وغُمَّةٌ. أي: كرب وكربة، والغَمَامَةُ: خرقة تشدّ على أنف النّاقة وعينها، وناصية غَمَّاءُ: تستر الوجه.
غمر
أصل الغَمْرِ: إزالة أثر الشيء، ومنه قيل للماء الكثير الذي يزيل أثر سيله، غَمْرٌ وغَامِرٌ، قال الشاعر:
٣٤٢-
والماء غَامِرُ جدّادها
«١» .
وبه شبّه الرّجل السّخيّ، والفرس الشّديد العدو، فقيل لهما: غَمْرٌ كما شبّها بالبحر، والغَمْرَةُ: معظم الماء الساترة لمقرّها، وجعل مثلا للجهالة التي تَغْمُرُ صاحبها، وإلى نحوه أشار بقوله: فَأَغْشَيْناهُمْ [يس/ ٩] ، ونحو ذلك من الألفاظ قال: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ [المؤمنون/ ٥٤] ، الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ [الذاريات/ ١١] ، وقيل للشَّدائِد:
غَمَرَاتٌ. قال تعالى: فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ [الأنعام/ ٩٣] ، ورجل غَمْرٌ، وجمعه: أَغْمَارٌ.
والغِمْرُ: الحقد المكنون «٢» ، وجمعه غُمُورٌ والْغَمَرُ: ما يَغْمَرُ من رائحة الدّسم سائر الرّوائح، وغَمِرَتْ يده، وغَمِرَ عِرْضُهُ: دنس، ودخل في غُمَارِ الناس وخمارهم، أي: الذين يَغْمُرُونَ.
والْغُمْرَةُ: ما يطلى به من الزّعفران، وقد تَغَمَّرْتُ بالطّيب، وباعتبار الماء قيل للقدح الذي يتناول به الماء: غُمَرٌ، ومنه اشتقّ: تَغَمَّرْتُ: إذا شربت ماء قليلا، وقولهم: فلان مُغَامِرٌ: إذا رمى بنفسه في الحرب، إمّا لتوغّله وخوضه فيه كقولهم يخوض الحرب، وإمّا لتصوّر الغَمَارَةِ منه، فيكون وصفه بذلك كوصفه بالهوج «٣» ونحوه.
غمز
أصل الغَمْزِ: الإشارة بالجفن أو اليد طلبا إلى ما فيه معاب، ومنه قيل: ما في فلان غَمِيزَةٌ «٤» ، أي: نقيصة يشار بها إليه، وجمعها: غَمَائِزُ. قال تعالى: وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ
стр. 597
[المطففين/ ٣٠] ، وأصله من: غَمَزْتُ الكبش:
إذا لمسته هل به طرق «١» ، نحو: غبطته.
غمض
الغَمْضُ: النّوم العارض، تقول: ما ذقت غَمْضاً ولا غِمَاضاً، وباعتباره قيل: أرض غَامِضَةٌ، وغَمْضَةٌ، ودار غَامِضَةٌ، وغَمَضَ عينه وأَغْمَضَهَا: وضع إحدى جفنتيه على الأخرى ثمّ يستعار للتّغافل والتّساهل، قال: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ
[البقرة/ ٢٦٧] .
غنم
الغَنَمُ معروف. قال تعالى: وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما [الأنعام/ ١٤٦] . والغُنْمُ: إصابته والظّفر به، ثم استعمل في كلّ مظفور به من جهة العدى وغيرهم. قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ
[الأنفال/ ٤١] ، فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً [الأنفال/ ٦٩] ، والمَغْنَمُ: ما يُغْنَمُ، وجمعه مَغَانِمُ. قال: فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ [النساء/ ٩٤] .
غنى
الغِنَى يقال على ضروب: أحدها: عدم الحاجات، وليس ذلك إلا لله تعالى، وهو المذكور في قوله: إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
[الحج/ ٦٤] ، أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر/ ١٥] ، الثاني: قلّة الحاجات، وهو المشار إليه بقوله: وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى
[الضحى/ ٨] ، وذلك هو المذكور في قوله ﵇: «الغِنَى غِنَى النّفس» «٢» ، والثالث: كثرة القنيّات بحسب ضروب الناس كقوله: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ
[النساء/ ٦] ، الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ
[التوبة/ ٩٣] ، لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [آل عمران/ ١٨١] ، قالوا ذلك حيث سمعوا: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً «٣» ، وقوله:
يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ [البقرة/ ٢٧٣] ، أي: لهم غنى النّفس، ويحسبهم الجاهل أن لهم القنيّات لما يرون فيهم من التّعفّف والتّلطّف، وعلى هذا قوله عليه
стр. 598
السلام لمعاذ: «خذ من أغنيائهم وردّ في فقرائهم» «١» ، وهذا المعنى هو المعنيّ بقول الشاعر:
٣٤٣-
قد يكثر المال والإنسان مفتقر
«٢» يقال: غَنَيْتُ بكذا غِنْيَاناً وغِنَاءً، واسْتَغْنَيْتُ وتَغَنَّيْتُ، وتَغَانَيْتُ، قال تعالى: وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [التغابن/ ٦] . ويقال: أَغْنَانِي كذا، وأغْنَى عنه كذا: إذا كفاه. قال تعالى:
ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ [الحاقة/ ٢٨] ، ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ [المسد/ ٢] ، لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً [آل عمران/ ١٠] ، ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء/ ٢٠٧] ، لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ
[يس/ ٢٣] ، وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ [المرسلات/ ٣١] . والْغَانِيَةُ: الْمُسْتَغْنِيَةُ بزوجها عن الزّينة، وقيل: الْمُسْتَغْنِيَةُ بحسنها عن التّزيّن.
وغَنَى في مكان كذا: إذا طال مقامه فيه مستغنيا به عن غيره بغنى، قال: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا
[الأعراف/ ٩٢] . والْمَغْنَى يقال للمصدر وللمكان، وغَنَّى أُغْنِيَةً وغِنَاءً، وقيل: تَغَنَّى بمعنى استغنى وحمل قوله ﵇: « ... من لم يَتَغَنَّ بالقرآن» «٣» على ذلك.
غيب
الغَيْبُ: مصدر غَابَتِ الشّمسُ وغيرها: إذا استترت عن العين، يقال: غَابَ عنّي كذا. قال تعالى: أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ
[النمل/ ٢٠] ، واستعمل في كلّ غَائِبٍ عن الحاسّة، وعمّا يَغِيبُ عن علم الإنسان بمعنى الغَائِبِ، قال: وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
[النمل/ ٧٥] ، ويقال للشيء: غَيْبٌ وغَائِبٌ باعتباره بالناس لا بالله تعالى، فإنه لا يغيب عنه شيء، كما لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السّموات ولا في الأرض. وقوله: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [الأنعام/ ٧٣] ، أي: ما يغيب عنكم وما تشهدونه، والْغَيْب في قوله: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة/ ٣] ، ما لا يقع تحت الحواسّ ولا
стр. 599
تقتضيه بداية العقول، وإنما يعلم بخبر الأنبياء ﵈، وبدفعه يقع على الإنسان اسم الإلحاد، ومن قال: الغَيْبُ هو القرآن «١» ، ومن قال: هو القدر «٢» فإشارة منهم إلى بعض ما يقتضيه لفظه. وقال بعضهم «٣» : معناه يؤمنون إذا غَابُوا عنكم، وليسوا كالمنافقين الذين قيل فيهم: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [البقرة/ ١٤] ، وعلى هذا قوله: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ [فاطر/ ١٨] ، مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ [ق/ ٣٣] ، وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [النحل/ ٧٧] ، أَطَّلَعَ الْغَيْبَ [مريم/ ٧٨] ، فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً [الجن/ ٢٦] ، لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل/ ٦٥] ، ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ [آل عمران/ ٤٤] ، وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [آل عمران/ ١٧٩] ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
[المائدة/ ١٠٩] ، إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [سبأ/ ٤٨] ، وأَغابَتِ المرأة: غاب زوجها. وقوله في صفة النّساء: حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ
[النساء/ ٣٤] ، أي: لا يفعلن في غيبة الزّوج ما يكرهه الزّوج. والْغِيبَةُ: أن يذكر الإنسان غيره بما فيه من عيب من غير أن أحوج إلى ذكره، قال تعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
[الحجرات/ ١٢] ، والغَيَابَةُ: منهبط من الأرض، ومنه: الغَابَةُ للأجمة، قال: فِي غَيابَتِ الْجُبِّ [يوسف/ ١٠] ، ويقال: هم يشهدون أحيانا، ويَتَغَايَبُونَ أحيانا، وقوله: وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [سبأ/ ٥٣] ، أي: من حيث لا يدركونه ببصرهم وبصيرتهم.
غوث
الغَوْثُ يقال في النّصرة، والغَيْثُ في المطر، واسْتَغَثْتُهُ: طلبت الغوث أو الغيث، فَأَغَاثَنِي من الغوث، وغَاثَنِي من الغيث، وغَوَّثت من الغوث، قال تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ
[الأنفال/ ٩] ، وقال: فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص/ ١٥] ، وقوله:
وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ [الكهف/ ٢٩] ، فإنّه يصحّ أن يكون من الغيث، ويصحّ أن يكون من الغوث، وكذا يُغَاثُوا، يصحّ فيه المعنيان. والغيْثُ: المطر في قوله: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ [الحديد/ ٢٠] ، قال الشاعر:
стр. 600
٣٤٤-
سمعت النّاس ينتجعون غيثا ... فقلت لصيدح انتجعي بلالا
«١»
غور
الغَوْرُ: المُنْهَبِطُ من الأرض، يقال: غَارَ الرجل، وأَغَارَ، وغَارَتْ عينه غَوْراً وغُئُوراً «٢» ، وقوله تعالى: ماؤُكُمْ غَوْراً [الملك/ ٣٠] ، أي: غَائِراً. وقال: أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً [الكهف/ ٤١] . والغارُ في الجبل. قال: إِذْ هُما فِي الْغارِ [التوبة/ ٤٠] ، وكنّي عن الفرج والبطن بِالْغَارَيْنِ «٣» ، والْمَغَارُ من المكان كالغور، قال: لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا
[التوبة/ ٥٧] ، وغَارَتِ الشّمس غِيَاراً، قال الشاعر:
٣٤٥-
هل الدّهر إلّا ليلة ونهارها ... وإلّا طلوع الشّمس ثمّ غيارها
«٤» وغَوَّرَ: نزل غورا، وأَغَارَ على العدوّ إِغَارَةً وغَارَةً. قال تعالى: فَالْمُ غِير اتِ صُبْحاً
[العاديات/ ٣] ، عبارة عن الخيل.
غير
غَيْرٌ يقال على أوجه:
الأوّل: أن تكون للنّفي المجرّد من غير إثبات معنى به، نحو: مررت برجل غير قائم. أي: لا قائم، قال: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ [القصص/ ٥٠] ، وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف/ ١٨] .
الثاني: بمعنى (إلّا) فيستثنى به، وتوصف به النّكرة، نحو: مررت بقوم غير زيد. أي: إلّا زيدا، وقال: ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [القصص/ ٣٨] ، وقال: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [الأعراف/ ٥٩] ، هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر/ ٣] .
الثالث: لنفي صورة من غير مادّتها. نحو:
الماء إذا كان حارّا غيره إذا كان باردا، وقوله:
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها [النساء/ ٥٦] .
الرابع: أن يكون ذلك متناولا لذات نحو:
الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ [الأنعام/ ٩٣] ، أي:
الباطل، وقوله: وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [القصص/ ٣٩] ،
стр. 601
أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا [الأنعام/ ١٦٤] ، وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ [هود/ ٥٧] ، ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا [يونس/ ١٥] .
والتَّغْيِيرُ يقال على وجهين:
أحدهما: لتغيير صورة الشيء دون ذاته. يقال:
غَيَّرْتُ داري: إذا بنيتها بناء غير الذي كان.
والثاني: لتبديله بغيره. نحو: غَيَّرْتُ غلامي ودابّتي: إذا أبدلتهما بغيرهما. نحو: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد/ ١١] .
