صبر
الصَّبْرُ: الإمساك في ضيق، يقال: صَبَرْتُ الدّابّة: حبستها بلا علف، وصَبَرْتُ فلانا: خلفته خلفة لا خروج له منها، والصَّبْرُ: حبس النّفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عمّا يقتضيان حبسها عنه، فَالصَّبْرُ لفظ عامّ، وربّما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه، فإن كان حبس النّفس لمصيبة سمّي صبرا لا غير، ويُضَادُّهُ الجزع، وإن كان في محاربة سمّي شجاعة، ويضادّه الجبن، وإن كان في نائبة مضجرة سمّي رحب الصّدر، ويضادّه الضّجر، وإن كان في إمساك الكلام سمّي كتمانا، ويضادّه المذل، وقد سمّى الله تعالى كلّ ذلك صبرا، ونبّه عليه بقوله: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ
[البقرة/ ١٧٧] ، وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ [الحج/ ٣٥] ، وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ [الأحزاب/ ٣٥] ، وسمّي الصّوم صبرا لكونه كالنّوع له، وقال ﵇:
«صيام شهر الصَّبْرِ وثلاثة أيّام في كلّ شهر يذهب وحر الصّدر» «١» ، وقوله تعالى: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ
[البقرة/ ١٧٥] ، قال أبو عبيدة «٢» :
إنّ ذلك لغة بمعنى الجرأة، واحتجّ بقول أعرابيّ قال لخصمه: ما أَصْبَرَكَ على الله، وهذا تصوّر مجاز بصورة حقيقة، لأنّ ذلك معناه: ما أصبرك على عذاب الله في تقديرك إذا اجترأت على ارتكاب ذلك، وإلى هذا يعود قول من قال: ما أبقاهم على النار، وقول من قال «٣» : ما أعملهم بعمل أهل النار، وذلك أنه قد يوصف بالصّبر من لا صبر له في الحقيقة اعتبارا بحال الناظر إليه، واستعمال التّعجّب في مثله اعتبار بالخلق لا بالخالق، وقوله تعالى: اصْبِرُوا وَصابِرُوا
[آل عمران/ ٢٠٠] ، أي: احبسوا أنفسكم على العبادة وجاهدوا أهواءكم، وقوله: وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ
[مريم/ ٦٥] ، أي: تحمّل الصّبر بجهدك، وقوله: أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا [الفرقان/ ٧٥] ، أي: بما تحمّلوا من الصّبر في الوصول إلى مرضاة الله، وقوله:
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
[يوسف/ ١٨] ، معناه: الأمر والحثّ على ذلك، والصَّبُورُ: القادر على الصّبر، والصَّبَّارُ يقال: إذا كان فيه ضرب من التّكلّف والمجاهدة، قال: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [الشورى/ ٣٣] ، ويعبّر عن الانتظار بالصّبر لما كان حقّ الانتظار أن لا ينفكّ عن الصّبر بل هو نوع من الصّبر، قال:
стр. 457
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ
[الطور/ ٤٨] ، أي: انتظر حكمه لك على الكافرين.
صبغ
الصَّبْغُ: مصدر صَبَغْتُ، والصِّبْغُ: الْمَصْبُوغُ، وقوله تعالى: صِبْغَةَ اللَّهِ
[البقرة/ ١٣٨] ، إشارة إلى ما أوجده الله تعالى في الناس من العقل المتميّز به عن البهائم كالفطرة، وكانت النّصارى إذا ولد لهم ولد غمسوه بعد السّابع في ماء عموديّة يزعمون أنّ ذلك صِبْغَةٌ، فقال تعالى له ذلك، وقال: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً [البقرة/ ١٣٨] ، وقال: وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ
[المؤمنون/ ٢٠] ، أي: أدم لهم، وذلك من قولهم: اصْطَبَغْتُ بالخلّ «١» .
صبا
الصَّبِيُّ: من لم يبلغ الحلم، ورجل مُصْبٍ:
ذو صِبْيَانٍ. قال تعالى: قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [مريم/ ٢٩] . وصَبَا فلان يَصْبُو صَبْواً وصَبْوَةً: إذا نزع واشتاق، وفعل فعل الصِّبْيَانِ. قال: أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ
[يوسف/ ٣٣] ، وأَصْبَانِي فصبوت، والصَّبَا: الرّيح المستقبل للقبلة. وصَابَيْتُ السّيف: أغمدته مقلوبا، وصَابَيْتُ الرّمح: أملته، وهيّأته للطّعن. والصَّابِئُونَ: قوم كانوا على دين نوح، وقيل لكلّ خارج من الدّين إلى دين آخر:
صَابِئٌ، من قولهم: صَبَأَ نابُ البعير: إذا طلع، ومن قرأ: صَابِينَ «٢» فقد قيل: على تخفيف الهمز كقوله: لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ «٣» [الحاقة/ ٣٧] ، وقد قيل: بل هو من قولهم: صَبَا يَصْبُو، قال تعالى: وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى
[الحج/ ١٧] . وقال أيضا: وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ [البقرة/ ٦٢] .
صحب
الصَّاحِبُ: الملازم إنسانا كان أو حيوانا، أو مكانا، أو زمانا. ولا فرق بين أن تكون مُصَاحَبَتُهُ بالبدن- وهو الأصل والأكثر-، أو بالعناية والهمّة، وعلى هذا قال:
٢٧٩-
لئن غبت عن عزيني لما غبت عن قلبي
«٤» ولا يقال في العرف إلّا لمن كثرت ملازمته، ويقال للمالك للشيء: هو صاحبه، وكذلك لمن
стр. 458
يملك التّصرّف فيه. قال تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ [التوبة/ ٤٠] ، قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ [الكهف/ ٣٤] ، أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ
[الكهف/ ٩] ، وَأَصْحابِ مَدْيَنَ [الحج/ ٤٤] ، أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [البقرة/ ٨٢] ، أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [البقرة/ ٢١٧] ، مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ [فاطر/ ٦] ، وأما قوله: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً [المدثر/ ٣١] أي: الموكّلين بها لا المعذّبين بها كما تقدّم.
وقد يضاف الصَّاحِبُ إلى مسوسه نحو: صاحب الجيش، وإلى سائسه نحو: صاحب الأمير.
والْمُصَاحَبَةُ والِاصْطِحَابُ أبلغ من الاجتماع، لأجل أنّ المصاحبة تقتضي طول لبثه، فكلّ اصْطِحَابٍ اجتماع، وليس كلّ اجتماع اصطحابا، وقوله: وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ [القلم/ ٤٨] ، وقوله: ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ [سبأ/ ٤٦] ، وقد سمّي النبيّ ﵇ صاحبهم تنبيها أنّكم صحبتموه، وجرّبتموه وعرفتموه ظاهره وباطنه، ولم تجدوا به خبلا وجنّة، وكذلك قوله: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التكوير/ ٢٢] . والْإِصحَابُ للشيء: الانقياد له. وأصله أن يصير له صاحبا، ويقال: أَصْحَبَ فلان: إذا كَبُرَ ابنه فصار صاحبه، وأَصْحَبَ فلان فلانا: جعل صاحبا له. قال:
وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ
[الأنبياء/ ٤٣] ، أي:
لا يكون لهم من جهتنا ما يَصْحَبُهُمْ من سكينة وروح وترفيق، ونحو ذلك ممّا يصحبه أولياءه، وأديم مصحب: أُصْحِبَ الشّعر الذي عليه ولم يُجَزَّ عنه.
صحف
الصَّحِيفَةُ: المبسوط من الشيء، كصحيفة الوجه، والصَّحِيفَةُ: التي يكتب فيها، وجمعها:
صَحَائِفُ وصُحُفٌ. قال تعالى: صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى [الأعلى/ ١٩] ، يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة/ ٢- ٣] ، قيل: أريد بها القرآن، وجعله صحفا فيها كتب من أجل تضمّنه لزيادة ما في كتب الله المتقدّمة. والْمُصْحَفُ: ما جعل جامعا لِلصُّحُفِ المكتوبة، وجمعه: مَصَاحِفُ، والتَّصْحِيفُ:
قراءة المصحف وروايته على غير ما هو لاشتباه حروفه، والصَّحْفَةُ مثل قصعة عريضة.
صخ
الصَّاخَّةُ: شدّة صوت ذي النّطق، يقال: صَخَّ يَصِخُّ صَخّاً فهو صَاخٌّ. قال تعالى: فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ
[عبس/ ٣٣] ، وهي عبارة عن القيامة حسب المشار إليه بقوله: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ [الأنعام/ ٧٣] ، وقد قلب عنه: أَصَاخَ يُصِيخُ.
стр. 459
صخر
الصَّخْرُ: الحجر الصّلب. قال تعالى:
فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ
[لقمان/ ١٦] ، وقال:
وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ
[الفجر/ ٩] .
صدد
الصُّدُودُ والصَّدُّ قد يكون انصرافا عن الشّيء وامتناعا، نحو: يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً
، [النساء/ ٦١] ، وقد يكون صرفا ومنعا نحو:
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ
[النمل/ ٢٤] ، الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [محمد/ ١] ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الحج/ ٢٥] ، قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
[البقرة/ ٢١٧] ، وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ [القصص/ ٨٧] ، إلى غير ذلك من الآيات.
وقيل: صَدَّ يَصُدُّ صُدُوداً، وصَدَّ يَصُدُّ صَدّاً «١» ، والصَّدُّ من الجبل: ما يحول، والصَّدِيدُ: ما حال بين اللّحم والجلد من القيح، وضرب مثلا لمطعم أهل النار. قال تعالى: وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ
[إبراهيم/ ١٦- ١٧] .
صدر
الصَّدْرُ: الجارحة. قال تعالى: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [طه/ ٢٥] ، وجمعه: صُدُورٌ.
قال: وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ
[العاديات/ ١٠] ، وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج/ ٤٦] ، ثم استعير لمقدّم الشيء كَصَدْرِ القناة، وصَدْرِ المجلس، والكتاب، والكلام، وصَدَرَهُ أَصَابَ صَدْرَهُ، أو قَصَدَ قَصْدَهُ نحو: ظَهَرَهُ، وكَتَفَهُ، ومنه قيل: رجل مَصْدُورٌ:
يشكو صَدْرَهُ، وإذا عدّي صَدَرَ ب (عن) اقتضى الانصراف، تقول: صَدَرَتِ الإبل عن الماء صَدَراً، وقيل: الصَّدْرُ، قال: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً
[الزلزلة/ ٦] ، والْمَصْدَرُ في الحقيقة: صَدَرٌ عن الماء، ولموضع المصدر، ولزمانه، وقد يقال في تعارف النّحويّين للّفظ الذي روعي فيه صدور الفعل الماضي والمستقبل عنه. والصِّدَارُ: ثوب يغطّى به الصَّدْرُ، على بناء دثار ولباس، ويقال له:
الصُّدْرَةُ، ويقال ذلك لسمة على صَدْرِ البعير.
وصَدَّرَ الفرس: جاء سابقا بصدره، قال بعض الحكماء: حيثما ذكر الله تعالى القلب فإشارة إلى العقل والعلم نحو: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ق/ ٣٧] ، وحيثما ذكر الصَّدْرُ فإشارة إلى ذلك، وإلى سائر القوى من الشّهوة والهوى والغضب ونحوها، وقوله:
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [طه/ ٢٥] ، فسؤال
стр. 460
لإصلاح قواه، وكذلك قوله: وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ
[التوبة/ ١٤] ، إشارة إلى اشتفائهم، وقوله: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج/ ٤٦] ، أي: العقول التي هي مندرسة فيما بين سائر القوى وليست بمهتدية، والله أعلم بذلك، وبوجه الصواب فيه.
صدع
الصَّدْعُ: الشّقّ في الأجسام الصّلبة كالزّجاج والحديد ونحوهما. يقال: صَدَعْتُهُ فَانْصَدَعَ، وصَدَّعْتُهُ فَتَصَدَّعَ، قال تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ
[الروم/ ٤٣] ، وعنه استعير:
صَدَعَ الأمرَ، أي: فَصَلَهُ، قال: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
[الحجر/ ٩٤] ، وكذا استعير منه الصُّدَاعُ، وهو شبه الاشتقاق في الرّأس من الوجع. قال: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
[الواقعة/ ١٩] ، ومنه الصَّدِيعُ للفجر «١» ، وصَدَعْتُ الفلاة: قطعتها «٢» ، وتَصَدَّعَ القومُ أي: تفرّقوا.
صدف
صَدَفَ عنه: أعرض إعراضا شديدا يجري مجرى الصَّدَفِ، أي: الميل في أرجل البعير، أو في الصّلابة كَصَدَفِ الجبل أي: جانبه، أو الصَّدَفِ الذي يخرج من البحر. قال تعالى:
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها
[الأنعام/ ١٥٧] ، سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ ...
الآية إلى بِما كانُوا يَصْدِفُونَ [الأنعام/ ١٥٧] «٣» .
