← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 10011–10050 · переход к 10016.

стр. 10011

يضيقُ بأدنى العار ذَرْعًا وصدرُهُ … بأهوالِ ما يُدْني من الحمد نَفْنَفُ إذا قيل عونُ الدِّين يحيى تألَّق الـ … ـــغمامُ وماسَ السَّمْهَريُّ المُثَقَّفُ وقال أبو عبد الله محمد بن بختيار المعروف بالأبله الشَّاعر يمدحه: [من الكامل] ولع النَّسيم وبانة الجرعا … وصفاك إلَّا الحَلْي والوَدْعا يا دُميةً ضاقتْ خلاخلها … عنها وضقتُ بحبِّها ذَرْعا قد كنتُ ذا دَمْعٍ وذا جَلَدٍ … فبقيتُ لا جلدًا ولا دَمْعا صيَّرتِ جسمي للضَّنى سكَنًا … وسكنتِ بعد تبالةَ الجَزْعا يا مَنْ رأى أدماء سانحةً … قلبي لها لا المنحنى مَرْعى لاثتْ بمثل الدِّعْصِ مئزرها … وجَلَت بعودِ أراكةٍ طلْعا وإذا تُراجعكَ الكلامَ فلا … تَعدَمْ لأَيَّامِ الصِّبا رُجْعى ولقد سعت بالكأس تُصبحني … سكرى اللَّواحظ وَعْثة المَسْعى في مستنير الزهر ما صنعتْ … أبرادَه عَدَنٌ ولا صَنْعا باكرتُ مفترعًا ثراه وما … ركب الحمامُ لبانةٍ فَرْعا سَلَّت عليه البارقاتُ ظُبًى … لَبِسَ الغديرُ لخوفها دِرْعا يا عاذلي إن شئت تُسْمعني … عَذْلًا فَشُقَّ لصخرةٍ سَمْعا طَبْعًا جُبِلْتُ على الغرام كما … جُبِلَ الوزيرُ على النَّدى طَبْعا وقال محمد بن عبد الله سِبْط ابن التَّعاويذي يمدحه: [من الطويل] سقاها الحيا من أَرْبُعٍ وطلولِ … حَكتْ دَنَفي من بعدهم ونحولي ضمنتُ لها أجفانَ عينٍ قريحةٍ … من الدَّمْعِ مِدْرارِ الشُّؤون هَمُولِ لئن حال رَسْمُ الدَّارِ عما عهدْتُهُ … فعهدُ الهوى في القلب غير محيل خليليَّ قد هاج الغرامُ وشاقني … سنا بارِقٍ بالأَجْرعَينِ كليلِ ووكَّلَ طَرْفي بالسُّهاد تنظُّري … قضاءَ مليٍّ بالدِّيون مَطُولِ إذا قلتُ قد أنحلتِ جسمي صبابةً … تقولُ وهل حُبٌّ بغير نحولِ فإن قلتُ دمعي بالأسى فيك شاهدي … تقول شهود الدَّمْعِ غيرُ عدولِ فلا تعذلاني إنْ بكيتُ صبابةً … على ناقضٍ عهدَ الوفاءِ مَلُولِ

стр. 10012

فأبرحُ ما يُمنى به الصَّبُّ في الهوى … ملالُ حبيبٍ أو ملام عذولِ ودون الكثيب الفَرْدِ بيضٌ عقائلٌ … لعبْنَ بألبابٍ لنا وعقولِ غداة التقت ألحاظها وقلوبنا … فلم تجلُ إلَّا عن دمٍ وقتيلِ ألا حبذا وادي الأراك وقد وشَتْ … بريَّاك ريحا شمألٍ وقبُولِ وفي أبرديه كلَّما اعتلتِ الصَّبا … شفاءُ فؤادٍ بالغرام عليلِ دعوت سُلوًا فيك غير مساعدي … وحاولتُ صبرًا عنك غير جميلِ تعرفت أسبابَ الهوى وحملته … على كاهلٍ للنائبات حمولِ فلم أحظَ في حُبِّ الغواني بطائلٍ … سوى رَعْي ليل بالغرام طويلِ إلى كم تمنيني الليالي بماجدٍ … رزينِ وقارِ الحلم غير عَجُول أهز اختيالًا في هواه معاطفي … وأسحب تيهًا في ثراه ذيولي لقد طال عهدي بالنَّوال وإنني … لصبٌ إلى تقبيلِ كفِّ منيل وإنَّ ندى يحيى الوزير لكافلٌ … بها لي وعونُ الدِّين خيرُ كفيلِ وذكر قاضي القضاة ﵀ عن مؤلف سيرة الوزير، أَنَّ سببَ موته كما بلغنا أنه خرج مع المستنجد للصَّيد، فسقي مسهلًا، فقصر عن استفراغه، فدخل بغداد يوم الجمعة سادس جمادى الأُولى راكبًا متحاملًا إلى المقصورة لصلاة الجمعة، فصلَّى بها، وعاد إلى داره، فلما كان وقت صلاة الصُّبْح عاوده البلغم، فوقع مغشيًّا عليه، فصرخ الجواري، فأفاق، فسكَّتهن، وبلغ الخبر ولده عز الدين، فبادر إليه، فلما دخل عليه قال له: أستاذ الدار قد بث جماعة ليستعلم ما هذا الصِّياح، فتبسم الوزير على ما هو عليه، وأنشد: [من الطويل] وكم شامتٍ بي عند موتي جهالةً … بظلم يسلُّ السَّيفَ بعد وفاتي ولو علم المسكين ماذا يناله … من الضُّرِّ بعدي مات قبل مماتي ثم تناول مشروبًا، فاستفرغ به، ثم استدعى بماءٍ، فتوضأ للصَّلاة، وصلى قاعدًا، فسجد، فأبطأ عن القعود من السجود، فحركوه، فإذا هو ميتٌ، فطولع به الإمام المستنجد، فأمر بدفنه. وقال ابنُ القادسي: ولد سنة سبع وتسعين وأربع مئة، ولما بلغ موته عضد الدين أبو المظفر أُستاذ الدار كان بحضرته سبط ابنِ التعاويذي، فأنشد مرتجلًا: [من الخفيف]

стр. 10013

قال لي والوزير قدمات قومٌ … قُمْ لنبكي أبا المُظَفَّر يحيى قلت أهونْ عندي بذلك رُزْأ … ومصابًا وابنُ المُظَفَّر يحيا وقال آخر: [من الطويل] أيا رَبِّ مثلُ الماجدِ ابن هُبيرة … يموت ويحيا مثل يحيى بن جعفر يموت بيحيى كلُّ فَضْلٍ وسؤدد … ويحيا بيحيى كلُّ جَهْل ومُنْكَرِ (١) السَّنة الحَادية والسُّتون وخمس مئة فيها عاد ابن المشَّاط الواعظ إلى بغداد، وتعصَّبوا له، فجلس بجامع القَصر، وأظهر البِدَع، ووقعت الفِتَنُ بين الحنابلة والأشاعرة، وكان يقول: هذا كلام الهُدْهُد، هذا كلام بِلْقيس، ما قال الله هذا. وسُئِلَ عن تفسير التين والزيتون فقال: التين في الريحانيين، والزَّيتون في جميع الأسواق. وفيها هَرَبَ عِزُّ الدين محمد بن الوزير ابن هُبيرة من دار الخليفة، وأُخذ. وفيها فَتَحَ نورُ الدِّين العُرَيمة وصافيتا، وهدم قلعتيهما وسوريهما، وعصى عليه غازي بن حَسَّان صاحب منبج، فأخذ منه منبج، وأعطاه الرَّقَّة (٢). [فصل وفيها توفي إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم (٣) أبو إسحاق الموصلي الحنفي، تفقَّه على برهان الدين البَلْخي، وناب عنه في المدرسة الصادرية، وسمع منه الحديث وغيره، وكان أبوه قاضيًا على الرُّها، وتوفي أبوه في دمشق، وكان فاضلًا ثقة] (٤).

стр. 10014

وفيها توفي إسماعيل بن سُلْطان بن علي (١) ابن منقذ، شرف الدِّين والدولة، كان فاضلًا، نزل بغداد لما أُخذت منهم شَيزَر، ومن شعره: [من البسيط] سُقيتُ كأس الهوى علًّا على نَهَل … فلا تَزِدْنيَ كأسَ اللَّوْمِ والعَذَلِ ناى الحبيبُ فبي من نأْيه حُرَقٌ … لو لابَسَتْ جبلًا هَدَّت قُوى الجبلِ كم مِيتةٍ وحياةٍ ذُقْتُ طَعْمَهُما … مُذْ ذُقْتُ طَعْمَ النَّوى لليأس والأَمل وكم رَدعتُ فؤادي عن تهافُتِهِ … إلى الصَّبابة رَدْعَ الحازمِ البَطَلِ حتى أتاحت لي الأقدار غُرَّتَه … وكنتُ من أجَلي منها على وَجَلِ فانظر إليه تَرَ الأقمارَ في قمرٍ … وانظرْ إليّ تَرَ العُشَّاق في رَجُلِ (٢) الحسن بن العباس (٣) أبو عبد الله الأَصبهاني (٤)، الشيخ الصَّالح كان كثيرَ البكاء، ولم يكن بأصبهان في زمانه أزهد منه ولا أورع، قال: وقفتُ على ابن ماشاذة وهو يتكلَّم على النَّاس، فلما جاء الليل رأيتُ ربَّ العِزَّة في المنام، فقال لي: يا حسن، وقفتَ على مبتدع وسمعت كلامه؟! لأحرمنَّك النَظر في الدُّنيا، فاستيقظَ وعيناه مفتوحتان، ولا يبصر بهما شيئًا، ومات في صفر بأَصبهان. عبد الله بن الحسين، أبو محمد الأنصاري (٥) ويعرف بابن رواحة، ولد بحماة سنة ستٍّ وثمانين وأربع مئة، وقرأ القرآن بالرِّوايات، [وقال الحافظ ابن عساكر] (٦): قدم دمشق وصلَّى بالنَّاس التَّراويح في

стр. 10015

جامعها، وكانت له اليد البيضاء في القراءات، والتهجد في الخلوات، وكان يُشْعِرُ، مدح المقتفي، فَخَلَعَ عليه ثياب الخطابة، وقلَّده أمرها بحماة، ومن شعره: [من الوافر] إلهيَ ليس لي مولى سواكا … فَهَبْ من فَضْلِ فَضْلك لي رضاكا وإلَّا ترضَ عنِّي فاعْفُ عنِّي … لعلي أن أجوزَ به حِماكا فقد يَهَبُ الكريمُ وليس يرضى … وأنتَ مُحكَّمٌ في ذا وذاكا وكانت وفاته بحماة في المحرم. عبد الرَّحمن بن الحَسَن بن عَبدِ الرحمن بن طاهر (١) أبو طالب الحلبي، وكان جليل القَدْر، ويعرف بابن العَجَمي، تفقَّه ببغداد [على أَسْعد المِيهني] (٢)، وبدمشق [على نَصر بن إبراهيم المقدسي، وسمع من نَصر الحديث] (٢)، وبنى بحلب مدرسة للشافعية، وعمر جامع بَعْلَبَكَّ في أيام زَنْكي بن آق سُنْقُر، وتوفي بحلب في شعبان. عَبْدُ العَزيز بن الحُسين بن الجَبَّاب (٣) أبو المعالي، القاضي الجليس السَّعدي، كان يجالس الخلفاء في مِصر، ومن شِعْره: [من الطويل] ومن عَجَبٍ أَنَّ الصَّوارِمَ في الوغى … تحيضُ بأيدي القَوْم وهي ذكورُ وأَعْجَبُ من ذا أَنَّها في أكُفِّهم … تأجَّجُ نارًا والأكفُّ بحورُ (٤) وكتب إلى الصَّالح من رسالةٍ: وهو العزيز الكافي الكافل، والملك الذي تتكتب باسْمه الكتائب، وتتجحفل المحافل (٥)، جدد رسوم المملكة، وقد كاد يخفيها دثورها، وعاد إليها ضياؤها ونورها.

стр. 10016

[من الطويل] أعدتَ إلى جسم الوزارة رُوحَه … وما كان يُرْجى بعثُها ونُشُورُها أقامتْ زمانًا عند غيرك طامثًا … وهذا الأوانُ قَرْؤها وطَهُورُها من العَدْلِ أن يجتابَها (١) مستحِقُّها … ويخلَعَها مردودةً مستعيرُها إذا خَطَبَ الحسناءَ منْ ليس كُفْأَها … أشار عليها بالطَّلاق مشيرُها (٢) ولقد نَفَقَتْ في دولته أسواقُ الآداب بعدما كَسَدَتْ، وهَبَّتْ رياح الفَضْلِ بعدما ركدت، إذا لها الملوك بالقِيان والمعازف، كان لهوه بالعلوم والمعارف، وإن عَمَروا أوقاتهم باللَّهو والخمر، عمر أوقاته بالنَّهي والأمر: [من الطويل] مليك إذا ألهى الملوك عن اللُّها … خُمارٌ وخَمْرٌ هاجَرَ الدَّلَّ والدَّنَّا ولم تُنْسه الأوتادَ أوتارُ قينةٍ … إذا ما دعاه السيف لم يثنه المَثْنى ولا عَيبَ في إنعامه غير أنَّه … إذا مَنَّ لم يَتْبع مواهِبَهُ مَنَّا (٢) وقال: [من الطويل] بدا فأرانا منظرًا جامعًا لِمَا … تفرَّقَ من حُسْنٍ على الخَلْقِ مُوْنِقا أقاحًا وراحًا تحت وَرْدٍ ونرجسٍ … وليلًا وصُبْحًا فوق دِعْصٍ على نَقَا (٣) وقال يرثي أباه، وكان قد نزل البحر، فعصفت ريح، فأغرقت المركب: [من البسيط] وكنت أُهْدِي مع الرِّيح السلامَ له … ما هبت الرِّيحُ في صُبْحٍ وإمساءِ إحدى ثقاتي عليه كنتُ أحسبها … ولم أَخَلْ أنها من بعضِ أعدائي (٣)