والفرق بين غيرين ومختلفين أنّ الغيرين أعمّ، فإنّ الغيرين قد يكونان متّفقين في الجواهر بخلاف المختلفين، فالجوهران المتحيّزان هما غيران وليسا مختلفين، فكلّ خلافين غيران، وليس كلّ غيرين خلافين.
غوص
الغَوْصُ: الدّخول تحت الماء، وإخراج شيء منه، ويقال لكلّ من انهجم على غامض فأخرجه له: غَائِصٌ، عينا كان أو علما. والغَوَّاصُ: الذي يكثر منه ذلك، قال تعالى: وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ
[ص/ ٣٧] ، وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ
[الأنبياء/ ٨٢] ، أي: يستخرجون له الأعمال الغريبة والأفعال البديعة، وليس يعني استنباط الدّرّ من الماء فقط.
غيض
غَاضَ الشيء، وغَاضَهُ غيره «١» . نحو: نقص ونقصه غيره. قال تعالى: وَغِيضَ الْماءُ
[هود/ ٤٤] ، وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ
[الرعد/ ٨] ، أي: تفسده الأرحام، فتجعله كالماء الذي تبتلعه الأرض، والغَيْضَةُ: المكان الذي يقف فيه الماء فيبتلعه، وليلة غَائِضَةٌ أي: مظلمة.
غيظ
الغَيْظُ: أشدّ غضب، وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من فوران دم قلبه، قال: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ [آل عمران/ ١١٩] ، لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ
[الفتح/ ٢٩] ، وقد دعا الله الناس إلى إمساك النّفس عند اعتراء الغيظ. قال:
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ [آل عمران/ ١٣٤] .
قال: وإذا وصف الله سبحانه به فإنه يراد به الانتقام. قال: وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ
[الشعراء/ ٥٥] ، أي: داعون بفعلهم إلى الانتقام منهم، والتَّغَيُّظُ: هو إظهار الغيظ، وقد يكون ذلك مع صوت مسموع كما قال:
سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً [الفرقان/ ١٢] .
غول
الغَوْلُ: إهلاك الشيء من حيث لا يحسّ به، يقال: غَالَ يَغُولُ غَوْلًا، واغْتَالَهُ اغْتِيَالًا، ومنه سمّي السّعلاة غُولًا. قال في صفة خمر الجنّة:
стр. 602
لا فِيها غَوْلٌ [الصافات/ ٤٧] ، نفيا لكلّ ما نبّه عليه بقوله: وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [البقرة/ ٢١٩] ، وبقوله: رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة/ ٩٠] .
غوى
الغَيُّ: جهل من اعتقاد فاسد، وذلك أنّ الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد اعتقادا لا صالحا ولا فاسدا، وقد يكون من اعتقاد شيء فاسد، وهذا النّحو الثاني يقال له غَيٌّ. قال تعالى: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى
[النجم/ ٢] ، وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ [الأعراف/ ١٠٢] . وقوله: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا
[مريم/ ٥٩] ، أي: عذابا، فسمّاه الغيّ لمّا كان الغيّ هو سببه، وذلك كتسمية الشيء بما هو سببه، كقولهم للنّبات ندى «١» .
وقيل معناه: فسوف يلقون أثر الغيّ وثمرته. قال:
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ
[الشعراء/ ٩١] ، وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ [الشعراء/ ٢٢٤] ، إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ
[القصص/ ١٨] ، وقوله: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى
[طه/ ١٢١] ، أي: جهل، وقيل: معناه خاب نحو قول الشاعر:
٣٤٦-
ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما
«٢» وقيل: معنى (غَوَى) فسد عيشُه. من قولهم:
غَوِيَ الفصيلُ، وغَوَى. نحو: هوي وهوى، وقوله: إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ
[هود/ ٣٤] ، فقد قيل: معناه أن يعاقبكم على غيّكم، وقيل: معناه يحكم عليكم بغيّكم. وقوله تعالى:
قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ
[القصص/ ٦٣] ، إعلاما منهم أنّا قد فعلنا بهم غاية ما كان في وسع الإنسان أن يفعل بصديقه، فإنّ حقّ الإنسان أن يريد بصديقه ما يريد بنفسه، فيقول: قد أفدناهم ما كان لنا وجعلناهم أسوة أنفسنا، وعلى هذا قوله تعالى: فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ [الصافات/ ٣٢] ، فَبِما أَغْوَيْتَنِي [الأعراف/ ١٦] ، وقال: رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ [الحجر/ ٣٩] .
تمّ كتاب الغين بتوفيق الله
стр. 603
كتاب الفاء
فتح
الفَتْحُ: إزالة الإغلاق والإشكال، وذلك ضربان:
أحدهما: يدرك بالبصر كفتح الباب ونحوه، وكفتح القفل والغلق والمتاع، نحو قوله:
وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ
[يوسف/ ٦٥] ، وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ
[الحجر/ ١٤] .
والثاني: يدرك بالبصيرة كفتح الهمّ، وهو إزالة الغمّ، وذلك ضروب: أحدها: في الأمور الدّنيويّة كغمّ يفرج، وفقر يزال بإعطاء المال ونحوه، نحو: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ
[الأنعام/ ٤٤] ، أي:
وسعنا، وقال: لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف/ ٩٦] ، أي: أقبل عليهم الخيرات. والثاني: فتح المستغلق من العلوم، نحو قولك: فلان فَتَحَ من العلم بابا مغلقا، وقوله: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً
[الفتح/ ١] ، قيل: عنى فتح مكّة «١» ، وقيل: بل عنى ما فتح على النّبيّ من العلوم والهدايات التي هي ذريعة إلى الثّواب، والمقامات المحمودة التي صارت سببا لغفران ذنوبه «٢» . وفَاتِحَةُ كلّ شيء:
مبدؤه الذي يفتح به ما بعده، وبه سمّي فاتحة الكتاب، وقيل: افْتَتَحَ فلان كذا: إذا ابتدأ به، وفَتَحَ عليه كذا: إذا أعلمه ووقّفه عليه، قال:
أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [البقرة/ ٧٦] ، ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ [فاطر/ ٢] ، وفَتَحَ الْقَضِيَّةَ فِتَاحاً: فصل الأمر فيها، وأزال الإغلاق عنها. قال تعالى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ
[الأعراف/ ٨٩] ، ومنه الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ
[سبأ/ ٢٦] ، قال الشاعر:
стр. 604
٣٤٧-
بأني عن فَتَاحَتِكُمْ غنيّ
«١» وقيل: الفتَاحةُ بالضمّ والفتح، وقوله: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر/ ١] ، فإنّه يحتمل النّصرة والظّفر والحكم، وما يفتح الله تعالى من المعارف، وعلى ذلك قوله: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ [الصف/ ١٣] ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ [المائدة/ ٥٢] ، وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ [السجدة/ ٢٨] ، قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ [السجدة/ ٢٩] ، أي: يوم الحكم. وقيل: يوم إزالة الشّبهة بإقامة القيامة، وقيل: ما كانوا يَسْتَفْتِحُونَ من العذاب ويطلبونه، والِاسْتِفْتَاحُ:
طلب الفتح أو الفتاح. قال: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ [الأنفال/ ١٩] ، أي: إن طلبتم الظّفر أو طلبتم الفتاح- أي: الحكم أو طلبتم مبدأ الخيرات- فقد جاءكم ذلك بمجيء النّبيّ ﷺ . وقوله: وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة/ ٨٩] ، أي:
يستنصرون الله ببعثة محمد ﵊ وقيل: يستعلمون خبره من الناس مرّة، ويستنبطونه من الكتب مرّة، وقيل: يطلبون من الله بذكره الظّفر، وقيل: كانوا يقولون إنّا لننصر بمحمّد ﵇ على عبدة الأوثان. والمِفْتَحُ وَالمِفْتَاحُ: ما يفتح به، وجمعه: مَفَاتِيحُ ومَفَاتِحُ.
وقوله: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ [الأنعام/ ٥٩] ، يعني: ما يتوصّل به إلى غيبه المذكور في قوله:
فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [الجن/ ٢٦- ٢٧] . وقوله: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [القصص/ ٧٦] ، قيل: عنى مفاتح خزائنه. وقيل: بل عني بالمفاتح الخزائن أنفسها. وباب فَتْحٌ: مَفْتُوحٌ في عامّة الأحوال، وغلق خلافه. وروي: (من وجد بابا غلقا وجد إلى جنبه بابا فتحا) «٢» وقيل: فَتْحٌ:
واسع.
فتر
الفُتُورُ: سكون بعد حدّة، ولين بعد شدّة، وضعف بعد قوّة. قال تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ
[المائدة/ ١٩] ، أي: سكون حال عن مجيء رسول الله ﷺ ، وقوله: لا يَفْتُرُونَ
[الأنبياء/ ٢٠] ، أي: لا يسكنون عن نشاطهم في العبادة. وروي عن النّبيّ ﷺ أنه قال: «لكلّ عالم شرّة، ولكلّ شرّة فَتْرَةٌ، فمن فَتَرَ
стр. 605
إلى سنّتي فقد نجا وإلّا فقد هلك» «١» فقوله:
«لكلّ شرّة فترة» فإشارة إلى ما قيل: للباطل جولة ثمّ يضمحلّ، وللحقّ دولة لا تذلّ ولا تقلّ.
وقوله: «من فَتَرَ إلى سنّتي» أي: سكن إليها، والطّرف الفَاتِرُ: فيه ضعف مستحسن، والفِتْرُ: ما بين طرف الإبهام وطرف السّبّابة، يقال: فَتَرْتُهُ بِفِتْرِي، وشبرته بشبري.
فتق
الفَتْقُ: الفصل بين المتّصلين، وهو ضدّ الرّتق، قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما
[الأنبياء/ ٣٠] ، والفَتْقُ والفَتِيقُ: الصّبح، وأَفْتَقَ القمر: صادف فتقا فطلع منه، ونصل فَتِيقُ الشّفرتين: إذا كان له شعبتان كأنّ إحداهما فُتِقَتْ من الأخرى. وجمل فَتِيقٌ: تَفَتَّقَ سمنا، وقد فَتِقَ فَتْقاً «٢» .
فتل
فَتَلْتُ الحبل فَتْلًا، والْفَتِيلُ: الْمَفْتُولُ، وسمّي ما يكون في شقّ النّواة فتيلا لكونه على هيئته.
قال تعالى: وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [النساء/ ٤٩] ، وهو ما تَفْتِلُهُ بين أصابعك من خيط أو وسخ، ويضرب به المثل في الشيء الحقير.
وناقة فَتْلَاءُ الذّراعين: محكمة.
فتن
أصل الفَتْنِ: إدخال الذّهب النار لتظهر جودته من رداءته، واستعمل في إدخال الإنسان النار.
قال تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ
[الذاريات/ ١٣] ، ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ
[الذاريات/ ١٤] ، أي: عذابكم، وذلك نحو قوله: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ [النساء/ ٥٦] ، وقوله:
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها ... الآية [غافر/ ٤٦] ، وتارة يسمّون ما يحصل عنه العذاب فيستعمل فيه. نحو قوله: أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا
[التوبة/ ٤٩] ، وتارة في الاختبار نحو: وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً
[طه/ ٤٠] ، وجعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يدفع إليه الإنسان من شدّة ورخاء، وهما في الشّدّة أظهر معنى وأكثر استعمالا، وقد قال فيهما: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
[الأنبياء/ ٣٥] . وقال في الشّدّة:
стр. 606
إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ
[البقرة/ ١٠٢] ، وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة/ ١٩١] ، وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة/ ١٩٣] ، وقال:
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا [التوبة/ ٤٩] ، أي: يقول لا تبلني ولا تعذّبني، وهم بقولهم ذلك وقعوا في البليّة والعذاب. وقال: فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ [يونس/ ٨٣] ، أي: يبتليهم ويعذّبهم، وقال: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ [المائدة/ ٤٩] ، وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ
[الإسراء/ ٧٣] ، أي: يوقعونك في بليّة وشدّة في صرفهم إيّاك عمّا أوحي إليك، وقوله: فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ
[الحديد/ ١٤] ، أي: أوقعتموها في بليّة وعذاب، وعلى هذا قوله: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال/ ٢٥] ، وقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
[التغابن/ ١٥] ، فقد سمّاهم هاهنا فتنة اعتبارا بما ينال الإنسان من الاختبار بهم، وسمّاهم عدوّا في قوله: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ [التغابن/ ١٤] ، اعتبارا بما يتولّد منهم، وجعلهم زينة في قوله: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ ...
