الخمير، والخميرة سمّيت لكونها مخمورة من قبل.
ودخل في خِمَار الناس، أي: في جماعتهم الساترة لهم، والخَمْر سمّيت لكونها خامرة لمقرّ العقل، وهو عند بعض الناس اسم لكلّ مسكر. وعند بعضهم اسم للمتخذ من العنب والتمر، لما روي عنه ﷺ : «الخمر من هاتين الشّجرتين: النّخلة والعنبة» «١» ، ومنهم من جعلها اسما لغير المطبوخ، ثم كميّة الطّبخ التي تسقط عنه اسم الخمر مختلف فيها، والخُمَار: الداء العارض من الخمر، وجعل بناؤه بناء الأدواء كالزّكام والسّعال، وخُمْرَةُ الطيّب: ريحه، وخَامَرَهُ وخَمَرَهُ: خالطه ولزمه، وعنه استعير:
١٥١-
خامري أمّ عامر
«٢»
خمس
أصل الخَمْس في العدد، قال تعالى:
وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ
[الكهف/ ٢٢] ، وقال: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً
[العنكبوت/ ١٤] ، والخميس: ثوب طوله خمس أذرع، ورمح مَخْمُوس كذلك. والخمس من أظماء الإبل، وخَمَسْتُ القومَ أَخْمُسُهُمْ: أخذت خمس أموالهم، وخَمَسْتُهُمْ أَخْمُسُهُمْ: كنت لهم خامسا، والخميس في الأيّام معلوم.
خمص
قوله تعالى: فِي مَخْمَصَةٍ
[المائدة/ ٣] ، أي: مجاعة تورث خَمْصَ البطن، أي: ضموره، يقال: رجل خامص، أي: ضامر، وأَخْمَص القدم: باطنها وذلك لضمورها.
خمط
الخمط: شجر لا شوك له، قيل: هو شجر الأراك، والخَمْطَة: الخمر إذا حمضت، وتَخَمَّط:
إذا غضب، يقال: تَخَمَّطَ الفحل هدر «٣» .
خنزير
قوله تعالى: وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ
[المائدة/ ٦٠] ، قيل: عنى الحيوان المخصوص، وقيل: عنى من أخلاقه وأفعاله مشابهة لأخلاقها، لا من خلقته خلقتها، والأمران
стр. 282
مرادان بالآية، فقد روي «أنّ قوما مسخوا خلقة» «١» ، وكذا أيضا في الناس قوم إذا اعتبرت أخلاقهم وجدوا كالقردة والخنازير، وإن كانت صورهم صور الناس.
خنس
قوله تعالى: مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ
[الناس/ ٤] ، أي: الشيطان الذي يَخْنُسُ، أي:
ينقبض إذا ذكر الله تعالى، وقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ
[التكوير/ ١٥] ، أي: بالكواكب التي تخنس بالنهار، وقيل: الخنّس هي زحل والمشتري والمرّيخ لأنها تخنس في مجراها «٢» ، أي: ترجع، وأَخْنَسْتُ عنه حَقَّه: أخّرته.
خنق
قوله تعالى: وَالْمُنْخَنِقَةُ
[المائدة/ ٣] ، أي: التي خُنِقَتْ حتى ماتت، والمِخْنَقَة: القلادة.
خاب
الخَيْبَة: فوت الطلب، قال: وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
[إبراهيم/ ١٥] ، وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى [طه/ ٦١] ، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [الشمس/ ١٠] .
خير
الخَيْرُ: ما يرغب فيه الكلّ، كالعقل مثلا، والعدل، والفضل، والشيء النافع، وضدّه:
الشرّ. قيل: والخير ضربان: خير مطلق، وهو أن يكون مرغوبا فيه بكلّ حال، وعند كلّ أحد كما وصف ﵇ به الجنة فقال: «لا خير بخير بعده النار، ولا شرّ بشرّ بعده الجنة» «٣» . وخير وشرّ مقيّدان، وهو أن يكون خيرا لواحد شرّا لآخر، كالمال الذي ربما يكون خيرا لزيد وشرّا لعمرو، ولذلك وصفه الله تعالى بالأمرين فقال في موضع: إِنْ تَرَكَ خَيْراً [البقرة/ ١٨٠] ، وقال في موضع آخر: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ
[المؤمنون/ ٥٥- ٥٦] ، وقوله تعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْراً [البقرة/ ١٨٠] ، أي: مالا. وقال بعض العلماء: لا يقال للمال خير حتى يكون كثيرا، ومن مكان طيّب، كما روي أنّ عليّا ﵁ دخل على مولى له فقال: ألا أوصي يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، لأنّ الله تعالى قال: إِنْ تَرَكَ خَيْراً [البقرة/ ١٨٠] ، وليس لك مال
стр. 283
كثير «١» ، وعلى هذا قوله: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
[العاديات/ ٨] ، أي: المال الكثير وقال بعض العلماء: إنما سمّي المال هاهنا خيرا تنبيها على معنى لطيف، وهو أنّ الذي يحسن الوصية به ما كان مجموعا من المال من وجه محمود، وعلى هذا قوله: قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ [البقرة/ ٢١٥] ، وقال: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [البقرة/ ٢٧٣] ، وقوله: فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً [النور/ ٣٣] ، قيل: عنى به مالا من جهتهم «٢» ، وقيل: إن علمتم أنّ عتقهم يعود عليكم وعليهم بنفع، أي: ثواب «٣» . والخير والشرّ يقالان على وجهين:
أحدهما: أن يكونا اسمين كما تقدّم، وهو قوله: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [آل عمران/ ١٠٤] .
والثاني: أن يكونا وصفين، وتقديرهما تقدير (أفعل منه) ، نحو: هذا خير من ذاك وأفضل، وقوله: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها
[البقرة/ ١٠٦] ، وقوله: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة/ ١٨٤] ، فخير هاهنا يصحّ أن يكون اسما، وأن يكون بمعنى أفعل، ومنه قوله: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى [البقرة/ ١٩٧] ، تقديره تقدير أفعل منه. فالخير يقابل به الشرّ مرة، والضّرّ مرة، نحو قوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ، وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام/ ١٧] ، وقوله: فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ
[الرحمن/ ٧٠] ، قيل: أصله خَيِّرَات، فخفّف، فالخيرات من النساء الخيّرات، يقال: رجل خَيْرٌ «٤» وامرأة خَيْرَةٌ، وهذا خير الرجال، وهذه خيرة النساء، والمراد بذلك المختارات، أي: فيهنّ مختارات لا رذل فيهنّ. والخير: الفاضل المختصّ بالخير، يقال: ناقة خِيَار، وجمل خيار، واستخار اللهَ العبدُ فَخَارَ له، أي: طلب منه الخير فأولاه، وخَايَرْتُ فلانا كذا فَخِرْتُهُ، والخِيَرَة: الحالة التي تحصل للمستخير والمختار، نحو القعدة والجلسة لحال القاعد والجالس. والاختيارُ:
طلب ما هو خير وفعله، وقد يقال لما يراه الإنسان خيرا، وإن لم يكن خيرا، وقوله: وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ
[الدخان/ ٣٢] ، يصحّ أن يكون إشارة إلى إيجاده تعالى إياهم خيرا، وأن يكون إشارة إلى تقديمهم على غيرهم. والمختار في عرف المتكلّمين يقال لكلّ
стр. 284
فعل يفعله الإنسان لا على سبيل الإكراه، فقولهم: هو مختار في كذا، فليس يريدون به ما يراد بقولهم فلان له اختيار، فإنّ الاختيار أخذ ما يراه خيرا، والمختار قد يقال للفاعل والمفعول.
خوار
قوله تعالى: عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ
[الأعراف/ ١٤٨] . الخُوَار مختصّ بالبقر، وقد يستعار للبعير، ويقال: أرض خَوَّارَة، ورمح خَوَّار، أي: فيه خَوَرٌ. والخَوْرَان: يقال لمجرى الرّوث «١» ، وصوت البهائم.
خوض
الخَوْضُ: هو الشّروع في الماء والمرور فيه، ويستعار في الأمور، وأكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يذمّ الشروع فيه، نحو قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ: إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ
[التوبة/ ٦٥] ، وقوله: وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا
[التوبة/ ٦٩] ، ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
[الأنعام/ ٩١] ، وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ [الأنعام/ ٦٨] ، وتقول: أَخَضْتُ دابّتي في الماء، وتخاوضوا في الحديث:
تفاوضوا.
خيط
الخَيْطُ معروف، وجمعه خُيُوط، وقد خِطْتُ الثوب أَخِيطُهُ خِيَاطَةً، وخَيَّطْتُهُ تَخْييطاً. والخِيَاطُ:
الإبرة التي يخاط بها، قال تعالى: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ [الأعراف/ ٤٠] ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ
[البقرة/ ١٨٧] ، أي: بياض النهار من سواد اللّيل، والخيطة في قول الشاعر:
١٥٢-
تدلّى عليها بين سبّ وخيطة
«٢» فهي مستعارة للحبل، أو الوتد. وروي (أنّ عديّ بن حاتم عمد إلى عقالين أبيض وأسود فجعل ينظر إليهما ويأكل إلى أن يتبيّن أحدهما من الآخر، فأخبر النّبيّ ﵊ بذلك فقال: إنّك لعريض القفا، إنما ذلك بياض
стр. 285
النهار وسواد الليل) «١» . وخيّط الشّيب في رأسه «٢» : بدا كالخيط، والخَيْط: النّعام، وجمعه خِيطَان، ونعامة خَيْطاء: طويلة العنق، كأنما عنقها خيط.
خوف
الخَوْف: توقّع مكروه عن أمارة مظنونة، أو معلومة، كما أنّ الرّجاء والطمع توقّع محبوب عن أمارة مظنونة، أو معلومة، ويضادّ الخوف الأمن، ويستعمل ذلك في الأمور الدنيوية والأخروية.
قال تعالى: وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ
[الإسراء/ ٥٧] ، وقال: وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ [الأنعام/ ٨١] ، وقال تعالى: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً [السجدة/ ١٦] ، وقال: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا
[النساء/ ٣] ، وقوله: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما [النساء/ ٣٥] ، فقد فسّر ذلك بعرفتم «٣» ، وحقيقته: وإن وقع لكم خوف من ذلك لمعرفتكم. والخوف من الله لا يراد به ما يخطر بالبال من الرّعب، كاستشعار الخوف من الأسد، بل إنما يراد به الكفّ عن المعاصي واختيار الطّاعات، ولذلك قيل: لا يعدّ خائفا من لم يكن للذنوب تاركا. والتَّخويفُ من الله تعالى:
هو الحثّ على التّحرّز، وعلى ذلك قوله تعالى:
ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ
[الزمر/ ١٦] ، ونهى الله تعالى عن مخافة الشيطان، والمبالاة بتخويفه فقال: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران/ ١٧٥] ، أي: فلا تأتمروا لشيطان وائتمروا لله، ويقال: تخوّفناهم أي: تنقّصناهم تنقّصا اقتضاه الخوف منه. وقوله تعالى: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي [مريم/ ٥] ، فخوفه منهم: أن لا يراعوا الشّريعة، ولا يحفظوا نظام الدّين، لا أن يرثوا ماله كما ظنّه بعض الجهلة، فالقنيّات الدّنيويّة أخسّ عند الأنبياء ﵈ من أن يشفقوا عليها. والخِيفَةُ: الحالة التي عليها الإنسان من الخوف، قال تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى قُلْنا: لا تَخَفْ [طه/ ٦٧] ، واستعمل استعمال الخوف في قوله:
وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ [الرعد/ ١٣] ، وقوله:
تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [الروم/ ٢٨] ، أي: كخوفكم، وتخصيص لفظ الخيفة تنبيها أن الخوف منهم حالة لازمة لا تفارقهم، والتَّخَوُّفُ:
ظهور الخوف من الإنسان، قال:
стр. 286
أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ [النحل/ ٤٧] .