стр. 10017

سيدنا الشيخ عبد القادر بن أبي صالح [أبو] (١) محمد، الجِيلي (٢). [ذكره جدِّي في "المنتظم"، وقال] (١): ولد سنة سبعين وأربع مئة، ودخل بغداد، [فسمع الحديث من أبي بكر أحمد بن المظفر بن سُوسَن التمَّار، وأبي القاسم علي بن أحمد بن بيان، وأبي طالب بن يوسف] (٣)، وتفقه على أبي سَعْد المُخَرِّمي، وكان أبو سَعْد قد بنى مدرسة لطيفة بباب الأَزَج، وفُوِّضَتْ إلى الشيخ عبد القادر، فتكلَّم على النَّاس [بلسان] (١) الوعظ، وظهر له صيتٌ بالزُّهد، وكان ذا صَمْتٍ وسَمْتٍ، فضاقت مدرسته بالنَّاس، فكان يجلس عند سور بغداد بباب الحَلْبة، مستندًا إلى الرِّباط، ويتوب عنده في المجلس خَلْقٌ كثير، فَعُمِّرت المدرسة ووسِّعت [وتعصَّبَ له العوام] (١)، وأقام في مدرسته يدرِّس ويعظ إلى أن توفي ليلة السبت ثامن ربيع الآخر، ودُفن في الليل في مدرسته، وقد بلغ تسعين سنة، [هذا صورة ما ذكره جدِّي ﵀ (٤). قلت] (١): صحب (٥) حمَّادًا الدَّبَّاسَ (٦)، ومنه اكتسب علوم المعاملات والحقائق، وكان سكوتُه أكثرَ من كلامه، وكان يتكلَّم على الخواطر، [فظهر له صيت عظيم وقبول تام] (٧)، وما كان يخرج من مدرسته إلَّا يوم الجُمُعة إلى الجامع، أو إلى الرِّباط، وتاب على يده معظمُ أهل بغداد، وأسْلَم معظمُ اليهود والنَّصارى، وما كان أحدٌ يراه إلَّا في

стр. 10018

أوقات الصَّلاة، وكان يَصْدع بالحقِّ على المنبر، وينكر على من يولِّي الظَّلَمة [على النَّاس] (١)، ولما ولَّى المقتفي القاضي ابن المُرَخِّم [الظالم] (١)، قال على المنبر: ولَّيتَ على المُسْلمين أَظْلَمَ الظَّالمين، ما جوابك غدًا عند ربِّ العالمين. وكان له كرامات ظاهرة، [ولقد أدركتُ جماعةً من مشايخنا يحكون منها جملة، حكى لي خالي لأمي، وكان اسمه خاصْبَك، قال:] (٢) كان الشيخ عبد القادر يجلس يوم الأحد [فَنمتُ ليلة الأحد] (١) مهتمًا بحضور مجلسه، فاتَّفقَ أنني احتلمْتُ، وكان ليلةً باردة، فقلتُ: ما أفوِّتُ مجلسه، وإذا انقضى المجلس اغتسلتُ، فجئتهُ إلى المدرسة، والشَّيخ على المنبر، فساعة وَقَعَتْ عينُه عليَّ قال: يا دبير، تحضرُ مجلسَنا وأنتَ جُنُبٌ وتحتجُّ بالبرد!. قال المصنِّفُ ﵀: حكى لي رجلٌ صالح من أهل الحَرْبية يقال له مُظَفَّر، قال: كنتُ ليلة الأحد أنام في مدرسة الشَّيخ عبد القادر لأجل المجلس [قال] (١): فمضيتُ ليلةً، وصَعِدْتُ على سطوح المدرسة، وكان الحَرُّ شديدًا، فاشتهيتُ الرُّطَب، وقلتُ: إلهي ولو أنها خمس رطبات. وكان للشيخ بابٌ صغير في السطوح، فَفُتح الباب، وخرج الشَّيخ وبيده خمس رطبات، وصاح: يا مظفر -وما يعرفني قبلها-: تعال خُذْ ما طلبتَ. [ومن هذا شيء كثير] (١). وكان ابنُ يونس وزير النَّاصر (٣) قد قَصَدَ أولادَ الشيخ عبد القادر، وبدَّدَ شملهم [وفَعَل في حَقِّهم كل قبيح، ونفاهم إلى واسط] (١)، فبدَّد الله شَمْلَه، ومزَّقه كلَّ ممزَّق، ومات أقبح موتة، [وسنذكره في موضعه] (١). وكان الشيخ [عبد القادر] (١) قد لبس خرقة المشايخ من أبي سَعْد المُخَرِّمي، ولبس المُخَرِّمي من أبي الحسن علي بن محمد القُرَشي، ولبس القرشي من أبي الفرج الطَّرسوسي، [ولبس الطرسوسي] (١) من أبي الفَضْل عبد الواحد التَّميمي، ولبس

стр. 10019

التميمي من والده عبد العزيز، ولبس عبد العزيز من أبي بكر الشِّبْلي، ولبس الشِّبْلي من أبي القاسم الجُنيد، ولبس الجنيد من خاله سَرِيّ السَّقَطي، ولبس سَرِيّ من معروف الكَرْخي، ولبس معروف من داود الطَّائي، ولبس داود من حبيب العَجَمي، ولبس حبيب من الحَسَن البَصْري، ولبس البَصْري من عليِّ بن أبي طالب ﵇. وللخِرْقة طريقٌ آخر إلى عليِّ بن موسى الرِّضا، ولا يثبت سنده مثل الحديث، وإنما المعتبر فيها الصُّحبة. [وقد ذكرنا تاريخ وفاته، وأنه] (١) دُفِنَ ليلًا من كثرة الزِّحام، فإنَّه لم يبقَ ببغداد أحدٌ إلَّا وجاء إلى باب الأَزَج، وامتلأتِ الحَلْبة والشَّوارع والأسواق والدُّروب، فلم يتمكَّنوا من دفنه في النَّهار، وتوفي وله اثنتان وتسعون سنة. ذِكْرُ أولاده: [وكان له] (٢) جماعة من الولد: عبد الوَهَّاب، وعبد الرَّزَّاق، وعبد العزيز، وسليمان، وإبراهيم، وغيرهم، [وسنذكرهم في مواضعهم] (٢). قلتُ (٣): هذا حاصل ما ذكر المصنف ﵀ في ترجمته، والعجبُ منه، فإنَّه يذكر من لا يلحق بأصاغر أصحابه، ويبسط القول، ويذكر من المناقب والأقوال ما ينبِّه به على محل الشخص، ولعله اكتفى بشهرة سيدنا الشَّيخ عبد القادر رحمة الله عليه، فاخْتَصَر، وسلك أسلوبَ جدِّه الشيخ جمال الدين أبي الفَرَج ﵀، فإنَّه ذكره في "مناقب الإمام أحمد" (٤) رحمة الله عليه، ذكر فيه المختارين من الطبقة الثَّامنة من أصحاب الإمام أحمد بن حنبل ﵁ وأتباعه، فقال: عبد القادر بن أبي صالح الجِيلي، تفقَّه على أبي سَعْد المُخَرِّمي، وسَمِعَ الحديث، ثم لازم الانقطاع عن النَّاس في مدرسته، متشاغلًا بالتدريس والتذكير، وبلغ من العمر تسعين سنة، وتوفي في ليلة السبت ثامن ربيع الآخر سنة إحدى وستين وخمس مئة، ودفن في مدرسته.

стр. 10020

هذا صورةُ ما ذكر لا غير، وسأذكر شيئًا من أحواله على وَجْه الاختصار، فإنَّ مناقبه أكثر من أن تحصر، فأقول: هو سَيِّدُنا شيخ الإسلام، تاجُ العارفين، محيي الدِّين، أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح موسى بن عبد الله بن يحيى الزَّاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵃ أجمعين - الهاشمي العَلَوي الحَسَني الجِيلي الحَنْبلي؛ سِبْط أبي عبد الله الصَّوْمعي الزاهد، وبه كان يعرف حيث كان بجِيلان، وأمه أم الخير أَمَة الجبَّار فاطمة بنت أبي عبد الله الصَّومعي، وكان لها حَظٌّ وافرٌ من الخير والصَّلاح. ولد ﵁ سنةَ سبعين وأربع مئة، قال ولده عبدُ الرَّزَّاق: سألتُ والدي عن مولده، فقال: لا أعلمه حقيقةً، لكني قَدِمْتُ بغداد في السَّنة التي مات فيها التَّميمي، وعمري إذ ذاك ثماني عشر سنة، والتميمي توفي سنة ثمانٍ وثمانين وأربع مئة. وقال أبو سَعْد الهاشمي الجِيلي، وأم الخير سعدى بنت أبي البَسَّام الجيلية: كان لأُمِّ الخير أَمَة الجَبَّار أُم الشيخ عبد القادر ﵁ قَدَمٌ في هذا الأمر، وسمعناها تقول غير مرَّة: لما وضعتُ ابني عبد القادر كان لا يرضع ثديه في نهار شهر رمضان، وغُمَّ على النَّاس هلالُ شهر رمضان، فأتوني وسألوني عنه، فقلتُ: لم يلقم اليوم ثديًا، ثم اتَّضح أنَّ ذلك اليوم كان من رمضان، واشتَهر ببلدنا في ذلك الوقت أنه وُلدَ للأشراف ولدٌ لا يرضع في نهار رمضان. وقال الشيخ الإمام موفق الدِّين ﵀: كان شيخُنا محيي الدِّين عبد القادر ﵀، نحيفَ البدن، رَبْعَ القامة، عريضَ الصَّدْر واللِّحية، طويلها، أسمر، مقرون الحاجبين، حفيًّا، ذا صوتٍ جَهْوَرِي، وسَمْتٍ بهيٍّ، وقَدْبىرٍ عليٍّ، وعِلْمٍ وفيٍّ، ﵁. وقال إبراهيم بن سعيد الدَّاري: كان شيخُنا عبد القادر ﵁ يَلْبَسُ لباس العلماء، ويتطيلس، ويركب البغلة، وتُرفع الغاشية بين يديه، ويتكلَّم على كُرْسي عالٍ، وكان في كلامه سرعة وجَهْر، وله كلمةٌ مسموعة، إذا قال أُنْصِتَ له، وإذا أمر ابْتُدِر لأمره، وإذا رآه ذو القلب القاسي خَشَع، وإذا مرَّ إلى الجامع يوم الجمعة وقف النَّاس في الأسواق يسألون الله تعالى به حوائجهم، وكان له صيتٌ وصوت، وسَمْت وصمت، ولقد عَطَسَ

стр. 10021

يوم جمعة، فشمَّته النَّاس حتى سُمِعَتْ في الجامع ضجَّةٌ عظيمة يقولون: يرحمك الله، ويرحم بك. وكان المستنجد بالله الخليفة في مقصورة الجامع، فقال: ما هذه الضَّجة؟ قيل له: قد عَطَسَ الشيخ عبد القادر. فهاله ذلك. وقال الشيخ المعمَّر جرادة: ما رأتْ عيناي أَحْسَنَ خُلُقًا ولا أَوْسَعَ صَدْرًا، ولا أَكرمَ نفسًا، ولا أعطف قلبًا، ولا أحفظ عهدًا وودًّا من سيِّدنا الشيخ عبد القادر، ولقد كان مع جلالة قَدْره، وعلوِّ منزلته، وسَعَة عِلْمه يقف مع الصَّغير، ويوقِّر الكبير، ويبدأ بالسَّلام، ويجالس الضُّعفاء، ويتواضع للفُقَراء، وما قام لأحدٍ من العظماء ولا الأعيان، ولا أَلَمَّ ببابِ وزير قَطُّ ولا سلْطان. وحكى محمَّد بن الخضر، عن أبيه، قال: خدمتُ سَيِّدي الشيخ عبد القادر ثلاث عشرة سنة، فما رأيتُه فيها يتمخط ولا يتنخَّع، ولا قعدت عليه ذُبابة، ولا قام لأحدٍ من العظماء، ولا أَلَمَّ ببابِ ذي سُلطان، ولا جَلَسَ على بساطه، ولا أكل من طعامه إلَّا مرَّة واحدة، وكان يرى الجلوسَ على بساط الملوك ومن يليهم من العقوبات المعجَّلة. وكان يأتيه الخليفة أو الوزير أو من له الحُرْمة الوافية وهو جالسٌ، فيقوم ويدخل داره، فإذا جلس خَرَج الشيخ ﵁ من داره لئلا يقوم لهم، وإنَّه ليكلِّمَهم الكلام الخشِن، ويبالغ لهم في العِظَة، وهم يقبِّلُون يده، ويجلسون بين يديه متواضعين متصاغرين. وكان إذا كاتَبَ الخليفةَ يكتب إليه: عبد القادر يأمرك بكذا، وأمره نافِذٌ عليك، وطاعتك واجبة عليه، وهو لك قُدْوة وعليك حُجَّة. فإذا وقف الخليفة على ورقته قَبَّلها، وقال: صَدَقَ الشيخ. وقال الشيخ محمد بن قائد الأَوَاني - وسيأتي ذكره في هذا الكتاب -: كنتُ عند سيدنا عبد القادر ﵁، فسأله سائل: علامَ بنيت أمرك؟ قال: على الصدْق، ما كذبتُ قَطُّ، ولا لما كنتُ في المكتب، ثم قال: كنتُ صغيرًا في بلدنا، فخرجتُ إلى السَّواد في يوم عَرَفة، وتبعت بقرًا حَرَّاثة، فالتفتتْ إليَّ بقرة، وقالت لي: يا عبد القادر، ما لهذا خُلِقْتَ، ولا بهذا أُمرتَ. فرجعتُ فَزِعًا إلى دارنا، وصَعِدْتُ إلى سطح الدَّار، فرأيتُ النَّاس واقفين بعرفات، فجِئْتُ إلى أُمي، وقلتُ لها: هبيني لله ، وَأْذني لي في المسير إلى بغداد أشتغل بالعِلْم، وأزور الصَّالحين. فسألتني عن سبب ذلكَ؟ فأخبرتُها

стр. 10022

خبري، فبكَتْ وقامتْ إلى ثمانين دينارًا ركنية، وَرَّثَها أبي، فتركتْ لأخي أربعين دينارًا، وخاطت في دَلَقي تحت إِبْطي أربعين دينارًا، وأَذِنَتْ لي في المسير، وعاهدتني على الصِّدْق في كلِّ أحوالي، وخرجتْ مودِّعة لي، وقالت: يا ولدي، اذهَبْ فقد خَرَجْتُ عنك لله ، فهذا وَجْه لا أراه إلى يوم القيامة. فسرتُ مع قافلةٍ صغيرة نطلبُ بغداد، فلما تجاوزنا هَمَذان، وكُنَّا بأرض برتيك خَرَج علينا ستون فارسًا، فأخذوا القافلة، ولم يتعرَّض لي أحد، فاجتاز بي أحدهم، وقال: يا فقير، ما معك؟ فقلتُ: أربعون دينارًا، فقال: وأين هي؟ قلتُ: مخاطة في دَلَقي تحت إِبْطي. فظنني أستهزئ منه، فتركني وانصرف. ومرَّ بي آخر، فقال لي مِثْلَ ما قال الأَوَّل، وأجبته كجواب الأول. فتركني وانصرف، وتوافيا عند مقدَّمهم، وأخبراه بما سمعاه مني، فقال: عليَّ به، فأُتي بي إليه، وإذا هم على تلٍّ يقتسمون أموال القافلة، فقال لي: ما معك؟ قلتُ: أربعون دينارًا، فقال: وأين هي؟ قلتُ: مخاطة في دَلَقي تحت إبْطي. فأمر بدَلَقي فَفُتِقَ، فوجد فيه الأربعين دينارًا، فقال لي: ما حَمَلَك على هذا الاعتراف؟ قلت: إنَّ أمي عاهدتني على الصِّدْق، فأنا لا أخون عهدها. فبكى، وقال: أنتَ لم تَخُنْ عهدَ أُمِّك، وأنا اليوم كذا وكذا سنة أخون عهد ربي. فتاب على يدي، فقال له أصحابه: أنتَ كنتَ مقدَّمنا في قَطْع الطَّريق، وأنتَ الآن مقدَّمنا في التوبة. فتابوا كلُّهم على يدي، وردُّوا على القافلة ما أخذوا منهم، فهم أول من تاب على يدي. وقال سيدنا الشيخ محيي الدين رحمة الله عليه: بلغتْ بي الضَّائقة في غلاءٍ نَزَلَ ببغداد، إلى أَنْ بقيت أيامًا لم آكل فيها طعامًا، بل كنت أتَّبعُ المنبوذات أَطْعَمُها، فخرجتُ يومًا من شِدَّة الجوع إلى الشَّطِّ لعلِّي أجد وَرَقَ الخسِّ أو البَقْل أو غير ذلك من المنبوذات، فأتقوتُه، فما ذهبتُ إلى موضعٍ إلَّا وجدت غيري قد سبقني إليه، وإنْ أدركتُ شيئًا وجدتُ جماعةً من الفقراء، ولا أستحسن مزاحمتهم عليه، فرجعتُ أمشي وسط البلد، فلا أدرك موضعًا قد كان فيه شيء منبوذ إلَّا وقد سُبِقْتُ إليه، حتى وصلتُ إلى مسجد في سوق الريحانيين وقد أجهدني الجوع، وعَجَزْتُ عن التَّماسك، فدخلتُ إليه، وقعدتُ في جانبٍ منه، وقد كدت أُصافح الموت، إذْ دَخَلَ شابٌّ عجمي ومعه خبز رصافي وشواء، وجلس يأكل، فكنتُ أكاد كلَّما رَفَعَ يده باللُّقْمة أفتح فمي من شِدَّة