الآية [آل عمران/ ١٤] ، اعتبارا بأحوال الناس في تزيّنهم بهم، وقوله: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت/ ١- ٢] ، أي: لا يختبرون فيميّز خبيثهم من طيّبهم، كما قال: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [الأنفال/ ٣٧] ، وقوله: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ [التوبة/ ١٢٦] ، فإشارة إلى ما قال: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ... الآية [البقرة/ ١٥٥] ، وعلى هذا قوله: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ [المائدة/ ٧١] ، والْفِتْنَةُ من الأفعال التي تكون من الله تعالى، ومن العبد كالبليّة والمصيبة، والقتل والعذاب وغير ذلك من الأفعال الكريهة، ومتى كان من الله يكون على وجه الحكمة، ومتى كان من الإنسان بغير أمر الله يكون بضدّ ذلك، ولهذا يذّمّ الله الإنسان بأنواع الفتنة في كلّ مكان نحو قوله: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة/ ١٩١] ، إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ
[البروج/ ١٠] ، ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ
[الصافات/ ١٦٢] ، أي: بمضلّين، وقوله: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ
[القلم/ ٦] . قال الأخفش.
الْمَفْتُونُ: الفتنة، كقولك: ليس له معقول «١» ،
تفجر «١» . وقال: فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً [البقرة/ ٦٠] ، ومنه قيل للصّبح: فَجْرٌ، لكونه فجر الليل. قال تعالى: وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ [الفجر/ ١- ٢] ، إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [الإسراء/ ٧٨] ، وقيل: الفَجْرُ فجران: الكاذب، وهو كذَنَبِ السَّرْحان، والصّادق، وبه يتعلّق حكم الصّوم والصّلاة، قال: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة/ ١٨٧] . والفُجُورُ: شقّ ستر الدّيانة، يقال: فَجَرَ فُجُوراً فهو فَاجِرٌ، وجمعه:
فُجَّا رٌ وفَجَرَةٌ. قال: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين/ ٧] ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار/ ١٤] ، أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [عبس/ ٤٢] ، وقوله: بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ [القيامة/ ٥] ، أي: يريد الحياة ليتعاطى الفجور فيها. وقيل: معناه ليذنب فيها. وقيل: معناه يذنب ويقول غدا أتوب، ثم لا يفعل فيكون ذلك فجورا لبذله عهدا لا يفي به.
وسمّي الكاذب فاجرا لكون الكذب بعض الفجور. وقولهم: (ونخلع ونترك من يَفْجُرُكَ) «٢» أي: من يكذبك. وقيل: من يتباعد عنك، وأيّام الفِجَارِ: وقائع اشتدّت بين العرب.
فجا
قال تعالى: وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ
[الكهف/ ١٧] ، أي: ساحة واسعة، ومنه: قوس فِجَاءٌ وفَجْوَاءٌ: بان وتراها عن كبدها، ورجل أَفْجَى بيّن الفجا، أي: متباعد ما بين العرقوبين.
فحش
الفُحْشُ والفَحْشَاءُ والفَاحِشَةُ: ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال، وقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ [الأعراف/ ٢٨] ، وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل/ ٩٠] ، مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [الأحزاب/ ٣٠] ، إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ [النور/ ١٩] ، إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ
[الأعراف/ ٣٣] ، إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [النساء/ ١٩] ، كناية عن الزّنا، وكذلك قوله: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ [النساء/ ١٥] ، وفَحُشَ فلان: صار فاحشا. ومنه قول الشاعر:
٣٤٨-
عقيلة مال الفاحش المتشدّد
«٣»
стр. 609
يعني به: العظيم القبح في البخل، والْمُتَفَحِّشُ: الذي يأتي بالفحش.
فخر
الفَخْرُ: المباهاة في الأشياء الخارجة عن الإنسان كالمال والجاه، ويقال: له الفَخَرُ، ورجل فَاخِرٌ، وفُخُورٌ، وفَخِيرٌ، على التّكثير. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ [لقمان/ ١٨] ، ويقال: فَخَرْتُ فلانا على صاحبه أَفْخَرُهُ فَخْراً: حكمت له بفضل عليه، ويعبّر عن كلّ نفيس بِالْفَاخِرِ. يقال: ثوب فَاخِرٌ، وناقة فَخُورٌ: عظيمة الضّرع، كثيرة الدّر، والفَخَّارُ:
الجرار، وذلك لصوته إذا نقر كأنما تصوّر بصورة من يكثر التَّفَاخُرَ. قال تعالى: مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ [الرحمن/ ١٤] .
فدى
الفِدَى والفِدَاءُ: حفظ الإنسان عن النّائبة بما يبذله عنه، قال تعالى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً
[محمد/ ٤] ، يقال: فَدَيْتُهُ بمال، وفديته بنفسي، وفَادَيْتُهُ بكذا، قال تعالى: إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ
[البقرة/ ٨٥] ، وتَفَادَى فلان من فلان، أي: تحامى من شيء بذله. وقال:
وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات/ ١٠٧] ، وافْتَدى: إذا بذل ذلك عن نفسه، قال تعالى:
فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ
[البقرة/ ٢٢٩] ، وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ [البقرة/ ٨٥] ، والمُفَادَاةُ: هو أن يردّ أسر العدى ويسترجع منهم من في أيديهم، قال: وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ [الرعد/ ١٨] ، لَافْتَدَتْ بِهِ [يونس/ ٥٤] ، ولِيَفْتَدُوا بِهِ [المائدة/ ٣٦] ، وَلَوِ افْتَدى بِهِ [آل عمران/ ٩١] ، لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ [المعارج/ ١١] ، وما يقي به الإنسان نفسه من مال يبذله في عبادة قصّر فيها يقال له: فِدْيَةٌ، ككفّارة اليمين، وكفّارة الصّوم.
نحو قوله: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ
[البقرة/ ١٩٦] ، فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ [البقرة/ ١٨٤] .
فر
أصل الفَرِّ: الكشف عن سنّ الدّابّة. يقال:
فَرَرْتُ فِرَاراً، ومنه: فَرَّ الدّهرُ جذعا «١» ، ومنه:
الِافْتِرَارُ، وهو ظهور السّنّ من الضّحك، وفَرَّ عن الحرب فِرَاراً. قال تعالى: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ [الشعراء/ ٢١] ، وقال: فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [المدثر/ ٥١] ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً [نوح/ ٦] ، لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ [الأحزاب/ ١٦] ، فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ
[الذاريات/ ٥٠] ، وأَفْرَرْتُهُ: جعلته فَارّاً، ورجل
стр. 610
فَرٌّ وفَارٌّ، والمَفَرُّ: موضع الفرار، ووقته، والفرار نفسه، وقوله: أَيْنَ الْمَفَرُّ [القيامة/ ١٠] ، يحتمل ثلاثتها.
فرت
الْفُرَاتُ: الماء العذب. يقال للواحد والجمع، قال تعالى: وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً [المرسلات/ ٢٧] ، وقال: هذا عَذْبٌ فُراتٌ [الفرقان/ ٥٣] .
فرث
قال تعالى: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً
[النحل/ ٦٦] ، أي: ما في الكرش، يقال: فَرَثْتُ كبده. أي: فتنتها، وأَفْرَثَ فلان أصحابه: أوقعهم في بليّة جارية مجرى الفرث.
فرج
الفَرْجُ والفُرْجَةُ: الشّقّ بين الشّيئين كفرجة الحائط، والفَرْجُ: ما بين الرّجلين، وكنّي به عن السّوأة، وكثر حتى صار كالصّريح فيه. قال تعالى: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها [الأنبياء/ ٩١] ، لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ
[المؤمنون/ ٥] ، وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ [النور/ ٣١] ، واستعير الفَرْجُ للثّغر وكلّ موضع مخافة. وقيل: الفَرْجَانِ في الإسلام: التّرك والسّودان «١» ، وقوله: وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ
[ق/ ٦] ، أي: شقوق وفتوق، قال: وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ
[المرسلات/ ٩] ، أي: انشقّت، والفَرَجُ: انكشاف الغمّ. يقال: فَرَّجَ الله عنك، وقوس فَرْجٌ: انفرجت سيتاها، ورجل فَرْجٌ: لا يكتم سرّه، وفَرَجٌ: لا يزال ينكشف فرجه «٢» ، وفَرَارِيجُ الدّجاج لانفراج البيض عنها، ودجاجة مُفْرِجٌ: ذات فراريج، والْمُفْرَجُ:
القتيل الذي انكشف عنه القوم فلا يدرى من قتله.
فرح
الْفَرَحُ: انشراح الصّدر بلذّة عاجلة، وأكثر ما يكون ذلك في اللّذات البدنيّة الدّنيوية، فلهذا قال تعالى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
[الحديد/ ٢٣] ، وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا
[الرعد/ ٢٦] ، ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ
[غافر/ ٧٥] ، حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا [الأنعام/ ٤٤] ، فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [غافر/ ٨٣] ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
[القصص/ ٧٦] ، ولم يرخّص في الفرح إلا في قوله: فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس/ ٥٨] ، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ
[الروم/ ٤] . والمِفْرَاحُ: الكثير الفرح، قال الشاعر:
стр. 611
٣٤٩-
ولست بمفراح إذا الخير مسّني ... ولا جازع من صرفه المتقلّب
«١» وما يسرّني بهذا الأمر مُفْرِحٌ ومَفْرُوحٌ به، ورجل مُفْرَحٌ: أثقله الدين «٢» ، وفي الحديث:
«لا يترك في الإسلام مفرح» «٣» ، فكأنّ الإِفْرَاحُ يستعمل في جلب الفرح، وفي إزالة الفرح، كما أنّ الإشكاء يستعمل في جلب الشّكوى وفي إزالتها، فالمدان قد أزيل فرحه، فلهذا قيل: (لا غمّ إلا غمّ الدّين) «٤» .
فرد
الفَرْدُ: الذي لا يختلط به غيره، فهو أعمّ من الوتر وأخصّ من الواحد، وجمعه: فُرَادَى. قال تعالى: لا تَذَرْنِي فَرْداً [الأنبياء/ ٨٩] ، أي:
وحيدا، ويقال في الله: فرد، تنبيها أنه بخلاف الأشياء كلّها في الازدواج المنبّه عليه بقوله:
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ [الذاريات/ ٤٩] ، وقيل: معناه المستغني عمّا عداه، كما نبّه عليه بقوله: غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [آل عمران/ ٩٧] ، وإذا قيل: هو مُنْفَرِدٌ بوحدانيّته، فمعناه:
هو مستغن عن كلّ تركيب وازدواج تنبيها أنه مخالف للموجودات كلّها. وفَرِيدٌ: واحد، وجمعه فُرَادَى، نحو: أسير وأسارى. قال:
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى [الأنعام/ ٩٤] .
فرش
الفَرْشُ: بسط الثّياب، ويقال لِلْمَفْرُوشِ:
فَرْشٌ وفِرَاشٌ. قال تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً [البقرة/ ٢٢] ، أي: ذلّلها ولم يجعلها ناتئة لا يمكن الاستقرار عليها، والفِرَاشُ جمعه: فُرُشٌ. قال: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ [الواقعة/ ٣٤] ، فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ [الرحمن/ ٥٤] . والفَرْشُ: ما يُفْرَشُ من الأنعام، أي: يركب، قال تعالى: حَمُولَةً وَفَرْشاً [الأنعام/ ١٤٢] ، وكنّي بِالْفِرَاشِ عن كلّ واحد من الزّوجين، فقال النبيّ ﷺ : «الولد
стр. 612
للفراش» «١» وفلان كريم المَفَارِشِ «٢» ، أي:
النّساء. وأَفْرَشَ الرّجل صاحبه، أي: اغتابه وأساء القول فيه، وأَفْرَشَ عنه: أقلع، والفَرَاشُ:
طير معروف، قال: كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة/ ٤] ، وبه شبّه فَرَاشَةُ القفل، والْفَرَاشَةُ:
الماء القليل في الإناء.
