وقد قيل في ذلك أقوال، أكثرها ليس بمرتضى عند التحقيق «١» .
وعلى ذلك قوله : فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ [النحل/ ٢٢] ، لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ [النحل/ ٢٣] ، وقال تعالى: لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ [النحل/ ١٠٩] .
جرى
الجَرْي: المرّ السريع، وأصله كمرّ الماء، ولما يجري بجريه. يقال: جَرَى يَجْرِي جِرْيَة وجَرَيَاناً. قال : وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف/ ٥١] ، وقال تعالى:
جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ [الكهف/ ٣١] ، وقال: وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ [الروم/ ٤٦] ، وقال تعالى: فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ [الغاشية/ ١٢] ، وقال: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ
[الحاقة/ ١١] ، أي: السفينة التي تجري في البحر، وجمعها:
جَوَارٍ، قال : وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ [الرحمن/ ٢٤] ، وقال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ [الشورى/ ٣٢] ، ويقال للحوصلة: جِرِّيَّة «٢» ، إمّا لانتهاء الطعام إليها في جريه، أو لأنها مجرى الطعام.
والإِجْرِيَّا: العادة التي يجري عليها الإنسان، والجَرِيُّ: الوكيل والرسول الجاري في الأمر، وهو أخصّ من لفظ الرسول والوكيل، وقد جَرَيْتُ جَرْياً. وقوله ﵇: «لا يستجرينّكم الشّيطان» «٣» يصح أن يدّعى فيه معنى الأصل.
أي: لا يحملنّكم أن تجروا في ائتماره وطاعته، ويصح أن تجعله من الجري، أي: الرسول والوكيل «٤» . ومعناه: لا تتولوا وكالة الشيطان ورسالته، وذلك إشارة إلى نحو قوله :
فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ [النساء/ ٧٦] ، وقال : إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ [آل عمران/ ١٧٥] .
جزع
قال تعالى: سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا [إبراهيم/ ٢١] ، الجَزَع: أبلغ من الحزن، فإنّ الحزن عام والجزع هو: حزن يصرف الإنسان
стр. 177
عمّا هو بصدده، ويقطعه عنه، وأصل الجَزَع:
قطع الحبل من نصفه، يقال: جَزَعْتُهُ فَانْجَزَعَ، ولتصوّر الانقطاع منه قيل: جِزْعُ الوادي، لمنقطعه، ولانقطاع اللون بتغيّره قيل للخرز المتلوّن جَزْع، ومنه استعير قولهم: لحم مُجَزَّع، إذا كان ذا لونين. وقيل للبسرة إذا بلغ الإرطاب نصفها: مجزّعة. والجَازِع: خشبة تجعل في وسط البيت فتلقى عليها رؤوس الخشب من الجانبين، وكأنما سمي بذلك إمّا لتصور الجزعة لما حمل من العبء، وإمّا لقطعه بطوله وسط البيت.
جزء
جُزْءُ الشيء: ما يتقوّم به جملته، كأ جزا ء السفينة، وأجزاء البيت، وأجزاء الجملة من الحساب قال تعالى: ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً [البقرة/ ٢٦٠] ، وقال :
لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر/ ٤٤] ، أي: نصيب، وذلك جزء من الشيء، وقال تعالى: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً [الزخرف/ ١٥] ، وقيل: ذلك عبارة عن الإناث، من قولهم: أَجْزَأَتِ المرأة: أتت بأنثى «١» .
وجَزَأَ الإبل: مَجْزَءاً وجَزْءاً: اكتفى بالبقل عن شرب الماء. وقيل: اللّحم السمين أجزأ من المهزول «٢» ، وجُزْأَة السكين: العود الذي فيه السيلان، تصوّرا أنه جزء منه.
جزا
الجَزَاء: الغناء والكفاية، وقال تعالى: لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً
[لقمان/ ٣٣] ، والجَزَاء: ما فيه الكفاية من المقابلة، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
يقال: جَزَيْتُهُ كذا وبكذا. قال الله تعالى:
وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى [طه/ ٧٦] ، وقال:
فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى [الكهف/ ٨٨] ، وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى/ ٤٠] ، وقال تعالى: وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً [الإنسان/ ١٢] ، وقال :
جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً [الإسراء/ ٦٣] ، أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا [الفرقان/ ٧٥] ، وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الصافات/ ٣٩] ، والجِزْيَة: ما يؤخذ من أهل الذمة، وتسميتها بذلك للاجتزاء بها عن حقن دمهم. قال الله تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [التوبة/ ٢٩] ، ويقال:
جازيك فلان، أي: كافيك.
ويقال: جَزَيْتُهُ بكذا وجَازَيْتُهُ، ولم يجئ في القرآن إلا جزى دون جازى، وذاك أنّ المجازاة
стр. 178
هي المكافأة، وهي المقابلة من كل واحد من الرجلين، والمكافأة هي: مقابلة نعمة بنعمة هي كفؤها. ونعمة الله تتعالى عن ذلك، ولهذا لا يستعمل لفظ المكافأة في الله «١» ، وهذا ظاهر.
جسس
قال الله تعالى: وَلا تَجَسَّسُوا
[الحجرات/ ١٢] ، أصل الجَسِّ: مسُّ العرق وتعرّف نبضه للحكم به على الصحة والسقم، وهو أخص من الحسّ، فإنّ الحس تعرّف ما يدركه الحس. والجَسُّ: تعرّف حال ما من ذلك، ومن لفظ الجسّ اشتق الجاسوس «٢» .
جسد
الجَسَد كال جسم لكنه أخصّ، قال الخليل ﵀: لا يقال الجسد لغير الإنسان من خلق الأرض «٣» ونحوه، وأيضا فإنّ الجسد ما له لون، والجسم يقال لما لا يبين له لون، كالماء والهواء.
وقوله : وَما جَعَلْ ناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ [الأنبياء/ ٨] ، يشهد لما قال الخليل، وقال: عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ [طه/ ٨٨] ، وقال تعالى: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ [ص/ ٣٤] .
وباعتبار اللون قيل للزعفران: جِسَاد، وثوب مِجْسَد: مصبوغ بالجساد «٤» ، والمِجْسَد: الثوب الذي يلي الجسد، والجَسَد والجَاسِد والجَسِد من الدم ما قد يبس.
جسم
الجسم: ما له طول وعرض وعمق، ولا تخرج أجزاء الجسم عن كونها أجساما وإن قطع ما قطع، وجزّئ ما قد جزئ. قال الله تعالى:
وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة/ ٢٤٧] ، وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ [المنافقون/ ٤] ، تنبيها أن لا وراء الأشباح معنى معتدّ به، والجُسْمَان قيل: هو الشخص، والشخص قد يخرج من كونه شخصا بتقطيعه وتجزئته بخلاف الجسم.
جعل
جَعَلَ: لفظ عام في الأفعال كلها، وهو أعمّ من فعل وصنع وسائر أخواتها، ويتصرّف على خمسة أوجه:
الأول: يجري مجرى صار وطفق فلا يتعدّى، نجو جعل زيد يقول كذا «٥» ، قال الشاعر:
стр. 179
٩٣-
فقد جعلت قلوص بني سهيل ... من الأكوار مرتعها قريب «١»
والثاني: يجري مجرى أوجد، فيتعدّى إلى مفعول واحد نحو قوله : وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [الأنعام/ ١] ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ [النحل/ ٧٨] .
والثالث: في إيجاد شيء من شيء وتكوينه منه، نحو: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً [النحل/ ٧٢] ، وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً [النحل/ ٨١] ، وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا [الزخرف/ ١٠] .
والرابع: في تصيير الشيء على حالة دون حالة، نحو: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً [البقرة/ ٢٢] ، وقوله: جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا [النحل/ ٨١] ، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [نوح/ ١٦] ، وقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [الزخرف/ ٣] .
والخامس: الحكم بالشيء على الشيء، حقا كان أو باطلا، فأمّا الحقّ فنحو قوله تعالى: إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص/ ٧] ، وأمّا الباطل فنحو قوله : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً [الأنعام/ ١٣٦] ، وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ [النحل/ ٥٧] ، الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [الحجر/ ٩١] .
والجِعَالَة الجُعَالَة: خرقة ينزّل بها القدر، والجُعْل والجَعَالَة والجَعِيلَة: ما يجعل للإنسان بفعله فهو أعمّ من الأجرة والثواب، وكلب مُجْعِل، كناية عن طلب السفاد، والجُعَل: دويبة.
جفن
الجَفْنَة خصت بوعاء الأطعمة، وجمعها جِفَا ن، قال : وَجِفانٍ كَالْجَوابِ [سبأ/ ١٣] ، وفي حديث «وأنت الجفنة الغرّاء» «٢» أي: المطعام، وقيل للبئر الصغيرة جفنة تشبيها بها، والجِفْن خصّ بوعاء السيف والعين، وجمعه أجفان، وسمي الكرم جفنا تصوّرا أنّه وعاء العنب.
جفأ
قال تعالى: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً
[الرعد/ ١٧] ، وهو ما يرمي به الوادي أو القدر من الغثاء إلى جوانبه. يقال: أَجْفَأَتِ القدر زبدها: ألقته، إِجْفَاء، وأَجْفَأَتِ الأرض: صارت
стр. 180
كالجفاء في ذهاب خيرها، وقيل: أصل ذلك الواو لا الهمز «١» ، ويقال: جفت القدر وأجفت، ومنه: الجفاء، وقد جفوته أجفوه جفوة وجفاء، ومن أصله أخذ: جفا السرج عن ظهر الدابة:
رفعه عنه.
جلَ
الجَلَالَة: عظم القدر، والجلال بغير الهاء:
التناهي في ذلك، وخصّ بوصف الله تعالى، فقيل: ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن/ ٢٧] ، ولم يستعمل في غيره، والجليل: العظيم القدر. ووصفه تعالى بذلك «٢» إمّا لخلقه الأشياء العظيمة المستدلّ بها عليه، أو لأنه يجلّ عن الإحاطة به، أو لأنه يجلّ أن يدرك بالحواس.
وموضوعه للجسم العظيم الغليظ، ولمراعاة معنى الغلظ فيه قوبل بالدقيق، وقوبل العظيم بالصغير، فقيل: جَلِيل ودقيق، وعظيم وصغير، وقيل للبعير: جليل، وللشاة: دقيق، اعتبارا لأحدهما بالآخر، فقيل: ما له جليل ولا دقيق وما أجلّني ولا أدقّني «٣» . أي: ما أعطاني بعيرا ولا شاة، ثم صار مثلا في كل كبير وصغير. وخص الجُلَالةَ بالناقة الجسيمة، والجِلَّة بالمسانّ منها، والجَلَل:
كل شيء عظيم، وجَلَلْتُ كذا: تناولت، وتَجَلَّلْتُ البقر: تناولت جُلَالَه، والجَلَل: المتناول من البقر، وعبّر به عن الشيء الحقير، وعلى ذلك قوله: كلّ مصيبة بعده جلل.