خيل
الخَيَال: أصله الصّورة المجرّدة كالصّورة المتصوّرة في المنام، وفي المرآة وفي القلب بعيد غيبوبة المرئيّ، ثم تستعمل في صورة كلّ أمر متصوّر، وفي كلّ شخص دقيق يجري مجرى الخيال، والتّخييل: تصوير خيال الشيء في النّفس، والتّخيّل: تصوّر ذلك، وخلت بمعنى ظننت، يقال اعتبارا بتصوّر خيال المظنون. ويقال خَيَّلَتِ السّماءُ: أبدت خيالا للمطر، وفلان مَخِيل بكذا، أي: خليق.
وحقيقته: أنه مظهر خيال ذلك. والخُيَلَاء: التّكبّر عن تخيّل فضيلة تراءت للإنسان من نفسه، ومنها يتأوّل لفظ الخيل لما قيل: إنه لا يركب أحد فرسا إلّا وجد في نفسه نخوة، والْخَيْلُ في الأصل اسم للأفراس والفرسان جميعا، وعلى ذلك قوله تعالى: وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ [الأنفال/ ٦٠] ، ويستعمل في كلّ واحد منهما منفردا نحو ما روي: (يا خيل الله اركبي) «١» ، فهذا للفرسان، وقوله ﵇: «عفوت لكم عن صدقة الخيل» «٢» يعني الأفراس. والأخيل:
الشّقراق «٣» ، لكونه متلوّنا فيختال في كلّ وقت أنّ له لونا غير اللون الأوّل، ولذلك قيل:
١٥٣-
كأبي براقش كلّ لو ... ن لونه يتخيّل «٤»
خول
قوله تعالى: وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ
[الأنعام/ ٩٤] ، أي: ما أعطيناكم،
стр. 287
والتّ خوي ل في الأصل: إعطاء الخَوَل، وقيل:
إعطاء ما يصير له خولا، وقيل: إعطاء ما يحتاج أن يتعهّده، من قولهم: فلان خَالُ مَالٍ، وخَايِلُ مالٍ، أي: حسن القيام به. والخَال: ثوب يعلّق فيخيّل للوحوش، والخَال في الجسد: شامة فيه.
خون
الخِيَانَة والنّفاق واحد، إلا أنّ الخيانة تقال اعتبارا بالعهد والأمانة، والنّفاق يقال اعتبارا بالدّين، ثم يتداخلان، فالخيانة: مخالفة الحقّ بنقض العهد في السّرّ. ونقيض الخيانة:
الأمانة، يقال: خُنْتُ فلانا، وخنت أمانة فلان، وعلى ذلك قوله: لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ
[الأنفال/ ٢٧] ، وقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما
[التحريم/ ١٠] ، وقوله: وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ [المائدة/ ١٣] ، أي: على جماعة خائنة منهم. وقيل: على رجل خائن، يقال: رجل خائن، وخائنة، نحو: راوية، وداهية. وقيل: (خائنة) موضوعة موضع المصدر، نحو: قم قائما «١» ، وقوله: يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ [غافر/ ١٩] ، على ما تقدّم «٢» ، وقال تعالى: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ [الأنفال/ ٧١] ، وقوله:
عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ
[البقرة/ ١٨٧] ، والاختيان: مراودة الخيانة، ولم يقل: تخونون أنفسكم، لأنه لم تكن منهم الخيانة، بل كان منهم الاختيان، فإنّ الاختيان تحرّك شهوة الإنسان لتحرّي الخيانة، وذلك هو المشار إليه بقوله تعالى: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [يوسف/ ٥٣] .
خوى
أصل الخَوَاء: الخلا، يقال خَوَى بطنه من الطعام يَخْوِي خَوًى «٣» ، وخَوَى الجوز خَوًى تشبيها به، وخَوَتِ الدار تَخْوِي خَوَاءً، وخَوَى النجم وأَخْوَى: إذا لم يكن منه عند سقوطه مطر، تشبيها بذلك، وأخوى أبلغ من خوى، كما أن أسقى أبلغ من سقى. والتّخوية: ترك ما بين الشيئين خاليا.
تمّ كتاب الخاء
стр. 288
كتاب الدّال
دب
الدَّبُّ والدَّبِيبُ: مشي خفيف، ويستعمل ذلك في الحيوان، وفي الحشرات أكثر، ويستعمل في الشّراب والبلى «١» ، ونحو ذلك مما لا تدرك حركته الحاسّة، ويستعمل في كلّ حيوان وإن اختصّت في التّعارف بالفرس، قال تعالى:
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ
الآية [النور/ ٤٥] ، وقال: وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ [البقرة/ ١٦٤] ، وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [هود/ ٦] ، وقال تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الأنعام/ ٣٨] ، وقوله تعالى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [فاطر/ ٤٥] ، قال أبو عبيدة: عنى الإنسان خاصّة «٢» ، والأولى إجراؤها على العموم. وقوله: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ [النمل/ ٨٢] ، فقد قيل: إنها حيوان بخلاف ما نعرفه يختصّ خروجها بحين القيامة، وقيل: عنى بها الأشرار الذين هم في الجهل بمنزلة الدوابّ، فتكون الدابة جمعا لكلّ شيء يَدِبُّ، نحو: خائنة جمع خائن، وقوله: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ
[الأنفال/ ٢٢] ، فإنّها عامّ في جميع الحيوانات، ويقال: ناقة دَبُوب: تدبّ في مشيها لبطئها، وما بالدار دُبِّيٌّ، أي: من يدبّ، وأرض مَدْبُوبَة:
كثيرة ذوات الدّبيب فيها.
دبر
دُبُرُ الشّيء: خلاف القُبُل «٣» ، وكنّي بهما عن، العضوين المخصوصين، ويقال: دُبْرٌ ودُبُرٌ، وجمعه أَدْبَار، قال تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ
стр. 289
دُبُرَهُ [الأنفال/ ١٦] ، وقال: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ [الأنفال/ ٥٠] ، أي:
قدّامهم وخلفهم، وقال: فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ [الأنفال/ ١٥] ، وذلك نهي عن الانهزام، وقوله:
وَأَدْبارَ السُّجُودِ [ق/ ٤٠] : أواخر الصلوات، وقرئ: وَإِدْبارَ النُّجُومِ
«١» (وأَدْبَار النّجوم) «٢» ، فإدبار مصدر مجعول ظرفا، نحو: مقدم الحاجّ، وخفوق النجم، ومن قرأ: (أدبار) فجمع. ويشتقّ منه تارة باعتبار دبر الفاعل، وتارة باعتبار دبر المفعول، فمن الأوّل قولهم: دَبَرَ فلانٌ، وأمس الدابر، وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ
[المدثر/ ٣٣] ، وباعتبار المفعول قولهم: دَبَرَ السهم الهدف: سقط خلفه، ودَبَرَ فلان القوم: صار خلفهم، قال تعالى: أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ
[الحجر/ ٦٦] ، وقال تعالى: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا [الأنعام/ ٤٥] ، والدابر يقال للمتأخر، وللتابع، إمّا باعتبار المكان، أو باعتبار الزمان، أو باعتبار المرتبة، وأَدبرَ: أعرض وولّى دبره، قال: ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ [المدثر/ ٢٣] ، وقال: تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى [المعارج/ ١٧] ، وقال ﵇: «لا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا» «٣» ، وقيل: لا يذكر أحدكم صاحبه من خلفه، والاستدبار:
طلب دبر الشيء، وتدابر القوم: إذا ولّى بعضهم عن بعض، والدِّبَار مصدر دابرته، أي: عاديته من خلفه، والتدبيرُ: التفكّر في دبر الأمور، قال تعالى: فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً
[النازعات/ ٥] ، يعني: ملائكة موكّلة بتدبير أمور، والتدبير: عتق العبد عن دبر، أو بعد موته. والدِّبَار «٤» : الهلاك الذي يقطع دابرتهم، وسمّي يوم الأربعاء في الجاهلية دِبَاراً «٥» ، قيل: وذلك لتشاؤمهم به، والدَّبِير من الفتيل: المَدْبُور، أي: المفتول إلى خلف، والقبيل بخلافه. ورجل مُقَابَل مُدَابَر، أي: شريف من جانبيه. وشاة مُقَابَلَة مُدَابَرَة:
مقطوعة الأذن من قبلها ودبرها. ودابرة الطائر:
أصبعه المتأخّرة، ودابرة الحافر ما حول الرّسغ، والدَّبُور من الرّياح معروف، والدَّبْرَة من المزرعة، جمعها دَبَار، قال الشاعر:
١٥٤-
على جربة تعلو الدّبار غروبها
«٦»
стр. 290
والدَّبْر: النّحل والزّنابير ونحوهما مما سلاحها في أدبارها، الواحدة دَبْرَة. والدَّبْرُ: المال الكثير الذي يبقى بعد صاحبه، ولا يثنّى ولا يجمع.
ودَبَرَ «١» البعير دَبَراً، فهو أَدْبَرُ ودَبِرٌ: صار بقرحه دُبْراً، أي: متأخّرا، والدَّبْرَة: الإدبار.
دثر
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
«٢» أصله المتدثّر فأدغم، وهو المتدرّع دِثَاره، يقال: دَثَرْتُهُ فَتَدَثَّرَ، والدِّثَار: ما يتدثّر به، وقد تَدَثَّرَ الفحل الناقة: تسنّمها، والرّجل الفرس: وثب عليه فركبه، ورجل دَثُور: خامل مستتر، وسيف داثر:
بعيد العهد بالصّقال، ومنه قيل للمنزل الدارس:
داثر، لزوال أعلامه، وفلان دِثْرُ مالٍ، أي: حَسَنُ القيام به.
دحر
الدَّحْر: الطّرد والإبعاد، يقال: دَحَرَهُ دُحُوراً، قال تعالى: اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً
[الأعراف/ ١٨] ، وقال: فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً [الإسراء/ ٣٩] ، وقال: وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً [الصافات/ ٨- ٩] .
دحض
قال تعالى: حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
[الشورى/ ١٦] ، أي: باطلة زائلة، يقال:
أدحضت فلانا في حجّته فَدَحَضَ، قال تعالى:
وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [الكهف/ ٥٦] ، وأدحضت حجّته فَدَحَضَتْ، وأصله من دحض الرّجل، وعلى نحوه في وصف المناظرة:
١٥٥-
نظرا يزيل مواقع الأقدام ... «٣» ودحضت الشمس مستعار من ذلك.
