مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ [البقرة/ ٧٥] ، والحِرْف: ما فيه حرارة ولذع، كأنّه محرّف عن الحلاوة والحرارة، وطعام حِرِّيف، وروي عنه ﷺ : «نزل القرآن على سبعة أحرف» «١» وذلك مذكور على التحقيق في «الرّسالة المنبّهة على فوائد القرآن» «٢» .
حرق
يقال: أَحْرَقَ كذا فاحترق، والحريق: النّار، وقال تعالى: وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ [الحج/ ٢٢] ، وقال تعالى: فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ [البقرة/ ٢٦٦] ، وقالُوا: حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ
[الأنبياء/ ٦٨] ، لَنُحَرِّقَنَّهُ [طه/ ٩٧] ، و (لنحرقنّه) «٣» ، قرئا معا، فَحَرْقُ الشيء:
إيقاع حرارة في الشيء من غير لهيب، كحرق الثوب بالدّق «٤» ، وحَرَقَ الشيء: إذا برده بالمبرد، وعنه استعير: حرق الناب، وقولهم: يحرق عليّ الأرّم «٥» ، وحرق الشعر: إذا انتشر، وماء حُرَاق:
يحرق بملوحته، والإحراق: إيقاع نار ذات لهيب في الشيء، ومنه استعير: أحرقني بلومه: إذا بالغ في أذيّته بلوم.
حرك
قال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
[القيامة/ ١٦] ، الحركة: ضدّ السكون، ولا تكون إلا للجسم، وهو انتقال الجسم من مكان إلى مكان، وربّما قيل: تَحَرَّكَ كذا: إذا استحال، وإذا زاد في أجزائه وإذا نقص من أجزائه.
حرم
الحرام: الممنوع منه إمّا بتسخير إلهي وإمّا بشريّ، وإما بمنع قهريّ، وإمّا بمنع من جهة العقل أو من جهة الشرع، أو من جهة من يرتسم أمره، فقوله تعالى: وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ [القصص/ ١٢] ، فذلك تحريم بتسخير، وقد حمل على ذلك:
وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها [الأنبياء/ ٩٥] ، وقوله تعالى: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً
[المائدة/ ٢٦] ، وقيل: بل كان حراما عليهم من جهة القهر لا بالتسخير الإلهي، وقوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ
[المائدة/ ٧٢] ، فهذا من جهة القهر بالمنع، وكذلك قوله
стр. 212
تعالى: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ [الأعراف/ ٥٠] ، والمُحرَّم بالشرع: كت حري م بيع الطعام بالطعام متفاضلا، وقوله : وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ [البقرة/ ٨٥] ، فهذا كان محرّما عليهم بحكم شرعهم، ونحو قوله تعالى: قُلْ: لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ ...
الآية [الأنعام/ ١٤٥] ، وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام/ ١٤٦] ، وسوط مُحَرَّم: لم يدبغ جلده، كأنه لم يحلّ بالدباغ الذي اقتضاه قول النبي ﷺ : «أيّما إهاب دبغ فقد طهر» «١» .
وقيل: بل المحرّم الذي لم يليّن، والحَرَمُ: سمّي بذلك لتحريم الله تعالى فيه كثيرا مما ليس بمحرّم في غيره من المواضع «٢» .
وكذلك الشهر الحرام، وقيل: رجل حَرَام وحلال، ومحلّ ومُحْرِم، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ [التحريم/ ١] ، أي: لم تحكم بتحريم ذلك؟ وكلّ تحريم ليس من قبل الله تعالى فليس بشيء، نحو: وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها [الأنعام/ ١٣٨] ، وقوله تعالى: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ
[الواقعة/ ٦٧] ، أي: ممنوعون من جهة الجدّ، وقوله: لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
[الذاريات/ ١٩] ، أي: الذي لم يوسّع عليه الرزق كما وسّع على غيره. ومن قال: أراد به الكلب «٣» ، فلم يعن أنّ ذلك اسم الكلب كما ظنّه بعض من ردّ عليه، وإنما ذلك منه ضرب مثال بشيء، لأنّ الكلب كثيرا ما يحرمه الناس، أي: يمنعونه. والمَحْرَمَة والمَحْرُمَة والحُرْمَة، واستحرمت الماعز كناية عن إرادتها الفحل.
حرى
حَرَى الشيء يحري، أي: قصد حراه، أي:
جانبه، وتَحَرَّاه كذلك، قال تعالى: فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً [الجن/ ١٤] ، وحَرَى الشيء يحري:
نقص «٤» ، كأنه لزم الحرى ولم يمتد، قال الشاعر:
١١٠-
والمرء بعد تمامه يحري
«٥»
стр. 213
ورماه الله بأفعى حارية «١» .
حزب
الحزب: جماعة فيها غلظ، قال : أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً [الكهف/ ١٢] ، أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ [المجادلة/ ١٩] ، وقوله تعالى: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ
[الأحزاب/ ٢٢] ، عبارة عن المجتمعين لمحاربة النبيّ ﷺ ، فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ [المائدة/ ٥٦] ، يعني: أنصار الله، وقال تعالى:
يَ حْسَ بُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ [الأحزاب/ ٢٠] ، وبعيده: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ [الأحزاب/ ٢٢] .
حزن
الحُزْن والحَزَن: خشونة في الأرض وخشونة في النفس لما يحصل فيه من الغمّ، ويضادّه الفرح، ولاعتبار الخشونة بالغم قيل: خشّنت بصدره: إذا حزنته، يقال: حَزِنَ يَحْزَنُ، وحَزَنْتُهُ وأَحْزَنْتُهُ قال : لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ [آل عمران/ ١٥٣] ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر/ ٣٤] ، تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً [التوبة/ ٩٢] ، نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
[يوسف/ ٨٦] ، وقوله تعالى:
وَلا تَحْزَنُوا [آل عمران/ ١٣٩] ، ولا تَحْزَنْ [الحجر/ ٨٨] ، فليس ذلك بنهي عن تحصيل الحزن، فالحُزْن ليس يحصل بالاختيار، ولكن النهي في الحقيقة إنما هو عن تعاطي ما يورث الحزن واكتسابه، وإلى معنى ذلك أشار الشاعر بقوله:
١١١-
من سرّه أن لا يرى ما يسوءه ... فلا يتخذ شيئا يبالي له فقدا
«٢» وأيضا فحثّ للإنسان أن يتصوّر ما عليه جبلت الدنيا، حتى إذا ما بغتته نائبة لم يكترث بها لمعرفته إياها، ويجب عليه أن يروض نفسه على تحمّل صغار النوب حتى يتوصل بها إلى تحمّل كبارها.
حسَ
الحاسّة: القوة التي بها تدرك الأعراض الحسيّة، والحواسّ: المشاعر الخمس، يقال:
حَسَسْتُ وحَسَيْتُ وأَحْسَسْتُ، فَحَسَسْتُ يقال على وجهين:
أحدهما: يقال: أصبته بحسّي، نحو عنته ورعته، والثاني: أصبت حاسّته، نحو: كبدته وفأدته، ولمّا كان ذلك قد يتولّد منه القتل عبّر به
стр. 214
عن القتل، فقيل: حَسَسْتُه «١» ، أي: قتلته. قال تعالى: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [آل عمران/ ١٥٢] ، والحَسِيس: القتيل، ومنه: جراد مَحْسُوس: إذا طبخ «٢» ، وقولهم: البرد محسَّة للنبت «٣» ، وانحسّت أسنانه: انفعال منه، فأمّا حَسِسْتُ فنحو علمت وفهمت، لكن لا يقال ذلك إلا فيما كان من جهة الحاسة، فأمّا حَسَيْتُ فبقلب إحدى السينين ياء.
وأمّا أَحْسَسْتُهُ فحقيقته: أدركته بحاستي، وأحست مثله، لكن حذفت إحدى السينين تخفيفا نحو: ظلت، وقوله تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ [آل عمران/ ٥٢] ، فتنبيه أنه قد ظهر منهم الكفر ظهورا بان للحسّ فضلا عن الفهم، وكذا قوله تعالى: فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ [الأنبياء/ ١٢] ، وقوله تعالى: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ [مريم/ ٩٨] ، أي: هل تجد بحاستك أحدا منهم؟ وعبّر عن الحركة بالحسيس والحسّ، قال تعالى:
لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها [الأنبياء/ ١٠٢] ، والحُسَاس: عبارة عن سوء الخلق «٤» ، وجعل على بناء زكام وسعال.
حسب
الحساب: استعمال العدد، يقال: حَسَبْتُ «٥» أَحْسُبُ حِسَاباً وحُسْبَاناً، قال تعالى: لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [يونس/ ٥] ، وقال تعالى: وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً [الأنعام/ ٩٦] ، وقيل: لا يعلم حسبانه إلا الله، وقال : وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ [الكهف/ ٤٠] ، قيل: معناه:
نارا، وعذابا «٦» ، وإنما هو في الحقيقة ما يحاسب عليه فيجازى بحسبه، وفي الحديث أنه قال ﷺ في الريح: «اللهمّ لا تجعلها عذابا ولا حسبانا» «٧» ، قال تعالى: فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً [الطلاق/ ٨] ، إشارة إلى نحو ما روي: «من نوقش الحساب عذّب» «٨» ، وقال تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ [الأنبياء/ ١] ،
стр. 215
نحو: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ [القمر/ ١] ، وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
[الأنبياء/ ٤٧] ، وقوله : وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ [الحاقة/ ٢٦] ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ [الحاقة/ ٢٠] ، فالهاء فيها للوقف، نحو:
مالِيَهْ «١» وسُلْطانِيَهْ «٢» ، وقال تعالى:
إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ [آل عمران/ ١٩٩] ، وقوله : جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً [عم/ ٣٦] ، فقد قيل: كافيا، وقيل: ذلك إشارة إلى ما قال: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [النجم/ ٣٩] ، وقوله: يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ [البقرة/ ٢١٢] . ففيه أوجه:
الأول: يعطيه أكثر ممّا يستحقه.
والثاني: يعطيه ولا يأخذه منه.
والثالث: يعطيه عطاء لا يمكن للبشر إحصاؤه، كقول الشاعر:
١١٢-
عطاياه يحصى قبل إحصائها القطر
»
والرابع: يعطيه بلا مضايقة، من قولهم:
حاسبته: إذا ضايقته.
والخامس: يعطيه أكثر مما يحسبه.
والسادس: أن يعطيه بحسب ما يعرفه من مصلحته لا على حسب حسابهم، وذلك نحو ما نبّه عليه بقوله تعالى: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ ... الآية [الزخرف/ ٣٣] .
والسابع: يعطي المؤمن ولا يحاسبه عليه، ووجه ذلك أنّ المؤمن لا يأخذ من الدنيا إلا قدر ما يجب وكما يجب، وفي وقت ما يجب، ولا ينفق إلا كذلك، ويحاسب نفسه فلا يحاسبه الله حسابا يضرّ، كما روي: «من حاسب نفسه في الدنيا لم يحاسبه الله يوم القيامة» «٤» .
والثامن: يقابل الله المؤمنين في القيامة لا بقدر استحقاقهم، بل بأكثر منه كما قال : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [البقرة/ ٢٤٥] .
