الإحاطة به، أو لأنه يجلّ أن يدرك بالحواس.
وموضوعه للجسم العظيم الغليظ، ولمراعاة معنى الغلظ فيه قوبل بالدقيق، وقوبل العظيم بالصغير، فقيل: جَلِيل ودقيق، وعظيم وصغير، وقيل للبعير: جليل، وللشاة: دقيق، اعتبارا لأحدهما بالآخر، فقيل: ما له جليل ولا دقيق وما أجلّني ولا أدقّني «٣» . أي: ما أعطاني بعيرا ولا شاة، ثم صار مثلا في كل كبير وصغير. وخص الجُلَالةَ بالناقة الجسيمة، والجِلَّة بالمسانّ منها، والجَلَل:
كل شيء عظيم، وجَلَلْتُ كذا: تناولت، وتَجَلَّلْتُ البقر: تناولت جُلَالَه، والجَلَل: المتناول من البقر، وعبّر به عن الشيء الحقير، وعلى ذلك قوله: كلّ مصيبة بعده جلل.
والجَلَل: ما معظم الشيء، فقيل: جَلَّ الفرس، وجل الثمن، والمِجَلَّة: ما يغطى به الصحف، ثمّ سميت الصحف مَجَلَّة.
وأمّا الجَلْجَلَة فحكاية الصوت، وليس من ذلك الأصل في شيء، ومنه: سحاب مُجَلْجِل أي: مصوّت. فأمّا سحاب مُجَلِّل فمن الأول، كأنه يُجَلِّل «٤» الأرض بالماء والنبات.
جلب
أصل الجَلْب: سوق الشيء. يقال: جَلَبْتُ جَلْباً، قال الشاعر:
٩٤-
وقد يجلب الشيء البعيد الجوالب
«٥» وأَجْلَبْتُ عليه: صحت عليه بقهر. قال الله : وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ [الإسراء/ ٦٤] ، والجَلَب المنهي عنه في قوله