صدق
الصِّدْقُ والكذب أصلهما في القول، ماضيا كان أو مستقبلا، وعدا كان أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأوّل إلّا في القول، ولا يكونان في القول إلّا في الخبر دون غيره من أصناف الكلام، ولذلك قال: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا
[النساء/ ١٢٢] ، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً [النساء/ ٨٧] ، وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ
[مريم/ ٥٤] ، وقد يكونان بالعرض في غيره من أنواع الكلام، كالاستفهام والأمر والدّعاء، وذلك نحو قول القائل: أزيد في الدّار؟ فإنّ في ضمنه إخبارا بكونه جاهلا بحال زيد، [وكذا إذا قال: واسني في ضمنه أنه محتاج إلى المواساة، وإذا قال: لا تؤذني ففي ضمنه أنه يؤذيه] «٤» . والصِّدْقُ: مطابقة القول الضّمير والمخبر عنه معا، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صِدْقاً تامّا، بل إمّا أن لا يوصف بالصّدق،
стр. 461
وإمّا أن يوصف تارة بالصّدق، وتارة بالكذب على نظرين مختلفين، كقول كافر إذا قال من غير اعتقاد: محمّد رسول الله، فإنّ هذا يصحّ أن يقال: صِدْقٌ، لكون المخبر عنه كذلك، ويصحّ أن يقال: كذب، لمخالفة قوله ضميره، وبالوجه الثاني إكذاب الله تعالى المنافقين حيث قالوا:
نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ... الآية [المنافقون/ ١] ، والصِّدِّيقُ: من كثر منه الصّدق، وقيل: بل يقال لمن لا يكذب قطّ، وقيل: بل لمن لا يتأتّى منه الكذب لتعوّده الصّدق، وقيل: بل لمن صدق بقوله واعتقاده وحقّق صدقه بفعله، قال:
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا [مريم/ ٤١] ، وقال: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا [مريم/ ٥٦] ، وقال: وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ
[المائدة/ ٧٥] ، وقال:
فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ
[النساء/ ٦٩] ، فَالصِّدِّيقُونَ هم قوم دُوَيْنَ الأنبياء في الفضيلة على ما بيّنت في «الذّريعة إلى مكارم الشّريعة» «١» . وقد يستعمل الصّدق والكذب في كلّ ما يحقّ ويحصل في الاعتقاد، نحو: صدق ظنّي وكذب، ويستعملان في أفعال الجوارح، فيقال:
صَدَقَ في القتال: إذا وفّى حقّه، وفعل ما يجب وكما يجب، وكذب في القتال: إذا كان بخلاف ذلك.
قال: رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
[الأحزاب/ ٢٣] ، أي: حقّقوا العهد بما أظهروه من أفعالهم، وقوله: لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [الأحزاب/ ٨] ، أي: يسأل من صدق بلسانه عن صدق فعله تنبيها أنه لا يكفي الاعتراف بالحقّ دون تحرّيه بالفعل، وقوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِ
[الفتح/ ٢٧] ، فهذا صِدْقٌ بالفعل وهو التّحقّق، أي: حقّق رؤيته، وعلى ذلك قوله: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ
[الزمر/ ٣٣] ، أي: حقّق ما أورده قولا بما تحرّاه فعلا، ويعبّر عن كلّ فعل فاضل ظاهرا وباطنا بالصّدق، فيضاف إليه ذلك الفعل الذي يوصف به نحو قوله: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
[القمر/ ٥٥] ، وعلى هذا: أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [يونس/ ٢] ، وقوله:
أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ [الإسراء/ ٨٠] ، وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
[الشعراء/ ٨٤] ، فإنّ ذلك سؤال أن يجعله الله تعالى صالحا، بحيث إذا أثنى عليه من بعده لم يكن ذلك الثّناء كذبا بل
стр. 462
يكون كما قال الشاعر:
٢٨٠-
إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت الذي نثني وفوق الذي نثني
«١» وصَدَقَ قد يتعدّى إلى مفعولين نحو: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ
[آل عمران/ ١٥٢] ، وصَدَّقْتُ فلانا: نسبته إلى الصّدق، وأَصْدَقْتُهُ:
وجدته صادقا، وقيل: هما واحد، ويقالان فيهما جميعا. قال: وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ
[البقرة/ ١٠١] ، وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ [المائدة/ ٤٦] ، ويستعمل التَّصْدِيقُ في كلّ ما فيه تحقيق، يقال: صدقني فعله وكتابه.
قال تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ [البقرة/ ٨٩] ، نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران/ ٣] ، وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا [الأحقاف/ ١٢] ، أي: مصدّق ما تقدّم، وقوله: «لسانا» منتصب على الحال، وفي المثل: صدقني سنّ بكره «٢» . والصَّدَاقَةُ: صدق الاعتقاد في المودّة، وذلك مختصّ بالإنسان دون غيره، قال: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ
[الشعراء/ ١٠٠- ١٠١] . وذلك إشارة إلى نحو قوله: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف/ ٦٧] ، والصَّدَقَةُ: ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة كالزّكاة، لكن الصدّقة في الأصل تقال للمتطوّع به، والزّكاة للواجب، وقد يسمّى الواجب صدقة إذا تحرّى صاحبها الصّدق في فعله. قال: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة/ ١٠٣] ، وقال:
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ
[التوبة/ ٦٠] ، يقال: صَدَّقَ وتَصَدَّقَ قال: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى [القيامة/ ٣١] ، إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ
[يوسف/ ٨٨] ، إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ
[الحديد/ ١٨] ، في آي كثيرة.
ويقال لما تجافى عنه الإنسان من حقّه: تَصَدَّقَ به، نحو قوله: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [المائدة/ ٤٥] ، أي: من تجافى عنه، وقوله: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ، وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ
[البقرة/ ٢٨٠] ، فإنه أجرى ما يسامح به المعسر مجرى الصّدقة «٣» . وعلى هذا ما ورد عن النبيّ ﷺ «ما
стр. 463
تأكله العافية فهو صدقة» «١» ، وعلى هذا قوله تعالى: وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا
[النساء/ ٩٢] ، فسمّى إعفاءه صَدَقَةً، وقوله:
فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً، [المجادلة/ ١٢] ، أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ [المجادلة/ ١٣] ، فإنهم كانوا قد أمروا بأن يتصدّق من يناجي الرّسول بصدقة ما غير مقدّرة. وقوله: رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
[المنافقون/ ١٠] ، فمن الصّدق أو من الصّدقة. وصَداقُ المرأة وصِدَاقُهَا وصُدْقَتُهَا:
ما تعطى من مهرها، وقد أَصْدَقْتُهَا. قال تعالى:
وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً
[النساء/ ٤] .
صدى
الصَّدَى: صوت يرجع إليك من كلّ مكان صقيل، والتَّصْدِيَةُ: كلّ صوت يجري مجرى الصَّدَى في أن لا غناء فيه، وقوله: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً
[الأنفال/ ٣٥] ، أي: غناء ما يوردونه غناء الصّدى، ومكاء الطّير. والتَّصَدِّي: أن يقابل الشيء مقابلة الصَّدَى، أي: الصّوت الرّاجع من الجبل، قال: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى
[عبس/ ٥- ٦] ، والصَّدَى يقال لذكر البوم «٢» ، وللدّماغ لكون الدّماغ متصوّرا بصورة الصّدى، ولهذا يسمّى: هامة، وقولهم: أصمّ الله صَدَاهُ «٣» ، فدعاء عليه بالخرس، والمعنى: لا جعل الله له صوتا حتّى لا يكون له صدى يرجع إليه بصوته، وقد يقال للعطش: صَدَى، يقال:
رجل صَدْيَانٌ، وامرأة صَدْيَا، وصَادِيَةٌ.
صر
الْإِصْرَارُ: التّعقّد في الذّنب والتّشدّد فيه، والامتناع من الإقلاع عنه. وأصله من الصَّرِّ أي:
الشّدّ، والصُّرَّةُ: ما تعقد فيه الدّراهم، والصِّرَارُ:
خرقة تشدّ على أطباء الناقة لئلا ترضع. قال الله تعالى: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا
[آل عمران/ ١٣٥] ، ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً
[الجاثية/ ٨] ، وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً
[نوح/ ٧] ، وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ
стр. 464
[الواقعة/ ٤٦] ، والْإِصْرَارُ: كلّ عزم شددت عليه، يقال: هذا منّي صِرِّي «١» ، وأَصِرِّي وصِرَّى وأَصِرَّى وصُرِّي وصُرَّى أي: جدّ وعزيمة، والصَّرُورَةُ من الرّجال والنساء: الذي لم يحجّ، والّذي لا يريد التّزوّج، وقوله: رِيحاً صَرْصَراً
[فصلت/ ١٦] ، لفظه من الصَّرِّ، وذلك يرجع إلى الشّدّ لما في البرودة من التّعقّد، والصَّرَّةُ: الجماعة المنضمّ بعضهم إلى بعض كأنّهم صُرُّوا، أي: جُمِعُوا في وعاء. قال تعالى:
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ
[الذاريات/ ٢٩] ، وقيل: الصَّرَّةُ الصّيحةُ.
صرح
الصَّرْحُ: بيت عال مزوّق سمّي بذلك اعتبارا بكونه صَرْحاً عن الشّوب أي: خالصا. قال الله تعالى: صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ
[النمل/ ٤٤] ، يلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ
[النمل/ ٤٤] ، ولبن صَرِيحٌ بيّن الصَّرَاحَةِ، والصَّرُوحَةِ، وصَرِيحُ الحقّ: خلص عن محضه، وصَرَّحَ فلان بما في نفسه، وقيل: عاد تعريضك تَصْرِيحًا، وجاء صُرَاحاً جهارا.
صرف
الصَّرْفُ: ردّ الشيء من حالة إلى حالة، أو إبداله بغيره، يقال: صَرَفْتُهُ فَانْصَرَفَ. قال تعالى: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ [آل عمران/ ١٥٢] ، وقال: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ
[هود/ ٨] ، وقوله: ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
[التوبة/ ١٢٧] ، فيجوز أن يكون دعاء عليهم، وأن يكون ذلك إشارة إلى ما فعله بهم، وقوله تعالى: فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً
[الفرقان/ ١٩] ، أي: لا يقدرون أن يَصْرِفُوا عن أنفسهم العذاب، أو أن يصرفوا أنفسهم عن النّار. وقيل: أن يصرفوا الأمر من حالة إلى حالة في التّغيير، ومنه قول العرب: (لا يقبل منه صَرْفٌ ولا عدل) «٢» ، وقوله: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِ
[الأحقاف/ ٢٩] ، أي: أقبلنا بهم إليك وإلى الاستماع منك، والتَّصْرِيفُ كالصّرف إلّا في التّكثير، وأكثر ما يقال في صرف الشيء من حالة إلى حالة، ومن أمر إلى أمر. وتَصْرِيفُ الرّياح هو صرفها من حال إلى حال. قال تعالى: وَصَرَّفْنَا الْآياتِ [الأحقاف/ ٢٧] ، وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ [طه/ ١١٣] ، ومنه: تصريف الكلام، وتَصْرِيفُ الدّراهم، وتصريف النّاب، يقال: لنا به صريف، والصَّرِيفُ: اللّبن إذا سكنت رغوته،
стр. 465
كأنه صُرِفَ عن الرّغوة، أو صُرِفَتْ عنه الرّغوة، ورجلٌ صَيْرَفٌ وصَيْرَفِيٌّ وصَرَّافٌ، وعنز صَارِفٌ كأنّها تَصْرِفُ الفحلَ إلى نفسها. والصِّرْفُ: صِبغٌ أحمر خالص، وقيل لكلّ خالص عن غيره:
صِرْفٌ، كأنه صُرِفَ عنه ما يشوبه. والصَّرَفَانُ:
الرّصاص، كأنه صُرِفَ عن أن يبلغ منزلة الفضّة.
صرم
الصَّرْمُ: القطيعة، والصَّرِيمَةُ: إحكام الأمر وإبرامه، والصَّرِيمُ: قطعةٌ مُنْصَرِمَةٌ عن الرّمل.
قال تعالى: فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ
[القلم/ ٢٠] ، قيل: أصبحت كالأشجار الصَّرِيمَةِ، أي:
الْمَصْرُومِ حملُهَا، وقيل: كاللّيل، لأنّ اللّيل يقال له: الصَّرِيمُ، أي: صارت سوداء كاللّيل لاحتراقها، قال: إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ
[القلم/ ١٧] ، أي: يجتنونها ويتناولونها، فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ
[القلم/ ٢١- ٢٢] .
والصَّارِمُ: الماضي، وناقةٌ مَصْرُومَةٌ: كأنها قطع ثديها، فلا يخرج لبنها حتّى يقوى. وتَصَرَّمَتِ السَّنَةُ.
وانْصَرَمَ الشيءُ: انقطع، وأَصْرَمَ: ساءت حاله.
صرط
الصِّرَاطُ: الطّريقُ المستقيمُ. قال تعالى:
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً
[الأنعام/ ١٥٣] ، ويقال له: سِرَاطٌ، وقد تقدّم.
صطر
صَطَرَ وسَطَرَ واحدٌ. قال تعالى: أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ
[الطور/ ٣٧] ، وهو مفيعل من السَّطْرِ، والتَّسْطِيرُ أي: الكتابة، أي: أهم الذين تولّوا كتابة ما قدّر لهم قبل أن خلق، إشارة إلى قوله: إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج/ ٧٠] ، وقوله: فِي إِمامٍ مُبِينٍ [يس/ ١٢] ، وقوله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ
[الغاشية/ ٢٢] ، أي: متولّ أن تكتب عليهم وتثبت ما يتولّونه، وسَيْطَرْتُ، وبَيْطَرْتُ لا ثالث لهما في الأبنية، وقد تقدّم ذلك في السّين «١» .