دحا
قال تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
[النازعات/ ٣٠] ، أي: أزالها عن مقرّها، كقوله: يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ [المزمل/ ١٤] ، وهو من قولهم: دحا المطر الحصى عن وجه الأرض، أي: جرفها، ومرّ الفرس يَدْحُو دَحْواً: إذا جرّ يده على وجه الأرض، فيدحو ترابها، ومنه: أُدْحِيُّ النّعام، وهو أُفْعُول من دحوت، ودِحْيَة «٤» : اسم رجل.
стр. 291
دخر
قال تعالى: وَهُمْ داخِرُونَ
[النحل/ ٤٨] ، أي: أذلّاء، يقال: أدخرته فَدَخَرَ، أي:
أذللته فذلّ، وعلى ذلك قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَ دْخُلُ ونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [غافر/ ٦٠] ، وقوله: يَدَّخِرُ أصله:
يذتخر، وليس من هذا الباب.
دخل
الدّخول: نقيض الخروج، ويستعمل ذلك في المكان، والزمان، والأعمال، يقال: دخل مكان كذا، قال تعالى: ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ
[البقرة/ ٥٨] ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل/ ٣٢] ، ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها [الزمر/ ٧٢] ، وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
[المجادلة/ ٢٢] ، وقال: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ [الإنسان/ ٣١] ، وَقُلْ: رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ
[الإسراء/ ٨٠] ، فمدخل من دخل يدخل، ومدخل من أدخل، لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ [الحج/ ٥٩] ، وقوله: مُدْخَلًا كَرِيماً [النساء/ ٣١] ، قرئ بالوجهين «١» ، وقال أبو عليّ الفسويّ «٢» : من قرأ: «مدخلا» بالفتح فكأنه إشارة إلى أنهم يقصدونه، ولم يكونوا كمن ذكرهم في قوله: الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ [الفرقان/ ٣٤] ، وقوله: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ [غافر/ ٧١] ، ومن قرأ «مدخلا» فكقوله:
لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ [الحج/ ٥٩] ، وادَّخَلَ: اجتهد في دخوله، قال تعالى: لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا
[التوبة/ ٥٧] ، والدَّخَلُ: كناية عن الفساد والعداوة المستبطنة، كالدّغل، وعن الدّعوة في النّسب، يقال: دَخِلَ دَخَلًا «٣» ، قال تعالى: تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ [النحل/ ٩٢] ، فيقال:
دُخِلَ «٤» فلان فهو مدخول، كناية عن بله في عقله، وفساد في أصله، ومنه قيل: شجرة مدخولة. والدِّخَالُ في الإبل: أن يدخل إبل في أثناء ما لم تشرب لتشرب معها ثانيا. والدَّخَلَ طائر، سمّي بذلك لدخوله فيما بين الأشجار الملتفّة، والدَّوْخَلَّة «٥» : معروفة، ودَخَلَ بامرأته:
كناية عن الإفضاء إليها، قال تعالى: مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ [النساء/ ٢٣] .
стр. 292
دخن
الدّخان كالعثان «١» : المستصحب للهيب، قال: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ [فصلت/ ١١] ، أي: هي مثل الدّخان، إشارة إلى أنه لا تماسك لها، ودَخَنَتِ النار تَدْخُنُ: كثر دخانها «٢» ، والدُّخْنَة منه، لكن تعورف فيما يتبخّر به من الطّيب. ودَخِنَ الطّبيخ: أفسده الدّخان «٣» . وتصوّر من الدّخان اللّون، فقيل:
شاة دَخْنَاء، وذات دُخْنَةٍ، وليلة دَخْنَانَة، وتصوّر منه التّأذّي به، فقيل: هو دَخِنُ الخُلُقِ، وروي:
«هدنة على دَخَنٍ» «٤» أي: على فساد دخلة.
در
قال تعالى: وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً
[الأنعام/ ٦] ، يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً [نوح/ ١١] ، وأصله من الدَّرِّ والدِّرَّة، أي: اللّبن، ويستعار ذلك للمطر استعارة أسماء البعير وأوصافه، فقيل: لله دَرُّه، ودَرَّ دَرُّكَ. ومنه استعير قولهم للسّوق: دِرَّةٌ، أي: نفاق «٥» ، وفي المثل: سبقت درّته غراره «٦» ، نحو: سبق سيله مطره «٧» . ومنه اشتقّ: استدرّت المعزى، أي:
طلبت الفحل، وذلك أنها إذا طلبت الفحل حملت، وإذا حملت ولدت، فإذا ولدت درّت، فكنّي عن طلبها الفحل بالاستدرار.
درج
الدّرجة نحو المنزلة، لكن يقال للمنزلة: درجة إذا اعتبرت بالصّعود دون الامتداد على البسيطة، كدرجة السّطح والسّلّم، ويعبّر بها عن المنزلة الرفيعة: قال تعالى: وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة/ ٢٢٨] ، تنبيها لرفعة منزله الرجال عليهنّ في العقل والسّياسة، ونحو ذلك من المشار إليه بقوله: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ ...
الآية [النساء/ ٣٤] ، وقال: لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الأنفال/ ٤] ، وقال: هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ [آل عمران/ ١٦٣] ، أي: هم ذوو درجات
стр. 293
عند الله، ودرجات النجوم تشبيها بما تقدّم.
ويقال لقارعة الطّريق: مَدْرَجَة، ويقال: فلان يتدرّج في كذا، أي: يتصعّد فيه درجة درجة، ودَرَجَ الشيخ والصّبيّ دَرَجَاناً: مشى مشية الصاعد في درجه. والدَّرْجُ: طيّ الكتاب والثّوب، ويقال للمطويّ: دَرْجٌ. واستعير الدَّرْج للموت، كما استعير الطيّ له في قولهم: طوته المنيّة، وقولهم: من دبّ ودرج، أي: من كان حيّا فمشى، ومن مات فطوى أحواله، وقوله:
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ
[الأعراف/ ١٨٢] ، قيل معناه: سنطويهم طيّ الكتاب، عبارة عن إغفالهم نحو: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا [الكهف/ ٢٨] ، والدَّرَجُ: سفط يجعل فيه الشيء، والدُّرْجَة: خرقة تلفّ فتدخل في حياء «١» الناقة، وقيل:
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ معناه: نأخذهم درجة فدرجة، وذلك إدناؤهم من الشيء شيئا فشيئا، كالمراقي والمنازل في ارتقائها ونزولها. والدُّرَّاج: طائر يدرج في مشيته.
درس
دَرَسَ الدّار معناه: بقي أثرها، وبقاء الأثر يقتضي انمحاءه في نفسه، فلذلك فسّر الدُّرُوس بالانمحاء، وكذا دَرَسَ الكتابُ، ودَرَسْتُ العلم:
تناولت أثره بالحفظ، ولمّا كان تناول ذلك بمداومة القراءة عبّر عن إدامة القراءة بالدّرس، قال تعالى: وَدَرَسُوا ما فِيهِ
[الأعراف/ ١٦٩] ، وقال: بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
[آل عمران/ ٧٩] ، وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها [سبأ/ ٤٤] ، وقوله تعالى:
وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ
[الأنعام/ ١٠٥] ، وقرئ:
دَارَسْتَ «٢» أي: جاريت أهل الكتاب، وقيل: وَدَرَسُوا ما فِيهِ [الأعراف/ ١٦٩] ، تركوا العمل به، من قولهم: دَرَسَ القومُ المكان، أي: أبلوا أثره، ودَرَسَتِ المرأةُ: كناية عن حاضت، ودَرَسَ البعيرُ: صار فيه أثر جرب.
درك
الدَّرْكُ كالدّرج، لكن الدّرج يقال اعتبارا بالصّعود، والدّرك اعتبارا بالحدور، ولهذا قيل:
درجات الجنّة، ودَرَكَات النار، ولتصوّر الحدور في النار سمّيت هاوية، وقال تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء/ ١٤٥] ، والدّرك «٣» أقصى قعر البحر.
ويقال للحبل الذي يوصل به حبل
стр. 294
آخر ليدرك الماء دَرَكٌ، ولما يلحق الإنسان من تبعة دَرَكٌ «١» كالدّرك في البيع «٢» . قال تعالى: لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى [طه/ ٧٧] ، أي:
تبعة. وأَدْرَكَ: بلغ أقصى الشيء، وأَدْرَكَ الصّبيّ:
بلغ غاية الصّبا، وذلك حين البلوغ، قال:
حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ [يونس/ ٩٠] ، وقوله: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [الأنعام/ ١٠٣] ، فمنهم من حمل ذلك على البصر الذي هو الجارحة، ومنهم من حمله على البصيرة، وذكر أنه قد نبّه به على ما روي عن أبي بكر ﵁ في قوله: (يا من غاية معرفته القصور عن معرفته) إذ كان غاية معرفته تعالى أن تعرف الأشياء فتعلم أنه ليس بشيء منها، ولا بمثلها بل هو موجد كلّ ما أدركته. والتَّدَارُكُ في الإغاثة والنّعمة أكثر، نحو قوله تعالى: لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ [القلم/ ٤٩] ، وقوله:
حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً
[الأعراف/ ٣٨] ، أي: لحق كلّ بالآخر. وقال: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ [النمل/ ٦٦] ، أي:
تدارك، فأدغمت التاء في الدال، وتوصّل إلى السكون بألف الوصل، وعلى ذلك قوله تعالى:
حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها [الأعراف/ ٣٨] ، ونحوه: اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ [التوبة/ ٣٨] ، واطَّيَّرْنا بِكَ [النمل/ ٤٧] ، وقرئ:
بل أدرك علمهم في الآخرة «٣» ، وقال الحسن: معناه جهلوا أمر الآخرة «٤» ، وحقيقته انتهى علمهم في لحوق الآخرة فجهلوها. وقيل معناه:
بل يدرك علمهم ذلك في الآخرة، أي: إذا حصلوا في الآخرة، لأنّ ما يكون ظنونا في الدّنيا، فهو في الآخرة يقين.
درهم
قال تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ
[يوسف/ ٢٠] ، الدّرهم: الفضّة المطبوعة المتعامل بها.
درى
الدّراية: المعرفة المدركة بضرب من الحيل، يقال: دَرَيْتُهُ، ودَرَيْتُ به، دِرْيَةً، نحو: فطنة، وشعرة، وادَّرَيْتُ قال الشاعر:
١٥٦-
وماذا يدّري الشّعراء منّي ... وقد جاوزت رأس الأربعين
«٥» والدَّرِيَّة: لما يتعلّم عليه الطّعن، وللناقة التي ينصبها الصائد ليأنس بها الصّيد، فيستتر من ورائها فيرميه، والمِدْرَى: لقرن الشاة، لكونها دافعة به عن نفسها، وعنه استعير المُدْرَى لما
стр. 295
يصلح به الشّعر، قال تعالى: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً
[الطلاق/ ١] ، وقال:
وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ [الأنبياء/ ١١١] ، وقال: ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ [الشورى/ ٥٢] ، وكلّ موضع ذكر في القرآن وَما أَ دْرا كَ
، فقد عقّب ببيانه «١» ، نحو وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ [القارعة/ ١٠- ١١] ، وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ [القدر/ ٢- ٣] ، وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة/ ٣] ، ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار/ ١٨] ، وقوله: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ [يونس/ ١٦] ، من قولهم: دريت، ولو كان من درأت لقيل: ولا أدرأتكموه. وكلّ موضع ذكر فيه: وَما يُدْرِيكَ لم يعقّبه بذلك، نحو: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس/ ٣٠] ، وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ
[الشورى/ ١٧] ، والدّراية لا تستعمل في الله تعالى، وقول الشاعر:
١٥٧-
لا همّ لا أدري وأنت الدّاري
«٢» فمن تعجرف أجلاف العرب «٣» .
