وذلك كلّ جمع منضمّ بعضه إلى بعض، وحُزْتُ الشيء أَحُوزُهُ حَوْزاً، وحمى حَوْزَتَهُ، أي:
جمعه، وتَحَوَّزَتِ الحيّة وتَحَيَّزَتْ، أي: تلوّت «١» ، والأَحْوَزِيُّ: الذي جمع حوزه متشمّرا، وعبّر به عن الخفيف السّريع.
حاشى
قال الله تعالى: وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ
[يوسف/ ٣١] أي: بعدا منه. قال أبو عبيدة: هي تنزيه واستثناء «٢» ، وقال أبو عليّ الفسويّ ﵀ «٣» : حَاشَ ليس باسم، لأنّ حرف الجرّ لا يدخل على مثله، وليس بحرف لأن الحرف لا يحذف منه ما لم يكن مضعّفا، تقول: حَاشَ وحَاشَى، فمنهم من جعل حاش أصلا في بابه، وجعله من لفظة الحوش أي: الوحش، ومنه: حوشيّ الكلام.
وقيل: الحَوْشُ فحول جنّ نسبت إليها وحشة الصّيد. وأَحَشْتَهُ: إذا جئته من حواليه، لتصرفه إلى الحبالة، واحْتَوَشُوهُ وتَحَوَّشُوهُ: أتوه من جوانبه. والحَوْشُ: أن يأكل الإنسان من جانب الطعام «٤» ، ومنهم من حمل ذلك مقلوبا من حشى، ومنه الحاشية وقال:
١٢٧-
وما أحاشي من الأقوام من أحد
«٥» كأنه قال: لا أجعل أحدا في حشا واحد فأستثنيه من تفضيلك عليه، قال الشاعر:
١٢٨-
ولا يتحشّى الفحل إن أعرضت به ... ولا يمنع المرباع منه فصيلها
«٦» يصف إنسانا بالجود، وأنه يطعم وينحر كلّ ما يعرض له من الفحل وغيره.
حاص
قال تعالى: هَلْ مِنْ مَحِيصٍ
[ق/ ٣٦] ، وقوله تعالى: ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم/
стр. 247
٢١] ، أصله من حَيْص بيص أي: شدّة، وحَاصَ عن الحقّ يَحِيصُ، أي: حاد عنه إلى شدّة ومكروه. وأمّا الحوص فخياطة الجلد ومنه حصت عين الصّقر «١» .
حيض
الحيض: الدّم الخارج من الرّحم على وصف مخصوص في وقت مخصوص، والمَحِيض: الحيض ووقت الحيض وموضعه، على أنّ المصدر في هذا النّحو من الفعل يجيء على مفعل، نحو: معاش ومعاد، وقول الشاعر:
١٢٩-
لا يستطيع بها القراد مقيلا
«٢» أي مكانا للقيلولة، وإن كان قد قيل: هو مصدر، ويقال: ما في برّك مكيل ومكال «٣» .
حيط
الحائط: الجدار الذي يَحُوط بالمكان، والإحاطة تقال على وجهين:
أحدهما: في الأجسام نحو: أَحَطْتُ بمكان كذا، أو تستعمل في الحفظ نحو: إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ
[فصلت/ ٥٤] ، أي: حافظ له من جميع جهاته، وتستعمل في المنع نحو:
إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ [يوسف/ ٦٦] ، أي: إلّا أن تمنعوا، وقوله: أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة/ ٨١] ، فذلك أبلغ استعارة، وذاك أنّ الإنسان إذا ارتكب ذنبا واستمرّ عليه استجرّه إلى معاودة ما هو أعظم منه، فلا يزال يرتقي حتى يطبع على قلبه، فلا يمكنه أن يخرج عن تعاطيه.
والاحتياط: استعمال ما فيه الحياطة، أي:
الحفظ.
والثاني: في العلم نحو قوله: أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً [الطلاق/ ١٢] ، وقوله :
إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران/ ١٢٠] ، وقوله: إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [هود/ ٩٢] . والإحاطة بالشيء علما هي أن تعلم وجوده وجنسه وقدره وكيفيّته، وغرضه المقصود به وبإيجاده، وما يكون به ومنه، وذلك ليس إلّا لله تعالى، وقال : بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ [يونس/ ٣٩] ، فنفى ذلك عنهم. وقال صاحب موسى: وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً [الكهف/
стр. 248
٦٨] ، تنبيها أنّ الصّبر التّامّ إنّما يقع بعد إحاطة العلم بالشيء، وذلك صعب إلّا بفيض إلهيّ.
وقوله : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ [يونس/ ٢٢] ، فذلك إحاطة بالقدرة، وكذلك قوله : وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها [الفتح/ ٢١] ، وعلى ذلك قوله:
إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ [هود/ ٨٤] .
حيف
الحَيْفُ: الميل في الحكم والجنوح إلى أحد الجانبين، قال الله تعالى: أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
[النور/ ٥٠] ، أي: يخافون أن يجور في حكمه. ويقال تَحَيَّفْتُ الشيء أخذته من جوانبه «١» .
حاق
قوله تعالى: وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
[هود/ ٨] . قال : وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
[فاطر/ ٤٣] ، أي: لا ينزل ولا يصيب، قيل: وأصله حقّ فقلب، نحو: زلّ وزال، وقد قرئ: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ [البقرة/ ٣٦] ، وأزالهما «٢» وعلى هذا: ذمّه وذامه.
حول
أصل الحَوْل تغيّر الشيء وانفصاله عن غيره، وباعتبار التّغيّر قيل: حَالَ الشيء يَحُولُ حُؤُولًا، واستحال: تهيّأ لأن يحول، وباعتبار الانفصال قيل: حَالَ بيني وبينك كذا، وقوله تعالى:
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال/ ٢٤] ، فإشارة إلى ما قيل في وصفه: (يا مقلّب القلوب والأبصار) «٣» ، وهو أن يلقي في قلب الإنسان ما يصرفه عن مراده لحكمة تقتضي ذلك، وقيل: على ذلك وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ
[سبأ/ ٥٤] ، وقال بعضهم في قوله:
يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال/ ٢٤] ، هو أن يهلكه، أو يردّه إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا «٤» ، وحَوَّلْتُ الشيء فَتَحَوَّلَ:
غيّرته، إمّا بالذات، وإمّا بالحكم والقول، ومنه:
أَحَلْتُ على فلان بالدّين. وقولك: حوّلت الكتاب هو أن تنقل صورة ما فيه إلى غيره من غير إزالة الصّورة الأولى، وفي المثل «٥» : لو كان ذا حيلة لتحوّل، وقوله : لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا
[الكهف/ ١٠٨] ، أي: تحوّلا.
والحَوْلُ: السّنة، اعتبارا بانقلابها ودوران الشّمس في مطالعها ومغاربها، قال الله تعالى:
стр. 249
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [البقرة/ ٢٣٣] ، وقوله : مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ [البقرة/ ٢٤٠] . ومنه:
حَالَتِ السّنة تَحُولُ، وحَالَتِ الدّار: تغيّرت، وأَحَالَتْ وأَحْوَلَتْ: أتى عليها الحول «١» ، نحو:
أعامت وأشهرت، وأَحَال فلان بمكان كذا: أقام به حولا، وحَالَتِ النّاقة تَحُولُ حِيَالًا: إذا لم تحمل «٢» ، وذلك لتغيّر ما جرت به عادتها، والحالُ: لما يختصّ به الإنسان وغيره من أموره المتغيّرة في نفسه وجسمه وقنيته، والحول: ما له من القوّة في أحد هذه الأصول الثّلاثة، ومنه قيل: لا حول ولا قوّة إلّا بالله، وحَوْلُ الشيء:
جانبه الذي يمكنه أن يحوّل إليه، قال :
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ [غافر/ ٧] ، والحِيلَة والحُوَيْلَة: ما يتوصّل به إلى حالة ما في خفية، وأكثر استعمالها فيما في تعاطيه خبث، وقد تستعمل فيما فيه حكمة، ولهذا قيل في وصف الله : وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ
[الرعد/ ١٣] ، أي: الوصول في خفية من النّاس إلى ما فيه حكمة، وعلى هذا النّحو وصف بالمكر والكيد لا على الوجه المذموم، تعالى الله عن القبيح. والحيلة من الحول، ولكن قلبت واوها ياء لانكسار ما قبلها، ومنه قيل: رجل حُوَلٌ «٣» ، وأمّا المُحَال: فهو ما جمع فيه بين المتناقضين، وذلك يوجد في المقال، نحو أن يقال: جسم واحد في مكانين في حالة واحدة، واستحال الشيء: صار محالا، فهو مُسْتَحِيل. أي: آخذ في أن يصير محالا، والحِوَلَاء: لما يخرج مع الولد «٤» . ولا أفعل كذا ما أرزمت أمّ حائل «٥» ، وهي الأنثى من أولاد النّاقة إذا تحوّلت عن حال الاشتباه فبان أنها أنثى، ويقال للذّكر بإزائها: سقب. والحال تستعمل في اللّغة للصّفة التي عليها الموصوف، وفي تعارف أهل المنطق لكيفيّة سريعة الزّوال، نحو: حرارة وبرودة، ويبوسة ورطوبة عارضة.
حين
الحين: وقت بلوغ الشيء وحصوله، وهو مبهم المعنى ويتخصّص بالمضاف إليه، نحو قوله تعالى: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ [ص/ ٣] ، ومن قال حين يأتي على أوجه: للأجل، نحو:
فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ [الصافات/ ١٤٨] ، وللسّنة، نحو قوله تعالى: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ
стр. 250
بِإِذْنِ رَبِّها [إبراهيم/ ٢٥] ، وللساعة، نحو:
حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [الروم/ ١٧] ، وللزّمان المطلق، نحو: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ [الدهر/ ١] ، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [ص/ ٨٨] . فإنما فسّر ذلك بحسب ما وجده قد علق به، ويقال:
عاملته مُحَايَنَة: حينا وحينا، وأَحْيَنْتُ بالمكان:
أقمت به حينا، وحَانَ حِينُ كذا، أي: قرب أوانه، وحَيَّنْتُ الشيء: جعلت له حينا، والحِينُ عبّر به عن حين الموت.
حيى
الحياة تستعمل على أوجه:
الأوّل: للقوّة النّامية الموجودة في النّبات والحيوان، ومنه قيل: نبات حَيٌّ، قال :
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
[الحديد/ ١٧] ، وقال تعالى: وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً
[ق/ ١١] ، وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء/ ٣٠] .
الثانية: للقوّة الحسّاسة، وبه سمّي الحيوان حيوانا، قال : وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ
[فاطر/ ٢٢] ، وقوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً [المرسلات/ ٢٥- ٢٦] ، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت/ ٣٩] ، فقوله: إِنَّ الَّذِي أَحْياها إشارة إلى القوّة النّامية، وقوله:
لَمُحْيِ الْمَوْتى إشارة إلى القوّة الحسّاسة.
الثالثة: للقوّة العاملة العاقلة، كقوله تعالى:
أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [الأنعام/ ١٢٢] ، وقول الشاعر:
١٣٠-
وقد أسمعت لو ناديت حيّا ... ولكن لا حياة لمن تنادي
«١» والرابعة: عبارة عن ارتفاع الغمّ، وبهذا النظر قال الشاعر:
١٣١-
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميّت الأحياء
«٢» وعلى هذا قوله : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [آل عمران/ ١٦٩] ، أي: هم
стр. 251
متلذّذون، لما روي في الأخبار الكثيرة في أرواح الشّهداء «١» .