صرع
الصَّرْعُ: الطّرح. يقال: صَرَعْتُهُ صَرْعاً، والصَّرْعَةُ: حالة المَصْرُوعِ، والصَّرَاعَةُ: حرفة الْمُصَارِعُ، ورجلٌ صَرِيعٌ، أي: مَصْرُوعٌ، وقومٌ صَرْعَى. قال تعالى: فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى [الحاقة/ ٧] ، وهما صِرْعَانِ، كقولهم قِرْنَانِ. والْمِصْرَاعَانِ من الأبواب، وبه شبّه المِصْرَاعَانِ في الشِّعْرِ «٢» .
صعد
الصُّعُودُ: الذّهاب في المكان العالي،
стр. 466
والصَّعُودُ والحَدُورُ لمكان الصُّعُودِ والانحدار، وهما بالذّات واحد، وإنّما يختلفان بحسب الاعتبار بمن يمرّ فيهما، فمتى كان المارّ صَاعِداً يقال لمكانه: صَعُودٌ، وإذا كان منحدرا يقال لمكانه: حَدُور، والصَّعَدُ والصَّعِيدُ والصَّعُودُ في الأصل واحدٌ، لكنِ الصَّعُودُ والصَّعَدُ يقال للعَقَبَةِ، ويستعار لكلّ شاقٍّ. قال تعالى: وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً
[الجن/ ١٧] ، أي: شاقّا، وقال: سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً
[المدثر/ ١٧] ، أي: عقبة شاقّة، والصَّعِيدُ يقال لوجه الأرض، قال: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً
[النساء/ ٤٣] ، وقال بعضهم:
الصَّعِيدُ يقال للغبار الذي يَصْعَدُ من الصُّعُودِ «١» ، ولهذا لا بدّ للمتيمّم أن يعلق بيده غبار، وقوله:
كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ
[الأنعام/ ١٢٥] ، أي: يَتَصَعَّدُ. وأما الْإِصْعَادُ فقد قيل: هو الإبعاد في الأرض، سواء كان ذلك في صُعُودٍ أو حدور. وأصله من الصُّعُودُ، وهو الذّهاب إلى الأمكنة المرتفعة، كالخروج من البصرة إلى نجد، وإلى الحجاز، ثم استعمل في الإبعاد وإن لم يكن فيه اعتبار الصُّعُودِ، كقولهم: تعال، فإنّه في الأصل دعاء إلى العلوّ صار أمرا بالمجيء، سواء كان إلى أعلى، أو إلى أسفل. قال تعالى:
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ
[آل عمران/ ١٥٣] ، وقيل: لم يقصد بقوله إِذْ تُصْعِدُونَ إلى الإبعاد في الأرض وإنّما أشار به إلى علوّهم فيما تحرّوه وأتوه، كقولك: أبعدت في كذا، وارتقيت فيه كلّ مرتقى، وكأنه قال: إذ بعدتم في استشعار الخوف، والاستمرار على الهزيمة. واستعير الصُّعُودُ لما يصل من العبد إلى الله، كما استعير النّزول لما يصل من الله إلى العبد، فقال سبحانه: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ
[فاطر/ ١٠] ، وقوله: يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً
[الجن/ ١٧] ، أي: شاقّا، يقال:
تَصَعَّدَنِي كذا، أي: شَقَّ علَيَّ. قال عُمَرُ: ما تَصَعَّدَنِي أمرٌ ما تَصَعَّدَنِي خِطبةُ النّكاحِ «٢» .
صعر
الصَّعَرُ: ميل في العنق، والتَّصْعِيرُ: إمالته عن النّظر كبرا، قال تعالى: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ
[لقمان/ ١٨] ، وكلّ صعب يقال له:
مُصْعَرٌ، والظَّليم أَصْعَرُ خلقةً «٣» .
صعق
الصَّاعِقَةُ والصّاقعة يتقاربان، وهما الهدّة الكبيرة، إلّا أن الصّقع يقال في الأجسام
стр. 467
الأرضيّة، والصَّعْقَ في الأجسام العُلويَّةِ. قال بعض أهل اللّغة: الصَّاعِقَةُ على ثلاثة أوجه:
١- الموت، كقوله: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
[الزمر/ ٦٨] ، وقوله: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ [النساء/ ١٥٣] .
٢- والعذاب، كقوله: أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ
[فصلت/ ١٣] .
٣- والنار، كقوله: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ
[الرعد/ ١٣] . وما ذكره فهو أشياء حاصلة من الصَّاعِقَةِ، فإنّ الصَّاعِقَةَ هي الصّوت الشّديد من الجوّ، ثم يكون منها نار فقط، أو عذاب، أو موت، وهي في ذاتها شيء واحد، وهذه الأشياء تأثيرات منها.
صغر
الصِّغَرُ والكبر من الأسماء المتضادّة التي تقال عند اعتبار بعضها ببعض، فالشيء قد يكون صَغِيراً في جنب الشيء، وكبيرا في جنب آخر.
وقد تقال تارة باعتبار الزّمان، فيقال: فلان صَغِيرٌ، وفلان كبير: إذا كان ما له من السّنين أقلّ ممّا للآخر، وتارة تقال باعتبار الجثّة، وتارة باعتبار القدر والمنزلة، وقوله: وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر/ ٥٣] ، وقوله: لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها
[الكهف/ ٤٩] ، وقوله:
وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ
[يونس/ ٦١] ، كلّ ذلك بالقدر والمنزلة من الخير والشّرّ باعتبار بعضها ببعض. يقال: صَغُرَ «١» صِغَراً في ضدّ الكبير، وصَغِرَ «٢» صَغَراً و صَغَا راً في الذِّلَّة، والصَّاغِرُ: الرّاضي بالمنزلة الدّنيّة، قال تعالى:
حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ
[التوبة/ ٢٩] .
صغا
الصَّغْوُ: الميل. يقال: صَغَتِ النّجومُ، والشمس صَغْواً «٣» : مالت للغروب، وصَغَيْتُ الإناءَ، وأَصْغَيْتُهُ، وأَصْغَيْتُ إلى فلان: ملت بسمعي نحوه، قال تعالى: وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
[الأنعام/ ١١٣] ، وحكي: صَغَوْتُ إليه أَصْغُو، وأَصْغَى، صَغْواً وصُغِيّاً، وقيل: صَغَيْتُ أَصْغَى، وأَصْغَيْتُ أُصْغِي «٤» . وصَاغِيَةُ الرّجلِ: الذين يميلون إليه، وفلانٌ مُصْغًى إناؤُهُ «٥» ، أي: منقوص حظّه، وقد
стр. 468
يكنّى به عن الهلاك. وعينه صَغْوَاءُ إلى كذا، والصَّغْيُ: ميل في الحنك والعين.
صف
الصَّفُّ: أن تجعل الشيء على خط مستو، كالناس والأشجار ونحو ذلك، وقد يجعل فيما قاله أبو عبيدة بمعنى الصَّافِّ «١» . قال تعالى:
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا
[الصف/ ٤] ، ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا [طه/ ٦٤] ، يحتمل أن يكون مصدرا، وأن يكون بمعنى الصَّافِّينَ، وقال تعالى: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ
[الصافات/ ١٦٥] ، وَالصَّافَّاتِ صَفًّا
[الصافات/ ١] ، يعني به الملائكة. وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر/ ٢٢] ، وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ
[النور/ ٤١] ، فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَ
[الحج/ ٣٦] ، أي:
مُصْطَفَّةً، وصَفَفْتُ كذا: جعلته على صَفٍّ.
قال: عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ
[الطور/ ٢٠] ، وصَفَفْتُ اللّحمَ: قدّدته، وألقيته صفّا صفّا، والصَّفِيفُ: اللّحمُ المَصْفُوفُ، والصَّفْصَفُ:
المستوي من الأرض كأنه على صفٍّ واحدٍ.
قال: فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً
[طه/ ١٠٦] ، والصُّفَّةُ من البنيان، وصُفَّةُ السَّرج تشبيها بها في الهيئة، والصَّفُوفُ:
ناقةٌ تُصَفُّ بين مَحْلَبَيْنِ فصاعدا لغزارتها، والتي تَصُفُّ رجلَيْها، والصَّفْصَافُ: شجرُ الخلاف.
صفح
صَفْحُ الشيءِ: عرضه وجانبه، كَصَفْحَةِ الوجهِ، وصَفْحَةِ السّيفِ، وصَفْحَةِ الحَجَرِ.
والصَّفْحُ: تركُ التّثريب، وهو أبلغ من العفو، ولذلك قال: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
[البقرة/ ١٠٩] ، وقد يعفو الإنسان ولا يَصْفَحُ. قال: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ
[الزخرف/ ٨٩] ، فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ
[الحجر/ ٨٥] ، أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً
[الزخرف/ ٥] ، وصَفَحْتُ عنه:
أوليته مني صَفْحَةٍ جميلةٍ معرضا عن ذنبه، أو لقيت صَفْحَتَهُ متجافيا عنه، أو تجاوزت الصَّفْحَةَ التي أثبتّ فيها ذنبه من الكتاب إلى غيرها، من قولك: تَصَفَّحْتُ الكتابَ، وقوله: إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ
[الحجر/ ٨٥] ، فأمر له ﵇ أن يخفّف كفر من كفر كما قال: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل/ ١٢٧] ، والمُصَافَحَةُ: الإفضاء بِصَفْحَةِ اليدِ.
صفد
الصَّفَدُ والصِّفَادُ: الغلُّ، وجمعه أَصْفَادٌ.
والأَصْفَادُ: الأغلالُ. قال تعالى: مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ
[إبراهيم/ ٤٩] ، والصَّفَدُ: العطيّةُ
стр. 469
اعتبارا بما قيل: أنا مغلولُ أياديك، وأسيرُ نعمتِكَ «١» ، ونحو ذلك من الألفاظ الواردة عنهم في ذلك.
صفر
الصُّفْرَةُ: لونٌ من الألوان التي بين السّواد والبياض، وهي إلى السّواد أقرب، ولذلك قد يعبّر بها عن السّواد. قال الحسن في قوله تعالى:
بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها
[البقرة/ ٦٩] ، أي:
سوداء»
، وقال بعضهم: لا يقال في السواد فاقع، وإنّما يقال فيها حالكة. قال تعالى: ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا
[الزمر/ ٢١] ، كأنّه جمالات صُفْرٌ «٣» [المرسلات/ ٣٣] ، قيل: هي جمع أَصْفَرَ، وقيل: بل أراد الصُّفْرَ المُخْرَجَ من المعادن، ومنه قيل للنّحاس: صُفْرٌ، ولِيَبِيسِ البُهْمَى: صُفَارٌ، وقد يقال الصَّفِيرُ للصّوت حكاية لما يسمع، ومن هذا: صَفِرَ الإناءُ: إذا خلا حتى يُسْمَعَ منه صَفِيرٌ لخلوّه، ثم صار متعارفا في كلّ حال من الآنية وغيرها. وسمّي خلوّ الجوف والعروق من الغذاء صَفَراً، ولمّا كانت العروق الممتدّة من الكبد إلى المعدة إذا لم تجد غذاء امتصّت أجزاء المعدة اعتقدت جهلة العرب أنّ ذلك حيّة في البطن تعضّ بعض الشّراسف حتى نفى النّبيّ ﷺ ، فقال: «لا صَفَرَ» «٤» أي: ليس في البطن ما يعتقدون أنه فيه من الحيّة، وعلى هذا قول الشاعر:
٢٨١-
ولا يعضّ على شرسوفه الصَّفَرُ
«٥» والشّهر يسمّى صَفَراً لخلوّ بيوتهم فيه من الزّاد، والصَّفَرِيُّ من النِّتَاجِ: ما يكون في ذلك الوقت.
صفن
الصَّفْنُ: الجمعُ بين الشّيئين ضامّا بعضهما إلى بعض. يقال: صَفَنَ الفرسُ قوائمَهُ، قال تعالى: الصَّافِناتُ الْجِيادُ
[ص/ ٣١] ، وقرئ: (فاذكروا اسم الله عليها صَوَافِنَ) «٦» ، والصَّافِنُ: عِرْقٌ في باطن الصّلب يجمع نياط القلب. والصَّفْنُ: وعاءٌ يجمع الخصية، والصُّفْنُ: دلوٌ مجموع بحلقة.
صفو
أصل الصَّفَاءِ: خلوصُ الشيءِ من الشّوب، ومنه: الصَّفَا، للحجارة الصَّافِيَةِ. قال تعالى:
стр. 470
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
[البقرة/ ١٥٨] ، وذلك اسم لموضع مخصوص، والاصْطِفَاءُ: تناولُ صَفْوِ الشيءِ، كما أنّ الاختيار: تناول خيره، والاجتباء: تناول جبايته.