стр. 10023

الجوع، حتى أنكرتُ على نفسي، وقلت: ما هذا؟ ما ها هنا إلَّا الله، أو ما قضاه من الموت، إذ التفت العجمي إليَّ فرآني، فقال: بسم الله يا أخي، فأبيتُ عليه، فأقسم عليَّ، فبادرَتْ نفسي إلى إجابته، فأكلتُ مقصرًا، وأخذ يسألني: ما شُغْلُك؟ ومِنْ أين أنت؟ ومن تعرف؟ فقلتُ: أما شغلي فمتفقِّه، وأما مِنْ أين أنا؟ فمن جِيلان. فقال لي: فأنا أيضًا جِيلاني، فهل تعرف لي شابًّا جِيلانيًّا يسمَّى عبد القادر، ويعرف بسِبْط أبي عبد الله الصَّوْمعي الزَّاهد؟ فقلتُ: أنا هو. فاضطربَ لذلك، وتغيَّر وجهه، وقال: والله يا أخي، لقد وصلتُ بغداد ومعي بقيةُ نفقةٍ لي، فسألتُ عنك، فلم يرشدني أحدٌ إلى أن نَفِدَتْ نفقتي، وبقيتُ بعدها ثلاثة أيام لا أجد ثمن قوتي إلَّا مما لك معي، فلما كان هذا اليوم الرَّابع، قلتُ: قد تجاوزتني ثلاثةُ أيامٍ لم آكل فيها طعامًا، وقد أَحَلَّ لي الشَّرْعُ أَكْلَ الميتة، فأخذتُ من وديعتك من هذا الخُبْز والشِّواء، فَكُلْ طَيّبًا، فإنَّما هو لك، وأنا ضيفُك الآن بعد أن كان في الظَّاهر لي وأنت ضيفي. فقلتُ: وما ذاك؟ فقال: إنَّ أمك وجَّهت لك معي ثمانية دنانير، فاشتريتُ منها هذا الطَّعام، وأنا معتذر إليك من خيانتي لك مع فُسحة الشَّرْع لي في بعض ذلك، فسكَّنْتُه وطيَّبْتُ من نفسه، وفَضَلَ من طعامنا ما دفعته إليه مع شيء من الذَّهب، فقَبِلَه، وانصرف. وقال عبد الله السُّلمي: سمعت سيِّدنا الشيخ عبد القادر رحمة الله عليه يقول: بقيتُ أيامًا لم أستطعم فيها بطعام، فبينا أنا في باب محلَّة القطيعة الشَّرْقية؛ وإذا رجلٌ قد جعل في يدي قرطاسة مصرورة وانصرف، فأقبلتُ حتى دفعته لبعض البقَّالين، وأخذتُ منه خبز سعيد وخبيصًا (١)، وجئتُ إلى مسجدٍ مُفْرد كنتُ أخلو فيه لإعادة الدَّرْس، وتركتُ ذلك في القِبْلة بين يديَّ، وأخذتُ أفكر: هل آكل أم لا؟ فلمحت قِرْطاسًا مطويًّا في خَلَلِ الحائط، فتناولتُه، فإذا فيه مكتوب: قال الله تعالى في بعض كُتُبه السَّالفة: ما للأقوياء والشَّهوات، إنَّما جُعِلَتِ الشهواتُ لضعفاء المساكين المؤمنين ليستعينوا بها على الطَّاعات. قال: فأخذتُ المنديل، وتركتُ ما كان فيه في القبلة، وصلَّيتُ ركعتين، وانصرفْتُ. وقال الشيخ طلحة بن مُظَفَّر العَلْثي: قال شيخنا عبد القادر: أقمتُ ببغداد في بدوِّ أمري عشرين يومًا ما أجد ما أقتاتُ به، ولا أجد مباحًا، فخرجتُ إلى خراب إيوان

стр. 10024

كسرى أطلبُ مباحًا، فوجدتُ هنالك سبعين رجلًا من الأولياء كلهم يطلب ما طلبت، فقلتُ: من المروءة أنْ أُزاحمهم؟! فرجعتُ إلى بغداد، فلقيني رجلٌ أعرفه من بلد أهلي، فأعطاني قُراضة (١)، وقال: هذه بعثتْ بها أُمُّك إليك معي، فأخذتُ منها قطعة تركتها لنفسي، وأسْرعتُ بالباقي إلى خراب الإيوان، وفرَّقت القُراضة كلَّها على أولئك السبعين، فقالوا لي؟ ما هذا؟ قلتُ؟ إنَّه قد جاءني هذا من عند أمي، وما رأيتُ أن أتخصص به دونكم. ثم رجعتُ إلى بغداد، واشتريتُ بالقطعة التي معي طعامًا، وناديت فقراء، فأكلنا جميعًا، ولم يبت معي من القُراضة شيء. وقال أبو عبد الله النجار: قال لي سيِّدنا الشيخ عبد القادر: تَرِدُ عليَّ الأثقالُ الكبيرة لو وُضِعَتْ على الجبال تفسَّخت، فإذا كثرت عليَّ وضعتُ جنبي على الأرض، وقلتُ ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦] ثُمَّ أرفع رأسي وقد انفرجت عني تلك الأثقال. وقال لي: كنتُ أشتغلُ بالفِقْه على المشايخ، وأخرج إلى الصَّحراء، ولا آوي في بغداد، وأجلس في الخراب باللَّيل والنَّهار، وكنتُ ألبس جُبَّة صوفٍ، وعلى رأسي خُريقة، وكنتُ أمشي حافيًا في الشَّوك وغيره، وأقتات بخرنوب الشوك، وقمامة البَقْل، وورق الخسِّ من جانب النَّهر والشَّطِّ، وما هالني شيء إلَّا سلكته. وقال لي: كنتُ آخذ نفسي بالمجاهدة حتى طَرَقني من الله الحال، فكان يَطْرُقني بالليل والنهار وأنا في الصَّحراء، فأصرخ وأهجُّ (٢) على وجهي، وما كنتُ أعرف إلَّا بالتخارس والجنون، وحُمِلْتُ إلى البيمارَسْتان، وطرقتني الأحوال حتى متُّ، وجاؤوا بالكفن والغاسل، وجعلوني على المغتسل ليغسلوني، ثم سُرِّي عني وقمتُ. وقال الجُبَّائي: قال لي سيدنا الشيخ عبد القادر: أتمنى أن أكون في الصَّحارى والبراري كما كنتُ في الأوَّل، لا أرى الخَلْق ولا يروني، ثم قال: أراد الله مني منفعة الخلق، فإنَّه قد أسلم على يدي أكثر من خمس مئة من اليهود والنَّصارى، وتاب على يدي من العَيَّارين والمشالحة وقُطَّاع الطُّرُق أكثر من مئة ألف، وهذا خيرٌ كثير.

стр. 10025

وقال عمر الكميماثي: لم تكن مجالس سيِّدنا الشيخ عبد القادر تخلو ممن يسلم من اليهود والنصارى، ولا ممن يتوب عن قَطْع الطَّريق، وقَتْل النَّفْس، وغير ذلك من الفساد، ولا ممن يرجع عن معتقد سيئ، وأتاه راهِبٌ، وأسلم على يديه في المجلس، ثم قال للنَّاس: إنِّي رجلٌ من أهل اليمن، وإنَّ الإسلام وقع في نَفْسي، وقوي عزمي على أن لا إسلام إلَّا على يد خير أهل اليمن في ظنِّي، وجلستُ مفكِّرًا، فغلب عليَّ النوم، فرأيتُ عيسى بن مريم صلوات الله عليه يقول لي: يا سِنان، اذهب إلى بغداد، وأسلم على يد الشيخ عبد القادر، فإنَّه خيرُ أهلِ الأرض في هذا الوقت. قال: وأتاه مرة أخرى ثلاثة عشر رجلًا من النَّصارى، وأسلموا على يده في مجلس وعظه، وقالوا: نحن من نصارى المغرب، وأردنا الإسلام، وتردَّدْنا فيمن نقصده لنسلم على يديه، فهتف بنا هاتِفٌ نسمعُ كلامه ولا نرى شخصه يقول: أيُّها الركب ذا الفلاح، ائتوا بغداد، وأسلموا على يد الشيخ عبد القادر، فإنَّه يوضع في قلوبكم من الإيمان عنده ببركته ما لم يوضع فيها عند غيره من سائر الناس في هذا الوقت. وقال عبد الله الجُبَّائي: كان الشيخ عبد القادر يومًا يتكلَّم في الأسواق في الإخلاص والرِّياء والعُجْب، فالتفتَ إليَّ الشيخ، وقال: إذا رأيتَ الأشياء من الله، وأنَّه وفقك لعمل الخير، وأخرجتَ نفسك من البَين، سَلِمْتَ من العُجْب. وقال أبو الفرج بن الحمامي: كنتُ كثيرًا ما أسمع عن الشيخ عبد القادر أشياء أستبعد وقوعها، وأنكرها وأدفعها، وكنتُ بحسب ذلك أتشوق إلى لقائه، واتَّفق أني مضيتُ إلى باب الأزَج لحاجةٍ كانت لي هناك، فلما عُدْتُ مررت بمدرسة الشيخ والمؤذن يقيم الصَّلاة؛ فتنبهت بالإقامة على ما كان في نفسي، فقلت: أُصلي العصر، وأُسَلِّم على الشيخ، وذهب عني أنني على غير وضوء، فصلَّى بنا العصر، فلما فرغ من الصَّلاة والدُّعاء، أقبل عليَّ، وقال: أي بني، لو قدمتني بالقَصْد على حاجتك لقضيت لك، ولكن الغفلة شاملة لك، بحيث قد صليت على غير وضوء، وقد سهوت عن ذلك. قال: فتداخلني من العجب بحاله ما أَدْهشني وأَذْهَلَ عقلي من كونه عَلِمَ من حالي ما خفي عني، وحيَّرني، ومنذ حينئذ لازمتُ صحبته، وتعلَّقْتُ بمحبته وخِدْمته، وتعرَّفْتُ بذلك شمول بركته.

стр. 10026

وقال الجُبَّائي: كنتُ أسمع كتاب "حلية الأولياء" على ابنِ ناصر، فَرَقَّ قلبي، وقلتُ في نفسي: أشتهي أن انقطع عن الخَلْق، وأشتغل بالعبادة. ومضيتُ وصليتُ خلف الشَّيخ عبد القادر، فلما صلَّى جلسنا بين يديه، فنظر إليَّ، وقال: إذا أردتَ الانقطاع فلا تنقطع حتى تتفقَّه، وتجالس الشُّيوخ، وتتأدَّب بهم، فحينئذٍ يصلحُ لك الانقطاع، وإلا فتمضي وتنقطع قبل أن تتفقه، وأنت فريخ ما ريَّشْتَ، فإنْ أشكل عليك شيء من أمر دينك تخرج من زاويتك وتسأل النَّاس! ينبغي لصاحب الزَّاوية أن يكون كالشمعة ليستضاء بنوره. وقال لي الشيخ أبو الثناء النهرملكي: سمعتُ أنَّ الشيخ عبد القادر لا يقع في ثيابه ذبابة، فقلتُ له: ما لي علم بهذا! وفي بكرة الجمعة اتفقنا ومضينا إلى مجلس الشيخ، فالتفتَ إلينا في أثناء المجلس، وقال: أي شيء تعمل الذُّبابة عندي، لا دبس الدُّنيا عليَّ ولا عَسَلُ الآخرة! وقال أبو محمّد داود البغدادي: رأيتُ في منامي سنة ثمانٍ وأربعين وخمس مئة الشيخ معروف الكَرْخي تأتيه قِصَصُ النَّاس، وهو يعرضها على الله تعالى، فقال لي: يا داود، هاتِ قصَّتك أعرضها على الله تعالى، فقلتُ: وشيخي عزلوه؟ أعني الشيخ عبد القادر. فقال: لا والله ما عزلوه ولا يعزلونه. ثم استيقظتُ، وأتيتُ في السَّحَر إلى مدرسة الشيخ، وجلستُ على باب داره لأُخبره، فناداني مِنْ داخل داره قبل أَنْ أراه أَوْ أكلِّمه: يا داود شيخك ما عزلوه ولا يعزلونه، وهاتِ قِصَّتك أعرضها على الله ، فَوَعِزَّتِهِ، ما عرضتُ قِصَّةً لأصحابي ولا لغيرهم، فَرُدَّتْ على مسألتي فيها. وقال عمر بن حسين بن خليل الطِّيبي: حضرتُ مجلس سيدنا الشيخ عبد القادر، وكنت قاعدًا محاذي وجهه، فرأيتُ شيئًا على هيئة القِنْديل البِلَّوْر نَزَلَ من السَّماء إلى أَنْ قارَبَ فم الشَّيخ، ثم عاد وصَعِدَ سريعًا، هكذا ثلاث مرات، فما تمالكتُ أَنْ قمتُ لأقول للنَّاس من فَرْط تَعجُّبي، فبادرني وقال: اقعد، فإنَّ المجالس بالأمانة. فلم أتكلَّم به إلَّا بعد موته. وقال يحيى بن نجاح الأديب: قلتُ في نفسي: أريد أُحصي كم يقصّ الشيخ عبد القادر شعرًا من التُّوَّاب (١) في مجلس وعظه، فحضرتُ المجلس ومعي خيطٌ، فلما