والخامسة: الحياة الأخرويّة الأبديّة، وذلك يتوصّل إليه بالحياة التي هي العقل والعلم، قال الله تعالى: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال/ ٢٤] «٢» ، وقوله: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي [الفجر/ ٢٤] ، يعني بها: الحياة الأخرويّة الدّائمة.
والسادسة: الحياة التي يوصف بها الباري، فإنه إذا قيل فيه تعالى: هو حيّ، فمعناه: لا يصحّ عليه الموت، وليس ذلك إلّا لله .
والحياة باعتبار الدّنيا والآخرة ضربان:
الحياة الدّنيا، والحياة الآخرة: قال :
فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا [النازعات/ ٣٨] ، وقال : اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ [البقرة/ ٨٦] ، وقال تعالى: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ [الرعد/ ٢٦] ، أي: الأعراض الدّنيويّة، وقال: وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها [يونس/ ٧] ، وقوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [البقرة/ ٩٦] ، أي: حياة الدّنيا، وقوله : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [البقرة/ ٢٦٠] ، كان يطلب أن يريه الحياة الأخرويّة المعراة عن شوائب الآفات الدّنيويّة. وقوله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة/ ١٧٩] ، أي: يرتدع بالقصاص من يريد الإقدام على القتل، فيكون في ذلك حياة الناس. وقال : وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً [المائدة/ ٣٢] ، أي: من نجّاها من الهلاك، وعلى هذا قوله مخبرا عن إبراهيم: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة/ ٢٥٨] ، أي:
أعفو فيكون إحياء. والحَيَوَانُ: مقرّ الحياة، ويقال على ضربين: أحدهما: ما له الحاسّة، والثاني:
ما له البقاء الأبديّ، وهو المذكور في قوله : وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت/ ٦٤] ، وقد نبّه بقوله:
لَهِيَ الْحَيَوانُ أنّ الحيوان الحقيقيّ السّرمديّ الذي لا يفنى، لا ما يبقى مدّة ثم يفنى، وقال بعض أهل اللّغة: الحَيَوَان والحياة واحد «٣» ، وقيل: الحَيَوَان: ما فيه الحياة، والموتان ما ليس فيه الحياة. والحَيَا: المطر، لأنه يحيي الأرض بعد موتها، وإلى هذا أشار بقوله تعالى:
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء/ ٣٠] ، وقوله تعالى: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى
[مريم/ ٧] ، فقد نبّه أنه سمّاه بذلك
стр. 252
من حيث إنه لم تمته الذّنوب، كما أماتت كثيرا من ولد آدم ﷺ ، لا أنه كان يعرف بذلك فقط فإنّ هذا قليل الفائدة. وقوله : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ [يونس/ ٣١] ، أي: يخرج الإنسان من النّطفة، والدّجاجة من البيضة، ويخرج النّبات من الأرض، ويخرج النّطفة من الإنسان. وقوله : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها
[النساء/ ٨٦] ، وقوله تعالى: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النور/ ٦١] ، فَالتَّحِيَّة أن يقال: حيّاك الله، أي: جعل لك حياة، وذلك إخبار، ثم يجعل دعاء. ويقال: حَيَّا فلان فلانا تَحِيَّة إذا قال له ذلك، وأصل التّحيّة من الحياة، ثمّ جعل ذلك دعاء تحيّة، لكون جميعه غير خارج عن حصول الحياة، أو سبب حياة إمّا في الدّنيا، وأمّا في الآخرة، ومنه «التّحيّات لله» «١» وقوله : وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ [البقرة/ ٤٩] ، أي: يستبقونهنّ، والحَياءُ:
انقباض النّفس عن القبائح وتركه، لذلك يقال:
حيي فهو حيّ «٢» ، واستحيا فهو مستحي، وقيل:
استحى فهو مستح، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها [البقرة/ ٢٦] ، وقال : وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [الأحزاب/ ٥٣] ، وروي: «إنّ الله تعالى يستحي من ذي الشّيبة المسلم أن يعذّبه» «٣» فليس يراد به انقباض النّفس، إذ هو تعالى منزّه عن الوصف بذلك وإنّما المراد به ترك تعذيبه، وعلى هذا ما روي: «إنّ الله حَيِيٌّ» «٤» أي: تارك للقبائح فاعل للمحاسن.
стр. 253
حوايا
الحَوَايَا: جمع حَوِيَّة، وهي الأمعاء ويقال للكساء الذي يلفّ به السّنام: حويّة، وأصله من:
حَوَيْتُ كذا حَيّاً وحَوَايَةً «١» ، قال الله تعالى: أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ [الأنعام/ ١٤٦] .
قوله : فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى
[الأعلى/ ٥] ، أي: شديد السّواد وذلك إشارة إلى الدّرين «٢» ، نحو:
١٣٢-
وطال حبس بالدّرين الأسود
«٣» وقيل تقديره: والّذي أخرج المرعى أحوى، فجعله غثاء «٤» ، والحُوَّة: شدّة الخضرة، وقد احْوَوَى يَحْوَوِي احْوِوَاءً، نحو ارعوى، وقيل ليس لهما نظير، وحَوَى حُوَّةً، ومنه: أَحْوَى وحَوَّاء «٥» .
تمّ كتاب الحاء
стр. 254
كتاب الخاء
خبت
الخَبْتُ: المطمئن من الأرض، وأَخْبَتَ الرّجل: قصد الخبت، أو نزله، نحو: أسهل وأنجد، ثمّ استعمل الإخبات استعمال اللّين والتّواضع، قال الله تعالى: وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ [هود/ ٢٣] ، وقال تعالى: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ
[الحج/ ٣٤] ، أي: المتواضعين، نحو: لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ [الأعراف/ ٢٠٦] ، وقوله تعالى: فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ [الحج/ ٥٤] ، أي: تلين وتخشع، والإخبات هاهنا قريب من الهبوط في قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [البقرة/ ٧٤] «١» .
خبث
الخُبْثُ والخَبِيثُ: ما يكره رداءة وخساسة، محسوسا كان أو معقولا، وأصله الرّديء الدّخلة «٢» الجاري مجرى خَبَثِ الحديد، كما قال الشاعر:
١٣٣-
سبكناه ونحسبه لجينا ... فأبدى الكير عن خبث الحديد
«٣» وذلك يتناول الباطل في الاعتقاد، والكذب في المقال، والقبيح في الفعال، قال :
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ
[الأعراف/ ١٥٧] ، أي: ما لا يوافق النّفس من المحظورات، وقوله تعالى: وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ [الأنبياء/ ٧٤] ، فكناية عن إتيان الرّجال. وقال تعالى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران/ ١٧٩] ، أي: الأعمال الخبيثة من الأعمال الصالحة، والنّفوس الخبيثة من النّفوس الزّكيّة. وقال تعالى: وَلا تَتَبَدَّلُوا
стр. 255
الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ [النساء/ ٢] ، أي: الحرام بالحلال، وقال تعالى: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ [النور/ ٢٦] ، أي:
الأفعال الرّديّة والاختيارات المبهرجة لأمثالها، وكذا: الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ، وقال تعالى: قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ [المائدة/ ١٠٠] ، أي: الكافر والمؤمن، والأعمال الفاسدة والأعمال الصّالحة، وقوله تعالى: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ [إبراهيم/ ٢٦] ، فإشارة إلى كلّ كلمة قبيحة من كفر وكذب ونميمة وغير ذلك، وقال ﷺ : «المؤمن أطيب من عمله، والكافر أخبث من عمله» «١» ويقال: خبيث مُخْبِث، أي: فاعل الخبث.
خبر
الخُبْرُ: العلم بالأشياء المعلومة من جهة الخَبَر، وخَبَرْتُهُ خُبْراً وخِبْرَة، وأَخْبَرْتُ: أعلمت بما حصل لي من الخبر، وقيل الخِبْرَة المعرفة ببواطن الأمر، والخَبَار والخَبْرَاء: الأرض اللّيِّنة «٢» ، وقد يقال ذلك لما فيها من الشّجر، والمخابرة: مزارعة الخبار بشيء معلوم، والخَبِيرُ: الأكّار فيه، والخبر «٣» : المزادة العظيمة، وشبّهت بها النّاقة فسمّيت خبرا، وقوله تعالى: وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [آل عمران/ ١٥٣] ، أي: عالم بأخبار أعمالكم، وقيل أي:
عالم ببواطن أموركم، وقيل: خبير بمعنى مخبر، كقوله: فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [المائدة/ ١٠٥] ، وقال تعالى: وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [محمد/ ٣١] ، قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ [التوبة/ ٩٤] ، أي: من أحوالكم التي نخبر عنها.
خبز
الخُبْز معروف قال الله تعالى: أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً [يوسف/ ٣٦] ، والخُبْزَة: ما يجعل في الملّة، والخَبْزُ: اتّخاذه، واختبزت:
إذا أمرت بخبزه، والخِبَازَة صنعته، واستعير الخبز للسّوق الشّديد، لتشبيه هيئة السّائق بالخابز.
خبط
الخَبْط: الضّرب على غير استواء، كخبط البعير الأرض بيده، والرّجل الشّجر بعصاه، ويقال للمخبوط: خَبَطٌ «٤» ، كما يقال للمضروب: ضرب، واستعير لعسف السّلطان فقيل: سلطان خَبُوط، واختباط المعروف: طلبه بعسف تشبيها بخبط الورق، وقوله تعالى:
يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ
[البقرة/
стр. 256
٢٧٥] ، فيصحّ أن يكون من خبط الشّجر، وأن يكون من الاختباط الذي هو طلب المعروف، يروى عنه ﷺ : «اللهمّ إنّي أعوذ بك أن يتخبّطني الشّيطان من المسّ» «١» .
خبل
الخَبَالُ الفساد الذي يلحق الحيوان فيورثه اضطرابا، كالجنون والمرض المؤثّر في العقل والفكر، ويقال: خَبَلٌ وخَبْلٌ وخَبَال، ويقال:
خَبَلَهُ وخَبَّلَهُ فهو خَابِل، والجمع الخُبَّل، ورجل مُخَبَّل، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا [آل عمران/ ١١٨] ، وقال : ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا [التوبة/ ٤٧] ، وفي الحديث: «من شرب الخمر ثلاثا كان حقّا على الله تعالى أن يسقيه من طينة الخبال» «٢» قال زهير:
١٣٤-
هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا
«٣» أي: إن طلب منهم إفساد شيء من إبلهم أفسدوه.
خبو
خَبَتِ النار تَخْبُو: سكن لهبها، وصار عليها خباء من رماد، أي غشاء، وأصل الخِبَاء الغطاء الذي يتغطّى به، وقيل لغشاء السّنبلة خباء، قال : كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً [الإسراء/ ٩٧] .
خبء
يُخْرِجُ الْخَبْءَ
[النمل/ ٢٥] ، يقال ذلك لكلّ مدّخر مستور، ومنه قيل: جارية مُخْبَأَة، والخُبأة: الجارية التي تظهر مرّة، وتخبأ أخرى، والخِبَاءُ: سمة في موضع خفيّ.
ختر
الخَتْرُ: غدر يَخْتِرُ فيه الإنسان، أي: يضعف ويكسر لاجتهاده فيه، قال الله تعالى: كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ
[لقمان/ ٣٢] .