واصْطِفَاءُ اللهِ بعضَ عباده قد يكون بإيجاده تعالى إيّاه صَافِياً عن الشّوب الموجود في غيره، وقد يكون باختياره وبحكمه وإن لم يتعرّ ذلك من الأوّل، قال تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ
[الحج/ ٧٥] ، إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً
[آل عمران/ ٣٣] ، اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ
[آل عمران/ ٤٢] ، اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ
[الأعراف/ ١٤٤] ، وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ
[ص/ ٤٧] ، واصْطَفَيْتُ كذا على كذا، أي: اخترت. أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ [الصافات/ ١٥٣] ، وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى [النمل/ ٥٩] ، ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا
[فاطر/ ٣٢] ، والصَّفِيُّ والصَّفِيَّةُ: ما يَصْطَفِيهِ الرّئيسُ لنفسه، قال الشاعر:
٢٨٢-
لك المرباع منها والصَّفَايَا
«١» وقد يقالان للناقة الكثيرة اللّبن، والنّخلة الكثيرة الحمل، وأَصْفَتِ الدّجاجةُ: إذا انقطع بيضها كأنها صَفَتْ منه، وأَصْفَى الشاعرُ: إذا انقطع شعره تشبيها بذلك، من قولهم: أَصْفَى الحافرُ: إذا بلغ صَفًا، أي: صخرا منعه من الحفر، كقولهم: أكدى وأحجر «٢» ، والصَّفْوَانُ كالصَّفَا، الواحدةُ: صَفْوَانَةٌ، قال تعالى:
كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ
[البقرة/ ٢٦٤] ، ويقال: يوم صَفْوَانٌ: صَافِي الشّمسِ، شديد البرد.
صلل
أصل الصَّلْصَالِ: تردُّدُ الصّوتِ من الشيء اليابس، ومنه قيل: صَلَّ المسمارُ «٣» ، وسمّي الطّين الجافّ صَلْصَالًا. قال تعالى: مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ
[الرحمن/ ١٤] ، مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر/ ٢٦] ، والصُّلْصَلَةُ: بقيّةُ ماءٍ، سمّيت بذلك لحكاية
стр. 471
صوت تحرّكه في المزادة، وقيل: الصَّلْصَالُ:
المنتن من الطين، من قولهم: صَلَّ اللحمُ، قال: وكان أصله صَلَّالٌ، فقلبت إحدى الّلامين، وقرئ: (أئذا صَلَلْنَا) «١» أي: أنتنّا وتغيّرنا، من قولهم: صَلَّ اللّحمُ وأَصَلَّ.
صلب
الصُّلْبُ: الشّديدُ، وباعتبار الصَّلَابَةُ والشّدّة سمّي الظّهر صُلْباً. قال تعالى:
يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ
[الطارق/ ٧] ، وقوله: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ
[النساء/ ٢٣] ، تنبيه أنّ الولد جزء من الأب، وعلى نحوه نبّه قول الشاعر:
٢٨٣-
وإنّما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض
«٢» وقال الشاعر:
٢٨٤-
في صَلَبٍ مثل العنان المؤدم
«٣» والصَّلَبُ والاصْطِلَابُ: استخراج الودك من العظم، والصَّلْبُ الذي هو تعليق الإنسان للقتل، قيل: هو شدّ صُلْبِهِ على خشب، وقيل: إنما هو من صَلْبِ الوَدَكِ. قال تعالى: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ
[النساء/ ١٥٧] ، وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ
[الشعراء/ ٤٩] ، وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه/ ٧١] ، أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا
[المائدة/ ٣٣] ، والصَّلِيبُ: أصله الخشب الذي يُصْلَبُ عليه، والصَّلِيبُ: الذي يتقرّب به النّصارى، هو لكونه على هيئة الخشب الّذي زعموا أنه صُلِبَ عليه عيسى ﵇، وثوب مُصَلَّبٌ، أي:
عليه آثار الصَّلِيبِ، والصَّالِبُ من الحمّى: ما يكسر الصُّلْبَ، أو ما يُخْرِجُ الودَكَ بالعرق، وصَلَّبْتُ السّنانَ: حدّدته، والصُّلْبِيَّةُ: حجارة المسنّ.
صلح
الصَّلَاحُ: ضدّ الفساد، وهما مختصّان في أكثر الاستعمال بالأفعال، وقوبل في القرآن تارة بالفساد، وتارة بالسّيّئة. قال تعالى: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً
[التوبة/ ١٠٢] ، وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها
[الأعراف/ ٥٦] ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[البقرة/ ٨٢] ، في مواضع كثيرة. والصُّلْحُ يختصّ بإزالة النّفار بين الناس، يقال منه:
стр. 472
اصْطَلَحُوا وتَصَالَحُوا، قال: أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ
[النساء/ ١٢٨] ، وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا
[النساء/ ١٢٩] ، فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما
[الحجرات/ ٩] ، فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات/ ١٠] ، وإِ صْلَا حُ اللهِ تعالى الإنسانَ يكون تارة بخلقه إيّاه صَالِحاً، وتارة بإزالة ما فيه من فساد بعد وجوده، وتارة يكون بالحكم له بالصَّلَاحِ. قال تعالى:
وَأَصْلَحَ بالَهُمْ
[محمد/ ٢] ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ [الأحزاب/ ٧١] ، وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي
[الأحقاف/ ١٥] ، إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ
[يونس/ ٨١] ، أي: المفسد يضادّ الله في فعله، فإنّه يفسد والله تعالى يتحرّى في جميع أفعاله الصَّلَاحَ، فهو إذا لا يُصْلِحُ عملَه، وصَالِحٌ: اسم للنّبيّ ﵇. قال تعالى: يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا [هود/ ٦٢] .
صلد
«١» قال تعالى: فَتَرَكَهُ صَلْداً
[البقرة/ ٢٦٤] ، أي: حجرا صلبا وهو لا ينبت، ومنه قيل: رأس صَلْدٌ: لا ينبت شعرا، وناقة صَلُودٌ ومِصْلَادٌ: قليلة اللّبن، وفرس صَلُودٌ: لا يعرق، وصَلَدَ الزَّنْدُ: لا يخرج ناره.
صلا
أصل الصَّلْيُ الإيقادُ بالنار، ويقال: صَلِيَ بالنار وبكذا، أي: بلي بها، واصْطَلَى بها، وصَلَيْتُ الشاةَ: شويتها، وهي مَصْلِيَّةٌ. قال تعالى: اصْلَوْهَا الْيَوْمَ
[يس/ ٦٤] ، وقال:
يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى
[الأعلى/ ١٢] ، تَصْلى ناراً حامِيَةً
[الغاشية/ ٤] ، وَيَصْلى سَعِيراً [الانشقاق/ ١٢] ، وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
[النساء/ ١٠] ، قرئ:
سَيَصْلَوْنَ «٢» بضمّ الياء وفتحها، حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها [المجادلة/ ٨] ، سَأُصْلِيهِ سَقَرَ
[المدثر/ ٢٦] ، وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ
[الواقعة/ ٩٤] ، وقوله: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى
[الليل/ ١٥- ١٦] ، فقد قيل:
معناه لا يَصْطَلِي بها إلّا الأشقى الذي. قال الخليل: صَلِيَ الكافرُ النار: قاسى حرّها «٣» ، يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [المجادلة/ ٨] ، وقيل: صَلَى النارَ: دخل فيها، وأَصْلَاهَا غيرَهُ، قال: فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً
[النساء/ ٣٠] ، ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا
[مريم/ ٧٠] ، قيل: جمع صَالٍ، والصَّلَاءُ يقال للوقود وللشّواء. والصَّلاةُ، قال كثير من أهل اللّغة: هي الدّعاء، والتّبريك
стр. 473
والتّمجيد «١» ، يقال: صَلَّيْتُ عليه، أي: دعوت له وزكّيت، وقال ﵇: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، وإن كان صائما فَلْيُصَلِّ» «٢» أي: ليدع لأهله، وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ
[التوبة/ ١٠٣] ، يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ
[الأحزاب/ ٥٦] ، وَصَلَواتِ الرَّسُولِ
[التوبة/ ٩٩] ، وصَلَاةُ اللهِ للمسلمين هو في التّحقيق: تزكيته إيّاهم. وقال: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ
[البقرة/ ١٥٧] ، ومن الملائكة هي الدّعاء والاستغفار، كما هي من النّاس «٣» . قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ
[الأحزاب/ ٥٦] ، والصَّلَاةُ التي هي العبادة المخصوصة، أصلها: الدّعاء، وسمّيت هذه العبادة بها كتسمية الشيء باسم بعض ما يتضمّنه، والصَّلَاةُ من العبادات التي لم تنفكّ شريعة منها، وإن اختلفت صورها بحسب شرع فشرع. ولذلك قال: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً [النساء/ ١٠٣] ، وقال بعضهم: أصلُ الصَّلَاةِ من الصَّلَى «٤» ، قال: ومعنى صَلَّى الرّجلُ، أي: أنه ذاد وأزال عن نفسه بهذه العبادة الصَّلَى الذي هو نار الله الموقدة. وبناء صَلَّى كبناء مَرَّضَ لإزالة المرض، ويسمّى موضع العبادة الصَّلَاةَ، ولذلك سمّيت الكنائس صَلَوَاتٌ، كقوله: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ [الحج/ ٤٠] ، وكلّ موضع مدح الله تعالى بفعل الصَّلَاةِ أو حثّ عليه ذكر بلفظ الإقامة، نحو:
وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [النساء/ ١٦٢] ، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة/ ٤٣] ، وَأَقامُوا الصَّلاةَ [البقرة/ ٢٧٧] ، ولم يقل: المُصَلِّينَ إلّا في المنافقين، نحو قوله: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ
[الماعون/ ٤- ٥] ، وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى [التوبة/ ٥٤] ، وإنما خصّ لفظ الإقامة تنبيها أنّ المقصود من فعلها توفية حقوقها
стр. 474
وشرائطها، لا الإتيان بهيئتها فقط، ولهذا روي (أنّ المُصَلِّينَ كثير والمقيمين لها قليل) «١» ، وقوله تعالى: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر/ ٤٣] ، أي: من أتباع النّبيّين، وقوله: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى
[القيامة/ ٣١] ، تنبيها أنه لم يكن ممّن يُصَلِّي، أي يأتي بهيئتها فضلا عمّن يقيمها. وقوله: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً
[الأنفال/ ٣٥] ، فتسمية صَلَاتِهِمْ مكاء وتصدية تنبيه على إبطال صلاتهم، وأنّ فعلهم ذلك لا اعتداد به، بل هم في ذلك كطيور تمكو وتصدي، وفائدة تكرار الصلاة في قوله: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ [المؤمنون/ ١- ٢] إلى آخر القصّة حيث قال: وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ [المؤمنون/ ٩] ، فإنّا نذكره فيما بعد هذا الكتاب إن شاء الله «٢» .
صمم
الصَّمَمُ: فقدانُ حاسّة السّمع، وبه يوصف من لا يُصغِي إلى الحقّ ولا يقبله. قال تعالى:
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ
[البقرة/ ١٨] ، وقال: صُمًّا وَعُمْياناً
[الفرقان/ ٧٣] ، وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ
[هود/ ٢٤] ، وقال:
وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا
[المائدة/ ٧١] ، وشبّه ما لا صوت له به، ولذلك قيل: صَمَّتْ حَصَاةٌ بِدَمٍ «٣» ، أي: كثر الدّم حتى لو ألقي فيه حصاة لم تسمع لها حركة، وضربة صِمَّاءُ. ومنه:
الصِّمَّةُ للشّجاع الذي يُصِمُّ بالضّربة، وصَمَمْتُ القارورةَ: شددت فاها تشبيها بالأَصَمِّ الذي شدّ أذنه، وصَمَّمَ في الأمر: مضى فيه غير مصغ إلى من يردعه، كأنه أَصَمُّ، والصَّمَّانُ: أرض غليظة، واشتمالُ الصَّمَّاءِ: ما لا يبدو منه شيءٌ.
صمد
الصَّمَدُ: السَّيِّدُ: الذي يُصْمَدُ إليه في الأمر، وصَمَدَهُ: قصد معتمدا عليه قصده، وقيل:
الصَّمَدُ الذي ليس بأجوف، والذي ليس بأجوف شيئان: أحدهما لكونه أدون من الإنسان كالجمادات، والثاني أعلى منه، وهو الباري والملائكة، والقصد بقوله: اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص/ ٢] ، تنبيها أنه بخلاف من أثبتوا له
стр. 475
الإلهيّة، وإلى نحو هذا أشار بقوله: وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ [المائدة/ ٧٥] «١» .
صمع
الصَّوْمَعَةُ: كلّ بناء مُتَصَمِّع الرّأسِ، أي:
متلاصقه، وجمعها صَوَامِعُ. قال تعالى:
لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ [الحج/ ٤٠] ، والأَصْمَعُ: الّلاصق أذنه برأسه، وقلبٌ أَصْمَعُ:
جريءٌ، كأنه بخلاف من قال الله فيهم:
وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ [إبراهيم/ ٤٣] ، والصَّمْعَاءُ:
البُهْمَى قبل أن تتفقّأ «٢» ، وكلابٌ صُمُعُ الكُعُوبِ:
ليسوا بأجوفها.