وعلى هذه الأوجه قوله تعالى: فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ [غافر/ ٤٠] ، وقوله تعالى: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ
стр. 216
أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ص/ ٣٩] ، وقد قيل:
تصرّف فيه تصرّف من لا يحاسب، أي: تناول كما يجب وفي وقت ما يجب وعلى ما يجب، وأنفقه كذلك. والحسيب والمحاسب: من يحاسبك، ثم يعبّر به عن المكافئ بالحساب.
وحَسْبُ يستعمل في معنى الكفاية، حَسْبُنَا اللَّهُ [آل عمران/ ١٧٣] ، أي:
كافينا هو، وحَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ [المجادلة/ ٨] ، وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً [النساء/ ٦] ، أي: رقيبا يحاسبهم عليه، وقوله: ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام/ ٥٢] ، فنحو قوله: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة/ ١٠٥] ، ونحوه: وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي [الشعراء/ ١١٢- ١١٣] ، وقيل معناه: ما من كفايتهم عليك، بل الله يكفيهم وإياك، من قوله: عَطاءً حِساباً [النبأ/ ٣٦] ، أي: كافيا، من قولهم:
حسبي كذا، وقيل: أراد منه عملهم، فسمّاه بالحساب الذي هو منتهى الأعمال. وقيل:
احتسب ابْناً له، أي: اعتدّ به عند الله، والحِسبةُ: فعل ما يحتسب به عند الله تعالى.
الم أَحَسِبَ النَّاسُ
[العنكبوت/ ١- ٢] ، أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ [العنكبوت/ ٤] ، وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم/ ٤٢] ، فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ [إبراهيم/ ٤٧] ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ [البقرة/ ٢١٤] ، فكل ذلك مصدره الحسبان، والحِسْبَان: أن يحكم لأحد النقيضين من غير أن يخطر الآخر بباله، فيحسبه ويعقد عليه الإصبع، ويكون بعرض أن يعتريه فيه شك، ويقارب ذلك الظنّ، لكن الظنّ أن يخطر النقيضين بباله فيغلّب أحدهما على الآخر.
حسد
الحسد: تمنّي زوال نعمة من مستحق لها، وربما كان مع ذلك سعي في إزالتها، وروي:
«المؤمن يغبط والمنافق يحسد» «١» .
وقال تعالى: حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [البقرة/ ١٠٩] ، وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ
[الفلق/ ٥] .
حسر
الحسر: كشف الملبس عمّا عليه، يقال:
حسرت عن الذراع، والحاسر: من لا درع عليه ولا مغفر، والمِحْسَرَة: المكنسة، وفلان كريم المَحْسَر، كناية عن المختبر، وناقة حَسِير:
انحسر عنها اللحم والقوّة، ونوق حَسْرَى،
стр. 217
والحاسر: المُعْيَا لانكشاف قواه، ويقال للمعيا حاسر ومحسور، أمّا الحاسر فتصوّرا أنّه قد حسر بنفسه قواه، وأما المحسور فتصوّرا أنّ التعب قد حسره، وقوله : يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ
[الملك/ ٤] ، يصحّ أن يكون بمعنى حاسر، وأن يكون بمعنى محسور، قال تعالى: فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً [الإسراء/ ٢٩] . والحَسْرةُ: الغمّ على ما فاته والندم عليه، كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه، أو انحسر قواه من فرط غمّ، أو أدركه إعياء من تدارك ما فرط منه، قال تعالى:
لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران/ ١٥٦] ، وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ [الحاقة/ ٥٠] ، وقال تعالى: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر/ ٥٦] ، وقال تعالى: كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ [البقرة/ ١٦٧] ، وقوله تعالى: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ [يس/ ٣٠] ، وقوله تعالى: في وصف الملائكة: لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ [الأنبياء/ ١٩] ، وذلك أبلغ من قولك: (لا يحسرون) .
حسم
الحَسْم: إزالة أثر الشيء، يقال: قطعه فَحَسَمَهُ، أي: أزال مادّته، وبه سمّي السيف حُسَاما. وحَسْمُ الداء: إزالة أثره بالكيّ، وقيل للشؤم المزيل لأثر من ناله: حُسُوم، قال تعالى:
ثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً [الحاقة/ ٧] ، قيل:
حاسما أثرهم، وقيل: حاسما خبرهم، وقيل:
قاطعا لعمرهم. وكل ذلك داخل في عمومه.
حسن
الحُسْنُ: عبارة عن كلّ مبهج مرغوب فيه، وذلك ثلاثة أضرب:
مستحسن من جهة العقل.
ومستحسن من جهة الهوى.
ومستحسن من جهة الحسّ.
والحسنةُ يعبّر عنها عن كلّ ما يسرّ من نعمة تنال الإنسان في نفسه وبدنه وأحواله، والسيئة تضادّها. وهما من الألفاظ المشتركة، كالحيوان، الواقع على أنواع مختلفة كالفرس والإنسان وغيرهما، فقوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا: هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء/ ٧٨] ، أي:
خصب وسعة وظفر، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي:
جدب وضيق وخيبة «١» ، يَقُولُوا: هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء/ ٧٨] ، وقال تعالى: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا: لَنا هذِهِ [الأعراف/ ١٣١] ، وقوله تعالى:
стр. 218
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النساء/ ٧٩] ، أي: من ثواب، وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ [النساء/ ٧٩] ، أي: من عقاب. والفرق بين الحسن والحسنة والحسنى أنّ الحَسَنَ يقال في الأعيان والأحداث، وكذلك الحَسَنَة إذا كانت وصفا، وإذا كانت اسما فمتعارف في الأحداث، والحُسْنَى لا يقال إلا في الأحداث دون الأعيان، والحسن أكثر ما يقال في تعارف العامة في المستحسن بالبصر، يقال: رجل حَسَنٌ وحُسَّان، وامرأة حَسْنَاء وحُسَّانَة، وأكثر ما جاء في القرآن من الحسن فللمستحسن من جهة البصيرة، وقوله تعالى: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
[الزمر/ ١٨] ، أي: الأبعد عن الشبهة، كما قال ﷺ : «إذا شككت في شيء فدع» «١» .
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
[البقرة/ ٨٣] ، أي: كلمة حسنة، وقال تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً [العنكبوت/ ٨] ، وقوله : هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [التوبة/ ٥٢] ، وقوله تعالى:
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة/ ٥٠] ، إن قيل: حكمه حسن لمن يوقن ولمن لا يوقن فلم خصّ؟
قيل: القصد إلى ظهور حسنه والاطلاع عليه، وذلك يظهر لمن تزكّى واطلع على حكمة الله تعالى دون الجهلة.
والإحسان يقال على وجهين:
أحدهما: الإنعام على الغير، يقال: أحسن إلى فلان.
والثاني: إحسان في فعله، وذلك إذا علم علما حسنا، أو عمل عملا حسنا، وعلى هذا قول أمير المؤمنين: (الناس أبناء ما يحسنون) «٢» أي:
منسوبون إلى ما يعلمون وما يعملونه من الأفعال الحسنة.
قوله تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [السجدة/ ٧] ، والإحسان أعمّ من الإنعام. قال تعالى: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ [الإسراء/ ٧] ، وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [النحل/ ٩٠] ، فالإحسان فوق العدل، وذاك أنّ العدل هو أن يعطي ما عليه، ويأخذ أقلّ مما له، والإحسان أن يعطي أكثر مما عليه، ويأخذ أقلّ ممّا له «٣» .
فالإحسان زائد على العدل، فتحرّي العدل
стр. 219
واجب، وتحرّي الإحسان ندب وتطوّع، وعلى هذا قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ
[النساء/ ١٢٥] ، وقوله : وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ [البقرة/ ١٧٨] ، ولذلك عظّم الله تعالى ثواب المحسنين، فقال تعالى: وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت/ ٦٩] ، وقال تعالى:
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة/ ١٩٥] ، وقال تعالى: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة/ ٩١] ، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ [النحل/ ٣٠] .
حشر
الحَشْرُ: إخراج الجماعة عن مقرّهم وإزعاجهم عنه إلى الحرب ونحوها، وروي:
«النّساء لا يُحْشَرن» «١» أي: لا يخرجن إلى الغزو، ويقال ذلك في الإنسان وفي غيره، يقال:
حَشَرَتِ السنة مال بني فلان، أي: أزالته عنهم، ولا يقال الحشر إلا في الجماعة، قال الله تعالى:
وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ
[الشعراء/ ٣٦] ، وقال تعالى: وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً
[ص/ ١٩] ، وقال : وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
[التكوير/ ٥] ، وقال: لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا [الحشر/ ٢] ، وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل/ ١٧] ، وقال في صفة القيامة: وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً [الأحقاف/ ٦] ، سَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً
[النساء/ ١٧٢] ، وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً [الكهف/ ٤٧] ، وسمي يوم القيامة يوم الحشر كما سمّي يوم البعث والنشر، ورجل حَشْرُ الأذنين، أي: في أذنيه انتشار وحدّة.
حصَ
حَصْحَصَ الْحَقُ
[يوسف/ ٥١] ، أي:
وضح، وذلك بانكشاف ما يغمره، وحَصَّ وحَصْحَصَ نحو: كفّ وكفكف، وكبّ وكبكب، وحَصَّهُ: قطع منه، إمّا بالمباشرة، وإمّا بالحكم، فمن الأول قول الشاعر:
١١٣-
قد حصّت البيضة رأسي
«٢» ومنه قيل: رَجُلٌ أَحَصُّ: انقطع بعض شعره، وامرأة حَصَّاءُ «٣» ، وقالوا: رجل أحصّ: يقطع
стр. 220
بشؤمه الخيرات عن الخلق، والحِصَّة: القطعة من الجملة، وتستعمل استعمال النصيب.
حصد
أصل الحَصْد قطع الزرع، وزمن الحَصَاد والحِصَاد، كقولك: زمن الجداد والجداد، وقال تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ [الأنعام/ ١٤١] ، فهو الحصاد المحمود في إبّانه، وقوله : حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
[يونس/ ٢٤] ، فهو الحصاد في غير إبّانه على سبيل الإفساد، ومنه استعير: حصدهم السيف، وقوله : مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ [هود/ ١٠٠] ، فحصيد إشارة إلى نحو ما قال:
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا [الأنعام/ ٤٥] ، وَحَبَّ الْحَصِيدِ [ق/ ٩] ، أي: ما يحصد ممّا منه القوت، وقال ﷺ : «وهل يكبّ الناس على مناخرهم في النّار إلا حصائد ألسنتهم» «١» فاستعارة.
وحبل مُحْصَد «٢» ، ودرع حَصْدَاء «٣» ، وشجرة حصداء «٤» ، كلّ ذلك منه، وتَحَصَّدَ القوم: تقوّى بعضهم ببعض.
حصر
الحَصْر: التضييق، قال :
وَاحْصُرُوهُمْ
[التوبة/ ٥] ، أي: ضيقوا عليهم، وقال : وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً
[الإسراء/ ٨] ، أي: حابسا.
