قمر
القَمَرُ: قَمَرُ السّماء. يقال عند الامتلاء وذلك بعد الثالثة، قيل: وسمّي بذلك لأنه يَقْمُرُ ضوء الكواكب ويفوز به. قال: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً [يونس/ ٥] ، وقال: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ [يس/ ٣٩] ، وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر/ ١] ، وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها [الشمس/ ٢] ، وقال: كَلَّا وَالْقَمَرِ [المدثر/ ٣٢] . والقَمْرَاءُ: ضوءه، وتَقَمَّرْتُ فلانا: أتيته في القمراء، وقَمَرَتِ القربة: فسدت بالقمراء، وقيل: حمار أَقْمَرُ: إذا كان على لون القمراء، وقَمَرْتُ فلانا: كذا خدعته عنه.
قمص
الْقَمِيصُ معروف، وجمعه قُمُصٌ وأَقْمِصَةٌ وقُمْصَانٌ. قال تعالى: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ [يوسف/ ٢٦] ، وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ [يوسف/ ٢٧] وتَقَمَّصَهُ: لبسه، وقَمَصَ البعير يَقْمُصُ ويَقْمِصُ: إذا نزا، والقُمْاصُ: داء يأخذه فلا يستقرّ به موضعه ومنه (القَامِصَةُ) «١» في الحديث.
قمطر
قوله تعالى: عَبُوساً قَمْطَرِيراً
[الإنسان/ ١٠] أي: شديدا. يقال: قَمْطَرِيرٌ وقَمَاطِيرٌ.
قمع
قال تعالى: وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ
[الحج/ ٢١] جمع مِقْمَعٍ، وهو ما يضرب به ويذلّل، ولذلك يقال: قَمَعْتُهُ فَانْقَمَعَ، أي: كففته فكفّ، والْقَمْعُ والقَمَعُ: ما يصبّ به الشيء فيمنع من أن يسيل. وفي الحديث: «ويل لِأَقْمَاعِ القول» «٢» أي: الذين يجعلون آذانهم كالأقماع فيتّبعون أحاديث الناس، والقَمَعُ: الذّباب الأزرق لكونه مَقْمُوعاً، وتَقَمَّعَ الحمار: إذا ذبّ القَمَعَةُ عن نفسه.
قمل
القُمَّلُ: صغار الذّباب. قال تعالى:
وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ
[الأعراف/ ١٣٣] . والْقَمْلُ معروف، ورجل قَمِلٌ: وقع فيه القَمْلُ، ومنه قيل: رجل قَمِلٌ، وامرأة قَمِلَةٌ:
صغيرة قبيحة كأنّها قَمْلَةٌ أو قُمَّلَةٌ.
قنت
القُنُوتُ: لزوم الطّاعة مع الخضوع، وفسّر
стр. 667
بكلّ واحد منهما في قوله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ
[البقرة/ ٢٣٨] ، وقوله تعالى: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ
[الروم/ ٢٦] قيل: خاضعون، وقيل:
طائعون، وقيل: ساكتون ولم يعن به كلّ السّكوت، وإنما عني به ما قال ﵊: «إنّ هذه الصّلاة لا يصحّ فيها شيء من كلام الآدميّين، إنّما هي قرآن وتسبيح» «١» ، وعلى هذا قيل: أيّ الصلاة أفضل؟ فقال: «طول القُنُوتِ» «٢» أي: الاشتغال بالعبادة ورفض كلّ ما سواه. وقال تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً
[النحل/ ١٢٠] ، وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ [التحريم/ ١٢] ، أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً [الزمر/ ٩] ، اقْنُتِي لِرَبِّكِ
[آل عمران/ ٤٣] ، وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ
[الأحزاب/ ٣١] ، وقال: وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ
[الأحزاب/ ٣٥] ، فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ [النساء/ ٣٤] .
قنط
القُنُوطُ: اليأس من الخير. يقال: قَنَطَ يَقْنِطُ قُنُوطاً، وقَنِطَ يَقْنَطُ «٣» . قال تعالى: فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ
[الحجر/ ٥٥] ، قال: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ
[الحجر/ ٥٦] ، وقال: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
[الزمر/ ٥٣] ، وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ
[فصلت/ ٤٩] ، إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ
[الروم/ ٣٦] .
قنع
القَنَاعَةُ: الاجتزاء باليسير من الأعراض المحتاج إليها. يقال: قَنِعَ يَقْنَعُ قَنَاعَةً وقَنَعَاناً:
إذا رضي، وقَنَعَ يَقْنَعُ قُنُوعاً: إذا سأل «٤» . قال تعالى: وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ
[الحج/ ٣٦] . قال بعضهم «٥» : الْقَانِعُ هو السّائل الذي لا يلحّ في السّؤال، ويرضى بما يأتيه عفوا، قال الشاعر:
стр. 668
٣٧٢-
لمال المرء يصلحه فيغني ... مفاقره أعفّ من الْ قَنُو عِ
«١» وأَقْنَعَ رأسه: رفعه. قال تعالى: مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ
[إبراهيم/ ٤٣] وقال بعضهم: أصل هذه الكلمة من الْقِنَاعِ، وهو ما يغطّى به الرّأس، فَقَنِعَ، أي: لبس القِنَاعَ ساترا لفقره كقولهم:
خفي، أي: لبس الخفاء، وقَنَعَ: إذا رفع قِنَاعَهُ كاشفا رأسه بالسّؤال نحو خفى إذا رفع الخفاء، ومن الْقَنَاعَةِ قولهم: رجل مَقْنَعٌ يُقْنَعُ به، وجمعه:
مَقَانِعُ. قال الشاعر:
٣٧٣-
شهودي على ليلى عدول مقانع
«٢» ومن القِنَاعِ قيل: تَقَنَّعَتِ المرأة، وتَقَنَّعَ الرّجل: إذا لبس المغفر تشبيها بِتَقَنُّعِ المرأة، وقَنَّعْتُ رأسه بالسّيف والسّوط.
قنى
قوله تعالى: أَغْنى وَأَقْنى
[النجم/ ٤٨] أي: أعطى ما فيه الغنى وما فيه الْقِنْيَةُ، أي:
المال المدّخر، وقيل: «أَقْنَى» : أرضى. وتحقيق ذلك أنه جعل له قِنْيَةً من الرّضا والطّاعة، وذلك أعظم الغناءين، وجمع القِنْيَةِ: قِنْيَاتٌ، وقَنَيْتُ كذا واقْتَنَيْتُهُ ومنه:
٣٧٤-
قَنِيتُ حيائي عفّة وتكرّما
«٣»
قنو
القِنْوُ: العذق، وتثنيته: قِنْوَانِ، وجمعه قِنْوَانٌ «٤» . قال تعالى: قِنْوانٌ دانِيَةٌ
[الأنعام/ ٩٩] والقَنَاةُ تشبه الْقِنْوَ في كونهما غصنين، وأمّا الْقَنَاةُ التي يجري فيها الماء فإنما قيل ذلك تشبيها بِالْقَنَاةِ في الخطّ والامتداد، وقيل: أصله من قنيت الشيء: ادّخرته، لأنّ القَنَاةَ مدّخرة للماء، وقيل: هو من قولهم قَانَاهُ، أي: خالطه، قال الشاعر:
стр. 669
٣٧٥-
كبكر المُقَانَاةِ البياض بصفرة
«١» وأما القَنَا الذي هو الاحديداب في الأنف فتشبيه في الهيئة بالقنا. يقال: رجل أَقْنَى، وامرأة قَنْوَاءُ.
قهر
القَهْرُ: الغلبة والتّذليل معا، ويستعمل في كلّ واحد منهما. قال تعالى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ
[الأنعام/ ١٨] ، وقال: وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
[الرعد/ ١٦] ، فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ
[الأعراف/ ١٢٧] ، فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ
[الضحى/ ٩] أي: لا تذلل، وأَقْهَرَهُ: سلّط عليه من يقهره، والْقَهْقَرَى: المشي إلى خلف.
قاب
القَابُ: ما بين المقبض والسّية من ال قوس .
قال تعالى: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
[النجم/ ٩] .
قوت
الْقُوتُ: ما يمسك الرّمق، وجمعه: أَقْوَاتٌ.
قال تعالى: وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها [فصلت/ ١٠] وقَاتَهُ يَقُوتُهُ قُوتاً: أطعمه قوته، وأَقَاتَهُ يُقِيتُهُ:
جعل له ما يَقُوتُهُ، وفي الحديث: «إنّ أكبر الكبائر أن يضيّع الرّجل من يقوت» «٢» ، ويروى: «من يقيت» . قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً
[النساء/ ٨٥] قيل: مقتدرا. وقيل:
حافظا. وقيل: شاهدا، وحقيقته: قائما عليه يحفظه ويقيته. ويقال: ما له قُوتُ ليلة، وقِيتُ ليلة، وقِيتَةُ ليلة، نحو الطعم والطّعمة، قال الشاعر في صفة نار:
٣٧٦-
فقلت له ارفعها إليك وأحيها ... بروحك واقْتَتْهُ لها قِيتَةً قدرا
«٣»
قوس
القَوْسُ: ما يرمى عنه. قال تعالى: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
[النجم/ ٩] ، وتصوّر منها هيئتها، فقيل للانحناء: التَّقَوُّسُ، وقَوَّسَ الشّيخ وتَقَوَّسَ: إذا انحنى، وقَوَّسْتُ الخطّ فهو مُقَوَّسٌ، والْمِقْوَسُ: المكان الذي يجري منه القوس، وأصله: الحبل الذي يمدّ على هيئة قوس، فيرسل الخيل من خلفه.
قيض
قال تعالى: وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ
[فصلت/ ٢٥] ، وقوله: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً
[الزخرف/ ٣٦] أي: نُتِحْ،
стр. 670
ليستولي عليه استيلاء القيض على البيض، وهو القشر الأعلى.
قيع
قول ه تعالى: كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ
[النور/ ٣٩] . والقِيعُ والْقَاعُ: المستوي من الأرض، جمعه قِيعَانٌ، وتصغيره: قُوَيْعٌ، واستعير منه: قَاعَ الفحل الناقة: إذا ضربها.
قول
القَوْلُ والقِيلُ واحد. قال تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا
[النساء/ ١٢٢] ، والقَوْلُ يستعمل على أوجه:
أظهرها أن يكون للمركّب من الحروف المبرز بالنّطق، مفردا كان أو جملة، فالمفرد كقولك:
زيد، وخرج. والمركّب، زيد منطلق، وهل خرج عمرو، ونحو ذلك، وقد يستعمل الجزء الواحد من الأنواع الثلاثة أعني: الاسم والفعل والأداة قَوْلًا، كما قد تسمّى القصيدة والخطبة ونحوهما قَوْلًا.
الثاني: يقال للمتصوّر في النّفس قبل الإبراز باللفظ: قَوْلٌ، فيقال: في نفسي قول لم أظهره. قال تعالى: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ
[المجادلة/ ٨] . فجعل ما في اعتقادهم قولا.
الثالث: للاعتقاد نحو فلان يقول بقول أبي حنيفة.
الرابع: يقال للدّلالة على الشيء نحو قول الشاعر:
٣٧٧-
امتلأ الحوض وقَالَ قطني
«١» الخامس: يقال للعناية الصادقة بالشيء، كقولك: فلان يَقُولُ بكذا.
السادس: يستعمله المنطقيّون دون غيرهم في معنى الحدّ، فيقولون: قَوْلُ الجوهر كذا، وقَوْلُ العرض كذا، أي: حدّهما.