صنع
الصُّنْعُ: إجادةُ الفعل، فكلّ صُنْعٍ فِعْلٌ، وليس كلّ فعل صُنْعاً، ولا ينسب إلى الحيوانات والجمادات كما ينسب إليها الفعل. قال تعالى:
صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ
[سورة النمل/ ٨٨] ، وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ
[هود/ ٣٨] ، وَاصْنَعِ الْفُلْكَ
[هود/ ٣٧] ، أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [الكهف/ ١٠٤] ، صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ
[الأنبياء/ ٨٠] ، تَتَّخِذُونَ مَصانِعَ
[الشعراء/ ١٢٩] ، لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ
[المائدة/ ٦٣] ، حَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها
[هود/ ١٦] ، تَلْقَفْ ما صَنَعُوا، إِنَّما صَنَعُوا [طه/ ٦٩] ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ
[العنكبوت/ ٤٥] ، وللإجادة يقال للحاذق المُجِيدِ: صَنَعٌ، وللحاذقة المُجِيدَةِ: صَنَاعٌ «٣» ، والصَّنِيعَةُ: ما اصْطَنَعْتُهُ من خيرٍ، وفرسٌ صَنِيعٌ: أُحْسِنَ القيامُ عليه. وعبّر عن الأمكنة الشّريفة بِالْمَصَانِعِ. قال تعالى: وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ [الشعراء/ ١٢٩] ، وكنّي بالرّشوة عن المُصَانَعَةِ، والاصْطِنَاعُ: المبالغة في إصلاح الشيء، وقوله: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي
[طه/ ٤١] ، وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي
[طه/ ٣٩] ، إشارة إلى نحو ما قال بعض الحكماء: (إنّ الله تعالى إذا أحبّ عبدا تفقّده كما يتفقّد الصّديق صديقه) .
صنم
الصَّنَمُ: جُثَّةٌ متّخذة من فضّة، أو نحاس، أو خشب، كانوا يعبدونها متقرّبين به إلى الله تعالى، وجمعه: أَصْنَامٌ. قال الله تعالى: أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً
[الأنعام/ ٧٤] ، لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ
[الأنبياء/ ٥٧] ، قال بعض الحكماء: كلّ ما عبد من دون الله، بل كلّ ما يشغل عن الله تعالى يقال
стр. 476
له: صَنَمٌ، وعلى هذا الوجه قال إبراهيم صلوات الله عليه: اجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
[إبراهيم/ ٣٥] ، فمعلوم أنّ إبراهيم مع تحقّقه بمعرفة الله تعالى، واطّلاعه على حكمته لم يكن ممّن يخاف أن يعود إلى عبادة تلك الجثث التي كانوا يعبدونها، فكأنّه قال: اجنبني عن الاشتغال بما يصرفني عنك.
صنو
الصِّنْوُ: الغصنُ الخارج عن أصل الشّجرة، يقال: هُمَا صِنْوَا نخلةٍ، وفلانٌ صِنْوُ أبيه، والتّثنية: صِنْوَانِ، وجمعه صِنْوَانٌ «١» . قال تعالى:
صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ [الرعد/ ٤] .
صهر
الصِّهْرُ: الختنُ، وأهل بيت المرأة يقال لهم الأَصْهَارُ، كذا قال الخليل «٢» . قال ابن الأعرابيّ: الإِصْهَارُ: التَّحَرُّمُ بجوارٍ، أو نسب، أو تزوّج، يقال: رجلٌ مُصْهِرٌ: إذا كان له تحرّم من ذلك. قال تعالى: فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً
[الفرقان/ ٥٤] ، والصَّهْرُ: إذابةُ الشّحمِ. قال تعالى: يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ
[الحج/ ٢٠] ، والصُّهَارَةُ: ما ذاب منه، وقال أعرابيّ: لَأَصْهَرَنَّكَ بيمينٍ مُرَّةٍ «٣» ، أي: لأُذِيبَنَّكَ.
صوب
الصَّوَابُ يقال على وجهين: أحدهما: باعتبار الشيء في نفسه، فيقال: هذا صَوَابٌ: إذا كان في نفسه محمودا ومرضيّا، بحسب مقتضى العقل والشّرع، نحو قولك: تَحَرِّي العدلِ صَوَابٌ، والكَرَمُ صَوَابٌ. والثاني: يقال باعتبار القاصد إذا أدرك المقصود بحسب ما يقصده، فيقال: أَصَابَ كذا، أي: وجد ما طلب، كقولك: أَصَابَهُ السّهمُ، وذلك على أضرب:
الأوّل: أن يقصد ما يحسن قصده فيفعله، وذلك هو الصَّوَابُ التّامُّ المحمودُ به الإنسان.
والثاني: أن يقصد ما يحسن فعله، فيتأتّى منه غيره لتقديره بعد اجتهاده أنّه صَوَابٌ، وذلك هو المراد بقوله ﵇: «كلّ مجتهد مُصِيبٌ» «٤» ، وروي «المجتهد مُصِيبٌ وإن أخطأ
стр. 477
فهذا له أجر» «١» كما روي: «من اجتهد فَأَصَابَ فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر» «٢» .
والثالث: أن يقصد صَوَاباً، فيتأتّى منه خطأ لعارض من خارج، نحو من يقصد رمي صيد، فَأَصَابَ إنسانا، فهذا معذور.
والرّابع: أن يقصد ما يقبح فعله، ولكن يقع منه خلاف ما يقصده، فيقال: أخطأ في قصده، وأَصَابَ الذي قصده، أي: وجده، والصَّوْبُ:
الإِصَابَةُ: يقال: صَابَهُ وأَصَابَهُ، وجُعِلَ الصَّوْبُ لنزول المطر إذا كان بقدر ما ينفع، وإلى هذا القدر من المطر أشار بقوله: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ [المؤمنون/ ١٨] ، قال الشاعر:
٢٨٥-
فسقى ديارك غير مفسدها ... صَوْبُ الرّبيعِ ودِيمَةٌ تهمي
«٣» والصَّيِّبُ: السّحابُ المختصّ بالصَّوْبِ، وهو فيعل من: صَابَ يَصُوبُ. قال الشاعر: ٢٨٦-
فكأنما صَابَتْ عليه سحابة
«٤» وقوله: أَوْ كَصَيِّبٍ
[البقرة/ ١٩] ، قيل:
هو السّحاب، وقيل: هو المطر، وتسميته به كتسميته بالسّحاب، وأَصَابَ السّهمَ: إذا وصل إلى المرمى بالصَّوَابِ، والمُصِيبَةُ أصلها في الرّمية، ثم اختصّت بالنّائبة نحو: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها
[آل عمران/ ١٦٥] ، فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ
[النساء/ ٦٢] ، وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ
[آل عمران/ ١٦٦] ، وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى/ ٣٠] ، وأصاب: جاء في الخير والشّرّ. قال تعالى:
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ
[التوبة/ ٥٠] ، وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ [النساء/ ٧٣] ، فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ
[النور/ ٤٣] ، فَإِذا أَصابَ بِهِ
стр. 478
مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [الروم/ ٤٨] ، قال:
الإِصَابَةُ في الخير اعتبارا بالصَّوْبِ، أي:
بالمطر، وفي الشّرّ اعتبارا بِإِصَابَةِ السّهمِ، وكلاهما يرجعان إلى أصل.
صوت
الصَّوْتُ: هو الهواء المنضغط عن قرع جسمين، وذلك ضربان: صَوْتٌ مجرّدٌ عن تنفّس بشيء كالصَّوْتِ الممتدّ، وتنفّس بِصَوْتٍ ما.
والمتنفّس ضربان: غير اختياريّ: كما يكون من الجمادات ومن الحيوانات، واختياريّ: كما يكون من الإنسان، وذلك ضربان: ضرب باليد كصَوْتِ العود وما يجري مجراه، وضرب بالفم.
والذي بالفم ضربان: نطق وغير نطق، وغير النّطق كصَوْتِ النّاي، والنّطق منه إما مفرد من الكلام، وإمّا مركّب، كأحد الأنواع من الكلام. قال تعالى: وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً
[طه/ ١٠٨] ، وقال: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان/ ١٩] ، لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ
[الحجرات/ ٢] ، وتخصيص الصَّوْتِ بالنّهي لكونه أعمّ من النّطق والكلام، ويجوز أنه خصّه لأنّ المكروه رفع الصَّوْتِ فوقه، لا رفع الكلام، ورجلٌ صَيِّتٌ: شديد الصَّوْتِ، وصَائِتٌ: صائح، والصِّيتُ خُصَّ بالذّكر الحسن، وإن كان في الأصل انتشار الصَّوْتِ.
والإِنْصَاتُ: هو الاستماع إليه مع ترك الكلام.
قال تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا [الأعراف/ ٢٠٤] ، وقال: يقال للإجابة إِنْصَاتٌ، وليس ذلك بشيء، فإنّ الإجابة تكون بعد الإِنْصَاتِ، وإن استعمل فيه فذلك حثّ على الاستماع لتمكّن الإجابة.
صاح
الصَّيْحَةُ: رفع الصّوت. قال تعالى: إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً
[يس/ ٢٩] ، يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِ
[ق/ ٤٢] ، أي:
النّفخ في الصّور، وأصله: تشقيق الصّوت، من قولهم: انْصَاحَ الخشبُ، أو الثّوب، إذا انشقّ، فسمع منه صوت، وصِيحَ الثّوبُ إذا انشقّ، كذلك، ويقال: بأرض فلان شجر قد صَاحَ: إذا طال فتبيّن للنّاظر لطوله، ودلّ على نفسه دلالة الصَّائِحِ على نفسه بصوته، ولمّا كانت الصَّيْحَةُ قد تفزع عبّر بها عن الفزع في قوله: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ
[الحجر/ ٧٣] ، والصَّائِحَةُ:
صَيْحَةُ المناحة، ويقال: ما ينتظرون إلّا مثل صَيْحَةِ الحبلى «١» ، أي: شرّا يعاجلهم، والصَّيْحَانِيُّ: ضربٌ من التّمر.
صيد
الصَّيْدُ: مصدرُ صَادَ، وهو تناول ما يظفر به
стр. 479
ممّا كان ممتنعا، وفي الشّرع: تناول الحيوانات الممتنعة ما لم يكن مملوكا، والمتناول منه ما كان حلالا، وقد يسمّى المَصِيدُ صَيْداً بقوله: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ [المائدة/ ٩٦] ، أي: اصْطِيَادُ ما في البحر، وأما قوله: لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ
[المائدة/ ٩٥] ، وقوله: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا
[المائدة/ ٢] ، وقوله: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة/ ١] ، فإنّ الصَّيْدَ في هذه المواضع مختصّ بما يؤكل لحمه فيما قال بدلالة ما روي: «خمسة يقتلهنّ المحرم في الحلّ والحرم: الحيّة والعقرب والفأرة والذّئب والكلب العقور» «١» والأَصْيَدُ: من في عنقه ميل، وجعل مثلا للمتكبّر. والصِّيدَانُ برامُ الأحجارِ، قال:
٢٨٧-
وسود من الصِّيدَانِ فيها مذانب
«٢» وقيل له: صَادٌ، قال:
٢٨٨-
رأيت قدورَ الصَّادِ حول بيوتنا
«٣» وقيل في قوله تعالى: ص وَالْقُرْآنِ [ص/ ١] ، هو الحروف، وقيل: تلقّه بالقبول، من:
صَادَيْتُ كذا، والله أعلم.
صور
الصُّورَةُ: ما ينتقش به الأعيان، ويتميّز بها غيرها، وذلك ضربان: أحدهما محسوس يدركه الخاصّة والعامّة، بل يدركه الإنسان وكثير من الحيوان، كَصُورَةِ الإنسانِ والفرس، والحمار بالمعاينة، والثاني: معقول يدركه الخاصّة دون العامّة، كالصُّورَةِ التي اختصّ الإنسان بها من العقل، والرّويّة، والمعاني التي خصّ بها شيء بشيء، وإلى الصُّورَتَيْنِ أشار بقوله تعالى: ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ
[الأعراف/ ١١] ، وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ
[غافر/ ٦٤] ، وقال: فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ
[الانفطار/ ٨] ، يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ
[آل عمران/ ٦] ، وقال ﵇: «إنّ الله خلق آدم على صُورَتِهِ» «٤» فَالصُّورَةُ أراد بها ما خصّ الإنسان بها من الهيئة المدركة بالبصر والبصيرة، وبها فضّله
стр. 480
على كثير من خلقه، وإضافته إلى الله سبحانه على سبيل الملك، لا على سبيل البعضيّة والتّشبيه، تعالى عن ذلك، وذلك على سبيل التشريف له كقوله: بيت الله، وناقة الله، ونحو ذلك. قال تعالى: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر/ ٢٩] ، وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ
[النمل/ ٨٧] ، فقد قيل: هو مثل قرن ينفخ فيه، فيجعل الله سبحانه ذلك سببا لعود الصُّوَرِ والأرواح إلى أجسامها، وروي في الخبر «أنّ الصُّوَرَ فيه صُورَةُ الناس كلّهم» «١» ، وقوله تعالى:
فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَ
«٢» أي: أَمِلْهُنَّ من الصَّوْرِ، أي: الميل، وقيل: قَطِّعْهُنَّ صُورَةً صورة، وقرئ: صرهن «٣» وقيل: ذلك لغتان، يقال: صِرْتُهُ وصُرْتُهُ «٤» ، وقال بعضهم: صُرْهُنَّ، أي: صِحْ بِهِنَّ، وذكر الخليل أنه يقال: عصفور صَوَّارٌ «٥» ، وهو المجيب إذا دعي، وذكر أبو بكر النّقاش «٦» أنه قرئ: (فَصُرَّهُنَّ) «٧» بضمّ الصّاد وتشديد الرّاء وفتحها من الصَّرِّ، أي:
الشّدّ، وقرئ: (فَصُرَّهُنَّ) «٨» من الصَّرِيرِ، أي: الصّوت، ومعناه: صِحْ بهنّ. والصَّوَارُ:
القطيع من الغنم اعتبارا بالقطع، نحو: الصّرمة والقطيع، والفرقة، وسائر الجماعة المعتبر فيها معنى القطع.