قال الحسن: معناه: مهادا «٥» ، كأنه جعله الحصير المرمول كقوله: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ [الأعراف/ ٤١] فحصير في الأول بمعنى الحاصر، وفي الثاني بمعنى المحصور، فإنّ الحصير سمّي بذلك لحصر بعض طاقاته على بعض، وقول لبيد:
١١٤-
ومعالم غلب الرّقاب كأنهم ... جنّ لدى باب الحصير قيام
«٦» أي: لدى سلطان «٧» ، وتسميته بذلك إمّا لكونه محصورا نحو: محجّب، وإمّا لكونه حاصرا، أي: مانعا لمن أراد أن يمنعه من الوصول إليه، وقوله : وَسَيِّداً وَحَصُوراً [آل عمران/ ٣٩] ، فالحصور: الذي
стр. 221
لا يأتي النساء، إمّا من العنّة، وإمّا من العفّة والاجتهاد في إزالة الشهوة. والثاني أظهر في الآية، لأنّ بذلك تستحق المحمدة، والحصر والإحصارُ: المنع من طريق البيت، فالإحصار يقال في المنع الظاهر كالعدوّ، والمنع الباطن كالمرض، والحصر لا يقال إلا في المنع الباطن، فقوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ [البقرة/ ١٩٦] ، فمحمول على الأمرين، وكذلك قوله:
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة/ ٢٧٣] ، وقوله : أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ [النساء/ ٩٠] ، أي:
ضاقت «١» بالبخل والجبن، وعبّر عنه بذلك كما عبّر عنه بضيق الصدر، وعن ضده بالبر والسعة.
حصن
الحصن جمعه حصون، قال الله تعالى:
مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ [الحشر/ ٢] ، وقوله : لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ
[الحشر/ ١٤] ، أي: مجعولة بالإحكام كالحصون، وتَحَصَّنَ: إذا اتخذ الحصن مسكنا، ثم يتجوّز به في كلّ تحرّز، ومنه: درع حصينة، لكونها حصنا للبدن وفرس حِصَان: لكونه حصنا لراكبه، وبهذا النظر قال الشاعر:
١١٥-
أنّ الحصون الخيل لا مدر القرى
«٢» وقوله تعالى: إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ [يوسف/ ٤٨] ، أي: تحرزون في المواضع الحصينة الجارية مجرى الحصن، وامرأة حَصان وحَاصِن، وجمع الحصان: حُصُن، وجمع الحاصن حَوَاصِن، ويقال: حصان للعفيفة، ولذات حرمة، وقال تعالى: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها [التحريم/ ١٢] .
وأَحْصَنَتْ وحَصَنَتْ، قال الله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ [النساء/ ٢٥] ، أي:
تزوّجن، أحصنّ: زوجنّ، والحصان في الجملة: المُحْصَنَة، إما بعفّتها، أو تزوّجها، أو بمانع من شرفها وحريتها.
ويقال: امرأة مُحْصَن ومُحْصِن، فالمُحْصِن يقال: إذا تصوّر حصنها من نفسها، والمُحْصَن يقال إذا تصوّر حصنها من غيرها، وقوله : وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ
[النساء/ ٢٥] ، وبعده: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ [النساء/ ٢٥] ، ولهذا قيل: المحصنات: المزوّجات، تصوّرا أنّ
стр. 222
زوجها هو الذي أحصنها، والْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ [النساء/ ٢٤] بعد قوله: حُرِّمَتْ [النساء/ ٢٣] ، بالفتح لا غير، وفي سائر المواضع بالفتح والكسر، لأنّ اللواتي حرم التزوج بهن المزوّجات دون العفيفات، وفي سائر المواضع يحتمل الوجهين.
حصل
التحصيل: إخراج اللبّ من القشور، كإخراج الذهب من حجر المعدن، والبرّ من التّبن. قال الله تعالى: وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ [العاديات/ ١٠] ، أي: أظهر ما فيها وجمع، كإظهار اللبّ من القشر وجمعه، أو كإظهار الحاصل من الحساب، وقيل للحثالة: الحصيل، وحَصِلَ الفرس: إذا اشتكى بطنه عن أكله «١» ، وحوصلة الطير: ما يحصل فيه الغذاء.
حصا
الإحصاء: التحصيل بالعدد، يقال: قد أحصيت كذا، وذلك من لفظ الحصا، واستعمال ذلك فيه من حيث إنهم كانوا يعتمدونه بالعدّ كاعتمادنا فيه على الأصابع، قال الله تعالى:
وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً
[الجن/ ٢٨] ، أي: حصّله وأحاط به. وقال ﷺ : «من أحصاها دخل الجنّة» «٢» وقال: «نفس تنجيها خير لك من إمارة لا تحصيها» «٣» أي: تريحها من العذاب، أي: أن تشتغل بنفسك خير لك من أن تشتغل بالإمارة.
وقال تعالى: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ [المزمل/ ٢٠] ، وروي: «استقيموا ولن تحصوا» «٤» أي: لن تحصلوا ذلك، ووجه تعذّر
стр. 223
إحصائه وتحصيله هو أنّ الحقّ واحد، والباطل كثير بل الحقّ بالإضافة إلى الباطل كالنقطة بالإضافة إلى سائر أجزاء الدائرة، وكالمرمى من الهدف، فإصابة ذلك شديدة، وإلى هذا أشار ما روي أنّ النبيّ ﷺ قال: «شيّبتني هود وأخواتها» ، فسئل: ما الذي شيّبك منها؟ فقال: قوله تعالى:
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ «١» ، وقال أهل اللغة:
(لن تحصوا) أي: لا تحصوا ثوابه.
حضَ
الحضّ: التحريض كالحثّ، إلا أنّ الحثّ يكون بسوق وسير، والحضّ لا يكون بذلك «٢» .
وأصله من الحثّ على الحضيض، وهو قرار الأرض، قال الله تعالى: وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ
[الحاقة/ ٣٤] .
حضب
الحَضَب: الوقود، ويقال لما تسعّر به النار:
مِحْضَب، وقرئ: (حضب جهنّم) «٣» .
حضر
الحَضَر: خلاف البدو، والحَضَارة والحِضَارَة: السكون بالحضر، كالبداوة والبداوة، ثمّ جعل ذلك اسما لشهادة مكان أو إنسان أو غيره، فقال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ
[البقرة/ ١٨٠] ، نحو: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [الأنعام/ ٦١] ، وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ [النساء/ ٨] ، وقال تعالى: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ [النساء/ ١٢٨] ، عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ [التكوير/ ١٤] ، وقال: وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون/ ٩٨] ، وذلك من باب الكناية، أي:
أن يحضرني الجن، وكني عن المجنون بالمحتضر وعمّن حضره الموت بذلك، وذلك لما نبّه عليه قوله : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق/ ١٦] ، وقوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ [الأنعام/ ١٥٨] ، وقال تعالى: ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً
[آل عمران/ ٣٠] ، أي: مشاهدا معاينا في حكم الحاضر عنده، وقوله : وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ
[الأعراف/ ١٦٣] ،
стр. 224
أي: قربه، وقوله: تِجارَةً حاضِرَةً [البقرة/ ٢٨٢] ، أي: نقدا، وقوله تعالى:
وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ [يس/ ٣٢] ، وفِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ [سبأ/ ٣٨] ، شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ [القمر/ ٢٨] ، أي:
يحضره أصحابه، والحُضْر: خصّ بما يحضر به الفرس إذا طلب جريه، يقال: أَحْضَرَ الفرس، واستحضرته: طلبت ما عنده من الحضر، وحاضرته مُحَاضَرَة وحِضَارا: إذا حاججته، من الحضور، كأنه يحضر كلّ واحد حجّته، أو من الحضر كقولك: جاريته، والحضيرة: جماعة من الناس يحضر بهم الغزو، وعبّر به عن حضور الماء، والمَحْضَر يكون مصدر حضرت، وموضع الحضور.
حطَّ
الحَطّ: إنزال الشيء من علو، وقد حططت الرجل، وجارية محطوطة المتنين، أي: ملساء غير مختلفة ولا داخلة، أي: مستوية الظهر، وقوله تعالى: وَقُولُوا حِطَّةٌ
[البقرة/ ٥٨] ، كلمة أمر بها بنو إسرائيل، ومعناه: حطّ عنا ذنوبنا «١» ، وقيل: معناه: قولوا صوابا.
حطب
قال تعالى: كانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
[الجن/ ١٥] ، أي: ما يعدّ للإيقاد، وقد حَطَبْتُ حَطَباً «٢» واحْتَطَبْتُ، وقيل للمخلّط في كلامه: حَاطِب ليل، لأنّه لا يبصر ما يجعله في حبله، وحَطَبْتُ لفلان حَطَباً: عملته له، ومكان حَطِيب: كثير الحطب، وناقة مُحَاطِبَة: تأكل الحطب، وقوله تعالى: حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [المسد/ ٤] ، كناية عنها بالنميمة، وحَطَبَ فلان بفلان: سعى به، وفلان يوقد بالحطب الجزل: كناية عن ذلك «٣» .
حطم
الحَطْمُ: كسر الشيء مثل الهشم ونحوه، ثمّ استعمل لكلّ كسر متناه، قال الله تعالى: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ
[النمل/ ١٨] ، وحَطَمْتُهُ فانحطم حَطْماً، وسائقٌ حُطَمٌ: يحطم الإبل لفرط سوقه، وسميت الجحيم حُطَمَة، قال الله تعالى في الحطمة: وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ [الهمزة/ ٥] ، وقيل للأكول: حطمة، تشبيها بالجحيم، تصوّرا لقول الشاعر:
١١٦-
كأنّما في جوفه تنّور
«٤» ودرع حُطَمِيَّة: منسوبة إلى ناسجها أو
стр. 225
مستعملها، وحطيم وزمزم: مكانان، والحُطَام: ما يتكسّر من اليبس، قال : ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً [الزمر/ ٢١] .
حظَّ
الحَظُّ: النصيب المقدّر، وقد حَظِظْتُ وحُظِظْتُ فأنا مَحْظُوظ، وقيل في جمعه: أَحَاظّ وأُحُظّ، قال الله تعالى: فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة/ ١٤] ، وقال تعالى: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء/ ١١] .
حظر
الحَظْرُ: جمع الشيء في حَظِيرَة، والمَحْظُور: الممنوع، والمُحْتَظِرُ: الذي يعمل الحظيرة. قال تعالى: فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ [القمر/ ٣١] ، وقد جاء فلان بالحَظِرِ الرّطب، أي: الكذب المستبشع «١» .
حفَ
قال : وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ
[الزمر/ ٧٥] ، أي: مطيفين بِحَافَّتَيْهِ، أي: جانبيه، ومنه قول النبيّ ﵊: «تَحُفُّه الملائكة بأجنحتها» «٢» .
وقال الشاعر:
١١٧-
له لحظات في حَفَافِي سريره
«٣» وجمعه: أَحِفَّة، وقال : وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ
[الكهف/ ٣٢] ، وفلان في حَفَفٍ من العيش، أي: في ضيق، كأنه حصل في حفف منه، أي: جانب، بخلاف من قيل فيه: هو في واسطة من العيش.
ومنه قيل: من حَفَّنَا أو رفّنا فليقتصد «٤» ، أي:
من تفقد حفف عيشنا.
وحَفِيفُ الشجر والجناح: صوتهما، فذلك حكاية صوتهما، والحَفُّ: آلة النساج، سمّي بذلك لما يسمع من حفّه، وهو صوت حركته.