стр. 10027

قص شعرًا عقدتُ عقدة تحت ثيابي من الخيط، وأنا في آخر النَّاس، وإذا به يقول: أنا أحل وأنت تعقد. وقال أبو الخير كرم بن الشيخ القدوة مطر الباذرائي: لما حضرتْ أبي الوفاةُ، قلتُ له: أَوْصني بمن أقتدي بعدك؟ فقال: بالشيخ عبد القادر. فظننته في غَلَبَةِ مرضه، فتركتُه ساعةً، ثم قلتُ له: أوصني بمن أقتدي بعدك؟ قال: بالشِّيخ عبد القادر، فتركته ساعةً، ثم أَعدْتُ عليه القول، فقال: يا بني، زمانٌ يكون فيه الشيخ عبد القادر لا يقتدى إلَّا به. فلما مات أتيتُ بغداد، وحضرتُ مجلس الشيخ عبد القادر، وفيه الشيخ بقاء بن بطو، والشيخ أبو سعد القيلوي والشيخ علي بن الهيتي، وغيرهم من أعيان المشايخ، فسمعتُه يقول: لستُ كوعاظكم، إنما أنا بأمر الله، إنما كلامي على رجال في الهواء. وجعل يرفع رأسه إلى الهواء، فرفعتُ رأسي إلى الفضاء، فإذا بإزائه صفوف رجال من نور على جبل من نور، قد حالوا بين نظري وبين السَّماء من كثرتهم، وهم مُطْرقون، ومنهم من يبكي، ومنهم من يرعد، ومنهم من في ثيابه نار، فأُغشي عليَّ، ثم قمتُ أعدو، وأشقُّ النَّاس حتى طلعت إليه فوق الكرسي، فأمسك بأُذُني، وقال: يا كرم، أما اكتفيتَ بأَوَّل مرَّة من وصية أبيك! فأطرقتُ من هيبته. وقال مفرج بن نبهان بن ركاب الشيباني: لما اشتهَرَ أمرُ الشَّيخ عبد القادر اجتمع مئة فقيه من أعيان فقهاء بغداد، وأذكيائهم، على أن يسأله كلُّ واحدٍ منهم مسألة في فنٍّ من العلوم غير مسألة صاحبه، ليقطعوه بها، وأتوا مجلس وعظه، وكنتُ يومئذٍ فيه، فلما استقرَّ بهم المجلس أطرق الشَّيخ، فظهرت من صدره بارقةٌ من نور لا يراها إلَّا مَنْ شاءَ الله تعالى، ومرَّت على صدور المئة، ولا تمرُّ على أحدٍ منهم إلَّا ويُبْهَتُ ويضطرب، فصاحوا صيحةً واحدة، ومزَّقوا ثيابهم، وكشفوا رؤوسهم، وصَعِدُوا إليه فوق الكرسي، ووضعوا رؤوسهم على رِجْليه، وضجَّ أهلُ المجلسِ ضجَّةً واحدة، ظننتُ أنَّ بغداد رُجَّتْ لها، فجعل الشيخ يضمُّ إلى صدره واحدًا منهم بعد واحدٍ، حتى أتى على آخرهم، ثم قال لأحدهم: أما أنتَ فمسأَلَتُك كذا، حتى ذَكَر لكلٍّ منهم مسألته وجوابَها، فلما انقضى المجلس أتيتُهم، وقلتُ لهم: ما شأنكم؟ قالوا: لما جلسنا فقدنا جميع ما نعرفه من العِلْم حتى كأنه لم يمر بنا قَطّ، فلما ضمَّنا الشَّيخ إلى صَدْره

стр. 10028

رَجَعَ إلى كلٍّ منّا ما نُزِعَ منه من العِلْم، ولقد ذكر لنا مسائلنا التي بيتناها له، وذكر فيها أجوبةً لا نعرفها. وقال أبو الحجر حامد الحَرَّاني الخطيب: دخلتُ على الشيخ عبد القادر رحمة الله عليه بمدرسته ببغداد، وجلستُ عنده على سَجَّادةٍ لي، فنظر إليَّ، وقال: يا حامد، لتجلسنَّ على بساط الملوك. فلما رجعتُ إلى حَرَّان جبرني السُّلطان نور الدِّين الشَّهيد على ملازمته، وقرَّبني، وأَجْلَسني على بساطه، وولَّاني الأوقاف، فكنتُ أتذكر كلامَ الشيخ ﵁. وقال أحمد بن صالح الجيلي: كنت مع سيِّدنا الشيخ عبد القادر بالمدرسة النِّظامية، واجتمع إليه الفقهاء والفقراء، فتكلَّم عليهم في القضاء والقدر، فبينا هو يتكلَّم إذ سقطتْ حيةٌ عظيمة في حِجْره من السَّقف، ففرَّ منها كلُّ مَنْ كان حاضرًا عنده، ولم يبق إلَّا هو، ودخلتِ الحيةُ تحت ثيابه، ومرَّت على جسده، وخرجت من طوقه، والتفَّتْ على عُنُقه، ومع ذلك ما قَطَعَ كلامه، ولا غيَّر جلسته، ثم نزلتْ إلى الأرض، وقامت على ذنبها بين يديه، فصوَّتت، ثم كلَّمها بكلامٍ ما فهمناه، ثم ذهبتْ، فجاء النَّاسُ إليه، وسألوه عما قالت له، وقال لها، فقال: قالت لي: لقد اختبرتُ كثيرًا من الأولياء فلم أَرَ مثل ثباتك. فقلتُ لها: إنَّك سَقَطتِ عليَّ وأنا أتكلَّم في القضاء والقدر، وهل أنت إلَّا دُوَيبَّةٌ يحرِّكُك ويُسَكِّنُك القضاء والقدر! فأردتُ أن لا يناقض فِعْلي قولي. وقال عبد الرَّزَّاق ابنُ سيدنا الشيخ محيي الدِّين رحمة الله عليه: سمعتُ والدي يقول: كنتُ ليلةً في جامع المنصور أُصلِّي، فسمعتُ حِسَّ مشي شيءٍ على البواري (١)، فجاءت أَصَلَةٌ (٢) عظيمة، ففتحت فاها موضعَ سجودي، فلما أَرَدْتُ السجود دَفَعْتُها بيدي، وسجدتُ، فلما جلست للتشهُّد مشت على فَخِذي، وطلعت على عُنُقي، والتفَّتْ عليه،، فلما سلَّمْتُ لم أرها، فلما كان من الغد دخلتُ خربة بظاهر الجامع، فرأيتُ شخصًا عيناه مشقوقتان طولًا، فعلمتُ أنَّه جني، فقال: أنا الأَصَلة التي رأيتها البارحة، ولقد اختبرت كثيرًا من الأولياء بما اختبرتك به، فلم يثبت منهم لي كثباتك،

стр. 10029

وكان منهم من اضطرب ظاهرًا وباطنًا، ومنهم من اضطرب باطنُه، وثبت ظاهره، ورأيتك لم تضطرب باطنًا ولا ظاهرًا، وسألني أن يتوبَ على يدي، رحمة الله عليه. سمعتُ والدي ﵀ يقول: خرجت في بعض سياحاتي إلى البرية، ومكثتُ أيامًا لا أجد ماءً، فاشتدَّ بي العطَش، فظلَّلتني سحابة، ونزل عليَّ منها شيء يشبه النَّدى، فتروَّيتُ به، ثم رأيتُ نورًا أضاء به الأفق، وبدت لي صورة، ونوديت منها: يا عبد القادر، أنا ربُّك، وقد حلَّلْتُ لك المحرَّمات -أو قال: ما حرمت على غيرك- فقلتُ: أعوذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم، اخسأ يا لعين، فإذا ذلك النُّور ظلام، وتلك الصورة دخان، ثم خاطبني، وقال: يا عبد القادر، نجوتَ منِّي بعملك بحكم ربّك، وفقهك في أحوال منازلاتك، ولقد أضللتُ بمثل هذه الواقعة سبعين من أهل الطَّريق. فقلتُ: لربي الفَضْل والمِنَّة. فقيل له: كيف علمتَ أنَّه شيطان؟ قال: بقوله: قد حَلَّلْتُ لك المحرَّمات. وقال عمر الرَّازي: ما رأتْ عيناي أفقه في علوم الحقائق من سيِّدي الشيخ محيي الدِّين عبد القادر، قيل له: إنَّ بعض مريديه يقول: إنه يرى الله تعالى بعيني رأسه، فاستدعى به، وسأله عن ذلك، فقال: نَعَمْ، فانتهره، ونهاه عن هذا القول، وأخذ عليه أن لا يعود، فقيل له: أمحقٌّ هذا أم مُبْطل؟ قال: هو محقٌّ يُلَبَّسُ عليه، وذلك لأنَّه شَهِدَ ببصيرته نور الجمال، ثم خرق بصيرته إلى بصر متقد، فرأى بصره ببصيرته يتصل شعاعها بنور شهوده، فظنَّ أنَّ بصره رأى ما شهدته بصيرته، وإنما رأى بصرُه بصيرته فحسب وهو لا يدري، قال الله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَينِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَينَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢٠] وإنَّ الله يبعث بمشيئته على أيدي ألطافه أنوار جلاله وجماله إلى قلوب عباده، فتأخذ منها ما تأخذ الصُّور من الصور ولا صور، ومن وراء ذلك رداء كبريائه الذي لا سبيل إلى انخراقه. وكان جمعٌ من المشايخ والعلماء حاضرين، فأطربهم سماع هذا الكلام، ودهشوا من حُسْن إفصاحه عن حال الرجل. وقال الشيخ المعمر جرادة: لقد كنت يومًا في دار سيدنا الشيخ عبد القادر ﵁، وهو جالسٌ ينسخ، فسقط عليه من السقف تراب، فنفضه ثلاث مرَّات، يسقط عليه وهو ينفضه، ثم رَفَع رأسه في الرابعة إلى السَّقْف، فرأى فأرة تبعثر، فقال: طار رأسك.

стр. 10030

فسقطت جُثَّتها ناحية ورأسها ناحية، فترك النَّسخ وبكى. فقلتُ: يا سيدي، ما يبكيك؟ قال: أخشى أن يتأذى قلبي من رجل مُسْلم، فيصيبه مثل ما أصاب هذه الفأرة. وقال الشيخ عمر بن مسعود البزاز: كان سيدي الشيخ عبد القادر ﵁ يومًا يتوضأ في المدرسة، فبال عليه عصفور، فرفع رأسه إليه وهو طائر، فسقط ميتًا، فلما أَتَمَّ وضوءه غَسَلَ موضع البول من الثوب، وخلعه وأعطانيه، وأمرني أن أبيعه وأتصدَّق بثمنه، وقال: هذا بهذا. وقال أبو اليُسْر عبد الرَّحمن بن عبد الله: كان عبد الصَّمد بن همَّام من العدول ذوي اليسار والثروة، وكان شديدَ الانحراف عن سيدنا الشيخ محيي الدِّين رحمة الله عليه، والإنكار لما يُحكى عنه من الكرامات مع الانقطاع عنه بالكُلِّية، ثم لازمه ملازمةً شديدة، فعَجِبَ النَّاس من ذلك، فسألته بعد وفاة الشيخ عن سبب ذلك، فقال: كنتُ لقِلَّة سعادتي أولًا على ما تعلم مني، فاتفق أني اجتزت يومًا بمدرسة الشيخ، والصلاة قد أُقيمت، فقلتُ في نفسي: أُصلِّي بسرعة وأُزيل ما بي -وكنتُ حاقنًا- فدخلت، ووجدت إلى جانب المنبر الذي يجلس عليه الشيخ خِلْوًا، فصلَّيتُ فيه وأنا لا أشعر أنَّه يوم المجلس، وتكاثَرَ النَّاسُ لحضور المجلس تكاثرًا منعني من التصرُّف في نفسي والخروج من مكاني، وتزايد ما بي من الاحتياج إلى الخلاء، وصَعِدَ الشيخ إلى المنبر، وقد كِدْتُ أتلف، فتضاعَفَ ما بي من بُغْض الشيخ ذلك الوقت، وتحيَّرت في نفسي، وكدت أُحْدث في ثيابي، ثم قلت: أفتضح بين النَّاس، ويشم مني رائحة خبيثة، فعاينت في ذلك الموت، فبينا أنا مفكر في أمري إذْ نزل الشيخ من المِنْبر درجات، وأَسْبل كُمَّه على رأسي، فرأيت نفسي في روضة خضراء بفلاةٍ من الأرض، وماء جارٍ، فأزلتُ ما بي، وتوضَّأتُ للصَّلاة، وصلَّيتُ ركعتين، ثم رفع الشيخ كُمَّه عن رأسي، وإذا أنا تحت المنبر على حالي، وقد زال ما بي جميعه، فكَثُرَ تعجُّبي من ذلك جدًّا، ووجدتُ أطرافي رطْبةً من أثر الوضوء، فتحيَّرْتُ في أمري، وذَهَلَ عقلي، فلما انقضى المجلس قمت، ففقدت منديلي، ومفاتيحُ صندوقي فيه، وطلبتُ ذلك في موضعي الذي كنت قاعدًا فيه، وفيما يليه، فلم أجده، فمضيتُ إلى منزلي، وأحضرت صانعًا فتح صندوقي، وعمل له مفاتيح، وكنتُ في ذلك الوقت على عَزْمٍ إلى عراق العجم لمهمٍّ

стр. 10031

اعتراني، فتوجَّهت عند اليوم الذي حضرت فيه المجلس، فلما سرت عن بغداد ثلاثة أيام، اجتزت بمكانٍ أفيحَ، وفيه روضةٌ خضراء وماءٌ جارٍ، فقال لي بعضُ الرِّفْقة: ألا تنزل ها هنا نصلي ونأكل شيئًا، فإننا لا نجد أمامنا ماء؟ فنزلت، فتخيلته المكان الذي رأيته آنفًا لا أشكُّ فيه، فتوضَّأتُ للصلاة، وقصدت مكانًا أُصلِّي فيه، فإذا فيه منديلي بعينه، وفيه مفاتيحي التي فقدتها يوم المجلس هناك، فكدت أخرج من عقلي، فقضيتُ سفري وعُدْتُ، وأهمُّ الأمور عندي ملازمةُ الشيخ واستدراك ما فَرَطَ مني، فلازمتُه لما أراد الله تعالى بي من السَّعادة والبركة، فشاهدتُ منه ما لا أذكره قَطُّ مخافةَ أن يشك السَّامع في حديثي، فقلتُ له: حدِّثْ بما رأيتَ منه، فمِثْلُك لا تتطرَّق إليه التُّهم مما يحكي. فقال لي: ليس لي إلى ذلك حاجة، فقد كان يُحكى لي عند من لا أشك في صِدْقه وعدالته ما يُشبه هذا، فلا أصدقه. فقلت: لقد أراد الله بك خيرًا، فقال: الحمد لله الذي لم أمت على ما كنت عليه. وقال الحافظ أبو العَبَّاس أحمد بن أحمد بن أحمد البَنْدَنيجي: حضرتُ أنا والشيخ جمال الدِّين بن الجوزي ﵀ مجلس سَيِّدنا الشيخ عبد القادر رحمة الله عليه، فقرأ القارئ آية، فذكر الشيخ في تفسيرها وَجْهًا، فقلتُ للشيخ جمال الدين: أتعلم هذا الوَجْه؟ قال: نَعَمْ، فذكر الشيخ فيها أحَدَ عشر وجهًا، وأنا أقول له: أتعلم هذا الوَجْه؟ وهو يقول: نَعَمْ، ثم ذكر الشيخ وجهًا آخر، فقلتُ له: أتعلم هذا؟ قال: لا، حتى ذكر فيها كمال أربعين وجهًا، يعزو كلَّ وَجْهٍ إلى قائله، والشيخ جمال الدِّين يقول: لا أعرف هذا الوجه، واشتدَّ تعجبه من سَعَة عِلْم سيدنا الشيخ، ﵁. ثم قال: نترك القال ونرجع إلى الحال، لا إله إلا الله محمد رسول الله، فاضطرب النَّاس اضطرابًا شديدًا، وخَرَقَ الشيخ جمال الدين بن الجوزي ثيابه. وقال محمَّد الحسني المَوْصلي: سمعتُ أبي يقول: كان سيدنا الشيخ عبد القادر يتكلَّم في ثلاثة عشر عِلْمًا، وكان يذكر في مدرسته درسًا من التفسير، ودرسًا من الحديث، ودرسًا من المذهب، ودرسًا من الخلاف، وكان يُقرأ عليه في طرفي النهار التَّفسير وعلوم الحديث، والمذهب والخلاف والأصول والنحو، وكان يُقْرِئُ القرآن بالقراءات بعد الظُّهْر.