صير
الصِّيرُ: الشِّقُّ، وهو المصدرُ، ومنه قرئ:
فَصُرْهُنَّ «٩» ، وصَارَ إلى كذا: انتهى إليه،
стр. 481
ومنه: صِيرُ البابِ لِمَصِيرِهِ الذي ينتهي إليه في تنقّله وتحرّكه، قال: وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
[الشورى/ ١٥] .
و «صَارَ» عبارةٌ عن التّنقل من حال إلى حال.
صاع
صُوَاعُ الملكِ: كان إناء يشرب به ويكال به، ويقال له: الصَّاعُ، ويذكّر ويؤنّث. قال تعالى:
نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ [يوسف/ ٧٢] ، ثم قال: ثُمَّ اسْتَخْرَجَها [يوسف/ ٧٦] ، ويعبّر عن المكيل باسم ما يكال به في قوله: «صَاعٌ من بُرٍّ أو صَاعٌ من شعير» «١» وقيل: الصَّاعُ بطنُ الأرض، قال:
٢٨٩-
ذكروا بِكَفَّيْ لاعبٍ في صَاعٍ
«٢» وقيل: بل الصَّاعُ هنا هو الصَّاعُ يلعب به مع كرة. وتَصَوَّعَ النّبتُ والشَّعَر: هاج وتفرّق، والكميُّ يَصُوعُ أقرانَهُ «٣» ، أي: يفرِّقُهم.
صوغ
قرئ: (صَوْغَ الملكِ) «٤» يذهب به إلى أنه كان مَصُوغاً من الذّهب.
صوف
قال تعالى: وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ
[النحل/ ٨٠] ، وأخذ بِصُوفَةِ قفاه، أي: بشعره النابت، وكبش صَافٍ، وأَصْوَفُ، وصَائِفٌ: كثيرُ الصُّوفِ.
والصُّوفَةُ «٥» : قومٌ كانوا يخدمون الكعبة، فقيل:
سمّوا بذلك لأنّهم تشبّكوا بها كتشبّك الصُّوفِ بما نبت عليه، والصُّوفَانُ: نبت أزغب. والصُّوفِيُّ قيل: منسوب إلى لبسه الصُّوفَ، وقيل: منسوب إلى الصُّوفَةِ الذين كانوا يخدمون الكعبة لاشتغالهم بالعبادة، وقيل: منسوب إلى الصُّوفَانِ الذي هو نبت، لاقتصادهم واقتصارهم في الطّعم على ما يجري مجرى الصُّوفَانِ في قلّة الغناء في الغذاء.
صيف
الصَّيْفُ: الفصل المقابل للشّتاء. قال تعالى:
رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ [قريش/ ٢] ، وسمّي المطر الآتي في الصَّيْفِ صَيْفاً، كما سمّي المطر الآتي في الرّبيع ربيعا. وصَافُوا: حصلوا في
стр. 482
الصَّيْفِ، وأَصَافُوا: دخلوا فيه.
صوم
الصَّوْمُ في الأصل: الإمساك عن الفعل مطعما كان، أو كلاما، أو مشيا، ولذلك قيل للفرس الممسك عن السّير، أو العلف: صَائِمٌ.
قال الشاعر:
٢٩٠-
خيل صِيَامٌ وأخرى غير صَائِمَةٍ
«١» وقيل للرّيح الرّاكدة: صَوْمٌ، ولاستواء النهار:
صَوْمٌ، تصوّرا لوقوف الشمس في كبد السماء، ولذلك قيل: قام قائم الظّهيرة. ومَصَامُ الفرسِ، ومَصَامَتُهُ: موقفُهُ. والصَّوْمُ في الشّرع: إمساك المكلّف بالنّية من الخيط الأبيض إلى الخيط الأسود عن تناول الأطيبين، والاستمناء والاستقاء، وقوله: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً
[مريم/ ٢٦] ، فقد قيل: عني به الإمساك عن الكلام بدلالة قوله تعالى: فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [مريم/ ٢٦] .
صيص
قوله تعالى: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ
[الأحزاب/ ٢٦] ، أي: حصونهم، وكلّ ما يتحصّن به يقال له:
صِيصَةٌ، وبهذا النّظر قيل لقرن البقر: صِيصَةٌ، وللشّوكة التي يقاتل بها الدّيك: صِيصَةٌ، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
تمّ كتاب الصاد بتوفيق الله تعالى
стр. 483
كتاب الضّاد
بسم الله الرحمن الرحيم، نستعين بالله تعالى، وهو خير معين، الحمد لله حق حمده، والصلاة على خير خلقه، ومظهر حقّه محمد وآله وصحبه «١» .
ضبح
قال تعالى: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً
[العاديات/ ١] ، قيل: الضَّبْحُ: صوتُ أنفاس الفرس تشبيها بالضِّبَاحِ، وهو صوت الثّعلب، وقيل: هو الخفيف العدو، وقد يقال ذلك للعدو، وقيل: الضَّبْحُ كالضّبع، وهو مدّ الضّبع في العدو، وقيل: أصله إحراق العود، شبّه عدوه به كتشبيهه بالنار في كثرة حركتها.
ضحك
الضَّحِكُ: انبساطُ الوجه وتكشّر الأسنان من سرور النّفس، ولظهور الأسنان عنده سمّيت مقدّمات الأسنان الضَّوَاحِكِ. واستعير الضَّحِكُ للسّخرية، فقيل: ضَحِكْتُ منه، ورجلٌ ضُحَكَةٌ:
يَضْحَكُ من النّاس، وضُحْكةٌ: لمن يُضْحَكُ منه «٢» . قال تعالى: وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ
[المؤمنون/ ١١٠] ، إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ
[الزخرف/ ٤٧] ، تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ [النجم/ ٥٩- ٦٠] ، ويستعمل في السّرور المجرّد نحو: مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ
[عبس/ ٣٨- ٣٩] ، فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا
[التوبة/ ٨٢] ، فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً
[النمل/ ١٩] ، قال الشاعر:
٢٩١-
يَضْحَكُ الضّبع لقتلى هذيل ... وترى الذّئب لها يستهلّ
«٣» واستعمل للتّعجّب المجرّد تارة، ومن هذا
стр. 484
المعنى قَصَدَ مَن قال: الضَّحِكُ يَختصُّ بالإنسان، وليس يوجد في غيره من الحيوان، قال: ولهذا المعنى قال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى
[النجم/ ٤٣] ، وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ
[هود/ ٧١] ، وضَحِكُهَا كان للتّعجّب بدلالة قوله: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [هود/ ٧٣] ، ويدلّ على ذلك أيضا قوله: أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ إلى قوله: عَجِيبٌ [هود/ ٧٢] ، وقول من قال: حاضت، فليس ذلك تفسيرا لقوله: فَضَحِكَتْ كما تصوّره بعض المفسّرين «١» ، فقال: ضَحِكَتْ بمعنى حاضت، وإنّما ذكر ذلك تنصيصا لحالها، وأنّ الله تعالى جعل ذلك أمارة لما بشّرت به، فحاضت في الوقت ليعلم أنّ حملها ليس بمنكر، إذ كانت المرأة ما دامت تحيض فإنها تحبل، وقول الشاعر في صفة روضة:
٢٩٢-
يُضَاحِكُ الشمسَ منها كوكب شرِقٌ
«٢» فإنّه شبّه تلألؤها بِالضَّحِكِ، ولذلك سمّي البرق العارض ضَاحِكاً، والحجر يبرق ضَاحِكاً، وسمّي البلح حين يتفتَّقُ ضَاحِكاً، وطريقٌ ضَحُوكٌ: واضحٌ، وضَحِكَ الغديرُ: تلألأ من امتلائه، وقد أَضْحَكْتُهُ.
ضحى
الضُّحَى: انبساطُ الشمس وامتداد النهار، وسمّي الوقت به. قال الله : وَالشَّمْسِ وَضُحاها
[الشمس/ ١] ، إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها [النازعات/ ٤٦] ، وَالضُّحى وَاللَّيْلِ [الضحى/ ١- ٢] ، وَأَخْرَجَ ضُحاها [النازعات/ ٢٩] ، وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى
[طه/ ٥٩] ، وضَحَى يَضْحَى: تَعَرَّضَ للشمس.
قال: وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى
[طه/ ١١٩] ، أي: لك أن تتصوّن من حرّ الشمس، وتَضَحَّى: أَكَلَ ضُحًى، كقولك: تغدّى، والضَّحَاءُ والغداءُ لطعامهما، وضَاحِيَةُ كلِّ شيءٍ:
ناحيتُهُ البارزةُ، وقيل للسماء: الضَّوَاحِي وليلة إِضْحِيَانَةٌ، وضَحْيَاءُ: مُضيئةٌ إضاءةَ الضُّحَى.
والأُضْحِيَّةُ جمعُها أَضَاحِي وقيل: ضَحِيَّةٌ
стр. 485
وضَحَايَا، وأَضْحَاةٌ وأَضْحًى، وتسميتها بذلك في الشّرع لقوله ﵇: «من ذبح قبل صلاتنا هذه فليُعِدْ» «١» .
ضد
قال قوم: الضِّدَّانِ الشيئان اللّذان تحت جنس واحدٍ «٢» ، وينافي كلّ واحد منهما الآخر في أوصافه الخاصّة، وبينهما أبعد البعد كالسّواد والبياض، والشّرّ والخير، وما لم يكونا تحت جنس واحد لا يقال لهما ضِدَّانِ، كالحلاوة والحركة. قالوا: والضِّدُّ هو أحد المتقابلات، فإنّ المتقابلين هما الشيئان المختلفان، اللّذان كلّ واحد قبالة الآخر، ولا يجتمعان في شيء واحد في وقت واحد، وذلك أربعة أشياء:
الضِّدَّانِ كالبياض والسّواد، والمتناقضان:
كالضّعف والنّصف، والوجود والعدم، كالبصر والعمى، والموجبة والسّالبة في الأخبار، نحو: كلّ إنسان هاهنا، وليس كلّ إنسان هاهنا «٣» . وكثير من المتكلّمين وأهل اللغة يجعلون كلّ ذلك من المُتَضَادَّاتِ، ويقولون: الضِّدَّانِ ما لا يصحّ اجتماعهما في محلّ واحد. وقيل: الله تعالى لا ندّ له ولا ضِدَّ، لأنَّ النِّدَّ هو الاشتراك في الجوهر، والضِّدَّ هو أن يعتقب الشيئان المتنافيان على جنس واحد، والله تعالى منزّه عن أن يكون جوهرا، فإذا لا ضِدَّ له ولا ندّ، وقوله:
وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [مريم/ ٨٢] ، أي:
منافين لهم.
ضر
الضُّرُّ: سوءُ الحال، إمّا في نفسه لقلّة العلم والفضل والعفّة، وإمّا في بدنه لعدم جارحة ونقص، وإمّا في حالة ظاهرة من قلّة مال وجاه، وقوله: فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ
[الأنبياء/ ٨٤] ، فهو محتمل لثلاثتها، وقوله:
стр. 486
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ [يونس/ ١٢] ، وقوله: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ
[يونس/ ١٢] ، يقال: ضَرَّهُ ضُرّاً: جلب إليه ضُرّاً، وقوله: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً
[آل عمران/ ١١١] ، ينبّههم على قلّة ما ينالهم من جهتهم، ويؤمّنهم من ضَرَرٍ يلحقهم نحو: لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً
[آل عمران/ ١٢٠] ، وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً
[المجادلة/ ١٠] ، وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
[البقرة/ ١٠٢] ، وقال تعالى: وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ
[البقرة/ ١٠٢] ، وقال:
يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ
[الحج/ ١٢] ، وقوله: يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ
[الحج/ ١٣] . فالأوّل يعنى به الضُّرُّ والنّفع، اللّذان بالقصد والإرادة، تنبيها أنه لا يقصد في ذلك ضَرّاً ولا نفعا لكونه جمادا. وفي الثاني يريد ما يتولّد من الاستعانة به ومن عبادته، لا ما يكون منه بقصده، والضَّرَّاءُ يقابل بالسَّرَّاء والنّعماء، والضرّ بالنّفع. قال تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ
[هود/ ١٠] ، وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً [الفرقان/ ٣] ، ورجلٌ ضَرِيرٌ: كناية عن فقد بصره، وضَرِيرُ الوادي: شاطئه الذي ضَرَّهُ الماءُ، والضَّرِيرُ:
المَضَارُّ، وقد ضَارَرْتُهُ. قال تعالى: وَلا تُضآرُّوهُنَ
[الطلاق/ ٦] ، وقال: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ
[البقرة/ ٢٨٢] ، يجوز أن يكون مسندا إلى الفاعل، كأنه قال: لا يُضَارِرْ، وأن يكون مفعولا، أي: لا يُضَارَرْ، بأن يشعل عن صنعته ومعاشه باستدعاء شهادته، وقال:
لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها
[البقرة/ ٢٣٣] ، فإذا قرئ بالرّفع فلفظه خبر ومعناه أمر، وإذا فتح فأمر «١» . قال تعالى: ضِراراً لِتَعْتَدُوا
[البقرة/ ٢٣١] ، والضَّرَّةُ أصلُها الفَعْلة التي تَضُرُّ، وسمّي المرأتان تحت رجل واحد كلّ واحدة منهما ضَرَّةٌ، لاعتقادهم أنّها تَضُرُّ بالمرأة الأخرى، ولأجل هذا النّظر منهم قال النبيّ ﷺ :
«لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفئ ما في صحفتها» «٢» والضَّرَّاءُ: التّزويج بِضَرَّةٍ، ورجلٌ مُضِرٌّ: ذو زوجين فصاعدا. وامرأةٌ مُضِرٌّ: لها ضَرَّةٌ. والاضْطِرَارُ: حمل الإنسان على ما يَضُرُّهُ، وهو في التّعارف حمله على أمر يكرهه، وذلك على ضربين:
стр. 487
أحدهما: اضطرار بسبب خارج كمن ي ضرب ، أو يهدّد، حتى يفعل منقادا، ويؤخذ قهرا، فيحمل على ذلك كما قال: ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ
[البقرة/ ١٢٦] ، ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ
[لقمان/ ٢٤] .