السابع: في الإلهام نحو: قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ
[الكهف/ ٨٦] فإنّ ذلك لم يكن بخطاب ورد عليه فيما روي وذكر، بل كان ذلك إلهاما فسماه قولا. وقيل في قوله: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
[فصلت/ ١١] إنّ ذلك كان بتسخير من الله تعالى لا بخطاب ظاهر ورد عليهما، وكذا قوله تعالى: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً
[الأنبياء/ ٦٩] ، وقوله: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران/ ١٦٧] فذكر أفواههم تنبيها على أن ذلك كذب مقول، لا عن صحّة اعتقاد كما ذكر في الكتابة باليد «٢» ، فقال
стр. 671
تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
[البقرة/ ٧٩] ، وقوله: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[يس/ ٧] أي: علم الله تعالى بهم وكلمته عليهم كما قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ [الأعراف/ ١٣٧] وقوله: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ [يونس/ ٩٦] وقوله: ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ [مريم/ ٣٤] فإنما سمّاه قول الحقّ تنبيها على ما قال: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ [آل عمران/ ٥٩] «١» إلى قوله: ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
وتسميته قولا كتسميته كلمة في قوله: وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ [النساء/ ١٧١] وقوله: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ
[الذاريات/ ٨] أي: لفي أمر من البعث، فسمّاه قولا، فإنّ الْمَقُولَ فيه يسمّى قولا، كما أنّ المذكور يسمّى ذكرا وقوله: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ [الحاقة/ ٤٠- ٤١] فقد نسب القول إلى الرّسول، وذلك أنّ القول الصادر إليك عن الرّسول يبلّغه إليك عن مرسل له، فيصحّ أن تنسبه تارة إلى الرّسول، وتارة إلى المرسل، وكلاهما صحيح. فإن قيل: فهل يصحّ على هذا أن ينسب الشّعر والخطبة إلى راويهما كما تنسبهما إلى صانعهما؟ قيل: يصحّ أن يقال للشّعر: هو قَوْلُ الراوي. ولا يصحّ أن يقال هو:
شعره وخطبته، لأنّ الشّعر يقع على القول إذا كان على صورة مخصوصة، وتلك الصّورة ليس للرّاوي فيها شيء. والقول هو قول الرّاوي كما هو قول المرويّ عنه. وقوله تعالى: إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
[البقرة/ ١٥٦] لم يرد به القول المنطقيّ فقط بل أراد ذلك إذا كان معه اعتقاد وعمل. ويقال للّسان: الْمِقْوَلُ، ورجل مِقْوَلٌ: منطيق، وقَوَّالٌ وقَوَّالَةٌ كذلك. والْقَيْلُ: الملك من ملوك حمير سمّوه بذلك لكونه معتمدا على قوله ومقتدى به، ولكونه مُتَقَيِّلًا لأبيه. ويقال: تَقَيَّلَ فلان أباه، وعلى هذا النّحو سمّوا الملك بعد الملك تبّعا، وأصله من الواو، لقولهم في جمعه: أَقْوَالٌ نحو:
ميت وأموات، والأصل قَيِّلٌ نحو: ميْت، أصله:
ميّت فخفّف. وإذا قيل: أَقْيَالٌ فذلك نحو:
أعياد، وتقيّل أباه نحو: تعبّد، واقْتَالَ قَوْلًا: قال ما اجترّ به إلى نفسه خيرا أو شرّا. ويقال ذلك في معنى احتكم قال الشاعر:
٣٧٨-
تأبى حكومة الْمُقْتَالُ
«٢» والقَالُ والقَالَةُ: ما ينشر من القول. قال
стр. 672
الخليل: يوضع القَالُ موضع القَائِلِ «١» . فيقال:
أنا قَالُ كذا، أي: قَائِلُهُ.
قيل
قوله تعالى: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
[الفرقان/ ٢٤] مصدر:
قِلْتُ قَيْلُولَةً: نمت نصف النهار، أو موضع القيلولة، وقد يقال: قِلْتُهُ في البيع قِيلًا وأَقَلْتُهُ، وتَقَايَلَا بعد ما تبايعا.
قوم
يقال: قَامَ يَقُومُ قِياماً، فهو قَائِمٌ، وجمعه:
قِيامٌ، وأَقَامَهُ غيره. وأَقَامَ بالمكان إِقَامَةً، والْقِيَامُ على أضرب: قيام بالشّخص، إمّا بتسخير أو اختيار، وقيام للشيء هو المراعاة للشيء والحفظ له، وقيام هو على العزم على الشيء، فمن القِيَامِ بالتّسخير قوله تعالى: مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ [هود/ ١٠٠] ، وقوله: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها [الحشر/ ٥] ، ومن القِيَامِ الذي هو بالاختيار قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً [الزمر/ ٩] . وقوله: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ [آل عمران/ ١٩١] ، وقوله: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ
[النساء/ ٣٤] ، وقوله: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً [الفرقان/ ٦٤] . والقِيَامُ في الآيتين جمع قائم. ومن المراعاة للشيء قوله:
كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ
[المائدة/ ٨] ، قائِماً بِالْقِسْطِ [آل عمران/ ١٨] ، وقوله: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [الرعد/ ٣٣] أي: حافظ لها. وقوله تعالى: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ [آل عمران/ ١١٣] ، وقوله: إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً [آل عمران/ ٧٥] أي: ثابتا على طلبه. ومن القِيَامِ الذي هو العزم قوله:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ
[المائدة/ ٦] ، وقوله: يُقِيمُونَ الصَّلاةَ
[المائدة/ ٥٥] أي: يديمون فعلها ويحافظون عليها. والقِيَامُ والقِوَامُ: اسم لما يقوم به الشيء.
أي: يثبت، كالعماد والسّناد: لما يعمد ويسند به، كقوله: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي
стр. 673
جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً [النساء/ ٥] ، أي:
جعلها ممّا يمسككم. وقوله: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ [المائدة/ ٩٧] أي: قِوَاما لهم يقوم به معاشهم ومعادهم.
قال الأصمّ: قائما لا ينسخ، وقرئ:
قيما «١» بمعنى قياما، وليس قول من قال:
جمع قيمة بشيء. ويقال: قَامَ كذا، وثبت، وركز بمعنى. وقوله: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى
[البقرة/ ١٢٥] ، وقَامَ فلان مَقَامَ فلان: إذا ناب عنه. قال: فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ
[المائدة/ ١٠٧] . وقوله: دِيناً قِيَماً
[الأنعام/ ١٦١] ، أي: ثابتا مُقَوِّماً لأمور معاشهم ومعادهم. وقرئ: قيما «٢» مخفّفا من قيام. وقيل: هو وصف، نحو:
قوم عدى، ومكان سوى، ولحم زيم «٣» ، وماء روى، وعلى هذا قوله تعالى: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
[يوسف/ ٤٠] ، وقوله: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً [الكهف/ ١- ٢] ، وقوله: وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ
[البينة/ ٥] فَالْقَيِّمَةُ هاهنا اسم للأمّة القائمة بالقسط المشار إليهم بقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران/ ١١٠] ، وقوله: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ [النساء/ ١٣٥] ، يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة/ ٢- ٣] فقد أشار بقوله: صُحُفاً مُطَهَّرَةً إلى القرآن، وبقوله: كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة/ ٣] إلى ما فيه من معاني كتب الله تعالى، فإنّ القرآن مجمع ثمرة كتب الله تعالى المتقدّمة. وقوله: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
[البقرة/ ٢٥٥] أي:
القائم الحافظ لكلّ شيء، والمعطى له ما به قِوَامُهُ، وذلك هو المعنى المذكور في قوله:
الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه/ ٥٠] ، وفي قوله: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [الرعد/ ٣٣] . وبناء قَيُّومٍ:
فيعول، وقَيَّامٌ: فيعال. نحو: ديّون وديّان، والقِيامَةُ: عبارة عن قيام الساعة المذكور في قوله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ
[الروم/ ١٢] ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [المطففين/ ٦] ، وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً [الكهف/ ٣٦] ، والْقِيَامَةُ أصلها ما يكون من الإنسان من القيام دُفْعَةً واحدة، أدخل فيها الهاء تنبيها على وقوعها دُفْعَة، والمَقامُ يكون مصدرا، واسم مكان القيام، وزمانه. نحو: إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي [يونس/ ٧١] ،
стр. 674
ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ [إبراهيم/ ١٤] ، وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ [الرحمن/ ٤٦] ، وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة/ ١٢٥] ، فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ [آل عمران/ ٩٧] ، وقوله: وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ [الدخان/ ٢٦] ، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ [الدخان/ ٥١] ، خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [مريم/ ٧٣] ، وقال: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [الصافات/ ١٦٤] ، وقال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ [النمل/ ٣٩] قال الأخفش: في قوله قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ [النمل/ ٣٩] : إنّ المَقَامَ المقعد، فهذا إن أراد أنّ المقام والمقعد بالذّات شيء واحد، وإنما يختلفان بنسبته إلى الفاعل كالصّعود والحدور فصحيح، وإن أراد أنّ معنى المقام معنى المقعد فذلك بعيد، فإنه يسمى المكان الواحد مرّة مقاما إذا اعتبر بقيامه، ومقعدا إذا اعتبر بقعوده، وقيل: المَقَامَةُ: الجماعة، قال الشاعر: ٣٧٩-
وفيهم مَقَامَاتٌ حسان وجوههم
«١» وإنما ذلك في الحقيقة اسم للمكان وإن جعل اسما لأصحابه. نحو قول الشاعر:
٣٨٠-
واستبّ بعدك يا كليب المجلس
«٢» فسمّى المستبّين المجلس. والاسْتِقَامَةُ يقال في الطريق الذي يكون على خطّ مستو، وبه شبّه طريق المحقّ. نحو: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
[الفاتحة/ ٦] ، وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً [الأنعام/ ١٥٣] ، إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود/ ٥٦] . واسْتِقَامَةُ الإنسان: لزومه المنهج المستقيم. نحو قوله:
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا
[فصلت/ ٣٠] وقال: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
[هود/ ١١٢] ، فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ
[فصلت/ ٦] والْإِقَامَةُ في المكان: الثبات. وإِقَامَةُ الشيء:
توفية حقّه، وقال: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
[المائدة/ ٦٨] أي: توفّون حقوقهما بالعلم والعمل، وكذلك قوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
стр. 675
[المائدة/ ٦٦] ولم يأمر تعالى بالصلاة حيثما أمر، ولا مدح بها حيثما مدح إلّا بلفظ الإقامة، تنبيها أنّ المقصود منها توفية شرائطها لا الإتيان بهيئاتها، نحو: أَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة/ ٤٣] ، في غير موضع وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [النساء/ ١٦٢] .
وقوله: وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى
[النساء/ ١٤٢] فإنّ هذا من القيام لا من الإقامة، وأمّا قوله: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ [إبراهيم/ ٤٠] أي: وفّقني لتوفية شرائطها، وقوله: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ [التوبة/ ١١] فقد قيل: عني به إقامتها بالإقرار بوجوبها لا بأدائها، والمُقَامُ يقال للمصدر، والمكان، والزّمان، والمفعول، لكن الوارد في القرآن هو المصدر نحو قوله: إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً
[الفرقان/ ٦٦] ، والمُقَامةُ:
الإقامة، قال: الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ [فاطر/ ٣٥] نحو: دارُ الْخُلْدِ [فصلت/ ٢٨] ، وجَنَّاتِ عَدْنٍ [التوبة/ ٧٢] وقوله: لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا
[الأحزاب/ ١٣] ، من قام، أي: لا مستقرّ لكم، وقد قرئ:
لا مُقامَ لَكُمْ
«١» من: أَقَامَ. ويعبّر بالإقامة عن الدوام. نحو: عَذابٌ مُقِيمٌ
[هود/ ٣٩] ، وقرئ: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ «٢» [الدخان/ ٥١] ، أي: في مكان تدوم إقامتهم فيه، وتَ قْوِي مُ الشيء: تثقيفه، قال: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين/ ٤] وذلك إشارة إلى ما خصّ به الإنسان من بين الحيوان من العقل والفهم، وانتصاب القامة الدّالّة على استيلائه على كلّ ما في هذا العالم، وتَقْوِيمُ السّلعة: بيان قيمتها. والقَوْمُ: جماعة الرّجال في الأصل دون النّساء، ولذلك قال: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ الآية [الحجرات/ ١١] ، قال الشاعر:
٣٨١-
أقوم آل حصن أم نساء
«٣» وفي عامّة القرآن أريدوا به والنّساء جميعا، وحقيقته للرّجال لما نبّه عليه قوله: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ الآية [النساء/ ٣٤] .