حفد
قال الله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً
[النحل/ ٧٢] ، جمع حَافِد، وهو المتحرّك المتبرّع بالخدمة، أقارب كانوا أو أجانب، قال المفسرون: هم الأسباط ونحوهم، وذلك أنّ خدمتهم أصدق، قال الشاعر:
стр. 226
١١٨-
حَفَدَ الولائد بينهنّ
«١» وفلان مَحْفُود، أي: مخدوم، وهم الأختان والأصهار، وفي الدعاء: «إليك نسعى ونحفد» «٢» ، وسيف مُحْتَفِد: سريع القطع، قال الأصمعي: أصل الحَفْد: مداركة الخطو.
حفر
قال تعالى: وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ
[آل عمران/ ١٠٣] ، أي: مكان محفور، ويقال لها: حَفِيرَة. والحَفَر: التراب الذي يخرج من الحفرة، نحو: نقض لما ينقض، والمِحْفَار والمِحْفَر والمِحْفَرَة: ما يحفر به، وسمّي حَافِر الفرس تشبيها لحفره في عدوه، وقوله :
أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ
[النازعات/ ١٠] ، مثل لمن يردّ من حيث جاء، أي: أنحيا بعد أن نموت «٣» ؟.
وقيل: الحافرة: الأرض التي جعلت قبورهم، ومعناه: أإنّا لمردودون ونحن في الحافرة؟ أي:
في القبور، وقوله: فِي الْحافِرَةِ على هذا في موضع الحال.
وقيل: رجع على حافرته «٤» ، ورجع الشيخ إلى حافرته، أي: هرم، نحو قوله تعالى:
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ [النحل/ ٧٠] ، وقولهم: (النقد عند الحافرة) «٥» ، لما يباع نقدا، وأصله في الفرس إذا بيع، فيقال: لا يزول حافره أو ينقد ثمنه، والحَفْر: تأكّل الأسنان، وقد حَفَرَ فوه حَفْراً، وأَحْفَرَ المهر للإثناء والإرباع «٦» .
حفظ
الحِفْظ يقال تارة لهيئة النفس التي بها يثبت ما يؤدي إليه الفهم، وتارة لضبط الشيء في النفس، ويضادّه النسيان، وتارة لاستعمال تلك القوة، فيقال: حَفِظْتُ كذا حِفْظاً، ثم يستعمل في كلّ تفقّد وتعهّد ورعاية، قال الله تعالى: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
[يوسف/ ١٢] ، حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ
[البقرة/ ٢٣٨] ،
стр. 227
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ [المؤمنون/ ٥] ، وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ [الأحزاب/ ٣٥] ، كناية عن العفّة، حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ
[النساء/ ٣٤] ، أي:
يحفظن عهد الأزواج عند غيبتهن بسبب أنّ الله تعالى يحفظهنّ، أي: يطّلع عليهنّ، وقرئ:
بِما حَفِظَ اللَّهُ «١» بالنصب، أي: بسبب رعايتهن حقّ الله تعالى لا لرياء وتصنّع منهن، وفَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِي ظاً
[الشورى/ ٤٨] ، أي: حافظا، كقوله: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ [ق/ ٤٥] ، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [الأنعام/ ١٠٧] ، فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً [يوسف/ ٦٤] ، وقرئ: حفظا «٢» أي: حفظه خير من حفظ غيره، وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ [ق/ ٤] ، أي: حافظ لأعمالهم فيكون حَفِيظٌ بمعنى حافظ، نحو قوله تعالى: اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ [الشورى/ ٦] ، أو معناه: محفوظ لا يضيع، كقوله تعالى: عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى [طه/ ٥٢] ، والحِفَاظ: المُحَافَظَة، وهي أن يحفظ كلّ واحد الآخر، وقوله : وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ
[المؤمنون/ ٩] ، فيه تنبيه أنهم يحفظون الصلاة بمراعاة أوقاتها ومراعاة أركانها، والقيام بها في غاية ما يكون من الطوق، وأنّ الصلاة تحفظهم الحفظ الذي نبّه عليه في قوله: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت/ ٤٥] ، والتَحَفُّظ: قيل: هو قلّة الغفلة «٣» ، وحقيقته إنما هو تكلّف الحفظ لضعف القوة الحافظة، ولمّا كانت تلك القوة من أسباب العقل توسّعوا في تفسيرها كما ترى. والحَفِيظَة:
الغضب الذي تحمل عليه المحافظة أي: ما يجب عليه أن يحفظه ويحميه. ثم استعمل في الغضب المجرّد، فقيل: أَحْفَظَنِي فلان، أي:
أغضبني.
حفى
الإحفاء في السؤال: التّترّع «٤» في الإلحاح في المطالبة، أو في البحث عن تعرّف الحال، وعلى الوجه الأول يقال: أَحْفَيْتُ السؤال، وأَحْفَيْتُ فلانا في السؤال، قال الله تعالى: إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا [محمد/ ٣٧] ، وأصل ذلك من: أَحْفَيْتُ الدابة: جعلتها حافيا، أي: منسحج «٥» الحافر، والبعير: جعلته منسحج
стр. 228
الخفّ من المشي حتى يرقّ، وقد حَفِيَ «١» حَفاً وحَفْوَة، ومنه: أَحْفَيْتُ الشّارب: أخذته أخذا متناهيا، والحَفِيُّ: البرّ اللطيف في قوله : إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا [مريم/ ٤٧] ، ويقال: حَفَيْتُ بفلان وتَحَفَّيْتُ به: إذا عنيت بإكرامه، والحَفِيّ: العالم بالشيء.
حقَ
أصل الحَقّ: المطابقة والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه «٢» لدورانه على استقامة.
والحقّ يقال على أوجه:
الأول: يقال لموجد الشيء بسبب ما تقتضيه الحكمة، ولهذا قيل في الله تعالى: هو الحقّ «٣» ، قال الله تعالى: وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ «٤» ، وقيل بعيد ذلك: فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [يونس/ ٣٢] .
والثاني: يقال للموجد بحسب مقتضى الحكمة، ولهذا يقال: فعل الله تعالى كلّه حق، نحو قولنا: الموت حق، والبعث حق، وقال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً [يونس/ ٥] ، إلى قوله: ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ [يونس/ ٥] ، وقال في القيامة: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ [يونس/ ٥٣] ، ولَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ [البقرة/ ١٤٦] ، وقوله : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [البقرة/ ١٤٧] ، وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [البقرة/ ١٤٩] .
والثالث: في الاعتقاد للشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، كقولنا: اعتقاد فلان في البعث والثواب والعقاب والجنّة والنّار حقّ، قال الله تعالى: فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ [البقرة/ ٢١٣] .
والرابع: للفعل والقول بحسب ما يجب وبقدر ما يجب، وفي الوقت الذي يجب، كقولنا:
فعلك حقّ وقولك حقّ، قال تعالى: كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ [يونس/ ٣٣] ، وحَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [السجدة/ ١٣] ، وقوله : وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ [المؤمنون/ ٧١] ، يصح أن يكون المراد به الله تعالى، ويصحّ أن يراد به الحكم الذي هو بحسب مقتضى الحكمة. ويقال: أَحققْتُ كذا، أي: أثبتّه حقا، أو حكمت بكونه حقا، وقوله
стр. 229
تعالى: لِيُحِقَّ الْحَقَّ [الأنفال/ ٨] فإحقاق الحقّ على ضربين.
أحدهما: بإظهار الأدلّة والآيات، كما قال تعالى: وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً [النساء/ ٩١] ، أي: حجة قوية.
والثاني: بإكمال الشريعة وبثّها في الكافّة، كقوله تعالى: وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ [الصف/ ٨] ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة/ ٣٣] ، وقوله: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ
[الحاقة/ ١] ، إشارة إلى القيامة، كما فسّره بقوله: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين/ ٦] ، لأنه يحقّ فيه الجزاء، ويقال: حَاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ، أي خاصمته في الحقّ فغلبته، وقال عمر ﵁: (إذا النساء بلغن نصّ الحقاق فالعصبة أولى في ذلك) «١» .
وفلان نَزِقُ الحِقَاق: إذا خاصم في صغار الأمور «٢» ، ويستعمل استعمال الواجب واللازم والجائز نحو: كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
[الروم/ ٤٧] ، كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ [يونس/ ١٠٣] ، وقوله تعالى:
حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ
[الأعراف/ ١٠٥] ، قيل معناه: جدير، وقرئ:
حَقِيقٌ عَلى «٣» قيل: واجب، وقوله تعالى:
وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ [البقرة/ ٢٢٨] ، والحقيقة تستعمل تارة في الشيء الذي له ثبات ووجود، كقوله ﷺ لحارث: «لكلّ حقّ حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟» «٤» ، أي: ما الذي ينبئ عن كون ما تدّعيه حقّا؟
وفلان يحمي حقيقته، أي: ما يحقّ عليه أن يحمى. وتارة تستعمل في الاعتقاد كما تقدّم، وتارة في العمل وفي القول، فيقال: فلان لفعله حقيقة: إذا لم يكن مرائيا فيه، ولقوله حقيقة: إذا لم يكن مترخّصا ومتزيدا، ويستعمل في ضدّه المتجوّز والمتوسّع والمتفسّح، وقيل: الدنيا باطل، والآخرة حقيقة، تنبيها على زوال هذه
стр. 230
وبقاء تلك، وأمّا في تعارف الفقهاء والمتكلمين فهي اللفظ المستعمل فيما وضع له في أصل اللغة «١» . والحِقُّ من الإبل: ما استحقّ أن يحمل عليه، والأنثى: حِقَّة، والجمع: حِقَاق، وأتت النّاقة على حقّها «٢» ، أي: على الوقت الذي ضربت فيه من العام الماضي.
حقب
قوله تعالى: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً
[النبأ/ ٢٣] ، قيل: جمع الحُقُب، أي: الدهر «٣» .
قيل: والحِقْبَة ثمانون عاما، وجمعها حِقَب، والصحيح أنّ الحقبة مدّة من الزمان مبهمة، والاحتقاب: شدّ الحقيبة من خلف الراكب، وقيل: احتقبه واستحقبه، وحَقِبَ البعير «٤» : تعسّر عليه البول لوقوع حقبه في ثيله «٥» ، والأحقب:
من حمر الوحش، وقيل: هو الدقيق الحقوين، وقيل: هو الأبيض الحقوين، والأنثى حقباء.
حقف
قوله تعالى: إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ
[الأحقاف/ ٢١] ، جمع الحِقْف، أي: الرمل المائل، وظبي حاقف: ساكن للحقف، واحْقَوْقَفَ: مال حتى صار كحقف، قال:
١١٩-
سماوة الهلال حتى احقوقفا
«٦»
حكم
حَكَمَ أصله: منع منعا لإصلاح، ومنه سميت اللّجام: حَكَمَة الدابّة، فقيل: حكمته وحَكَمْتُ الدّابة: منعتها بالحكمة، وأَحْكَمْتُهَا: جعلت لها حكمة، وكذلك: حكمت السفيه وأحكمته، قال الشاعر:
١٢٠-
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم
«٧» وقوله: أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [السجدة/ ٧] ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
[الحج/ ٥٢] ، والحُكْم بالشيء: أن تقضي بأنّه كذا، أو ليس بكذا، سواء ألزمت ذلك غيره أو لم تلزمه، قال تعالى: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء/ ٥٨] ، يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ [المائدة/ ٩٥] ، وقال:
стр. 231
١٢١-
فاحكم كحكم فتاة الحيّ إذا نظرت ... إلى حمام سراع وارد الثّمد
«١» والثّمد: الماء القليل، وقيل معناه: كن حكيما.