ختم
الخَتْمُ والطّبع يقال على وجهين: مصدر خَتَمْتُ وطبعت، وهو تأثير الشيء كنقش الخاتم
стр. 257
والطّابع. والثاني: الأثر الحاصل عن النّقش، ويتجوّز بذلك تارة في الاستيثاق من الشيء، والمنع منه اعتبارا بما يحصل من المنع بالختم على الكتب والأبواب، نحو: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [البقرة/ ٧] ، وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ [الجاثية/ ٢٣] ، وتارة في تحصيل أثر عن شيء اعتبارا بالنقش الحاصل، وتارة يعتبر منه بلوغ الآخر، ومنه قيل: ختمت القرآن، أي:
انتهيت إلى آخره، فقوله: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [البقرة/ ٧] ، وقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ [الأنعام/ ٤٦] ، إشارة إلى ما أجرى الله به العادة أنّ الإنسان إذا تناهى في اعتقاد باطل، أو ارتكاب محظور- ولا يكون منه تلفّت بوجه إلى الحقّ- يورثه ذلك هيئة تمرّنه على استحسان المعاصي، وكأنما يختم بذلك على قلبه، وعلى ذلك: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ [النحل/ ١٠٨] ، وعلى هذا النّحو استعارة الإغفال في قوله : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا [الكهف/ ٢٨] ، واستعارة الكنّ في قوله تعالى: وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ [الأنعام/ ٢٥] ، واستعارة القساوة في قوله تعالى: وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً [المائدة/ ١٣] ، قال الجبّائيّ «١» : يجعل الله ختما على قلوب الكفّار، ليكون دلالة للملائكة على كفرهم فلا يدعون لهم «٢» ، وليس ذلك بشيء فإنّ هذه الكتابة إن كانت محسوسة فمن حقّها أن يدركها أصحاب التّشريح، وإن كانت معقولة غير محسوسة فالملائكة باطّلاعهم على اعتقاداتهم مستغنية عن الاستدلال. وقال بعضهم: ختمه شهادته تعالى عليه أنه لا يؤمن، وقوله تعالى:
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ [يس/ ٦٥] ، أي: نمنعهم من الكلام، وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ
[الأحزاب/ ٤٠] ، لأنه خَتَمَ النّبوّة، أي: تمّمها بمجيئه. وقوله : خِتامُهُ مِسْكٌ
[المطففين/ ٢٦] ، قيل: ما يختم به، أي:
يطبع، وإنما معناه: منقطعه وخاتمة شربه، أي:
سؤره في الطيّب مسك، وقول من قال يختم بالمسك «٣» أي: يطبع، فليس بشيء، لأنّ الشّراب يجب أن يطيّب في نفسه، فأمّا ختمه بالطّيب فليس ممّا يفيده، ولا ينفعه طيب خاتمه ما لم يطب في نفسه.
خد
قال الله تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ
[البروج/ ٤] . الخَدُّ والأخدود: شقّ في الأرض
стр. 258
مستطيل غائص، وجمع الأخدود أَخَادِيد، وأصل ذلك من خَدَّيِ الإنسان، وهما: ما اكتنفا الأنف عن اليمين والشمال. والخَدّ يستعار للأرض، ولغيرها كاستعارة الوجه، وتَخَدُّدُ اللّحمِ: زواله عن وجه الجسم، يقال: خَدَّدْتُهُ فَتَخَدَّدَ.
خدع
الخِدَاع: إنزال الغير عمّا هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه، قال تعالى:
يُخادِعُونَ اللَّهَ
[البقرة/ ٩] ، أي: يخادعون رسوله وأولياءه، ونسب ذلك إلى الله تعالى من حيث إنّ معاملة الرّسول كمعاملته، ولذلك قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الفتح/ ١٠] ، وجعل ذلك خداعا تفظيعا لفعلهم، وتنبيها على عظم الرّسول وعظم أوليائه. وقول أهل اللّغة: إنّ هذا على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، فيجب أن يعلم أنّ المقصود بمثله في الحذف لا يحصل لو أتي بالمضاف المحذوف لما ذكرنا من التّنبيه على أمرين: أحدهما: فظاعة فعلهم فيما تحرّوه من الخديعة، وأنّهم بمخادعتهم إيّاه يخادعون الله، والثاني: التّنبيه على عظم المقصود بالخداع، وأنّ معاملته كمعاملة الله، كما نبّه عليه بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ ... الآية [الفتح/ ١٠] ، وقوله تعالى:
وَهُوَ خادِعُهُمْ
[النساء/ ١٤٢] ، قيل معناه:
مجازيهم بالخداع، وقيل: على وجه آخر مذكور في قوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [آل عمران/ ٥٤] «١» ، وقيل: خَدَعَ الضَّبُّ أي:
استتر في جحره، واستعمال ذلك في الضّبّ أنه يعدّ عقربا تلدغ من يدخل يديه في جحره، حتى قيل: العقرب بوّاب الضّبّ وحاجبه «٢» ، ولاعتقاد الخديعة فيه قيل: أَخْدَعُ من ضبّ «٣» ، وطريق خَادِع وخَيْدَع: مضلّ، كأنه يخدع سالكه. والمَخْدَع:
بيت في بيت، كأنّ بانيه جعله خادعا لمن رام تناول ما فيه، وخَدَعَ الريق: إذا قلّ «٤» ، متصوّرا منه هذا المعنى، والأَخْدَعَان «٥» تصوّر منهما الخداع لاستتارهما تارة، وظهورهما تارة، يقال:
خَدَعْتُهُ: قطعت أَخْدَعَهُ، وفي الحديث: «بين يدي السّاعة سنون خَدَّاعَة» «٦» أي: محتالة لتلوّنها بالجدب مرّة، وبالخصب مرّة.
стр. 259
خدن
قال الله تعالى: وَلا مُتَّ خِذ اتِ أَخْدانٍ
[النساء/ ٢٥] ، جمع خِدْن، أي المصاحب، وأكثر ذلك يستعمل فيمن يصاحب بشهوة، يقال:
خِدْنُ المرأة وخَدِينُهَا، وقول الشاعر:
١٣٥-
خدين العلى
«١» فاستعارة، كقولهم: يعشق العلى، ويشبّب بالنّدى وينسب بالمكارم.
خذل
قال تعالى: وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا
[الفرقان/ ٢٩] ، أي: كثير الخذلان، والخِذْلَان: ترك من يظنّ به أن ينصر نصرته، ولذلك قيل: خَذَلَتِ الوحشيّة ولدها، وتَخَاذَلَت رجلا فلان، ومنه قول الأعشى:
١٣٦-
بين مغلوب تليل خدّه ... وخَذُول الرّجل من غير كسح
«٢» ورجل خُذَلَة: كثيرا ما يخذل.
خذ
قال الله تعالى: فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الأعراف/ ١٤٤] ، وخُذُوهُ «٣» أصله من: أخذ، وقد تقدّم.
خر
فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ
[الحج/ ٣١] ، وقال تعالى: فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ [سبأ/ ١٤] ، وقال تعالى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل/ ٢٦] ، فمعنى خَرَّ سقط سقوطا يسمع منه خرير، والخَرِير يقال لصوت الماء والرّيح وغير ذلك ممّا يسقط من علوّ.
وقوله تعالى: خَرُّوا سُجَّداً
[السجدة/ ١٥] ، فاستعمال الخرّ تنبيه على اجتماع أمرين:
السّقوط، وحصول الصّوت منهم بالتّسبيح، وقوله من بعده: وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [السجدة/ ١٥] ، فتنبيه أنّ ذلك الخرير كان تسبيحا بحمد الله لا بشيء آخر.
خرب
يقال: خَرِبَ المكان خَرَاباً، وهو ضدّ العمارة، قال الله تعالى: وَسَعى فِي خَرابِها [البقرة/ ١١٤] ، وقد أَخْرَبَه، وخَرَّبَهُ، قال الله تعالى: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ [الحشر/ ٢] ، فتخريبهم بأيديهم إنما كان لئلّا تبقى للنّبيّ ﷺ وأصحابه، وقيل:
كان بإجلائهم عنها. والخُرْبَة: شقّ واسع في
стр. 260
الأذن، تصوّرا أنه قد خرب أذنه، ويقال: رجل أَخْرَب، وامرأة خَرْبَاء، نحو: أقطع وقطعاء، ثمّ شبّه به الخرق في أذن المزادة، فقيل: خَرِبَة المزادة، واستعارة ذلك كاستعارة الأذن له، وجعل الخارب مختصّا بسارق الإبل، والخَرْب «١» :
ذكر الحبارى، وجمعه خِرْبَان، قال الشاعر:
١٣٧-
أبصر خربان فضاء فانكدر
«٢»
خرج
خَرَجَ خُرُوجاً: برز من مقرّه أو حاله، سواء كان مقرّه دارا، أو بلدا، أو ثوبا، وسواء كان حاله حالة في نفسه، أو في أسبابه الخارجة، قال تعالى: فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ [القصص/ ٢١] ، وقال تعالى: فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ [الأعراف/ ١٣] ، وقال: وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها [فصلت/ ٤٧] «٣» ، فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ [غافر/ ١١] ، يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها [المائدة/ ٣٧] ، والإِخْرَاجُ أكثر ما يقال في الأعيان، نحو: أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ
[المؤمنون/ ٣٥] ، وقال :
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ [الأنفال/ ٥] ، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً [الإسراء/ ١٣] ، وقال تعالى: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ [الأنعام/ ٩٣] ، وقال: أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ [النمل/ ٥٦] ، ويقال في التّكوين الذي هو من فعل الله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ [النحل/ ٧٨] ، فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى [طه/ ٥٣] ، وقال تعالى: يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ [الزمر/ ٢١] ، والتَّخْرِيجُ أكثر ما يقال في العلوم والصّناعات، وقيل لما يخرج من الأرض ومن وكر الحيوان ونحو ذلك: خَرْج وخَرَاج، قال الله تعالى: أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ [المؤمنون/ ٧٢] ، فإضافته إلى الله تعالى تنبيه أنه هو الذي ألزمه وأوجبه، والخرج أعمّ من الخراج، وجعل الخرج بإزاء الدّخل، وقال تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً [الكهف/ ٩٤] ، والخراج مختصّ في الغالب بالضّريبة على الأرض، وقيل: العبد يؤدّي خرجه، أي: غلّته، والرّعيّة تؤدّي إلى الأمير الخراج، والخَرْج أيضا من السحاب، وجمعه خُرُوج، وقيل: «الخراج بالضّمان» «٤» ،
стр. 261
أي: ما يخرج من مال البائع فهو بإزاء ما سقط عنه من ضمان المبيع، والخارجيّ: الذي يخرج بذاته عن أحوال أقرانه، ويقال ذلك تارة على سبيل المدح إذا خرج إلى منزلة من هو أعلى منه، وتارة يقال على سبيل الذّمّ إذا خرج إلى منزلة من هو أدنى منه، وعلى هذا يقال: فلان ليس بإنسان تارة على المدح كما قال الشاعر:
١٣٨-
فلست بإنسيّ ولكن لملأك ... تنزّل من جوّ السماء يصوب
«١» وتارة على الذّمّ نحو: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ [الفرقان/ ٤٤] ، والخَرَج: لونان من بياض وسواد، ويقال: ظليم أَخْرَجُ، ونعامة خَرْجَاء، وأرض مُخَرَّجَة «٢» : ذات لونين، لكون النبات منها في مكان دون مكان، والخَوَارِج لكونهم خارجين عن طاعة الإمام.