стр. 10032

وقال الشيخ عمر البزاز: كانت الفتاوى تأتيه من بلاد العراق وغيره، وما رأيناه تبيتُ عنده فتوى ليطالع عليها أو يفكر فيها، بل يكتب عليها عقيب قراءتها، وكان يفتي على مذهب الإمام الشَّافعي وأحمد رحمهما الله، وتعرض فتاواه على علماء العراق، فما كان تَعَجُّبهم من صوابه أشدَّ من تعجُّبهم من سُرْعة جوابه فيها، وكان من اشتغل عليه في فنٍّ من الفنون الشَّرعية افتُقِرَ إليه فيه، وساد على أقرانه. وقال الشيخ عبد الرَّزَّاق: جاءت فتوى من العَجَم إلى بغداد بعد أن عُرِضَتْ على علماء العراقَيْن: عراقِ العجم وعراق العرب، فلم يتضح لأحدٍ منهم جوابٌ شافٍ، وصورتُها: ما يقول السَّادة العلماء في رجلٍ حَلَفَ بالطَّلاق الثَّلاث أَنَّه لا بُدَّ له أن يعبد الله عبادةً ينفرد بها دون جميعِ النَّاس في وقتِ تَلَبُّسِهِ بها، فما يفعل من العبادات؟ فأُتي بها إلى والدي، فكتب عليها على الفور: يأتي مكة ويخلى له الطَّواف، ويطوف أُسبوعًا وحده، وتنحل يمينه. فما باتَ المستفتي ببغداد. وقال الخضر بن أبي العَبَّاس المَوْصلي: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ في النوم ببغداد بمدرسة سيدنا الشيخ عبد القادر ﵁ في سنة إحدى وخمسين وخمس مئة مكانًا عظيم السَّعَة، وفيه مشايخ البر والبحر، وسيدنا الشيخ عبد القادر في صدرهم، ومن المشايخ مَنْ على رأسه عِمامة فحسب، منهم من فوق عِمامته طرحة، ومنهم من فوق عِمامته طَرْحتان، وفوق عِمامة سيدنا الشيخ محيي الدين ثلاث طَرَحَات، فبقيت في النوم مفكِّرًا في تلك الطَّرحات الثلاث، ما هُنَّ؟ واستيقظتُ، فإذا به قائمٌ على رأسي، فقال: طرحة تشريف علم الشَّريعة، وطرحة تشريف علم الحقيقة، وطرحة الشَّرف. وقال الشيخ علي بن الهيتي: زرت مع سيدي الشَّيخ عبد القادر والشَّيخ بقاء بن بطو قبر الإمام أحمد رحمة الله عليه، فشهِدْتُه خرج من قبره، وضمَّ الشَّيخ عبد القادر إلى صدره، وألْبسه خِلْعة، وقال له: يا شيخ عبد القادر، قد افتُقِرَ إليك في عِلْم الشَّريعة، وعلم الحقيقة، وعلم الحال. وقال أبو نَصْر بن عمر البغدادي المشَّاء المعروف بالصَّحراوي: سمعتُ أبي يقول: استدعيتُ الجان مرَّة بالعزائم، وأبطأت إجابتهم أكثر من عادتي، ثمَّ أتوني، وقالوا: لا تعد تستدعينا إذا كان الشيخ عبد القادر يتكلَّم على النَّاس. فقلتُ: ولم؟ قالوا: إنَّا

стр. 10033

نحضره. قلتُ: وأنتم أيضًا؟ قالوا: إنَّ ازْدحامنا بمجلسه أشد من ازدحام الإِنس، وإنَّ منا طوائف كثيرة أسلمت، وتابت على يده. وقال محمَّد بن الخضر الحسيني: سمعتُ أبي يقول: كان سيِّدنا الشيخ عبد القادر ﵁ يتكلَّم في مجلسه بأنواعِ العلوم ولا يبيِّتُ ما يقول، وكان إذا صَعِدَ الكرسي لا يتصدق أحد، ولا يَمْخُط ولا يتنحنح ولا يتكلَّم. ولا يقوم هيبة له إلى وسط المجلس، فيقول: مضى القال وعظنا بالحال، فيضطرب النَّاس اضطرابًا شديدًا، ويتداخلهم الحال والوَجْد، وكان يُعَدُّ من كراماته أن أقصى من [في] (١) مجلسه يسمع صوتَه كما يسمعه أدناهم منه على كَثْرتهم، وكان يتكلَّم على خواطر أهلِ المجلس، ويواجههم بالكَشْف، وكان إذا قام فوق الكرسي، يقوم النَّاس لجلالته، وإذا قال لهم اسكتوا سكتوا، حتى لم يُسْمَعْ منهم سوى أنفاسهم هيبةً له، وكان النَّاس يضعون أيديهم في مجلسه، فيقع على رجال بينهم يدركونهم باللَّمس ولا يرونهم، ويسمعون وقت كلامه في الفضاء حِسًّا وصياحًا، وربما سمعوا وَجْبَة ساقط من الجوِّ إلى أرض المجلس، وذلك رجال الغيب وغيرهم. وقال الشيخ أبو سَعْد القيلويي رحمة الله عليه: رأيتُ رسول الله ﷺ وغيره من الأَنبياء - صلوات الله عليهم - في مجلس الشيخ عبد القادر، وإنَّ السيد ليشرف عنده، وإنَّ أرواح الأنبياء ﵈ لتتجول في السَّموات والأرض جَوَلان الرِّياح في الآفاق، ورأيتُ الملائكة يحضرونه طوائف بعد طوائف، ورأيتُ رجال الغيب يتسابقون إلى مجلسه، ورأيتُ أبا العَبَّاس الخضر ﵇ يُكْثِرُ من حضوره، فسألته فقال: مَنْ أراد الفلاح فعليه بملازمة هذا المجلس. وقال الشيخ محمَّد بن أبي الفَتْح الهَرَوي: حضرتُ يومًا مجلس سيدنا الشيخ عبد القادر رحمة الله عليه، فتكلَّم حتى استغرقَ في كلامه، وقال: لو أراد الله تعالى أن يبعث طيرًا أخضر يسمع كلامي لفعل. فلم يتمَّ كلامه حتى جاء طائرٌ أخضر حسنُ الصُّورة، ودخل في كُمِّه وما خرج.

стр. 10034

قال: وتكلَّم يومًا آخر في مجلسه، فتداخل بعض الناس فترة، فقال: لو أراد الله أن يرسل طيورًا خُضْرًا تسمع كلامي لفعل، فلم يتمَّ كلامه حتى امتلأَ المجلسُ بطيورٍ خُضْر يراها مَنْ حَضَرَ. قال: وتكلَّم يومًا في قُدرة الله تعالى، وغَمَر النَّاسَ من كلامه هيبةٌ وخشوع، فمرَّ بالمجلس طائر عجيبُ الخِلْقة، فاشتغل بعضُ النَّاس بالنَّظر إليه عن سماع كلام الشيخ، فقال: وعِزَّة المعبود، لو شئت أن أقول لهذا الطائر من قِطَعًا قِطعًا لمات قِطَعًا قطَعًا، فما تمَّ كلامه حتى وَقَعَ الطَّائر إلى أرض المجلس قِطَعًا. وقال الشيخ بقاء بن بطو: فبينا هو يتكلَّم على المرقاة الأُولى من الكرسي، إذْ قطع كلامه وسها ساعةً، ونَزَل إلى الأرض، ثمَّ صَعِدَ الكرسي، وجلس على المرقاة الثانية، فأُشْهِدْتُ أنَّ المرقاة الأُولى قد اتَّسعت حتى صارت مَدَّ البصر، وفُرِشَت من السُّنْدس الأخضر، وجلس عليها رسولُ الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وتجلَّى الحقُّ سبحانه على قلب الشيخ، فمال حتى كاد أن يسقط، فامسكه رسولُ الله ﷺ لئلا يقع، ثمَّ تضاءل حتى صار كالعُصْفور، ثمَّ نمى حتى صار على صورةٍ هائلة، ثمَّ توارى عني. فسئل الشيخ بقاء عن رؤيته رسول الله ﷺ ، وأصحابه ﵃، فقال: أرواحهم تشكَّلَتْ، وأن الله تعالى أيَّدهم بقوَّةٍ يظهرون بها، فيراهم من قوَّاه الله تعالى لرؤيتهم في صور الأجساد وصفات الأعيان بدليلِ حديث المعراج. وسئل عن تضاؤل الشيخ عبد القادر رحمة الله عليه، ونموه، فقال: كان التَّجلِّي الأوّل بصفة لا يثبت لبدوها بشر إلا بتأييد نبوي، فلذلك كاد الشيخ يسقط لولا تدراكه رسولُ الله ﷺ ، وكان التَّجلِّي الثَّاني بصفة الجلال من حيث موصوفه، فلذلك تضاءل، وكان التجلِّي الثَّالث بصفة الجمال من حيث مشاهده، فذلك انتعش ونمى، و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. وقال الشيخ عبد الوهَّاب بن سيدنا الشيخ محيي الدِّين رحمة الله عليهما: سافرتُ إلى بلاد العجم، وتفننت في العلوم، فلمَّا رجعت إلى بغداد، قلتُ لوالدي: أُريد أن أتكلَّم على النَّاس بحضرتك. فأَذِنَ لي، فَصَعِدْتُ الكرسي، وتكلَّمت بما شاء الله من

стр. 10035

العلوم والمواعظ، فلم يخشع قلب، ولم تجرِ دمعة، فضجَّ أهلُ المجلس بوالدي يسألونه أن يتكلَّم عليهم، فنزلتُ وصَعِدَ، وقال: كنتُ صائمًا أمسِ، وقَلَتْ لي أُم يحيى بويضات، وجعلَتْها في سكيريجة، فجاء السِّنَّور، فرمت بها، فانكسرت، فَضَجَّ أهلُ المجلس بالصُّراخ، فلمَّا نزل، قلتُ له في ذلك، فقال: يا بني، أنتَ مُدِلٌّ بسفرك، أسافرتَ إلى هنا؟ وأشار بأُصبعه إلى السَّماء، ثمَّ قال: يا بني، إنِّي لما صَعِدْتُ الكُرْسي تجلَّى الحقُّ على قلبي وبسطني، فحدَّثتُ بما سَمِعْتُ، فكان الذي رأيت. قال عبد الوهَّاب: وكنتُ بعد ذلك ربما أصعد الكرسي، وأتكلَّم على الناس بفنون العلوم ووالدي يسمع، فلا يتأثر أحد، ثمَّ أنزل ويصعد، فيقول بأوله: الشجاعة صَبْرُ ساعة. فيصيح أهل المجلس، فكنتُ أسأله عن ذلك، فيقول: أنتَ المتكلِّم، وأنا المتكلِّم فيَّ غيري. وكان إذا سُئِلَ مسألة في مجالس وعظه ربما يقول: أستأذِنُ في الكلام عليها. ويُطْرِقُ، فتجلِّلُه الهيبة، ويعلوه الوقار، ثمَّ يتكلَّم عليها بما شاء الله تعالى، وكان يقول: وعِزَّة العزيز ما تكلَّمْتُ حتى قيل لي تكلَّم، فقد أمكنتك من الرد يا عبد القادر، تكلَّم يسمعْ منك. وقال أبو عمر وعثمان الصَّيريفيني وعبد الحق الحريمي: كان شيخنا محيي الدين عبد القادر ﵁ يبكي ويقول: يا رب كيف أهدي لك الروح، وقد صَحَّ بالبُرْهان أنَّ الكُلَّ لك. ومما كان ينشد [من الطويل]: وما ينفعُ الإعراب إذ لم يكن تُقىً … وما ضَرَّ ذا تقوى لسانٌ معجَّمُ وقال عبد الوهَّاب بن سيِّدنا الشيخ محيي الدِّين ﵁: كان والدي يتكلَّم في الأُسبوع ثلاث مرَّات بالمدرسة بُكْرة الجُمُعة، وعَشِيَّة الثلاثاء، وبالرِّباط بكرة الأحد، وكان يحضره العُلَماء والفقهاء والمشايخ وغيرهم، ومدَّة كلامه على النَّاس أربعون سنة، أولها سنة إحدى وعشرين وخمس مئة، وآخرها سنة إحدى وستين وخمس مئة، ومدَّة تصدُّره للتدريس والفتوى بمدرسته ثلاث وثلاثون سنة، أولها سنة ثمان وعشرين وخمس مئة، وآخرها سنة إحدى وستين، وكان يقرأُ في مجلسه أخوان قراءةً مرسلة