والجَلَل: ما معظم الشيء، فقيل: جَلَّ الفرس، وجل الثمن، والمِجَلَّة: ما يغطى به الصحف، ثمّ سميت الصحف مَجَلَّة.
وأمّا الجَلْجَلَة فحكاية الصوت، وليس من ذلك الأصل في شيء، ومنه: سحاب مُجَلْجِل أي: مصوّت. فأمّا سحاب مُجَلِّل فمن الأول، كأنه يُجَلِّل «٤» الأرض بالماء والنبات.
جلب
أصل الجَلْب: سوق الشيء. يقال: جَلَبْتُ جَلْباً، قال الشاعر:
٩٤-
وقد يجلب الشيء البعيد الجوالب
«٥» وأَجْلَبْتُ عليه: صحت عليه بقهر. قال الله : وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ [الإسراء/ ٦٤] ، والجَلَب المنهي عنه في قوله
стр. 181
عليه السلام: «لا جَلَب» «١» قيل: هو أن يجلب المصّدّق أغنام القوم عن مرعاها فيعدها، وقيل:
هو أن يأتي أحد المتسابقين بمن يجلب على فرسه، وهو أن يزجره ويصيح به ليكون هو السابق.
والجُلْبَة: قشرة تعلو الجرح، وأجلب فيه، والجِلْبُ: سحابة رقيقة تشبه الجلبة.
والجَلابيب: القمص والخمر، الواحد: جِلْبَاب.
جلت
قال تعالى: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ
[البقرة/ ٢٥٠] ، وذلك أعجميّ لا أصل له في العربية.
جلد
الجِلْد: قشر البدن، وجمعه جُلُود. قال الله تعالى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها [النساء/ ٥٦] ، وقوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر/ ٢٣] .
والجُلُود عبارة عن الأبدان، والقلوب عن النفوس. وقوله : حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [فصلت/ ٢٠] ، وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا [فصلت/ ٢١] ، فقد قيل: الجلود هاهنا كناية عن الفروج «٢» ، وجلَدَهُ: ضرب جلده، نحو: بطنه وظهره، أو ضربه بالجلد، نحو: عصاه إذا ضربه بالعصا، وقال تعالى: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً [النور/ ٤] .
والجَلَد: الجلد المنزوع عن الحوار، وقد جَلُدَ جَلَداً فهو جَلْدٌ وجَلِيد، أي: قويّ، وأصله لاكتساب الجلد قوّة، ويقال: ما له معقول ولا مَجْلُود «٣» ، أي: عقل وجَلَد.
وأرض جَلْدَة تشبيها بذلك، وكذا ناقة جلدة، وجَلَّدْتُ كذا، أي: جعلت له جلدا. وفرس مُجَلَّد: لا يفزع من الضرب، وإنما هو تشبيه بالمجلّد الذي لا يلحقه من الضرب ألم، والجَلِيد: الصقيع، تشبيها بالجلد في الصلابة.
جلس
أصل الجَلْس: الغليظ من الأرض، وسمي النجد جلسا لذلك، وروي «أنّه ﵇ أعطاهم معادن القبلية غوريّها وجَلْسِيّها» «٤» .
стр. 182
وجَلَسَ أصله أن يقصد بمقعده جلسا من الأرض، ثم جعل ال جُلُو س لكل قعود، والمَجْلِس: لكلّ موضع يقعد فيه الإنسان. قال الله تعالى: إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ [المجادلة/ ١١] .
جلو
أصل الجَلْو: الكشف الظاهر، يقال: أَجْلَيْتُ القوم عن منازلهم فَجَلَوْا عنها. أي: أبرزتهم عنها، ويقال: جلاه، نحو قول الشاعر:
٩٥-
فلما جلاها بالأيام تحيّزت ... ثبات عليها ذلّها واكتئابها
«١» وقال الله : وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا
[الحشر/ ٣] ، ومنه: جَلَا لي خَبَرٌ، وخَبَرٌ جَلِيٌّ، وقياس جليّ «٢» ، ولم يسمع فيه جال. وجَلَوْتُ العروس جِلْوَة، وجَلَوْتُ السيف جَلَاءً، والسماء جَلْوَاء أي: مصحية، ورجل أَجْلَى: انكشف بعض رأسه عن الشعر، والتَّجَلِّي قد يكون بالذات نحو: وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى [الليل/ ٢] ، وقد يكون بالأمر والفعل، نحو: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ [الأعراف/ ١٤٣] . وقيل: فلان ابن جلا «٣» أي: مشهور، وأَجْلَوْا عن قتيل إِجْلَاءً.
جمَ
قال الله تعالى: وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا
[الفجر/ ٢٠] ، أي: كثيرا، من: جَمَّة الماء، أي: معظمه ومجتمعه الذي جُمَّ فيه الماء عن السيلان، وأصل الكلمة من الجَمَام، أي:
الراحة للإقامة وترك تحمّل التعب، وجُمَام «٤» المكوك دقيقا، وجمام القدح ماء: إذا امتلأ حتى عجز عن تحمل الزيادة.
ولاعتبار معنى الكثرة قيل الجُمَّة لقوم يجتمعون في تحمل مكروه، ولما اجتمع من شعر الناصية، وجَمَّةُ البئر: مكان يجتمع فيه الماء كأنه أجمّ أياما، وقيل للفرس: جَمُوم الشدّ، تشبيها به، والجَمَّاء الغفير، والجَمُّ الغفير: الجماعة من الناس، وشاة جَمَّاء: لا قرن لها، اعتبارا بجمّة الناصية.
стр. 183
جمح
قال تعالى: وَهُمْ يَجْمَحُونَ
[التوبة/ ٥٧] ، الجَمُوح أصله في الفرس إذا غلب فارسه بنشاطه في مروره وجريانه، وذلك أبلغ من النشاط والمرح، والجُمَاح: سهم يجعل على رأسه كالبندقة يرمي به الصبيان «١» .
جمع
الجَمْع: ضمّ الشيء بتقريب بعضه من بعض، يقال: جَمَعْتُهُ فَاجْتَمَعَ، وقال :
وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [القيامة/ ٩] ، وَجَمَعَ فَأَوْعى [المعارج/ ١٨] ، جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ [الهمزة/ ٢] ، وقال تعالى:
يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ [سبأ/ ٢٦] ، وقال تعالى: لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [آل عمران/ ١٥٧] ، قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ [الإسراء/ ٨٨] ، وقال تعالى: فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً [الكهف/ ٩٩] ، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ
[النساء/ ١٤٠] ، وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ [النور/ ٦٢] ، أي: أمر له خطر يجتمع لأجله الناس، فكأنّ الأمر نفسه جمعهم. وقوله تعالى: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ
[هود/ ١٠٣] ، أي: جمعوا فيه، نحو:
وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ [الشورى/ ٧] ، وقال تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ [التغابن/ ٩] ، ويقال للمجموع: جَمْعُ وجَمِيعُ وجَمَاعَةُ، وقال تعالى: وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ
[آل عمران/ ١٦٦] ، وقال :
وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ [يس/ ٣٢] ، والجُمَّاع يقال في أقوام متفاوتة اجتمعوا.
قال الشاعر:
٩٦-
جمع غير جمّاع
«٢» وأَجْمَعْتُ كذا أكثر ما يقال فيما يكون جمعا يتوصل إليه بالفكرة، نحو: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ [يونس/ ٧١] ، قال الشاعر:
٩٧-
هل أغدون يوما وأمري مجمع
«٣» وقال تعالى: فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ [طه/ ٦٤] ، ويقال: أَجْمَعَ المسلمون على كذا:
اجتمعت آراؤهم عليه، ونهب مجمع: ما يوصل إليه بالتدبير والفكرة، وقوله :
стр. 184
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران/ ١٧٣] ، قيل: جمعوا آراءهم في التدبير عليكم، وقيل:
جمعوا جنودهم. وجَمِيعٌ وأَجْمَعُ وأَجْمَعُونَ يستعمل لتأكيد الاجتماع على الأمر، فأمّا أجمعون فتوصف به المعرفة، ولا يصح نصبه على الحال. نحو قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [الحجر/ ٣٠] ، وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ [يوسف/ ٩٣] ، فأمّا جميع فإنّه قد ينصب على الحال فيؤكّد به من حيث المعنى، نحو: اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً [البقرة/ ٣٨] ، وقال: فَكِيدُونِي جَمِيعاً [هود/ ٥٥] ، وقولهم: يوم الجمعة، لاجتماع الناس للصلاة، قال تعالى: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة/ ٩] ، ومسجد الجامع، أي: الأمر الجامع، أو الوقت الجامع، وليس الجامع وصفا للمسجد، وجَمَّعُوا: شهدوا الجمعة، أو الجامع أو الجماعة.
وأتانٌ جامع «١» : إذا حملت، وقِدْر جِمَاع جامعة: عظيمة، واستجمع الفرس جريا: بالغ، فمعنى الجمع ظاهر. وقولهم: ماتت المرأة بِجُمْع: إذا كان ولدها في بطنها، فلتصور اجتماعهما، وقولهم: هي منه بِجُمْعٍ: إذا لم تفتضّ: فلاجتماع ذلك العضو منها وعدم التشقق فيه، وضربه بِجُمْعِ كفّه: إذا جمع أصابعه فضربه بها، وأعطاه من الدراهم جمع الكف.
أي: ما جمعته كفّه. والجوامع: الأغلال، لجمعها الأطراف.
جمل
الجَمَال: الحسن الكثير، وذلك ضربان:
أحدهما: جمال يخصّ الإنسان في نفسه أو بدنه أو فعله.
والثاني: ما يوصل منه إلى غيره. وعلى هذا الوجه ما روي عنه ﷺ : «إنّ الله جميل يحبّ الجمال» «٢» تنبيها أنّه منه تفيض الخيرات الكثيرة، فيحبّ من يختص بذلك.
وقال تعالى: وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ [النحل/ ٦] ، ويقال: جَمِيلٌ وجَمَال على التكثير. قال الله تعالى: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [يوسف/ ٨٣] ، فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا [المعارج/ ٥] ، وقد جَامَلْتُ فلانا، وأَجْمَلْتُ في
стр. 185
كذا، وجمالك، أي: أجمل، واعتبر منه معنى الكثرة، فقيل لكلّ جماعة غير منفصلة: جُمْلَة، ومنه قيل للحساب الذي لم يفصّل والكلام الذي لم يبيّن: مُجْمَل، وقد أجملت الحساب، وأجملت في الكلام. قال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
[الفرقان/ ٣٢] ، أي: مجتمعا لا كما أنزل نجوما مفترقة. وقول الفقهاء: المُجْمَل: ما يحتاج إلى بيان، فليس بحدّ له ولا تفسير، وإنما هو ذكر بعض أحوال الناس معه، والشيء يجب أن تبيّن صفته في نفسه التي بها يتميز، وحقيقة المجمل:
هو المشتمل على جملة أشياء كثيرة غير ملخّصة.