خرص
الخَرْص: حرز الثّمرة، والخَرْص:
المحروز، كالنّقض للمنقوض، وقيل: الخَرْص الكذب في قوله تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
[الزخرف/ ٢٠] ، قيل: معناه يكذبون. وقوله تعالى: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ
[الذاريات/ ١٠] ، قيل: لعن الكذّابون، وحقيقة ذلك: أنّ كلّ قول مقول عن ظنّ وتخمين يقال:
خَرْصٌ، سواء كان مطابقا للشيء أو مخالفا له، من حيث إنّ صاحبه لم يقله عن علم ولا غلبة ظنّ ولا سماع، بل اعتمد فيه على الظّنّ والتّخمين، كفعل الخارص في خرصه، وكلّ من قال قولا على هذا النحو قد يسمّى كاذبا- وإن كان قوله مطابقا للمقول المخبر عنه- كما حكي عن المنافقين في قوله : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ [المنافقون/ ١] .
خرط
قال تعالى: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ
[القلم/ ١٦] ، أي: نلزمه عارا لا ينمحي عنه، كقولهم: جدعت أنفه، والخرطوم: أنف الفيل، فسمّي أنفه خرطوما استقباحا له.
خرق
الخَرْقُ: قطع الشيء على سبيل الفساد من
стр. 262
غير تدبّر ولا تفكّر، قال تعالى: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها
[الكهف/ ٧١] ، وهو ضدّ الخلق، فإنّ الخلق هو فعل الشيء بتقدير ورفق، والخرق بغير تقدير، قال تعالى: وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام/ ١٠٠] ، أي: حكموا بذلك على سبيل الخرق، وباعتبار القطع قيل: خَرَقَ الثوبَ، وخَرَّقَه، وخَرَقَ المفاوز، واخْتَرَقَ الرّيح. وخصّ الخَرْق والخريق بالمفاوز الواسعة، إمّا لاختراق الريح فيها، وإمّا لتخرّقها في الفلاة، وخصّ الخرق بمن ينخرق في السخاء «١» . وقيل لثقب الأذن إذا توسّع: خرق، وصبيّ أَخْرَقُ، وامرأة خَرْقَاء: مثقوبة الأذن ثقبا واسعا، وقوله تعالى: إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ
[الإسراء/ ٣٧] ، فيه قولان:
أحدهما: لن تقطع، والآخر: لن تثقب الأرض إلى الجانب الآخر، اعتبارا بالخرق في الأذن، وباعتبار ترك التقدير قيل: رجل أَخْرَقُ، وخَرِقُ، وامرأة خَرْقَاء، وشبّه بها الريح في تعسّف مرورها فقيل: ريح خرقاء. وروي: «ما دخل الخرق في شيء إلّا شانه» «٢» . ومن الخرق استعيرت المَخْرَقَة، وهو إظهار الخرق توصّلا إلى حيلة، والمِخْرَاق: شيء يلعب به، كأنّه يخرق لإظهار الشيء بخلافه، وخَرِقَ الغزال «٣» : إذا لم يحسن أن يعدو لخرقه.
خزن
الخَزْنُ: حفظ الشيء في الخِزَانَة، ثمّ يعبّر به عن كلّ حفظ كحفظ السّرّ ونحوه، وقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ [الحجر/ ٢١] ، وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[المنافقون/ ٧] ، فإشارة منه إلى قدرته تعالى على ما يريد إيجاده، أو إلى الحالة التي أشار إليها بقوله ﵇: «فرغ ربّكم من الخلق والخلق والرّزق والأجل» «٤» ، وقوله تعالى: فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ
[الحجر/ ٢٢] ، قيل معناه: حافظين له بالشّكر، وقيل: هو إشارة إلى ما أنبأ عنه قوله:
أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ ...
стр. 263
الآية [الواقعة/ ٦٩] ، والخَزَنَةُ: جمع الخازن، وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها [الزمر/ ٧١ و ٧٣] ، في صفة النار وصفة الجنّة، وقوله: لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ [الأنعام/ ٥٠] ، أي:
مقدوراته التي منعها الناس، لأنّ الخَزْنَ ضرب من المنع، وقيل: جوده الواسع وقدرته، وقيل:
هو قوله كن، والخَزْنُ في اللّحم أصله الادّخار، فكنّي به عن نتنه، يقال: خَزِنَ اللّحم «١» : إذا أنتن، وخنز بتقدّم النّون.
خزى
خَزِيَ الرّجل: لحقه انكسار، إمّا من نفسه، وإمّا من غيره. فالذي يلحقه من نفسه هو الحياء المفرط، ومصدره الخَزَايَة «٢» ورجل خَزْيَان، وامرأة خَزْيَى وجمعه خَزَايَا. وفي الحديث:
«اللهمّ احشرنا غير خزايا ولا نادمين» «٣» . والذي يلحقه من غيره يقال: هو ضرب من الاستخفاف، ومصدره الخِزْي، ورجل خز. قال تعالى: ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا [المائدة/ ٣٣] ، وقال تعالى: إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ [النحل/ ٢٧] ، فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [الزمر/ ٢٦] ، لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [فصلت/ ١٦] ، وقال: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى [طه/ ١٣٤] ، وأَخْزَى يقال من الخزاية والخزي جميعا، وقوله: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا [التحريم/ ٨] ، فهو من الخزي أقرب، وإن جاز أن يكون منهما جميعا، وقوله تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ [آل عمران/ ١٩٢] ، فمن الخزاية، ويجوز أن يكون من الخزي، وكذا قوله: مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ [هود/ ٣٩] ، وقوله: وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ [آل عمران/ ١٩٤] ، وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ [الحشر/ ٥] ، وقال:
وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي [هود/ ٧٨] ، وعلى نحو ما قلنا في خزي قولهم: ذلّ وهان، فإنّ ذلك متى كان من الإنسان نفسه يقال له: الهون والذّلّ، ويكون محمودا، ومتى كان من غيره يقال له: الهون، والهوان، والذّلّ، ويكون مذموما.
خسر
الخُسْرُ والخُسْرَان: انتقاص رأس المال، وينسب ذلك إلى الإنسان، فيقال: خَسِرَ فلان، وإلى الفعل فيقال: خسرت تجارته، قال تعالى:
تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ
[النازعات/ ١٢] ، ويستعمل ذلك في المقتنيات الخارجة كالمال والجاه في الدّنيا وهو الأكثر، وفي المقتنيات
стр. 264
النّفسيّة كالصّحّة والسّلامة، والعقل والإيمان، والثّواب، وهو الذي جعله الله تعالى الخسران المبين، وقال: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ [الزمر/ ١٥] ، وقوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
[البقرة/ ١٢١] ، وقوله: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ- إلى- أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [البقرة/ ٢٧] ، وقوله: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ [المائدة/ ٣٠] ، وقوله:
وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ [الرحمن/ ٩] ، يجوز أن يكون إشارة إلى تحرّي العدالة في الوزن، وترك الحيف فيما يتعاطاه في الوزن، ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى تعاطي ما لا يكون به ميزانه في القيامة خاسرا، فيكون ممّن قال فيه: وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ [الأعراف/ ٩] ، وكلا المعنيين يتلازمان، وكلّ خسران ذكره الله تعالى في القرآن فهو على هذا المعنى الأخير، دون الخسران المتعلّق بالمقتنيات الدّنيويّة والتّجارات البشريّة.
خسف
الخُسُوف للقمر، والكسوف للشمس «١» ، وقال بعضهم: الكسوف فيهما إذا زال بعض ضوئهما، والخسوف: إذا ذهب كلّه. ويقال خَسَفَهُ الله وخسف هو، قال تعالى: فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ [القصص/ ٨١] ، وقال: لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا [القصص/ ٨٢] ، وفي الحديث: «إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات الله لا يُخْسَفَانِ لموت أحد ولا لحياته» «٢» ، وعين خَاسِفَة: إذا غابت حدقتها، فمنقول من خسف القمر، وبئر مَخْسُوفَة: إذا غاب ماؤها ونزف، منقول من خسف الله القمر. وتصوّر من خسف القمر مهانة تلحقه، فاستعير الخسف للذّلّ، فقيل: تحمّل فلان خسفا.
خسأ
خَسَأْتُ الكلب فَخَسَأَ، أي: زجرته مستهينا به فانزجر، وذلك إذا قلت له: اخْسَأْ، قال تعالى في صفة الكفّار: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون/ ١٠٨] ، وقال تعالى: قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ
[البقرة/ ٦٥] ، ومنه: خَسَأَ البَصَرُ، أي انقبض عن مهانة، قال: خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ
[الملك/ ٤] .
خشب
قال تعالى: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ
[المنافقون/ ٤] ، شبّهوا بذلك لقلّة غنائهم، وهو جمع الخَشْب ومن لفظ الخشب قيل خَشَبْتَ
стр. 265
السيف: إذا صقلته بالخشب الذي هو المصقل، وسيف خَشِي ب قريب العهد بالصّقل، وجمل خَشِيب أي: جديد لم يُرَضْ، تشبيها بالسّيف الخشيب، وتَخَشَّبَتِ الإبل: أكلت الخشب، وجبهة خَشْبَاء: يابسة كالخشب، ويعبّر بها عمّن لا يستحي، وذلك كما يشبّه بالصّخر في نحو قول الشاعر:
١٣٩-
والصّخر هشّ عند وجهك في الصّلابة
«١» والمَخْشُوب: المخلوط به الخشب، وذلك عبارة عن الشيء الرّديء.
خشع
الخُشُوع: الضّراعة، وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح. والضّراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب ولذلك قيل فيما روي: روي: «إذا ضرع القلب خَشِعَتِ الجوارح» «٢» . قال تعالى: وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً [الإسراء/ ١٠٩] ، وقال: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
[المؤمنون/ ٢] ، وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ [الأنبياء/ ٩٠] ، وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ [طه/ ١٠٨] ، خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ [القلم/ ٤٣] ، أَبْصارُها خاشِعَةٌ
[النازعات/ ٩] ، كناية عنها وتنبيها على تزعزعها كقوله: إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا [الواقعة/ ٤] ، وإِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها [الزلزلة/ ١] ، يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً [الطور/ ٩- ١٠] .
خشى
الخَشْيَة: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خصّ العلماء بها في قوله: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[فاطر/ ٢٨] ، وقال: وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى [عبس/ ٨- ٩] ، مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ
[ق/ ٣٣] ، فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما [الكهف/ ٨٠] ، فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي
[البقرة/ ١٥٠] ، يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً [النساء/ ٧٧] ، وقال: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ [الأحزاب/ ٣٩] ، وَلْيَخْشَ الَّذِينَ ... الآية [النساء/ ٩] ، أي:
ليستشعروا خوفا من معرّته، وقال تعالى:
стр. 266
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الإسراء/ ٣١] ، أي: لا تقتلوهم معتقدين مخافة أن يلحقهم إملاق، لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ [النساء/ ٢٥] ، أي:
لمن خاف خوفا اقتضاه معرفته بذلك من نفسه.
خص
التّخصيص والاختصاص والخصوصيّة والتّخصّص: تفرّد بعض الشيء بما لا يشاركه فيه الجملة، وذلك خلاف العموم، والتّعمّم، والتّعميم، وخُصَّان «١» الرّجل: من يختصّه بضرب من الكرامة، والْخاصَّةُ: ضدّ العامّة، قال تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال/ ٢٥] ، أي: بل تعمّكم، وقد خَصَّهُ بكذا يخصّه، واختصّه يختصّه، قال: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ [آل عمران/ ٧٤] ، وخُصَاصُ البيت: فرجة، وعبّر عن الفقر الذي لم يسدّ بالخصاصة، كما عبّر عنه بالخلّة، قال: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
[الحشر/ ٩] ، وإن شئت قلت من الخصاص، والخُصُّ: بيت من قصب أو شجر، وذلك لما يرى فيه من الخصاصة.