درأ
الدَّرْءُ: الميل إلى أحد الجانبين، يقال:
قوّمت دَرْأَهُ، ودَرَأْتُ عنه: دفعت عن جانبه، وفلان ذو تَدَرُّؤٍ، أي: قويّ على دفع أعدائه، ودَارَأْتُهُ: دافعته. قال تعالى: وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ
[الرعد/ ٢٢] ، وقال: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ [النور/ ٨] ، وفي الحديث:
«ادْرَءُوا الحدود بالشّبهات» «٤» تنبيها على تطلّب
стр. 296
حيلة يدفع بها الحدّ، قال تعالى: قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ [آل عمران/ ١٦٨] ، وقوله: فَادَّارَأْتُمْ فِيها
[البقرة/ ٧٢] ، هو تفاعلتم، أصله: تَدَارَأْتُم، فأريد منه الإدغام تخفيفا، وأبدل من التاء دال فسكّن للإدغام، فاجتلب لها ألف الوصل فحصل على افّاعلتم.
قال بعض الأدباء: ادّارأتم افتعلتم، وغلط من أوجه:
أولا: أنّ ادّارأتم على ثمانية أحرف، وافتعلتم على سبعة أحرف.
والثاني: أنّ الذي يلي ألف الوصل تاء، فجعلها دالا.
والثالث: أنّ الذي يلي الثاني دال، فجعلها تاء.
والرابع: أنّ الفعل الصحيح العين لا يكون ما بعد تاء الافتعال منه إلّا متحرّكا، وقد جعله هاهنا ساكنا.
الخامس: أنّ هاهنا قد دخل بين التاء والدّال زائد. وفي افتعلت لا يدخل ذلك.
السا دس: أنه أنزل الألف منزل العين، وليست بعين.
السابع: أنّ افتعل قبله حرفان، وبعده حرفان، وادّارأتم بعده ثلاثة أحرف.
دس
الدَّسُّ: إدخال الشيء في الشيء بضرب من الإكراه. يقال: دَسَسْتُهُ فَدَسَّ وقد دُسَّ البعير بالهناء «١» ، وقيل: ليس الهناء بالدّسّ «٢» ، قال الله تعالى: أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ
[النحل/ ٥٩] .
دسر
قال تعالى: وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ
[القمر/ ١٣] ، أي: مسامير، الواحد دِسَار، وأصل الدَّسْرِ: الدّفع الشّديد بقهر، يقال:
دَسَرَهُ بالرّمح، ورجل مِدْسَر، كقولك: مطعن، وروي: «ليس في العنبر زكاة، إنّما هو شيء دسره البحر» «٣» .
دسى
قال تعالى: وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
[الشمس/ ١٠] ، أي: دسّسها في المعاصي، فأبدل من إحدى السّينات ياء، نحو: تظنّيت، وأصله تظنّنت.
دع
الدَّعُّ: الدفع الشديد وأصله أن يقال للعاثر:
دع دع، كما يقال له: لعا، قال تعالى:
стр. 297
يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا
[الطور/ ١٣] ، وقوله: فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ
[الماعون/ ٢] ، قال الشاعر:
١٥٨-
دَعَّ الوصيّ في قفا يتيمه
«١»
دعا
الدُّعَاء كالنّداء، إلّا أنّ النّداء قد يقال بيا، أو أيا، ونحو ذلك من غير أن يضمّ إليه الاسم، والدُّعَاء لا يكاد يقال إلّا إذا كان معه الاسم، نحو: يا فلان، وقد يستعمل كلّ واحد منهما موضع الآخر. قال تعالى: كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً [البقرة/ ١٧١] ، ويستعمل استعمال التسمية، نحو: دَعَوْتُ ابني زيدا، أي: سمّيته، قال تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور/ ٦٣] ، حثّا على تعظيمه، وذلك مخاطبة من كان يقول: يا محمد، ودَعَوْتَهُ: إذا سألته، وإذا استغثته، قال تعالى: قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ
[البقرة/ ٦٨] ، أي: سله، وقال: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ
[الأنعام/ ٤٠- ٤١] ، تنبيها أنّكم إذا أصابتكم شدّة لم تفزعوا إلّا إليه، وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً [الأعراف/ ٥٦] ، وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة/ ٢٣] ، وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ [الزمر/ ٨] ، وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ [يونس/ ١٢] ، وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ [يونس/ ١٠٦] ، وقوله: لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً [الفرقان/ ١٤] ، هو أن يقول: يا لهفاه، ويا حسرتاه، ونحو ذلك من ألفاظ التأسّف، والمعنى: يحصل لكم غموم كثيرة. وقوله: ادْعُ لَنا رَبَّكَ [البقرة/ ٦٨] ، أي: سله. والدُّعاءُ إلى الشيء: الحثّ على قصده قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [يوسف/ ٣٣] ، وقال: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ [يونس/ ٢٥] ، وقال:
يا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ [غافر/ ٤١- ٤٢] ، وقوله: لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ [غافر/ ٤٣] ، أي: رفعة وتنويه.
والدَّعْوَةُ مختصّة بادّعاء النّسبة «٢» ، وأصلها للحالة التي عليها الإنسان، نحو: القعدة والجلسة.
стр. 298
وقولهم: «دَعْ دَاعِي اللّبن» «١» أي: غُبْرَةً «٢» تجلب منها اللّبن. والادِّعاءُ: أن يدّعي شيئا أنّه له، وفي الحرب الاعتزاء، قال تعالى: وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ نُزُلًا
[فصلت/ ٣١- ٣٢] ، أي: ما تطلبون، والدَّعْوَى: الادّعاء، قال: فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا [الأعراف/ ٥] ، والدَّعْوَى: الدّعاء، قال: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [يونس/ ١٠] .
دفع
الدَّفْعُ إذا عدّي بإلى اقتضى معنى الإنالة، نحو قوله تعالى: فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
[النساء/ ٦] ، وإذا عدّي بعن اقتضى معنى الحماية، نحو: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا
[الحج/ ٣٨] ، وقال: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
[الحج/ ٤٠] ، وقوله:
لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ
[المعارج/ ٢- ٣] ، أي: حام، والمُدَفَّع: الذي يدفعه كلّ أحد «٣» ، والدُّفْعَة من المطر، والدُّفَّاع من السّيل.
دفق
قال تعالى: ماءٍ دافِقٍ
[الطارق/ ٦] : سائل بسرعة. ومنه استعير: جاءوا دُفْقَةً، وبعير أَدْفَقُ: سريع، ومَشَى الدِّفِقَّى، أي: يتصبّب في عدوه كتصبّب الماء المتدفّق، ومشوا دفقا.
دفىء
الدِّفْء: خلاف البرد، قال تعالى: لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ [النحل/ ٥] ، وهو لما يدفئ، ورجل دفآن، وامرأة دفأى، وبيت دفيء.
دك
الدَّكُّ: الأرض الليّنة السّهلة، وقد دَكَّهُ دَكّاً، قال تعالى: وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً [الحاقة/ ١٤] ، وقال: دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا [الفجر/ ٢١] ، أي: جعلت بمنزلة الأرض اللّيّنة. وقال الله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [الأعراف/ ١٤٣] ، ومنه: الدُّكَّان. والدّكداك «٤» : رمل ليّنة.
وأرض دَكَّاء: مسوّاة، والجمع الدُّكُّ، وناقة دكّاء:
لا سنام لها، تشبيها بالأرض الدّكّاء.
دلَ
الدّلالة: ما يتوصّل به إلى معرفة الشيء، كدلالة الألفاظ على المعنى، ودلالة الإشارات،
стр. 299
والرموز، والكتابة، والعقود في الحساب، وسواء كان ذلك بقصد ممن يجعله دلالة، أو لم يكن بقصد، كمن يرى حركة إنسان فيعلم أنه حيّ، قال تعالى: ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ
[سبأ/ ١٤] . أصل الدّلالة مصدر كالكتابة والإمارة، والدّالّ: من حصل منه ذلك، والدليل في المبالغة كعالم، وعليم، وقادر، وقدير، ثم يسمّى الدّالّ والدليل دلالة، كتسمية الشيء بمصدره.
دلو
دَلَوْتُ الدَّلْوَ: إذا أرسلتها، وأدليتها أي:
أخرجتها، وقيل: يكون بمعنى أرسلتها (قاله أبو منصور في الشامل) «١» ، قال تعالى: فَأَدْلى دَلْوَهُ [يوسف/ ١٩] ، واستعير للتّوصّل إلى الشيء، قال الشاعر:
١٥٩-
وليس الرّزق عن طلب حثيث ... ولكن ألق دلوك في الدِّلَاءِ
«٢» وبهذا النحو سمّي الوسيلة المائح، قال الشاعر:
١٦٠-
ولي مائح لم يورد الناس قبله ... معلّ وأشطان الطّويّ كثير
«٣» قال تعالى: وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ [البقرة/ ١٨٨] ، والتَّدَلِّي: الدّنوّ والاسترسال، قال تعالى: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى
[النجم/ ٨] .
دلك
دُلُوك الشمس: ميلها للغروب. قال تعالى:
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء/ ٧٨] ، هو من قولهم: دَلَكْتُ الشمس: دفعتها بالرّاح، ومنه: دلكت الشيء في الرّاحة، ودَالَكْتُ الرّجلَ: إذا ماطلته، والدَّلُوك: ما دلكته من طيب، والدَّلِيك: طعام يتّخذ من الزّبد والتّمر «٤» .
دمدم
فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ
[الشمس/ ١٤] ،
стр. 300
أي: أهلكهم، وأزعجهم، وقيل: ال دّم دمة حكاية صوت الهرّة، ومنه: دَمْدَمَ فلان في كلامه، ودَمَمْتُ الثوب: طليته بصبغ مّا، والدِّمَام: يطلى به، وبعير مَدْمُوم بالشّحم، والدَّامَّاء، والدُّمَمَة:
جحر اليربوع، والدَّامَاء بالتخفيف، والدَّيْمُومَة:
المفازة.
دم
أصل الدّم دمي، وهو معروف، قال الله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [المائدة/ ٣] ، وجمعه دِمَاء، وقال: لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ [البقرة/ ٨٤] ، وقد دَمِيَتِ الجراحةُ، وفرس مَدْمِيٌّ: شديد الشّقرة، كالدّم في اللّون، والدُّمْيَة صورة حسنة، وشجّة دامية.
دمر
قال: فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً
[الفرقان/ ٣٦] ، وقال: ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ [الشعراء/ ١٧٢] ، وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ [الأعراف/ ١٣٧] ، والتدمير: إدخال الهلاك على الشيء، ويقال: ما بالدّار تَدْمُرِيٌّ «١» ، وقوله تعالى: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
[محمد/ ١٠] ، فإنّ مفعول دمّر محذوف.