والجَمَلُ يقال للبعير إذا بزل «١» ، وجمعه جِمَال وأَجْمَال وجِمَالة قال الله تعالى: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ [الأعراف/ ٤٠] ، وقوله:
جِمالَتٌ صُفْرٌ
«٢» [المرسلات/ ٣٣] ، جمع جِمَالة، والجِمَالَة جمع جَمَل، وقرئ:
جمالات «٣» بالضم، وقيل: هي القلوص، والجَامِل: قطعة من الإبل معها راعيها، كالباقر، وقولهم: اتّخذ الليل جملا «٤» فاستعارة، كقولهم: ركب الليل، وتسمية الجمل بذلك يجوز أن يكون لما قد أشار إليه بقوله: وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ [النحل/ ٦] ، لأنهم كانوا يعدّون ذلك جمالا لهم. وجَمَلْتُ الشحم: أذبته، والجَمِيل: الشحم المذاب، والاجتمال:
الادهان به، وقالت امرأة لبنتها: تَجَمَّلِي وتعفّفي «٥» ، أي: كلي الجميل، واشربي العفافة «٦» .
جنَ
أصل الجِنِّ: ستر الشيء عن الحاسة، يقال:
جَنَّه الليل وأَجَنَّهُ وجَنَّ عليه، فَجَنَّهُ: ستره، وأَجَنَّه جعل له ما يجنّه، كقولك: قبرته وأقبرته، وسقيته وأسقيته، وجَنَّ عليه كذا: ستر عليه، قال : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً [الأنعام/ ٧٦] ، والجَنَان: القلب، لكونه مستورا عن الحاسة، والمِجَنُّ والمِجَنَّة: الترس الذي يجنّ صاحبه. قال : اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً
[المجادلة/ ١٦] ، وفي الحديث:
«الصّوم جنّة» «٧» .
стр. 186
والجَنَّةُ: كلّ بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض، قال : لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ [سبأ/ ١٥] ، وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ [سبأ/ ١٦] ، وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ [الكهف/ ٣٩] ، قيل: وقد تسمى الأشجار الساترة جَنَّة، وعلى ذلك حمل قول الشاعر:
٩٨-
من النّواضح تسقي جنّة سحقا
«١» وسميت الجنّة إمّا تشبيها بالجنّة في الأرض- وإن كان بينهما بون-، وإمّا لستره نعمها عنّا المشار إليها بقوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة/ ١٧] . قال ابن عباس ﵁: إنما قال:
جَنَّاتٍ
«٢» بلفظ الجمع لكون الجنان سبعا:
جنة الفردوس، وعدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليّين.
والجنين: الولد ما دام في بطن أمه، وجمعه:
أَجِنَّة. قال تعالى: وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ [النجم/ ٣٢] ، وذلك فعيل في معنى مفعول، والجنين القبر «٣» ، وذلك فعيل في معنى فاعل. والجِنّ يقال على وجهين: أحدهما للروحانيين المستترة عن الحواس كلها بإزاء الإنس، فعلى هذا تدخل فيه الملائكة والشياطين، فكلّ ملائكة جنّ، وليس كلّ جنّ ملائكة، وعلى هذا قال أبو صالح «٤» : الملائكة كلها جنّ، وقيل: بل الجن بعض الروحانيين، وذلك أنّ الروحانيين ثلاثة:
- أخيار: وهم الملائكة.
- وأشرار: وهم الشياطين.
- وأوساط فيهم أخيار وأشرار: وهم الجن، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ إلى قوله: وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ [الجن/ ١- ١٤] .
والجِنَّة: جماعة الجن. قال تعالى: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس/ ٦] ، وقال تعالى:
وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [الصافات/ ١٥٨] . والجِنَّة: الجنون، وقال تعالى:
стр. 187
ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ [سبأ/ ٤٦] أي: جنون.
والجُنون: حائل بين النفس والعقل، وجُنَّ فلان قيل: أصابه الجن، وبني فعله كبناء الأدواء نحو: زكم ولقي «١» وحمّ، وقيل: أصيب جنانه، وقيل: حيل بين نفسه وعقله، فجن عقله بذلك وقوله تعالى: مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ [الدخان/ ١٤] ، أي: ضامّة من يعلمه من الجن، وكذلك قوله تعالى: أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ [الصافات/ ٣٦] ، وقيل:
٩٩-
جنّ التلاع والآفاق
«٢» أي: كثر عشبها حتى صارت كأنها مجنونة، وقوله تعالى: وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ
[الحجر/ ٢٧] فنوع من الجنّ، وقوله تعالى: كَأَنَّها جَانٌّ [النمل/ ١٠] ، قيل:
ضرب من الحيّات.
جنب
أصل الجَنْب: الجارحة، وجمعه: جُنُوب، قال الله : فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ [التوبة/ ٣٥] ، وقال تعالى: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ [السجدة/ ١٦] ، وقال : قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ [آل عمران/ ١٩١] .
ثم يستعار من الناحية التي تليها كعادتهم في استعارة سائر الجوارح لذلك، نحو: اليمين والشمال، كقول الشاعر:
١٠٠-
من عن يميني مرّة وأمامي
«٣» وقيل: جنب الحائط وجنبه، وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ
[النساء/ ٣٦] ، أي: القريب، وقيل:
كناية عن المرأة «٤» ، وقيل: عن الرفيق في السفر «٥» .
قال تعالى: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ
[الزمر/ ٥٦] ، أي: في أمره وحدّه الذي حدّه لنا.
وسار جَنْبَيْهِ وجَنْبَتَيْهِ، وجَنَابَيْهِ وجَنَابَتَيْهِ، وجَنَبْتُهُ: أصبت جنبه، نحو: كبدته وفأدته.
وجُنِبَ: شكا جنبه، نحو: كبد وفئد، وبني من الجنب الفعل على وجهين:
أحدهما: الذهاب على ناحيته.
والثاني: الذهاب إليه.
стр. 188
فالأول نحو: جَنَبْتُهُ، وأَجْنَبْتُهُ، ومنه:
وَالْجارِ الْجُنُبِ [النساء/ ٣٦] ، أي:
البعيد، قال الشاعر:
١٠١-
فلا تحرمنّي نائلا عن جنابة
«١» أي: عن بعد. ورجل جَنِبٌ وجَانِبٌ. قال : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ
[النساء/ ٣١] ، وقال : وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ [الحج/ ٣٠] ، واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [الزمر/ ١٧] عبارة عن تركهم إياه، فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة/ ٩٠] ، وذلك أبلغ من قولهم: اتركوه. وجنب بنو فلان: إذا لم يكن في إبلهم اللبن، وجُنِبَ فلان خيرا، وجنب شرا «٢» . قال تعالى في النار: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى [الليل/ ١٧- ١٨] ، وذلك إذا أطلق فقيل: جنب فلان فمعناه: أبعد عن الخير، وذلك يقال في الدعاء في الخير، وقوله : وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ [إبراهيم/ ٣٥] ، من: جنبته عن كذا أي: أبعدته، وقيل: هو من جنبت الفرس، كأنما سأله أن يقوده عن جانب الشرك بألطاف منه وأسباب خفيّة. والتجنيب: الرّوح في الرّجلين، وذلك إبعاد إحدى الرجلين عن الأخرى خلقة.
وقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا
[المائدة/ ٦] ، أي: إن أصابتكم الجنابة، وذلك بإنزال الماء أو بالتقاء الختانين، وقد جَنُبَ وأَجْنَبَ واجْتَنَبَ وتَجَنَّبَ، وسميت الجنابة بذلك لكونها سببا لتجنب الصلاة في حكم الشرع، والجَنُوب يصح أن يعتبر فيها معنى المجيء من جانب الكعبة «٣» ، وأن يعتبر فيها معنى الذهاب عنه، لأنّ المعنيين فيها موجودان، واشتق من الجنوب جَنَبَتِ الريحُ: هبّت جنوبا، فَأَجْنَبْنَا:
دخلنا فيها، وجُنِبْنَا: أصابتنا، وسحابة مَجْنُوبَة:
هبّت عليها.
جنح
الجَنَاح: جناح الطائر، يقال: جُنِحَ «٤» الطائر، أي: كسر جناحه، قال تعالى: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الأنعام/ ٣٨] ، وسمّي جانبا الشيء جَناحيه، فقيل: جناحا السفينة، وجناحا العسكر، وجناحا الوادي، وجناحا الإنسان لجانبيه، قال : وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ
стр. 189
[طه/ ٢٢] ، أي: جانبك وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ [القصص/ ٣٢] ، عبارة عن اليد، لكون الجناح كاليد، ولذلك قيل لجناحي الطائر يداه، وقوله : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء/ ٢٤] ، فاستعارة، وذلك أنه لما كان الذلّ ضربين:
ضرب يضع الإنسان، وضرب يرفعه- وقصد في هذا المكان إلى ما يرفعه لا إلى ما يضعه- فاستعار لفظ الجناح له، فكأنه قيل: استعمل الذل الذي يرفعك عند الله من أجل اكتسابك الرحمة، أو من أجل رحمتك لهما، وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ [القصص/ ٣٢] ، وجَنَحَتِ العير في سيرها: أسرعت، كأنها استعانت بجناح، وجَنَحَ الليل: أظلّ بظلامه، والجِنْحُ: قطعة من الليل مظلمة. قال تعالى:
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
[الأنفال/ ٦١] ، أي: مالوا، من قولهم: جنحت السفينة، أي: مالت إلى أحد جانبيها، وسمي الإثم المائل بالإنسان عن الحق جناحا ثم سمّي كلّ إثم جُنَاحاً، نحو قوله تعالى: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ «١» في غير موضع، وجوانح الصدر:
الأضلاع المتصلة رؤوسها في وسط الزور، الواحدة: جَانِحَة، وذلك لما فيها من الميل.
جند
يقال للعسكر الجُنْد اعتبارا بالغلظة، من الجند، أي: الأرض الغليظة التي فيها حجارة ثم يقال لكلّ مجتمع جند، نحو: «الأرواح جُنُودٌ مُجَنَّدَة» «٢» . قال تعالى: إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ
[الصافات/ ١٧٣] ، إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ [الدخان/ ٢٤] ، وجمع الجند: أَجْنَاد وجُنُود، قال تعالى: وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ [الشعراء/ ٩٥] ، وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر/ ٣١] ، اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [الأحزاب/ ٩] ، فالجنود الأولى من الكفار، والجنود الثانية التي لم تروها الملائكة.
جنف
أصل الجَنَف ميل في الحكم، فقوله تعالى:
فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً [البقرة/ ١٨٢] ، أي: ميلا ظاهرا، وعلى هذا: غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ
[المائدة/ ٣] ، أي: مائل إليه.
جنى
جَنَيْتُ الثمرة واجْتَنَيْتُهَا، والجَنْيُ: المجتنى من الثمر والعسل، وأكثر ما يستعمل الجني فيما
стр. 190
كان غضّا، قال تعالى: تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا
[مريم/ ٢٥] ، وقال تعالى: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ
[الرحمن/ ٥٤] ، وأَجْنَى الشجر:
أدرك ثمره، والأرض: كثر جناها، واستعير من ذلك جَنَى فلان جِنَاية كما استعير اجترم.