فرض
الفَرْضُ: قطع الشيء الصّلب والتأثير فيه، كفرض الحديد، وفرض الزّند والقوس، والمِفْرَاضُ والمِفْرَضُ: ما يقطع به الحديد، وفُرْضَةُ الماء: مقسمه. قال تعالى: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً
[النساء/ ١١٨] ، أي: معلوما، وقيل: مقطوعا عنهم، والفَرْضُ كالإيجاب لكن الإيجاب يقال اعتبارا بوقوعه وثباته، والفرض بقطع الحكم فيه «٣» . قال تعالى: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها
[النور/ ١] ، أي: أوجبنا العمل بها عليك، وقال: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ
[القصص/ ٨٥] ، أي: أوجب عليك العمل به، ومنه يقال لما ألزم الحاكم من النّفقة: فَرْضٌ. وكلّ موضع ورد (فرض الله عليه) ففي الإيجاب الذي أدخله الله فيه، وما ورد من: (فرض الله له) فهو في أن لا يحظره على نفسه. نحو. ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ
[الأحزاب/ ٣٨] ، وقوله: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ [التحريم/ ٢] ، وقوله: وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً
[البقرة/ ٢٣٧] ، أي: سمّيتم لهنّ مهرا، وأوجبتم على أنفسكم بذلك، وعلى هذا يقال: فَرَضَ له في العطاء، وبهذا النّظر ومن هذا الغرض قيل للعطية: فَرْضٌ، وللدّين:
فَرْضٌ، وفَرَائِضُ الله تعالى: ما فرض لأربابها، ورجل فَارِضٌ وفَرْضِيٌّ: بصير بحكم الفرائض.
قال تعالى: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَ
إلى قوله: فِي الْحَجِّ «٤» أي: من عيّن على نفسه إقامة الحجّ «٥» ، وإضافة فرض الحجّ إلى الإنسان دلالة أنه هو معيّن الوقت، ويقال لما أخذ
стр. 613
في الصّدقة فرِيضَةٌ. قال: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ إلى قوله: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ «١» وعلى هذا ما روي (أنّ أبا بكر الصّدّيق ﵁ كتب إلى بعض عمّاله كتابا وكتب فيه: هذه فريضة الصّدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين) «٢» . والفَارِضُ: المسنّ من البقر «٣» .
قال تعالى: لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ [البقرة/ ٦٨] ، وقيل: إنما سمّي فَارِضاً لكونه فارضا للأرض، أي: قاطعا، أو فارضا لما يحمّل من الأعمال الشاقّة، وقيل: بل لأنّ فَرِيضَةُ البقر اثنان: تبيع ومسنّة، فالتّبيع يجوز في حال دون حال، والمسنّة يصحّ بذلها في كلّ حال، فسمّيت المسنّة فَارِضَةً لذلك، فعلى هذا يكون الفَارِضُ اسما إسلاميّا.
فرط
فَرَطَ: إذا تقدّم تقدّما بالقصد يَفْرُطُ «٤» ، ومنه: الفَارِطُ إلى الماء، أي: المتقدّم لإصلاح الدّلو، يقال: فَارِطٌ وفَرَطٌ، ومنه قوله ﵇: «أنا فرطكم على الحوض» «٥» وقيل في الولد الصّغير إذا مات: «اللهمّ اجعله لنا فَرَطاً» «٦» وقوله: أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا
[طه/ ٤٥] ، أي: يتقدّم، وفرس فُرُطٌ: يسبق الخيل، والْإِفْرَاطُ: أن يسرف في التّقدّم، والتَّفْرِيطُ: أن يقصّر في الفَرَط، يقال: ما فَرَّطْتُ في كذا. أي:
ما قصّرت. قال تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ [الأنعام/ ٣٨] ، ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر/ ٥٦] ، ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ [يوسف/ ٨٠] . وأَفْرَطْتُ القربةَ: ملأتها
стр. 614
وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً
[الكهف/ ٢٨] ، أي: إسرافا وتضييعا.
فرع
فَرْعُ الشّجر: غصنه، وجمعه: فُرُوعٌ. قال تعالى: أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ
[إبراهيم/ ٢٤] ، واعتبر ذلك على وجهين:
أحدهما: بالطّول، فقيل: فَرَعَ كذا: إذا طال، وسمّي شعر الرأس فَرْعاً لعلوّه، وقيل: رجل أَفْرَعُ، وامرأة فَرْعَاءُ، وفَرَّعْتُ الجبل، وفَرَّعْتُ رأسَهُ بالسّيف، وتَفَرَّعْتُ في بني فلان: تزوّجت في أعاليهم وأشرافهم. والثاني: اعتبر بالعرض، فقيل: تَفَرَّعَ كذا، وفُرُوعُ المسألة، وفُرُوعُ الرّجل: أولاده.
و (فِرْعَوْنُ) : اسم أعجميّ، وقد اعتبر عرامته، فقيل: تَفَرْعَنَ فلان: إذا تعاطى فعل فرعون، كما يقال: أبلس وتبلّس، ومنه قيل للطّغاة: الفَرَاعِنَةُ والأبالسة.
فرغ
الفَرَاغُ: خلاف الشّغل، وقد فَرَغَ فَرَاغاً وفُرُوغاً، وهو فَارِغٌ. قال تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ
[الرحمن/ ٣١] ، وقوله تعالى:
وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً
[القصص/ ١٠] ، أي: كأنّما فَرَغَ من لبّها لما تداخلها من الخوف وذلك كما قال الشاعر:
٣٥٠-
كأنّ جؤجؤه هواء
«١» وقيل: فَارِغاً من ذكره، أي أنسيناها ذكره حتى سكنت واحتملت أن تلقيه في اليمّ، وقيل:
فَارِغاً، أي: خاليا إلّا من ذكره، لأنه قال: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها [القصص/ ١٠] ، ومنه قوله تعالى: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ
[الشرح/ ٧] ، وأَفْرَغْتُ الدّلو:
صببت ما فيه، ومنه استعير: أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً
[الأعراف/ ١٢٦] ، وذهب دمه فِرْغاً «٢» ، أي: مصبوبا. ومعناه: باطلا لم يطلب به، وفرس فَرِيغٌ: واسع العدو كأنّما يُفْرِغُ العدو إِفْرَاغاً، وضربة فَرِيغَةٌ: واسعة ينصبّ منها الدّم.
فرق
الفَرْقُ يقارب الفلق لكن الفلق يقال اعتبارا بالانشقاق، والفرق يقال اعتبارا بالانفصال. قال تعالى: وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ
[البقرة/ ٥٠] ، والفِرْقُ: القطعة المنفصلة، ومنه: الفِرْقَةُ للجماعة المتفرّدة من النّاس، وقيل: فَرَقُ الصّبح، وفلق الصّبح. قال: فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ
[الشعراء/ ٦٣] ،
стр. 615
والفَرِيقُ: الجماعة المتفرّقة عن آخرين، قال:
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ
[آل عمران/ ٧٨] ، فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ [البقرة/ ٨٧] ، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى/ ٧] ، إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي [المؤمنون/ ١٠٩] ، أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ [مريم/ ٧٣] ، وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ [البقرة/ ٨٥] ، وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ [البقرة/ ١٤٦] ، وفَرَقْتُ بين الشّيئين: فصلت بينهما سواء كان ذلك بفصل يدركه البصر، أو بفصل تدركه البصيرة. قال تعالى: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ
[المائدة/ ٢٥] ، وقوله تعالى:
فَالْفارِقاتِ فَرْقاً
[المرسلات/ ٤] ، يعني:
الملائكة الّذين يفصلون بين الأشياء حسبما أمرهم الله، وعلى هذا قوله: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان/ ٤] ، وقيل: عمر الفَارُوقُ ﵁ لكونه فارقا بين الحقّ والباطل، وقوله: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ
[الإسراء/ ١٠٦] ، أي: بيّنا فيه الأحكام وفصّلناه. وقيل: (فَرَقْنَاهُ) أي: أنزلناه مُفَرَّقاً، والتَّفْرِيقُ أصله للتّكثير، ويقال ذلك في تشتيت الشّمل والكلمة. نحو:
يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [البقرة/ ١٠٢] ، رَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ
[طه/ ٩٤] ، وقوله: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة/ ٢٨٥] ، وقوله: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [البقرة/ ١٣٦] ، إنما جاز أن يجعل التّفريق منسوبا إلى (أحد) من حيث إنّ لفظ (أحد) يفيد في النّفي، وقال: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ [الأنعام/ ١٥٩] ، وقرئ:
فَارَقُوا «١» والفِراقُ والْمُفَارَقَةُ تكون بالأبدان أكثر. قال: هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف/ ٧٨] ، وقوله: وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ [القيامة/ ٢٨] ، أي: غلب على قلبه أنه حين مفارقته الدّنيا بالموت، وقوله: وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ [النساء/ ١٥٠] ، أي:
يظهرون الإيمان بالله ويكفرون بالرّسل خلاف ما أمرهم الله به. وقوله: وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [النساء/ ١٥٢] ، أي: آمنوا برسل الله جميعا، والفُرْقَانُ أبلغ من الفرق، لأنه يستعمل في الفرق بين الحقّ والباطل، وتقديره كتقدير: رجل قنعان: يقنع به في الحكم، وهو اسم لا مصدر فيما قيل، والفرق يستعمل في ذلك وفي غيره، وقوله: يَوْمَ الْفُرْقانِ [الأنفال/ ٤١] ، أي: اليوم الذي يفرق فيه بين الحقّ والباطل، والحجّة والشّبهة، وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً
[الأنفال/ ٢٩] ، أي: نورا وتوفيقا على قلوبكم
стр. 616
يفرق به بين الحق والباطل «١» ، فكان الفرقان هاهنا كالسّكينة والرّوح في غيره، وقوله: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ [الأنفال/ ٤١] ، قيل:
أريد به يوم بدر «٢» ، فإنّه أوّل يوم فُرِقَ فيه بين الحقّ والباطل، والفُرْقَانُ: كلام الله تعالى، لفرقه بين الحقّ والباطل في الاعتقاد، والصّدق والكذب في المقال، والصالح والطّالح في الأعمال، وذلك في القرآن والتوراة والإنجيل، قال: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ [البقرة/ ٥٣] ، وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ [الأنبياء/ ٤٨] ، تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ [الفرقان/ ١] ، شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [البقرة/ ١٨٥] .
والفَرَقُ: تَفَرُّقُ القلب من الخوف، واستعمال الفرق فيه كاستعمال الصّدع والشّقّ فيه. قال تعالى: وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ
[التوبة/ ٥٦] ، ويقال: رجل فَرُوقٌ وفَرُوقَةٌ، وامرأة كذلك، ومنه قيل للناقة التي تذهب في الأرض نادّة من وجع المخاض: فَارِقٌ وفَارِقَةٌ «٣» ، وبها شبّه السّحابة المنفردة فقيل: فَارِقٌ، والْأَفْرَقُ من الدّيك: ما عُرْفُهُ مَفْرُوقٌ، ومن الخيل: ما أحد وركيه أرفع من الآخر، وال فَرِي قَةُ: تمر يطبخ بحلبة، والفَرُوقَةُ: شحم الكليتين.
فره
الفَرِهُ: الأَشِرُ، وناقة مُفْرِهٌ ومُفْرِهَةٌ: تنتج الفُرَّهَ «٤» ، وقوله: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ
[الشعراء/ ١٤٩] ، أي: حاذقين، وجمعه فُرَّهٌ، ويقال ذلك في الإنسان وفي غيره، وقرئ: فَرِهِينَ «٥» في معناه. وقيل:
معناهما أشرين.
فرى
الفَرْيُ: قطع الجلد للخرز والإصلاح، والْإِفْرَاءُ للإفساد، والِافْتِرَاءُ فيهما، وفي الإفساد أكثر، وكذلك استعمل في القرآن في الكذب والشّرك والظّلم. نحو: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً
[النساء/ ٤٨] ، انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
[النساء/ ٥٠] .