دمع
قال تعالى: تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً
[التوبة/ ٩٢] . فالدّمع يكون اسما للسائل من العين، ومصدر دَمَعَتِ العينُ دَمْعاً ودَمَعَاناً.
دمغ
قال تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ
[الأنبياء/ ١٨] ، أي: يكسر دِمَاغَهُ، وحجّة دَامِغَة كذلك. ويقال للطّلعة تخرج من أصل النّخلة فتفسده إذا لم تقطع: دامغة، وللحديدة التي تشدّ على آخر الرّحل: دامغة، وكلّ ذلك استعارة من الدَّمْغ الذي هو كسر الدّماغ.
دنر
قال تعالى: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ
[آل عمران/ ٧٥] ، أصله: دنّا ر، فأبدل من إحدى النّونين ياء، وقيل: أصله بالفارسية دين آر، أي:
الشريعة جاءت به.
دنا
الدّنوّ: القرب بالذّات، أو بالحكم، ويستعمل في المكان والزّمان والمنزلة. قال تعالى: وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ
[الأنعام/ ٩٩] ، وقال تعالى: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى
[النجم/ ٨] ، هذا بالحكم. ويعبّر بالأدنى تارة عن الأصغر، فيقابل بالأكبر نحو: وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ
стр. 301
«١» ، وتارة عن الأرذل فيقابل بالخير، نحو: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [البقرة/ ٦١] ، وعن الأوّل فيقابل بالآخر، نحو: خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ
[الحج/ ١١] ، وقوله: وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [النحل/ ١٢٢] ، وتارة عن الأقرب، فيقابل بالأقصى نحو: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى
[الأنفال/ ٤٢] ، وجمع الدّنيا الدّني، نحو الكبرى والكبر، والصّغرى والصّغر. وقوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ
[المائدة/ ١٠٨] ، أي: أقرب لنفوسهم أن تتحرّى العدالة في إقامة الشهادة، وعلى ذلك قوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ [الأحزاب/ ٥١] ، وقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ [البقرة/ ٢٢٠] ، متناول للأحوال التي في النشأة الأولى، وما يكون في النشأة الآخرة، ويقال: دَانَيْتُ بين الأمرين، وأَدْنَيْتُ أحدهما من الآخر. قال تعالى: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَ
[الأحزاب/ ٥٩] ، وأَدْنَتِ الفرسُ: دنا نتاجها.
وخصّ الدّنيء بالحقير القدر، ويقابل به السّيّئ، يقال: دنيء بيّن الدّناءة. وما روي «إذا أكلتم فدنّوا» «٢» من الدّون، أي: كلوا ممّا يليكم.
دهر
الدّهر في الأصل: اسم لمدّة العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه، وعلى ذلك قوله تعالى:
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ [الدهر/ ١] ، ثمّ يعبّر به عن كلّ مدّة كثيرة، وهو خلاف الزمان، فإنّ الزّمان يقع على المدّة القليلة والكثيرة، ودَهْرُ فلان: مدّة حياته، واستعير للعادة الباقية مدّة الحياة، فقيل: ما دهري بكذا، ويقال: دَهَرَ فلانا نائبة دَهْراً، أي: نزلت به، حكاه (الخليل) «٣» ، فالدّهر هاهنا مصدر، وقيل:
دَهْدَرَهُ دَهْدَرَةً، ودَهْرٌ دَاهِرٌ ودَهِيرٌ. وقوله ﵊: «لا تسبّوا الدّهر فإنّ الله هو الدّهر» «٤» قد قيل معناه: إنّ الله فاعل ما يضاف إلى الدّهر من الخير والشّرّ والمسرّة والمساءة، فإذا سببتم الذي تعتقدون أنه فاعل ذلك فقد سببتموه تعالى عن ذلك «٥» . وقال بعضهم «٦» : الدّهر
стр. 302
الثاني في الخبر غير الدّهر الأوّل، وإنما هو مصدر بمعنى الفاعل، ومعناه: أنّ الله هو الدّاهر، أي: المصرّف المدبّر المفيض لما يحدث، والأول أظهر «١» . وقوله تعالى إخبارا عن مشركي العرب: ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
[الجاثية/ ٢٤] ، قيل: عني به الزمان.
دهق
قال تعالى: وَكَأْساً دِهاقاً
[النبأ/ ٣٤] ، أي: مفعمة، ويقال: أَدْهَقْتُ الكأسَ فَدَهَقَ، ودَهَقَ لي من المال دَهْقَةً، كقولك: قبض قبضة.
دهم
الدُّهْمَة: سواد الليل، ويعبّر بها عن سواد الفرس، وقد يعبّر بها عن الخضرة الكاملة اللّون، كما يعبّر عن الدُّهْمَة بالخضرة إذا لم تكن كاملة اللّون، وذلك لتقاربهما باللون. قال الله تعالى: مُدْهامَّتانِ
[الرحمن/ ٦٤] ، وبناؤهما من الفعل مفعالّ، يقال: ادهامّ ادهيماما، قال الشاعر في وصف الليل:
١٦١-
في ظلّ أخضر يدعو هامه البوم
«٢»
دهن
قال تعالى: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ
[المؤمنون/ ٢٠] ، وجمع الدّهن أدهان. وقوله تعالى:
فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ
[الرحمن/ ٣٧] ، قيل: هو درديّ الزّيت، والمُدْهُن: ما يجعل فيه الدّهن، وهو أحد ما جاء على مفعل من الآلة «٣» ، وقيل للمكان الذي يستقرّ فيه ماء قليل:
مُدْهُن، تشبيها بذلك، ومن لفظ الدّهن استعير الدَّهِين للناقة القليلة اللّبن، وهي فعيل في معنى فاعل، أي: تعطي بقدر ما تدهن به. وقيل:
بمعنى مفعول، كأنه مَدْهُون باللبن. أي: كأنها دُهِنَتْ باللبن لقلّته، والثاني أقرب من حيث لم يدخل فيه الهاء، ودَهَنَ المطر الأرض: بلّها بللا يسيرا، كالدّهن الذي يدهن به الرّأس، ودَهَنَهُ بالعصا: كناية عن الضّرب على سبيل التّهكّم، كقولهم: مسحته بالسّيف، وحيّيته بالرّمح.
والإِدْهَانُ في الأصل مثل التّدهين، لكن جعل عبارة عن المداراة والملاينة، وترك الجدّ، كما جعل التّقريد وهو نزع القراد عن البعير عبارة عن ذلك، قال: أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ
[الواقعة/ ٨١] ، قال الشاعر:
стр. 303
١٦٢-
الحزم والقوّة خير من ال ... إدهان والفكّة والهاع «١»
وداهنت فلانا مداهنة، قال: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم/ ٩] .
دأب
الدَّأْب: إدامة السّير، دَأَبَ في السّير دَأْباً. قال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ
[إبراهيم/ ٣٣] ، والدّأب: العادة المستمرّة دائما على حالة، قال تعالى: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ [آل عمران/ ١١] ، أي: كعادتهم التي يستمرّون عليها.
داود
داود اسم أعجميّ.
دار
الدَّار: المنزل اعتبارا بدورانها الذي لها بالحائط، وقيل: دارة، وجمعها ديار، ثم تسمّى البلدة دارا، والصّقع دارا، والدّنيا كما هي دارا، والدّار الدّنيا، والدّار الآخرة، إشارة إلى المقرّين في النّشأة الأولى، والنّشأة الأخرى. وقيل: دار الدّنيا، ودار الآخرة، قال تعالى: لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الأنعام/ ١٢٧] ، أي:
الجنة، ودارَ الْبَوارِ «٢» أي: الجحيم. قال تعالى: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ [البقرة/ ٩٤] ، وقال: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [البقرة/ ٢٤٣] ، وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا [البقرة/ ٢٤٦] ، وقال: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ [الأعراف/ ١٤٥] ، أي:
الجحيم، وقولهم: ما بها دَيَّار «٣» ، أي: ساكن وهو فيعال، ولو كان فعّالا لقيل: دوّار، كقولهم: قوّال وجوّاز. والدَّائرَةُ: عبارة عن الخطّ المحيط، يقال: دَارَ يدور دورانا، ثم عبّر بها عن المحادثة.
والدّوّاريّ: الدّهر الدّائر بالإنسان من حيث إنه يُدَوِّرُ بالإنسان، ولذلك قال الشاعر:
١٦٣-
والدّهر بالإنسان دوّاريّ
«٤» والدّورة والدّائرة في المكروه، كما يقال: دولة في المحبوب، وقوله تعالى: نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ [المائدة/ ٥٢] ، والدّوّار: صنم كانوا يطوفون حوله. والدّاريّ: المنسوب إلى الدّار، وخصّص بالعطّار «٥» تخصيص الهالكيّ
стр. 304
بالقين «١» ، قال ﷺ : «مثل الجليس الصّالح كمثل الدّاريّ» «٢» ويقال للازم الدّار: داريّ.
وقوله تعالى: وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [التوبة/ ٩٨] ، أي: يحيط بهم السّوء إحاطة الدّائرة بمن فيها، فلا سبيل لهم إلى الانفكاك منه بوجه. وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ
[البقرة/ ٢٨٢] ، أي: تتداولونها وتتعاطونها من غير تأجيل.
دول
الدَّوْلَة والدُّولَة واحدة، وقيل: الدُّولَة في المال، والدَّوْلَة في الحرب والجاه. وقيل:
الدُّولَة اسم الشيء الذي يتداول بعينه، والدَّوْلَة المصدر. قال تعالى: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ [الحشر/ ٧] ، وتداول القوم كذا، أي: تناولوه من حيث الدّولة، وداول الله كذا بينهم. قال تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران/ ١٤٠] ، والدّؤلول:
الدّاهية والجمع الدّآليل والدّؤلات «٣» .
دوم
أصل الدّوام السكون، يقال: دام الماء، أي: سكن، «ونهي أن يبول الإنسان في الماء الدائم» «٤» . وأَدَمْتُ القدر ودوّمتها: سكّنت غليانها بالماء، ومنه: دَامَ الشيءُ: إذا امتدّ عليه الزمان، قال تعالى: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ
[المائدة/ ١١٧] ، إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً [آل عمران/ ٧٥] ، لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها [المائدة/ ٢٤] ، ويقال:
دُمْتَ تَدَامُ، وقيل: دِمْتَ تدوم، نحو: متّ تموت «٥» ، ودوّمت الشمس في كبد السّماء، قال الشاعر:
١٦٤-
والشمس حيرى لها في الجوّ تدويم
«٦» ودَوَّمَ الطّير في الهواء: حلّق، واستدمت
стр. 305
الأمر: تأنّيت فيه، والظّلّ الدَّوْم: الدّائم، والدِّيمَة: مطر تدوم أياما.