جهد
الجَهْدُ والجُهْد: الطاقة والمشقة، وقيل:
الجَهْد بالفتح: المشقة، والجُهْد: الوسع.
وقيل: الجهد للإنسان، وقال تعالى: وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ [التوبة/ ٧٩] ، وقال تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ [النور/ ٥٣] ، أي: حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم. والاجتهاد: أخذ النفس ببذل الطاقة وتحمّل المشقة، يقال:
جَهَدْتُ رأيي وأَجْهَدْتُهُ: أتعبته بالفكر، والجِهادُ والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو، والجِهَاد ثلاثة أضرب:
- مجاهدة العدو الظاهر. - ومجاهدة الشيطان.
- ومجاهدة النفس.
وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ [الحج/ ٧٨] ، وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة/ ٤١] ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الأنفال/ ٧٢] ، وقال ﷺ : «جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم» «١» . والمجاهدة تكون باليد واللسان، قال ﷺ «جاهدوا الكفار بأيديكم وألسنتكم» «٢» .
جهر
جَهْر يقال لظهور الشيء بإفراط حاسة البصر أو حاسة السمع.
أمّا البصر فنحو: رأيته جِهَارا، قال الله تعالى:
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً
[البقرة/ ٥٥] ، أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء/ ١٥٣] ، ومنه: جَهَرَ «٣» البئر واجْتَهَرَهَا: إذا أظهر ماءها.
وقيل: ما في القوم أحد يجهر عيني «٤» .
стр. 191
والجوهر: فوعل منه، وهو ما إذا بطل بطل محموله، وسمي بذلك لظهوره للحاسة.
وأمّا السمع، فمنه قوله تعالى: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ
[الرعد/ ١٠] ، وقال : وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى
[طه/ ٧] ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ [الأنبياء/ ١١٠] ، وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ [الملك/ ١٣] ، وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها [الإسراء/ ١١٠] ، وقال: وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ [الحجرات/ ٢] ، وقيل: كلام جوهري، وجَهِير، ورجل جهير يقال لرفيع الصوت، ولمن يجهر لحسنه.
جهز
قال تعالى: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ
[يوسف/ ٧٠] ، الجَهَاز: ما يعدّ من متاع وغيره، والتجهيز: حمل ذلك أو بعثه، وضرب البعير بجهازه: إذا ألقى متاعه في رجله فنفر، وجَهِيزَة «١» : امرأة محمّقة. وقيل للذئبة التي ترضع ولد غيرها: جهيزة.
جهل
الجهل على ثلاثة أضرب:
- الأول: وهو خلوّ النفس من العلم، هذا هو الأصل، وقد جعل ذلك بعض المتكلمين معنى مقتضيا للأفعال الخارجة عن النظام، كما جعل العلم معنى مقتضيا للأفعال الجارية على النظام.
- والثاني: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه.
- والثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقّه أن يفعل، سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أو فاسدا، كمن يترك الصلاة متعمدا، وعلى ذلك قوله تعالى: قالُوا: أَتَتَّخِذُنا هُزُواً؟ قالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
[البقرة/ ٦٧] ، فجعل فعل الهزو جهلا، وقال : فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ
[الحجرات/ ٦] .
والجاهل تارة يذكر على سبيل الذم، وهو الأكثر، وتارة لا على سبيل الذم، نحو:
يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ [البقرة/ ٢٧٣] ، أي: من لا يعرف حالهم، وليس يعني المتخصص بالجهل المذموم، والمَجْهل: الأمر والأرض والخصلة التي تحمل الإنسان على الاعتقاد بالشيء خلاف ما هو عليه، واستجهلت الرّيح الغصن: حرّكته، كأنها حملته على تعاطي الجهل، وذلك استعارة حسنة.
جهنم
جَهَنَّم اسم لنار الله الموقدة، قيل: وأصلها فارسيّ
стр. 192
معرّب جهنام «١» ، وقال أبو مسلم: كهنّام «٢» ، والله أعلم.
جيب
قال الله تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَ
[النور/ ٣١] ، جمع جَيْب.
جوب
الجَوْبُ: قطع الجَوْبَة، وهي كالغائط من الأرض، ثم يستعمل في قطع كلّ أرض، قال تعالى: وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ
[الفجر/ ٩] ، ويقال: هل عندك جَائِبَة خبر «٣» ؟
وجوابُ الكلام: هو ما يقطع الجوب فيصل من فم القائل إلى سمع المستمع، لكن خصّ بما يعود من الكلام دون المبتدأ من الخطاب، قال تعالى: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا [النمل/ ٥٦] ، والجواب يقال في مقابلة السؤال، والسؤال على ضربين:
طلب مقال، وجوابه المقال.
وطلب نوال، وجوابه النّوال.
فعلى الأول: أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ
[الأحقاف/ ٣١] ، وقال: وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ [الأحقاف/ ٣٢] .
وعلى الثاني قوله: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما [يونس/ ٨٩] ، أي: أعطيتما ما سألتما.
والاستجابة قيل: هي الإجابة، وحقيقتها هي التحري للجواب والتهيؤ له، لكن عبّر به عن الإجابة لقلة انفكاكها منها، قال تعالى:
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ [الأنفال/ ٢٤] ، وقال: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر/ ٦٠] ، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي [البقرة/ ١٨٦] ، فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ [آل عمران/ ١٩٥] ، وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [الشورى/ ٢٦] وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ [الشورى/ ٣٨] ، وقال تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي [البقرة/ ١٨٦] ، الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ [آل عمران/ ١٧٢] .
جود
قال تعالى: وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ
стр. 193
[هود/ ٤٤] ، قيل: هو اسم جبل بين الموصل والجزيرة، وهو في الأصل منسوب إلى الجود، والجود: بذل المقتنيات مالا كان أو علما، ويقال: رجل جَوَاد، وفرس جواد، يجود بمدّخر عدوه، والجمع: الجِيَاد، قال تعالى: بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ [ص/ ٣١] ، ويقال في المطر الكثير: جَوْد، ووصف تعالى بالجواد. وفي الفرس جَوْدَة، وفي المال جود، وجَادَ الشيء جَوْدَة، فهو جَيِّد، لمّا نبّه عليه قوله تعالى: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه/ ٥٠] .
جأر
قال تعالى: فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ
[النحل/ ٥٣] ، وقال تعالى: إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ [المؤمنون/ ٦٤] ، لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ [المؤمنون/ ٦٥] ، جَأَرَ: إذا أفرط في الدعاء والتضرّع تشبيها بجؤار الوحشيات، كالظباء ونحوها.
جار
الجار: من يقرب مسكنه منك، وهو من الأسماء المتضايفة، فإنّ الجار لا يكون جارا لغيره إلا وذلك الغير جار له، كالأخ والصديق، ولمّا استعظم حقّ الجار عقلا وشرعا عبّر عن كل من يعظم حقّه أو يستعظم حقّ غيره بالجار، قال تعالى: وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ [النساء/ ٣٦] ، ويقال: استجرته فأجارني، وعلى هذا قوله تعالى: وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ [الأنفال/ ٤٨] ، وقال : وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ
[المؤمنون/ ٨٨] ، وقد تصوّر من الجار معنى القرب، فقيل لمن يقرب من غيره:
جَارَهُ، وجَاوَرَه، وتَجَاوَرَ، قال تعالى: لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب/ ٦٠] ، وقال تعالى: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ [الرعد/ ٤] ، وباعتبار القرب قيل: جار عن الطريق، ثم جعل ذلك أصلا في العدول عن كلّ حق، فبني منه الجور، قال تعالى: وَمِنْها جائِرٌ
[النحل/ ٩] ، أي: عادل عن المحجّة، وقال بعضهم: الجائر من الناس: هو الذي يمنع من التزام ما يأمر به الشرع.
جوز
قال تعالى: فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ
[البقرة/ ٢٤٩] ، أي: تجاوز جوزه، وقال: وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ [الأعراف/ ١٣٨] ، وجَوْزُ الطريق: وسطه، وجاز الشيء كأنه لزم جوز الطريق، وذلك عبارة عمّا يسوغ، وجَوْزُ السماء:
وسطها، والجوزاء قيل: سميت بذلك لاعتراضها في جوز السماء، وشاة جوزاء أي: ابيضّ وسطها، وجُزْتُ المكان: ذهبت فيه، وأَجَزْتُهُ:
أنفذته وخلّفته، وقيل: استجزت فلانا فأجازني:
إذا استسقيته فسقاك، وذلك استعارة، والمَجَاز
стр. 194
من الكلام ما تجاوز موضعه الذي وضع له، والحقيقة ما لم يتجاوز ذلك.
جاس
قال تعالى: فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ
[الإسراء/ ٥] ، أي: توسّطوها وتردّدوا بينها، ويقارب ذلك جازوا وداسوا، وقيل: الجَوْس:
طلب ذلك الشيء باستقصاء، والمجوس معروف.
جوع
الجُوع: الألم الذي ينال الحيوان من خلّو المعدة من الطعام، والمَجَاعة: عبارة عن زمان الجدب، ويقال: رجل جائع وجوعان: إذا كثر جوعه.
جاء
جاء يجيء ومَجِيئا، والمجيء كالإتيان، لكن المجيء أعمّ، لأنّ الإتيان مجيء بسهولة، والإتيان قد يقال باعتبار القصد وإن لم يكن منه الحصول، والمجيء يقال اعتبارا بالحصول، ويقال «١» : جاء في الأعيان والمعاني، ولما يكون مجيئه بذاته وبأمره، ولمن قصد مكانا أو عملا أو زمانا، قال الله : وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى [يس/ ٢٠] ، وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ [غافر/ ٣٤] ، وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ [هود/ ٧٧] ، فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ [الأحزاب/ ١٩] ، إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ [يونس/ ٤٩] ، بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي [الزمر/ ٥٩] ، فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً [الفرقان/ ٤] ، أي: قصدوا الكلام وتعدّوه، فاستعمل فيه المجيء كما استعمل فيه القصد، قال تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ [الأحزاب/ ١٠] ، وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر/ ٢٢] ، فهذا بالأمر لا بالذات، وهو قول ابن عباس ﵁ «٢» ، وكذا قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ [يونس/ ٧٦] ، يقال: جاءه بكذا وأجاءه، قال الله تعالى: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم/ ٢٣] ، قيل: ألجأها، وإنما هو معدّى عن جاء، وعلى هذا قولهم: (شرّ ما أجاءك إلى مخّه عرقوب) «٣» ، وقول الشاعر:
١٠٢-
أجاءته المخافة والرّجاء
«٤»
стр. 195
وجاء بكذا: استحضره، نحو: لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ [النور/ ١٣] ، وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [النمل/ ٢٢] ، وجاء بكذا يختلف معناه بحسب اختلاف المجيء به.