стр. 10036

مجوَّدة بغير ألحان، ويقرأُ أيضًا في مجلسه الشَّريف مسعود الهاشمي، وكان يموت في مجلسه الرَّجُلان والثَّلاثة، ويكتب ما يقول في مجلسه أربع مئة محبرة عالم وغيره، وكان كثيرًا ما يخطو في الهواء في مجلسه على رؤوس النَّاس خطواتٍ، ثمَّ يرجع إلى الكرسي. وقال أبو الفَتْح الهَرَوي: خدمتُ سَيِّدي الشيخ عبد القادر ﵁ أربعين سنة، فكان في مُدَّتها يصلي الصُّبح بوضوء العِشاء، وكان إذا أحدث جَدَّد في وقته وضوءًا، وصلَّى رَكْعتين، وكان يصلِّي العشاء، ويدخل خلوته، ولا يدخلها معه أحد، ولا يخرج منها إلا عند طلوع الفجر، ولقد أتاه الخليفة باللَّيل مرارًا يقصد الاجتماع به، فلا يقدر على ذلك إلى الفجر، وبتُّ عنده ليالي، فكان يصلِّي أول الليل يسيرًا، ثمَّ يذكر إلى أن يمضي الثُّلُث الأَوَّل، يقول: المحيط الرَّب الشَّهيد الحسيب الفعَّال الخلَّاق الخالق البارئ المصوّر، فتتضاءل جثته مرة، وتعظم مرة، ويرتفع في الهواء إلى أن يغيب عن نظري مرة، ثمَّ يُصلِّي قائمًا على قدميه يتلو القرآن إلى أن يذهب الثُّلُث الثاني، وكان يطيل في سجوده جدًّا؛ يباشر بوجهه الأرض، ثمَّ يجلس متوجِّهًا مراقبًا مشاهدًا إلى قريب طلوع الفجر، ثمَّ يأخذ في الدُّعاء والابتهال والتذلُّل، ويغشاه نور يكاد يَخْطَفُ الأبصار إلى أن يغيب فيه عن النظر، وكنتُ أسمع عنده: سلامٌ عليكم، سلام عليكم، وهو يردُّ السَّلام إلى أن يخرج إلى صلاة الصُّبح. وقال الشيخ أبو مسعود الحريمي: سمعتُ سيدنا الشيخ عبد القادر ﵁ يقول: أقمتُ في صحارى العراق وخرابه خمسًا وعشرين سنة مجرَّدًا سائحًا، لا أعرف الخَلْق ولا يعرفوني، يأتيني طوائفُ من رجالِ الغيب والجان أُعلمهم الطَّريق إلى الله تعالى، ورافقني الخَضِر ﵇ في أول دخولي العراق، وما كنتُ عَرَفْتُه، وشرَطَ أن لا أخالفه، وقال لي: اقعد هنا. فجلستُ في المكان الذي أقعدني فيه ثلاث سنين، يأتيني في كلِّ سنة مرة، ويقول لي: مكانَك حتى آتيك. وكانت الدُّنيا وزخارِفُها وشهواتُها تأتيني في صور، فيحميني الله تعالى من الالتفات إليها، وتأتيني الشياطين في صور شتَّى مزعجات ويقاتلوني، فيقويني الله تعالى عليهم، وتبرز إليَّ نفسي في صورة، فتارة تتضرع إليَّ فيما تريده، وتارة تحاربني، فينصرني الله

стр. 10037

عليها، وما أخذتُ نفسي في حال البداية بطريقٍ من طُرُقِ المجاهدات إلا ولازمتُه واعْتَنَقَتْهُ نفسي، وأخذته بكلتا يدي، وأقمتُ زمانًا في خراب المدائن، آخذ نفسي بطرق المجاهدات، فمكثتُ سنة آكلُ المنبوذ، ولا أشرب الماء، وسنة أشرب الماء ولا آكل المنبوذ، وسنة لا آكل ولا أشرب ولا أنام، ونمت بإيوان كسرى في ليلةٍ شديدة البرد، فاحتلمتُ، فقمتُ وذهبت إلى الشَّطِّ واغتسلتُ، فنمت تلك الليلة أربعين مرة، واحتلمت أربعين مرة، واغتسلتُ في الشَّطِّ أربعين مرة، ثمَّ صَعِدْتُ إلى الإيوان خوفَ النَّوم، وأقمت في خرائب الكَرْخ سنين لا أقتات فيها إلا بالبُرْدي، ويأتيني رجلٌ في رأس كلِّ سنة بجُبَّة صوف، ودخلتُ في ألف فنٍّ حتى استريحَ من دُنْياكم، وما كنتُ أُعرف إلا بالتخارس والبَلَه والجنون، وكنتُ أمشي حافيًا في الشَّوْك وغيره، وما هالني شيء إلا سلكته، ولا غلبتني نفسي فيما تريده قَطُّ، ولا أعجبني شيء من زينة الدُّنيا قطُّ، فقلت له: يا سيدي، ولا لما كنتَ صغيرًا؟ قال: ولا لما كنت صغيرًا. وقال الشيخ عثمان الصَّريفيني: سمعتُ سيدنا الشَّيخ عبد القادر رحمة الله عليه يقول: كنتُ أجلس في الخراب باللَّيل والنَّهار، ولا آوي في بغداد، وكانت الشَّياطين تأتيني صفوفًا رجالًا وركبانًا بأنواع السِّلاح، وأَزْعج الصُّوَر، يقاتلوني ويرموني بشهب النَّار، فأجد في قلبي تثبيتًا لا يُغَيَّر عنه، وأسمع مخاطِبًا من باطني يقول لي: قم إليهم يا عبد القادر، فقد ثبتناك تثبيتًا، وأيَّدناك بنصرنا، فما هو إلا أن أنهض إليهم، فيفرون يمينًا وشمالًا، ويذهبون من حيث أتوا، وكان يأتيني الشيطان منهم وحده، ويقول لي: اذهب من هنا، وإلا فعلتُ وفعلتُ. ويحذرني تحذيرًا كثيرًا، فألطمه بيدي، فيفرُّ مني، فأقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فيحترق وأنا أنظر إليه. وأتاني مرَّة شخصٌ كريه المنظر، منتن الرِّيح، وقال لي: أنا إِبْليس أتيتك أخدمك، فقد أعييتني وأعييت أتباعي. فقلتُ: اذهب. فأبى، فجاءته يدٌ من فوقه، وضربَتْ أُمَّ رأسه، فغاص في الأَرْض، ثمَّ أتاني ثانية، وبيده شهابٌ من نار، يقاتلني به، فأتاني رجلٌ مُلَثَّم راكب فرسًا أَشْهَبَ، وناولني سيفًا، فنكَصَ إبليس على عقبيه، ثمَّ رأيته مرَّةً ثالثة جالسًا بالبُعْد مني، وهو يبكي، ويحثو التُّراب على رأسه، ويقول: قد أَيِسْتُ منك يا عبد القادر. فقلتُ. اخسأْ يا لعين، فإنِّي لا أزال حَذِرًا منك، فقال: هذه أَشَدُّ عليَّ، ثمَّ كَشَفَ لي

стр. 10038

عن أشراك كثيرة متَّصلة بي من كلِّ جهة، فقلت: ما هذا؟ قيل لي: هذه أسباب الخَلْق متصلة بك. فتوجَّهتُ في أمرها سنة أخرى حتى تقطَّعت كلَّها، وانفردتُ عنها، ثمَّ كُشِفَ لي عن باطني، فرأيتُ قلبي مناطًا بعلائق كثيرة، فقلت: ما هذا؟ فقيل لي: هذه إرادتك واختياراتك. فتوجَّهتُ في أمرها سنة أخرى حتى تقطعت جميعها، وتخلَّص منها قلبي، ثمَّ كُشِفَ لي عن نفسي، فرأيتُ أدواءها باقية، وهواها حيٌّ، وشيطانها مارِد، فتوجَّهتُ في ذلك سنة أخرى، فتراءت أدواء النَّفْس، وماتَ الهوى، وأسلم الشَّيطان، وصار الأمر كلُّه لله، فبقيت وَحْدي، الوجود كلُّه مِنْ خَلْفي، وما وصلتُ إلى مطلوبي بَعْدُ، فاجتذبت إلى بابِ التوكُّل لأدخل منه على مطلوبي، فإذا عنده زحمةٌ، فجُزْتُه، ثمَّ اجتذبت إلى باب التَّسليم لأدخل منه، فإذا عنده زحمة، فجزته، ثمَّ اجتذبت إلى باب الغنى لأدخل منه، فوجدتُ عنده زحمة، فجزته، ثمَّ اجتذبت إلى باب القرب لأدخل منه على مطلوبي، وإذا عنده زحمة، فجزته، ثمَّ اجتذبت إلى باب المشاهدة لأدخل منه على مطلوبي، فإذا عنده زحمة، فجزته، ثمَّ اجتذبت إلى باب الفَقْر، فإذا هو خالٍ، فدخلت منه، فرأيتُ فيه كل ما تركته، وفُتِحَ لي منه الكنز الأكبر، وأُوتيت فيه العز الأعظم، والغِنى السَّرْمَد، والحرمة الخالصة، ومُحقت البقايا، ونُسِخَتِ الصِّفات، وجاء الوجود الثَّاني. وقال الشيخ عمر البزاز: سمعتُ سيدنا الشيخ عبد القادر ﵁ يقول: كانتِ الأحوال تطرقني في بدايتي في السِّياحة، فأقاويها، فأملكها، فأغيب منها عن وجودي، وأعدو وأنا لا أدري، فإذا سُرِّيَ عنِّي من ذلك وجدتُ نفسي في مكان بعيدٍ عن المكان الذي كنتُ فيه، وطرقني الحالُ مرَّة، وأنا في خرائب بغداد، وَعَدَوْتُ قَدْرَ ساعة وأنا لا أدري، ثمَّ سُرِّي عني وأنا في بلاد ششتر، بيني وبين بغداد اثنا عشر يومًا، فبقيت مفكِّرًا في أمري، فإذا امرأةٌ تقول: أتعجب مِنْ هذا الأمر، وأنت الشيخ عبد القادر! وقال الجُبَّائي: قال سَيِّدنا الشيخ عبد القادر ﵁: كان إذا وُلِدَ لي ولدٌ أخذته على يدي، وقلتُ: هذا ميت فأُخرجه من قلبي، فإذا مات لم يؤثر عند موته شيئًا؛ لأني قد أخرجته من قلبي أول ما يولد.

стр. 10039

قال: فكان يموتُ من أولاده الذكور والإناث ليلة مجلسه فلا يقطع المجلس، ويصعد على الكرسي، ويعظ الناس، والغاسل يغسل الميت، فإذا فرغوا من غسله، جاؤوا به إلى المجلس، فينزل سيدنا الشيخ، ويصلِّي عليه. وقال ابن الأخضر: كنتُ أدخل على سيدنا الشيخ عبد القادر - سلام الله عليه - في وسط الشتاء وقوَّة برده، وعليه قميصٌ واحد، وعلى رأسه طاقية، والعَرَقُ يخرج من جسده، وحوله من يروِّحُه كما يكون في شِدَّة الحَرِّ. وقال أبو النَّجيب عبد القاهر السُّهْرَوَرْدِي: كان الشيخ حَمَّاد الدَّبَّاس يُسمع له كل ليلة كدَويِّ النَّحل، فقال أصحابُه للشيخ عبد القادر في سنة ثمانٍ وخمس مئة، وكان في صحبته يومئذٍ: اسأله عن ذلك. فسأله فقال له: إنَّ لي اثني عشر ألف مريد، وإني أذكر أسماءهم كلَّ ليلة، وأسأل لكلٍّ منهم حاجته إلى الله ، وإذا أصابَ مريدٌ لي دنيا، فلا ينقضي عنه شهره ذلك حتى يتوب إشفاقًا عليه أن يتمادى فيه. فقال له الشيخ عبد القادر: لئن أعطاني الله تعالى منزلةً عنده لآخذنَّ من ربي ﵎ عهدًا لمريديَّ إلى يوم القيامة أن لا يموتَ أحدُهم إلا على توبة، ولأكوننَّ بذلك ضمينًا لهم، فقال الشيخ حماد: أشهدني الله تعالى سيعطيه ذلك، ويبسط ظل جاهه عليهم. وقال المشايخ أبو السعود وأبو عبد الله محمَّد الأواني وعمر البزاز: ضَمِنَ سَيِّدُنا الشيخ عبد القادر لمريديه إلى يوم القيامة أن لا يموت أحدٌ منهم إلَّا على توبة، واعطي أن مريديه ومريدي مريديه إلى سبعةٍ يدخلون الجنة، وقال: أنا كافِلٌ لمريد المريد إلى سبعة، ولو انكشفت عورةٌ بالمغرب وأنا بالمشرق لسترتُها، وأُمِرْنا من حيثُ الحال والقدر أن نحفظ بهممنا أصحابنا، وطوبى لمن رآني، وأنا حسرةٌ لمن لم يرني. وقال الشيخ علي الفرنثي: قال سَيِّدُنا الشيخ عبد القادر رحمة الله عليه: أُعطيت سِجِلًّا مَدّ البصر فيه أسماء أصحابي ومريديّ إلى يوم القيامة، وقيل لي: قد وُهِبوا لك. وقال السَّادة المشايخ عبد الغني وموفق الدين بن قدامة، وعبد الملك بن ديالى رحمة الله عليهم: سمعنا شيخَنا عبدَ القادر ﵀ يقول ببغداد على الكرسي في شهور سنة إحدى وستين وخمس مئة، وقد سُئِلَ عن فَضْل من انتمى إليه: البيضة منا بألف، والفَرْخ ما يُقَوَّم.