قوى
القُوَّةُ تستعمل تارة في معنى القدرة نحو قوله
стр. 676
تعالى: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ [البقرة/ ٦٣] ، وتارة للتهيّؤ الموجود في الشيء، نحو أن يقال: النّوى بِالْقُوَّةِ نخل «١» ، أي: متهيّأ ومترشّح أن يكون منه ذلك. ويستعمل ذلك في البدن تارة، وفي القلب أخرى، وفي المعاون من خارج تارة، وفي القدرة الإلهيّة تارة. ففي البدن نحو قوله: وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً
[فصلت/ ١٥] ، فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ [الكهف/ ٩٥] فالقوّة هاهنا قوّة البدن بدلالة أنه رغب عن القوّة الخارجة، فقال: ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ [الكهف/ ٩٥] ، وفي القلب نحو قوله: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ
[مريم/ ١٢] أي:
بقوّة قلب. وفي المعاون من خارج نحو قوله:
لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً
[هود/ ٨٠] قيل: معناه:
من أَتَقَوَّى به من الجند، وما أتقوّى به من المال، ونحو قوله: قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ [النمل/ ٣٣] ، وفي القدرة الإلهيّة نحو قوله: إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ
[المجادلة/ ٢١] ، وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً [الأحزاب/ ٢٥] وقوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات/ ٥٨] فعامّ فيما اختصّ الله تعالى به من القدرة وما جعله للخلق. وقوله: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ
[هود/ ٥٢] فقد ضمن تعالى أن يعطي كلّ واحد منهم من أنواع الْقُوَى قدر ما يستحقّه، وقوله: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ
[التكوير/ ٢٠] يعني به جبريل ﵇، ووصفه بالقوّة عند ذي العرش، وأفرد اللّفظ ونكّره فقال: ذِي قُوَّةٍ تنبيها أنه إذا اعتبر بالملإ الأعلى فقوّته إلى حدّ ما، وقوله فيه:
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى
[النجم/ ٥] فإنه وصف القوّة بلفظ الجمع، وعرّفها تعريف الجنس تنبيها أنه إذا اعتبر بهذا العالم، وبالذين يعلّمهم ويفيدهم هو كثير القوى عظيم القدرة. والْقُوَّةُ التي تستعمل للتّهيّؤ أكثر من يستعملها الفلاسفة، ويقولونها على وجهين: أحدهما: أن يقال لما كان موجودا ولكن ليس يستعمل، فيقال: فلان كاتب بالقوّة. أي: معه المعرفة بالكتابة لكنه ليس يستعمل، والثاني: يقال فلان كاتب بالقوّة، وليس يعنى به أنّ معه العلم بالكتابة، ولكن معناه: يمكنه أن يتعلّم الكتابة. وسمّيت المفازة قِوَاءً، وأَقْوَى الرّجل: صار في قِوَاءٍ «٢» ، أي: قفر، وتصوّر من حال الحاصل في القفر الفقر، فقيل: أَقْوَى فلان، أي: افتقر، كقولهم: أرمل وأترب. قال الله تعالى: وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
[الواقعة/ ٧٣] .
تمّ كتاب القاف
стр. 677
كتاب الكاف
كب
الْكَبُّ: إسقاط الشيء على وجهه. قال : فَ كُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ
[النمل/ ٩٠] . والإِكْبَابُ: جعل وجهه مَكْبُوباً على العمل. قال تعالى: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى
[الملك/ ٢٢] والكَبْكَبَةُ: تدهور الشيء في هوّة. قال: فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ
[الشعراء/ ٩٤] . يقال كَبَّ وكَبْكَبَ، نحو: كفّ وكفكف، وصرّ الرّيح وصرصر.
والكَوَاكِبُ: النّجوم البادية، ولا يقال لها كواكب إلّا إذا بدت. قال تعالى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً [الأنعام/ ٧٦] ، وقال: كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ [النور/ ٣٥] ، إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ [الصافات/ ٦] ، وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ [الانفطار/ ٢] ويقال: ذهبوا تحت كلّ كوكب «١» : إذا تفرّقوا، وكَوْكَبُ العسكرِ: ما يلمع فيها من الحديد.
كبت
الْكَبْتُ: الرّدّ بعنف وتذليل. قال تعالى:
كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
[المجادلة/ ٥] ، وقال: لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ
[آل عمران/ ١٢٧] .
كبد
الْكَبِدُ معروفة، والْكَبَدُ والْكُبَادُ توجّعها، والْكَبْدُ إصابتها، ويقال: كَبِدْتُ الرجل: إذا أصبتَ كَبِدَهُ، وكَبِدُ السّماء: وسطها تشبيها بكبد الإنسان لكونها في وسط البدن. وقيل: تَكَبَّدَتِ الشمس: صارت في كبد السّماء، والْكَبَدُ:
المشقّة. قال تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ [البلد/ ٤] تنبيها أنّ الإنسان خلقه الله تعالى على حالة لا ينفكّ من المشاقّ ما لم يقتحم العقبة ويستقرّ به القرار، كما قال:
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق/ ١٩] .
стр. 678
كبر
الْكَبِيرُ والصّغير من الأسماء المتضايفة التي تقال عند اعتبار بعضها ببعض، فالشيء قد يكون صغيرا في جنب شيء، وكبيرا في جنب غيره، ويستعملان في الكمّيّة المتّصلة كالأجسام، وذلك كالكثير والقليل، وفي الكمّيّة المنفصلة كالعدد، وربما يتعاقب الكثير والكبير على شيء واحد بنظرين مختلفين نحو: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ [البقرة/ ٢١٩] و: كثير «١» قرئ بهما. وأصل ذلك أن يستعمل في الأعيان، ثم استعير للمعاني نحو قوله: لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها
[الكهف/ ٤٩] ، وقوله:
وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ
[سبأ/ ٣] ، وقوله: يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ
[التوبة/ ٣] إنما وصفه بالأكبر تنبيها أنّ العمرة هي الحجّة الصّغرى كما قال ﷺ : «العمرة هي الحجّ الأصغر» «٢» فمن ذلك ما اعتبر فيه الزمان، فيقال: فلان كَبِيرٌ، أي: مسنّ. نحو قوله: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما
[الإسراء/ ٢٣] ، وقال: وَأَصابَهُ الْكِبَرُ [البقرة/ ٢٦٦] ، وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ [آل عمران/ ٤٠] ، ومنه ما اعتبر فيه المنزلة والرّفعة نحو: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
[الأنعام/ ١٩] ، ونحو: الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ
[الرعد/ ٩] ، وقوله: فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ [الأنبياء/ ٥٨] فسماه كبيرا بحسب اعتقادهم فيه لا لقدر ورفعة له على الحقيقة، وعلى ذلك قوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [الأنبياء/ ٦٣] ، وقوله: وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها
[الأنعام/ ١٢٣] أي:
رؤساءها وقوله: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ [طه/ ٧١] أي: رئيسكم. ومن هذا النّحو يقال: ورثه كَابِراً عن كابر، أي: أبا كبير القدر عن أب مثله. والْكَبِيرَةُ متعارفة في كلّ ذنب تعظم عقوبته، والجمع: الْكَبَائِرُ. قال: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم/ ٣٢] ، وقال: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [النساء/ ٣١] قيل: أريد به الشّرك لقوله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان/ ١٣] . وقيل: هي الشّرك وسائر المعاصي الموبقة، كالزّنا وقتل النّفس المحرّمة، ولذلك قال: إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً [الإسراء/ ٣١] ، وقال: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [البقرة/ ٢١٩] .
وتستعمل الكبيرة فيما يشقّ ويصعب نحو:
وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [البقرة/
стр. 679
٤٥] ، وقال: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ
[الشورى/ ١٣] ، وقال: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ [الأنعام/ ٣٥] ، وقوله:
كَبُرَتْ كَلِمَةً [الكهف/ ٥] ففيه تنبيه على عظم ذلك من بين الذّنوب وعظم عقوبته.
ولذلك قال: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ [الصف/ ٣] ، وقوله: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ
[النور/ ١١] إشارة إلى من أوقع حديث الإفك. وتنبيها أنّ كلّ من سنّ سنّة قبيحة يصير مقتدى به فذنبه أكبر.
وقوله: إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ [غافر/ ٥٦] ، أي تكبّر. وقيل: أمر كَبِيرٌ من السّنّ، كقوله:
وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ [النور/ ١١] ، والْكِبْرُ والتَّكَبُّرُ والِاسْتِكْبَارُ تتقارب، فالكبر الحالة التي يتخصّص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وذلك أن يرى الإنسان نفسه أكبر من غيره. وأعظم التّكبّر التّكبّر على الله بالامتناع من قبول الحقّ والإذعان له بالعبادة. والاسْتِكْبارُ يقال على وجهين:
أحدهما: أن يتحرّى الإنسان ويطلب أن يصير كبيرا، وذلك متى كان على ما يجب، وفي المكان الذي يجب، وفي الوقت الذي يجب فمحمود.
والثاني: أن يتشبّع فيظهر من نفسه ما ليس له، وهذا هو المذموم، وعلى هذا ما ورد في القرآن. وهو ما قال تعالى: أَبى وَاسْتَكْبَرَ
[البقرة/ ٣٤] . وقال تعالى: أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ [البقرة/ ٨٧] ، وقال: وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً [نوح/ ٧] ، اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ [فاطر/ ٤٣] ، فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ [فصلت/ ١٥] ، تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ
[الأحقاف/ ٢٠] ، وقال: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ [الأعراف/ ٤٠] ، قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ [الأعراف/ ٤٨] ، وقوله:
فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا [غافر/ ٤٧] قابل المستكبرين بالضّعفاء تنبيها أنّ استكبارهم كان بما لهم من القوّة من البدن والمال. وقال تعالى: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا [الأعراف/ ٧٥] فقابل المستكبرين بالمستضعفين فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ [الأعراف/ ١٣٣] نبّه بقوله:
فَاسْتَكْبَرُوا
على تكبّرهم وإعجابهم بأنفسهم وتعظّمهم عن الإصغاء إليه، ونبّه بقوله: وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ [الأعراف/ ١٣٣] أنّ الذي حملهم على ذلك هو ما تقدّم من جرمهم، وأنّ ذلك لم يكن شيئا حدث منهم بل كان ذلك دأبهم قبل. وقال تعالى: فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ [النحل/ ٢٢] ،
стр. 680
وقال بعده: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ [النحل/ ٢٣] . والتَّكَبُّرُ يقال على وجهين:
أحدهما: أن تكون الأفعال الحسنة كثيرة في الحقيقة وزائدة على محاسن غيره، وعلى هذا وصف الله تعالى بالتّكبّر. قال: الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ
[الحشر/ ٢٣] .
والثاني: أن يكون متكلّفا لذلك متشبّعا، وذلك في وصف عامّة الناس نحو قوله: فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ
[الزمر/ ٧٢] ، وقوله:
كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [غافر/ ٣٥] ومن وصف بالتّكبّر على الوجه الأوّل فمحمود، ومن وصف به على الوجه الثاني فمذموم، ويدلّ على أنه قد يصحّ أن يوصف الإنسان بذلك ولا يكون مذموما، وقوله:
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعراف/ ١٤٦] فجعل متكبّرين بغير الحقّ، وقال: عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [غافر/ ٣٥] بإضافة القلب إلى المتكبّر.
ومن قرأ: بالتّنوين «١» جعل المتكبّر صفة للقلب، والْكِبْريَاءُ: الترفع عن الانقياد، وذلك لا يستحقه غير الله، فقال: وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[الجاثية/ ٣٧] ولما قلنا روي عنه ﷺ يقول عن الله تعالى: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما قصمته» «٢» ، وقال تعالى: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ [يونس/ ٨٧] ، وأكْبَرْتُ الشيء:
رأيته كَبِيراً. قال تعالى: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ
[يوسف/ ٣١] . والتَّكْبِيرُ يقال لذلك، ولتعظيم الله تعالى بقولهم: الله أَكْبَرُ، ولعبادته واستشعار تعظيمه، وعلى ذلك: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ
[البقرة/ ١٨٥] ، وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً
[الإسراء/ ١١١] ، وقوله: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [غافر/ ٥٧] فهي إشارة إلى ما خصّهما الله تعالى به من عجائب صنعه، وحكمته التي لا يعلمها إلّا قليل ممّن وصفهم بقوله: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [آل عمران/ ١٩١] فأمّا عظم جثّتهما فأكثرهم يعلمونه. وقوله: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى
[الدخان/ ١٦] فتنبيه أنّ كلّ ما ينال الكافر من العذاب قبل ذلك في الدّنيا وفي البرزخ صغير في جنب عذاب ذلك اليوم.
والْكُبَارُ أبلغ من الْكَبِيرُ، والْكُبَّارُ أبلغ من ذلك.
قال تعالى: وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً
[نوح/ ٢٢] .