جال
جالوت «١» اسم ملك طاغ رماه داود ﵇ فقتله، وهو المذكور في قوله تعالى: وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ [البقرة/ ٢٥١] .
جوَّ
الجوّ: الهواء، قال الله تعالى: فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ [النحل/ ٧٩] ، واسم اليمامة جوّ «٢» . والله أعلم.
تمّ كتاب الجيم
стр. 196
كتاب الحاء
حب
الحَبُّ والحَبَّة يقال في الحنطة والشعير ونحوهما من المطعومات، والحبّ والحبّة في بزور الرياحين، قال الله تعالى: كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [البقرة/ ٢٦١] ، وقال: وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ [الأنعام/ ٥٩] ، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى [الأنعام/ ٩٥] ، وقوله تعالى:
فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ [ق/ ٩] ، أي: الحنطة وما يجري مجراها ممّا يحصد، وفي الحديث: «كما تنبت الحبّة في حميل السيل» «١» .
والحِبُّ: من فرط حبّه، والحَبَبُ: تنضّد الأسنان تشبيها بالحب، والحُبَاب من الماء:
النّفّاخات تشبيها به، وحَبَّة القلب تشبيها بالحبّة في الهيئة، وحَبَبْتُ فلانا، يقال في الأصل بمعنى: أصبت حبّة قلبه، نحو: شغفته وكبدته وفأدته، وأَحْبَبْتُ فلانا: جعلت قلبي معرّضا لحبّه، لكن في التعارف وضع محبوب موضع محبّ، واستعمل (حببت) أيضا موضع (أحببت) . والمحبَّة: إرادة ما تراه أو تظنّه خيرا، وهي على ثلاثة أوجه:
- محبّة للّذة، كمحبّة الرجل المرأة، ومنه:
وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً [الإنسان/ ٨] .
- ومحبّة للنفع، كمحبة شيء ينتفع به، ومنه:
وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ [الصف/ ١٣] .
- ومحبّة للفضل، كمحبّة أهل العلم بعضهم لبعض لأجل العلم.
وربّما فسّرت المحبّة بالإرادة في نحو قوله
стр. 197
تعالى: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [التوبة/ ١٠٨] ، وليس كذلك، فإنّ المحبّة أبلغ من الإرادة كما تقدّم آنفا، فكلّ محبّة إرادة، وليس كلّ إرادة محبّة، وقوله : إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ [التوبة/ ٢٣] ، أي: إن آثروه عليه، وحقيقة الاستحباب: أن يتحرّى الإنسان في الشيء أن يحبّه، واقتضى تعديته ب (على) معنى الإيثار، وعلى هذا قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [فصلت/ ١٧] ، وقوله تعالى:
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة/ ٥٤] ، فمحبّة الله تعالى للعبد إنعامه عليه، ومحبّة العبد له طلب الزّلفى لديه.
وقوله تعالى: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي
[ص/ ٣٢] ، فمعناه: أحببت الخيل حبّي للخير، وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
[البقرة/ ٢٢٢] ، أي: يثيبهم وينعم عليهم، وقال: لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة/ ٢٧٦] ، وقوله تعالى:
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ [الحديد/ ٢٣] ، تنبيها أنه بارتكاب الآثام يصير بحيث لا يتوب لتماديه في ذلك، وإذا لم يتب لم يحبّه الله المحبّة التي وعد بها التوابين والمتطهرين.
وحَبَّبَ الله إليّ كذا، قال الله تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ [الحجرات/ ٧] ، وأحبّ البعير: إذا حرن ولزم مكانه، كأنه أحبّ المكان الذي وقف فيه، وحبابك أن تفعل كذا «١» ، أي:
غاية محبّتك ذلك.
حبر
الحِبْرُ: الأثر المستحسن، ومنه ما روي:
«يخرج من النّار رجل قد ذهب حبره وسبره» «٢» أي: جماله وبهاؤه، ومنه سمّي الحبر، وشاعر مُحَبِّر، وشعر مُحَبَّر، وثوب حَبِير: محسّن، ومنه: أرض مِحْبَار «٣» ، والحبير من السحاب، وحَبِرَ «٤» فلان:
بقي بجلده أثر من قرح، والحَبْر: العالم وجمعه: أَحْبَار، لما يبقى من أثر علومهم في قلوب الناس، ومن آثار أفعالهم الحسنة المقتدى بها، قال تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة/ ٣١] ، وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين ﵁ بقوله:
(العلماء باقون ما بقي الدّهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم في القلوب موجودة) «٥» . وقوله
стр. 198
عزّ وجلّ: فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ
[الروم/ ١٥] ، أي: يفرحون حتى يظهر عليهم حبار نعيمهم.
حبس
الحَبْس: المنع من الانبعاث، قال :
تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ [المائدة/ ١٠٦] ، والحَبْس: مصنع الماء الذي يحبسه، والأحباس جمع، والتحبيس: جعل الشيء موقوفا على التأبيد، يقال: هذا حَبِيس في سبيل الله.
حبط
قال الله تعالى: حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ
[المائدة/ ٥٣] ، وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام/ ٨٨] ، وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ [محمد/ ٣٢] ، لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر/ ٦٥] ، وقال تعالى: فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ [الأحزاب/ ١٩] ، وحَبْط العمل على أضرب:
أحدها: أن تكون الأعمال دنيوية فلا تغني في القيامة غناء، كما أشار إليه بقوله: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [الفرقان/ ٢٣] .
والثاني: أن تكون أعمالا أخروية، لكن لم يقصد بها صاحبها وجه الله تعالى، كما روي:
«أنه يؤتى يوم القيامة برجل فيقال له: بم كان اشتغالك؟ قال: بقراءة القرآن، فيقال له: قد كنت تقرأ ليقال: هو قارئ، وقد قيل ذلك، فيؤمر به إلى النار» «١» .
والثالث: أن تكون أعمالا صالحة، ولكن بإزائها سيئات توفي عليها، وذلك هو المشار إليه بخفّة الميزان.
وأصل الحبط من الحَبَطِ، وهو أن تكثر الدابة أكلا حتى ينتفخ بطنها، وقال ﵇: «إنّ ممّا ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلمّ» «٢» . وسمّي الحارث الحَبَطَ «٣» ، لأنه أصاب ذلك، ثم سمي أولاده حَبَطَات.
стр. 199
حبك
قال تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ
[الذاريات/ ٧] ، هي ذات الطرائق فمن الناس من تصوّر منها الطرائق المحسوسة بالنجوم والمجرّة، ومنهم من اعتبر ذلك بما فيه من الطرائق المعقولة المدركة بالبصيرة، وإلى ذلك أشار بقوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [آل عمران/ ١٩١] . وأصله من قولهم: بعير مَحْبُوك القرا «١» ، أي: محكمه، والاحتباك: شدّ الإزار.
حبل
الحَبْلُ معروف، قال : فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [المسد/ ٥] ، وشبّه به من حيث الهيئة حبل الوريد وحبل العاتق، والحبل:
المستطيل من الرّمل، واستعير للوصل، ولكلّ ما يتوصّل به إلى شيء. قال : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً [آل عمران/ ١٠٣] ، فحبله هو الذي معه التوصل به إليه من القرآن والعقل، وغير ذلك ممّا إذا اعتصمت به أدّاك إلى جواره، ويقال للعهد حبل، وقوله تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [آل عمران/ ١١٢] ، ففيه تنبيه أنّ الكافر يحتاج إلى عهدين:
- عهد من الله، وهو أن يكون من أهل كتاب أنزله الله تعالى، وإلّا لم يقرّ على دينه، ولم يجعل له ذمّة.
- وإلى عهد من الناس يبذلونه له.
والحِبَالَة خصّت بحبل الصائد، جمعها:
حَبَائِل، وروي (النّساء حبائل الشّيطان) «٢» .
والمُحْتَبِل والحَابِل: صاحب الحبالة، وقيل:
وقع حابلهم على نابلهم «٣» ، والحُبْلَة: اسم لما يجعل في القلادة.
стр. 200
حتم
الحَتْم: القضاء المقدّر، والحاتم: الغراب الذي يحتّم بالفراق فيما زعموا.
حَتَّى
حَتَّى حرف يجرّ به تارة كإلى، لكن يدخل الحدّ المذكور بعده في حكم ما قبله، ويعطف به تارة، ويستأنف به تارة، نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، ورأسها، ورأسها، قال تعالى: لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ [يوسف/ ٣٥] ، وحَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [القدر/ ٥] .
ويدخل على الفعل المضارع فينصب ويرفع، وفي كلّ واحد وجهان:
فأحد وجهي النصب: إلى أن.
والثاني: كي.
وأحد وجهي الرفع أن يكون الفعل قبله ماضيا، نحو: مشيت حتى أدخل البصرة، أي:
مشيت فدخلت البصرة.
والثاني: يكون ما بعده حالا، نحو: مرض حتى لا يرجونه، وقد قرئ: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ [البقرة/ ٢١٤] ، بالنصب والرفع «١» ، وحمل في كلّ واحدة من القراءتين على الوجهين. وقيل: إنّ ما بعد «حتى» يقتضي أن يكون بخلاف ما قبله، نحو قوله تعالى: وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [النساء/ ٤٣] ، وقد يجيء ولا يكون كذلك نحو ما روي:
«إنّ الله تعالى لا يملّ حتى تملّوا» «٢» لم يقصد أن يثبت ملالا لله تعالى بعد ملالهم «٣» .
حث»
الحثّ: السرعة، قال الله تعالى: يَطْلُبُهُ حَثِيثاً
[الأعراف/ ٥٤] .
حج
أصل الحَجِّ القصد للزيارة، قال الشاعر:
١٠٣-
يحجّون بيت الزّبرقان المعصفرا
«٥» خصّ في تعارف الشرع بقصد بيت الله تعالى إقامة للنسك، فقيل: الحَجّ والحِجّ، فالحَجُّ مصدر، والحِجُّ اسم، ويوم الحجّ الأكبر يوم
стр. 201
النحر، ويوم عرفة، وروي: «العمرة الحجّ الأصغر» «١» .