دين
يقال: دِنْتُ الرّجل: أخذت منه دَيْناً، وأَدَنْتُهُ:
جعلته دائنا، وذلك بأن تعطيه دينا. قال (أبو عبيد) «١» : دِنْتُهُ: أقرضته، ورجل مَدِين، ومديون، ودِنْتُهُ: استقرضت منه «٢» ، قال الشاعر:
١٦٥-
نَدِينُ ويقضي الله عنّا وقد نرى ... مصارع قوم لا يَدِينُونَ ضيّعا
«٣» وأَدَنْتُ مثل دِنْتُ، وأَدَنْتُ، أي: أقرضت، والتَّدَايُنُ والمداينة: دفع الدَّيْن، قال تعالى:
إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى [البقرة/ ٢٨٢] ، وقال: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ [النساء/ ١١] ، والدِّينُ يقال للطاعة والجزاء، واستعير للشريعة، والدِّينُ كالملّة، لكنّه يقال اعتبارا بالطاعة والانقياد للشريعة، قال إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران/ ١٩] ، وقال:
وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [النساء/ ١٢٥] ، أي: طاعة، وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ [النساء/ ١٤٦] ، وقوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء/ ١٧١] ، وذلك حثّ على اتّباع دين النّبيّ ﷺ الذي هو أوسط الأديان كما قال:
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة/ ١٤٣] ، وقوله: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [البقرة/ ٢٥٦] قيل: يعني الطاعة، فإنّ ذلك لا يكون في الحقيقة إلّا بالإخلاص، والإخلاص لا يتأتّى فيه الإكراه، وقيل: إنّ ذلك مختصّ بأهل الكتاب الباذلين للجزية. وقوله: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ [آل عمران/ ٨٣] ، يعني: الإسلام، لقوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران/ ٨٥] ، وعلى هذا قوله تعالى:
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ [الصف/ ٩] ، وقوله: وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ [التوبة/ ٢٩] ، وقوله: وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [النساء/ ١٢٥] ، فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ
[الواقعة/ ٨٦] ، أي: غير مجزيّين. والمدين والمدينة: العبد والأمة: قال (أبو زيد) : هو من قولهم: دِينَ فلان يُدَانُ: إذا حمل على مكروه «٤» ، وقيل «٥» : هو من دنته: إذا جازيته بطاعته، وجعل بعضهم المدينة من هذا الباب.
دون
يقال للقاصر عن الشيء: دون، قال بعضهم:
стр. 306
هو مقلوب من الدّنوّ، والأدون: الدّنيء وقوله تعالى: لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ
[آل عمران/ ١١٨] ، أي: ممّن لم يبلغ منزلته منزلتكم في الدّيانة، وقيل: في القرابة. وقوله:
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ
[النساء/ ٤٨] ، أي: ما كان أقلّ من ذلك، وقيل: ما سوى ذلك، والمعنيان يتلازمان. وقوله تعالى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ: اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة/ ١١٦] ، أي: غير الله، وقيل: معناه إلهين متوصّلا بهما إلى الله. وقوله لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ [الأنعام/ ٥١] ، وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ «١» أي:
ليس لهم من يواليهم من دون أمر الله. وقوله:
قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا [الأنعام/ ٧١] ، مثله. وقد يغرى بلفظ دون، فيقال: دونك كذا، أي: تناوله، قال القتيبيّ:
يقال: دَانَ يَدُونُ دَوْناً: ضعف «٢» .
تمّ كتاب الدال
стр. 307
كتاب الذّال
ذب
الذباب يقع على المعروف من الحشرات الطائرة، وعلى النّحل، والزنابير ونحوهما. قال الشاعر:
١٦٦-
فهذا أوان العرض حيّا ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمّس
«١» وقوله تعالى: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً [الحج/ ٧٣] ، فهو المعروف، وذباب العين:
إنسانها، سمّي به لتصوّره بهيئته، أو لطيران شعاعه طيران الذّباب. وذباب السّيف تشبيها به في إيذائه، وفلان ذباب: إذا كثر التأذّي به.
وذبّبت عن فلان: طردت عنه الذّباب، والمِذَبّة: ما يطرد به، ثمّ استعير الذّبّ لمجرّد الدّفع، فقيل: ذببت عن فلان، وذُبَّ البعيرُ: إذا دخل ذباب في أنفه. وجعل بناؤه بناء الأدواء نحو:
زكم. وبعير مذبوب، وذَبَّ جِسْمُهُ: هزل فصار كذباب، أو كذباب السّيف، والذَّبْذَبَةُ: حكاية صوت الحركة للشيء المعلّق، ثم استعير لكلّ اضطراب وحركة، قال تعالى: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ
[النساء/ ١٤٣] ، أي: مضطربين مائلين تارة إلى المؤمنين، وتارة إلى الكافرين، قال الشاعر:
١٦٧-
ترى كلّ ملك دونها يتذبذب
«٢» وذَبَّبْنَا إِبِلَنَا: سقناها سوقا شديدا بتذبذب، قال الشاعر:
стр. 308
١٦٨-
يذبّب ورد على إثره
«١»
ذبح
أصل الذَّبْح: شقّ حلق الحيوانات. والذِّبْح:
المذبوح، قال تعالى: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات/ ١٠٧] ، وقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً
[البقرة/ ٦٧] ، وذَبَحْتُ الفارة «٢» :
شققتها، تشبيها بذبح الحيوان، وكذلك: ذبح الدّنّ «٣» ، وقوله: يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ
[البقرة/ ٤٩] ، على التّكثير، أي: يذبح بعضهم إثر بعض. وسعد الذّابح اسم نجم، وتسمّى الأخاديد من السّيل مذابح.
ذخر
أصل الادّخار اذتخار، يقال: ذخرته، وادّخرته: إذا أعددته للعقبى. وروي: (أنّ النبيّ ﷺ كان لا يدّخر شيئا لغد) «٤» والمذاخر:
الجوف والعروق المدّخرة للطّعام، قال الشاعر: ١٦٩-
فلما سقيناها العكيس تملّأت ... مذاخرها وامتدّ رشحا وريدها
«٥» والإذخر: حشيشة طيّبة الرّيح.
ذر
الذّرّيّة، قال تعالى: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [البقرة/ ١٢٤] ، وقال: وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة/ ١٢٨] ، وقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
[النساء/ ٤٠] ، وقد قيل: أصله الهمز، وقد تذكر بعد في بابه.
ذرع
الذّراع: العضو المعروف، ويعبّر به عن المذروع، أي: الممسوح بالذّراع. قال تعالى: فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ [الحاقة/ ٣٢] ، يقال: ذراع من الثّوب والأرض، وذراع الأسد: نجم، تشبيها بذراع الحيوان، وذراع العامل: صدر القناة «٦» ، ويقال: هذا على حبل ذراعك «٧» ، كقولك: هو
стр. 309
في كفّك، وضاق بكذا ذرعي، نحو: ضاقت به يدي، وذَرَعْتُهُ: ضربت ذرا عه، وذَرَعْتُ: مددت الذراع، ومنه: ذَرَعَ البعير في سيره، أي: مدّ ذراعه، وفرس ذريع و ذرو ع: واسع الخطو، ومذرّع: أبيض الذّراع، وزِقٌّ ذراع، قيل: هو العظيم، وقيل: هو الصّغير، فعلى الأوّل هو الذي بقي ذراعه، وعلى الثاني هو الذي فصل ذراعه عنه. وذَرَعَهُ القيء: سبقه. وقولهم: ذَرَعَ الفرس، وتذرّعت المرأة الخوص «١» ، وتذرّع في كلامه «٢» ، تشبيها بذلك، كقولهم: سفسف في كلامه، وأصله من سفيف الخوص.
ذرأ
الذَّرْءُ: إظهار الله تعالى ما أبداه، يقال: ذَرَأَ الله الخلق، أي: أوجد أشخاصهم. قال تعالى:
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [الأعراف/ ١٧٩] ، وقال: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً [الأنعام/ ١٣٦] ، وقال: وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ [الشورى/ ١١] ، وقرئ: (تذرؤه الرّياح) «٣» ، والذُّرْأَة: بياض الشّيب والملح.
فيقال: ملح ذُرْآنيّ، ورجل أَذْرَأُ، وامرأة ذَرْآءُ، وقد ذَرِئَ شعره.
ذرو
ذِرْوَةُ السّنام وذُرَاه: أعلاه، ومنه قيل: أنا في ذُرَاكَ، أي: في أعلى مكان من جنابك.
والمِذْرَوَان: طرفا الأليتين، وذَرَتْهُ الرّيح تَذْرُوهُ وتَذْرِيهِ. قال تعالى: وَالذَّارِياتِ ذَرْواً
[الذاريات/ ١] ، وقال: تَذْرُوهُ الرِّياحُ [الكهف/ ٤٥] ، والذُّرِّيَّة أصلها: الصّغار من الأولاد، وإن كان قد يقع على الصّغار والكبار معا في التّعارف، ويستعمل للواحد والجمع، وأصله الجمع، قال تعالى: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ [آل عمران/ ٣٤] ، وقال: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ [الإسراء/ ٣] ، وقال: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [يس/ ٤١] ، وقال: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [البقرة/ ١٢٤] ، وفي الذُّرِّيَّة ثلاثة أقوال: قيل هو من: ذرأ الله الخلق «٤» ، فترك همزه، نحو: رويّة وبريّة. وقيل: أصله ذرويّة.
وقيل: هو فعليّة من الذّرّ نحو قمريّة. وقال (أبو القاسم البلخيّ) «٥» : قوله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ [الأعراف/ ١٧٩] ، من قولهم: ذريت
стр. 310
الحنطة، ولم يعتبر أنّ الأوّل مهموز.
ذعن
مُذْعِنِينَ
«١» أي: منقادين، يقال: ناقة مِذْعَان، أي: منقادة.
ذقن
قوله تعالى: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ
[الإسراء/ ١٠٩] ، الواحد: ذَقَنٌ، وقد ذَقَنْتُهُ:
ضربت ذقنه، وناقة ذَقُونٌ: تستعين بذقنها في سيرها، ودلو ذَقُونٌ: ضخمة مائلة تشبيها بذلك.
ذكر
الذِّكْرُ: تارة يقال ويراد به هيئة للنّفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة، وهو كالحفظ إلّا أنّ الحفظ يقال اعتبارا بإحرازه، والذِّكْرُ يقال اعتبارا باستحضاره، وتارة يقال لحضور الشيء القلب أو القول، ولذلك قيل:
الذّكر ذكران:
ذكر بالقلب.
وذكر باللّسان.
وكلّ واحد منهما ضربان:
ذكر عن نسيان.
وذكر لا عن نسيان بل عن إدامة الحفظ. وكلّ قول يقال له ذكر، فمن الذّكر باللّسان قوله تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ [الأنبياء/ ١٠] ، وقوله تعالى: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ [الأنبياء/ ٥٠] ، وقوله:
هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي [الأنبياء/ ٢٤] ، وقوله: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [ص/ ٨] ، أي: القرآن، وقوله تعالى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ص/ ١] ، وقوله: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف/ ٤٤] ، أي:
شرف لك ولقومك، وقوله: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ [النحل/ ٤٣] ، أي: الكتب المتقدّمة.
وقوله قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا [الطلاق/ ١٠- ١١] ، فقد قيل: الذكر هاهنا وصف للنبيّ ﷺ «٢» ، كما أنّ الكلمة وصف لعيسى ﵇ من حيث إنه بشّر به في الكتب المتقدّمة، فيكون قوله: (رسولا) بدلا منه.
وقيل: (رسولا) منتصب بقوله (ذكرا) «٣» كأنه قال: قد أنزلنا إليكم كتابا ذكرا رسولا يتلو، نحو قوله: أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً [البلد/ ١٤- ١٥] ، ف (يتيما) نصب بقوله (إطعام) .