стр. 681
كتب
الْكَتْبُ: ضمّ أديم إلى أديم بالخياطة، يقال: كَتَبْتُ السّقاء، وكَتَبْتُ البغلة: جمعت بين شفريها بحلقة، وفي التّعارف ضمّ الحروف بعضها إلى بعض بالخطّ، وقد يقال ذلك للمضموم بعضها إلى بعض باللّفظ، فالأصل في الْكِتَابَةِ: النّظم بالخطّ لكن يستعار كلّ واحد للآخر، ولهذا سمّي كلام الله- وإن لم يُكْتَبْ- كِتَاباً كقوله: الم ذلِكَ الْكِتابُ
[البقرة/ ١- ٢] ، وقوله: قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ [مريم/ ٣٠] . والكِتاب في الأصل مصدر، ثم سمّي المكتوب فيه كتابا، والْكِتَابُ في الأصل اسم للصّحيفة مع المكتوب فيه، وفي قوله: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ
[النساء/ ١٥٣] فإنّه يعني صحيفة فيها كِتَابَةٌ، ولهذا قال: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ الآية [الأنعام/ ٧] . ويعبّر عن الإثبات والتّقدير والإيجاب والفرض والعزم بِالْكِتَابَةِ، ووجه ذلك أن الشيء يراد، ثم يقال، ثم يُكْتَبُ، فالإرادة مبدأ، والكِتَابَةُ منتهى. ثم يعبّر عن المراد الذي هو المبدأ إذا أريد توكيده بالكتابة التي هي المنتهى، قال: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي
[المجادلة/ ٢١] ، وقال تعالى: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا [التوبة/ ٥١] ، لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ [آل عمران/ ١٥٤] ، وقال: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ
[الأنفال/ ٧٥] أي: في حكمه، وقوله: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
[المائدة/ ٤٥] أي: أوجبنا وفرضنا، وكذلك قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [البقرة/ ١٨٠] ، وقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [البقرة/ ١٨٣] ، لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ [النساء/ ٧٧] ، ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ [الحديد/ ٢٧] ، لَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ [الحشر/ ٣] أي: لولا أن أوجب الله عليهم الإخلاء لديارهم، ويعبّر بالكتابة عن القضاء الممضى، وما يصير في حكم الممضى، وعلى هذا حمل قوله: بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ
[الزخرف/ ٨٠] قيل: ذلك مثل قوله:
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ [الرعد/ ٣٩] ، وقوله: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة/ ٢٢] فإشارة منه إلى أنهم بخلاف من وصفهم بقوله: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا [الكهف/ ٢٨] ، لأنّ معنى «أغفلنا» من قولهم: أغفلت الكتاب: إذا جعلته خاليا من الكتابة ومن الإعجام، وقوله:
فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ
[الأنبياء/ ٩٤] فإشارة إلى أنّ ذلك مثبت له ومجازى به.
وقوله: فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
[آل عمران/ ٥٣] أي: اجعلنا في زمرتهم إشارة إلى قوله:
стр. 682
فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ... الآية [النساء/ ٦٩] وقوله: مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها
[الكهف/ ٤٩] فقيل إشارة إلى ما أثبت فيه أعمال العباد. وقوله:
إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها
[الحديد/ ٢٢] قيل: إشارة إلى اللّوح المحفوظ، وكذا قوله: إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج/ ٧٠] ، وقوله: وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [الأنعام/ ٥٩] ، فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً [الإسراء/ ٥٨] ، لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ [الأنفال/ ٦٨] يعني به ما قدّره من الحكمة، وذلك إشارة إلى قوله: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
[الأنعام/ ٥٤] وقيل: إشارة إلى قوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال/ ٣٣] ، وقوله: لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا
[التوبة/ ٥١] يعني: ما قدّره وقضاه، وذكر «لنا» ولم يقل «علينا» تنبيها أنّ كلّ ما يصيبنا نعدّه نعمة لنا، ولا نعدّه نقمة علينا، وقوله: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة/ ٢١] قيل: معنى ذلك وهبها الله لكم، ثم حرّمها عليكم بامتناعكم من دخولها وقبولها، وقيل:
كتب لكم بشرط أن تدخلوها، وقيل: أوجبها عليكم، وإنما قال: «لكم» ولم يقل: «عليكم» لأنّ دخولهم إيّاها يعود عليهم بنفع عاجل وآجل، فيكون ذلك لهم لا عليهم، وذلك كقولك لمن يرى تأذّيا بشيء لا يعرف نفع مآله:
هذا الكلام لك لا عليك، وقوله: وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا [التوبة/ ٤٠] جعل حكمهم وتقديرهم ساقطا مضمحلّا، وحكم الله عاليا لا دافع له ولا مانع، وقال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ [الروم/ ٥٦] أي: في علمه وإيجابه وحكمه، وعلى ذلك قوله: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ
[الرعد/ ٣٨] ، وقوله: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ
[التوبة/ ٣٦] أي:
في حكمه. ويعبّر بِالْكِتَابِ عن الحجّة الثابتة من جهة الله نحو: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ
[الحج/ ٨] ، أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ [الزخرف/ ٢١] ، فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ
[الصافات/ ١٥٧] ، أُوتُوا الْكِتابَ [البقرة/ ١٤٤] «١» ، كِتابَ اللَّهِ [النساء/ ٢٤] ، أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً [فاطر/ ٤٠] ، فَهُمْ يَكْتُبُونَ [الطور/ ٤١] فذلك إشارة إلى العلم والتّحقّق والاعتقاد، وقوله: وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
[البقرة/ ١٨٧] إشارة في تحرّي النّكاح إلى لطيفة، وهي
стр. 683
أنّ الله جعل لنا شهوة النّكاح لنتحرّى طلب النّسل الذي يكون سببا لبقاء نوع الإنسان إلى غاية قدرها، فيجب للإنسان أن يتحرّى بالنّكاح ما جعل الله له على حسب مقتضى العقل والدّيانة، ومن تحرّى بالنّكاح حفظ النّسل وحصانة النّفس على الوجه المشروع فقد ابتغى ما كتب الله له، وإلى هذا أشار من قال: عنى بما كتب الله لكم الولد «١» ، ويعبّر عن الإيجاد بالكتابة، وعن الإزالة والإفناء بالمحو. قال: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [الرعد/ ٣٨] ، يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ [الرعد/ ٣٩] نبّه أنّ لكلّ وقت إيجادا، وهو يوجد ما تقتضي الحكمة إيجاده، ويزيل ما تقتضي الحكمة إزالته، ودلّ قوله: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [الرعد/ ٣٨] على نحو ما دلّ عليه قوله: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن/ ٢٩] وقوله: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [الرعد/ ٣٩] ، وقوله: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ [آل عمران/ ٧٨] فَالْكِتَابُ الأوّل: ما كتبوه بأيديهم المذكور في قوله: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ
[البقرة/ ٧٩] .
والْكِتَابُ الثاني: التّوراة، والثالث: لجنس كتب الله، أي: ما هو من شيء من كتب الله [وكلامه] «٢» ، وقوله: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ [البقرة/ ٥٣] فقد قيل: هما عبارتان عن التّوراة، وتسميتها كتابا اعتبارا بما أثبت فيها من الأحكام، وتسميتها فرقانا اعتبارا بما فيها من الفرق بين الحقّ والباطل. وقوله:
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا
[آل عمران/ ١٤٥] أي: حكما لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ [الأنفال/ ٦٨] ، وقوله: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ [التوبة/ ٣٦] كلّ ذلك حكم منه. وأمّا قوله: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ [البقرة/ ٧٩] فتنبيه أنّهم يختلقونه ويفتعلونه، وكما نسب الكتاب المختلق إلى أيديهم نسب المقال المختلق إلى أفواههم، فقال: ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ [التوبة/ ٣٠] والاكْتِتَابُ متعارف في المختلق نحو قوله:
أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها
[الفرقان/ ٥] .
وحيثما ذكر الله تعالى أهل الكتاب فإنما أراد بالكتاب التّوراة والإنجيل، أو إيّاهما جميعا، وقوله: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى إلى قوله: وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ [يونس/ ٣٧] «٣» ،
стр. 684
فإنما أراد بالكتاب هاهنا ما تقدّم من كتب الله دون القرآن، ألا ترى أنّه جعل القرآن مصدّقا له، وقوله: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا [الأنعام/ ١١٤] فمنهم من قال: هو القرآن، ومنهم من قال: هو القرآن وغيره من الحجج والعلم والعقل «١» ، وكذلك قوله: فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [العنكبوت/ ٤٧] ، وقوله: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ [النمل/ ٤٠] فقد قيل: أريد به علم الكتاب، وقيل: علم من العلوم التي آتاها الله سليمان في كتابه المخصوص به، وبه سخّر له كلّ شيء، وقوله: وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ
[آل عمران/ ١١٩] أي: بِالْكُتُبِ المنزّلة، فوضع ذلك موضع الجمع، إمّا لكونه جنسا كقولك: كثر الدّرهم في أيدي الناس، أو لكونه في الأصل مصدرا نحو: عدل، وذلك كقوله:
يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة/ ٤] وقيل: يعني أنّهم ليسوا كمن قيل فيهم: وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ [النساء/ ١٥٠] . وكِتابَةُ العَبْدِ: ابتياع نفسه من سيّده بما يؤدّيه من كسبه، قال: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ
[النور/ ٣٣] واشتقاقها يصحّ أن يكون من الكتابة التي هي الإيجاب، وأن يكون من الكتب الذي هو النّظم والإنسان يفعل ذلك.
كتم
الْكِتْمَانُ: ستر الحديث، يقال: كَتَمْتُهُ كَتْماً وكِتْمَاناً. قال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ
[البقرة/ ١٤٠] ، وقال:
وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
[البقرة/ ١٤٦] ، وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ
[البقرة/ ٢٨٣] ، وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [آل عمران/ ٧١] ، وقوله: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء/ ٣٧] فَكِتْمَانُ الفضل: هو كفران النّعمة، ولذلك قال بعده:
وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً [النساء/ ٣٧] ، وقوله: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [النساء/ ٤٢] قال ابن عباس: إنّ المشركين إذا رأوا أهل القيامة لا يدخل الجنّة إلّا من لم يكن مشركا قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام/ ٢٣] فتشهد عليهم جوارحهم، فحينئذ يودّون أن لم يكتموا الله حديثا «٢» . وقال الحسن: في الآخرة مواقف في بعضها يكتمون، وفي بعضها لا يكتمون، وعن بعضهم:
стр. 685
لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [النساء/ ٤٢] هو أن تنطق جوارحهم.
كثب
قال تعالى: وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا
[المزمل/ ١٤] أي: رملا متراكما، وجمعه:
أَكْثِبَةٌ، وكُثُبٌ، وكُثْبَانٌ، والْكَثِيبَةُ: القليل من اللّبن، والقطعة من التّمر، سمّيت بذلك لاجتماعها، وكَثَبَ: إذا اجتمع، والْكَاثِبُ:
الجامع، والتَّكْثِيبُ: الصّيد إذا أمكن من نفسه، والعرب تقول: أَكْثَبَكَ الصّيدُ فارمه «١» ، وهو من الْكَثْبِ، أي: القُرْبِ.
كثر
قد تقدّم أنّ الْكِثْرَةَ والقلّة يستعملان في الكمّيّة المنفصلة كالأعداد «٢» . قال تعالى: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً
[المائدة/ ٦٤] ، وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
[المؤمنون/ ٧٠] ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ [الأنبياء/ ٢٤] ، قال: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً
[البقرة/ ٢٤٩] ، وقال:
وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً [النساء/ ١] ، وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [البقرة/ ١٠٩] إلى آيات كثيرة، وقوله: بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ [ص/ ٥١] فإنه جعلها كثيرة اعتبارا بمطاعم الدّنيا، وليست الْكَثْرَةُ إشارة إلى العدد فقط بل إلى الفضل، ويقال: عدد كَثِيرٌ وكُثَارٌ وكَاثِرٌ: زائد، ورجل كَاثِرٌ: إذا كان كَثِيرَ المال، قال الشاعر:
٣٨٢-
ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر
«٣» والْمُكَاثَرَةُ والتّكَاثُرُ: التّباري في كثرة المال والعزّ. قال تعالى: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ [التكاثر/ ١] وفلان مَكْثُورٌ، أي: مغلوب في الكثرة، والمِكْثَارُ متعارف في كثرة الكلام، والكَثَرُ:
الجمّار الكثير، وقد حكي بتسكين الثاء، وروي:
«لا قطع في ثمر ولا كَثْرٍ» «٤» وقوله: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ
[الكوثر/ ١] قيل: هو نهر في الجنّة يتشعّب عنه الأنهار، وقيل: بل هو الخير العظيم الذي أعطاه النبيّ ﷺ ، وقد يقال للرّجل السّخيّ: كَوْثَرٌ، ويقال: تَكَوْثَرَ الشيءُ: كَثُرَ كَثْرَةً متناهية، قال الشاعر:
٣٨٣-
وقد ثار نقع الموت حتى تكوثرا
«٥»
стр. 686
كدح
الكَدْحُ: السّعي والعناء. قال تعالى: إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً
[الانشقاق/ ٦] وقد يستعمل استعمال الكدم في الأسنان، قال الخليل «١» : الكَدْحُ دون الكدم.