خصف
قال تعالى: وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما
[الأعراف/ ٢٢] ، أي: يجعلان عليهما خَصَفَةً، وهي أوراق، ومنه قيل لجلّة التّمر: خَصَفَة «٢» ، وللثّياب الغليظة، جمعه خَصَفٌ «٣» ، ولما يطرق به الخفّ: خَصَفَة، وخَصَفْتُ النّعل بالمِخْصَف.
وروي: (كان النبيّ ﷺ يخصف نعله) «٤» ، وخَصَفْتُ الخصفة: نسجتها، والأخصف والخصيف قيل: الأبرق من الطّعام، وهو لونان من الطّعام، وحقيقته: ما جعل من اللّبن ونحوه في خصفة فيتلوّن بلونها.
خصم
الخَصْمُ مصدر خَصَمْتُهُ، أي: نازعته خَصْماً، يقال: خاصمته وخَصَمْتُهُ مُخَاصَمَةً وخِصَاماً، قال تعالى: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ [البقرة/ ٢٠٤] ، وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف/ ١٨] ، ثم سمّي المُخَاصِم خصما، واستعمل للواحد والجمع، وربّما ثنّي، وأصل المُخَاصَمَة: أن يتعلّق كلّ واحد بخصم الآخر، أي جانبه وأن يجذب كلّ واحد خصم الجوالق
стр. 267
من جانب، وروي: (نسيته في خصم فراشي) «١» والجمع خُصُوم وأخصام، وقوله: خَصْمانِ اخْتَصَمُوا
[الحج/ ١٩] ، أي: فريقان، ولذلك قال: اخْتَصَمُوا وقال: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ [ق/ ٢٨] ، وقال: وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ [الشعراء/ ٩٦] ، والخَصِيمُ:
الكثير المخاصمة، قال: هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [النحل/ ٤] ، والخَصِمُ: المختصّ بالخصومة، قال: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
[الزخرف/ ٥٨] .
خضد
قال الله: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ
[الواقعة/ ٢٨] ، أي: مكسور الشّوك، يقال: خَضَدْتُهُ فانخضد، فهو مخضود وخضيد، والخَضْدُ:
المخضود، كالنّقض في المنقوض، ومنه استعير: خَضَدَ عُنُقَ البعير، أي: كسر.
خضر
قال تعالى: فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً
[الحج/ ٦٣] ، وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ
[الكهف/ ٣١] ، فَخُضْرٌ جمع أخضر، والخُضْرَة: أحد الألوان بين البياض والسّواد، وهو إلى السّواد أقرب، ولهذا سمّي الأسود أخضر، والأخضر أسود قال الشاعر:
١٤٠-
قد أعسف النازح المجهول معسفه ... في ظلّ أخضر يدعو هامه البوم
«٢» وقيل: سواد العراق للموضع الذي يكثر فيه الخضرة، وسمّيت الخضرة بالدّهمة في قوله سبحانه: مُدْهامَّتانِ [الرحمن/ ٦٤] ، أي:
خضراوان، وقوله ﵇: «إيّاكم وخَضْرَاء الدّمن» «٣» فقد فسّره ﵇ حيث قال:
«المرأة الحسناء في منبت السّوء» ، والمخاضرة:
المبايعة على الخَضْرِ والثمار قبل بلوغها، والخضيرة: نخلة ينتثر بسرها أخضر.
خضع
قال الله: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ
стр. 268
[الأحزاب/ ٣٢] ، الخضوع: الخشوع، وقد تقدّم، ورجل خُضَعَة: كثير الخضوع، ويقال: خَضَعْتُ اللحم، أي: قطعته، وظليم أَخْضَعُ: في عنقه تطامن «١» .
خط
الخطّ كالمدّ، ويقال لما له طول، والخطوط أضرب فيما يذكره أهل الهندسة من مسطوح، ومستدير، ومقوّس، وممال، ويعبّر عن كلّ أرض فيها طول بالخطّ كخطّ اليمن، وإليه ينسب الرّمح الخطّيّ، وكلّ مكان يَخُطُّهُ الإنسان لنفسه ويحفره يقال له خَطُّ وخِطَّةٌ. والخَطِيطَة:
أرض لم يصبها مطر بين أرضين ممطورتين كالخطّ المنحرف عنه، ويعبّر عن الكتابة بالخَطِّ، قال تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت/ ٤٨] .
خطب
الخَطْبُ «٢» والمُخَاطَبَة والتَّخَاطُب: المراجعة في الكلام، ومنه: الخُطْبَة والخِطْبَة لكن الخطبة تختصّ بالموعظة، والخطبة بطلب المرأة قال تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ [البقرة/ ٢٣٥] ، وأصل الخطبة: الحالة التي عليها الإنسان إذا خطب نحو الجلسة والقعدة، ويقال من الخُطْبَة: خاطب وخطيب، ومن الخِطْبَة خاطب لا غير، والفعل منهما خَطَبَ. والخَطْبُ: الأمر العظيم الذي يكثر فيه التخاطب، قال تعالى: فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ [طه/ ٩٥] ، فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ [الذاريات/ ٣١] ، وفصل الخِطَاب: ما ينفصل به الأمر من الخطاب.
خطف
الخَطْفُ والاختطاف: الاختلاس بالسّرعة، يقال: خَطِفَ يَخْطَفُ، وخَطَفَ يَخْطِفُ «٣» وقرئ بهما جميعا قال: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ
«٤» ، وذلك وصف للشّياطين المسترقة للسّمع، قال تعالى: فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ [الحج/ ٣١] ، يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ [البقرة/ ٢٠] ، وقال: وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ
[العنكبوت/ ٦٧] ، أي: يقتلون ويسلبون، والخُطَّاف: للطائر الذي كأنه يخطف شيئا في طيرانه، ولما يخرج به الدّلو، كأنه يختطفه. وجمعه خَطَاطِيف، وللحديدة التي تدور عليها البكرة، وباز مُخْطِف: يختطف ما يصيده،
стр. 269
والخَطِيف «١» : سرعة انجذاب السّير، وأَخْطَفُ الحشا «٢» ، ومُخْطَفُهُ كأنه اخْتُطِفَ حشاه لضموره.
خطأ
الخَطَأ: العدول عن الجهة، وذلك أضرب:
أحدها: أن تريد غير ما تحسن إرادته فتفعله، وهذا هو الخطأ التامّ المأخوذ به الإنسان، يقال:
خَطِئَ يَخْطَأُ، خِطْأً، وخِطْأَةً، قال تعالى: إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً [الإسراء/ ٣١] ، وقال:
وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ [يوسف/ ٩١] .
والثاني: أن يريد ما يحسن فعله، ولكن يقع منه خلاف ما يريد فيقال: أَخْطَأَ إِخْطَاءً فهو مُخْطِئٌ، وهذا قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل، وهذا المعنيّ بقوله ﵇: «رفع عن أمّتي الخَطَأ والنسيان» «٣» وبقوله: «من اجتهد فأخطأ فله أجر» «٤» ، وقوله : وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [النساء/ ٩٢] . والثّالث: أن يريد ما لا يحسن فعله ويتّفق منه خلافه، فهذا مخطئ في الإرادة ومصيب في الفعل، فهو مذموم بقصده وغير محمود على فعله، وهذا المعنى هو الذي أراده في قوله:
١٤١-
أردت مساءتي فاجتررت مسرّتي ... وقد يحسن الإنسان من حيث لا يدري
«٥» وجملة الأمر أنّ من أراد شيئا فاتّفق منه غيره يقال: أخطأ، وإن وقع منه كما أراده يقال:
أصاب، وقد يقال لمن فعل فعلا لا يحسن، أو أراد إرادة لا تجمل: إنه أخطأ، ولهذا يقال «٦» :
أصاب الخطأ، وأخطأ الصّواب، وأصاب الصّواب، وأخطأ الخطأ، وهذه اللّفظة مشتركة كما ترى، متردّدة بين معان يجب لمن يتحرّى الحقائق أن يتأمّلها. وقوله تعالى: وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة/ ٨١] . والخَطِيئَةُ والسّيّئة يتقاربان، لكن الخطيئة أكثر ما تقال فيما لا يكون مقصودا إليه في نفسه، بل يكون القصد سببا
стр. 270
لتولّد ذلك الفعل منه، كمن يرمي صيدا فأصاب إنسانا، أو شرب مسكرا فجنى جناية في سكره، والسبب سببان: سبب محظور فعله، كشرب المسكر وما يتولّد عنه من الخطإ غير متجاف عنه، وسبب غير محظور، كرمي الصّيد، قال تعالى:
وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب/ ٥] ، وقال تعالى:
وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً
[النساء/ ١١٢] ، فالخطيئة هاهنا هي التي لا تكون عن قصد إلى فعله، قال تعالى: وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا [نوح/ ٢٤] ، مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ [نوح/ ٢٥] ، إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا [الشعراء/ ٥١] ، وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ [العنكبوت/ ١٢] ، وقال تعالى: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء/ ٨٢] ، والجمع الخطيئات والخطايا، وقوله تعالى: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ [البقرة/ ٥٨] ، فهي المقصود إليها، والخاطِئُ «١» هو القاصد للذّنب، وعلى ذلك قوله: وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ [الحاقة/ ٣٦- ٣٧] ، وقد يسمّى الذّنب خَاطِئَةً في قوله تعالى: وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ [الحاقة/ ٩] ، أي:
الذنب العظيم، وذلك نحو قولهم: شعر شاعر.
فأما ما لم يكن مقصودا فقد ذكر ﵇ أنّه متجافى عنه، وقوله تعالى: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ [البقرة/ ٥٨] ، فالمعنى ما تقدّم.
خطو
خَطَوْتُ أَخْطُو خَطْوَةً، أي: مرّة، والخُطْوَة ما بين القدمين «٢» ، قال تعالى: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ
[البقرة/ ١٦٨] ، أي: لا تتّبعوه، وذلك نحو قوله: وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى [ص/ ٢٦] .
خف
الخَفِيف: بإزاء الثّقيل، ويقال ذلك تارة باعتبار المضايفة بالوزن، وقياس شيئين أحدهما بالآخر، نحو: درهم خفيف، ودرهم ثقيل.
والثاني: يقال باعتبار مضايفة الزّمان، نحو: فرس خفيف، وفرس ثقيل: إذا عدا أحدهما أكثر من الآخر في زمان واحد. الثالث: يقال خفيف فيما يستحليه الناس، وثقيل فيما يستوخمه، فيكون الخفيف مدحا، والثقيل ذمّا، ومنه قوله تعالى:
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ
[الأنفال/ ٦٦] ، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ [البقرة/ ٨٦] ، وأرى أنّ
стр. 271
من هذا قوله: حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِي فاً [الأعراف/ ١٨٩] . الرّابع: يقال خفيف فيمن يطيش، وثقيل فيما فيه وقار، فيكون الخفيف ذمّا، والثقيل مدحا. الخامس: يقال خفيف في الأجسام التي من شأنها أن ترجحن إلى أسفل كالأرض والماء، يقال: خَفَّ يَخِفُّ خَفّاً وخِفَّةً، وخَفَّفَه تَخْفِيفاً وتَخَفَّفَ تَخَفُّفاً، واستخففته، وخَفَّ المتاع: الخفيف منه، وكلام خفيف على اللسان، قال تعالى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ [الزخرف/ ٥٤] ، أي: حملهم أن يخفّوا معه، أو وجدهم خفافا في أبدانهم وعزائمهم، وقيل:
معناه وجدهم طائشين، وقوله تعالى: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [المؤمنون/ ١٠٢- ١٠٣] ، فإشارة إلى كثرة الأعمال الصّالحة وقلّتها، وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ [الروم/ ٦٠] ، أي: لا يزعجنّك ويزيلنّك عن اعتقادك بما يوقعون من الشّبه، وخفّوا عن منازلهم: ارتحلوا منها في خفّة، والخُفُّ: الملبوس، وخُفُّ النّعامة والبعير تشبيها بخفّ الإنسان.