ومن الذّكر عن النسيان قوله: فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ
стр. 311
[الكهف/ ٦٣] ، ومن الذّكر بالقلب واللّسان معا قوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً [البقرة/ ٢٠٠] ، وقوله:
فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ [البقرة/ ١٩٨] ، وقوله: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ [الأنبياء/ ١٠٥] ، أي: من بعد الكتاب المتقدم. وقوله هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [الدهر/ ١] ، أي: لم يكن شيئا موجودا بذاته، وإن كان موجودا في علم الله تعالى.
وقوله: أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ [مريم/ ٦٧] ، أي: أولا يذكر الجاحد للبعث أوّل خلقه، فيستدلّ بذلك على إعادته، وكذلك قوله تعالى: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس/ ٧٩] ، وقوله: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الروم/ ٢٧] ، وقوله:
وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت/ ٤٥] ، أي:
ذكر الله لعبده أكبر من ذكر العبد له، وذلك حثّ على الإكثار من ذكره. والذِّكْرَى: كثرة الذّكر، وهو أبلغ من الذّكر، قال تعالى: رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ [ص/ ٤٣] ، وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات/ ٥٥] ، في آي كثيرة. والتَّذْكِرَةُ: ما يتذكّر به الشيء، وهو أعمّ من الدّلالة والأمارة، قال تعالى: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [المدثر/ ٤٩] ، كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ [عبس/ ١١] ، أي: القرآن.
وذَكَّرْتُهُ كذا، قال تعالى: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم/ ٥] ، وقوله: فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى [البقرة/ ٢٨٢] ، قيل: معناه تعيد ذكره، وقد قيل: تجعلها ذكرا في الحكم «١» . قال بعض العلماء «٢» في الفرق بين قوله: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة/ ١٥٢] ، وبين قوله: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ [البقرة/ ٤٠] : إنّ قوله: فَاذْكُرُونِي مخاطبة لأصحاب النبي ﷺ الذين حصل لهم فضل قوّة بمعرفته تعالى، فأمرهم بأن يذكروه بغير واسطة، وقوله تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ مخاطبة لبني إسرائيل الذين لم يعرفوا الله إلّا بآلائه، فأمرهم أن يتبصّروا نعمته، فيتوصّلوا بها إلى معرفته. والذَّكَرُ: ضدّ الأنثى، قال تعالى:
وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى [آل عمران/ ٣٦] ، وقال: آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ [الأنعام/ ١٤٤] ، وجمعه: ذُكُور وذُكْرَان، قال تعالى: ذُكْراناً وَإِناثاً [الشورى/ ٥٠] ، وجعل الذَّكَر كناية عن العضو المخصوص.
والمُذْكِرُ: المرأة التي ولدت ذكرا، والمِذْكَار:
التي عادتها أن تذكر، وناقة مُذَكَّرَة: تشبه الذّكر في عظم خلقها، وسيف ذو ذُكْرٍ، ومُذَكَّر:
صارم، تشبيها بالذّكر، وذُكُورُ البقل: ما غلظ منه.
стр. 312
ذكا
ذَكَتِ النار تَذْكُو: اتّقدت وأضاءت، وذَكَّيْتُهَا تَذْكِيَةً. وذُكَاء اسم للشمس، وابن ذُكَاء للصّبح، و ذل ك أنه تارة يتصوّر الصّبح ابنا للشمس، وتارة حاجبا لها فقيل: حاجب الشمس، وعبّر عن سرعة الإدراك وحدّة الفهم بالذكاء، كقولهم:
فلان هو شعلة نار. وذَكَّيْتُ الشاة: ذبحتها.
وحقيقة التّذكية: إخراج الحرارة الغريزيّة، لكن خصّ في الشرع بإبطال الحياة على وجه دون وجه، ويدلّ على هذا الاشتقاق قولهم في الميّت: خامد وهامد، وفي النار الهامدة: ميتة.
وذَكَّى الرَّجُلُ، إذا أسنّ «١» ، وحظي بالذّكاء لكثرة رياضته وتجاربه، وبحسب هذا الاشتقاق لا يسمّى الشيخ مُذَكِّياً إلّا إذا كان ذا تجارب ورياضات. ولما كانت التجارب والرّياضات قلّما توجد إلّا في الشّيوخ لطول عمرهم استعمل الذّكاء فيهم، واستعمل في العتاق من الخيل المسانّ، وعلى هذا قولهم: جري المُذَكِّيَات غلاب «٢» .
ذل
الذُّلُّ: ما كان عن قهر، يقال: ذَلَّ يَذِلُّ ذُلًّا «٣» ، والذِّلُّ، ما كان بعد تصعّب، وشماس من غير قهر «٤» ، يقال: ذَلَّ يَذِلُّ ذِلًّا. وقوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
[الإسراء/ ٢٤] ، أي: كن كالمقهور لهما، وقرئ (جناح الذِّلِّ) «٥» أي: لن وانقد لهما، يقال: الذُّلُّ والقُلُّ، والذِّلَّةُ والقِلَّةُ، قال تعالى: تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ [المعارج/ ٤٤] ، وقال: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ [البقرة/ ٦١] ، وقال: سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ [الأعراف/ ١٥٢] ، وذَلَّتِ الدّابة بعد شماس «٦» ، ذِلًّا، وهي ذَلُولٌ، أي: ليست بصعبة، قال تعالى: لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ [البقرة/ ٧١] ، والذُّلُّ متى كان من جهة الإنسان نفسه لنفسه فمحمود، نحو قوله تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
[المائدة/ ٥٤] ، وقال: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [آل عمران/ ١٢٣] ، وقال: فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا
стр. 313
[النحل/ ٦٩] ، أي: منقادة غير متصعّبة، قال تعالى: وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا
[الإنسان/ ١٤] ، أي: سهّلت، وقيل: الأمور تجري على أذلالها «١» ، أي: مسالكها وطرقها.
ذم
يقال: ذَمَمْتُهُ أَذُمُّهُ ذَمّاً، فهو مَذْمُومٌ وذَمِيمٌ، قال تعالى: مَذْمُوماً مَدْحُوراً [الإسراء/ ١٨] ، وقيل: ذَمَّتُّهُ أَذُمُّهُ على قلب إحدى الميمين تاء.
والذِّمَام: ما يذّمّ الرّجل على إضاعته من عهد، وكذلك المَذَمَّةُ والمَذِمَّة. وقيل: لي مَذَمَّة فلا تهتكها، وأ ذهب مَذَمَّتَهُمْ بشيء، أي: أعطهم شيئا لما لهم من الذّمام. وأَذَمَّ بكذا: أضاع ذمامه، ورجل مُذِمٌّ: لا حراك «٢» به، وبئر ذَمَّةٌ:
قليلة الماء، قال الشاعر:
١٧٠-
وترى الذّميم على مراسنهم ... يوم الهياج كمازن الجثل
«٣» الذَّمِيم: شبه بثور صغار. يقال: أصله الذنة والذنين.
ذنب
ذَنَبُ الدّابة وغيرها معروف، ويعبّر به عن المتأخّر والرّذل، يقال: هم أذناب القوم، وعنه استعير: مَذَانِبُ التّلاع، لمسائل مياهها.
والمُذَنِّبُ «٤» : ما أرطب من قبل ذنبه، والذَّنُوبُ:
الفرس الطويل الذنب، والدّلو التي لها ذنب، واستعير للنّصيب، كما استعير له السّجل «٥» . قال تعالى: فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ [الذاريات/ ٥٩] ، والذَّنْبُ في الأصل: الأخذ بذنب الشيء، يقال: ذَنَبْتُهُ:
أصبت ذنبه، ويستعمل في كلّ فعل يستوخم عقباه اعتبارا بذنب الشيء، ولهذا يسمّى الذَّنْبُ تبعة، اعتبارا لما يحصل من عاقبته، وجمع الذّنب ذُنُوب، قال تعالى: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ [آل عمران/ ١١] ، وقال: فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ [العنكبوت/ ٤٠] ، وقال: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران/ ١٣٥] ، إلى غير ذلك من الآي.
ذهب
الذَّهَبُ معروف، وربما قيل ذَهَبَةٌ، ورجل ذَهِبٌ: رأى معدن الذّهب فدهش، وشيء
стр. 314
مُذَهَّبٌ: جعل عليه الذّهب، وكميت مُذْهَبٌ:
علت حمرته صفرة، كأنّ عليها ذهبا، والذَّهَابُ:
المضيّ، يقال: ذَهَبَ بالشيء وأَذْهَبَهُ، ويستعمل ذلك في الأعيان والمعاني، قال الله تعالى:
وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي
[الصافات/ ٩٩] ، فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ [هود/ ٧٤] ، فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [فاطر/ ٨] ، كناية عن الموت، وقال: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [إبراهيم/ ١٩] ، وقال: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر/ ٣٤] ، وقال: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [الأحزاب/ ٣٣] ، وقوله تعالى: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ [النساء/ ١٩] ، أي:
لتفوزوا بشيء من المهر، أو غير ذلك مما أعطيتموهنّ وقوله: وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال/ ٤٦] ، وقال: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [البقرة/ ١٧] ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ
[البقرة/ ٢٠] ، لَيَقُولَنَّ: ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي [هود/ ١٠] .
ذهل
قال تعالى: يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ
[الحج/ ٢] ، الذّهول: شغل يورث حزنا ونسيانا، يقال: ذَهَلَ عن كذا وأَذْهَلَهُ كذا.
ذوق
الذّوق: وجود الطعم بالفم، وأصله فيما يقلّ تناوله دون ما يكثر، فإنّ ما يكثر منه يقال له:
الأكل، واختير في القرآن لفظ الذّوق في العذاب، لأنّ ذلك- وإن كان في التّعارف للقليل- فهو مستصلح للكثير، فخصّه بالذّكر ليعمّ الأمرين، وكثر استعماله في العذاب، نحو:
لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
[النساء/ ٥٦] ، وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ
[السجدة/ ٢٠] ، فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [الأنفال/ ٣٥] ، ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
[الدخان/ ٤٩] ، إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ
[الصافات/ ٣٨] ، ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ [الأنفال/ ١٤] ، وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ
[السجدة/ ٢١] ، وقد جاء في الرّحمة نحو: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً
[هود/ ٩] ، وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ [هود/ ١٠] ، ويعبّر به عن الاختبار، فيقال: أَذَقْتُهُ كذا فذاق، ويقال: فلان ذاق كذا، وأنا أكلته «١» ، أي: خبرته فوق ما خبر، وقوله: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
[النحل/ ١١٢] ، فاستعمال الذّوق مع اللّباس
стр. 315
من أجل أنه أريد به التّجربة والاختبار، أي:
فجعلها بحيث تمارس الجوع والخوف، وقيل:
إنّ ذلك على تقدير كلامين، كأنه قيل: أذاقها طعم الجوع والخوف، وألبسها لباسهما. وقوله:
وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً
[الشورى/ ٤٨] ، فإنه استعمل في الرّحمة الإذاقة، وفي مقابلتها الإصابة، فقال: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ [الشورى/ ٤٨] ، تنبيها على أنّ الإنسان بأدنى ما يعطى من النّعمة يأشر ويبطر، إشارة إلى قوله:
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [العلق/ ٦- ٧] .