كدر
الْكَدَرُ: ضدّ الصّفاء، يقال: عيش كَدِرٌ، والكُدْرَةُ في اللّون خاصّة، والْكُدُورَةُ في الماء، وفي العيش، والِانْكِدَارُ: تغيّر من انتثار الشيء.
قال تعالى: وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ
[التكوير/ ٢] ، وانْكَدَرَ القوم على كذا: إذا قصدوا متناثرين عليه.
كدى
الكُدْيَةُ: صلابة في الأرض. يقال: حفر فَأَكْدَى: إذا وصل إلى كُدْيَةٍ، واستعير ذلك للطالب المخفق، والمعطي المقلّ. قال تعالى:
أَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى
[النجم/ ٣٤] .
كذب
قد تقدّم القول في الْكذبِ مع الصّدق «٢» ، وأنه يقال في المقال والفعال، قال تعالى:
إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
[النحل/ ١٠٥] ، وقوله: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ
[المنافقون/ ١] وقد تقدّم أنه كذبهم في اعتقادهم لا في مقالهم، ومقالهم كان صدقا، وقوله: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ
[الواقعة/ ٢] فقد نُسِبَ الكَذِبُ إلى نفس الفعل، كقولهم: فعلة صادقة، وفعلة كاذبة، قوله: ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ [العلق/ ١٦] ، يقال: رجل كَذَّابٌ وكَذُوبٌ وكُذُبْذُبٌ وكَيْذَبَانُ.
كلّ ذلك للمبالغة، ويقال: لا مَكْذُوبَة، أي: لا أكذبك، وكذبتك حديثا، قال تعالى: الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
[التوبة/ ٩٠] ، ويتعدّى إلى مفعولين نحو: صدق في قوله: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ [الفتح/ ٢٧] . يقال:
كَذَبَهُ كَذِباً وكِذَّاباً، وأَكْذَبْتُهُ: وجدته كاذبا، وكَذّبْتُه: نسبته إلى الكذب صادقا كان أو كاذبا، وما جاء في القرآن ففي تَكْذِيبِ الصادق نحو:
كَذَّبُوا بِآياتِنا
[آل عمران/ ١١] ، رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ
[المؤمنون/ ٢٦] ، بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ [ق/ ٥] ، كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا [القمر/ ٩] ، كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ [الحاقة/ ٤] ، وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ
[الحج/ ٤٢] ، وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [فاطر/ ٢٥] ، وقال: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ [الأنعام/ ٣٣] قرئ بالتخفيف والتّشديد»
،
стр. 687
ومعناه: لا يجدونك كاذبا ولا يستطيعون أن يثبتوا كذبك، وقوله: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا
[يوسف/ ١١٠] أي: علموا أنهم تلقوا من جهة الذين أرسلوا إليهم بالكذب، ف «كذّبوا» نحو: فسّقوا وزنّوا وخطّئوا: إذا نسبوا إلى شيء من ذلك، وذلك قوله: فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ
[فاطر/ ٤] وقوله: فَكَذَّبُوا رُسُلِي [سبأ/ ٤٥] ، وقوله: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ [ص/ ١٤] ، وقرئ: كذبوا «١» بالتّخفيف. من قولهم: كذبتك حديثا.
أي: ظنّ المرسل إليهم أنّ المرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم به أنهم إن لم يؤمنوا بهم نزل بهم العذاب، وإنما ظنّوا ذلك من إمهال الله تعالى إيّاهم وإملائه لهم، وقوله: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً
[عمّ/ ٣٥] الْكِذَّابُ:
التّكذيب. والمعنى: لا يُكَذِّبُونَ فَيُكَذِّبُ بعضهم بعضا، ونفي التّكذيب عن الجنة يقتضي نفي الكذب عنها، وقرئ: كذابا «٢» من الْمُكَاذَبَةِ.
أي: لا يَتَكَاذَبُونَ تَكَاذُبَ الناس في الدنيا، يقال:
حمل فلان على قرنه فكذب «٣» ، كما يقال في ضدّه: صدق. وكَذَبَ لبنُ الناقة: إذا ظنّ أن يدوم مدّة فلم يدم. وقولهم: (كَذَبَ عليك الحجُّ) «٤» قيل: معناه وجب فعليك به، وحقيقته أنه في حكم الغائب البطيء وقته، كقولك: قد فات الحجّ فبادر، أي: كاد يفوت. وكَذَبَ عليك العسلَ «٥» بالنّصب، أي: عليك بالعسل، وذلك إغراء، وقيل: العسل هاهنا العسلان، وهو ضرب من العدو، والْكَذَّابَةُ: ثَوْبٌ يُنْقَشُ بلونِ صِبْغٍ كأنه موشى، وذلك لأنه يُكَذَّبُ بحاله.
كر
الْكَرُّ: العطف على الشيء بالذّات أو بالفعل، ويقال للحبل المفتول: كَرٌّ، وهو في الأصل مصدر، وصار اسما، وجمعه: كُرُورٌ.
قال تعالى: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ
стр. 688
[الإسراء/ ٦] ، فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
[الشعراء/ ١٠٢] ، وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً [البقرة/ ١٦٧] ، لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً [الزمر/ ٥٨] والْكِرْكِرَةُ: رحى زَوْرِ البعير، ويعبّر بها عن الجماعة المجتمعة، والْكَرْكَرَةُ:
تصريف الرّيحِ السّحابَ، وذلك مُكَرَّرٌ من كَرَّ.
كرب
الكَرْبُ: الغمّ الشّديد. قال تعالى: فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ
[الأنبياء/ ٧٦] .
والكُرْبَةُ كالغمّة، وأصل ذلك من: كَرْبِ الأرض، وهو قَلْبُها بالحفر، فالغمّ يثير النّفس إثارة ذلك، وقيل في مَثَلٍ: الكِرَابُ على البقر «١» ، وليس ذلك من قولهم: (الكلاب على البقر) في شيء. ويصحّ أن يكون الكَرْبُ من:
كَرَبَتِ الشمس: إذا دنت للمغيب. وقولهم: إناء كَرْبَانُ، أي: قريب. نحو: قَرْبانَ، أي: قريب من الملء، أو من الكَرَبِ، وهو عقد غليظ في رشا الدّلو، وقد يوصف الغمّ بأنه عقدة على القلب، يقال: أَكْرَبْتُ الدّلوَ.
كرس
الكُرْسِيُّ في تعارف العامّة: اسم لما يقعد عليه. قال تعالى: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ
[ص/ ٣٤] وهو في الأصل منسوب إلى الْكِرْسِ، أي: المتلبّد أي: المجتمع.
ومنه: الْكُرَّاسَةُ لِلْمُتَكَرِّسِ من الأوراق، وكَرَسْتُ البناءَ فَتَكَرَّسَ، قال العجاج:
٣٨٤-
يا صاح هل تعرف رسما مكرسا ... قال: نعم أعرفه، وأبلسا
«٢» والكِرْسُ: أصل الشيء، يقال: هو قديم الْكِرْسِ. وكلّ مجتمع من الشيء كِرْسٌ، والْكَرُّوسُ: المتركّب بعض أجزاء رأسه إلى بعضه لكبره، وقوله : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[البقرة/ ٢٥٥] فقد روي عن ابن عباس أنّ الكُرْسِيَّ العلم «٣» ، وقيل:
كُرْسِيُّهُ ملكه، وقال بعضهم: هو اسم الفلك المحيط بالأفلاك، قال: ويشهد لذلك ما روي «ما السّموات السّبع في الكرسيّ إلّا كحلقة ملقاة بأرض فلاة» «٤» .
стр. 689
كرم
الكَرَمُ إذا وصف الله تعالى به فهو اسم لإحسانه وإنعامه المتظاهر، نحو قوله: فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ
[النمل/ ٤٠] ، وإذا وصف به الإنسان فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه، ولا يقال: هو كريم حتى يظهر ذلك منه. قال بعض العلماء: الكَرَمُ كالحرّيّة إلّا أنّ الحرّيّة قد تقال في المحاسن الصّغيرة والكبيرة، والكرم لا يقال إلا في المحاسن الكبيرة، كمن ينفق مالا في تجهيز جيش في سبيل الله، وتحمّل حمالة ترقئ دماء قوم، وقوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
[الحجرات/ ١٣] فإنما كان كذلك لأنّ الْكَرَمَ الأفعال المحمودة، وأكرمها وأشرفها ما يقصد به وجه الله تعالى، فمن قصد ذلك بمحاسن فعله فهو التّقيّ، فإذا أكرم الناس أتقاهم، وكلّ شيء شرف في بابه فإنه يوصف بالكرم. قال تعالى:
فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [لقمان/ ١٠] ، وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ [الدخان/ ٢٦] ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [الواقعة/ ٧٧] ، وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً [الإسراء/ ٢٣] .
والإِكْرَامُ والتَّكْرِيمُ: أن يوصل إلى الإنسان إكرام، أي: نفع لا يلحقه فيه غضاضة، أو أن يجعل ما يوصل إليه شيئا كَرِيماً، أي: شريفا، قال: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ
[الذاريات/ ٢٤] . وقوله: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ
[الأنبياء/ ٢٦] أي: جعلهم كراما، قال: كِراماً كاتِبِينَ
[الانفطار/ ١١] ، وقال: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ [عبس/ ١٥ ١٦] ، وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس/ ٢٧] ، وقوله: ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن/ ٢٧] منطو على المعنيين.
كره
قيل: الْكَرْهُ والْكُرْهُ واحد، نحو: الضّعف والضّعف، وقيل: الكَرْهُ: المشقّة التي تنال الإنسان من خارج فيما يحمل عليه بِإِكْرَاهٍ، والكُرْهُ:
ما يناله من ذاته وهو يعافه، وذلك على ضربين:
أحدهما: ما يعاف من حيث الطّبع.
والثاني: ما يعاف من حيث العقل أو الشّرع، ولهذا يصحّ أن يقول الإنسان في الشيء الواحد:
إني أريده وأَكْرَهُهُ، بمعنى أنّي أريده من حيث الطّبع، وأكرهه من حيث العقل أو الشّرع، أو أريده من حيث العقل أو الشّرع، وأَكْرَهُهُ من حيث الطّبع، وقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ
[البقرة/ ٢١٦] أي: تَكْرَهُونَهُ من حيث الطّبع، ثم بيّن ذلك بقوله: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
[البقرة/ ٢١٦] أنه لا يجب للإنسان أن يعتبر كَرَاهِيَتَهُ للشيء أو محبّته له حتى يعلم حاله. وكَرِهْتُ يقال فيهما جميعا إلّا أنّ استعماله في الكره أكثر. قال
стр. 690
تعالى: وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
[التوبة/ ٣٢] ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة/ ٣٣] ، وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ
[الأنفال/ ٥] ، وقوله: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات/ ١٢] تنبيه أنّ أكل لحم الأخ شيء قد جبلت النّفس على كَرَاهَتِهَا له وإن تحرّاه الإنسان، وقوله: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [النساء/ ١٩] وقرئ:
كرها «١» ، والإِكْرَاهُ يقال في حمل الإنسان على ما يكرهه، وقوله: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ [النور/ ٣٣] فنهي عن حملهنّ على ما فيه كَرْهٌ وكُرْهٌ، وقوله: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
[البقرة/ ٢٥٦] فقد قيل: كان ذلك في ابتداء الإسلام، فإنه كان يعرض على الإنسان الإسلام فإن أجاب وإلّا ترك «٢» .
والثاني: أنّ ذلك في أهل الكتاب، فإنّهم إن أرادوا الجزية والتزموا الشّرائط تركوا «٣» .
والثالث أنه لا حكم لمن أكره على دين باطل فاعترف به ودخل فيه، كما قال تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [النحل/ ١٠٦] .