стр. 10040

وقال الشيخ أبو الحسن الجوسقي: حَضَرَ عند سيدنا الشيخ عبد القادر - سلام الله عليه - الشيخ علي بن الهيتي، والشيخ بقاء بن بطو، فقال سيدنا الشيخ عبد القادر: لي من كل طويلة فحل لا يقاوى، ولي في كل أرضٍ خيلٌ لا تسابق، ولي في كل جيش سلطان لا يخالف، ولي في كل منصب خليفةٌ لا يُعزل. وقال المشايخ؛ أبو الفرج الدويرة، وعبد الكريم الأثري ويحيى بن يوسف الصرصري، وعلي بن محمَّد الشهراباني: كُنَّا عند الشيخ علي بن إدريس البعقوبي سنة عشر وست مئة، فجاء الشيخ عمر اليزيدي، فقال له الشيخ علي بن إدريس: اقصص عليهم رُؤْياك. فقال: رأيتُ في النَّوم القيامة قد قامت، والأنبياء وأممهم قادمين الموقف، ويتبع بعضَ الأنبياء الرَّجلان والرَّجل الواحد، ثمَّ أقبل رسولُ الله ﷺ يقدمه كالسَّيل وكاللَّيل، وفيهم المشايخ، ومع كلِّ شيحٍ أصحابُه متفاوتون عددًا وأنوارًا وبهجة، وأقبلَ رجلٌ في عِداد المشايخ، ومعه خَلْقٌ كثير يفضلون غيرهم، فسألتُ عنهم، فقيل: هذا الشيخ عبد القادر وأصحابه. فتقدَّمتُ إليه، وقلتُ له: يا سَيِّدي، ما رأيت في المشايخ أبهى منك، ولا في أتباعهم أحسن من أتباعك، فأنشد: [من الطويل] إذا كان مِنَّا سيِّدٌ في عشيرةٍ … عَلاها وإنْ ضاق الخِناقُ حَمَاها وما اخْتُبِرَتْ إلَّا وأصبحَ شَيخَها … وما افْتَخَرَتْ إلا وكانَ فَتاها وما ضُرِبَتْ بالأَبْرَقَينِ خيامُنا … فأصبح مأوى الطَّارقين سواها (١) قال: فاستيقظتُ وأنا أحفظهن، وكان الشيخ محمّد الخَيَّاط الواعظ حاضرًا، فقال له الشيخ عليُّ بنُ إدريس: يا محمَّد، أَنْشِدْنا شيئًا في هذا المعنى على لسان الشيخ عبد القادر. فقال: [من الطويل] هنيئًا لصحبي أنَّني قائِدُ الرَّكْبِ … أسيرُ بهم قَصْدًا إلى المَنْزِلِ الرَّحْبِ وأكنُفُهُمْ والكُلُّ في شُغْلِ أمره … وأُنزلُهُمْ في حَضْرَة القُدْس من قُرْبي ولي معهدٌ كلُّ الطَّوائِفِ دونَهُ … ولي مَنْهَلٌ عَذْبُ المشارِبِ والشِّرْبِ وأهل الصَّفا يسعون خَلْفي وكلُّهُمْ … له هِمَّةٌ أمضى من الصَّارِمِ العَضْبِ

стр. 10041

فقال له الشيخ علي: أحسنتَ أحسنتَ، ولقد صدقت. وقال الشيخ عمر البزاز: سمعتُ سيِّدي الشَّيخ عبد القادر ﵁ يقول: عَثَرَ حسين الحلاج فلم يكن في زمانه من يأخذ بيده، ولو كنتُ في زمنه لأخذتُ بيده، وأنا لكلِّ من عَثَر به مركوبه من أصحابي ومريديّ ومحبيّ إلى يوم القيامة آخذ بيده، يا هذا؛ فرسي مُسْرَج، ورمحي منصوب، وسيفي شاهر، وقوسي موتر، أحفظك لله، وأنتَ غافل! ذكر شيء من أجوبته ﵁: سُئِلَ عن صفات الموارد الإلهية والطَّوارق الشَّيطانية، فقال: الوارد الإلهي لا يأتي باستدعاء، ولا يذهب بسبب، ولا يأتي على نَمَطٍ واحد، ولا في وقتٍ مخصوص، والطَّارق الشَّيطاني بخلاف ذلك غالبًا. وسئل عن المحبة، فقال: هي تشويش في القلوب يقع في المحبوب، فتصير الدُّنيا عليه كحَلْقة خاتم أو مجمع مأتم، والحبُّ سُكْرٌ لا صحو معه، وذِكْرٌ لا محو معه، وقَلَقٌ لا سكون معه، وخلوص المحبوب بكلِّ وَجْه سِرًّا وعلانية بإيثار اضطرار لا بإيثار اختيار، وبإرادة خِلْقة لا بإرادة كُلْفة، والحبُّ العمى عن غير المحبوب غيرةً عليه، والعمى عن المحبوب هيبةً له، فهو عمى كلُّه، والمحبون سُكارى لا يصحون إلا بمشاهدة محبوبهم، مَرْضى لا يشفون إلا بملاحظة مطلوبهم، حيارى لا يأنسون إلا بمولاهم، ولا يلهجون بغير ذكره، ولا يجيبون غير داعيه، وفي هذا المعنى يقول مجنون ليلى: [من الطويل] لقد لامني في حُبِّ ليلى أقاربي الأبيات (١). وسئل ﵁ عن التَّوحيد، فقال: هو إشارة سِرِّ الضَّمائر بإخفاء السَّرائر، عند ورود الحضرة، ومجاوزةُ القلب منتهى مقامات الأفكار، وارتفاعُه على أعلى درجات الوصال، وتجلُّله أستارَ التَّعظيم، وتخطِّيه إلى التقرُّب بأقدام التجريد، وترقيه إلى التَّداني بسعي التفريد، مع تلاشي الكونين، وتعطُّل الملكين، وخَلْعِ النَّعلينِ، واقتباس النُّورين، وفناء العالمين تحت لمَعان أنوار بروق الكَشْف من غير ما عزيمة متقدِّمة.

стр. 10042

وسئل عن التَّجريد، فقال: هو تجريد السِّرِّ عن المدثر بثياب السكون عن طلب المحبوب، وتعريه في التنزيل بلباس الطمأنينة على مفارقة المحدود، والرُّجوع من الخلق إلى الحقِّ مُبينًا. وسئل عن الهِمَّة، فقال: هي أن يتعزَّى بنفسه عن حُبِّ الدُّنيا، وبروحه عن التعلُّقِ بالعقبى، وبقلبه عن إرادةٍ مع إرادة المولى، وبتجرُّدِ سِرِّه عن الإشارة إلى الكون ولو بلمحةٍ أو طرفة. وسئل عن الشَّوق، فقال: أحسنُ الأشواقِ ما كان عن مشاهدة، فهو لا يَفْتُرُ على اللِّقاء، ولا يَسْكُنُ على الرؤية، ولا يذهب على الدُّنو، ولا يزول على الأُنْس، بل كلما ازداد لقاءً ازداد تشوُّقًا، ولا يصحُّ الشَّوق حتى يتجرَّد من عِلَله، وهي موافقة روح، أو متابعة هِمَّة، أو حَظُّ نَفْس، فيكونُ شوقًا مجرَّدًا عن الأسباب، فلا يدري السببَ الذي أوجب له ذلك الشوق، لأنه هو ذا يشاهده ويتشوق إلى المشاهدة مع المشاهدة. وسئل عن التوكل، فقال: هو اشتغالُ السِّرِّ بالله عن غير الله، فينسى ما يتوكَّلُ عليه لأجله، ويستغني عما سواه، فيرتفع عن خشية الفَنَاء في التوكل، والتوكُّلُ استشراف السِّرِّ بملاحة عين المعرفة إلى خفي غيب المقدورات، واعتقاد حقيقة اليقين بمعاني مذاهب المعرفة أنها محتومة، لا يقدح فيها تناقض. وسئل عن التَّوبة، فقال: التوبة نَظَرُ الحقِّ تعالى إلى عنايته السَّابقة القديمة لعبده، وإشارته بتلك العناية إلى قلب عبده، وتجريده إياه بالشَّفقة، مجتذبًا إليه وقابضًا، فإذا كان ذلك كذلك انجذب القلب إليه عن كلِّ هِمَّةٍ فاسدة، وتابعته الروح، ووافقه العقل، وصحَّتِ التوبة، وصار الأمر كلُّه لله تعالى. وسئل عن البكاء، فقال: ابك له، وابك منه، وابك عليه. وسئل عن الدُّنيا، فقال: أَخْرِجْها من قَلْبك إلى يدك، فإنها لا تغرُّك. وسئل عن التَّصوف، فقال: الصُّوفي من جَعَل ضالَّته مراد الحقِّ منه، ورَفَضَ الدُّنيا فَخَدَمَتْه ووفَّتْه أقسامه، وحَصَلَ له في الدُّنيا قبل الآخرة مرامه، فعليه من ربه سلامه.

стр. 10043

وسئل عن الفَرْق بين التعزُّز والتكبُّر، فقال: التعزُّز ما كان لله وفي الله، ويفيد ذُلَّ النَّفْس، وارتفاع الهِمَّة إلى الله . والتَّكبُّرُ ما كان للنَّفْس، وفي الهوى، ويفيد هيجان الطَّبع وقهقرة الإرادة عن الله ، والكِبْر الطَّبيعي أسهل من الكبر المكتسب. وسئل عن الشُّكْر، فقال: حقيقةُ الشكر الاعترافُ بنعمة المُنْعم على وَجْه الخضوع، ومشاهدةُ المِنَّة وحفظُ الحُرْمة على وَجْه معرفة العجز عن الشكر، وينقسم أقسامًا: شكر باللِّسان: وهو الاعتراف بالنعمة بنعت الاستكانة. وشكر بالأركان: وهو الإنصاف بالخدمة، والوقار. وشكر بالقلب: وهو الاعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحُرمة، ثمَّ التَّرقِّي بعد حضور هذه المشاهدة إلى الغيبة في رؤية المنعم عن رؤية النِّعمة. والشاكر الذي يشكر على الموجود، والشَّكور الذي يشكر على المفقود. والحامد الذي يشهد مع المنع عطاء، والضُّرّ نفعًا، ثمَّ يستوي عنده الوصفان، والحمد الذي يستنفد المحامد شهود الكمال بوصف الجمال، ونعت الجلال بعين المعرفة على بساط القُرْب. وسئل عن الصبر، فقال: هو الوقوف مع البلاء بحُسْنِ الأدب، والثَّبات مع الله ، وتلقي أمر أقضيته بالرُّحْب والسَّعَة على أحكام الكتاب والسُّنَّة، وينقسم أقسامًا: صبر لله، وهو الثَّبات على أداء أمره، وانتهاء نهيه. وصبر مع الله: وهو السُّكون تحت جريان قضائه وفعله فيك، وإظهار الغِنى مع حلول الفقر من غير تعبيس. وصبر على الله: وهو الرُّكون إلى وَعْده في كلِّ شيء، والسير من الدنيا إلى الآخرة سهل على المؤمن، وهِجْران الخَلْق في جَنْبِ الحقِّ شديد، والمسير من النَّفس إلى الله أشدّ، والصَّبر مع الله أشد، والفقيرُ الصَّابر أفضل من الغنيِّ الشَّاكر، والفقير الشَّاكر أفضل منهما، والفقير الصَّابر الشاكر أفضل منهم، وما خطب البلاء إلا مَنْ عرف المبتلي. وسُئِلَ عن حُسن الخُلُق، فقال: هو أن [لا] يؤثر فيك جفاءُ الخَلْق بعد مطالعتك الحق (١)، واستصغار نفسك وما منها معرفةً بعيوبها، واستعظام الخلق وما منهم نظرًا إلى ما أُودعوا من الحِكَم والإيمان، وهو أفضلُ مناقب العبد، وبه تظهر جواهر الرجال.

стр. 10044

وسئل عن الأخذ والرَّدِّ، فقال: الأخذ مع وجود الهوى من غير الأمر عنادٌ وشقاق، الأخذ مع عدم الهوى وفاق واتِّفاق، وتركه رياءٌ ونفاق. وسُئِلَ عن الفناء، فقال: هو أن يطالع الحقُّ تعالى سِرَّ وليِّه بأَدنى تجليه، فيتلاشى الكون ويفنى الولي تحت تلك الإشارة، وفناؤه في ذلك الوقت بقاءٌ، لكنَّه يفنى تحت إشارة الباقي، فإنْ كانت إشارة الحق نفسه، فإنَّ تجليه بنفسه، فكأنَّه ينفيه عنه، ثمَّ ينفيه به. وسئل عن الوفاء، فقال: هو الرِّعاية لحقوق الله تعالى في الحرمات أن لا يطالعها بسِرٍّ ولا نَظَر، والمحافظة على حدود الله قولًا وفعلًا، والمسارعة إلى مرضاته بالكُلِّية سِرًّا وجَهْرًا. وسُئِلَ عن الرِّضا، فقال: هو ارتفاع التَّردُّد، والاكتفاء بما سَبَق في عِلْم الله في أزله، والرِّضا أن لا يستشرف القَلْبُ إلى نزولِ قضاءٍ من الأقضية بعينه، فإذا نَزَلَ قضاءٌ، فلا يستشرف القلب إلى زواله. وسئل ﵁ عن الخوف، فقال: الخوفُ على أنواعٍ: فالخوفُ للمُذْنبين، والرَّهبة للعابدين، والخَشْية للعالمين، والوَجْد للمحبين، والهيبة للعارفين، فخوفُ المُذنبين من العقوبات، وخوفُ العابدين من فوت ثواب العبادات، وخوفُ العالمين من الشكر الخفي للطَّاعات، وخوفُ المحبين فوت اللِّقاء، وخوف العارفين الهيبة والتَّعظيم، وهو أشد الخوف؛ لأنَّه لا يزول أبدًا، وسائر هذه الأنواع تسكن إذا قوبلت بالرَّحمة واللُّطف. وسُئِلَ عن الدُّعاء، فقال: هو على ثلاث درجات: تصريح، وتعريض، وإشارة، فالتَّصريح: ما يلفظ به، والتَّعريض: دعاء في دعاء مضمر، وقول في قول مستور، وإشارة في فعل مخفي، فمن التعريض قولُ النَّبي ﷺ : "لا تكِلْنا إلى أنفسنا طَرْفة عين" (١)، ومن الإشارة قولُ إبراهيمَ الخليل ﷺ : ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، يشير إلى الرؤية، والتَّصريح قول موسى ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].

стр. 10045

وسُئِلَ عن المشاهدة، فقال: هي العمى عن الكونين بعين الفؤاد، ومطالعة الحقِّ بعين المعرفة على غير توهُّم استدراكٍ، ولا طَمَعٍ في تصوُّرٍ ولا تكييف، واطِّلاع القلوب بصفاء اليقين إلى ما أخبر الحق تعالى به من الغيوب. وسُئِلَ ﵁ عن معنى القُرْب، فقال: هو طَيُّ المسافاتِ بلطف المداناة. وقيل بين يديه: ما أحسنَ المولَّهين، فقال: عقلاءُ الله تعالى أحسن، لأنَّ المولَّه سُلِبَ عقله بنظرة أو لحظةٍ، والعاقل تهبُّ عليه نسمات الله فلا تحرِّك من شعر لحيته طاقة تجمّل بها على تحامل النبوة (١). وقال الشيخ عبد الرَّزَّاق: كان من أدعية والدي في مجالس وعظه: اللهمَّ، إنَّا نسألك إيمانًا يصلح للعرض عليك، وإتقانًا نقف به في القيامة بين يديك، وعصمة تنقذنا بها من ورطات الذنوب، ورحمة تطهرنا بها من دَنَس العيوب، وعِلْمًا نفقه به أوامرك ونواهيك، وفهمًا نعلم به كيف نناجيك، واجعلنا في الدُّنيا والآخرة من أَهْل ولايتك، واملأ قلوبنا بنور معرفتك، وكَحِّلْ عيون عقولنا بإثمد هدايتك، واحرس أقدام أفكارنا من زوالق مواطئ الشبهات، وامنع طيور نفوسنا من الوقوع في شباك موبقات الشهوات، أعِنَّا في إقام الصَّلوات على تَرْك الشهوات، وامحُ سطور سيئاتنا من جرائد أعمالنا بأيدي الحسنات، كن لنا حيثُ ينقطع الرَّجاء منا إذا أعرض أهلُ الوجود بوجوههم عنا، حين نحصل في ظُلَم اللحود رهائن أفعالنا إلى اليوم المشهود، أَجِرْ عبدك الضَّعيف على ما ألف من العِصْمة من الزَّلل، ووَفِقْه والحاضرين لصالح القَوْل والعمل، وأَجْرِ على لسانه ما ينتفع به السَّامع، وتَذْرِفُ له المدامع، ويلين له القَلْبُ الخاشع، واغفرْ له وللحاضرين، ولجميع المسلمين. وكان من أدعيته: اللهم، إنَّا نعوذ بوصلك من صَدِّك، وبقربك من طَرْدك، وبقَبُولك من ردِّك، فاجعلنا من أهل طاعتك ووُدِّك، وأَهِّلنا لشكرك وحمدك.