وقال : أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [المائدة/ ٥٠] ، وقال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة/ ٥٠] ، ويقال: حَاكِم وحُكَّام لمن يحكم بين الناس، قال الله تعالى: وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ [البقرة/ ١٨٨] ، والحَكَمُ: المتخصص بذلك، فهو أبلغ. قال الله تعالى: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً [الأنعام/ ١١٤] ، وقال :
فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها [النساء/ ٣٥] ، وإنما قال: حَكَماً ولم يقل: حاكما، تنبيها أنّ من شرط الحكمين أن يتوليا الحكم عليهم ولهم حسب ما يستصوبانه من غير مراجعة إليهم في تفصيل ذلك، ويقال الحكم للواحد والجمع، وتحاكمنا إلى الحاكم.
قال تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ [النساء/ ٦٠] ، وحَكَّمْتُ فلانا، قال تعالى: حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء/ ٦٥] ، فإذا قيل: حكم بالباطل، فمعناه:
أجرى الباطل مجرى الحكم. والحِكْمَةُ: إصابة الحق بالعلم والعقل، فالحكمة من الله تعالى:
معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان: معرفة الموجودات وفعل الخيرات.
وهذا هو الذي وصف به لقمان في قوله : وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ [لقمان/ ١٢] ، ونبّه على جملتها بما وصفه بها، فإذا قيل في الله تعالى: هو حَكِيم «٢» ، فمعناه بخلاف معناه إذا وصف به غيره، ومن هذا الوجه قال الله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ [التين/ ٨] ، وإذا وصف به القرآن فلتضمنه الحكمة، نحو: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ [يونس/ ١] ، وعلى ذلك قال: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ [القمر/ ٤- ٥] ، وقيل: معنى الحكيم المحكم «٣» ، نحو: أُحْكِمَتْ آياتُهُ [هود/ ١] ، وكلاهما صحيح، فإنه محكم ومفيد للحكم، ففيه المعنيان جميعا، والحكم أعمّ من الحكمة، فكلّ حكمة حكم، وليس كل حكم حكمة، فإنّ الحكم أن يقضى بشيء على شيء، فيقول: هو كذا أو ليس بكذا، قال ﷺ : «إنّ من الشّعر
стр. 232
لحكمة» «١» أي: قضية صادقة «٢» ، وذلك نحو قول لبيد:
١٢٢-
إنّ تقوى ربّنا خير نفل
«٣» قال الله تعالى: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم/ ١٢] ، وقال ﷺ : «الصمت حكم وقليل فاعله» «٤» أي: حكمة، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [آل عمران/ ١٦٤] ، وقال تعالى:
وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب/ ٣٤] ، قيل: تفسير القرآن، ويعني ما نبّه عليه القرآن من ذلك: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ [المائدة/ ١] ، أي: ما يريده يجعله حكمة، وذلك حثّ للعباد على الرضى بما يقضيه. قال ابن عباس ﵁ في قوله:
مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب/ ٣٤] ، هي علم القرآن، ناسخه، مُحْكَمه ومتشابهه.
وقال ابن زيد «٥» : هي علم آياته وحكمه. وقال السّدّي «٦» : هي النبوّة، وقيل: فهم حقائق القرآن، وذلك إشارة إلى أبعاضها التي تختص بأولي العزم من الرسل، ويكون سائر الأنبياء تبعا لهم في ذلك. وقوله : يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا [المائدة/ ٤٤] ، فمن الحكمة المختصة بالأنبياء أو من الحكم قوله : آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
[آل عمران/ ٧] ،
стр. 233
فالمحكم: ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى. والمتشابه على أضرب تذكر في بابه إن شاء الله «١» . وفي الحديث: «إنّ الجنّة للمُحَكِّمِين» «٢» قيل: هم قوم خيّروا بين أن يقتلوا مسلمين وبين أن يرتدّوا فاختاروا القتل «٣» . وقيل: عنى المتخصّصين بالحكمة.
حلَ
أصل الحَلّ: حلّ العقدة، ومنه قوله : وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي
[طه/ ٢٧] ، وحَللْتُ: نزلت، أصله من حلّ الأحمال عند النزول، ثم جرّد استعماله للنزول، فقيل:
حَلَّ حُلُولًا، وأَحَلَّهُ غيره، قال : أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ [الرعد/ ٣١] ، وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ [إبراهيم/ ٢٨] ، ويقال: حَلَّ الدّين: وجب «٤» أداؤه، والحِلَّة:
القوم النازلون، وحيّ حِلَال مثله، والمَحَلَّة:
مكان النزول، وعن حلّ العقدة استعير قولهم:
حَلَّ الشيء حلالًا، قال الله تعالى: وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً [المائدة/ ٨٨] ، وقال تعالى: هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ [النحل/ ١١٦] ، ومن الحُلُول أَحَلَّت الشاة: نزل اللبن في ضرعها «٥» ، وقال تعالى: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة/ ١٩٦] ، وأَحَلَّ الله كذا، قال تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ [الحج/ ٣٠] ، وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ ...
الآية [الأحزاب/ ٥٠] ، فإِحْلَال الأزواج هو في الوقت، لكونهنّ تحته، وإحلال بنات العم وما بعدهنّ إحلال التزوج بهنّ «٦» ، وبلغ الأجل محلّه، ورجل حَلالٌ ومُحِلُّ: إذا خرج من الإحرام، أو خرج من الحرم، قال :
وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة/ ٢] ، وقال تعالى: وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ
[البلد/ ٢] ، أي: حلال، وقوله : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ
[التحريم/ ٢] ، أي: بيّن ما تَنْحَلُّ به عقدة أيمانكم من الكفّارة، وروي:
«لا يموت للرجل ثلاثة من الأولاد فتمسّه النّار إلا تحلّة القسم» «٧» أي: قدر ما يقول إن شاء الله تعالى، وعلى هذا قول الشاعر:
стр. 234
١٢٣-
وقعهنّ الأرض تحليل
«١» أي: عدوهنّ سريع، لا تصيب حوافرهن الأرض من سرعتهن إلا شيء يسير مقدار أن يقول القائل: إن شاء الله. والحَلِيل: الزوج، إمّا لحلّ كلّ واحد منهما إزاره للآخر، وإمّا لنزوله معه، وإمّا لكونه حلالا له، ولهذا يقال لمن يحالّك أي: لمن ينزل معك: حَلِيل، والحَلِيلَةُ:
الزوجة، وجمعها حَلَائِل، قال الله تعالى:
وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء/ ٢٣] ، والحُلَّة: إزار ورداء، والإحليل:
مخرج البول لكونه محلول العقدة.
حلف
الحِلْف: العهد بين القوم، والمُحَالَفَة:
المعاهدة، وجعلت للملازمة التي تكون بمعاهدة، وفلان حَلِفُ كرم، وحَلِيف كرم، والأحلاف جمع حليف، قال الشاعر وهو زهير:
١٢٤-
تداركتما الأحلاف قد ثلّ عرشها
«٢» أي: كاد يزول استقامة أمورها، وعرش الرجل: قوام أمره.
والحَلِفُ أصله اليمين الذي يأخذ بعضهم من بعض بها العهد، ثمّ عبّر به عن كلّ يمين، قال الله تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ
[القلم/ ١٠] ، أي: مكثار للحلف، وقال تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا
[التوبة/ ٧٤] ، يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ [التوبة/ ٥٦] ، يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ [التوبة/ ٦٢] ، وشيء مُحْلِف:
يحمل الإنسان على الحلف، وكميت محلف:
إذا كان يشكّ في كميتته وشقرته، فيحلف واحد أنه كميت، وآخر أنه أشقر.
والمُحَالَفَة: أن يحلف كلّ للآخر، ثم جعلت عبارة عن الملازمة مجرّدا، فقيل: حِلْفُ فلان وحَلِيفُه، وقال ﷺ : «لا حِلْفَ في الإسلام» «٣» .
стр. 235
وفلان حَلِيف اللسان، أي: حديده، كأنه يحالف الكلام فلا يتباطأ عنه، وحليف الفصاحة.
حلق
الحَلْق: العضو المعروف، وحَلَقَهُ: قطع حلقه، ثم جعل الحَلْق لقطع الشعر وجزّه، فقيل: حلق شعره، قال تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ
[البقرة/ ١٩٦] ، وقال تعالى:
مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ
[الفتح/ ٢٧] ، ورأس حَلِيق، ولحية حليق، و «عقرى حَلْقَى» «١» في الدعاء على الإنسان، أي: أصابته مصيبة تحلق النساء شعورهنّ، وقيل معناه: قطع الله حلقها. وقيل للأكسية الخشنة التي تحلق الشعر بخشونتها: مَحَالِق «٢» ، والحَلْقَة سمّيت تشبيها بالحلق في الهيئة، وقيل: حلقه، وقال بعضهم «٣» : لا أعرف الحَلَقَة إلا في الذين يحلقون الشعر، وهو جمع حالق، ككافر وكفرة، والحَلَقَة بفتح اللام لغة غير جيدة. وإبل مُحَلَّقَة:
سمتها حلق. واعتبر في الحلقة معنى الدوران، فقيل: حَلْقَة «٤» القوم، وقيل: حَلَّقَ الطائر: إذا ارتفع ودار في طيرانه.
حلم
الحِلْم: ضبط النّفس والطبع عن هيجان الغضب، وجمعه أَحْلَام، قال الله تعالى: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا [الطور/ ٣٢] ، قيل معناه: عقولهم «٥» ، وليس الحلم في الحقيقة هو العقل، لكن فسّروه بذلك لكونه من مسبّبات العقل «٦» ، وقد حَلُمَ «٧» وحَلَّمَهُ العقل وتَحَلَّمَ، وأَحْلَمَتِ المرأة: ولدت أولادا حلماء «٨» ، قال الله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ
[هود/ ٧٥] ، وقوله تعالى: فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ [الصافات/ ١٠١] ، أي: وجدت فيه قوّة الحلم، وقوله : وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ
[النور/ ٥٩] ، أي: زمان البلوغ، وسمي الحلم لكون صاحبه جديرا بالحلم،
стр. 236
ويقال: حَلَمَ «١» في نومه يَحْلُمُ حُلْماً وحُلَماً، وقيل: حُلُماً نحو: ربع، وتَحَلَّمَ واحتلم، وحَلَمْتُ به في نومي، أي: رأيته في المنام، قال الله تعالى: قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ [يوسف/ ٥٤] ، والحَلَمَة: القراد الكبير، قيل: سميت بذلك لتصوّرها بصورة ذي حلم، لكثرة هدوئها، فأمّا حَلَمَة الثدي فتشبيها بالحلمة من القراد في الهيئة، بدلالة تسميتها بالقراد في قول الشاعر:
١٢٥-
كأنّ قرادي زوره طبعتهما ... بطين من الجولان كتّاب أعجمي
«٢» وحَلِمَ الجلد: وقعت فيه الحلمة، وحَلَّمْتُ البعير: نزعت عنه الحلمة، ثم يقال: حَلَّمْتُ فلانا: إذا داريته ليسكن وتتمكّن منه تمكّنك من البعير إذا سكّنته بنزع القراد عنه «٣» .