والحُجَّة: الدلالة المبيّنة للمحجّة، أي:
المقصد المستقيم الذي يقتضي صحة أحد النقيضين. قال تعالى: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ [الأنعام/ ١٤٩] ، وقال: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا [البقرة/ ١٥٠] ، فجعل ما يحتجّ بها الذين ظلموا مستثنى من الحجة وإن لم يكن حجة، وذلك كقول الشاعر:
١٠٤-
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب
«٢» ويجوز أنّه سمّى ما يحتجون به حجة، كقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
[الشورى/ ١٦] ، فسمّى الداحضة حجّة، وقوله تعالى: لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ [الشورى/ ١٥] ، أي: لا احتجاج لظهور البيان، والمُحاجَّة: أن يطلب كلّ واحد أن يردّ الآخر عن حجّته ومحجّته، قال تعالى: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ: أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ [الأنعام/ ٨٠] ، فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ [آل عمران/ ٦١] ، وقال تعالى: لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ [آل عمران/ ٦٥] ، وقال تعالى: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [آل عمران/ ٦٦] ، وقال تعالى: وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ [غافر/ ٤٧] ، وسمّي سبر الجراحة حجّا، قال الشاعر:
١٠٥-
يحجّ مأمومة في قعرها لجف
«٣»
حجب
الحَجْب والحِجَاب: المنع من الوصول، يقال: حَجَبَه حَجْباً وحِجَاباً، وحِجَاب الجوف:
ما يحجب عن الفؤاد، وقوله تعالى: وَبَيْنَهُما حِجابٌ [الأعراف/ ٤٦] ، ليس يعني به ما يحجب البصر، وإنما يعني ما يمنع من وصول لذّة أهل الجنّة إلى أهل النّار، وأذيّة أهل النّار إلى أهل الجنّة، كقوله : فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ، وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ [الحديد/ ١٣] ، وقال :
стр. 202
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى/ ٥١] ، أي: من حيث ما لا يراه مكلّمه ومبلّغه، وقوله تعالى: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص/ ٣٢] ، يعني الشّمس إذا استترت بالمغيب. والحَاجِبُ: المانع عن السلطان، والحاجبان في الرأس لكونهما كالحاجبين للعين في الذّب عنهما. وحاجب الشمس سمّي لتقدّمه عليها تقدّم الحاجب للسلطان، وقوله : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
[المطففين/ ١٥] ، إشارة إلى منع النور عنهم المشار إليه بقوله: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ [الحديد/ ١٣] .
حجر
الحَجَر: الجوهر الصلب المعروف، وجمعه:
أحجار وحِجَارَة، وقوله تعالى: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ [البقرة/ ٢٤] ، قيل: هي حجارة الكبريت «١» ، وقيل: بل الحجارة بعينها، ونبّه بذلك على عظم حال تلك النّار، وأنها ممّا توقد بالناس والحجارة خلاف نار الدنيا إذ هي لا يمكن أن توقد بالحجارة وإن كانت بعد الإيقاد قد تؤثّر فيها، وقيل: أراد بالحجارة الذين هم في صلابتهم عن قبول الحقّ كالحجارة، كمن وصفهم بقوله: فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة/ ٧٤] .
والحَجْر والتحجير: أن يجعل حول المكان حجارة، يقال: حَجَرْتُهُ حَجْرا، فهو محجور، وحَجَّرْتُهُ تحجيرا فهو مُحَجَّر، وسمّي ما أحيط به الحجارة حِجْراً، وبه سمّي حجر الكعبة وديار ثمود، قال تعالى: كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ
[الحجر/ ٨٠] ، وتصوّر من الحجر معنى المنع لما يحصل فيه، فقيل للعقل حِجْر، لكون الإنسان في منع منه ممّا تدعو إليه نفسه، وقال تعالى: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر/ ٥] .
قال المبرّد: يقال للأنثى من الفرس حِجْر، لكونها مشتملة على ما في بطنها من الولد.
والحِجْر: الممنوع منه بتحريمه، قال تعالى:
وَقالُوا: هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ [الأنعام/ ١٣٨] ، وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً [الفرقان/ ٢٢] ، كان الرجل إذا لقي من يخاف يقول ذلك «٢» ، فذكر تعالى أنّ الكفار إذا رأوا الملائكة قالوا ذلك، ظنّا أنّ ذلك ينفعهم، قال تعالى:
وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً [الفرقان/ ٥٣] ، أي: منعا لا سبيل إلى رفعه
стр. 203
ودفعه، وفلان في حَجْرِ فلان، أي: في منع منه عن التصرف في ماله وكثير من أحواله، وجمعه:
حُجُور، قال تعالى: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [النساء/ ٢٣] ، وحِجْر القميص أيضا: اسم لما يجعل فيه الشيء فيمنع، وتصوّر من الحجر دورانه فقيل: حَجَرْتُ عين الفرس:
إذا وسمت حولها بميسم، وحُجِّر القمر: صار حوله دائرة، والحَجُّورَة: لعبة للصبيان يخطّون خطّا مستديرا، ومِحْجَر العين منه، وتَحَجَّرَ كذا:
تصلّب وصار كالأحجار، والأحجار: بطون من بني تميم، سمّوا بذلك لقوم منهم أسماؤهم جندل وحجر وصخر.
حجز
الحَجْزُ: المنع بين الشيئين بفاصل بينهما، يقال: حَجَزَ بينهما. قال : وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً
[النمل/ ٦١] ، والحِجَاز سمّي بذلك لكونه حاجزا بين الشام والبادية، قال تعالى: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَ حَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [الحاقة/ ٤٧] ، فقوله: حاجِزِينَ صفة لأحد في موضع الجمع، والحِجَاز حبل يشدّ من حقو البعير إلى رسغه، وتصوّر منه معنى الجمع، فقيل: احتجز فلان عن كذا واحتجز بإزاره، ومنه: حُجْزَة السراويل، وقيل: إن أردتم المحاجزة فقبل المناجزة «١» ، أي: الممانعة قبل المحاربة، وقيل: حَجَازيك، أي: احجز بينهم.
حدَّ
الحدّ: الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر، يقال: حَدَدْتُ كذا:
جعلت له حدّا يميّز، وحَدُّ الدار: ما تتميز به عن غيرها، وحَدُّ الشيء: الوصف المحيط بمعناه المميّز له عن غيره، وحَدُّ الزنا والخمر سمّي به لكونه مانعا لمتعاطيه من معاودة مثله، ومانعا لغيره أن يسلك مسلكه، قال الله تعالى: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ
[الطلاق/ ١] ، وقال تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها [البقرة/ ٢٢٩] ، وقال: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ [التوبة/ ٩٧] ، أي: أحكامه، وقيل: حقائق معانيه، وجميع حدود الله على أربعة أوجه:
- إمّا شيء لا يجوز أن يتعدّى بالزيادة عليه ولا القصور عنه، كأعداد ركعات صلاة الفرض.
- وإمّا شيء تجوز الزيادة عليه ولا تجوز النقصان عنه «٢» .
- وإمّا شيء يجوز النقصان عنه ولا تجوز الزيادة عليه «٣» .
стр. 204
- وإمّا شيء يجوز كلاهما «١» .
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
[المجادلة/ ٥] ، أي: يمانعون، فذلك إمّا اعتبارا بالممانعة وإمّا باستعمال الحديد. والحديد معروف، قال :
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد/ ٢٥] ، وحَدَّدْتُ السكّين: رقّقت حدّه، وأَحْدَدْتُهُ:
جعلت له حدّا، ثم يقال لكلّ ما دقّ في نفسه من حيث الخلقة أو من حيث المعنى كالبصر والبصيرة حَدِيد، فيقال: هو حديد النظر، وحديد الفهم، قال : فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق/ ٢٢] ، ويقال: لسان حديد، نحو: لسان صارم، وماض، وذلك إذا كان يؤثّر تأثير الحديد، قال تعالى: سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ
[الأحزاب/ ١٩] ، ولتصوّر المنع سمّي البوّاب حَدَّاداً، وقيل: رجل محدود: ممنوع الرزق والحظّ.
حدب
يجوز أن يكون الأصل في الحَدَبِ حدب الظهر، يقال: حَدِبَ «٢» الرجل حَدَباً، فهو أَحْدَب، واحدودب. وناقة حدباء تشبيها به، ثم شبّه به ما ارتفع من ظهر الأرض، فسمّي حَدَباً، قال تعالى: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [الأنبياء/ ٩٦] .
حدث
الحدوث: كون الشيء بعد أن لم يكن، عرضا كان ذلك أو جوهرا، وإِحْدَاثه: إيجاده.
وإحداث الجواهر ليس إلا لله تعالى، والمُحدَث: ما أوجد بعد أن لم يكن، وذلك إمّا في ذاته، أو إحداثه عند من حصل عنده، نحو:
أحدثت ملكا، قال تعالى: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [الأنبياء/ ٢] ، ويقال لكلّ ما قرب عهده محدث، فعلا كان أو مقالا. قال تعالى: حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً
[الكهف/ ٧٠] ، وقال: لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً [الطلاق/ ١] ، وكلّ كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي في يقظته أو منامه يقال له:
حديث، قال : وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً [التحريم/ ٣] ، وقال تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ [الغاشية/
стр. 205
١] ، وقال : وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ
[يوسف/ ١٠١] ، أي: ما يحدّث به الإنسان في نومه، وسمّى تعالى كتابه حديثا فقال: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ [الطور/ ٣٤] ، وقال تعالى: أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ [النجم/ ٥٩] ، وقال: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [النساء/ ٧٨] ، وقال تعالى: حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الأنعام/ ٦٨] ، فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية/ ٦] ، وقال تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً [النساء/ ٨٧] ، وقال ﵇: «إن يكن في هذه الأمّة محدّث فهو عمر» «١» .
وإنما يعني من يلقى في روعه من جهة الملإ الأعلى شيء «٢» ، وقوله : فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ
[سبأ/ ١٩] ، أي: أخبارا يتمثّل بهم، والحديث: الطّريّ من الثمار، ورجل حَدُثٌ:
حسن الحديث، وهو حِدْثُ النساء، أي:
محادثهنّ، وحادثته وحَدَّثْته وتحادثوا، وصار أُحْدُوثَة، ورجل حَدَثٌ وحديث السن بمعنى، والحادثة: النازلة العارضة، وجمعها حوادث.
حدق
حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ
[النمل/ ٦٠] ، جمع حديقة، وهي قطعة من الأرض ذات ماء، سمّيت تشبيها بحدقة العين في الهيئة وحصول الماء فيها، وجمع الحَدَقَة حِدَاق وأحداق، وحَدَّقَ تحديقا: شدّد النظر، وحَدَقُوا به وأَحْدَقُوا:
أحاطوا به، تشبيها بإدارة الحدقة.
حذر
الحَذَر: احتراز من مخيف، يقال: حَذِرَ حَذَراً، وحذرته، قال : يَحْذَرُ الْآخِرَةَ [الزمر/ ٩] ، وقرئ: وإنّا لجميع حَذِرُون، وحاذِرُونَ
«٣» ، وقال تعالى:
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
[آل عمران/ ٢٨] ، وقال : خُذُوا حِذْرَكُمْ
[النساء/ ٧١] ، أي: ما فيه الحذر من السلاح وغيره، وقوله تعالى: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ [المنافقون/ ٤] ، وقال تعالى:
стр. 206
إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن/ ١٤] ، وحَذَارِ، أي: احذر، نحو:
مناع، أي: امنع.
حر
الحرارة ضدّ البرودة، وذلك ضربان:
- حرارة عارضة في الهواء من الأجسام المحميّة، كحرارة الشمس والنار.