الرابع: لا اعتداد في الآخرة بما يفعل الإنسان في الدّنيا من الطاعة كرها، فإنّ الله تعالى يعتبر السّرائر ولا يرضى إلّا الإخلاص، ولهذا قال ﵊: «الأعمال بالنّيّات» «٤» ، وقال: «أخلص يكفك القليل من العمل» «٥» .
الخامس: معناه لا يحمل الإنسان على أمر مَكْرُوهٍ في الحقيقة مما يكلّفهم الله بل يحملون على نعيم الأبد، ولهذا قال ﵊: «عجب ربّكم من قوم يقادون إلى الجنّة بالسّلاسل» «٦» .
السادس: أنّ الدّين الجزاء. معناه: أنّ الله ليس بِمُكْرَهٍ على الجزاء بل يفعل ما يشاء بمن يشاء كما يشاء.
وقوله: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ إلى قوله:
стр. 691
طَوْعاً وَكَرْهاً
[آل عمران/ ٨٣] «١» قيل معناه: أسلم من في السموات طوعا، ومن في الأرض كرها. أي: الحجّة أكرهتهم وألجأتهم، كقولك: الدّلالة أكرهتني على القول بهذه المسألة، وليس هذا من الكره المذموم.
الثاني: أسلم المؤمنون طوعا، والكافرون كرها إذ لم يقدروا أن يمتنعوا عليه بما يريد بهم ويقضيه عليهم.
الثالث: عن قتادة: أسلم المؤمنون طوعا والكافرون كرها عند الموت حيث قال: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا ... الآية [غافر/ ٨٥] .
الرابع: عني بالكره من قوتل وألجئ إلى أن يؤمن.
الخامس: عن أبي العالية «٢» ومجاهد أنّ كلّا أقرّ بخلقه إيّاهم وإن أشركوا معه، كقوله:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف/ ٨٧] .
السادس: عن ابن عباس: أسلموا بأحوالهم المنبئة عنهم وإن كفر بعضهم بمقالهم، وذلك هو الإسلام في الذّرّ الأوّل «٣» حيث قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الأعراف/ ١٧٢] وذلك هو دلائلهم التي فطروا عليها من العقل المقتضي لأن يسلموا، وإلى هذا أشار بقوله: وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [الرعد/ ١٥] .
السابع: عن بعض الصّوفيّة: أنّ من أسلم طوعا هو من طالع المثيب والمعاقب لا الثّواب والعقاب فأسلم له، ومن أسلم كرها هو من طالع الثّواب والعقاب فأسلم رغبة ورهبة، ونحو هذه الآية قوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [الرعد/ ١٥] .
كسب
الكَسْبُ: ما يتحرّاه الإنسان مما فيه اجتلاب نفع، وتحصيل حظّ، كَكَسْبِ المال، وقد يستعمل فيما يظنّ الإنسان أنه يجلب منفعة، ثم استجلب به مضرّة. والكَسْبُ يقال فيما أخذه لنفسه ولغيره، ولهذا قد يتعدّى إلى مفعولين، فيقال: كَسَبْتُ فلانا كذا، والِاكْتِسَابُ لا يقال إلّا فيما استفدته لنفسك، فكلّ اكْتِسَابٍ كسب، وليس كلّ كَسْبٍ اكتسابا، وذلك نحو: خبز واختبز، وشوى واشتوى، وطبخ واطّبخ، وقوله تعالى:
أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ
[البقرة/ ٢٦٧] روي أنه قيل للنّبي ﷺ «٤» : أيّ الكسب أطيب؟
стр. 692
فقال ﵊، «عمل الرجل بيده» ، وقال: «إنّ أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإنّ ولده من كَسْبِهِ» «١» ، وقال تعالى: لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا
[البقرة/ ٢٦٤] وقد ورد في القرآن في فعل الصالحات والسيئات، فممّا استعمل في الصالحات قوله: أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً
[الأنعام/ ١٥٨] ، وقوله:
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً إلى قوله: مِمَّا كَسَبُوا [البقرة/ ٢٠١- ٢٠٢] «٢» . وممّا يستعمل في السّيّئات: أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ
[الأنعام/ ٧٠] ، أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا
[الأنعام/ ٧٠] ، إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ
[الأنعام/ ١٢٠] ، فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة/ ٧٩] ، وقال: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [التوبة/ ٨٢] ، وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا [فاطر/ ٤٥] ، وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها [الأنعام/ ١٦٤] ، وقوله: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ [آل عمران/ ١٦١] فمتناول لهما.
والِاكْتِسَابُ قد ورد فيهما. قال في الصالحات:
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ
[النساء/ ٣٢] ، وقوله: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة/ ٢٨٦] فقد قيل خصّ الكَسْبُ هاهنا بالصالح، والِاكْتِسَابُ بالسّيّئ، وقيل: عني بالكسب ما يتحرّاه من المَكَاسِبِ الأخرويّة، وبالاكتساب ما يتحرّاه من المكاسب الدّنيويّة، وقيل: عني بِالْكَسْبِ ما يفعله الإنسان من فعل خير وجلب نفع إلى غيره من حيثما يجوز، وبِالاكْتِسَابِ ما يحصّله لنفسه من نفع يجوز تناوله، فنبّه على أنّ ما يفعله الإنسان لغيره من نفع يوصّله إليه فله الثّواب، وأنّ ما يحصّله لنفسه- وإن كان متناولا من حيثما يجوز على الوجه- فقلّما ينفكّ من أن يكون عليه، إشارة إلى ما قيل: (من أراد الدّنيا فليوطّن نفسه على المصائب) «٣» ، وقوله تعالى: أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
[التغابن/ ١٥] ، ونحو ذلك.
стр. 693
كسف
كُسُوفُ الشمس والقمر: استتارهما بعارض مخصوص، وبه شبّه كُسُوفُ الوجه والحال، فقيل: كَاسِفُ الوجه وكَاسِفُ الحال، والكِسْفَةُ:
قطعة من السّحاب والقطن، ونحو ذلك من الأجسام المتخلخلة الحائلة، وجمعها كِسَفٌ، قال: وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً
[الروم/ ٤٨] ، فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ [الشعراء/ ١٨٧] ، أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً [الإسراء/ ٩٢] وكسفا «١» بالسّكون. فَكِسَفٌ جمع كِسْفَةٍ، نحو: سدرة وسِدَرٍ. وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ [الطور/ ٤٤] . قال أبو زيد: كَسَفْتُ الثّوب أَكْسِفُهُ كِسْفاً:
إذا قطعته قطعا «٢» ، وقيل: كَسَفْتُ عرقوب الإبل، قال بعضهم: هو كَسَحْتُ لا غيرُ.
كسل
الْكَسَلُ: التثاقل عمّا لا ينبغي التثاقل عنه، ولأجل ذلك صار مذموما. يقال: كَسِلَ فهو كَسِلٌ وكَسْلَانُ «٣» ، وجمعه: كُسَا لَى وكَسَالَى، قال تعالى: وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى [التوبة/ ٥٤] وقيل: فلان لا يَكْسَلُهُ الْمَكَاسِلُ «٤» ، وفحل كَسِلٌ: يَكْسَلُ عن الضّراب، وامرأة مِكْسَالٌ: فاترة عن التّحرّك.
كسا
الكِسَاءُ والْكِسْوَةُ: اللّباس. قال تعالى: أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة/ ٨٩] ، وقد كَسَوْتُهُ واكْتَسَى. قال: وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ
[النساء/ ٥] ، فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً
[المؤمنون/ ١٤] ، واكْتَسَتِ الأرض بالنّبات، وقول الشاعر:
٣٨٥-
فبات له دون الصّبا وهي قرّة ... لحاف ومصقول الكساء رقيق
«٥» فقد قيل: هو كناية عن اللّبن إذا علته الدّواية «٦» ، وقول الآخر:
стр. 694
٣٨٦-
حتى أرى فارس الصّموت على ... أَكْسَاءِ خيل كأنها الإبل
«١» قيل: معناه: على أعقابها، وأصله أن تعدى الإبل فتثير الغبار، ويعلوها فيكسوها، فكأنه تولّى إِكْسَاءَ الإبل، أي: ملابسها من الغبار.
كشف
كَشَفْتُ الثّوب عن الوجه وغيره، ويقال:
كَشَفَ غمّه. قال تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ
[الأنعام/ ١٧] ، فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ
[الأنعام/ ٤١] ، لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ
[ق/ ٢٢] ، أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل/ ٦٢] ، وقوله:
يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ
[القلم/ ٤٢] قيل:
أصله من: قامت الحرب على ساق، أي:
ظهرت الشّدّة، وقال بعضهم: أصله من تذمير الناقة، وهو أنه إذا أخرج رجل الفصيل من بطن أمّه، فيقال: كُشِفَ عن السّاق.
كشط
قال : وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ
[التكوير/ ١١] وهو من: كَشْطِ الناقة، أي: تنحية الجلد عنها، ومنه استعير: انْكَشَطَ روعه «٢» ، أي: زال.
كظم
الْكَظْمُ: مخرج النّفس، يقال: أخذ بِكَظَمِهِ، والْكُظُومُ: احتباس النّفس، ويعبّر به عن السّكوت كقولهم: فلان لا يتنفّس: إذا وصف بالمبالغة في السّكوت، وكُظِمَ فلان: حبس نفسه. قال تعالى: إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ
[القلم/ ٤٨] ، وكَظْمُ الغَيْظِ: حبسه، قال:
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ
[آل عمران/ ١٣٤] ومنه:
كَظَمَ البعيرُ: إذا ترك الاجترار، وكَظمَ السّقاء:
شدّه بعد ملئه مانعا لنفسه، والكِظَامَةُ: حلقة تجمع فيها الخيوط في طرف حديدة الميزان، والسّير الذي يوصل بوتر القوس، والكَظَائِمُ:
خروق بين البئرين يجري فيها الماء، كلّ ذلك تشبيه بمجرى النّفس، وتردّده فيه.
كعب
كَعْبُ الرّجل: العظم الذي عند ملتقى القدم والساق. قال: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ
[المائدة/ ٦] . والكَعْبَةُ: كلّ بيت على هيئته في التّربيع، وبها سمّيت الكَعْبَةُ. قال تعالى:
стр. 695
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ [المائدة/ ٩٧] . وذو الكَعْبَاتِ: بيت كان في الجاهلية لبني ربيعة، وفلان جالس في كَعْبَتِهِ، أي: غرفته وبيته على تلك الهيئة، وامرأة كاعِبٌ:
تَكَعَّبَ ثدياها، وقد كَعبَتْ كِعَابَةً، والجمع كَوَاعِبُ، قال: وَكَواعِبَ أَتْراباً [النبأ/ ٣٣] ، وقد يقال: كَعَبَ الثّدي كَعْباً، وكَعَّبَ تَكْعِيباً «١» ، وثوب مُكَعَّبٌ: مطويّ شديد الإدراج، وكلّ ما بين العقدتين من القصب والرّمح يقال له:
كَعْبٌ، تشبيها بالكعب في الفصل بين العقدتين، كف صل الكعب بين السّاق والقدم.
كف
الْكَفُّ: كَفُّ الإنسان، وهي ما بها يقبض ويبسط، وكَفَفْتُهُ: أصبت كَفَّهُ، وكَفَفْتُهُ: أصبته بالكفّ ودفعته بها. وتعورف الكفّ بالدّفع على أيّ وجه كان، بالكفّ كان أو غيرها حتى قيل:
رجل مَكْفُوفٌ لمن قبض بصره، وقوله تعالى:
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ
[سبأ/ ٢٨] أي: كافّا لهم عن المعاصي، والهاء فيه للمبالغة كقولهم: راوية، وعلّامة، ونسّابة، وقوله:
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً
[التوبة/ ٣٦] قيل: معناه: كَافِّينَ لهم كما يقاتلونكم كافّين «٢» ، وقيل: معناه جماعة كما يقاتلونكم جماعة، وذلك أن الجماعة يقال لهم الكافّة، كما يقال لهم الوازعة لقوّتهم باجتماعهم، وعلى هذا قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة/ ٢٠٨] ، وقوله: فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها
[الكهف/ ٤٢] فإشارة إلى حال النادم وما يتعاطاه في حال ندمه. وتَكَفَّفَ الرّجل: إذا مدّ يده سائلا، واسْتَكَفَّ: إذا مدّ كفّه سائلا أو دافعا، واسْتَكَفَّ الشمس: دفعها بكفّه، وهو أن يضع كفّه على حاجبه مستظلّا من الشمس ليرى ما يطلبه، وكِفَّةُ الميزان تشبيه بالكفّ في كفّها ما يوزن بها، وكذا كِفَّةُ الحبالة، وكَفَّفْتُ الثوب: إذا خطت نواحيه بعد الخياطة الأولى.