ذو
ذو على وجهين: أحدهما: يتوصّل به إلى الوصف بأسماء الأجناس والأنواع، ويضاف إلى الظاهر دون المضمر، ويثنّى ويجمع، ويقال في المؤنّث: ذات، وفي التثنية: ذواتا، وفي الجمع: ذوات، ولا يستعمل شيء منها إلّا مضافا، قال: وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ [البقرة/ ٢٥١] ، وقال: ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى [النجم/ ٦] ، وَذِي الْقُرْبى [البقرة/ ٨٣] ، وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود/ ٣] ، ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى [البقرة/ ١٧٧] ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
[الأنفال/ ٤٣] ، وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ [الكهف/ ١٨] ، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال/ ٧] ، وقال: ذَواتا أَفْنانٍ [الرحمن/ ٤٨] ، وقد استعار أصحاب المعاني الذّات، فجعلوها عبارة عن عين الشيء، جوهرا كان أو عرضا، واستعملوها مفردة ومضافة إلى المضمر بالألف واللام، وأجروها مجرى النّفس والخاصّة، فقالوا: ذاته، ونفسه وخاصّته، وليس ذلك من كلام العرب «١» . والثاني في لفظ ذو:
لغة لطيّئ، يستعملونه استعمال الذي، ويجعل في الرفع، والنصب والجرّ، والجمع، والتأنيث على لفظ واحد «٢» ، نحو:
١٧١-
وبئري ذو حفرت وذو طويت
«٣»
стр. 316
أي: التي حفرت والتي طويت، وأما (ذا) في (هذا) فإشارة إلى شيء محسوس، أو معقول، ويقال في المؤنّث: ذه وذي وتا، فيقال: هذه وهذي، وهاتا، ولا تثنّى منهنّ إلّا هاتا، فيقال:
هاتان. قال تعالى: أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ [الإسراء/ ٦٢] ، هذا ما تُوعَدُونَ [ص/ ٥٣] ، هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ [الذاريات/ ١٤] ، إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [طه/ ٦٣] ، إلى غير ذلك هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ [الطور/ ١٤] ، هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ [الرحمن/ ٤٣] ، ويقال بإزاء هذا في المستبعد بالشخص أو بالمنزلة: (ذَاكَ) و (ذلك) قال تعالى: الم ذلِكَ الْكِتابُ [البقرة/ ١- ٢] ، ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ [الكهف/ ١٧] ، ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى [الأنعام/ ١٣١] ، إلى غير ذلك. وقولهم: (ماذا) يستعمل على وجهين:
أحدهما. أن يكون (ما) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد، والآخر: أن يكون (ذا) بمنزلة (الذي) ، فالأوّل نحو قولهم: عمّا ذا تسأل؟ فلم تحذف الألف منه لمّا لم يكن ما بنفسه للاستفهام، بل كان مع ذا اسما واحدا، وعلى هذا قول الشاعر:
١٧٢-
دعي ماذا علمت سأتّقيه
«١» أي: دعي شيئا علمته. وقوله تعالى:
وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ [البقرة/ ٢١٩] ، فإنّ من قرأ: قُلِ الْعَفْوَ «٢» بالنّصب فإنّه جعل الاسمين بمنزلة اسم واحد، كأنّه قال: أيّ شيء ينفقون؟ ومن قرأ: قُلِ الْعَفْوَ «٣» بالرّفع، فإنّ (ذا) بمنزلة الذي، وما للاستفهام أي: ما الذي ينفقون؟ وعلى هذا قوله تعالى: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [النحل/ ٢٤] ، و (أساطير) بالرّفع والنصب «٤» .
ذيب
الذيب: الحيوان المعروف، وأصله الهمز، قال تعالى: فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ
[يوسف/ ١٧] ، وأرض مَذْأَبَة: كثيرة الذّئاب، وذُئِبَ فلان: وقع في غنمه الذّئب، وذَئِبَ «٥» : صار كذئب في خبثه، وتَذَاءَبَتِ الرّيحُ: أتت من كلّ جانب
стр. 317
مجيء الذّئب، وتَذَاءَبْتُ للناقة على تفاعلت: إذا تشبّهت لها بالذّئب في الهيئة لتظأر على ولدها، والذّئبة من القتب: ما تحت ملتقى الحنوين «١» ، تشبيها بالذّئب في الهيئة.
ذود
ذُدْتُهُ عن كذا أَذُودُهُ. قال تعالى: وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ
[القصص/ ٢٣] ، أي:
تطردان، ذودا، والذَّوْدُ من الإبل: العشرة.
ذأم
قال تعالى: اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً
[الأعراف/ ١٨] ، أي: مذموما. يقال: ذمته «٢» أذيمه ذيما، وذممته أذمّه ذمّا، وذَأَمْتُهُ ذَأْماً.
تمّ كتاب الذال
стр. 318
كتاب الرّاء
رب
الرَّبُّ في الأصل: التربية، وهو إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حدّ التمام، يقال رَبَّهُ، وربّاه ورَبَّبَهُ. وقيل: (لأن يربّني رجل من قريش أحبّ إليّ من أن يربّني رجل من هوازن) «١» . فالرّبّ مصدر مستعار للفاعل، ولا يقال الرّبّ مطلقا إلا لله تعالى المتكفّل بمصلحة الموجودات، نحو قوله: بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ [سبأ/ ١٥] .
وعلى هذا قوله تعالى: وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً
[آل عمران/ ٨٠] أي:
آلهة، وتزعمون أنهم الباري مسبّب الأسباب، والمتولّي لمصالح العباد، وبالإضافة يقال له ولغيره، نحو قوله: رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة/ ١] ، ورَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الصافات/ ١٢٦] ، ويقال: رَبُّ الدّار، ورَبُّ الفرس لصاحبهما، وعلى ذلك قول الله تعالى:
اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ [يوسف/ ٤٢] ، وقوله تعالى: ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ [يوسف/ ٥٠] ، وقوله: قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ [يوسف/ ٢٣] ، قيل:
عنى به الله تعالى، وقيل: عنى به الملك الذي ربّاه «٢» ، والأوّل أليق بقوله. والرَّبَّانِيُّ قيل: منسوب إلى الرّبّان، ولفظ فعلان من: فعل يبنى نحو:
عطشان وسكران، وقلّما يبنى من فعل، وقد جاء نعسان. وقيل: هو منسوب إلى الرّبّ الذي هو المصدر، وهو الذي يربّ العلم كالحكيم، وقيل: منسوب إليه، ومعناه، يربّ نفسه بالعلم، وكلاهما في التحقيق متلازمان، لأنّ من ربّ نفسه بالعلم فقد ربّ العلم، ومن ربّ العلم فقد ربّ نفسه به. وقيل: هو منسوب إلى الرّبّ،
стр. 319
أي: الله تعالى، فالرّبّانيّ كقولهم: إلهيّ، وزيادة النون فيه كزيادته في قولهم: لحيانيّ، وجسمانيّ «١» . قال عليّ ﵁: (أنا ربّانيّ هذه الأمّة) والجمع ربّانيّون. قال تعالى:
لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ [المائدة/ ٦٣] ، كُونُوا رَبَّانِيِّينَ [آل عمران/ ٧٩] ، وقيل: ربّانيّ لفظ في الأصل سريانيّ، وأخلق بذلك «٢» ، فقلّما يوجد في كلامهم، وقوله تعالى:
رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ
[آل عمران/ ١٤٦] ، فالرِّبِّيُّ كالرّبّانيّ. والرّبوبيّة مصدر، يقال في الله ، والرِّبَابَة تقال في غيره، وجمع الرّبّ أرْبابٌ، قال تعالى: أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف/ ٣٩] ، ولم يكن من حقّ الرّبّ أن يجمع إذ كان إطلاقه لا يتناول إلّا الله تعالى، لكن أتى بلفظ الجمع فيه على حسب اعتقاداتهم، لا على ما عليه ذات الشيء في نفسه، والرّبّ لا يقال في التّعارف إلّا في الله، وجمعه أربّة، وربوب، قال الشاعر:
١٧٣-
كانت أربّتهم بهز وغرّهم ... عقد الجوار وكانوا معشرا غدرا
«٣» وقال آخر:
١٧٤-
وكنت امرأ أفضت إليك ربابتي ... وقبلك ربّتني فضعت ربوب
«٤» ويقال للعقد في موالاة الغير: الرِّبَابَةُ، ولما يجمع فيه القدح ربابة، واختصّ الرّابّ والرّابّة بأحد الزّوجين إذا تولّى تربية الولد من زوج كان قبله، والرّبيب والرّبيبة بذلك الولد، قال تعالى:
وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ
[النساء/ ٢٣] ، وربّبت الأديم بالسّمن، والدّواء بالعسل، وسقاء مربوب، قال الشاعر:
١٧٥-
فكوني له كالسّمن ربّت بالأدم
«٥» والرَّبَابُ: السّحاب، سمّي بذلك لأنّه يربّ
стр. 320
النبات، وبهذا النّظر سمّي المطر درّا، وشبّه السّحاب باللّقوح. وأَرَبَّتِ السّحابة: دامت، وحقيقته أنها صارت ذات تربية، وتصوّر فيه معنى الإقامة فقيل: أَرَبَّ فلانٌ بمكان كذا تشبيها بإقامة الرّباب، وَ «رُبَّ» لاستقلال الشيء، ولما يكون وقتا بعد وقت، نحو: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا
[الحجر/ ٢] .
ربح
الرّبح: الزّيادة الحاصلة في المبايعة، ثمّ يتجوّز به في كلّ ما يعود من ثمرة عمل، وينسب الرّبح تارة إلى صاحب السّلعة، وتارة إلى السّلعة نفسها، نحو قوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
[البقرة/ ١٦] وقول الشاعر:
١٧٦-
قروا أضيافهم ربحا ببحّ
«١» فقد قيل: الرُّبَحُ: الطائر، وقيل: هو الشجر.
وعندي أنّ الرُّبَحَ هاهنا اسم لما يحصل من الرّبح، نحو: النّقص، وبحّ: اسم للقداح التي كانوا يستقسمون بها، والمعنى: قروا أضيافهم ما حصّلوا منه الحمد الذي هو أعظم الرّبح، وذلك كقول الآخر: ١٧٧-
فأوسعني حمدا وأوسعته قرى ... وأرخص بحمد كان كاسبه الأكل
«٢»
ربص
التّربّص: الانتظار بالشيء، سلعة كانت يقصد بها غلاء، أو رخصا، أو أمرا ينتظر زواله أو حصوله، يقال: تربّصت لكذا، ولي رُبْصَةٌ بكذا، وتَرَبُّصٌ، قال تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ
[البقرة/ ٢٢٨] ، قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ
[الطور/ ٣١] ، قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ
[التوبة/ ٥٢] ، وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ
[التوبة/ ٩٨] .
ربط
رَبْطُ الفرس: شدّه بالمكان للحفظ، ومنه:
رِبَاطُ الخيل «٣» ، وسمّي المكان الذي يخصّ بإقامة حفظة فيه: رباطا، والرِّبَاط مصدر رَبَطْتُ ورَابَطْتُ، والمُرَابَطَة كالمحافظة، قال الله تعالى:
وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ
[الأنفال/ ٦٠] ، وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا
[آل