- وحرارة عارضة في البدن من الطبيعة، كحرارة المحموم. يقال: حَرَّ يومُنا والريح يَحِرُّ حرّاً وحرارة «١» ، وحُرَّ يومنا فهو محرور، وكذا:
حرّ الرّجل، قال تعالى: لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ: نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا
[التوبة/ ٨١] ، والحَرور: الريح الحارّة، قال تعالى: وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ [فاطر/ ٢١] ، واستحرّ القيظ: اشتدّ حرّه، والحَرَر: يبس عارض في الكبد من العطش. والحَرَّة: الواحدة من الحرّ، يقال: حرّة تحت قرّة «٢» ، والحَرَّة أيضا: حجارة تسودّ من حرارة تعرض فيها، وعن ذلك استعير: استحرّ القتل: اشتد، وحَرُّ العمل: شدته، وقيل: إنما يتولّى حارَّها من تولّى قارّها «٣» ، والحُرُّ: خلاف العبد، يقال: حرّ بيّن الحُرُورِيَّة والحُرُورَة.
والحريّة ضربان:
- الأول: من لم يجر عليه حكم الشيء، نحو: الْحُرُّ بِالْحُرِّ [البقرة/ ١٧٨] .
- والثاني: من لم تتملّكه الصفات الذميمة من الحرص والشّره على المقتنيات الدنيوية، وإلى العبودية التي تضادّ ذلك أشار النبيّ ﷺ بقوله:
«تعس عبد الدّرهم، تعس عبد الدّينار» «٤» ، وقول الشاعر:
١٠٦-
ورقّ ذوي الأطماع رقّ مخلّد
«٥» وقيل: عبد الشهوة أذلّ من عبد الرّق، والتحريرُ: جعل الإنسان حرّا، فمن الأول:
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء/ ٩٢] ، ومن الثاني: نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً [آل عمران/ ٣٥] ، قيل: هو أنه جعل ولده بحيث لا
стр. 207
ينتفع به الانتفاع الدنيوي المذكور في قوله : بَنِينَ وَحَفَدَةً [النحل/ ٧٢] ، بل جعله مخلصا للعبادة، ولهذا قال الشعبي: معناه مخلصا، وقال مجاهد: خادما للبيعة «١» ، وقال جعفر: معتقا من أمر الدنيا، وكلّ ذلك إشارة إلى معنى واحد، وحَرَّرْتُ القوم: أطلقتهم وأعتقتهم عن أسر الحبس، وحُرُّ الوجه: ما لم تسترقّه الحاجة، وحُرُّ الدّار: وسطها، وأحرار البقل «٢» معروف، وقول الشاعر:
١٠٧-
جادت عليه كلّ بكر حرّة
«٣» وباتت المرأة بليلة حرّة «٤» ، كلّ ذلك استعارة، والحَريرُ من الثياب: ما رقّ، قال الله تعالى: وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ [فاطر/ ٣٣] .
حرب
الحَرْبُ معروف، والحَرَب: السّلب في الحرب ثم قد سمّي كل سلب حربا، قال:
والحرب فيه الحرائب، وقال:
والحرب مشتقة المعنى من الحرب
«٥» وقد حُرِبَ فهو حَرِيب، أي: سليب، والتّحريب: إثارة الحرب، ورجل مِحْرَب، كأنه آلة في الحرب، والحَرْبَة: آلة للحرب معروفة، وأصله الفعلة من الحرب أو من الحراب، ومِحرابُ المسجد قيل: سمّي بذلك لأنه موضع محاربة الشيطان والهوى، وقيل: سمّي بذلك لكون حقّ الإنسان فيه أن يكون حريبا من أشغال الدنيا ومن توزّع الخواطر، وقيل: الأصل فيه أنّ محراب البيت صدر المجلس، ثم اتّخذت المساجد فسمّي صدره به، وقيل: بل المحراب أصله في المسجد، وهو اسم خصّ به صدر المجلس، فسمّي صدر البيت محرابا تشبيها بمحراب المسجد، وكأنّ هذا أصح، قال :
يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ
[سبأ/ ١٣] .
والحِرْبَاء: دويبة تتلقى الشمس كأنها تحاربها، والحِرْبَاء: مسمار، تشبيها بالحرباء التي هي دويبة في الهيئة، كقولهم في مثلها: ضبّة وكلب، تشبيها بالضبّ والكلب.
стр. 208
حرث
الحَرْث: إلقاء البذر في الأرض وتهيّؤها للزرع، ويسمّى المحروث حرثا، قال الله تعالى:
أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ [القلم/ ٢٢] ، وتصوّر منه معنى العمارة التي تحصل عنه في قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى/ ٢٠] ، وقد ذكرت في (مكارم الشريعة) كون الدنيا مَحْرَثا للناس، وكونهم حُرَّاثاً فيها وكيفية حرثهم «١» .
وروي: «أصدق الأسماء الحارث» «٢» وذلك لتصوّر معنى الكسب منه، وروي: «احرث في دنياك لآخرتك» «٣» ، وتصوّر معنى التهيّج من حرث الأرض، فقيل: حَرَثْت النّار، ولما تهيّج به النار محرث، ويقال: احرث القرآن، أي: أكثر تلاوته، وحَرَثَ ناقته: إذا استعملها، وقال معاوية «٤» للأنصار: ما فعلت نواضحكم؟ قالوا: حرثناها يوم بدر. وقال : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة/ ٢٢٣] ، وذلك على سبيل التشبيه، فبالنساء زرع ما فيه بقاء نوع الإنسان، كما أنّ بالأرض زرع ما به بقاء أشخاصهم، وقوله : وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ [البقرة/ ٢٠٥] ، يتناول الحرثين.
حرج
أصل الحَرَج والحراج مجتمع الشيئين، وتصوّر منه ضيق ما بينهما، فقيل للضيّق: حَرَج، وللإثم حَرَج، قال تعالى: ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً [النساء/ ٦٥] ، وقال :
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج/ ٧٨] ، وقد حرج صدره، قال تعالى:
يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً [الأنعام/ ١٢٥] ،
стр. 209
وقرئ حرجا «١» ، أي: ضيّقا بكفره، لأنّ الكفر لا يكاد تسكن إليه النفس لكونه اعتقادا عن ظن، وقيل: ضيّق بالإسلام كما قال تعالى:
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [البقرة/ ٧] ، وقوله تعالى: فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الأعراف/ ٢] ، قيل: هو نهي، وقيل: هو دعاء، وقيل: هو حكم منه، نحو: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح/ ١] ، والمُتَحَرِّج والمتحوّب: المتجنّب من الحرج والحوب.
حرد
الحَرْد: المنع من حدّة وغضب، قال : وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ [القلم/ ٢٥] ، أي: على امتناع من أن يتناولوه قادرين على ذلك، ونزل فلان حريدا، أي ممتنعا من مخالطة القوم، وهو حريد المحل. وحَارَدَت السّنة: منعت قطرها، والناقة: منعت درّها، وحَرِدَ: غضب، وحَرَّدَهُ كذا، وبعير أحرد: في إحدى يديه حَرَدٌ «٢» ، والحُرْدِيَّة: حظيرة من قصب.
حرس
قال الله تعالى: فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً
[الجن/ ٨] ، والحَرَس والحُرَّاس جمع حارس، وهو حافظ المكان، والحرز والحرس يتقاربان معنى تقاربهما لفظا، لكن الحرز يستعمل في الناضّ والأمتعة أكثر، والحرس يستعمل في الأمكنة أكثر، وقول الشاعر:
١٠٨-
فبقيت حرسا قبل مجرى داحس ... لو كان للنفس اللجوج خلود
«٣» قيل: معناه: دهرا «٤» ، فإن كان الحرس دلالته على الدّهر من هذا البيت فقط فلا يدلّ، فإنّ هذا يحتمل أن يكون مصدرا موضوعا موضع الحال، أي: بقيت حارسا، ويدلّ على معنى الدهر والمدّة لا من لفظ الحرس، بل من مقتضى الكلام.
وأَحْرَسَ معناه: صار ذا حرس، كسائر هذا البناء المقتضي لهذا المعنى «٥» ، وحَرِيسَة الجبل: ما يحرس في الجبل بالليل. قال أبو عبيد: الحريسة هي المحروسة «٦» ، وقال: الحريسة: المسروقة، يقال:
حَرَسَ يَحْرُسُ حَرْساً، وقدّر أنّ ذلك لفظ قد تصوّر من لفظ الحريسة، لأنه جاء عن العرب في معنى السرقة.
حرص
الحِرْص: فرط الشّره، وفرط الإرادة. قال
стр. 210
عزّ وجلّ: إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ
[النحل/ ٣٧] ، أي: إن تفرط إرادتك في هدايتهم، وقال تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ
[البقرة/ ٩٦] ، وقال تعالى: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف/ ١٠٣] ، وأصل ذلك من: حَرَصَ القصّار الثوب، أي: قشره بدقّة، والحارصة: شجّة تقشر الجلد، والحارصة والحريصة: سحابة تقشر الأرض بمطرها «١» .
حرض
الحَرَض: ما لا يعتدّ به ولا خير فيه، ولذلك يقال لما أشرف على الهلاك: حَرِضَ، قال :
حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً [يوسف/ ٨٥] ، وقد أَحْرَضَهُ كذا، قال الشاعر:
١٠٩-
إنّي امرؤ نابني همّ فأحرضني
«٢» والحُرْضَة: من لا يأكل إلا لحم الميسر لنذالته، والتحريض: الحثّ على الشيء بكثرة التزيين وتسهيل الخطب فيه، كأنّه في الأصل إزالة الحرض، نحو: مرّضته وقذّيته، أي: أزلت عنه المرض والقذى، وأَحْرَضْتُهُ: أفسدته، نحو: أقذيته: إذا جعلت فيه القذى.
حرف
حَرْفُ الشيء: طرفه، وجمعه: أحرف وحروف، يقال: حرف السيف، وحرف السفينة، وحرف الجبل، وحروف الهجاء: أطراف الكلمة، والحروف العوامل في النحو: أطراف الكلمات الرابطة بعضها ببعض، وناقة حرف «٣» ، تشبيها بحرف الجبل، أو تشبيها في الدّقة بحرف من حروف الكلمة، قال : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ [الحج/ ١١] ، قد فسّر ذلك بقوله بعده: فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ [الحج/ ١١] ، وفي معناه:
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ [النساء/ ١٤٣] .
وانحرف عن كذا، وتحرّف، واحترف، والاحتراف: طلب حرفة للمكسب، والحرفة: حالته التي يلزمها في ذلك، نحو: القعدة والجلسة، والمحارف: المحروم الذي خلا به الخير، وتَحريفُ الشيء: إمالته، كتحريف القلم، وتحريف الكلام:
أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن حمله على الوجهين، قال : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ [النساء/ ٤٦] ، ويُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ [المائدة/ ٤١] ، وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ
стр. 211
مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ [البقرة/ ٧٥] ، والحِرْف: ما فيه حرارة ولذع، كأنّه محرّف عن الحلاوة والحرارة، وطعام حِرِّيف، وروي عنه ﷺ : «نزل القرآن على سبعة أحرف» «١» وذلك مذكور على التحقيق في «الرّسالة المنبّهة على فوائد القرآن» «٢» .