والثاني: بسبب داخل وذلك إمّا بقهر قوّة له لا يناله بدفعها هلاك، كمن غلب عليه شهوة خمر أو قمار، وإمّا بقهر قوّة يناله بدفعها الهلاك، كمن اشتدّ به الجوع فَاضْطُرَّ إلى أكل ميتة، وعلى هذا قوله: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ
[البقرة/ ١٧٣] ، فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ [المائدة/ ٣] ، وقال: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ
[النمل/ ٦٢] ، فهو عامّ في كلّ ذلك، والضَّرُورِيُّ يقال على ثلاثة أضرب:
أحدها: إما يكون على طريق القهر والقسر، لا على الاختيار كالشّجر إذا حرّكته الرّيح الشّديدة.
والثاني: ما لا يحصل وجوده إلّا به نحو الغذاء الضَّرُورِيِّ للإنسان في حفظ البدن.
والثالث: يقال فيما لا يمكن أن يكون على خلافه، نحو أن يقال: الجسم الواحد لا يصحّ حصوله في مكانين في حالة واحدة بالضَّرُورَةِ.
وقيل: الضَّرَّةُ أصلُ الأنملة، وأصلُ الضّرع، والشّحمةُ المتدلّيةُ من الألية.
ضرب
الضَّرْبُ: إيقاعُ شيءٍ على شيء، ولتصوّر اختلاف الضّرب خولف بين تفاسيرها، كَضَرْبِ الشيءِ باليد، والعصا، والسّيف ونحوها، قال:
فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ
[الأنفال/ ١٢] ، فَضَرْبَ الرِّقابِ
[محمد/ ٤] ، فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها
[البقرة/ ٧٣] ، أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ
[الأعراف/ ١٦٠] ، فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ
[الصافات/ ٩٣] ، يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ
[محمد/ ٢٧] ، وضَرْبُ الأرضِ بالمطر، وضَرْبُ الدّراهمِ، اعتبارا بِضَرْبِ المطرقةِ، وقيل له: الطّبع، اعتبارا بتأثير السّمة فيه، وبذلك شبّه السّجيّة، وقيل لها: الضَّرِيبَةُ والطَّبِيعَةُ. والضَّرْبُ في الأَرْضِ: الذّهاب فيها وضَرْبُهَا بالأرجلِ.
قال تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ
[النساء/ ١٠١] ، وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ
[آل عمران/ ١٥٦] ، وقال: لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ
[البقرة/ ٢٧٣] ، ومنه: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ
[طه/ ٧٧] ، وضَرَبَ الفحلُ الناقةَ تشبيها بالضَّرْبِ بالمطرقة، كقولك: طَرَقَهَا، تشبيها بالطّرق بالمطرقة، وضَرَبَ الخيمةَ بضرب أوتادها بالمطرقة، وتشبيها بالخيمة قال: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ
[آل عمران/ ١١٢] ، أي:
стр. 488
التحفتهم الذّلّة التحاف الخيمة بمن ضُرِبَتْ عليه، وعلى هذا: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ [آل عمران/ ١١٢] ، ومنه استعير: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً
[الكهف/ ١١] ، وقوله: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ
[الحديد/ ١٣] ، وضَرْبُ العودِ، والناي، والبوق يكون بالأنفاس، وضَرْبُ اللَّبِنِ بعضِهِ على بعض بالخلط، وضَرْبُ المَثلِ هو من ضَرْبِ الدّراهمِ، وهو ذكر شيء أثره يظهر في غيره. قال تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا [الزمر/ ٢٩] ، وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا
[الكهف/ ٣٢] ، ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ
[الروم/ ٢٨] ، وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ
[الروم/ ٥٨] ، وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا
[الزخرف/ ٥٧] ، ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا
[الزخرف/ ٥٨] ، وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا
[الكهف/ ٤٥] ، أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً
[الزخرف/ ٥] .
والمُضَارَبَةُ: ضَرْبٌ من الشَّرِكَةِ. والمُضَرَّبَةُ:
ما أُكْثِرَ ضربُهُ بالخياطة. والتَّضْرِيبُ: التّحريضُ، كأنه حثّ على الضَّرْبِ الذي هو بعد في الأرض، والاضْطِرَابُ: كثرةُ الذّهاب في الجهات من الضّرب في الأرض، واسْتِضَرابُ الناقةِ: استدعاء ضرب الفحل إيّاها.
ضرع
الضَّرْعُ: ضَرْعُ الناقةِ، والشاة، وغيرهما، وأَضْرَعَتِ الشاةُ: نزل اللّبن في ضَرْعِهَا لقرب نتاجها، وذلك نحو: أتمر، وألبن: إذا كثر تمره ولبنه، وشاةٌ ضَرِيعٌ: عظيمةُ الضَّرْعِ، وأما قوله:
لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ
[الغاشية/ ٦] ، فقيل: هو يَبِيسُ الشَّبْرَقِ «١» ، وقيل: نباتٌ أحمرُ منتنُ الرّيحِ يرمي به البحر، وكيفما كان فإشارة إلى شيء منكر. وضَرَعَ إليهم: تناول ضَرْعَ أُمِّهِ، وقيل منه: ضَرَعَ الرّجلُ ضَرَاعَةً:
ضَعُفَ وذَلَّ، فهو ضَارِعٌ، وضَرِعٌ، وتَضَرّعَ:
أظهر الضَّرَاعَةَ. قال تعالى: تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
[الأنعام/ ٦٣] ، لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ
[الأنعام/ ٤٢] ، لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ
[الأعراف/ ٩٤] ، أي: يَتَضَرَّعُونَ فأدغم، فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا
[الأنعام/ ٤٣] ، والمُضَارَعَةُ أصلُها:
التّشارك في الضَّرَاعَةِ، ثمّ جرّد للمشاركة، ومنه استعار النّحويّون لفظَ الفعلِ المُضَارِعِ.
ضعف
الضَّعْفُ: خلافُ القوّة، وقد ضَعُفَ فهو
стр. 489
ضَعِيفٌ. قال : ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج/ ٧٣] ، والضَّعْفُ قد يكون في النّفس، وفي البدن، وفي الحال، وقيل:
الضَّعْفُ والضُّعْفُ لغتان «١» . قال تعالى: وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً
[الأنفال/ ٦٦] ، قال: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا
[القصص/ ٥] ، قال الخليل ﵀: الضُّعْفُ بالضم في البدن، والضَّعْفُ في العقل والرّأي «٢» ، ومنه قوله تعالى: فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً
[البقرة/ ٢٨٢] ، وجمع الضَّعِيفِ:
ضِعَافٌ، وضُعَفَاءُ. قال تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ
[التوبة/ ٩١] ، واسْتَضْعَفْتُهُ: وجدتُهُ ضَعِيفاً، قال وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ
[النساء/ ٧٥] ، قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ
[النساء/ ٩٧] ، إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي
[الأعراف/ ١٥٠] ، وقوبل بالاستكبار في قوله:
قالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا
[سبأ/ ٣٣] ، وقوله: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ
«٣» ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً
[الروم/ ٥٤] . والثاني غير الأوّل، وكذا الثالث فإن قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ
[الروم/ ٥٤] ، أي: من نطفة، أو من تراب، والثاني هو الضَّعْفُ الموجودُ في الجنين والطّفل. الثالث: الذي بعد الشّيخوخة، وهو المشار إليه بأرذل العمر. والقوّتان الأولى هي التي تجعل للطّفل من التّحرّك، وهدايته واستدعاء اللّبن، ودفع الأذى عن نفسه بالبكاء، والقوّة الثانية هي التي بعد البلوغ، ويدلّ على أنّ كلّ واحد من قوله: (ضَعْفٍ) إشارةٌ إلى حالة غير الحالة الأولى ذكره منكّرا، والمنكّر متى أعيد ذكره وأريد به ما تقدّم عرّف «٤» ، كقولك: رأيت رجلا، فقال لي الرّجل: كذا. ومتى ذكر ثانيا منكّرا أريد به غير الأوّل، ولذلك قال ابن عباس في قوله:
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [الشرح/ ٥- ٦] ، لن يغلب عسر يسرين «٥» ،
стр. 490
وقوله: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً
[النساء/ ٢٨] ، فَضَعْفُهُ: كثرةُ حاجاته التي يستغني عنها الملأ الأعلى، وقوله: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً [النساء/ ٧٦] ، فَضَعْفُ كيدِهِ إنما هو مع من صار من عباد الله المذكورين في قوله:
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الإسراء/ ٦٥] ، والضِّعْفُ هو من الألفاظ المتضايفة التي يقتضي وجود أحدهما وجود الآخر، كالنّصف والزّوج، وهو تركّب قدرين متساويين، ويختصّ بالعدد، فإذا قيل: أَضْعَفْتُ الشيءَ، وضَعَّفْتُهُ، وضَاعَفْتُهُ: ضممت إليه مثله فصاعدا. قال بعضهم: ضَاعَفْتُ أبلغ من ضَعَّفْتُ «١» ، ولهذا قرأ أكثرهم: يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ
[الأحزاب/ ٣٠] ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها
[النساء/ ٤٠] ، وقال: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [الأنعام/ ١٦٠] ، والمُضَاعَفَةُ على قضيّة هذا القول تقتضي أن يكون عشر أمثالها، وقيل: ضَعَفْتُهُ بالتّخفيف ضَعْفاً، فهو مَضْعُوفٌ، فَالضَّعْفُ مصدرٌ، والضِّعْفُ اسمٌ، كالثَّنْيِ والثِّنْيِ «٢» ، فَضِعْفُ الشيءِ هو الّذي يُثَنِّيهِ، ومتى أضيف إلى عدد اقتضى ذلك العدد ومثله، نحو أن يقال: ضِعْفُ العشرةِ، وضِعْفُ المائةِ، فذلك عشرون ومائتان بلا خلاف، وعلى هذا قول الشاعر:
٢٩٣-
جزيتك ضِعْفَ الوِدِّ لمّا اشتكيته ... وما إن جزاك الضِّعف من أحد قبلي
«٣» وإذا قيل: أعطه ضِعْفَيْ واحدٍ، فإنّ ذلك اقتضى الواحد ومثليه، وذلك ثلاثة، لأن معناه الواحد واللّذان يزاوجانه وذلك ثلاثة، هذا إذا كان الضِّعْفُ مضافا، فأمّا إذا لم يكن مضافا فقلت: الضِّعْفَيْنِ فإنّ ذلك يجري مجرى الزّوجين في أنّ كلّ واحد منهما يزاوج الآخر،
стр. 491
فيقتضي ذلك اثنين، لأنّ كلّ واحد منهما يُضَاعِفُ الآخرَ، فلا يخرجان عن الاثنين بخلاف ما إذا أضيف الضِّعْفَانِ إلى واحد فيثلّثهما، نحو:
ضِعْفَيِ الواحدِ، وقوله: فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ [سبأ/ ٣٧] ، وقوله: لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً
[آل عمران/ ١٣٠] ، فقد قيل:
أتى باللّفظين على التأكيد، وقيل: بل المُضَاعَفَةُ من الضَّعْفِ لا من الضِّعْفِ، والمعنى: ما يعدّونه ضِعْفاً فهو ضَعْفٌ، أي: نقص، كقوله: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ [الروم/ ٣٩] ، وكقوله: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ [البقرة/ ٢٧٦] ، وهذا المعنى أخذه الشاعر فقال:
٢٩٤-
زيادة شيب وهي نقص زيادتي
«١» وقوله: فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ
[الأعراف/ ٣٨] ، فإنهم سألوه أن يعذّبهم عذابا ب ضل الهم، وعذابا بإضلالهم كما أشار إليه بقوله:
لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ [النحل/ ٢٥] ، وقوله:
لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ
[الأعراف/ ٣٨] ، أي: لكلّ منهم ضِعْفُ ما لكم من العذاب، وقيل: أي: لكلّ منهم ومنكم ضِعْفُ ما يرى الآخر، فإنّ من العذاب ظاهرا وباطنا، وكلّ يدرك من الآخر الظاهر دون الباطن فيقدّر أن ليس له العذاب الباطن.