كفت
الكَفْتُ: القبض والجمع. قال تعالى:
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً
[المرسلات/ ٢٥- ٢٦] أي: تجمع الناس أحياءهم وأمواتهم، وقيل: معناه تضمّ الأحياء التي هي الإنسان والحيوانات والنّبات، والأموات
стр. 696
التي هي الجمادات من الأرض والماء وغير ذلك. والكِفَاتُ، قيل: هو الطّيران السّريع، وحقيقته: قبض الجناح للطّيران، كما قال:
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ [الملك/ ١٩] فالقبض هاهنا كالكفات هناك.
والكَفْتُ: السّوق الشّديد، واستعمال الكفت في سوق الإبل كاستعمال القبض فيه، كقولهم:
قبض الرّاعي الإبل، وراعي قبضة، وكَفَتَ الله فلانا إلى نفسه، كقولهم: قبضه، وفي الحديث:
«اكْفِتُوا صبيانكم بالليل» «١» .
كفر
الكُفْرُ في اللّغة: ستر الشيء، ووصف الليل بِالْكَافِرِ لستره الأشخاص، والزّرّاع لستره البذر في الأرض، وليس ذلك باسم لهما كما قال بعض أهل اللّغة لمّا سمع:
٣٨٧-
ألقت ذكاء يمينها في كافر
«٢» والْكَافُورُ: اسم أكمام الثّمرة التي تَكْفُرُهَا، قال الشاعر:
٣٨٨-
كالكرم إذ نادى من الكَافُورِ
«٣» وكُفْرُ النّعمة وكُفْرَانُهَا: سترها بترك أداء شكرها، قال تعالى: فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ [الأنبياء/ ٩٤] . وأعظم الكُفْرِ: جحود الوحدانيّة أو الشريعة أو النّبوّة، والكُفْرَانُ في جحود النّعمة أكثر استعمالا، والكُفْرُ في الدّين أكثر، والكُفُورُ فيهما جميعا قال: فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً
[الإسراء/ ٩٩] ، فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً [الفرقان/ ٥٠] ويقال منهما: كَفَرَ فهو كَافِرٌ. قال في الكفران: لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل/ ٤٠] ، وقال: وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ
[البقرة/ ١٥٢] ، وقوله:
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ
[الشعراء/ ١٩] أي: تحرّيت كفران نعمتي، وقال: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ
[إبراهيم/ ٧] ولمّا كان الكفران يقتضي جحود النّعمة صار يستعمل في الجحود، قال: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ
[البقرة/ ٤١] أي: جاحد له وساتر، والكَافِرُ على
стр. 697
الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانيّة، أو النّبوّة، أو الشريعة، أو ثلاثتها، وقد يقال: كَفَرَ لمن أخلّ بالشّريعة، وترك ما لزمه من شكر الله عليه. قال: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ
[الروم/ ٤٤] يدلّ على ذلك مقابلته بقوله: وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ [الروم/ ٤٤] ، وقال: وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ [النحل/ ٨٣] ، وقوله: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [البقرة/ ٤١] أي: لا تكونوا أئمّة في الكفر فيقتدى بكم، وقوله: وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [النور/ ٥٥] عني بالكافر السّاتر للحقّ، فلذلك جعله فاسقا، ومعلوم أنّ الكفر المطلق هو أعمّ من الفسق، ومعناه: من جحد حقّ الله فقد فسق عن أمر ربّه بظلمه. ولمّا جعل كلّ فعل محمود من الإيمان جعل كلّ فعل مذموم من الكفر، وقال في السّحر: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [البقرة/ ١٠٢] وقوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا، إلى قوله: كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ
[البقرة/ ٢٧٥- ٢٧٦] «١» وقال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ إلى قوله: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [آل عمران/ ٩٧] «٢» والكَفُورُ: المبالغ في كفران النعمة، وقوله:
إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ
[الزخرف/ ١٥] ، وقال:
ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ
[سبأ/ ١٧] إن قيل: كيف وصف الإنسان هاهنا بالكفور، ولم يرض بذلك حتى أدخل عليه إنّ، واللّام، وكلّ ذلك تأكيد، وقال في موضع وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ [الحجرات/ ٧] ، فقوله: إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ [الزخرف/ ١٥] تنبيه على ما ينطوي عليه الإنسان من كفران النّعمة، وقلّة ما يقوم بأداء الشّكر، وعلى هذا قوله: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ
[عبس/ ١٧] ولذلك قال: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ/ ١٣] ، وقوله: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان/ ٣] تنبيه أنه عرّفه الطّريقين كما قال: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [البلد/ ١٠] فمن سالك سبيل الشّكر، ومن سالك سبيل الكفر، وقوله: وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً [الإسراء/ ٢٧] فمن الكفر، ونبّه بقوله: كانَ أنه لم يزل منذ وجد منطويا على الكفر. والْكَفَّارُ أبلغ من الكفور
стр. 698
لقوله: كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ
[ق/ ٢٤] وقال:
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة/ ٢٧٦] ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر/ ٣] ، إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً [نوح/ ٢٧] وقد أجري الكفّار مجرى الكفور في قوله: إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم/ ٣٤] . والكُفَّارُ في جمع الكافر المضادّ للإيمان أكثر استعمالا كقوله: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ
[الفتح/ ٢٩] ، وقوله: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح/ ٢٩] .
والكَفَرَةُ في جمع كافر النّعمة أشدّ استعمالا، وفي قوله: أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [عبس/ ٤٢] ألا ترى أنه وصف الكفرة بالفجرة؟
والفجرة قد يقال للفسّاق من المسلمين. وقوله:
جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ [القمر/ ١٤] أي: من الأنبياء ومن يجري مجراهم ممّن بذلوا النّصح في أمر الله فلم يقبل منهم. وقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا
[النساء/ ١٣٧] قيل: عني بقوله إنهم آمنوا بموسى، ثمّ كفروا بمن بعده. والنصارى آمنوا بعيسى، ثمّ كفروا بمن بعده. وقيل: آمنوا بموسى ثم كفروا بموسى إذ لم يؤمنوا بغيره، وقيل: هو ما قال: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي إلى قوله:
وَاكْفُرُوا آخِرَهُ
[آل عمران/ ٧٢] «١» ولم يرد أنّهم آمنوا مرّتين وكفروا مرّتين، بل ذلك إشارة إلى أحوال كثيرة. وقيل: كما يصعد الإنسان في الفضائل في ثلاث درجات ينعكس في الرّذائل في ثلاث درجات. والآية إشارة إلى ذلك، وقد بيّنته في كتاب «الذّريعة إلى مكارم الشّريعة» «٢» .
ويقال: كَفَرَ فلانٌ: إذا اعتقد الكفر، ويقال ذلك إذا أظهر الكفر وإن لم يعتقد، ولذلك قال:
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [النحل/ ١٠٦] ويقال: كَفَرَ فلان بالشّيطان: إذا كفر بسببه، وقد يقال ذلك إذا آمن وخالف الشّيطان، كقوله: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ
[البقرة/ ٢٥٦] وأَكْفَرَهُ إِكْفَاراً: حكم بكفره، وقد يعبّر عن التّبرّي بالكفر نحو: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ...
الآية [العنكبوت/ ٢٥] ، وقوله تعالى: إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم/ ٢٢] ، وقوله: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ [الحديد/ ٢٠] قيل: عنى بالكفّار الزّرّاع «٣» ، لأنّهم يغطّون البذر في التّراب ستر الكفّار حقّ الله
стр. 699
تعالى بدلالة قوله: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح/ ٢٩] ولأنّ الكافر لا اختصاص له بذلك. وقيل: بل عنى الكفار، وخصّهم بكونهم معجبين بالدّنيا وزخارفها وراكنين إليها.
والْكَفَّارَةُ: ما يغطّي الإثم، ومنه: كَفَّارَةُ اليمين نحو قوله: ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ [المائدة/ ٨٩] وكذلك كفّارة غيره من الآثام ككفارة القتل والظّهار. قال: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ [المائدة/ ٨٩] والتَّكْفِيرُ: ستره وتغطيته حتى يصير بمنزلة ما لم يعمل، ويصحّ أن يكون أصله إزالة الكفر والكفران، نحو:
التّمريض في كونه إزالة للمرض، وتقذية العين في إزالة القذى عنه، قال: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ
[المائدة/ ٦٥] ، نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
[النساء/ ٣١] وإلى هذا المعنى أشار بقوله: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود/ ١١٤] وقيل: صغار الحسنات لا تكفّر كبار السّيّئات، وقال:
لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ [آل عمران/ ١٩٥] ، لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا [الزمر/ ٣٥] ويقال: كَفَرَتِ الشمس النّجومَ: سترتها، ويقال الْكَافِرُ للسّحاب الذي يغطّي الشمس والليل، قال الشاعر:
٣٨٩-
ألقت ذكاء يمينها في كافر
«١» وتَكَفَّرَ في السّلاح. أي: تغطّى فيه، والْكَافُورُ: أكمام الثمرة. أي: التي تكفُرُ الثّمرةَ، قال الشاعر:
٣٩٠-
كالكرم إذ نادى من الكافور
«٢» والْكَافُورُ الذي هو من الطّيب. قال تعالى:
كانَ مِزاجُها كافُوراً
[الإنسان/ ٥] .
كفل
الْكَفَالَةُ: الضّمان، تقول: تَكَفَّلَتْ بكذا، وكَفَّلْتُهُ فلانا، وقرئ: وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا
[آل عمران/ ٣٧] «٣» أي: كفّلها الله تعالى، ومن خفّف «٤» جعل الفعل لزكريّا، المعنى: تضمّنها.
قال تعالى: وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا
[النحل/ ٩١] ، والْكَفِيلُ: الحظّ الذي فيه الكفاية، كأنّه تَكَفَّلَ بأمره. نحو قوله تعالى:
فَقالَ أَكْفِلْنِيها
[ص/ ٢٣] أي: اجعلني كفلا لها، والكِفْلُ: الكفيل، قال: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ
[الحديد/ ٢٨] أي: كفيلين من نعمته في الدّنيا والآخرة، وهما المرغوب إلى الله تعالى فيهما بقوله: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً [البقرة/ ٢٠١]
стр. 700
وقيل: لم يعن بقوله: «كِفْلَيْنِ» أي: نعمتين اثنتين بل أراد النّعمة المتوالية المتكفّلة بكفايته، ويكون تثنيته على حدّ ما ذكرنا في قولهم: (لبّيك وسعديك) «١» ، وأما قوله: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً إلى قوله: يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها
[النساء/ ٨٥] فإنّ الكِفْلَ هاهنا ليس بمعنى الأوّل، بل هو مستعار من الْكِفْلِ «٢» ، وهو الشيء الرّديء، واشتقاقه من الكِفْل «٣» ، وهو أنّ الكفل لمّا كان مركبا ينبو براكبه صار متعارفا في كلّ شدّة، كالسّيساء: وهو العظم النّاتئ من ظهر الحمار، فيقال: لأحملنّك على الكفل، وعلى السّيساء «٤» ، ولأركبنّك الحسرى الرّذايا «٥» ، قال الشاعر:
٣٩١-
وحملناهم على صعبة زو ... راء يعلونها بغير وطاء
«٦» ومعنى الآية: من ينضمّ إلى غيره معينا له في فعلة حسنة يكون له منها نصيب، ومن ينضمّ إلى غيره معينا له في فعلة سيئة يناله منها شدّة.
وقيل: الْكِفْلُ الْكَفِيلُ. ونبّه أنّ من تحرّى شرّا فله من فعله كفيل يسأله، كما قيل: من ظلم فقد أقام كفيلا بظلمه، تنبيها أنه لا يمكنه التّخلّص من عقوبته.