стр. 10046

وكان ربما خَتَمَ مجلسه بأن يقول: جَعَلَنا الله وإياكم ممن تَنَبَّه لخلاصه، وتنزَّه عن الدُّنيا، وتذكر يوم حشره، واقتفى آثار الصَّالحين، إنَّه وليُّ ذلك، والقادر عليه. تسمية شيوخه: اشتغل بالقرآن العظيم حتى أتقنه، وتفقه بأبي الوفاء علي بن عَقيل، وأبي الخَطَّاب محفوظ الكَلْواذاني، وأبي الحسن محمَّد بن القاضي أبي العلاء، وأبي سَعْد المبارك بن علي المُخَرِّمي مَذْهبًا وخلافًا وفروعًا وأصولًا، وقرأ الأدب على أبي زكريا يحيى بن علي التِّبْريزي، وسَمِعَ الحديث من جماعةٍ، منهم: أبو غالب محمَّد بن الحسن الباقِلَّاني، وأبو سَعْد محمَّد بن عبد الكريم بن خُشَيش، وأبو الغنائم محمَّد بن علي بن ميمون النَّرْسي، وأبو بكر أحمد بن المُظفَّر، وأبو محمَّد جعفر بن أحمد بن الحسن القارئ السَّرَّاج، وأبو القاسم علي بن أحمد بن بيان الكَرْخي، وأبو عثمان إسماعيل بن محمَّد، وأبو طالب عبد القادر بن محمَّد بن يوسف، وابن عمه عبد الرَّحمن بن أحمد، وأبو البركات هبة الله بن المبارك، وأبو العِزّ محمَّد بن المختار، وأبو نَصْر محمَّد، وأبو غالب أحمد، وأبو عبد الله يحيى أولاد الإمام أبي علي بن البَنَّاء، وأبو الحسين المبارك ابن الطُّيوري، وأبو منصور عبد الرَّحمن القَزَّاز، وأبو البركات طلحة العاقولي، وغيرهم. وصَحِبَ الشيخ أبا الخير حَمَّاد الدَّبَّاس (١)، وأخذ عنه عِلْم الطَّريقة، وتأدَّب به، وأخذ الخِرْقة الشَّريفة من أبي سَعْد المبارك المخرِّمي، ولقي جماعةً من أعيان زُهَّاد الزمان، وأضيف إلى مدرسة المخرِّمي مما حولها من المنازل والأمكنة ما يزيد على مثليها، وبذل الأغنياءُ في عمارتها أموالهم، وعمل الفقراء بأنفسهم، فتكملت المدرسة المنسوبة إليه الآن، وكان الفراغ منها في سنة ثمانٍ وعشرين وخمس مئة، وتصدَّر بها للتدريس والفتوى، وجَلَسَ بها للوعظ، وقُصِدَت بالزِّيارات والنُّذور، واجتمع عنده بها من العلماء والفقهاء والصُّلحاء جماعة من الآفاق، فحملوا عنه وسمعوا عنه، وانتهت إليه تربية المريدين بالعراق، وتتلمذ له خلق كثير، فممن انتمى إليه من المشايخ وأخذ عنه شيئًا من العلوم الشيخ الإمام القُدْوة أبو عمرو عمار بن مرزوق بن حميد بن سلام القُرَشي، نزيل مِصْر.

стр. 10047

قال الشيخ عبد الرَّزَّاق: لما حَجَّ والدي ﵀ في السنة التي كنتُ فيها معه، اجتمع به في عرفات الشيخان: عمَّار بن مرزوق، وأبو مَدْين، ولبسا منه خرقة بركة، وسمعا عليه جزءًا من مروياته، وجلسا بين يديه. وقال الشيخ سَعْد بن عمار بن مرزوق: كان أبي ﵀ يقول: قال شيخُنا عبد القادر كذا وكذا، رأيتُ سَيِّدَنا الشيخ عبد القادر يفعل كذا وكذا، سمعتُ أستاذنا الشيخ عبد القادر يقول كذا، وكان إمامنا وقُدْوتنا الشيخ عبد القادر يفعل كذا. والقاضي أبو يعلى محمَّد ابن الفَرَّاء. قال عبد العزيز بن الأخضر: سمعتُ القاضي أبا يعلى ابن الفَرَّاء يقول: جالستُ الشيخ عبد القادر كثيرًا، وقلتُ بإرادته. والشيخ الفقيه أبو الفَتْح نَصْر بن فِتْيان بن مطر بن المَنِّي، والشيخ أبو محمَّد محمود بن عثمان النَّعَّال، والإمام أبو حفص عمر بن أبي نَصْر بن علي الغَزَّالي، والشيخ أبو محمَّد الحسن الفارسي، والشيخ عبد الله بن أحمد بن الخَشَّاب، والحافظ أبو العِزّ عبد المغيث بن زهير بن علوي الحَرْبي، والإمام أبو عمر عثمان بن إسماعيل الملقب بشافعي زمانه، والشيخ محمَّد الكِيزاني، والشيخ الفقيه رسلان بن عبد الله بن شعبان، والشيخ أبو السعود أحمد بن أبي بكر الحَرِيمي العَطَّار، والشيخ محمّد بن قائد الأَوَاني، وعبد الله بن سنان الرُّدَيني، والحسن بن عبد الله بن رافع الأنصاري، وطلحة بن مُظَفَّر بن غانم العَلْثي، وأحمد بن أسعد بن وهب بن علي الهَرَوي، ومحمَّد بن الأزهر الصَّريفيني، و [أحمد بن] (١) يحيى بن بركة بن محفوظ الدَّبيقي، وعلي بن أحمد بن وهب الأَزَجي، وقاضي القضاة عليّ، وأخوه الحسن ابنا أحمد بن الدَّامَغَاني، وقاضي القضاة عبد الملك بن علي بن دِرْباس الماراني، وأخوه عثمان، وولده عبد الرَّحمن، وإبراهيم بن مُزَيبل بن نَصْر المخزومي الضَّرير، وولده عبد الله، ومحمَّد بن رسلان الشَّافعي، وولده عبد الرحمن، وعبد الله بن نَصْر بن حمزة البكري، وعبد الجبَّار بن أبي الفَضْل القَفْصي، وعلي بن طاهر الأَنصاري، وعبد الغني بن عبد

стр. 10048

الواحد المقدسي الحافظ، وأبو عمر محمَّد بن أحمد ابن قدامة المقدسي، وإبراهيم بن عبد الواحد المقدسي، وعبد الله بن أحمد بن محمَّد بن قدامة المقدسي الإمام موفق الدِّين، ﵀. قال الشيخ شمس الدِّين ﵀: سمعتُ الشيخ موفق الدين ﵀ يقول: لبست أنا والحافظ عبد الغني الخِرْقة من يد شيخ الإِسلام عبد القادر في وقتٍ واحد، واشتغلنا عليه بالفِقْه، وسمعنا منه، وانتفعنا بصحبته، ولم ندرك من حياته غير خمسين ليلة. [وأبو] (١) محمَّد بن أبي الحسن الجُبَّائي، وخلف بن عَيَّاش المِصْري، وعبد المنعم بن علي الحَرَّاني، وإبراهيم الحداد التيمي، وعبد الله الأسدي اليمنى، وعطيف بن زياد اليمني، وعمر بن أحمد اليَمَني، ومدافع بن أحمد وإبراهيم بن بشارة العدني، وعمر بن مسعود البَزَّاز، وأسباه مير بن محمّد الجيلاني، وعبد الله البطائحي نزيل بَعْلَبَكّ، ومكي بن أبي عثمان السَّعْدي وولداه عبد الرَّحمن وصالح، وعبد الله بن الحسين العُكْبَرِي، وأبو القاسم بن أبي بكر بن أحمد، وأخوه أحمد، وعتيق، وعبد العزيز بن أبي نَضْر الجُنَابَذي، ومحمّد بن أبي المكارم الحجة البعقوبي، وعبد الملك بن ديالى، وولداه أبو الفرج وأبو أحمد، وعبد الرَّحمن بن نجم الخَزْرجي، ويحيى التكريتي، وهلال بن أُميَّة العَدَني، ويوسف بن المُظَفَّر - يعرف بالعاقول - وأحمد بن إسماعيل بن حمزة، وعبد الله بن أحمد المنصوري، ومحمّد بن شهرويه الصّريفيني، وعثمان الياسري، ومحمّد الواعظ الخَيَّاط، وتاج الدِّين بن بطة، وعمر المدائني، وعبد الرَّحمن بن بقاء، ومحمّد بن النَّحال، وعبد العزيز بن دُلَف، وعبد الكريم بن محمّد المِصْري، وعبد الله بن محمَّد بن الوليد، وعبد المحسن بن الدَّوَيرة، ومحمد بن أبي الحسين، ومحمَّد بن عبد الصَّمد الصُّوفي نزيل مِصْر، ودُلَف الحَرِيمي، ومحمد بن أحمد المؤدِّب، ويوسف بن هبة الله الدِّمَشْقي، وعبد الباقي بن عبد الجبار الهَرَوي، وأحمد بن الدَّبيقي البابَصْري، وعبد الرَّحمن بن محمَّد الهاشمي، وأحمد بن مطيع، وعلي بن النَّفيس المأموني، ومحمد بن الليث الضَّرير، والشريف أحمد بن مسعود، وعلي بن أبي بكر بن إدريس، ومحمد بن نَصْر، وعبد اللطيف بن محمَّد

стр. 10049

الحَرَّاني وغيرهم، ممن يطول هذا المختصر بذكرهم، وإنما سمينا أعيان من بَلَغنا من أصحابه. ذكر أولاده، ﵃: كان له عِدَّة أولاد ذكورًا وإناثًا، فمن أعيانهم الشيخ عبد الوهَّاب، تفقَّه على والده، وسمع منه، ومن أبي غالب بن البَنَّاء وغيرهما، ورحل إلى بلاد العَجَم في طلب العِلْم، ودرَّس بعد والده بمدرسته، وحدَّث ووعظ وأفتى، وتخرَّج به جماعة، منهم: الشِّريف الحسيني البغدادي، وأحمد بن عبد الواسع بن أميركاه، وغيرهما، وتوفي ببغداد ليلة الخامس وعشرين من شوَّال سنةَ ثلاثٍ وتسعين وخمس مئة، ودفن من الغد بمقبرة الحَلْبة، ومولده في شعبان سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة، ﵀. والشيخ عيسى، تفقَّه على والده، وسمع منه، ومن أبي الحسن محمَّد بن صَرْما وغيرهما، ودرَّس، وحدَّث، ووعظ، وأفتى، وصنَّف، ومن مصنَّفاته كتاب "جواهر الأسرار ولطائف الأنوار" في علوم الصُّوفية، وقَدِمَ مصر، وحدَّث بها، ووعظ، وتخرَّج به من أهلها غيرُ واحد، منهم: أبو نزار ربيعة بن الحسن الحَضْرمي الصَّنعاني، ومسافر بن يعمر المِصْري، وأحمد بن مَيسرة، وحامد بن أحمد المِصْري الأَرْتاحي، ومحمّد بن حمد الفقيه المحدِّث، وعبد الخالق بن صالح القُرَشي الأموي المِصْري، وغيرهم. والشيخ أبو بكر عبد العزيز، تفقَّه على والده، وسمع منه، ومن أبي منصور عبد الرَّحمن بن محمَّد القَزَّاز، وغيرهما، وحدَّث ووعظ، ودرَّس، وتخرَّج به غيرُ واحد، وكان بَهِيًّا متواضعًا، رحل إلى الحيال؛ قرية من قُرى سِنْجار، واستوطنها، ﵀. والشيخ عبد الجبار، تفقَّه على والده، وسمع منه، ومن أبي منصور القَزَّاز، وغيرهما. والشيخ عبد الرَّزَّاق، تفقَّه على والده، وسَمِعَ منه، ومن أبي الحسن بن صَرْما وغيرهما، وحدَّث وأملى، وخرَّجَ، ودرَّس، وأفتى، وناظر، وتخرَّج به غيرُ واحد، منهم: إسحاق بن أحمد بن غانم العَلْثي، وعليّ بن علي خطيب رُؤْيا وغيرهما، وحُدِّث عنه أنَّه مَكَثَ ثلاثين سنة لا يرفع رأسه إلى السَّماء حياءً من ربه . وتوفي ببغداد

стр. 10050

في السادس من شَوَّال سنة [ثلاث وست مئة، ومولده سنة] (١) ثمانٍ وعشرين وخمس مئة، ﵀. والشيخ إبراهيم، تفقَّه على والده، وسمع منه، ومن سعيد بن البَنَّاء وغيرهما، ورحل إلى واسط، وتوفي بها سنة اثنتين وتسعين وخمس مئة. والشيخ محمّد، تفقَّه على والده، وسمع منه، ومن ابن البَنَّاء، وأبي الوقت، وغيرهم، وحدَّث، وتوفي ببغداد في الخامس والعشرين من ذي القَعْدة سنةَ ست مئة، ودُفِنَ من يومه بمقبرة الحَلْبة، ﵀. والشيخ عبد الله، سمع من أبيه، ومن ابن البَنَّاء، وتوفي ببغداد في السَّابع والعشرين من صفر سنةَ سبعٍ وثمانين وخمس مئة، ومولده سنة ثمانٍ وخمس مئة، وهو أسنُّ أولاد سيدنا الشيخ محيي الدِّين، رحمة الله عليه. والشيخ يحيى، تفقَّه على والده، وسمع منه، ومن محمَّد بن عبد الباقي وغيرهما، وحدَّث، وانتفع به النَّاس، وقَدِمَ مِصْر، وتوفي ببغداد في ليلة النِّصف من شعبان سنة ستّ مئة، ودُفِن عند أخيه عبد الوهَّاب، ومولده في سادس ربيع الأوّل سنة خمسين وخمس مئة، ﵀. والشيخ موسى، تفقَّه على والده، وسَمِعَ منه، ومن ابن البَنَّاء وغيرهما، وحدَّث بدمشق وعمَّر، وانتفع به النَّاس، ودخل مِصْر، واستوطن دمشق، وتوفي بها بالعقيبة في ليلة مستهل جُمادى الآخرة سنة ثمان عشرة وست مئة، ودفن بسفح جبل قاسيون، ومولده سَلْخ ربيع الأول سنة تسعٍ وثلاثين وخمس مئة، ويقال: سنة سبع وثلاثين وخمس مئة، وهو آخر مَنْ مات من أولاده ﵃. والشيخ عفيف بن المبارك سِبْطه، تفقَّه على جَدِّه، وسمع منه، ومن أبي زُرْعة. وعبد السَّلام بن الشيخ عبد الوهَّاب، تفقَّه على جَدِّه وأبيه، ودرَّس وأفتى، وتولى عِدَّة ولايات، ومولده ثامن ذي الحِجَّة سنة ثمانٍ وأربعين وخمس مئة، وتوفي ببغداد
следующие страницы →