وفي الكذب نحو: افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا
[الأنعام/ ١٤٠] ، وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [المائدة/ ١٠٣] ، أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ [السجدة/ ٣] ، وَما ظَنُّ الَّذِينَ
стр. 617
يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [يونس/ ٦٠] ، أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ [يونس/ ٣٧] ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ
[هود/ ٥٠] ، وقوله: لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا
[مريم/ ٢٧] ، قيل: معناه عظيما «١» . وقيل: عجيبا «٢» . وقيل: مصنوعا «٣» .
وكل ذلك إشارة إلى معنى واحد.
فز
قال تعالى: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ
[الإسراء/ ٦٤] ، أي: أزعج، وقال تعالى: فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ
[الإسراء/ ١٠٣] ، أي: يزعجهم، وفَزَّنِي فلان، أي: أزعجني، والْفَزُّ: ولد البقرة، وسمّي بذلك لما تصوّر فيه من الخفّة، كما يسمّى عجلا لما تصوّر فيه من العجلة.
فزع
الفَزَعُ: انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف، وهو من جنس الجزع، ولا يقال: فَزِعْتُ من الله، كما يقال: خفت منه.
وقوله تعالى: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ
[الأنبياء/ ١٠٣] ، فهو الفزع من دخول النار.
فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [النمل/ ٨٧] ، وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [النمل/ ٨٩] ، وقوله تعالى: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ
[سبأ/ ٢٣] ، أي: أزيل عنها الفزع، ويقال: فَزِعَ إليه: إذا استغاث به عند الفزع، وفَزِعَ له: أغاثه. وقول الشاعر:
٣٥١-
كنّا إذا ما أتانا صارخ فَزِعٌ
«٤» أي: صارخ أصابه فزع، ومن فسّره بأنّ معناه المستغيث، فإنّ ذلك تفسير للمقصود من الكلام لا للفظ الفزع.
فسح
الفُسْحُ والْفَسِيحُ: الواسع من المكان، والتَّفَسُّحُ: التّوسّع، يقال: فَسَّحْتُ مجلسه فَتَفَسَّحَ فيه. قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ
[المجادلة/ ١١] ، ومنه قيل: فَسَّحْتُ لفلان أن يفعل كذا، كقولك: وسّعت له، وهو في فُسْحَةٍ من هذا الأمر.
стр. 618
فسد
الفَسَادُ: خروج الشيء عن الاعتدال، قليلا كان الخروج عنه أو كثيرا، ويضادّه الصّلاح، ويستعمل ذلك في النّفس، والبدن، والأشياء الخارجة عن الاستقامة، يقال: فَسَدَ فَسَاداً وفُسُوداً «١» ، وأَفْسَدَهُ غيره. قال تعالى: لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [المؤمنون/ ٧١] ، لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء/ ٢٢] ، ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الروم/ ٤١] ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ [البقرة/ ٢٠٥] ، وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ [البقرة/ ١١] ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ
[البقرة/ ١٢] ، لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ [البقرة/ ٢٠٥] ، إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها
[النمل/ ٣٤] ، إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس/ ٨١] ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة/ ٢٢٠] .
فسر
[الفَسْرُ: إظهار المعنى المعقول، ومنه قيل لما ينبئ عنه البول: تَفْسِرَةٌ، وسمّي بها قارورة الماء] «٢» والتَّفْسِيرُ في المبالغة كالفسر، والتَّفْسِيرُ قد يقال فيما يختصّ بمفردات الألفاظ وغريبها، وفيما يختصّ بالتأويل، ولهذا يقال: تَفْسِيرُ الرّؤيا وتأويلها. قال تعالى: وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [الفرقان/ ٣٣] .
فسق
فَسَقَ فلان: خرج عن حجر الشّرع، وذلك من قولهم: فَسَقَ الرُّطَبُ، إذا خرج عن قشره «٣» ، وهو أعمّ من الكفر. والفِسْقُ يقع بالقليل من الذّنوب وبالكثير، لكن تعورف فيما كان كثيرا، وأكثر ما يقال الفَاسِقُ لمن التزم حكم الشّرع وأقرّ به، ثمّ أخلّ بجميع أحكامه أو ببعضه، وإذا قيل للكافر الأصليّ: فَاسِقٌ، فلأنّه أخلّ بحكم ما ألزمه العقل واقتضته الفطرة، قال الله تعالى: فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
[الكهف/ ٥٠] ، فَفَسَقُوا فِيها
[الإسراء/ ١٦] ، وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ
[آل عمران/ ١١٠] ، وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [النور/ ٤] ، أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً [السجدة/ ١٨] ، وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [النور/ ٥٥] ، أي: من يستر نعمة الله فقد خرج عن طاعته، وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ [السجدة/ ٢٠] ، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
[الأنعام/ ٤٩] ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ [المائدة/ ١٠٨] ، إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ
стр. 619
[التوبة/ ٦٧] ، كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا [يونس/ ٣٣] ، أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً [السجدة/ ١٨] ، فقابل به الإيمان. فالفاسق أعمّ من الكافر، والظالم أعمّ من الفاسق. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ إلى قوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ «١» وسمّيت الفأرة فُوَيْسَقَةً لما اعتقد فيها من الخبث والفسق. وقيل: لخروجها من بيتها مرّة بعد أخرى. وقال ﵊:
(اقتلوا الفويسقة فإنّها توهي السّقاء وتضرم البيت على أهله) «٢» . قال ابن الأعرابيّ: لم يسمع الفاسق في وصف الإنسان في كلام العرب، وإنما قالوا: فسقت الرّطبة عن قشرها «٣» .
فشل
الفَشَلُ: ضعف مع جبن. قال تعالى: حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ
[آل عمران/ ١٥٢] ، فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
[الأنفال/ ٤٦] ، لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ [الأنفال/ ٤٣] ، وتَفَشَّلَ الماء:
سال.
فصح
[الفَصْحُ: خلوص الشيء مما يشوبه. وأصله في اللّبن، يقال: فَصَّحَ اللّبن وأَفْصَحَ «٤» ، فهو مُفْصِحٌ وفَصِيحٌ: إذا تعرّى من الرّغوة، وقد روي:
٣٥٢-
وتحت الرّغوة اللّبن الفصيح
«٥» ومنه استعير: فَصُحَ الرّجل: جادت لغته، وأَفْصَحَ: تكلّم بالعربيّة، وقيل بالعكس، والأوّل أصحّ] «٦» . وقيل: الفَصِيحُ: الذي ينطق، والأعجميّ: الذي لا ينطق، قال: وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً
[القصص/ ٣٤] ، وعن هذا استعير: أَفْصَحَ الصّبحُ: إذا بدا ضوؤه، وأَفْصَحَ النصارى: جاء فِصْحُهُمْ، أي: عيدهم.
стр. 620
فصل
الفَصْلُ: إبانة أحد الشّيئين من الآخر: حتى يكون بينهما فرجة، ومنه قيل: المَفَاصِلُ، الواحد مَفْصِلٌ، وفَصَلْتُ الشاة: قطعت مفاصلها، وفَصَلَ القوم عن مكان كذا، وانْفَصَلُوا: فارقوه.
قال تعالى: وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ
[يوسف/ ٩٤] ، ويستعمل ذلك في الأفعال والأقوال نحو قوله: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ
[الدخان/ ٤٠] ، هذا يَوْمُ الْفَصْلِ [الصافات/ ٢١] ، أي: اليوم يبيّن الحقّ من الباطل، ويَفْصِلُ بين الناس بالحكم، وعلى ذلك قوله: يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ [الحج/ ١٧] ، وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ
[الأنعام/ ٥٧] .
وفَصْلُ الخطاب: ما فيه قطع الحكم، وحكم فَيْصَلٌ، ولسان مِفْصَلٌ. قال: وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا
[الإسراء/ ١٢] ، الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود/ ١] ، إشارة إلى ما قال: تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً [النحل/ ٨٩] . وفَصِيلَةُ الرّجل: عشيرته الْمُنْفَصِلَةُ عنه، قال: وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ [المعارج/ ١٣] ، والفِصالُ:
التّفريق بين الصّبيّ والرّضاع، قال: فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما [البقرة/ ٢٣٣] ، وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ [لقمان/ ١٤] ، ومنه:
الفَصِيلُ، لكن اختصّ بالحُوَارِ، والمُفَصَّلُ من القرآن، السّبع الأخير «١» ، وذلك للفصل بين القصص بالسّور القصار، والفَوَاصِلُ: أواخر الآي، وفَوَاصِلُ القلادة: شذر يفصل به بينها، وقيل: الفَصِيلُ: حائط دون سور المدينة «٢» ، وفي الحديث: «من أنفق نفقة فَاصِلَةً فله من الأجر كذا» «٣» أي: نفقة تَفْصِلُ بين الكفر والإيمان.
فض
الفَضُّ: كسر الشيء والتّفريق بين بعضه وبعضه، كفَضِّ ختم الكتاب، وعنه استعير:
انْفَضَّ القومُ. قال الله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها
[الجمعة/ ١١] ، لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران/ ١٥٩] ، والفِضَّةُ
стр. 621
اختصّت بأدون المتعامل بها من الجواهر، ودرع فَضْفَاضَةٌ، وفَضْفَاضٌ: واسعة.
فضل
الفَضْلُ: الزّيادة عن الاقتصاد، وذلك ضربان: محمود: كفضل العلم والحلم، ومذموم: كفضل الغضب على ما يجب أن يكون عليه. والفَضْلُ في المحمود أكثر استعمالا، والفُضُولُ في المذموم، والفَضْلُ إذا استعمل لزيادة أحد الشّيئين على الآخر فعلى ثلاثة أضرب:
فضل من حيث الجنس، كفضل جنس الحيوان على جنس النّبات.
وفضل من حيث النّوع، كفضل الإنسان على غيره من الحيوان، وعلى هذا النحو قوله:
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [الإسراء/ ٧٠] ، إلى قوله: تَفْضِيلًا
«١» .
وفضل من حيث الذّات، كفضل رجل على آخر. فالأوّلان جوهريّان لا سبيل للناقص فيهما أن يزيل نقصه وأن يستفيد الفضل، كالفرس والحمار لا يمكنهما أن يكتسبا الفضيلة التي خصّ بها الإنسان، والفضل الثالث قد يكون عرضيّا فيوجد السّبيل على اكتسابه، ومن هذا النّوع التّفضيل المذكور في قوله: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ
[النحل/ ٧١] ، لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [الإسراء/ ١٢] ، يعني: المال وما يكتسب، وقوله:
الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [النساء/ ٣٤] ، فإنه يعني بما خصّ به الرّجل من الفضيلة الذّاتيّة له، والفضل الذي أعطيه من المكنة والمال والجاه والقوّة، وقال: وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ
[الإسراء/ ٥٥] ، فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ [النساء/ ٩٥] ، وكلّ عطيّة لا تلزم من يعطي يقال لها: فَضْلٌ.
نحو قوله: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء/ ٣٢] ، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ [المائدة/ ٥٤] ، ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [آل عمران/ ٧٤] ، وعلى هذا قوله: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ [يونس/ ٥٨] ، وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ [النساء/ ٨٣] .
فضا
الفَضَاءُ: المكان الواسع، ومنه: أَفْضَى بيده إلى كذا، وأَفْضَى إلى امرأته: في الكناية أبلغ، وأقرب إلى التّصريح من قولهم: خلا بها. قال تعالى: وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ [النساء/ ٢١] . وقول الشاعر:
стр. 622
٣٥٣-
طعامهم فَوْضَى فَضًا في رحالهم
«١» أي: مباح، كأنّه موضوع في فضاء يَفِيضُ فيه من يريده.