حلى
الحُلِيّ جمع الحَلْي، نحو: ثدي وثديّ، قال تعالى: مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ [الأعراف/ ١٤٨] ، يقال: حَلِيَ يَحْلَى «٤» ، قال الله تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ
[الكهف/ ٣١] ، وقال تعالى: وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ
[الإنسان/ ٢١] ، وقيل: الحِلْيَة والجميع حِلِيّ «٥» ، قال تعالى: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ [الزخرف/ ١٨] .
حم
الحميم: الماء الشديد الحرارة، قال تعالى:
وَسُقُوا ماءً حَمِيماً [محمد/ ١٥] ، إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً [عمّ/ ٢٥] ، وقال تعالى:
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ [الأنعام/ ٧٠] ، وقال : يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ [الحج/ ١٩] ، ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ [الصافات/ ٦٧] ، هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [ص/ ٥٧] ، وقيل للماء الحارّ في خروجه من منبعه:
حَمَّة، وروي: «العالم كالحمّة يأتيها البعداء ويزهد فيها القرباء» «٦» ، وسمي العَرَق حميما «٧»
стр. 237
على التشبيه، واستحمّ الفرس: عرق، وسمي الحمّام حمّاما، إمّا لأنه يعرّق، وإمّا لما فيه من الماء الحارّ، واستحمّ فلان: دخل الحمّام، وقوله : فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ
[الشعراء/ ١٠٠- ١٠١] ، وقوله تعالى: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً [المعارج/ ١٠] ، فهو القريب المشفق، فكأنّه الذي يحتدّ حماية لذويه، وقيل لخاصة الرّجل: حامّته، فقيل:
الحامّة والعامّة، وذلك لما قلنا، ويدلّ على ذلك أنه قيل للمشفقين من أقارب الإنسان حزانته «١» ، أي: الذين يحزنون له، واحتمّ فلان لفلان:
احتدّ «٢» ، وذلك أبلغ من اهتمّ لما فيه من معنى الاحتمام، وأحمّ الشّحم: أذابه، وصار كالحميم، وقوله : وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ
[الواقعة/ ٤٣] ، للحميم، فهو يفعول من ذلك، وقيل: أصله الدخان الشديد السّواد «٣» ، وتسميته إمّا لما فيه من فرط الحرارة، كما فسّره في قوله: لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ [الواقعة/ ٤٤] ، أو لما تصوّر فيه من لفظ الحممة فقد قيل للأسود يحموم، وهو من لفظ الحممة، وإليه أشير بقوله: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [الزمر/ ١٦] ، وعبّر عن الموت بالحمام، كقولهم: حُمَّ كذا، أي: قدّر، والحُمَّى سمّيت بذلك إمّا لما فيها من الحرارة المفرطة، وعلى ذلك قوله ﷺ : «الحمّى من فيح جهنّم» «٤» ، وإمّا لما يعرض فيها من الحميم، أي:
العرق، وإمّا لكونها من أمارات الحِمَام، لقولهم: «الحمّى بريد الموت» «٥» ، وقيل: «باب الموت» ، وسمّي حمّى البعير حُمَاماً «٦» بضمة الحاء، فجعل لفظه من لفظ الحمام لما قيل: إنه قلّما يبرأ البعير من الحمّى. وقيل: حَمَّمَ الفرخ «٧» : إذا اسودّ جلده من الريش، وحمّم
стр. 238
وجهه: اسودّ بالشعر، فهما من لفظ الحممة، وأمّا حمحمة الفرس فحكاية لصوته «١» ، وليس من الأول في شيء.
حمد
الحَمْدُ لله تعالى: الثناء عليه بالفضيلة، وهو أخصّ من المدح وأعمّ من الشكر، فإنّ المدح يقال فيما يكون من الإنسان باختياره، ومما يقال منه وفيه بالتسخير، فقد يمدح الإنسان بطول قامته وصباحة وجهه، كما يمدح ببذل ماله وسخائه وعلمه، والحمد يكون في الثاني دون الأول، والشّكر لا يقال إلا في مقابلة نعمة، فكلّ شكر حمد، وليس كل حمد شكرا، وكل حمد مدح وليس كل مدح حمدا، ويقال: فلان محمود:
إذا حُمِدَ، ومُحَمَّد: إذا كثرت خصاله المحمودة، ومحمد: إذا وجد محمودا «٢» ، وقوله :
إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ
[هود/ ٧٣] ، يصحّ أن يكون في معنى المحمود، وأن يكون في معنى الحامد، وحُمَادَاكَ أن تفعل كذا «٣» ، أي: غايتك المحمودة، وقوله : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ
[الصف/ ٦] ، فأحمد إشارة إلى النبيّ ﷺ باسمه وفعله، تنبيها أنه كما وجد اسمه أحمد يوجد وهو محمود في أخلاقه وأحواله، وخصّ لفظة أحمد فيما بشّر به عيسى ﷺ تنبيها أنه أحمد منه ومن الذين قبله، وقوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ
[الفتح/ ٢٩] ، فمحمد هاهنا وإن كان من وجه اسما له علما- ففيه إشارة إلى وصفه بذلك وتخصيصه بمعناه كما مضى ذلك في قوله تعالى: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى [مريم/ ٧] ، أنه على معنى الحياة كما بيّن في بابه «٤» إن شاء الله.
حمر
الحِمَار: الحيوان المعروف، وجمعه حَمِير وأَحْمِرَة وحُمُر، قال تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ [النحل/ ٨] ، ويعبّر عن الجاهل بذلك، كقوله تعالى: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [الجمعة/ ٥] ، وقال تعالى: كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ [المدثر/ ٥٠] ، وحمار قبّان:
دويّبة، والحِمَارَان: حجران يجفّف عليهما الأقط «٥» ، شبّه بالحمار في الهيئة، والمُحَمَّر:
الفرس الهجين المشبّه بلادته ببلادة الحمار.
والحُمْرَة في الألوان، وقيل: (الأحمر
стр. 239
والأسود) «١» للعجم والعرب اعتبارا بغالب ألوانهم، وربما قيل: حمراء العجان «٢» ، والأحمران: اللحم والخمر «٣» ، اعتبارا بلونيهما، والموت الأحمر أصله فيما يراق فيه الدم، وسنة حَمْرَاء: جدبة، للحمرة العارضة في الجوّ منها، وكذلك حَمَّارَة «٤» القيظ: لشدّة حرّها، وقيل:
وِطَاءَة حَمْرَاء: إذا كانت جديدة، ووطاءة دهماء:
دارسة.
حمل
الحَمْل معنى واحد اعتبر في أشياء كثيرة، فسوّي بين لفظه في فعل، وفرّق بين كثير منها في مصادرها، فقيل في الأثقال المحمولة في الظاهر كالشيء المحمول على الظّهر: حِمْل.
وفي الأثقال المحمولة في الباطن: حَمْل، كالولد في البطن، والماء في السحاب، والثّمرة في الشجرة تشبيها بحمل المرأة، قال تعالى:
وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ [فاطر/ ١٨] ، يقال: حَمَلْتُ الثّقل والرّسالة والوزر حَمْلًا، قال الله تعالى:
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [العنكبوت/ ١٣] ، وقال تعالى: وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ
[العنكبوت/ ١٢] ، وقال تعالى: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ: لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ [التوبة/ ٩٢] ، وقال : لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ [النحل/ ٢٥] ، وقوله : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ
[الجمعة/ ٥] ، أي: كلّفوا أن يتحمّلوها، أي: يقوموا بحقها، فلم يحملوها، ويقال: حَمَّلْتُهُ كذا فَتَحَمَّلَهُ، وحَمَّلْتُ عليه كذا فَتَحَمَّلَهُ، واحْتَمَلَه وحَمَلَه، وقال تعالى: فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً [الرعد/ ١٧] ، حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ [الحاقة/ ١١] ، وقوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ [النور/ ٥٤] ، وقال تعالى: رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا، رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ [البقرة/ ٢٨٦] ، وقال :
وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ [القمر/ ١٣] ، ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً [الإسراء/ ٣] ، وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ [الحاقة/ ١٤] .
стр. 240
وحَمَلَتِ المرأةُ: حَبِلَتْ، وكذا حملت الشّجرة، يقال: حَمْلٌ وأحمال، قال :
وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق/ ٤] ، وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [فصلت/ ٤٧] ، حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ [الأعراف/ ١٨٩] ، حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً [الأحقاف/ ١٥] ، وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [الأحقاف/ ١٥] ، والأصل في ذلك الحِمْل على الظهر، فاستعير للحبل بدلالة قولهم: وسقت الناقة «١» :
إذا حملت. وأصل الوسق: الحمل المحمول على ظهر البعير. وقيل: الحَمُولَة لما يحمل عليه، كالقتوبة «٢» والرّكوبة، والحُمُولَة: لما يحمل، والحَمَل: للمحمول، وخصّ الضأن الصغير بذلك لكونه محمولا، لعجزه، أو لقربه من حمل أمّه إياه، وجمعه: أَحْمَال وحُمْلَان «٣» ، وبها شبّه السّحاب، فقال :
فَالْحامِلاتِ وِقْراً
[الذاريات/ ٢] ، وال حَمِي ل: السّحاب الكثير الماء، لكونه حاملا للماء «٤» ، والحَمِيل: ما يحمله السيل، والغريب تشبيها بالسيل، والولد في البطن. والحَمِيل:
الكفيل، لكونه حاملا للحق مع من عليه الحق، وميراث الحميل لمن لا يتحقق نسبه «٥» ، وحَمَّالَةَ الْحَطَبِ
[المسد/ ٤] ، كناية عن النّمام، وقيل: فلان يحمل الحطب الرّطب «٦» ، أي: ينمّ.
حمى
الحَمْيُ: الحرارة المتولّدة من الجواهر المحمية، كالنّار والشمس، ومن القوّة الحارة في البدن، قال تعالى: في عين حامية «٧» ، أي: حارة، وقرئ: حَمِئَةٍ «٨» ، وقال : يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ
[التوبة/ ٣٥] ، وحَمِيَ النهار «٩» ، وأَحْمَيْتُ
стр. 241
الحديدة إِحْمَاء. وحُمَيّا الكأس «١» : سورتها وحرارتها، وعبّر عن القوة الغضبية إذا ثارت وكثرت بالحَمِيَّة، فقيل: حَمِيتُ على فلان، أي:
غضبت عليه، قال تعالى: حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ [الفتح/ ٢٦] ، وعن ذلك استعير قولهم: حميت المكان حمى، وروي: (لا حِمَى إلا لله ورسوله) «٢» .
وحميت أنفي مَحْمِيَة «٣» ، وحميت المريض حَمْياً، وقوله : وَلا حامٍ
[المائدة/ ١٠٣] ، قيل: هو الفحل إذا ضرب عشرة أبطن كأن يقال: حَمَى ظَهْرَه فلا يركب «٤» ، وأحماء المرأة: كلّ من كان من قبل زوجها «٥» ، وذلك لكونهم حُمَاة لها، وقيل: حَمَاهَا وحَمُوهَا وحَمِيهَا، وقد همز في بعض اللغات فقيل:
حمء، نحو: كمء «٦» ، والحَمْأَةُ والحَمَأُ: طين أسود منتن، قال تعالى: مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر/ ٢٦] ، ويقال: حمأت البئر: أخرجت حمأتها، وأحمأتها: جعلت فيها حما، وقرئ:
فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ «٧» : ذات حمأ.