خفت
قال تعالى: يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ
[طه/ ١٠٣] ، وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها
[الإسراء/ ١١٠] ، المخافتة والخفت: إسرار المنطق، قال:
١٤٢-
وشتّان بين الجهر والمنطق الخَفْت
«١»
خفض
الخَفْض: ضدّ الرّفع، والخَفْض الدّعة والسّير اللّيّن وقوله : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ
[الإسراء/ ٢٤] ، فهو حثّ على تليين الجانب والانقياد، كأنّه ضدّ قوله: أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ [النمل/ ٣١] ، وفي صفة القيامة:
خافِضَةٌ رافِعَةٌ
[الواقعة/ ٣] ، أي: تضع قوما وترفع آخرين، فخافضة إشارة إلى قوله:
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ [التين/ ٥] .
خفى
خَفِيَ الشيء خُفْيَةً: استتر، قال تعالى:
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً [الأعراف/ ٥٥] ، والخَفَاء: ما يستر به كالغطاء، وخَفَيْتَهُ:
أزلت خفاه، وذلك إذا أظهرته «٢» ، وأَخْفَيْتَهُ:
أوليته خفاء، وذلك إذا سترته، ويقابل به الإبداء والإعلان، قال تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة/ ٢٧١] ، وقال تعالى:
стр. 272
وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ [الممتحنة/ ١] ، بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ [الأنعام/ ٢٨] ، والاسْتِخْفَاءُ: طلب الإخفاء، ومنه قوله تعالى:
أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ [هود/ ٥] ، والخَوَافي: جمع خافية، وهي: ما دون القوادم من الرّيش.
خل
الخَلَل: فرجة بين الشّيئين، وجمعه خِلَال، كخلل الدّار، والسّحاب، والرّماد وغيرها، قال تعالى في صفة السّحاب: فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ [النور/ ٤٣] ، فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ [الإسراء/ ٥] ، قال الشاعر:
١٤٣-
أرى خلل الرّماد وميض جمر
«١» وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ [التوبة/ ٤٧] ، أي:
سعوا وسطكم بالنّميمة والفساد. والخِلَال: لما تخلّل به الأسنان وغيرها، يقال: خَلَّ سِنَّهُ، وخلّ ثوبه بالخلال يَخُلُّهُ، ولسان الفصيل بالخلال ليمنعه من الرضاع، والرّميّة بالسّهم، وفي الحديث. «خَلِّلُوا أصابعكم» «٢» . والخَلَل في الأمر كالوهن فيه، تشبيها بالفرجة الواقعة بين الشّيئين، وخَلَّ لحمه يَخِلُّ خَلًّا وخِلَالًا»
: صار فيه خلل، وذلك بالهزال، قال:
١٤٤-
إنّ جسمي بعد خالي لخلّ
«٤» والخَلّ «٥» : الطّريق في الرّمل، لتخلّل الوعورة، أي: الصعوبة إيّاه، أو لكون الطّريق متخلّلا وسطه، والخَلَّة: أيضا الخمر الحامضة، لتخلّل الحموضة إيّاها. والخِلَّة: ما يغطّى به جفن السّيف لكونه في خلالها، والخَلَّة:
الاختلال العارض للنّفس، إمّا لشهوتها لشيء، أو لحاجتها إليه، ولهذا فسّر الخلّة بالحاجة
стр. 273
والخصلة، والخُلَّةُ: المودّة، إمّا لأنّها تتخلّل النّفس، أي: تتوسّطها، وإمّا لأنّها تخلّ النّفس، فتؤثّر فيها تأثير السّهم في الرّميّة، وإمّا لفرط الحاجة إليها، يقال منه: خاللته مُخَالَّة وخِلَالًا فهو خليل، وقوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [النساء/ ١٢٥] ، قيل: سمّاه بذلك لافتقاره إليه سبحانه في كلّ حال الافتقار المعنيّ بقوله: إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص/ ٢٤] ، وعلى هذا الوجه قيل:
(اللهمّ أغنني بالافتقار إليك ولا تفقرني بالاستغناء عنك) «١» . وقيل: بل من الخلّة، واستعمالها فيه كاستعمال المحبّة فيه، قال أبو القاسم البلخيّ «٢» : هو من الخلّة لا من الخلّة، قال:
ومن قاسه بالحبيب فقد أخطأ، لأنّ الله يجوز أن يحبّ عبده، فإنّ المحبّة منه الثناء ولا يجوز أن يخالّه، وهذا منه اشتباه، فإنّ الخلّة من تخلّل الودّ نفسه ومخالطته، كقوله:
١٤٥-
قد تخلّلت مسلك الرّوح منّي ... وبه سمّي الخليل خليلا
«٣» ولهذا يقال: تمازج روحانا. والمحبّة: البلوغ بالودّ إلى حبّة القلب، من قولهم: حببته: إذا أصبت حبّة قلبه، لكن إذا استعملت المحبّة في الله فالمراد بها مجرّد الإحسان، وكذا الخلّة، فإن جاز في أحد اللّفظين جاز في الآخر، فأمّا أن يراد بالحبّ حبّة القلب، والخلّة التّخلّل، فحاشا له سبحانه أن يراد فيه ذلك. وقوله تعالى: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ [البقرة/ ٢٥٤] ، أي: لا يمكن في القيامة ابتياع حسنة ولا استجلابها بمودّة، وذلك إشارة إلى قوله سبحانه: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [النجم/ ٣٩] ، وقوله: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ
[إبراهيم/ ٣١] ، فقد قيل: هو مصدر من خاللت، وقيل:
هو جمع، يقال: خليل وأَخِلَّة وخِلَال والمعنى كالأوّل.
خلد
الخُلُود: هو تبرّي الشيء من اعتراض الفساد، وبقاؤه على الحالة التي هو عليها، وكلّ ما يتباطأ عنه التغيير والفساد تصفه العرب بالخلود، كقولهم للأثافي: خوالد، وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها. يقال: خَلَدَ يَخْلُدُ خُلُودا «٤» ، قال تعالى: لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ [الشعراء/ ١٢٩] ، والخَلْدُ: اسم للجزء الذي
стр. 274
يبقى من الإنسان على حالته، فلا يستحيل ما دام الإنسان حيّا استحالة سائر أجزائه «١» ، وأصل المُخَلَّد: الذي يبقى مدّة طويلة ومنه قيل: رجل مُخَلَّد لمن أبطأ عنه الشيب، ودابة مُخَلَّدَة: هي التي تبقى ثناياها حتى تخرج رباعيتها، ثم استعير للمبقيّ دائما. والخُلُودُ في الجنّة: بقاء الأشياء على الحالة التي عليها من غير اعتراض الفساد عليها، قال تعالى: أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
[البقرة/ ٨٢] ، أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [البقرة/ ٣٩] ، وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها [النساء/ ٩٣] ، وقوله تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ
[الواقعة/ ١٧] ، قيل:
مبقون بحالتهم لا يعتريهم استحالة، وقيل:
مقرّطون بخلدة، والخَلَدَة: ضرب من القرطة «٢» ، وإِخلادُ الشيء: جعله مبقى، والحكم عليه بكونه مبقى، وعلى هذا قوله سبحانه: وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ
[الأعراف/ ١٧٦] ، أي:
ركن إليها ظانّا أنه يخلد فيها.
خلص
الخالص كالصافي إلّا أنّ الخالص هو ما زال عنه شوبه بعد أن كان فيه، والصّافي قد يقال لما لا شوب فيه، ويقال: خَلَّصْته فَخَلَصَ، ولذلك قال الشاعر:
١٤٦-
خلاص الخمر من نسج الفدام
«٣» قال تعالى: وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا [الأنعام/ ١٣٩] ، ويقال: هذا خالص وخالصة، نحو: داهية وراوية، وقوله تعالى: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا [يوسف/ ٨٠] ، أي: انفردوا خالصين عن غيرهم. وقوله: وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ
[البقرة/ ١٣٩] ، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ
[يوسف/ ٢٤] ، فإخلاص المسلمين أنّهم قد تبرّؤوا ممّا يدّعيه اليهود من التشبيه، والنصارى من التثليث، قال تعالى: مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [الأعراف/ ٢٩] ، وقال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة/ ٧٣] ، وقال:
وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ [النساء/ ١٤٦] ، وهو
стр. 275
كالأوّل، وقال: إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا [مريم/ ٥١] ، فحقيقة الإخلاص: التّبرّي عن كلّ ما دون الله تعالى.
خلط
الخَلْطُ: هو الجمع بين أجزاء الشيئين فصاعدا، سواء كانا مائعين، أو جامدين، أو أحدهما مائعا والآخر جامدا، وهو أعمّ من المزج، ويقال اختلط الشيء، قال تعالى:
فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ [يونس/ ٢٤] ، ويقال للصّديق والمجاور والشّريك: خَلِيطٌ، والخليطان في الفقه من ذلك، قال تعالى:
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
[ص/ ٢٤] ، ويقال الخليط للواحد والجمع، قال الشاعر:
١٤٧-
بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا
«١» وقال: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً
[التوبة/ ١٠٢] ، أي: يتعاطون هذا مرّة وذاك مرّة، ويقال: أخلط فلان في كلامه: إذا صار ذا تخليط، وأخلط الفرس في جريه كذلك، وهو كناية عن تقصيره فيه.
خلع
الخَلْعُ: خلع الإنسان ثوبه، والفرس جلّه وعذاره، قال تعالى: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ
[طه/ ١٢] ، قيل: هو على الظاهر، وأمره بخلع ذلك عن رجله، لكونه من جلد حمار ميّت «٢» ، وقال بعض الصوفية: هذا مثل وهو أمر بالإقامة والتمكّن، كقولك لمن رمت أن يتمكّن: انزع ثوبك وخفّك ونحو ذلك، وإذا قيل: خَلَعَ فلان على فلان، فمعناه: أعطاه ثوبا، واستفيد معنى العطاء من هذه اللفظة بأن وصل به على فلان، لا بمجرّد الخلع.