فطر
أصل الفَطْرِ: الشّقُّ طولا، يقال: فَطَرَ فلان كذا فَطْراً، وأَفْطَرَ هو فُطُوراً، وانْفَطَرَ انْفِطَاراً. قال تعالى: هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ
[الملك/ ٣] ، أي: اختلال ووهي فيه، وذلك قد يكون على سبيل الفساد، وقد يكون على سبيل الصّلاح قال: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا
[المزمل/ ١٨] . وفَطَرْتُ الشاة: حلبتها بإصبعين، وفَطَرْتُ العجين: إذا عجنته فخبزته من وقته، ومنه: الفِطْرَةُ. وفَطَرَ الله الخلق، وهو إيجاده الشيء وإبداعه على هيئة مترشّحة ل فعل من الأفعال، فقوله: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
[الروم/ ٣٠] ، فإشارة منه تعالى إلى ما فَطَرَ. أي: أبدع وركز في النّاس من معرفته تعالى، وفِطْرَةُ الله: هي ما ركز فيه من قوّته على معرفة الإيمان، وهو المشار إليه بقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف/ ٨٧] ، وقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[فاطر/ ١] ، وقال: الَّذِي فَطَرَهُنَّ [الأنبياء/ ٥٦] ، وَالَّذِي فَطَرَنا [طه/ ٧٢] ، أي: أبدعنا وأوجدنا. يصحّ أن يكون الِانْفِطَارُ في قوله: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ [المزمل/ ١٨] ، إشارة إلى قبول ما أبدعها وأفاضه علينا منه. والفِطْرُ: ترك الصّوم. يقال:
فَطَرْتُهُ، وأَفْطَرْتُهُ، وأَفْطَرَ هو «٢» ، وقيل للكمأة:
فُطُرٌ، من حيث إنّها تَفْطِرُ الأرض فتخرج منها.
فظ
الفَظُّ: الكريه الخلق، مستعار من الفَظِّ، أي:
ماء الكرش، وذلك مكروه شربه لا يتناول إلّا في أشدّ ضرورة. قال تعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
[آل عمران/ ١٥٩] .
فعل
الفِعْلُ: التأثير من جهة مؤثّر، وهو عامّ لما كان بإجادة أو غير إجادة، ولما كان بعلم أو غير علم، وقصد أو غير قصد، ولما كان من الإنسان والحيوان والجمادات، والعمل مثله، والصّنع أخصّ منهما كما تقدّم ذكرهما «٣» ، قال: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ
[البقرة/ ١٩٧] ،
стр. 623
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً
[النساء/ ٣٠] ، يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ
[المائدة/ ٦٧] ، أي: إن لم تبلّغ هذا الأمر فأنت في حكم من لم يبلّغ شيئا بوجه، والذي من جهة الفَاعِلِ يقال له: مَفْعُولٌ ومُنْفَعِلٌ، وقد فصل بعضهم بين المفعول والمنفعل، فقال: المَفْعُولُ يقال إذا اعتبر بفعل الفاعل، والمُنْفَعِلُ إذا اعتبر قبول الفعل في نفسه، قال: فَالْمَفْعُولُ أعمّ من المنفعل، لأنّ المُنْفَعِلُ يقال لما لا يقصد الفَاعِلُ إلى إيجاده وإن تولّد منه، كحمرة اللّون من خجل يعتري من رؤية إنسان، والطّرب الحاصل عن الغناء، وتحرّك العاشق لرؤية معشوقه. وقيل لكلّ فِعْلٍ: انْفِعَالٌ إلّا للإبداع الذي هو من الله تعالى، فذلك هو إيجاد عن عدم لا في عرض وفي جوهر بل ذلك هو إيجاد الجوهر.
فقد
الفَقْدُ: عدم الشيء بعد وجوده، فهو أخصّ من العدم، لأن العدم يقال فيه وفيما لم يوجد بعد. قال تعالى: ماذا تَفْقِدُونَ قالُوا: نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ
[يوسف/ ٧١- ٧٢] . والتَّفَقُّدُ: التّعهّد لكن حقيقة التّفقّد: تعرّف فُقْدَانِ الشيء، والتّعهّد: تعرّف العهد المتقدّم، قال: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ
[النمل/ ٢٠] ، والفَاقِدُ: المرأة التي تَفْقِدُ ولدَهَا، أو بعلَهَا.
فقر
الفَقْرُ يستعمل على أربعة أوجه:
الأوّل: وجود الحاجة الضّرورية، وذلك عامّ للإنسان ما دام في دار الدّنيا بل عامّ للموجودات كلّها، وعلى هذا قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ
[فاطر/ ١٥] ، وإلى هذا الفَقْرِ أشار بقوله في وصف الإنسان: وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ [الأنبياء/ ٨] .
والثاني: عدم المقتنيات، وهو المذكور في قوله: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا [البقرة/ ٢٧٣] ، إلى قوله: مِنَ التَّعَفُّفِ [البقرة/ ٢٧٣] ، إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
[النور/ ٣٢] . وقوله: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ [التوبة/ ٦٠] .
الثالث: فَقْرُ النّفس، وهو الشّره المعنيّ بقوله ﵊: «كاد الفَقْرُ أن يكون كفرا» «١» وهو المقابل بقوله: «الغنى غنى
стр. 624
النّفس» «١» والمعنيّ بقولهم: من عدم القناعة لم يفده المال غنى.
الرابع: الفَقْرُ إلى الله المشار إليه بقوله ﵊: (اللهمّ أغنني بِالافْتِقَارِ إليك، ولا تُفْقِرْنِي بالاستغناء عنك) «٢» ، وإيّاه عني بقوله تعالى: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
[القصص/ ٢٤] ، وبهذا ألمّ الشاعر فقال:
٣٥٤-
ويعجبني فقري إليك ولم يكن ... ليعجبني لولا محبّتك الفقر
«٣» ويقال: افْتَقَرَ فهو مُفْتَقِرٌ وفَقِيرٌ، ولا يكاد يقال:
فَقَرَ، وإن كان القياس يقتضيه. وأصل الفَقِيرِ: هو المكسورُ الْفِقَارِ، يقال: فَقَرَتْهُ فَاقِرَةٌ، أي داهية تكسر الفِقَارَ، وأَفْقَرَكَ الصّيدُ فارمه، أي: أمكنك من فِقَارِهِ، وقيل: هو من الْفُقْرَةِ أي: الحفرة، ومنه قيل لكلّ حفيرة يجتمع فيها الماء: فَقِيرٌ، وفَقَّرْتُ للفسيل: حفرت له حفيرة غرسته فيها، قال الشاعر:
٣٥٥-
ما ليلة الفقير إلّا شيطان
«٤» فقيل: هو اسم بئر، وفَقَرْتُ الخَرَزَ: ثقبته، وأَفْقَرْتُ البعير: ثقبت خطمه.
فقع
يقال: أصفر فَاقِعٌ: إذا كان صادق الصّفرة، كقولهم: أسود حالك. قال تعالى: صَفْراءُ فاقِعٌ [البقرة/ ٦٩] ، والْفَقْعُ: ضرب من الكمأة، وبه يشبّه الذّليل، فيقال: أذلّ من فَقْعٍ بقاع «٥» ، قال الخليل «٦» : سمّي الفُقَّاعُ لما يرتفع من زبده، وفَقَاقِيعُ الماء تشبيها به.
فقه
الفِقْهُ: هو التّوصل إلى علم غائب بعلم شاهد، فهو أخصّ من العلم. قال تعالى: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً
[النساء/ ٧٨] ، وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ [المنافقون/ ٧] ، إلى غير ذلك من الآيات، والفِقْهُ: العلم بأحكام الشريعة، يقال: فَقُهَ الرّجل فَقَاهَةً: إذا صار فَقِيهاً «٧» ، وفَقِهَ أي: فهم
стр. 625
فَقَهاً، وفَقِهَهُ أي: فهمه، وتَفَقَّهَ: إذا طلبه فتخصّص به. قال تعالى: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ
[التوبة/ ١٢٢] .
فكك
الفَكَكُ: التّفريج، وفَكُّ الرّهن: تخليصه، وفَكُّ الرّقبة: عتقها. وقوله: فَكُّ رَقَبَةٍ
[البلد/ ١٣] ، قيل: هو عتق المملوك «١» ، وقيل: بل هو عتق الإنسان نفسه من عذاب الله بالكلم الطيّب والعمل الصّالح، وفكّ غيره بما يفيده من ذلك، والثاني يحصل للإنسان بعد حصول الأوّل، فإنّ من لم يهتد فليس في قوّته أن يهدي كما بيّنت في (مكارم الشّريعة) «٢» ، والفَكَكُ: انفراج المنكب عن مفصله ضعفا، والْفَكَّانِ: ملتقى الشّدقين. وقوله: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ
[البينة/ ١] ، أي: لم يكونوا متفرّقين بل كانوا كلّهم على الضّلال، كقوله: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ... الآية [البقرة/ ٢١٣] ، و (ما انْفَكَّ) يفعل كذا، نحو: ما زال يفعل كذا.
فكر
الْفِكْرَةُ: قوّة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتَّفَكُّرُ: جولان تلك القوّة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب، ولهذا روي: «تَفَكَّرُوا في آلاء الله ولا تَفَكَّرُوا في الله» «٣» إذ كان الله منزّها أن يوصف بصورة. قال تعالى:
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ
[الروم/ ٨] ، أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ [الأعراف/ ١٨٤] ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الرعد/ ٣] ، يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ [البقرة/ ٢١٩- ٢٢٠] . ورجل فَكِيرٌ: كثير الْفِكْرَةُ، قال بعض الأدباء: الْفِكْرُ مقلوب عن الفرك لكن يستعمل الفكر في المعاني، وهو فرك الأمور وبحثها طلبا للوصول إلى حقيقتها.
فكه
الفَاكِهَةُ قيل: هي الثّمار كلها، وقيل: بل هي الثّمار ما عدا العنب والرّمّان «٤» . وقائل هذا كأنه نظر إلى اختصاصهما بالذّكر، وعطفهما على الفاكهة. قال تعالى: وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ
[الواقعة/ ٢٠] ، وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ [الواقعة/
стр. 626
٣٢] ، وَفاكِهَةً وَأَبًّا [عبس/ ٣١] ، فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ
[الصافات/ ٤٢] ، وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ [المرسلات/ ٤٢] ، والفُكَاهَةُ:
حديث ذوي الأنس، وقوله: فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ
«١» قيل: تتعاطون الفُكَاهَةَ، وقيل:
تتناولون الْفَاكِهَةَ. وكذلك قوله: فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ
[الطور/ ١٨] .
فلح
الفَلْحُ: الشّقّ، وقيل: الحديد بالحديد يُفْلَحُ «٢» ، أي: يشقّ. والفَلَّاحُ: الأكّار لذلك، والفَلَاحُ: الظَّفَرُ وإدراك بغية، وذلك ضربان:
دنيويّ وأخرويّ، فالدّنيويّ: الظّفر بالسّعادات التي تطيب بها حياة الدّنيا، وهو البقاء والغنى والعزّ، وإيّاه قصد الشاعر بقوله:
٣٥٦-
أَفْلِحْ بما شئت فقد يدرك بال ... ضعف وقد يخدّع الأريب «٣»
وفَلَاحٌ أخرويّ، وذلك أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعزّ بلا ذلّ، وعلم بلا جهل. ولذلك قيل: «لا عيش إلّا عيش الآخرة» «٤» وقال تعالى:
وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ [العنكبوت/ ٦٤] ، أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[المجادلة/ ٢٢] ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى
[الأعلى/ ١٤] ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [الشمس/ ٩] ، قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون/ ١] ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [البقرة/ ١٨٩] ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ [المؤمنون/ ١١٧] ، فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر/ ٩] ، وقوله: وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى [طه/ ٦٤] ، فيصحّ أنهم قصدوا به الفلاح الدّنيويّ، وهو الأقرب، وسمّي السّحور الفَلَاحَ، ويقال: إنه سمّي بذلك لقولهم عنده: حيّ على الفلاح، وقولهم في الأذان: (حي على الفَلَاحِ) أي: على الظّفر الذي جعله الله لنا بالصلاة، وعلى هذا قوله (حتّى خفنا أن يفوتنا الفلاح) «٥» ، أي: الظّفر الذي جعل لنا بصلاة العتمة.
стр. 627
فلق
الفَلْقُ: شقّ الشيء وإبانة بعضه عن بعض.
يقال: فَلَقْتُهُ فَانْفَلَقَ. قال تعالى: فالِقُ الْإِصْباحِ
[الأنعام/ ٩٦] ، إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى [الأنعام/ ٩٥] ، فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء/ ٦٣] ، وقيل للمطمئنّ من الأرض بين ربوتين: فَلَقٌ، وقوله: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
[الفلق/ ١] ، أي: الصّبح، وقيل: الأنهار المذكورة في قوله: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً [النمل/ ٦١] ، وقيل: هو الكلمة التي علّم الله تعالى موسى فَفَلَقَ بها البحر، والْفِلْقُ: الْمَفْلُوقُ، كالنّقض والنّكث للمنقوض والمنكوث، وقيل الْفِلْقُ: العجب، والْفَيْلَقُ كذلك، والْفَلِيقُ والْفَالِقُ: ما بين الجبلين وما بين السّنامين من ظهر البعير.
فلك
الْفُلْكُ: السّفينة، ويستعمل ذلك للواحد والجمع، وتقديراهما مختلفان، فإنّ الفُلْكَ إن كان واحدا كان كبناء قفل، وإن كان جمعا فكبناء حمر.
قال تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ [يونس/ ٢٢] ، وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ [البقرة/ ١٦٤] ، وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ [فاطر/ ١٢] ، وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ [الزخرف/ ١٢] . والفَلَكُ: مجرى الكواكب، وتسميته بذلك لكونه كالفلك، قال: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس/ ٤٠] . وفَلْكَةُ المِغْزَلِ، ومنه اشتقّ: فَلَّكَ ثديُ المرأة «١» ، وفَلَكْتُ الجديَ: إذا جعلت في لسانه مثل فَلْكَةٍ يمنعه عن الرّضاع.
فلن
فُلَانٌ وفُلَانَةُ: كنايتان عن الإنسان، والفُلَانُ والفُلَانَةُ: كنايتان عن الحيوانات، قال: يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا
[الفرقان/ ٢٨] ، تنبيها أنّ كلّ إنسان يندم على من خالَّه وصاحَبَهُ في تحرّي باطل، فيقول: ليتني لم أخالّه، وذلك إشارة إلى ما قال:
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف/ ٦٧] .
فنن
الْفَنَنُ: الغصن الغضّ الورق، وجمعه أَفْنَانٌ، ويقال ذلك للنّوع من الشيء، وجمعه فُنُونٌ، وقوله:
ذَواتا أَفْنانٍ [الرحمن/ ٤٨] ، أي: ذواتا غصون «٢» وقيل: ذواتا ألوان مختلفة.
стр. 628
فند
التَّفْنِيدُ: نسبة الإنسان إلى الْفَنَدِ، وهو ضعف الرّأي. قال تعالى: لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ
[يوسف/ ٩٤] ، قيل: أن تلوموني «١» ، وحقيقته ما ذكرت، والْإِفْنَادُ: أن يظهر من الإنسان ذلك، والْفَنَدُ: شمراخ الجبل، وبه سمّي الرّجل فَنَداً.
فهم
الْفَهْمُ: هيئة للإنسان بها يتحقّق معاني ما يحسن، يقال: فَهِمْتُ كذا، وقوله: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ
[الأنبياء/ ٧٩] ، وذلك إمّا بأن جعل الله له من فضل قوّة الفهم ما أدرك به ذلك، وإمّا بأن ألقى ذلك في روعه، أو بأن أوحى إليه وخصّه به، وأَفْهَمْتُهُ:
إذا قلت له حتى تصوّره، والِاسْتِفْهَامُ: أن يطلب من غيره أن يُفَهِّمَهُ.
فوت
الْفَوْتُ: بُعْدُ الشيء عن الإنسان بحيث يتعذّر إدراكه، قال: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ
[الممتحنة/ ١١] ، وقال: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ [الحديد/ ٢٣] ، وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ
[سبأ/ ٥١] ، أي: لا يَفُوتُونَ ما فزعوا منه، ويقال: هو منّي فَوْتَ الرّمح «٢» ، أي: حيث لا يدركه الرّمح، وجعل الله رزقه فَوْتَ فمه. أي:
حيث يراه ولا يصل إليه فمه، والِافْتِيَاتُ: افتعال منه، وهو أن يفعل الإنسان الشيء من دون ائتمار من حقّه أن يؤتمر فيه، والتَّفَاوُتُ: الاختلاف في الأوصاف، كأنه يُفَوِّتُ وصف أحدهما الآخر، أو وصف كلّ واحد منهما الآخر. قال تعالى: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ
[الملك/ ٣] ، أي: ليس فيها ما يخرج عن مقتضى الحكمة.
فوج
الفَوْجُ: الجماعة المارّة المسرعة، وجمعه أَفْوَاجٌ. قال تعالى: كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ
[الملك/ ٨] ، هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ
[ص/ ٥٩] ، فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً
[النصر/ ٢] .
فأد
الْفُؤَادُ كالقلب لكن يقال له: فُؤَادٌ إذا اعتبر فيه معنى التَّفَؤُّدِ، أي: التّوقّد، يقال: فَأَدْتُ اللّحمَ: شَوَيْتُهُ، ولحم فَئِيدٌ: مشويٌّ. قال تعالى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [النجم/ ١١] ، إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ [الإسراء/ ٣٦] ، وجمع الفؤاد: أَفْئِدَةٌ.
قال: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [إبراهيم/ ٣٧] ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ
[الملك/ ٢٣] ، وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ [إبراهيم/ ٤٣] ، نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ [الهمزة/ ٦- ٧] . وتخصيص الأفئدة تنبيه على فرط تأثير له «٣» ، وما بعد هذا الكتاب من الكتب
стр. 629
في علم القرآن موضع ذكره.
فور
الفَوْرُ: شِدَّةُ الغَلَيَانِ، ويقال ذلك في النار نفسها إذا هاجت، وفي القدر، وفي الغضب نحو: وَهِيَ تَفُورُ
[الملك/ ٧] ، وَفارَ التَّنُّورُ
[هود/ ٤٠] ، قال الشاعر:
٣٥٧-
ولا العرق فَارَا
«١» ويقال: فَارَ فلان من الحمّى يَفُورُ، والْفَوَّارَةُ:
ما تقذف به القدر من فَوَرَانِهِ، وفَوَّارَةُ الماء سمّيت تشبيها بغليان القدر، ويقال: فعلت كذا من فَوْرِي، أي: غليان الحال، وقيل: سكون الأمر.
قال تعالى: وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا
[آل عمران/ ١٢٥] ، والفَارُ جمعه فِيرَانٌ، وفأرة المسك تشبيها بها في الهيئة، ومكان فئر: فيه الفأر.
فوز
الْفَوْزُ: الظّفر بالخير مع حصول السّلامة.
قال تعالى: ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ
[البروج/ ١١] ، فازَ فَوْزاً عَظِيماً
[الأحزاب/ ٧١] ، ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ [الجاثية/ ٣٠] ، وفي أخرى الْعَظِيمُ «٢» أُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ
[التوبة/ ٢٠] ، والمَفَازَةُ قيل: سمّيت تفاؤلا لِلْفَوْزِ، وسمّيت بذلك إذا وصل بها إلى الْفَوْزِ، فإنّ الفقر كما يكون سببا للهلاك فقد يكون سببا للفوز، فيسمّى بكلّ واحد منهما حسبما يتصوّر منه ويعرض فيه، وقال بعضهم: سمّيت مَفَازَةً من قولهم: فَوَّزَ الرّجل: إذا هلك «٣» ، فإن يكن فوّز بمعنى هلك صحيحا فذلك راجع إلى الفوز تصوّرا لمن مات بأنه نجا من حبالة الدّنيا، فالموت- وإن كان من وجه هلكا- فمن وجه فَوْزٌ، ولذلك قيل: ما أحد إلّا والموت خير له «٤» ، هذا إذا اعتبر بحال الدّنيا، فأما إذا اعتبر بحال الآخرة فيما يصل إليه من النّعيم فهو الفوز الكبير: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ
[آل عمران/ ١٨٥] ، وقوله: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ
[آل عمران/ ١٨٨] ، فهي مصدر فَازَ، والاسم الفَوْزُ، أي: لا تحسبنّهم يَفُوزُونَ ويتخلّصون من العذاب.
وقوله: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً
[النبأ/ ٣١] ، أي:
стр. 630
فَوْزاً، أي: مكان فوز، ثم فسّر فقال: حَدائِقَ وَأَعْناباً ... الآية [النبأ/ ٣٢] ، وقوله: وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ إلى قوله فَوْزاً عَظِيماً «١» أي: يحرصون على أغراض الدنيا، ويعدّون ما ينالونه من الغنيمة فوزا عظيما.
فوض
قال تعالى: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ
[غافر/ ٤٤] ، أردّه إليه، وأصله من قولهم:
مالهم فَوْضَى بينهم قال الشاعر:
٣٥٨-
طعامهم فوضى فضا في رحالهم
«٢» ومنه: شركة المُفَاوَضَةِ.
فيض
فَاضَ الماء: إذا سال منصبّا. قال تعالى:
تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ
[المائدة/ ٨٣] ، وأَفَاضَ إناءه: إذا ملأه حتى أساله، وأَفَضْتُهُ. قال: أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ
[الأعراف/ ٥٠] ، ومنه: فَاضَ صدرُهُ بالسّرّ.
أي: سال، ورجل فَيَّاضٌ، أي: سخيّ، ومنه استعير: أَفَاضُوا في الحديث: إذا خاضوا فيه.
قال: لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ [النور/ ١٤] ، هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ
[الأحقاف/ ٨] ، إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس/ ٦١] ، وحديث مُسْتَفِيضٌ: منتشر، والْفَيْضُ: الماء الكثير، يقال: إنه أعطاه غيضا من فيض «٣» ، أي: قليلا من كثير وقوله: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ
[البقرة/ ١٩٨] ، وقوله: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ
[البقرة/ ١٩٩] ، أي:
دفعتم منها بكثرة تشبيها بِفَيْضِ الماء، وأَفَاضَ بالقداح: ضرب بها، وأَفَاضَ البعير بجرّته «٤» :
رمى بها، ودرع مَفَاضَةٌ: أُفِيضَتْ على لابسها كقولهم: درع مسنونة، من: سننت أي: صببت.
فوق
فَوْقُ يستعمل في المكان، والزمان، والجسم، والعدد، والمنزلة، وذلك أضرب:
الأول: باعتبار العلوّ. نحو: وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ
[البقرة/ ٦٣] ، مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ [الزمر/ ١٦] ، وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها [فصلت/ ١٠] ، ويقابله تحت. قال:
قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ [الأنعام/ ٦٥] .
الثاني: باعتبار الصّعود والحدور. نحو قوله:
إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ
[الأحزاب/ ١٠] .
الثالث: يقال في العدد. نحو قوله:
стр. 631
فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ
[النساء/ ١١] .
الرابع: في الكبر والصّغر مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
[البقرة/ ٢٦] . قيل: أشار بقوله فَما فَوْقَها إلى العنكبوت المذكور في الآية، وقيل: معناه ما فوقها في الصّغر، ومن قال: أراد ما دونها فإنما قصد هذا المعنى، وتصوّر بعض أهل اللّغة أنه يعني أنّ فَوْقَ يستعمل بمعنى دون فأخرج ذلك في جملة ما صنّفه من الأضداد «١» ، وهذا توهّم منه.
الخامس: باعتبار الفضيلة الدّنيويّة. نحو:
وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ
[الزخرف/ ٣٢] ، أو الأخرويّة: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
[البقرة/ ٢١٢] ، فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران/ ٥٥] .
السادس: باعتبار القهر والغلبة. نحو قوله:
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ
[الأنعام/ ١٨] ، وقوله عن فرعون: وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ [الأعراف/ ١٢٧] ، ومن فوق، قيل: فَاقَ فلان غيره يَفُوقُ: إذا علاه، وذلك من (فَوْقِ) المستعمل في الفضيلة، ومن فَوْقُ يشتقّ فُوقُ السّهم، وسهم أَفْوَقُ: انكسر فُوقُهُ، والْإِفَاقَةُ:
رجوع الفهم إلى الإنسان بعد السّكر، أو الجنون، والقوّة بعد المرض، والْإِفَاقَةُ في الحلب: رجوع الدّرّ، وكلّ درّة بعد الرّجوع يقال لها: فِيقَةٌ، والْفُوَاقُ: ما بين الحلبتين. وقوله:
ما لَها مِنْ فَواقٍ
[ص/ ١٥] ، أي: من راحة ترجع إليها، وقيل: ما لها من رجوع إلى الدّنيا.
قال أبو عبيدة «٢» : (من قرأ: مِنْ فَواقٍ «٣» بالضمّ فهو من فُوَاقِ الناقة. أي: ما بين الحلبتين، وقيل: هما واحد نحو: جمام وجمام) «٤» . وقيل: اسْتَفِقْ ناقتَكَ، أي: اتركها حتى يَفُوقَ لبنها، وفَوِّقْ فصيلَكَ، أي: اسقه ساعة بعد ساعة، وظلّ يَتَفَوَّقُ المخض، قال الشاعر:
٣٥٩-
حتى إذا فيقة في ضرعها اجتمعت
«٥»
فيل
الفِيلُ معروف. جمعه فِيلَةٌ وفُيُولٌ. قال:
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ
[الفيل/ ١] ، ورجل فَيْلُ الرأي، وفَالُ الرأيِ،
стр. 632
أي: ضعيفه، والمُفَايَلَةُ: لعبة يخبّئون شيئا في التراب ويقسمونه ويقولون في أيّها هو، والْفَائِلُ:
عرق في خربة الورك، أو لحم عليها.
فوم
الفُومُ: الحنطة، وقيل: هي الثّوم، يقال: ثوم وفُومٌ، كقولهم: جدث وجدف «١» . قال تعالى:
وَفُومِها وَعَدَسِها
[البقرة/ ٦١] .
فوه
أَفْوَاهُ جمع فَمٍ، وأصل فَمٍ فَوَهٌ، وكلّ موضع علّق الله تعالى حكم القول بِالْفَمِ فإشارة إلى الكذب، وتنبيه أنّ الاعتقاد لا يطابقه. نحو:
ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ [الأحزاب/ ٤] ، وقوله: كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ [الكهف/ ٥] ، يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ [التوبة/ ٨] ، فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ [إبراهيم/ ٩] ، مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [المائدة/ ٤١] ، يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران/ ١٦٧] ، ومن ذلك: فَوْهَةُ النّهر، كقولهم: فم النّهر، وأَفْوَاهُ الطّيب. الواحد: فُوهٌ.
فيأ
الفَيْءُ والْفَيْئَةُ: الرّجوع إلى حالة محمودة. قال تعالى: حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ
[الحجرات/ ٩] ، وقال: فَإِنْ فاؤُ
[البقرة/ ٢٢٦] ، ومنه: فَاءَ الظّلُّ، والفَيْءُ لا يقال إلّا للرّاجع منه. قال تعالى: يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ
[النحل/ ٤٨] . وقيل للغنيمة التي لا يلحق فيها مشقّة: فَيْءٌ، قال: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ
[الحشر/ ٧] ، وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ [الأحزاب/ ٥٠] ، قال بعضهم: سمّي ذلك بِالْفَيْءِ الذي هو الظّلّ تنبيها أنّ أشرف أعراض الدّنيا يجري مجرى ظلّ زائل، قال الشاعر:
٣٦٠-
أرى المال أَفْيَاءَ الظّلال عشيّة
«٢» وكما قال:
٣٦١-
إنّما الدّنيا كظلّ زائل
«٣» والفِئَةُ: الجماعة المتظاهرة التي يرجع بعضهم إلى بعض في التّعاضد. قال تعالى:
إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا [الأنفال/ ٤٥] ، كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً [البقرة/ ٢٤٩] ، فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا
[آل عمران/ ١٣] ، فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ [النساء/ ٨٨] ، مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ [القصص/ ٨١] ، فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ [الأنفال/ ٤٨] .
تمّ كتاب الفاء بتوفيق الله، ولله الحمد والمنّة.
стр. 633
كتاب القاف
قبح
الْقَبِيحُ: ما ينبو عنه البصر من الأعيان، وما تنبو عنه النّفس من الأعمال والأحوال، وقد قَبُحَ قَبَاحَةً فهو قَبِيحٌ، وقوله تعالى: مِنَ الْمَقْبُوحِينَ
[القصص/ ٤٢] ، أي: من الموسومين بحالة منكرة، وذلك إشارة إلى ما وصف الله تعالى به الكفّار من الرّجاسة والنجاسة إلى غير ذلك من الصّفات، وما وصفهم به يوم القيامة من سواد الوجوه، وزرقة العيون، وسحبهم بالأغلال والسّلاسل ونحو ذلك.
يقال: قَبَحَهُ الله عن الخير، أي: نحّاه، ويقال لعظم الساعد، مما يلي النّصف منه إلى المرفق: قَبِيحٌ «١» .
قبر
القَبْرُ: مقرّ الميّت، ومصدر قَبَرْتُهُ: جعلته في القَبْرِ، وأَقْبَرْتُهُ: جعلت له مكانا يُقْبَرُ فيه. نحو: أسقيته: جعلت له ما يسقى منه. قال تعالى: ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ
[عبس/ ٢١] ، قيل: معناه ألهم كيف يدفن، والْمَقْبَرَةُ والْمِقْبَرَةُ موضع الْقُبُورِ، وجمعها: مَقَابِرُ. قال: حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ [التكاثر/ ٢] ، كناية عن الموت. وقوله: إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ [العاديات/ ٩] ، إشارة إلى حال البعث. وقيل: إشارة إلى حين كشف السّرائر، فإنّ أحوال الإنسان ما دام في الدّنيا مستورة كأنّها مَقْبُورَةٌ، فتكون القبور على طريق الاستعارة، وقيل: معناه إذا زالت الجهالة بالموت، فكأنّ الكافر والجاهل ما دام في الدّنيا فهو مَقْبُورٌ، فإذا مات فقد أنشر وأخرج من قبره.
أي: من جهالته، وذلك حسبما روي: (الإنسان نائم فإذا مات انتبه) «٢» وإلى هذا المعنى أشار بقوله: وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ
[فاطر/ ٢٢] ، أي: الذين هم في حكم الأموات.
стр. 634
قبس
القَبَسُ: المتناول من الشّعلة، قال: أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ [النمل/ ٧] ، والْقَبَسُ والِاقْتِبَاسُ: طلب ذلك، ثم يستعار لطلب العلم والهداية. قال: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ
[الحديد/ ١٣] . وأَقْبَسْتُهُ نارا أو علما: أعطيته، والْقَبِيسُ: فحل سريع الإلقاح تشبيها بالنار في السّرعة.
قبص
القَبْصُ: التّناول بأطراف الأصابع، والمتناول بها يقال له: الْقَبْصُ والْقَبِيصَةُ، ويعبّر عن القليل بِالْقَبِيصِ وقرئ: (فَقَبَصْتُ قَبْصَةً) «١» والقَبُوصُ:
الفرس الذي لا يمسّ في عدوه الأرض إلّا بسنابكه، وذلك استعارة كاستعارة القَبْصِ له في العدو.
قبض
القَبْضُ: تناول الشيء بجميع الكفّ. نحو:
قَبَضَ السّيفَ وغيرَهُ. قال تعالى: فَقَبَضْتُ قَبْضَةً
[طه/ ٩٦] ، فَقَبْضُ اليد على الشيء جمعها بعد تناوله، وقَبْضُهَا عن الشيء جمعها قبل تناوله، وذلك إمساك عنه، ومنه قيل لإمساك اليد عن البذل: قَبْضٌ. قال: يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ
[التوبة/ ٦٧] ، أي: يمتنعون من الإنفاق، ويستعار الْقَبْضُ لتحصيل الشيء وإن لم يكن فيه مراعاة الكفّ، كقولك: قَبَضْتُ الدّار من فلان، أي: حزتها. قال: تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ
[الزمر/ ٦٧] ، أي:
في حوزه حيث لا تمليك لأحد. وقوله: ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً
[الفرقان/ ٤٦] ، فإشارة إلى نسخ الظّلّ الشمس. ويستعار القَبْضُ للعدو، لتصوّر الذي يعدو بصورة المتناول من الأرض شيئا، وقوله: يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ
[البقرة/ ٢٤٥] ، أي: يسلب تارة ويعطي تارة، أو يسلب قوما ويعطي قوما، أو يجمع مرّة ويفرّق أخرى، أو يميت ويحيي، وقد يكنّى بِالْقَبْضِ عن الموت، فيقال: قَبَضَهُ الله، وعلى هذا النّحو قوله ﵊: «ما من آدميّ إلّا وقلبه بين أصبعين من أصابع الرّحمن» «٢» أي: الله قادر على تصريف أشرف جزء منه، فكيف ما دونه، وقيل: راعٍ قُبَضَةٌ: يجمع الإبلَ «٣» ، والِانْقِبَاضُ: جمع الأطراف، ويستعمل في ترك التّبسّط.
стр. 635
قبل
قَبْلُ يستعمل في التّقدّم المتّصل والمنفصل، ويضادّه بعد، وقيل: يستعملان في التّقدّم المتّصل، ويضادّهما دبر ودبر. هذا في الأصل وإن كان قد يتجوّز في كلّ واحد منهما.
(فَقَبْلُ) يستعمل على أوجه:
الأوّل: في المكان بحسب الإضافة، فيقول الخارج من أصبهان إلى مكّة: بغداد قبل الكوفة، ويقول الخارج من مكّة إلى أصبهان: الكوفة قبل بغداد.
الثاني: في الزّمان نحو: زمان عبد الملك قبل المنصور، قال: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ [البقرة/ ٩١] .
الثالث: في المنزلة نحو: عبد الملك قبل الحجّاج.
الرابع: في الترتيب الصّناعيّ. نحو تعلّم الهجاء قبل تعلّم الخطّ، وقوله: ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ [الأنبياء/ ٦] ، وقوله: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها [طه/ ١٣٠] ، قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ [النمل/ ٣٩] ، أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ [الحديد/ ١٦] ، فكلّ إشارة إلى التّقدّم الزّمانيّ. والقُبُلُ والدّبر يكنّى بهما عن السّوأتين، والإِقْبَالُ: التّوجّه نحو الْقُبُلِ، كَالاسْتِقْبَالِ. قال تعالى: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ [الصافات/ ٥٠] ، وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ [يوسف/ ٧١] ، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ [الذاريات/ ٢٩] ، والقَابِلُ: الذي يَسْتَقْبِلُ الدّلو من البئر فيأخذه، والْقَابِلَةُ: التي تَقْبَلُ الولد عند الولادة، وقَبِلْتُ عذره وتوبته وغيره، وتَقَبَّلْتُهُ كذلك. قال:
وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ
[البقرة/ ١٢٣] ، وَقابِلِ التَّوْبِ
[غافر/ ٣] ، وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ [الشورى/ ٢٥] .
والتَّقَبُّلُ: قَبُولُ الشيء على وجه يقتضي ثوابا كالهديّة ونحوها. قال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا
[الأحقاف/ ١٦] ، وقوله: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة/ ٢٧] ، تنبيه أن ليس كل عبادة مُتَقَبَّلَةً، بل إنّما يتقبّل إذا كان على وجه مخصوص. قال تعالى:
إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي [آل عمران/ ٣٥] . وقيل للكفالة: قُبَالَةٌ فإنّ الكفالة هي أوكد تَقَبُّلٍ، وقوله: فَتَقَبَّلْ مِنِّي [آل عمران/ ٣٥] ، فباعتبار معنى الكفالة، وسمّي العهد المكتوب: قُبَالَةً، وقوله:
فَتَقَبَّلَها
[آل عمران/ ٣٧] ، قيل: معناه قبلها، وقيل: معناه تكفّل بها، ويقول الله تعالى:
كلّفتني أعظم كفالة في الحقيقة وإنما قيل:
فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ [آل عمران/ ٣٧] ، ولم يقل بتقبّل للجمع بين الأمرين: التَّقَبُّلِ الذي هو التّرقّي في القَبُولِ، والقَبُولِ الذي يقتضي