حنَ
الحنين: النّزاع المتضمّن للإشفاق يقال:
حَنَّتِ المرأة، والنّاقة لولدها، وقد يكون مع ذلك صوت، ولذلك يعبّر بالحنين عن الصّوت الدّالّ على النزاع والشّفقة، أو متصوّر بصورته. وعلى ذلك حنين الجذع، وريح حَنُون، وقوس حَنَّانَة: إذا رنّت عند الإنباض «٨» . وقيل: ما له حانَّة ولا آنّة، أي: لا ناقة ولا شاة سمينة، ووصفتا بذلك اعتبارا بصوتيهما، ولمّا كان الحنين متضمّنا للإشفاق، والإشفاق لا ينفكّ من الرّحمة عبّر عن الرّحمة به في نحو قوله تعالى: وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا
[مريم/ ١٣] ، ومنه قيل: الحَنَّان المنّان «٩» ، وحَنَانَيْكَ: إشفاقا بعد إشفاق، وتثنيته
стр. 242
كتثنية لبيّك وسعديك، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ
[التوبة/ ٢٥] ، منسوب إلى مكان معروف.
حنث
قال الله تعالى: وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ
[الواقعة/ ٤٦] ، أي: الذّنب المؤثم، وسمّي اليمين الغموس حنثا لذلك، وقيل: حَنِثَ «١» في يمينه إذا لم يف بها، وعبّر بالحِنْثِ عن البلوغ، لمّا كان الإنسان عنده يؤخذ بما يرتكبه خلافا لما كان قبله، فقيل: بلغ فلان الحنث. والمُتَحَنِّث: النافض عن نفسه الحنث، نحو: المتحرّج والمتأثّم.
حنجر
قال تعالى: لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ
[غافر/ ١٨] ، وقال : وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب/ ١٠] ، جمع حَنْجَرَة، وهي رأس الغلصمة من خارج.
حنذ
قال تعالى: جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ
[هود/ ٦٩] ، أي: مشويّ بين حجرين، وإنّما يفعل ذلك لتتصبّب عنه اللّزوجة التي فيه، وهو من قولهم: حَنَذْتُ الفرس: استحضرته شوطا أو شوطين، ثم ظاهرت عليه الجلال ليعرق «٢» ، وهو محنوذ وحَنِيذ، وقد حَنَذَتْنَا الشّمسُ «٣» ، ولمّا كان ذلك خروج ماء قليل قيل: إذا سَقَيْتَ الخَمْرَ فَأَحْنِذْ «٤» ، أي: قلّل الماء فيها، كالماء الذي يخرج من العرق والحنيذ.
حنف
الحَنَفُ: هو ميل عن الضّلال إلى الاستقامة، والجنف: ميل عن الاستقامة إلى الضّلال، والحَنِيف هو المائل إلى ذلك، قال :
قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً [النحل/ ١٢٠] ، وقال:
حَنِيفاً مُسْلِماً [آل عمران/ ٦٧] ، وجمعه حُنَفَاء، قال : وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفاءَ لِلَّهِ [الحج/ ٣٠- ٣١] ، وتَحَنَّفَ فلان، أي:
تحرّى طريق الاستقامة، وسمّت العرب كلّ من حجّ أو اختتن حنيفا، تنبيها أنّه على دين إبراهيم ﷺ ، والأحنف: من في رجله ميل، قيل: سمّي بذلك على التّفاؤل، وقيل: بل استعير للميل المجرّد.
حنك
الحَنَكُ: حنك الإنسان والدّابّة، وقيل لمنقار الغراب: حَنَكٌ، لكونه كالحنك من الإنسان، وقيل: أسود مثل حنك الغراب، وحللك الغراب، فحنكه: منقاره، وحلكه: سوادّ ريشه، وقوله
стр. 243
تعالى: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا
[الإسراء/ ٦٢] ، يجوز أن يكون من قولهم: حَنَكْتُ الدّابّة:
أصبت حنكها باللّجام والرّسن، فيكون نحو قولك: لألجمنّ فلانا ولأرسننّه «١» ، ويجوز أن يكون من قولهم احتنك الجراد الأرض، أي:
استولى بحنكه عليها، فأكلها واستأصلها، فيكون معناه: لأستولينّ عليهم استيلاءه على ذلك، وفلان حَنَّكَه الدّهر واحتنكه، كقولهم: نجّذه، وقرع سنّه، وافترّه «٢» ، ونحو ذلك من الاستعارات في التّجربة «٣» .
حوب
الحُوبُ: الإثم، قال : إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً [النساء/ ٢] ، والحَوْبُ المصدر منه، وروي: (طلاق أمّ أيّوب حوب) «٤» ، وتسميته بذلك لكونه مزجورا عنه، من قولهم: حَابَ حُوباً وحَوْباً وحِيَابَةً، والأصل فيه حوب لزجر الإبل، وفلان يَتَحَوَّبُ من كذا، أي: يتأثّم، وقولهم:
ألحق الله به الحَوْبَةَ «٥» ، أي: المسكنة والحاجة.
وحقيقتها: هي الحاجة التي تحمل صاحبها على ارتكاب الإثم، وقيل: بات فلان بِحَيْبَةِ سوء «٦» .
والحَوْبَاء قيل هي النّفس «٧» ، وحقيقتها هي النّفس المرتكبة للحوب، وهي الموصوفة بقوله تعالى:
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [يوسف/ ٥٣] .
حوت
قال الله تعالى: نَسِيا حُوتَهُما
[الكهف/ ٦١] ، وقال تعالى: فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ [الصافات/ ١٤٢] ، وهو السّمك العظيم، إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً
[الأعراف/ ١٦٣] ، وقيل: حاوتني فلان، أي: راوغني مراوغة الحوت.
حيد
قال : ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
[ق/ ١٩] أي: تعدل عنه وتنفر منه.
стр. 244
حيث
حيث عبارة عن مكان مبهم يشرح بالجملة التي بعده، نحو قوله تعالى: وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ [البقرة/ ١٤٤] ، وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ [البقرة/ ١٤٩] .
حوذ
الحَوْذُ: أن يتبع السّائق حاذيي البعير، أي:
أدبار فخذيه فيعنّف في سوقه، يقال: حَاذَ الإبلَ يَحُوذُهَا، أي: ساقها سوقا عنيفا، وقوله: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ
[المجادلة/ ١٩] ، استاقهم مستوليا عليهم، أو من قولهم: استحوذ العير على الأتان، أي: استولى على حَاذَيْهَا، أي: جانبي ظهرها، ويقال:
استحاذ، وهو القياس، واستعارة ذلك كقولهم:
اقتعده الشيطان وارتكبه، والأَحْوَذِيّ: الخفيف الحاذق بالشيء، من الحوذ أي: السّوق.
حور
الحَوْرُ: التّردّد إمّا بالذّات، وإمّا بالفكر، وقوله : إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ
[الانشقاق/ ١٤] ، أي: لن يبعث، وذلك نحو قوله: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا، قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن/ ١٧] ، وحَارَ الماء في الغدير: تردّد فيه، وحَارَ في أمره: تحيّر، ومنه:
المِحْوَر للعود الذي تجري عليه البكرة لتردّده، وبهذا النّظر قيل: سير السّواني أبدا لا ينقطع «١» ، والسواني جمع سانية، وهي ما يستقى عليه من بعير أو ثور، ومَحَارَة الأذن لظاهره المنقعر، تشبيها بمحارة الماء لتردّد الهواء بالصّوت فيه كتردّد الماء في المحارة، والقوم في حَوْرٍ أي: في تردّد إلى نقصان، وقوله: «نعوذ بالله من الحور بعد الكور» «٢» أي: من التّردّد في الأمر بعد المضيّ فيه، أو من نقصان وتردّد في الحال بعد الزّيادة فيها، وقيل: حار بعد ما كار. والمُحاوَرَةُ والحِوَار: المرادّة في الكلام، ومنه التَّحَاوُر، قال الله تعالى: وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما [المجادلة/ ١] ، وكلّمته فما رجع إليّ حَوَاراً، أو حَوِيراً أو مَحُورَةً «٣» ، أي: جوابا، وما يعيش بأحور، أي بعقل يحور إليه، وقوله تعالى:
حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ
[الرحمن/ ٧٢] ، وَحُورٌ عِينٌ [الواقعة/ ٢٢] ، جمع أَحْوَرَ وحَوْرَاء، والحَوَر قيل: ظهور قليل من البياض في العين من بين السّواد، وأَحْوَرَتْ عينه، وذلك نهاية الحسن من العين، وقيل:
حَوَّرْتُ الشّيء: بيّضته ودوّرته، ومنه: الخبز
стр. 245
الحُوَّارَى، والحَوَارِيُّونَ أنصار عيسى ﷺ ، قيل:
كانوا قصّارين «١» ، وقيل: كانوا صيّادين، وقال بعض العلماء: إنّما سمّوا حواريّين لأنهم كانوا يطهّرون نفوس النّاس بإفادتهم الدّين والعلم المشار إليه بقوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب/ ٣٣] ، قال: وإنّما قيل: كانوا قصّارين على التّمثيل والتشبيه، وتصوّر منه من لم يتخصّص بمعرفته الحقائق المهنة المتداولة بين العامّة، قال: وإنّما كانوا صيّادين لاصطيادهم نفوس النّاس من ال حير ة، وقودهم إلى الحقّ، قال ﷺ : «الزّبير ابن عمّتي وحواريّ» «٢» وقوله ﷺ : «لكلّ نبيّ حَوَارِيٌّ وحواريّ الزّبير» «٣» فتشبيه بهم في النّصرة حيث قال: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ: نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ [الصف/ ١٤] .
حاج
الحَاجَة إلى الشيء: الفقر إليه مع محبّته، وجمعها: حَاجٌ وحاجات وحوائج، وحَاجَ يَحُوجُ: احتاج، قال تعالى: إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها [يوسف/ ٦٨] ، وقال:
حاجَةً مِمَّا أُوتُوا [الحشر/ ٩] ، والحَوْجَاء:
الحاجة «٤» ، وقيل: الحاج ضرب من الشّوك.
حير
يقال: حَارَ يَحَارُ حَيْرَة، فهو حَائِر وحَيْرَان، وتَحَيَّرَ واسْتَحَارَ: إذا تبلّد في الأمر وتردّد فيه، قال تعالى: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ [الأنعام/ ٧١] ، والحائر:
الموضع الذي يتحيّر به الماء، قال الشاعر:
١٢٦-
واستحار شبابها
«٥» وهو أن يمتلئ حتى يرى في ذاته حيرة، والحيرة: موضع، قيل سمّي بذلك لاجتماع ماء كان فيه.
حيز
قال الله تعالى: أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ
[الأنفال/ ١٦] ، أي: صائرا إلى حيّز وأصله من الواو،
стр. 246
وذلك كلّ جمع منضمّ بعضه إلى بعض، وحُزْتُ الشيء أَحُوزُهُ حَوْزاً، وحمى حَوْزَتَهُ، أي:
جمعه، وتَحَوَّزَتِ الحيّة وتَحَيَّزَتْ، أي: تلوّت «١» ، والأَحْوَزِيُّ: الذي جمع حوزه متشمّرا، وعبّر به عن الخفيف السّريع.