ضغث
الضِّغْثُ: قبضةُ ريحانٍ، أو حشيشٍ أو قُضْبَانٍ، وجمعه: أَضْغَاثٌ. قال تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً
[ص/ ٤٤] ، وبه شبّه الأحلام المختلطة التي لا يتبيّن حقائقها، قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ
[يوسف/ ٤٤] : حزم أخلاط من الأحلام.
ضغن
الضِّغْنُ والضَّغْنُ: الحِقْدُ الشّديدُ، وجمعه:
أَضْغَانٌ. قال تعالى: أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ
[محمد/ ٢٩] ، وبه شبّه الناقة، فقالوا: ذاتُ ضِغْنٍ «٢» ، وقناةٌ ضَغِنَةٌ: عوجاءُ والإِضْغَانُ: الاشتمالُ بالثّوب وبالسّلاح ونحوهما.
ضل
الضَّلَالُ: العدولُ عن الطّريق المستقيم، ويضادّه الهداية، قال تعالى: فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها
[الإسراء/ ١٥] ، ويقال الضَّلَالُ لكلّ عدولٍ عن المنهج، عمدا كان أو سهوا، يسيرا كان أو كثيرا، فإنّ الطّريق المستقيم الذي هو المرتضى
стр. 492
صعب جدا، قال النبيّ ﷺ : «استقيموا ولن تُحْصُوا» «١» وقال بعض الحكماء: كوننا مصيبين من وجه وكوننا ضَالِّينَ من وجوه كثيرة، فإنّ الاستقامة والصّواب يجري مجرى المقرطس من المرمى، وما عداه من الجوانب كلّها ضَلَالٌ.
ولما قلنا روي عن بعض الصالحين أنه رأى النبيّ ﷺ في منامه فقال: يا رسول الله يروى لنا أنّك قلت: «شيّبتني سورة هود وأخواتها فما الذي شيّبك منها؟ فقال: قوله: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ» «٢» . وإذا كان الضَّلَالُ تركَ الطّريق المستقيم عمدا كان أو سهوا، قليلا كان أو كثيرا، صحّ أن يستعمل لفظ الضَّلَالِ ممّن يكون منه خطأ ما، ولذلك نسب الضَّلَالُ إلى الأنبياء، وإلى الكفّار، وإن كان بين الضَّلَالَيْنِ بون بعيد، ألا ترى أنه قال في النّبي ﷺ : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى
[الضحى/ ٧] ، أي: غير مهتد لما سيق إليك من النّبوّة. وقال في يعقوب: إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ
[يوسف/ ٩٥] ، وقال أولاده:
إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يوسف/ ٨] ، إشارة إلى شغفه بيوسف وشوقه إليه، وكذلك:
قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يوسف/ ٣٠] ، وقال عن موسى ﵇: فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ
[الشعراء/ ٢٠] ، تنبيه أنّ ذلك منه سهو، وقوله: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما
[البقرة/ ٢٨٢] ، أي: تنسى، وذلك من النّسيان الموضوع عن الإنسان. والضَّلَالُ من وجه آخر ضربان: ضَلَالٌ في العلوم النّظريّة، كالضَّلَالِ في معرفة الله ووحدانيّته، ومعرفة النّبوّة، ونحوهما المشار إليهما بقوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً
[النساء/ ١٣٦] . وضَلَالٌ في العلوم العمليّة، كمعرفة الأحكام الشّرعيّة التي هي العبادات، والضَّلَالُ البعيدُ إشارةٌ إلى ما هو كفر كقوله على ما تقدّم من قوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ [النساء/ ١٣٦] ، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً
[النساء/ ١٦٧] ، وكقوله: فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ
[سبأ/ ٨] ، أي: في عقوبة الضَّلَالِ البعيدِ، وعلى ذلك قوله: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ
[الملك/ ٩] ، قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ
[المائدة/ ٧٧] ، وقوله: أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ
[السجدة/ ١٠] ، كناية عن الموت واستحالة البدن. وقوله:
стр. 493
وَلَا الضَّالِّينَ
[الفاتحة/ ٧] ، فقد قيل: عني بِالضَّالِّينَ النّصارى «١» . وقوله: فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى
[طه/ ٥٢] ، أي: لا يَضِلُّ عن ربّي، ولا يَضِلُّ ربّي عنه: أي: لا يغفله، وقوله: أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ
[الفيل/ ٢] ، أي: في باطل وإِضْلَالٍ لأنفسهم.
والإِضْلَالُ ضربان: أحدهما: أن يكون سببه الضَّلَالُ، وذلك على وجهين: إمّا بأن يَضِلَّ عنك الشيءُ كقولك: أَضْلَلْتُ البعيرَ، أي: ضَلَّ عنّي، وإمّا أن تحكم بِضَلَالِهِ، والضَّلَالُ في هذين سبب الإِضْلَالِ.
والضّرب الثاني: أن يكون الإِضْلَالُ سببا لِلضَّلَالِ، وهو أن يزيّن للإنسان الباطل ليضلّ كقوله: لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
[النساء/ ١١٣] ، أي يتحرّون أفعالا يقصدون بها أن تَضِلَّ، فلا يحصل من فعلهم ذلك إلّا ما فيه ضَلَالُ أنفسِهِم، وقال عن الشيطان: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ
[النساء/ ١١٩] ، وقال في الشّيطان: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً
[يس/ ٦٢] ، وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً
[النساء/ ٦٠] ، وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
[ص/ ٢٦] ، وإِضْلَالُ اللهِ تعالى للإنسان على أحد وجهين:
أحدهما أن يكون سببُهُ الضَّلَالَ، وهو أن يَضِلَّ الإنسانُ فيحكم الله عليه بذلك في الدّنيا، ويعدل به عن طريق الجنّة إلى النار في الآخرة، وذلك إِضْلَالٌ هو حقٌّ وعدلٌ، فالحكم على الضَّالِّ بضَلَالِهِ والعدول به عن طريق الجنّة إلى النار عدل وحقّ.
والثاني من إِضْلَالِ اللهِ: هو أنّ الله تعالى وضع جبلّة الإنسان على هيئة إذا راعى طريقا، محمودا كان أو مذموما، ألفه واستطابه ولزمه، وتعذّر صرفه وانصرافه عنه، ويصير ذلك كالطّبع الذي يأبى على الناقل، ولذلك قيل: العادة طبع ثان «٢» . وهذه القوّة في الإنسان فعل إلهيّ، وإذا كان كذلك- وقد ذكر في غير هذا الموضع أنّ كلّ شيء يكون سببا في وقوع فعل- صحّ نسبة ذلك الفعل إليه، فصحّ أن ينسب ضلال العبد إلى الله من هذا الوجه، فيقال: أَضَلَّهُ اللهُ لا على الوجه الذي يتصوّره الجهلة، ولما قلناه جعل الإِضْلَالَ المنسوب إلى نفسه للكافر والفاسق دون المؤمن، بل نفى عن نفسه إِضْلَالَ المؤمنِ فقال:
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ
[التوبة/ ١١٥] ، فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ
[محمد/ ٤- ٥] ، وقال في الكافر
стр. 494
والفاسق: فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ
[محمد/ ٨] ، وما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
[البقرة/ ٢٦] ، كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ [غافر/ ٧٤] ، وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [إبراهيم/ ٢٧] ، وعلى هذا النّحو تقليب الأفئدة في قوله: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ [الأنعام/ ١١٠] ، والختم على القلب في قوله: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [البقرة/ ٧] ، وزيادة المرض في قوله: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [البقرة/ ١٠] .
ضم
الضَّمُّ: الجمعُ بين الشّيئين فصاعدا. قال تعالى: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ
[طه/ ٢٢] ، وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ [القصص/ ٣٢] ، والإِضْمَامَةُ: جماعةُ من النّاس أو من الكتب أو الرّيحان أو نحو ذلك «١» ، وأسد ضَمْضَمٌ وضُمَاضِمٌ: يَضُمُّ الشّيءَ إلى نفسه.
وقيل: بل هو المجتمع الخلق، وفرس سبّاقُ الأَضَامِيمِ: إذا سبق جماعة من الأفراس دفعة واحدة.
ضمر
الضَّامِرُ من الفرس: الخفيف اللّحم من الأعمال لا من الهزال. قال تعالى: وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ
[الحج/ ٢٧] ، يقال: ضَمَرَ ضُمُوراً «٢» ، واضْطَمَرَ فهو مُضْطَمِرٌ، وضَمَّرِّتُهُ أنا، والمِضْمَارُ: الموضع الذي يُضْمَرُ فيه. والضَّمِيرُ:
ما ينطوي عليه القلب، ويدقّ على الوقوف عليه، وقد تسمّى القوّة الحافظة لذلك ضَمِيراً.
ضن
قال تعالى: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ
[التكوير/ ٢٤] ، أي: ما هو ببخيل، والضَّنَّةُ هو البخل بالشيء النّفيس، ولهذا قيل: عِلْقُ مَضَنَّةٍ ومَضِنَّةٍ، وفلانٌ ضِنِّي بين أصحابي، أي: هو النّفيس الذي أَضِنُّ به، يقال: ضَنَنْتُ بالشيء ضَنّاً وضَنَانَةً، وقيل: ضَنِنْتُ «٣» .
ضنك
قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً
[طه/ ١٢٤] . أي: ضيّقا، وقد ضَنُكَ عيشُهُ، وامرأة ضِنَاكٌ: مُكْتَنِزَةٌ، والضُّنَاكُ:
الزُّكَامُ، والمَضْنُوكُ: المزكوم.
ضاهى
قال تعالى: يُضاهِؤُنَ
«٤» قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا [التوبة/ ٣٠] ، أي: يشاكلون، وقيل:
أصله الهمز، وقد قرئ به «٥» ، والضَّهْيَاءُ: المرأةُ
стр. 495
التي لا تحيض، وجمعه: ضُهًى.
ضير
الضَّيْرُ: المَضَرَّةُ، يقال: ضارّه وضرّه. قال تعالى: لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ
[الشعراء/ ٥٠] ، وقوله: لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران/ ١٢٠] .
ضيز
قال تعالى: تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى
[النجم/ ٢٢] ، أي: ناقصة. أصله: فُعْلَى، فكسرت الضّاد للياء، وقيل: ليس في كلامهم فُعْلَى «١» .
ضيع
ضَاعَ الشيءُ يَضِيعُ ضَيَاعاً، وأَضَعْتُهُ وضَيَّعْتُهُ.
قال تعالى: لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ
[آل عمران/ ١٩٥] ، إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
[الكهف/ ٣٠] ، وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ
[البقرة/ ١٤٣] ، لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
[التوبة/ ١٢٠] ، وضَيْعَةُ الرّجلِ: عقاره الذي يَضِيعُ ما لم يفتقد، وجمعه: ضِيَاعٌ، وتَضَيَّعَ الرّيحُ: إذا هبّت هبوبا يُضَيِّعُ ما هبّت عليه.
ضيف
أصلُ الضَّيْفِ الميلُ. يقال: ضِفْتُ إلى كذا، وأَضَفْتُ كذا إلى كذا، وضَافَتِ الشّمسُ للغروب وتَضَيَّفَتْ، وضَافَ السّهمُ عن الهدف، وتَضَيَّفَ، والضَّيْفُ: من مال إليك نازلا بك، وصارت الضِّيَافَةُ متعارفة في القرى، وأصل الضَّيْفِ مصدرٌ، ولذلك استوى فيه الواحد والجمع في عامّة كلامهم، وقد يجمع فيقال:
أَضْيَافٌ، وضُيُوفٌ، وضِيفَانٌ. قال تعالى:
ضَيْفِ إِبْراهِيمَ
[الحجر/ ٥١] ، وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي
[هود/ ٧٨] ، إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي [الحجر/ ٦٨] ، ويقال: اسْتَضَفْتُ فلاناً فَأَضَافَنِي، وقد ضِفْتُهُ ضَيْفاً فأنا ضَائِفٌ وضَيْفٌ. وتستعمل الإِضَافَةُ في كلام النّحويّين في اسم مجرور يضمّ إليه اسم قبله، وفي كلام بعضهم في كلّ شيء يثبت بثبوته آخر، كالأب والابن، والأخ والصّديق، فإنّ كلّ ذلك يقتضي وجوده وجود آخر، فيقال لهذه: الأسماء المُتَضَايِفَةُ.
ضيق
الضِّيقُ: ضدّ السّعة، ويقال: الضَّيْقُ أيضا، والضَّيْقَةُ يستعمل في الفقر والبخل والغمّ ونحو ذلك. قال تعالى: وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً
[هود/ ٧٧] ، أي: عجز عنهم، وقال: وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ
[هود/ ١٢] ، وَيَضِيقُ صَدْرِي
[الشعراء/ ١٣] ، ضَيِّقاً حَرَجاً
[الأنعام/ ١٢٥] ، وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ
[التوبة/ ٢٥] ، وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