كفؤ
الكُفْءُ: في المنزلة والقدر، ومنه: الْكِفَاءُ لشقّة تنصح «٧» بالأخرى، فيجلّل بها مؤخّر البيت. يقال: فلان كفء لفلان في المناكحة، أو في المحاربة، ونحو ذلك. قال تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص/ ٤] ومنه:
الْمُكَافَأَةُ. أي: المساواة والمقابلة في الفعل، وفلان كُفْؤٌ لك في المضادّة، والْإِكْفَاءُ: قلب الشيء كأنه إزالة المساواة، ومنه: الْإِكْفَاءُ في الشّعر «٨» ، ومُكْفَأُ الوجه، أي: كاسد اللّون وكَفِيئُهُ، ويقال لنتاج الإبل ليست تامّة: كَفْأَةٌ «٩» ، وجعل فلان إبله كَفْأَتَيْنِ: إذا لقح كلّ سنة قطعة منها.
стр. 701
كفى
الكِفَايَةُ: ما فيه سدّ الخلّة وبلوغ المراد في الأمر. قال تعالى: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ
[الأحزاب/ ٢٥] ، إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
[الحجر/ ٩٥] . وقوله: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
[النساء/ ٧٩] قيل: معناه: كفى الله شهيدا، والباء زائدة. وقيل: معناه: اكْتَفِ بالله شهيدا «١» ، والكُفْيَةُ من القوت: ما فيه كِفَايَةٌ، والجمع: كُفًى، ويقال: كَافِيكَ فلان من رجل، كقولك: حسبك من رجل.
كل
لفظ كُلٍّ هو لضمّ أجزاء الشيء، وذلك ضربان:
أحدهما: الضّامّ لذات الشيء وأحواله المختصّة به، ويفيد معنى التمام. نحو قوله تعالى: وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
[الإسراء/ ٢٩] . أي: بسطا تامّا، قال الشاعر:
٣٩٢-
ليس الفتى كلّ الفتى ... إلّا الفتى في أدبه
«٢» أي: التامّ الفتوّة.
والثاني: الضّامّ للذّوات، وذلك يضاف، تارة إلى جمع معرّف بالألف واللام. نحو قولك:
كُلُّ القوم، وتارة إلى ضمير ذلك. نحو:
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
[الحجر/ ٣٠] . وقوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة/ ٣٣] . أو إلى نكرة مفردة نحو: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ
[الإسراء/ ١٣] ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة/ ٢٩] إلى غيرها من الآيات، وربما عري عن الإضافة، ويقدّر ذلك فيه نحو:
وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
[يس/ ٤٠] ، وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ [النمل/ ٨٧] ، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [مريم/ ٩٥] ، وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ [الأنبياء/ ٧٢] ، وكُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ [الأنبياء/ ٨٥] ، وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ [الفرقان/ ٣٩] إلى غير ذلك في القرآن ممّا يكثر تعداده. ولم يرد في شيء من القرآن ولا في شيء من كلام الفصحاء الكُلُّ بالألف واللام، وإنما ذلك شيء يجري في كلام المتكلّمين والفقهاء ومن نحا نحوهم «٣» .
والكلالَةُ: اسم لما عدا الولد والوالد من الورثة، وقال ابن عباس: هو اسم لمن عدا الولد «٤» ، وروي أنّ النبيّ ﷺ سئل عن الكَلَالَةِ فقال: «من
стр. 702
مات وليس له ولد ولا والد» «١» فجعله اسما للميّت، وكلا القولين صحيح. فإنّ الكَلَالَةَ مصدر يجمع الوارث والموروث جميعا، وتسميتها بذلك، إمّا لأنّ النّسب كلّ عن اللّحوق به، أو لأنّه قد لحق به بالعرض من أحد طرفيه، وذلك لأنّ الانتساب ضربان:
أحدهما: بالعمق كنسبة الأب والابن.
والثاني: بالعرض كنسبة الأخ والعمّ، قال قطرب: الكَلَالَةُ: اسم لما عدا الأبوين والأخ، وليس بشيء، وقال بعضهم: هو اسم لكلّ وارث، كقول الشاعر:
٣٩٣-
والمرء يبخل في الحقو ... ق وللكلالة ما يسيم «٢»
من أسام الإبل: إذا أخرجها للمرعى، ولم يقصد الشاعر ما ظنّه هذا، وإنما خصّ الكلالة ليزهد الإنسان في جمع المال، لأنّ ترك المال لهم أشدّ من تركه للأولاد، وتنبيها أنّ من خلّفت له المال فجار مجرى الكلالة، وذلك كقولك: ما تجمعه فهو للعدوّ، وتقول العرب: لم يرث فلان كذا كَلَالَةً: لمن تخصّص بشيء قد كان لأبيه، قال الشاعر:
٣٩٤-
ورثتم قناة الملك غير كلالة ... عن ابني مناف عبد شمس وهاشم
«٣» والإِكْلِيلُ سمّي بذلك لإطافته بالرأس، يقال:
كَلَّ الرّجل في مشيته كَلَالًا، والسّيف عن ضريبته كُلُولًا، وكَلَّةً، واللّسان عن الكلام كذلك، وأَكَلَّ فلان: كَلَّتْ راحلتُهُ، والْكَلْكَلُ: الصّدر.
كلب
الكَلْبُ: الحيوان النّبّاح، والأنثى كَلْبَةٌ، والجمع: أَكْلُبٌ وكِلَابٌ، وقد يقال للجمع كَلِيبٌ. قال تعالى: كَمَثَلِ الْكَلْبِ [الأعراف/ ١٧٦] قال: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [الكهف/ ١٨] وعنه اشتقّ الكلب
стр. 703
للحرص، ومنه يقال: هو أحرص من كلب»
، ورجل كِلبٌ: شديد الحرص، وكَلْبٌ كَلِبٌ.
أي: مجنون يَكْلَبُ بلحوم الناس فيأخذه شبه جنون، ومن عقره كُلِبَ. أي: يأخذه داء، فيقال: رجل كَلِبٌ، وقوم كَلْبَى. قال الشاعر:
٣٩٥-
دماؤهم من الكلب الشّفاء
«٢» وقد يصيب الكَلِبُ البعيرَ: ويقال: أَكْلَبَ الرّجلُ: أصاب إبله ذلك، وكَلِبَ الشّتاءُ: اشتدّ برده وحدّته تشبيها بِالْكَلْبِ الْكَلِبِ، ودهر كَلِبٌ، ويقال: أرض كَلِبَةٌ: إذا لم ترو فتيبس تشبيها بالرّجل الكلب، لأنه لا يشرب فييبس. والكَلَّابُ وَالمُكَلِّبُ: الذي يعلّم الكلب. قال تعالى:
وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَ
[المائدة/ ٤] . وأرض مَكْلَبَةٌ: كثيرة الكلاب، والْكَلْبُ: المسمار في قائم السّيف، والْكَلْبَةُ:
سير يدخل تحت السّير الذي تشدّ به المزادة فيخرز به، وذلك لتصوّره بصورة الكلب في الاصطياد به، وقد كَلَبْتُ الأديم: خرزته، بذلك، قال الشاعر:
٣٩٦-
سير صناع في أديم تَكْلُبُهُ
«٣» والْكَلْبُ: نجم في السّماء مشبّه بالكلب لكونه تابعا لنجم يقال له: الرّاعي، والْكَلْبَتَانِ: آلة مع الحدّادين سمّيا بذلك تشبيها بكلبين في اصطيادهما، وثنّي اللّفظ لكونهما اثنين، والكَلُّوبُ: شيء يمسك به، وكَلَالِيبُ البازي:
مخالبه. اشتقّ من الكلب لإمساكه ما يعلق عليه إمساك الكلب.
كلف
الْكَلَفُ: الإيلاع بالشيء. يقال: كَلِفَ فلان بكذا، وأَكْلَفْتُهُ به: جعلته كَلِفاً، والْكَلَفُ في الوجه سمّي لتصوّر كُلْفَةٍ به، وتَكَلُّفُ الشيءِ: ما يفعله الإنسان بإظهار كَلَفٍ مع مشقّة تناله في تعاطيه، وصارت الْكُلْفَةُ في التّعارف اسما للمشقّة، والتَّكَلُّفُ: اسم لما يفعل بمشقّة، أو تصنّع، أو تشبّع، ولذلك صار التَّكَلُّفُ على ضربين:
محمود: وهو ما يتحرّاه الإنسان ليتوصّل به إلى
стр. 704
أن يصير الفعل الذي يتعاطاه سهلا عليه، ويصير كَلِفاً به ومحبّا له، وبهذا النّظر يستعمل التَّكْلِيفُ في تكلّف العبادات.
والثاني: مذموم، وهو ما يتحرّاه الإنسان مراءاة، وإياه عني بقوله تعالى: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ
[ص/ ٨٦] وقول النبي ﷺ : «أنا وأتقياء أمّتي برآء من التّكلّف» «١» . وقوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
[البقرة/ ٢٨٦] أي: ما يعدّونه مشقّة فهو سعة في المآل. نحو قوله: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ [الحج/ ٧٨] ، وقوله: فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً الآية [النساء/ ١٩] .
كلم
الكلْمُ: التأثير المدرك بإحدى الحاسّتين، فَالْكَلَامُ: مدرك بحاسّة السّمع، والْكَلْمُ: بحاسّة البصر، وكَلَّمْتُهُ: جرحته جراحة بَانَ تأثيرُها، ولاجتماعهما في ذلك قال الشاعر:
٣٩٧-
والْكَلِمُ الأصيل كأرغب الْكَلْمِ
«٢» الْكَلمُ الأوّل جمع كَلِمَةٍ، والثاني جراحات، والأرغب: الأوسع، وقال آخر:
٣٩٨-
وجرح اللّسان كجرح اليد
«٣» فَالْكَلَامُ يقع على الألفاظ المنظومة، وعلى المعاني التي تحتها مجموعة، وعند النحويين يقع على الجزء منه، اسما كان، أو فعلا، أو أداة. وعند كثير من المتكلّمين لا يقع إلّا على الجملة المركّبة المفيدة، وهو أخصّ من القول، فإن القول يقع عندهم على المفردات، والكَلمةُ تقع عندهم على كلّ واحد من الأنواع الثّلاثة، وقد قيل بخلاف ذلك «٤» . قال تعالى: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ
[الكهف/ ٥] ، وقوله: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ
[البقرة/ ٣٧] قيل: هي قوله: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف/ ٢٣] . وقال الحسن: هي قوله: «ألم
стр. 705
تخلقني بيدك؟ ألم تسكنّي جنّتك؟ ألم تسجد لي ملائكتك؟ ألم تسبق رحمتك غضبك؟ أرأيت إن تبت أكنت معيدي إلى الجنّة؟ قال: نعم» «١» .
وقيل: هي الأمانة المعروضة على السموات والأرض والجبال في قوله: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ الآية [الأحزاب/ ٧٢] ، وقوله: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة/ ١٢٤] قيل: هي الأشياء التي امتحن الله إبراهيم بها من ذبح ولده، والختان وغيرهما «٢» . وقوله لزكريّا: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران/ ٣٩] قيل: هي كَلِمَةُ التّوحيد. وقيل: كتاب الله. وقيل: يعني به عيسى، وتسمية عيسى بكلمة في هذه الآية، وفي قوله: وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ
[النساء/ ١٧١] لكونه موجدا بكن المذكور في قوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسى [آل عمران/ ٥٩] وقيل: لاهتداء الناس به كاهتدائهم بكلام الله تعالى، وقيل: سمّي به لما خصّه الله تعالى به في صغره حيث قال وهو في مهده:
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ الآية [مريم/ ٣٠] ، وقيل: سمّي كَلِمَةَ الله تعالى من حيث إنه صار نبيّا كما سمّي النبيّ ﷺ ذِكْراً رَسُولًا [الطلاق/ ١٠- ١١] «٣» . وقوله: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الآية [الأنعام/ ١١٥] . فَالْكَلِمَةُ هاهنا القضيّة، فكلّ قضيّة تسمّى كلمة سواء كان ذلك مقالا أو فعالا، ووصفها بالصّدق، لأنه يقال: قول صدق، وفعل صدق، وقوله: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ
[الأنعام/ ١١٥] إشارة إلى نحو قوله:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ الآية [المائدة/ ٣] ، ونبّه بذلك أنه لا تنسخ الشريعة بعد هذا، وقيل:
إشارة إلى ما قال ﵊: «أوّل ما خلق الله تعالى القلم فقال له: اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة» «٤» . وقيل: الكَلِمَةُ هي القرآن، وتسميته بكلمة كتسميتهم القصيدة كَلِمَةً، فذكر أنّها تتمّ وتبقى بحفظ الله تعالى إيّاها، فعبّر عن ذلك بلفظ الماضي تنبيها أن ذلك في حكم