حاشى
قال الله تعالى: وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ
[يوسف/ ٣١] أي: بعدا منه. قال أبو عبيدة: هي تنزيه واستثناء «٢» ، وقال أبو عليّ الفسويّ ﵀ «٣» : حَاشَ ليس باسم، لأنّ حرف الجرّ لا يدخل على مثله، وليس بحرف لأن الحرف لا يحذف منه ما لم يكن مضعّفا، تقول: حَاشَ وحَاشَى، فمنهم من جعل حاش أصلا في بابه، وجعله من لفظة الحوش أي: الوحش، ومنه: حوشيّ الكلام.
وقيل: الحَوْشُ فحول جنّ نسبت إليها وحشة الصّيد. وأَحَشْتَهُ: إذا جئته من حواليه، لتصرفه إلى الحبالة، واحْتَوَشُوهُ وتَحَوَّشُوهُ: أتوه من جوانبه. والحَوْشُ: أن يأكل الإنسان من جانب الطعام «٤» ، ومنهم من حمل ذلك مقلوبا من حشى، ومنه الحاشية وقال:
١٢٧-
وما أحاشي من الأقوام من أحد
«٥» كأنه قال: لا أجعل أحدا في حشا واحد فأستثنيه من تفضيلك عليه، قال الشاعر:
١٢٨-
ولا يتحشّى الفحل إن أعرضت به ... ولا يمنع المرباع منه فصيلها
«٦» يصف إنسانا بالجود، وأنه يطعم وينحر كلّ ما يعرض له من الفحل وغيره.
حاص
قال تعالى: هَلْ مِنْ مَحِيصٍ
[ق/ ٣٦] ، وقوله تعالى: ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم/
стр. 247
٢١] ، أصله من حَيْص بيص أي: شدّة، وحَاصَ عن الحقّ يَحِيصُ، أي: حاد عنه إلى شدّة ومكروه. وأمّا الحوص فخياطة الجلد ومنه حصت عين الصّقر «١» .
حيض
الحيض: الدّم الخارج من الرّحم على وصف مخصوص في وقت مخصوص، والمَحِيض: الحيض ووقت الحيض وموضعه، على أنّ المصدر في هذا النّحو من الفعل يجيء على مفعل، نحو: معاش ومعاد، وقول الشاعر:
١٢٩-
لا يستطيع بها القراد مقيلا
«٢» أي مكانا للقيلولة، وإن كان قد قيل: هو مصدر، ويقال: ما في برّك مكيل ومكال «٣» .
حيط
الحائط: الجدار الذي يَحُوط بالمكان، والإحاطة تقال على وجهين:
أحدهما: في الأجسام نحو: أَحَطْتُ بمكان كذا، أو تستعمل في الحفظ نحو: إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ
[فصلت/ ٥٤] ، أي: حافظ له من جميع جهاته، وتستعمل في المنع نحو:
إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ [يوسف/ ٦٦] ، أي: إلّا أن تمنعوا، وقوله: أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة/ ٨١] ، فذلك أبلغ استعارة، وذاك أنّ الإنسان إذا ارتكب ذنبا واستمرّ عليه استجرّه إلى معاودة ما هو أعظم منه، فلا يزال يرتقي حتى يطبع على قلبه، فلا يمكنه أن يخرج عن تعاطيه.
والاحتياط: استعمال ما فيه الحياطة، أي:
الحفظ.
والثاني: في العلم نحو قوله: أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً [الطلاق/ ١٢] ، وقوله :
إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران/ ١٢٠] ، وقوله: إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [هود/ ٩٢] . والإحاطة بالشيء علما هي أن تعلم وجوده وجنسه وقدره وكيفيّته، وغرضه المقصود به وبإيجاده، وما يكون به ومنه، وذلك ليس إلّا لله تعالى، وقال : بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ [يونس/ ٣٩] ، فنفى ذلك عنهم. وقال صاحب موسى: وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً [الكهف/
стр. 248
٦٨] ، تنبيها أنّ الصّبر التّامّ إنّما يقع بعد إحاطة العلم بالشيء، وذلك صعب إلّا بفيض إلهيّ.
وقوله : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ [يونس/ ٢٢] ، فذلك إحاطة بالقدرة، وكذلك قوله : وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها [الفتح/ ٢١] ، وعلى ذلك قوله:
إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ [هود/ ٨٤] .
حيف
الحَيْفُ: الميل في الحكم والجنوح إلى أحد الجانبين، قال الله تعالى: أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
[النور/ ٥٠] ، أي: يخافون أن يجور في حكمه. ويقال تَحَيَّفْتُ الشيء أخذته من جوانبه «١» .
حاق
قوله تعالى: وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
[هود/ ٨] . قال : وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
[فاطر/ ٤٣] ، أي: لا ينزل ولا يصيب، قيل: وأصله حقّ فقلب، نحو: زلّ وزال، وقد قرئ: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ [البقرة/ ٣٦] ، وأزالهما «٢» وعلى هذا: ذمّه وذامه.
حول
أصل الحَوْل تغيّر الشيء وانفصاله عن غيره، وباعتبار التّغيّر قيل: حَالَ الشيء يَحُولُ حُؤُولًا، واستحال: تهيّأ لأن يحول، وباعتبار الانفصال قيل: حَالَ بيني وبينك كذا، وقوله تعالى:
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال/ ٢٤] ، فإشارة إلى ما قيل في وصفه: (يا مقلّب القلوب والأبصار) «٣» ، وهو أن يلقي في قلب الإنسان ما يصرفه عن مراده لحكمة تقتضي ذلك، وقيل: على ذلك وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ
[سبأ/ ٥٤] ، وقال بعضهم في قوله:
يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال/ ٢٤] ، هو أن يهلكه، أو يردّه إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا «٤» ، وحَوَّلْتُ الشيء فَتَحَوَّلَ:
غيّرته، إمّا بالذات، وإمّا بالحكم والقول، ومنه:
أَحَلْتُ على فلان بالدّين. وقولك: حوّلت الكتاب هو أن تنقل صورة ما فيه إلى غيره من غير إزالة الصّورة الأولى، وفي المثل «٥» : لو كان ذا حيلة لتحوّل، وقوله : لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا
[الكهف/ ١٠٨] ، أي: تحوّلا.
والحَوْلُ: السّنة، اعتبارا بانقلابها ودوران الشّمس في مطالعها ومغاربها، قال الله تعالى:
стр. 249
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [البقرة/ ٢٣٣] ، وقوله : مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ [البقرة/ ٢٤٠] . ومنه:
حَالَتِ السّنة تَحُولُ، وحَالَتِ الدّار: تغيّرت، وأَحَالَتْ وأَحْوَلَتْ: أتى عليها الحول «١» ، نحو:
أعامت وأشهرت، وأَحَال فلان بمكان كذا: أقام به حولا، وحَالَتِ النّاقة تَحُولُ حِيَالًا: إذا لم تحمل «٢» ، وذلك لتغيّر ما جرت به عادتها، والحالُ: لما يختصّ به الإنسان وغيره من أموره المتغيّرة في نفسه وجسمه وقنيته، والحول: ما له من القوّة في أحد هذه الأصول الثّلاثة، ومنه قيل: لا حول ولا قوّة إلّا بالله، وحَوْلُ الشيء:
جانبه الذي يمكنه أن يحوّل إليه، قال :
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ [غافر/ ٧] ، والحِيلَة والحُوَيْلَة: ما يتوصّل به إلى حالة ما في خفية، وأكثر استعمالها فيما في تعاطيه خبث، وقد تستعمل فيما فيه حكمة، ولهذا قيل في وصف الله : وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ
[الرعد/ ١٣] ، أي: الوصول في خفية من النّاس إلى ما فيه حكمة، وعلى هذا النّحو وصف بالمكر والكيد لا على الوجه المذموم، تعالى الله عن القبيح. والحيلة من الحول، ولكن قلبت واوها ياء لانكسار ما قبلها، ومنه قيل: رجل حُوَلٌ «٣» ، وأمّا المُحَال: فهو ما جمع فيه بين المتناقضين، وذلك يوجد في المقال، نحو أن يقال: جسم واحد في مكانين في حالة واحدة، واستحال الشيء: صار محالا، فهو مُسْتَحِيل. أي: آخذ في أن يصير محالا، والحِوَلَاء: لما يخرج مع الولد «٤» . ولا أفعل كذا ما أرزمت أمّ حائل «٥» ، وهي الأنثى من أولاد النّاقة إذا تحوّلت عن حال الاشتباه فبان أنها أنثى، ويقال للذّكر بإزائها: سقب. والحال تستعمل في اللّغة للصّفة التي عليها الموصوف، وفي تعارف أهل المنطق لكيفيّة سريعة الزّوال، نحو: حرارة وبرودة، ويبوسة ورطوبة عارضة.
حين
الحين: وقت بلوغ الشيء وحصوله، وهو مبهم المعنى ويتخصّص بالمضاف إليه، نحو قوله تعالى: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ [ص/ ٣] ، ومن قال حين يأتي على أوجه: للأجل، نحو:
فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ [الصافات/ ١٤٨] ، وللسّنة، نحو قوله تعالى: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ
стр. 250
بِإِذْنِ رَبِّها [إبراهيم/ ٢٥] ، وللساعة، نحو:
حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [الروم/ ١٧] ، وللزّمان المطلق، نحو: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ [الدهر/ ١] ، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [ص/ ٨٨] . فإنما فسّر ذلك بحسب ما وجده قد علق به، ويقال:
عاملته مُحَايَنَة: حينا وحينا، وأَحْيَنْتُ بالمكان:
أقمت به حينا، وحَانَ حِينُ كذا، أي: قرب أوانه، وحَيَّنْتُ الشيء: جعلت له حينا، والحِينُ عبّر به عن حين الموت.
حيى
الحياة تستعمل على أوجه:
الأوّل: للقوّة النّامية الموجودة في النّبات والحيوان، ومنه قيل: نبات حَيٌّ، قال :
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
[الحديد/ ١٧] ، وقال تعالى: وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً
[ق/ ١١] ، وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء/ ٣٠] .
الثانية: للقوّة الحسّاسة، وبه سمّي الحيوان حيوانا، قال : وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ
[فاطر/ ٢٢] ، وقوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً [المرسلات/ ٢٥- ٢٦] ، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت/ ٣٩] ، فقوله: إِنَّ الَّذِي أَحْياها إشارة إلى القوّة النّامية، وقوله:
لَمُحْيِ الْمَوْتى إشارة إلى القوّة الحسّاسة.
الثالثة: للقوّة العاملة العاقلة، كقوله تعالى:
أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [الأنعام/ ١٢٢] ، وقول الشاعر:
١٣٠-
وقد أسمعت لو ناديت حيّا ... ولكن لا حياة لمن تنادي
«١» والرابعة: عبارة عن ارتفاع الغمّ، وبهذا النظر قال الشاعر:
١٣١-
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميّت الأحياء
«٢» وعلى هذا قوله : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [آل عمران/ ١٦٩] ، أي: هم