حرق
يقال: أَحْرَقَ كذا فاحترق، والحريق: النّار، وقال تعالى: وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ [الحج/ ٢٢] ، وقال تعالى: فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ [البقرة/ ٢٦٦] ، وقالُوا: حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ
[الأنبياء/ ٦٨] ، لَنُحَرِّقَنَّهُ [طه/ ٩٧] ، و (لنحرقنّه) «٣» ، قرئا معا، فَحَرْقُ الشيء:
إيقاع حرارة في الشيء من غير لهيب، كحرق الثوب بالدّق «٤» ، وحَرَقَ الشيء: إذا برده بالمبرد، وعنه استعير: حرق الناب، وقولهم: يحرق عليّ الأرّم «٥» ، وحرق الشعر: إذا انتشر، وماء حُرَاق:
يحرق بملوحته، والإحراق: إيقاع نار ذات لهيب في الشيء، ومنه استعير: أحرقني بلومه: إذا بالغ في أذيّته بلوم.
حرك
قال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
[القيامة/ ١٦] ، الحركة: ضدّ السكون، ولا تكون إلا للجسم، وهو انتقال الجسم من مكان إلى مكان، وربّما قيل: تَحَرَّكَ كذا: إذا استحال، وإذا زاد في أجزائه وإذا نقص من أجزائه.
حرم
الحرام: الممنوع منه إمّا بتسخير إلهي وإمّا بشريّ، وإما بمنع قهريّ، وإمّا بمنع من جهة العقل أو من جهة الشرع، أو من جهة من يرتسم أمره، فقوله تعالى: وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ [القصص/ ١٢] ، فذلك تحريم بتسخير، وقد حمل على ذلك:
وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها [الأنبياء/ ٩٥] ، وقوله تعالى: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً
[المائدة/ ٢٦] ، وقيل: بل كان حراما عليهم من جهة القهر لا بالتسخير الإلهي، وقوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ
[المائدة/ ٧٢] ، فهذا من جهة القهر بالمنع، وكذلك قوله
стр. 212
تعالى: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ [الأعراف/ ٥٠] ، والمُحرَّم بالشرع: كت حري م بيع الطعام بالطعام متفاضلا، وقوله : وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ [البقرة/ ٨٥] ، فهذا كان محرّما عليهم بحكم شرعهم، ونحو قوله تعالى: قُلْ: لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ ...
الآية [الأنعام/ ١٤٥] ، وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام/ ١٤٦] ، وسوط مُحَرَّم: لم يدبغ جلده، كأنه لم يحلّ بالدباغ الذي اقتضاه قول النبي ﷺ : «أيّما إهاب دبغ فقد طهر» «١» .
وقيل: بل المحرّم الذي لم يليّن، والحَرَمُ: سمّي بذلك لتحريم الله تعالى فيه كثيرا مما ليس بمحرّم في غيره من المواضع «٢» .
وكذلك الشهر الحرام، وقيل: رجل حَرَام وحلال، ومحلّ ومُحْرِم، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ [التحريم/ ١] ، أي: لم تحكم بتحريم ذلك؟ وكلّ تحريم ليس من قبل الله تعالى فليس بشيء، نحو: وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها [الأنعام/ ١٣٨] ، وقوله تعالى: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ
[الواقعة/ ٦٧] ، أي: ممنوعون من جهة الجدّ، وقوله: لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
[الذاريات/ ١٩] ، أي: الذي لم يوسّع عليه الرزق كما وسّع على غيره. ومن قال: أراد به الكلب «٣» ، فلم يعن أنّ ذلك اسم الكلب كما ظنّه بعض من ردّ عليه، وإنما ذلك منه ضرب مثال بشيء، لأنّ الكلب كثيرا ما يحرمه الناس، أي: يمنعونه. والمَحْرَمَة والمَحْرُمَة والحُرْمَة، واستحرمت الماعز كناية عن إرادتها الفحل.
حرى
حَرَى الشيء يحري، أي: قصد حراه، أي:
جانبه، وتَحَرَّاه كذلك، قال تعالى: فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً [الجن/ ١٤] ، وحَرَى الشيء يحري:
نقص «٤» ، كأنه لزم الحرى ولم يمتد، قال الشاعر:
١١٠-
والمرء بعد تمامه يحري
«٥»
стр. 213
ورماه الله بأفعى حارية «١» .
حزب
الحزب: جماعة فيها غلظ، قال : أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً [الكهف/ ١٢] ، أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ [المجادلة/ ١٩] ، وقوله تعالى: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ
[الأحزاب/ ٢٢] ، عبارة عن المجتمعين لمحاربة النبيّ ﷺ ، فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ [المائدة/ ٥٦] ، يعني: أنصار الله، وقال تعالى:
يَ حْسَ بُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ [الأحزاب/ ٢٠] ، وبعيده: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ [الأحزاب/ ٢٢] .
حزن
الحُزْن والحَزَن: خشونة في الأرض وخشونة في النفس لما يحصل فيه من الغمّ، ويضادّه الفرح، ولاعتبار الخشونة بالغم قيل: خشّنت بصدره: إذا حزنته، يقال: حَزِنَ يَحْزَنُ، وحَزَنْتُهُ وأَحْزَنْتُهُ قال : لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ [آل عمران/ ١٥٣] ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر/ ٣٤] ، تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً [التوبة/ ٩٢] ، نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
[يوسف/ ٨٦] ، وقوله تعالى:
وَلا تَحْزَنُوا [آل عمران/ ١٣٩] ، ولا تَحْزَنْ [الحجر/ ٨٨] ، فليس ذلك بنهي عن تحصيل الحزن، فالحُزْن ليس يحصل بالاختيار، ولكن النهي في الحقيقة إنما هو عن تعاطي ما يورث الحزن واكتسابه، وإلى معنى ذلك أشار الشاعر بقوله:
١١١-
من سرّه أن لا يرى ما يسوءه ... فلا يتخذ شيئا يبالي له فقدا
«٢» وأيضا فحثّ للإنسان أن يتصوّر ما عليه جبلت الدنيا، حتى إذا ما بغتته نائبة لم يكترث بها لمعرفته إياها، ويجب عليه أن يروض نفسه على تحمّل صغار النوب حتى يتوصل بها إلى تحمّل كبارها.
حسَ
الحاسّة: القوة التي بها تدرك الأعراض الحسيّة، والحواسّ: المشاعر الخمس، يقال:
حَسَسْتُ وحَسَيْتُ وأَحْسَسْتُ، فَحَسَسْتُ يقال على وجهين:
أحدهما: يقال: أصبته بحسّي، نحو عنته ورعته، والثاني: أصبت حاسّته، نحو: كبدته وفأدته، ولمّا كان ذلك قد يتولّد منه القتل عبّر به
стр. 214
عن القتل، فقيل: حَسَسْتُه «١» ، أي: قتلته. قال تعالى: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [آل عمران/ ١٥٢] ، والحَسِيس: القتيل، ومنه: جراد مَحْسُوس: إذا طبخ «٢» ، وقولهم: البرد محسَّة للنبت «٣» ، وانحسّت أسنانه: انفعال منه، فأمّا حَسِسْتُ فنحو علمت وفهمت، لكن لا يقال ذلك إلا فيما كان من جهة الحاسة، فأمّا حَسَيْتُ فبقلب إحدى السينين ياء.
وأمّا أَحْسَسْتُهُ فحقيقته: أدركته بحاستي، وأحست مثله، لكن حذفت إحدى السينين تخفيفا نحو: ظلت، وقوله تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ [آل عمران/ ٥٢] ، فتنبيه أنه قد ظهر منهم الكفر ظهورا بان للحسّ فضلا عن الفهم، وكذا قوله تعالى: فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ [الأنبياء/ ١٢] ، وقوله تعالى: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ [مريم/ ٩٨] ، أي: هل تجد بحاستك أحدا منهم؟ وعبّر عن الحركة بالحسيس والحسّ، قال تعالى:
لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها [الأنبياء/ ١٠٢] ، والحُسَاس: عبارة عن سوء الخلق «٤» ، وجعل على بناء زكام وسعال.
حسب
الحساب: استعمال العدد، يقال: حَسَبْتُ «٥» أَحْسُبُ حِسَاباً وحُسْبَاناً، قال تعالى: لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [يونس/ ٥] ، وقال تعالى: وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً [الأنعام/ ٩٦] ، وقيل: لا يعلم حسبانه إلا الله، وقال : وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ [الكهف/ ٤٠] ، قيل: معناه:
نارا، وعذابا «٦» ، وإنما هو في الحقيقة ما يحاسب عليه فيجازى بحسبه، وفي الحديث أنه قال ﷺ في الريح: «اللهمّ لا تجعلها عذابا ولا حسبانا» «٧» ، قال تعالى: فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً [الطلاق/ ٨] ، إشارة إلى نحو ما روي: «من نوقش الحساب عذّب» «٨» ، وقال تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ [الأنبياء/ ١] ،
стр. 215
نحو: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ [القمر/ ١] ، وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
[الأنبياء/ ٤٧] ، وقوله : وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ [الحاقة/ ٢٦] ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ [الحاقة/ ٢٠] ، فالهاء فيها للوقف، نحو:
مالِيَهْ «١» وسُلْطانِيَهْ «٢» ، وقال تعالى:
إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ [آل عمران/ ١٩٩] ، وقوله : جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً [عم/ ٣٦] ، فقد قيل: كافيا، وقيل: ذلك إشارة إلى ما قال: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [النجم/ ٣٩] ، وقوله: يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ [البقرة/ ٢١٢] . ففيه أوجه:
الأول: يعطيه أكثر ممّا يستحقه.
والثاني: يعطيه ولا يأخذه منه.
والثالث: يعطيه عطاء لا يمكن للبشر إحصاؤه، كقول الشاعر:
١١٢-
عطاياه يحصى قبل إحصائها القطر
»
والرابع: يعطيه بلا مضايقة، من قولهم:
حاسبته: إذا ضايقته.
والخامس: يعطيه أكثر مما يحسبه.
والسادس: أن يعطيه بحسب ما يعرفه من مصلحته لا على حسب حسابهم، وذلك نحو ما نبّه عليه بقوله تعالى: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ ... الآية [الزخرف/ ٣٣] .
والسابع: يعطي المؤمن ولا يحاسبه عليه، ووجه ذلك أنّ المؤمن لا يأخذ من الدنيا إلا قدر ما يجب وكما يجب، وفي وقت ما يجب، ولا ينفق إلا كذلك، ويحاسب نفسه فلا يحاسبه الله حسابا يضرّ، كما روي: «من حاسب نفسه في الدنيا لم يحاسبه الله يوم القيامة» «٤» .
والثامن: يقابل الله المؤمنين في القيامة لا بقدر استحقاقهم، بل بأكثر منه كما قال : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [البقرة/ ٢٤٥] .
وعلى هذه الأوجه قوله تعالى: فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ [غافر/ ٤٠] ، وقوله تعالى: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