خلف
خَلْفُ: ضدّ القُدَّام، قال تعالى: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ [البقرة/ ٢٥٥] ، وقال تعالى: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ [الرعد/ ١١] ، وقال تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس/ ٩٢] ، وخَلَفَ ضدّ تقدّم وسلف، والمتأخّر لقصور منزلته يقال له: خَلْفٌ، ولهذا قيل: الخلف الرديء، والمتأخّر لا لقصور منزلته يقال له: خلف، قال تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ [الأعراف/ ١٦٩] ، وقيل: سكت ألفا ونطق
стр. 276
خلفا «١» . أي: رديئا من الكلام، وقيل للاست إذا ظهر منه حبقة «٢» : خُلْفَة، ولمن فسد كلامه أو كان فاسدا في نفسه، يقال: تَخَلَّفَ فلان فلانا:
إذا تأخّر عنه وإذا جاء خلف آخر، وإذا قام مقامه، ومصدره الخِلَافةَ بالكسر، وخَلَفَ خَلَافَةً بفتح الخاء: فسد «٣» ، فهو خالف، أي: رديء أحمق، ويعبّر عن الرديء بخلف نحو: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ [مريم/ ٥٩] ، ويقال لمن خلف آخر فسدّ مسدّه: خَلَف، والخِلْفَةُ يقال في أن يخلف كلّ واحد الآخر، قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً [الفرقان/ ٦٢] ، وقيل: أمرهم خلفة، أي: يأتي بعضه خلف بعض، قال الشاعر:
١٤٨-
بها العين والآرام يمشين خلفة
«٤» وأصابته خلفة: كناية عن البطنة، وكثرة المشي، وخَلَفَ فلانٌ فلانا، قام بالأمر عنه، إمّا معه وإمّا بعده، قال تعالى: وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ [الزخرف/ ٦٠] ، والخِلافةُ النّيابة عن الغير إمّا لغيبة المنوب عنه، وإمّا لموته، وإمّا لعجزه، وإمّا لتشريف المستخلف. وعلى هذا الوجه الأخير استخلف الله أولياءه في الأرض، قال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ
[فاطر/ ٣٩] ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ [الأنعام/ ١٦٥] ، وقال: وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ [هود/ ٥٧] ، والخلائف: جمع خليفة، وخلفاء جمع خليف، قال تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ [ص/ ٢٦] ، وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ [يونس/ ٧٣] ، جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ [الأعراف/ ٦٩] ، والاختلافُ والمخالفة: أن يأخذ كلّ واحد طريقا غير طريق الآخر في حاله أو قوله، والخِلَاف أعمّ من الضّدّ، لأنّ كلّ ضدّين مختلفان، وليس كلّ مختلفين ضدّين، ولمّا كان الاختلاف بين النّاس في القول قد يقتضي التّنازع استعير ذلك للمنازعة والمجادلة، قال:
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ [مريم/ ٣٧] ، وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ [هود/ ١١٨] ، وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ [الروم/ ٢٢] ، عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ [النبأ/ ١- ٢- ٣] ، إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ
[الذاريات/ ٨] ، وقال:
стр. 277
مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ [النحل/ ١٣] ، وقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ [آل عمران/ ١٠٥] ، وقال: فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ [البقرة/ ٢١٣] ، وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا [يونس/ ١٩] ، وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس/ ٩٣] ، وقال في القيامة: وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [النحل/ ٩٢] ، وقال:
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ [النحل/ ٣٩] ، وقوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ [البقرة/ ١٧٦] ، قيل معناه: خلفوا، نحو كسب واكتسب، وقيل: أتوا فيه بشيء خلاف ما أنزل الله، وقوله تعالى: لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ [الأنفال/ ٤٢] ، فمن الخلاف، أو من الخلف، وقوله تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى/ ١٠] ، وقوله تعالى: فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [آل عمران/ ٥٥] ، وقوله تعالى:
إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [يونس/ ٦] ، أي: في مجيء كلّ واحد منهما خلف الآخر وتعاقبهما، والخُلْفُ: المخالفة في الوعد.
يقال: وعدني فأخلفني، أي: خالف في الميعاد بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ [التوبة/ ٧٧] ، وقال: إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ [الرعد/ ٣١] ، وقال: فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي [طه/ ٨٦] ، قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا [طه/ ٨٧] ، وأخلفت فلانا: وجدته مُخْلِفاً، والإخلاف: أن يسقي واحد بعد آخر، وأَخْلَفَ الشجرُ: إذا اخضرّ بعد سقوط ورقه، وأَخْلَفَ الله عليك، يقال لمن ذهب ماله، أي: أعطاك خلفا، وخَلَفَ اللهُ عليك، أي: كان لك منه خليفة، وقوله:
لا يلبثون خلفك «١» : بعدك، وقرئ:
خِلافَكَ «٢» أي: مخالفة لك، وقوله: أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ
[المائدة/ ٣٣] ، أي: إحداهما من جانب والأخرى من جانب آخر. وخَلَّفْتُهُ: تركته خلفي، قال فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ
[التوبة/ ٨١] ، أي: مخالفين، وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا
[التوبة/ ١١٨] ، قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ [الفتح/ ١٦] ، والخالِفُ:
المتأخّر لنقصان أو قصور كالمتخلف، قال:
فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ [التوبة/ ٨٣] ، والخَالِفةُ: عمود الخيمة المتأخّر، ويكنّى بها عن
стр. 278
المرأة لتخلّفها عن المرتحلين، وجمعها خَوَالِف، قال: رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ [التوبة/ ٨٧] ، ووجدت الحيّ خَلُوفاً، أي:
تخلّفت نساؤهم عن رجالهم، والخلف: حدّ الفأس الذي يكون إلى جهة الخلف، وما تخلّف من الأضلاع إلى ما يلي البطن، والخِلَافُ:
شجر كأنّه سمّي بذلك لأنّه فيما يظنّ به، أو لأنّه يخلف مخبره منظره، ويقال للجمل بعد بزوله:
مخلف عام، ومخلف عامين. وقال عمر ﵁: (لولا الخِلِّيفَى لأذّنت) «١» أي:
الخلافة، وهو مصدر خلف.
خلق
الخَلْقُ أصله: التقدير المستقيم، ويستعمل في إبداع الشّيء من غير أصل ولا احتذاء، قال: خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[الأنعام/ ١] ، أي: أبدعهما، بدلالة قوله: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [البقرة/ ١١٧] ، ويستعمل في إيجاد الشيء من الشيء نحو:
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ [النساء/ ١] ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ [النحل/ ٤] ، خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ [المؤمنون/ ١٢] ، وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ [الأعراف/ ١١] ، خَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ [الرحمن/ ١٥] ، وليس الخَلْقُ الذي هو الإبداع إلّا لله تعالى، ولهذا قال في الفصل بينه تعالى وبين غيره: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ
[النحل/ ١٧] ، وأمّا الذي يكون بالاستحالة، فقد جعله الله تعالى لغيره في بعض الأحوال، كعيسى حيث قال:
وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي [المائدة/ ١١٠] ، والخلق لا يستعمل في كافّة النّاس إلا على وجهين: أحدهما في معنى التّقدير كقول الشاعر:
١٤٩-
فلأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثمّ لا يفري «٢»
والثاني: في الكذب نحو قوله: وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً
[العنكبوت/ ١٧] ، إن قيل: قوله تعالى:
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
[المؤمنون/ ١٤] ، يدلّ على أنّه يصحّ أن يوصف غيره بالخلق؟ قيل: إنّ ذلك معناه: أحسن المقدّرين، أو يكون على تقدير ما كانوا يعتقدون ويزعمون
стр. 279
أنّ غير الله يبدع، فكأنه قيل: فاحسب أنّ هاهنا مبدعين وموجدين، فالله أحسنهم إيجادا على ما يعتقدون، كما قال: خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ [الرعد/ ١٦] ، وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ [النساء/ ١١٩] ، فقد قيل:
إشارة إلى ما يشوّهونه من الخلقة بالخصاء، ونتف اللّحية، وما يجري مجراه، وقيل معناه:
يغيّرون حكمه، وقوله: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم/ ٣٠] ، فإشارة إلى ما قدّره وقضاه، وقيل معنى: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ نهي، أي: لا تغيّروا خلقة الله، وقوله: وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ
[الشعراء/ ١٦٦] ، فكناية عن فروج النساء «١» . وكلّ موضع استعمل الخلق في وصف الكلام فالمراد به الكذب، ومن هذا الوجه امتنع كثير من النّاس من إطلاق لفظ الخلق على القرآن «٢» ، وعلى هذا قوله تعالى:
إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ [الشعراء/ ١٣٧] ، وقوله: ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ
[ص/ ٧] ، [والخلق يقال في معنى المخلوق، والخَلْقُ والخُلْقُ في الأصل واحد، كالشّرب والشّرب، والصّرم والصّرم، لكن خصّ الخلق بالهيئات والأشكال والصّور المدركة بالبصر، وخصّ الخلق بالقوى والسّجايا المدركة بالبصيرة] «٣» . قال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[القلم/ ٤] ، وقرئ: إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ «٤» . والْ خَلَا قُ: ما اكتسبه الإنسان من الفضيلة بخلقه، قال تعالى: ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة/ ١٠٢] ، وفلان خليق بكذا، أي: كأنّه مخلوق فيه، ذلك كقولك: مجبول على كذا، أو مدعوّ إليه من جهة الخلق. وخَلَقَ الثوبُ وأَخْلَقَ، وثوب خَلَقٌ ومُخْلَق وأخلاق، نحو حبل أرمام وأرمات، وتصوّر من خَلُوقَة الثوب الملامسة، فقيل: جبل أَخْلَق، وصخرة خَلْقَاء، وخَلَقْتُ الثوب: ملّسته، واخلولق السحاب منه، أو من قولهم: هو خليق بكذا، والخلوق: ضرب من الطّيب.
خلا
الخلاء: المكان الذي لا ساتر فيه من بناء ومساكن وغيرهما، والخلوّ يستعمل في الزمان والمكان، لكن لما تصوّر في الزمان المضيّ فسّر أهل اللغة: خلا الزمان، بقولهم: مضى الزمان وذهب، قال تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ
стр. 280
خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
[آل عمران/ ١٤٤] ، وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [الرعد/ ٦] ، تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ [البقرة/ ١٤١] ، قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ [آل عمران/ ١٣٧] ، إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر/ ٢٤] ، مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ
[البقرة/ ٢١٤] ، وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ [آل عمران/ ١١٩] ، وقوله: يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ
[يوسف/ ٩] ، أي: تحصل لكم مودّة أبيكم وإقباله عليكم. وخَلَا الإنسان: صار خَالِياً، وخَلَا فلان بفلان: صار معه في خَلَاءٍ، وخَلَا إليه: انتهى إليه في خلوة، قال تعالى:
وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ [البقرة/ ١٤] ، وخلّيت فلانا: تركته في خَلَاءٍ، ثم يقال لكلّ ترك تخلية، نحو: فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة/ ٥] ، وناقة خَلِيَّة: مُخْلَاة عن الحلب، وامرأة خَلِيَّة:
مخلاة عن الزّوج، وقيل للسّفينة المتروكة بلا ربّان خَلِيَّة، والخَلِيُّ: من خلّاه الهمّ، نحو المطلّقة في قول الشاعر: ١٥٠-
مطلّقة طورا وطورا تراجع
«١» والخَلَاءُ: الحشيش المتروك حتّى ييبس، ويقال: خَلَيْتُ الخَلَاءَ: جززته، وخَلَيْتُ الدّابة:
جززت لها، ومنه استعير: سيف يَخْتَلِي، أي:
يقطع ما يضرب به قطعه للخلا.
خمد
قوله تعالى: جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ
[الأنبياء/ ١٥] ، كناية عن موتهم، من قولهم:
خَمَدَتِ النار خُمُودا: طفئ لهبها، وعنه استعير:
خمدت الحمّى: سكنت، وقوله تعالى: فَإِذا هُمْ خامِدُونَ [يس/ ٢٩] .
خمر
أصل الخمر: ستر الشيء، ويقال لما يستر به: خِمَار، لكن الخمار صار في التعارف اسما لما تغطّي به المرأة رأسها، وجمعه خُمُر، قال تعالى:
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ [النور/ ٣١] واختمرت المرأة وتَخَمَّرَت، وخَمَّرَتِ الإناء: غطّيته، وروي «خمّروا آنيتكم» «٢» ، وأَخْمَرْتُ العجين: جعلت فيه
стр. 281
الخمير، والخميرة سمّيت لكونها مخمورة من قبل.
ودخل في خِمَار الناس، أي: في جماعتهم الساترة لهم، والخَمْر سمّيت لكونها خامرة لمقرّ العقل، وهو عند بعض الناس اسم لكلّ مسكر. وعند بعضهم اسم للمتخذ من العنب والتمر، لما روي عنه ﷺ : «الخمر من هاتين الشّجرتين: النّخلة والعنبة» «١» ، ومنهم من جعلها اسما لغير المطبوخ، ثم كميّة الطّبخ التي تسقط عنه اسم الخمر مختلف فيها، والخُمَار: الداء العارض من الخمر، وجعل بناؤه بناء الأدواء كالزّكام والسّعال، وخُمْرَةُ الطيّب: ريحه، وخَامَرَهُ وخَمَرَهُ: خالطه ولزمه، وعنه استعير:
١٥١-
خامري أمّ عامر
«٢»
خمس
أصل الخَمْس في العدد، قال تعالى:
وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ
[الكهف/ ٢٢] ، وقال: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً
[العنكبوت/ ١٤] ، والخميس: ثوب طوله خمس أذرع، ورمح مَخْمُوس كذلك. والخمس من أظماء الإبل، وخَمَسْتُ القومَ أَخْمُسُهُمْ: أخذت خمس أموالهم، وخَمَسْتُهُمْ أَخْمُسُهُمْ: كنت لهم خامسا، والخميس في الأيّام معلوم.
خمص
قوله تعالى: فِي مَخْمَصَةٍ
[المائدة/ ٣] ، أي: مجاعة تورث خَمْصَ البطن، أي: ضموره، يقال: رجل خامص، أي: ضامر، وأَخْمَص القدم: باطنها وذلك لضمورها.
خمط
الخمط: شجر لا شوك له، قيل: هو شجر الأراك، والخَمْطَة: الخمر إذا حمضت، وتَخَمَّط:
إذا غضب، يقال: تَخَمَّطَ الفحل هدر «٣» .
خنزير
قوله تعالى: وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ
[المائدة/ ٦٠] ، قيل: عنى الحيوان المخصوص، وقيل: عنى من أخلاقه وأفعاله مشابهة لأخلاقها، لا من خلقته خلقتها، والأمران
стр. 282
مرادان بالآية، فقد روي «أنّ قوما مسخوا خلقة» «١» ، وكذا أيضا في الناس قوم إذا اعتبرت أخلاقهم وجدوا كالقردة والخنازير، وإن كانت صورهم صور الناس.
خنس
قوله تعالى: مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ
[الناس/ ٤] ، أي: الشيطان الذي يَخْنُسُ، أي:
ينقبض إذا ذكر الله تعالى، وقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ
[التكوير/ ١٥] ، أي: بالكواكب التي تخنس بالنهار، وقيل: الخنّس هي زحل والمشتري والمرّيخ لأنها تخنس في مجراها «٢» ، أي: ترجع، وأَخْنَسْتُ عنه حَقَّه: أخّرته.
خنق
قوله تعالى: وَالْمُنْخَنِقَةُ
[المائدة/ ٣] ، أي: التي خُنِقَتْ حتى ماتت، والمِخْنَقَة: القلادة.
خاب
الخَيْبَة: فوت الطلب، قال: وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
[إبراهيم/ ١٥] ، وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى [طه/ ٦١] ، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [الشمس/ ١٠] .
خير
الخَيْرُ: ما يرغب فيه الكلّ، كالعقل مثلا، والعدل، والفضل، والشيء النافع، وضدّه:
الشرّ. قيل: والخير ضربان: خير مطلق، وهو أن يكون مرغوبا فيه بكلّ حال، وعند كلّ أحد كما وصف ﵇ به الجنة فقال: «لا خير بخير بعده النار، ولا شرّ بشرّ بعده الجنة» «٣» . وخير وشرّ مقيّدان، وهو أن يكون خيرا لواحد شرّا لآخر، كالمال الذي ربما يكون خيرا لزيد وشرّا لعمرو، ولذلك وصفه الله تعالى بالأمرين فقال في موضع: إِنْ تَرَكَ خَيْراً [البقرة/ ١٨٠] ، وقال في موضع آخر: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ
[المؤمنون/ ٥٥- ٥٦] ، وقوله تعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْراً [البقرة/ ١٨٠] ، أي: مالا. وقال بعض العلماء: لا يقال للمال خير حتى يكون كثيرا، ومن مكان طيّب، كما روي أنّ عليّا ﵁ دخل على مولى له فقال: ألا أوصي يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، لأنّ الله تعالى قال: إِنْ تَرَكَ خَيْراً [البقرة/ ١٨٠] ، وليس لك مال
стр. 283
كثير «١» ، وعلى هذا قوله: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
[العاديات/ ٨] ، أي: المال الكثير وقال بعض العلماء: إنما سمّي المال هاهنا خيرا تنبيها على معنى لطيف، وهو أنّ الذي يحسن الوصية به ما كان مجموعا من المال من وجه محمود، وعلى هذا قوله: قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ [البقرة/ ٢١٥] ، وقال: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [البقرة/ ٢٧٣] ، وقوله: فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً [النور/ ٣٣] ، قيل: عنى به مالا من جهتهم «٢» ، وقيل: إن علمتم أنّ عتقهم يعود عليكم وعليهم بنفع، أي: ثواب «٣» . والخير والشرّ يقالان على وجهين:
أحدهما: أن يكونا اسمين كما تقدّم، وهو قوله: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [آل عمران/ ١٠٤] .
والثاني: أن يكونا وصفين، وتقديرهما تقدير (أفعل منه) ، نحو: هذا خير من ذاك وأفضل، وقوله: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها
[البقرة/ ١٠٦] ، وقوله: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة/ ١٨٤] ، فخير هاهنا يصحّ أن يكون اسما، وأن يكون بمعنى أفعل، ومنه قوله: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى [البقرة/ ١٩٧] ، تقديره تقدير أفعل منه. فالخير يقابل به الشرّ مرة، والضّرّ مرة، نحو قوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ، وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام/ ١٧] ، وقوله: فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ
[الرحمن/ ٧٠] ، قيل: أصله خَيِّرَات، فخفّف، فالخيرات من النساء الخيّرات، يقال: رجل خَيْرٌ «٤» وامرأة خَيْرَةٌ، وهذا خير الرجال، وهذه خيرة النساء، والمراد بذلك المختارات، أي: فيهنّ مختارات لا رذل فيهنّ. والخير: الفاضل المختصّ بالخير، يقال: ناقة خِيَار، وجمل خيار، واستخار اللهَ العبدُ فَخَارَ له، أي: طلب منه الخير فأولاه، وخَايَرْتُ فلانا كذا فَخِرْتُهُ، والخِيَرَة: الحالة التي تحصل للمستخير والمختار، نحو القعدة والجلسة لحال القاعد والجالس. والاختيارُ:
طلب ما هو خير وفعله، وقد يقال لما يراه الإنسان خيرا، وإن لم يكن خيرا، وقوله: وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ
[الدخان/ ٣٢] ، يصحّ أن يكون إشارة إلى إيجاده تعالى إياهم خيرا، وأن يكون إشارة إلى تقديمهم على غيرهم. والمختار في عرف المتكلّمين يقال لكلّ
стр. 284
فعل يفعله الإنسان لا على سبيل الإكراه، فقولهم: هو مختار في كذا، فليس يريدون به ما يراد بقولهم فلان له اختيار، فإنّ الاختيار أخذ ما يراه خيرا، والمختار قد يقال للفاعل والمفعول.
خوار
قوله تعالى: عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ
[الأعراف/ ١٤٨] . الخُوَار مختصّ بالبقر، وقد يستعار للبعير، ويقال: أرض خَوَّارَة، ورمح خَوَّار، أي: فيه خَوَرٌ. والخَوْرَان: يقال لمجرى الرّوث «١» ، وصوت البهائم.
خوض
الخَوْضُ: هو الشّروع في الماء والمرور فيه، ويستعار في الأمور، وأكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يذمّ الشروع فيه، نحو قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ: إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ
[التوبة/ ٦٥] ، وقوله: وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا
[التوبة/ ٦٩] ، ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
[الأنعام/ ٩١] ، وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ [الأنعام/ ٦٨] ، وتقول: أَخَضْتُ دابّتي في الماء، وتخاوضوا في الحديث:
تفاوضوا.
خيط
الخَيْطُ معروف، وجمعه خُيُوط، وقد خِطْتُ الثوب أَخِيطُهُ خِيَاطَةً، وخَيَّطْتُهُ تَخْييطاً. والخِيَاطُ:
الإبرة التي يخاط بها، قال تعالى: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ [الأعراف/ ٤٠] ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ
[البقرة/ ١٨٧] ، أي: بياض النهار من سواد اللّيل، والخيطة في قول الشاعر:
١٥٢-
تدلّى عليها بين سبّ وخيطة
«٢» فهي مستعارة للحبل، أو الوتد. وروي (أنّ عديّ بن حاتم عمد إلى عقالين أبيض وأسود فجعل ينظر إليهما ويأكل إلى أن يتبيّن أحدهما من الآخر، فأخبر النّبيّ ﵊ بذلك فقال: إنّك لعريض القفا، إنما ذلك بياض
стр. 285
النهار وسواد الليل) «١» . وخيّط الشّيب في رأسه «٢» : بدا كالخيط، والخَيْط: النّعام، وجمعه خِيطَان، ونعامة خَيْطاء: طويلة العنق، كأنما عنقها خيط.
خوف
الخَوْف: توقّع مكروه عن أمارة مظنونة، أو معلومة، كما أنّ الرّجاء والطمع توقّع محبوب عن أمارة مظنونة، أو معلومة، ويضادّ الخوف الأمن، ويستعمل ذلك في الأمور الدنيوية والأخروية.
قال تعالى: وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ
[الإسراء/ ٥٧] ، وقال: وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ [الأنعام/ ٨١] ، وقال تعالى: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً [السجدة/ ١٦] ، وقال: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا
[النساء/ ٣] ، وقوله: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما [النساء/ ٣٥] ، فقد فسّر ذلك بعرفتم «٣» ، وحقيقته: وإن وقع لكم خوف من ذلك لمعرفتكم. والخوف من الله لا يراد به ما يخطر بالبال من الرّعب، كاستشعار الخوف من الأسد، بل إنما يراد به الكفّ عن المعاصي واختيار الطّاعات، ولذلك قيل: لا يعدّ خائفا من لم يكن للذنوب تاركا. والتَّخويفُ من الله تعالى:
هو الحثّ على التّحرّز، وعلى ذلك قوله تعالى:
ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ
[الزمر/ ١٦] ، ونهى الله تعالى عن مخافة الشيطان، والمبالاة بتخويفه فقال: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران/ ١٧٥] ، أي: فلا تأتمروا لشيطان وائتمروا لله، ويقال: تخوّفناهم أي: تنقّصناهم تنقّصا اقتضاه الخوف منه. وقوله تعالى: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي [مريم/ ٥] ، فخوفه منهم: أن لا يراعوا الشّريعة، ولا يحفظوا نظام الدّين، لا أن يرثوا ماله كما ظنّه بعض الجهلة، فالقنيّات الدّنيويّة أخسّ عند الأنبياء ﵈ من أن يشفقوا عليها. والخِيفَةُ: الحالة التي عليها الإنسان من الخوف، قال تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى قُلْنا: لا تَخَفْ [طه/ ٦٧] ، واستعمل استعمال الخوف في قوله:
وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ [الرعد/ ١٣] ، وقوله:
تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [الروم/ ٢٨] ، أي: كخوفكم، وتخصيص لفظ الخيفة تنبيها أن الخوف منهم حالة لازمة لا تفارقهم، والتَّخَوُّفُ:
ظهور الخوف من الإنسان، قال: