← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 9976–10015 · переход к 9981.

стр. 9976

السَّنة الثامنة والخمسون وخمس مئة فيها بُني كشك الخليفة والوزير على باب المُظَفَّرية ظاهر بغداد، وأنفق على ذلك مالًا عظيمًا، وسُمِّي المكان الحُطَمِيَّة، وكان الخليفة والوزير يخرجان فيقيمان فيه، ويصلِّيان الجُمعة في جامع الرُّصافة مدَّة إقامتهما فيه، ويخرج أهل بغداد أيام الجُمَع، ويقفون صفوفًا يتفرَّجون، ويعبر الخليفة بينهم، وكان له حاجبٌ يقال له أحمد النوبي، وكان المستنجد سمينًا، فاجتاز بامرأتين، فقالت إحداهما للأُخرى: ما ترين ما أسمن الخليفة؟ فقالت لها: إنَّك باردة، مَنْ يكون بين يدي النوبي ما يسمن! وفيها كانت وقعة عظيمة بين أتابك إيلدكز والخَزَر، خرجوا من باب الأبواب، وأغاروا على البلاد، ونهبوا وسَبَوْا وأسروا وقتلوا، وأيقن المسلمون بالهلاك، فجمع إيلدكز عساكره والمُطَّوِّعة وأهلَ البلاد، فقيل له: لا طاقةَ لك بهم، هؤلاء في ثلاث مئة ألف، وأنتَ ما يبلغ جمعك ثلاثين ألفًا! فقال: ألقاهم بالله وببركات الصَّالحين، فالتقوا على أَذْرَبيجان، واقتتلوا قتالًا لم يعهد مثله إلا قتال الغُزّ وسنجر، وظهروا على المُسْلمين أول النَّهار، فترجَّل إيلدكز والعساكر، وهبَّت ريحٌ عاصف، فَسَفَتْ في وجوه الخَزَر التُّراب، فهزمهم الله تعالى، وسار إيلدكز في آثارهم قَتْلًا وأَسْرًا، وأُسر ملوكهم، وقُتِلَ أبطالهم، وأُخذ منهم صليب الصَّلبوت، وكان مرصعًا بالجواهر واليواقيت ما قيمته مئة ألف دينار، وبعث بالملوك والأعيان والرؤوس إلى بغداد والصَّليب، وخرج الموكب بأَسْره، ولم يتخلَّف سوى الوزير، وجَلَسَ الخليفة في الكشك، وعبروا بهم عليه، فَسُرَّ سرورًا كثيرًا، وخلع على الرُّسُل، وأعطاهم الأموال، وبعث إلى إيلدكز بخِلَعٍ تقارب خِلَع السَّلْطنة، ومراكب الذهب والكوسات والأعلام ومال كثير. وفيها قَبَضَ قُطْبُ الدِّين مودود صاحب المَوْصِل على جمال الدِّين الوزير الأَصفهاني، وحَبَسَه في قلعة المَوْصِل، واستصفى أمواله.

стр. 9977

وفيها سارَ نورُ الدِّين إلى قتال قليج رسلان (١) ابن السُّلْطان مسعود، صاحب الروم، وسببه أن قليج رسلان حاصر ذا النون الدانْشَمَنْد صاحب مَلَطية وسيواس، وأخذهما منه، فجاء إلى نور الدِّين، فأرسل إلى صاحب الرُّوم يقول: هذا ملكٌ، وقد استجار بي، فَرُدَّ عليه بلاده. فلم يلتفت، فسار نورُ الدِّين، فاستولى على أطراف الرُّوم بَهَسْنا ورَعْبان وكَيسوم والمَرْزُبان والقلاع المتاخمة للرُّوم، وقَصَدَ مَلَطْية، فتأخر قليج رسلان إلى وسط بلاده لأَنَّه ما كان له طاقة بنور الدِّين، وبينا نور الدِّين على ذلك القَصد جاءه خبر الفرنج أَنَّه قد وصلوا إلى بلاد المُسْلمين، فرجع إلى حِمْص، وأقام بها أيامًا، ثم دخل بلاد الفرنج، فنزل بالبقيعة تحت حِصن الأكراد عازمًا على حِصار طرابُلُس، ومعه خَلْقٌ عظيم، وضَرَبَ النَّاس خيامهم، ولم يكن لهم يَزَك (٢) ظنًّا من نور الدِّين أنهم لا يقدمون عليه، فبينا النَّاس وسط النَّهار في خيامهم لم يَرُعْهم إلا ظهور الصُّلبان من وراء الجبل الذي عليه الحِصن، فالسَّعيد من رَكِبَ فرسه، ونجا، وخرج نورُ الدِّين وعليه قَبَاء، فركب فرس النَّوْبة، وفي رِجْله شِبْحة (٣)، فقطعها كرديٌّ ونجا نور الدِّين، وقُتِلَ الكردي، وقَتَلَ الفرنجُ، وأسروا خَلْقًا عظيمًا، واستولوا على العسكر بما فيه [وكان من قِلَّة الحَزْم حيث غفلوا عن العدو، ولم يستظهروا باليَزَك والطلائع] (٤)، وجاء نورُ الدِّين إلى حِمْص، فلم يدخُلْها، ونزل على البحيرة، واجتمع إليه من نجا من المعركة، وأرسل إلى دمشق وحلب، وأحضر الخيام والسِّلاح والخيل، وفرَّقها في النَّاس، ومَنْ قتل أبقى إقطاعه على ولده وإلا فأهله. وكان [من] (٤) عَزْمِ الفرنج قَصد حِمْص، فلما بلغهم نزول نورِ الدِّين على البحيرة، قالوا: ما فعل هذا إلا عن قوة، فتوقفوا.

стр. 9978

وفرَّق في يومٍ واحد مئتي ألف دينار، وجاء رجلٌ فادَّعى أَنَّه ذَهَبَ له شيءٌ كثير، وكان الأمر بخلافه، وكتب النُّواب إلى نور الدين يخبرونه بأَنه مُبْطل [في دعواه] (١)، فكتب إليهم: لا تكدِّروا عطاءنا، فإنِّي أرجو الأجْر من الله على القليل والكثير. وكتَبَ إليه النُّواب بأنَّ الإدرارات كثيرة في البلاد للفقراء والفقهاء والصُّوفية، فلو حملناها إليك في هذا الوقت لاستعنتَ بها، ثم تعيد العوض، فَغَضِبَ، وكتب إليهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] وهل أرجو النَّصر إلا بهؤلاء، وهل تُنْصرون إلا بضُعفائكم (٢)؟ فكتب إليه النُّواب: فإذا لم تغيِّر عليهم شيئًا، وقد وقعتَ في هذه الورطة العظيمة، فلو أمرتنا لاقترضنا من أرباب الأموال ما تستعين به على جهاد العدو، فقد نَفِدَتْ الخزائن، ويطمع العدو في الإسلام. فبات مفكِّرًا، وقال في نفسه: نقترض، ثم ندفع العوض. ثم قال: ما أفعل. وباتَ قلقًا إلى وقت السَّحر، فنام، فرأى إنسانًا يُنْشِد: [من المديد] أَحْسِنُوا ما دامَ أمركُمُ … نافذًا في البَدْو والحَضَر واغْنموا أَيَّام دَوْلتكُمْ … إنّكُمْ منها على خَطَرِ فقام مرعوبًا مستغفرًا مما خَطَرَ له، وعَلِمَ أَنَّ هذا تنبيه من الله، فكتب إليهم: لا حاجة لي بأموال النَّاس. وعاد الفرنج إلى بلادهم. وفيها ظهر شاور بن مجير السَّعدي من الصَّعيد، وجَمَعَ أوباش الصَّعيد والعبيد، وجاء إلى القاهرة، فخرج إليه رُزِّيك بن الصَّالح فهزمه، ودخل القاهرة، فأخرب دار الوزارة، ودار بني رُزِّيك ونهبها، وبَعَث إليه العاضد بخِلْعة الوزارة، ولقبه أمير الجيوش، وتتبَّع رُزِّيكَ بنَ الصَّالح، وكان مختفيًا عند بعض اللَّخْميين، فجاؤوا به إليه فقتله، وأقام شاور، فأساء السِّيرة، فخرج عليه أبو الأشبال ضرغام بن ثعلبة (٣) من الصَّعيد، وحشد، فخرج إليه شاور،

стр. 9979

فهزمه ضرغام، وقتل ولده، وخذل أهلُ القاهرة شاور، فانهزم إلى الشَّام، وكان نورُ الدِّين بدمشق، فالتقاه وأكرمه، وأقام عنده أيامًا، ثم طلب منه العسكر، وقال: أكون نائبك بالدِّيار المِصرية، وأقنع بما تعين لي من الضياع، والباقي لك، فأجابه نور الدين. [فصل وفيها توفي طلحة بن علي أبو أحمد الزَّينبي (١) نقيب النقباء، وله نقابة العباسيين، وناب في الوزارة، وحضر مجالس جدِّي مرارًا، بات معافى، فأصبح في منزله ميتًا، فذكر أنه أكل لبًّا وأرزًا وجمارًا، ودخل الحَمَّام، فعرضت له سكتة، فتوفي في ربيع الأول، ودفن بباب حرب] (٢). وفيها توفي عبد المؤمن بن علي صاحب المغرب (٣) [وقد ذكرنا ولايته وبدايته] (٢)، وأقام بعده ولده يوسف [بن عبد المؤمن] (٢)، وتوفي سنة ثمان وسبعين وخمس مئة (٤)، وكان عبد المؤمن فاضلًا في فنون العلوم الشرعية والأحاديث [النبوية. وأجرى نهرًا من الجبل إلى جامع مرَّاكُش من مسافة بعيدة، وكان مشددًا في أمر الصلاة، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، قتل كثيرًا من تاركي الصلاة، وكان يأمر الناس بحفظ عقيدة ابن تومرت، وقد ذكرناها (٥)، وتسمى المرشدة، وضرب الدينار الوازن الخالص، ويسمى المؤمني إلى اليوم، وكان إمامًا في كل فن، وكانت أيامه منذ مات ابن تومرت إلى أن توفي عبد المؤمن ثلاثًا وثلاثين سنة، وخلف من الولد خمسة

стр. 9980

عشر ولدًا، وخمس بنات، وحمله ابنه أبو يعقوب يوسف القائم بعده في محفة، ودفنه عند محمد بن تومرت، وسار ابنه يوسف في الناس سيرة أبيه، وسنذكره] (١). محمد بن عبد الكريم أبو عبد الله (٢) سديد الدولة، ابن الأنباري، كاتب الإنشاء بديوان الخليفة، أقام كاتبًا به نيفًا وخمسين سنة، وناب في الوزارة، وكان فاضلًا، ومن شعره: يا قلبُ إلامَ لا يُفيدُ النُّصحُ … دَعْ مَزْحك كم هوًى جناه المَزْحُ ما جارحة منك خلاها جرحُ … ما تشعر بالخُمار حتى تَصحو (٣) وكانت بينه وبين الحريري صاحب "المقامات" مكاتبات ومراسلات مدوَّنة، وخَرَجَ مع المسترشد لما سافر إلى لقاء مسعود، وأُسر، وترسَّل عن الخليفة إلى الملوك، وكانت وفاته في رجب عن تسعين سنة، وصَلَّى عليه الوزير ابن هُبيرة بجامع القَصر، ودُفِنَ بمقابر قريش. محمد بن محمد أبو الفتح (٤) الكاتب البغدادي الفاضل. ولد سنة ثمان وتسعين وأربع مئة، ومن شعره: [من البسيط] ما لي وللبَرْقِ مجتازًا على إِضَمِ … يُبْدي تألُّقَهُ عن ثَغْرِ مُبْتَسِمِ سهرتُ والليلُ مكحولُ الجفونِ به … كأنَّه ضَرَمٌ قد دَبَّ في فَحَمِ أمُخْبِرِي أنتَ عن وادي العقيق وهل … حلَّتْ مجاورةً سَلْمى بذي سَلَمِ حَمَّلْتُكَ العِبْء من شوقي لتحملَهُ … رسالةً لم تكن فيها بمُتَّهَمِ فما لهم عَلِموا ما قد كتبتُ به … على لسان الهوى عن بانة العَلَمِ

стр. 9981

يا طائرًا عَذَباتُ البانِ مسكَنُهُ … أيقظْتَ للدَّمْعِ جَفْنًا عنه لم يَنَمِ غَرِّدْ بألحانك المُسْتَعْجِمات فما … أبقيتَ جارحةً إلَّا على أَلَمِ لِيَهْنِكَ الإِلْفُ والعيش الرَّغيد وإنْ … كان الذي سَرَّ أو ما ساء كالحُلُم تحية من مَشُوق طال موقفهُ … على الثَّويَّةِ (١) بالوَخَّادة الرُّسُمِ (٢) يَحِنُّ شوقًا إلى أرض الحجاز ومِنْ … دونِ الذي رامَ شعبٌ غير مُلْتَئِمِ فقِفْ بحيث أفاض المُحْرمون على … عارٍ من [الثوب] (٣) مكْسُوٍّ من السَّقَمِ في كل وقت له [وجْدٌ] (٤) يُقَلْقِلهُ … حتى يُظَنَّ به طَيفٌ من اللَّمَمِ من أبيات (٥). يحيى بن سعيد [الطبيب] (٦) النَّصراني البغدادي (٧) أوحد زمانه في معرفة الطِّبِّ، والأدب، وله ستون مقامة ضاهى بها مقامات الحريري، وله شِعْرٌ رائق، فمنه في الشيب يقول: [من الخفيف] نَفَرَتْ هندُ من طلائعِ شَيبي … واعترتها سآمةٌ من وجوم هكذا عادةُ الشَّياطين يَنْفِرْ … نَ إذا ما بَدَتْ رجومُ النُّجومِ (٨) وقال: [من الكامل] قَسَمًا بسكَّانِ العقيقِ وحاجرٍ … مُذْ غِبْتَ ما لاذ الرُّقاد بناظري وإذا أَلَمَّ فما يُلِمُّ بمُقْلتي … إلا طماعيةً بطيفٍ زائر

стр. 9982

سَلْ صادحاتِ الوُرْقِ عن وَلَهي بمَنْ … ضَمَّتْ تِهامةُ فهي عينُ الخابرِ وإذا نطقتُ فأنتَ لفظُ مقالتي … وإذا سكتُّ فأنتَ سِرُّ الخاطِرِ (١) يوسف بن محمد بن مُقَلَّد التَّنوخي (٢) رحل إلى بغداد، وعاد إلى دمشق مريضًا بعِلَّة الاستسقاء، فمات بها في صفر، ودفن بقاسيون، ومن شِعْره: [من الهزج] فؤادي منكَ مقروحُ … وقلبي منكَ مجروحُ وقد زاد الذي ألقى … فدمعُ العينِ مَسْفُوحُ أَغِثْني يا مُنى قَلْبي … فما الهِجْرانُ ممدوحُ فأنتَ القَلْبُ واللُّبّ … و [أنتَ] (٣) الرَّاحُ والرُّوح أنا إنْ عَنَّفَ الواشي … ففي قلبي التَّبارِيحُ السنة التَّاسعة والخمسون وخمس مئة فيها قال أبو الفرج بنُ الجَوْزي ﵀ في "المنتظم": فيها وَرَدَ البشيرُ إلى المستنجد بفَتْح مِصر، فقال حاجب الوزير ابن تركان (٤) قصيدة منها: [من الطويل] لعل حُداةَ العِيس أن يترفَّقوا … لتشفي عليلًا بالمدامع مُدْنَفُ لِيَهْنكَ يا مولى الأنام بشارةٌ … بها سيفُ دين الله بالحقِّ مُرْهَفُ ضَرَبْتَ بها هام الأعادي بهمَّةٍ … تقاصَرَ عنها السَّمْهَرِيُّ المُثَقَّفُ بَعَثْتَ إلى شَرْقِ البلادِ وغَرِبها … بعوثًا من الآراء تحيي وتُتْلِفُ

стр. 9983

فقامت مقامَ السَّيفِ والسَّيفُ قاطِرٌ … ونابَتْ منابَ الرُّمح والرُّمُحُ يرعُفُ فقدتَ لها جَيشًا من الرَّوعِ هائلًا … إلى كلِّ قلب من عُداتك يَزْحفُ لِيَهْنِكَ يا مولاي فتحٌ تتابعت … إليكَ به خُوصُ الرَّكائب توكَفُ أخذتَ به مِصرًا وقد حال دونها … من الشِّرك ناسٌ في لحى الكُفْر تقذف فعادَتْ بحمد الله باسْمِ إمامنا … تَتِيه على كل البلاد وتَشْرُفُ ولا غَرْوَ إنْ ذَلَّتْ ليوسفَ مِصرُه … وكانت إلى عَلْيائِهِ تتشوَّفُ تملَّكَها مِنْ قَبْضة الكُفْر يوسفٌ … وخلَّصَها من عُصبة الرِّفْضِ يوسفُ فشابَهَهُ خَلْقًا وخُلْقًا وعِفَّةً … وكلٌّ عن الرحمن في الأرض يَخْلُفُ كشفتَ بها عن آلِ هاشم سُبَّةً … وعارًا أبي إلَّا بسَيفك يُكْشَفُ (١) قال المصنف ﵀: وهذا وهمٌ من ابنِ تركان، فإن تواريخ الشَّاميين والمِصريين مُطْبِقَةٌ على أن مِصر لم تملك في هذه السنة، بل في سنة أربع وستين وخمس مئة، ولم يخطب للمستنجد فيها، وإنما أُقيمت الخُطْبة فيها في أيام المستضيء، وكان المستنجد قد مات، وقد ذكرنا أنَّ شاور قَدِمَ على نور الدين في السَّنة الماضية، وأقام عنده إلى هذه السنة، فجهَّز نورُ الدين العساكر مع أسد الدِّين شيركوه في العشرين من جُمادى الأُولى، وكان صلاحُ الدين مع عَمِّه أسد الدين، فلمَّا وصلوا إلى القاهرة، خَرَجَ إليهم أبو الأشبال الضرغام ابن سوار، فحاربهم أيامًا، فلما كان في بعضها التقوا على بابِ القاهرة، فحمل ضرغام في أوائل النَّاس، فَطُعِنَ فَقُتِلَ، واستقام أمر شاور، وكانت وزارة ضرغام تسعة أشهر. وكان شاور سفَّاكًا للدِّماء، ولما استولى على القاهرة، ظهرت منه أمارات الغَدْر، فأشار صلاح الدين على أسد الدين بالتأخُّر إلى بِلْبيس. وما كان يقطع أمرًا دونه، ثم بعث أسدُ الدِّين إلى شاور يطلب منه أرزاق الجند، فاعتذر وتعلل عليه، فأقطع أسد الدين الغربية، وكتب إلى نور الدين يخبره بما جرى. وَدَسَّ شاور إلى الفرنج رسولًا يدعوهم إلى مصر، وبذل لهم الأموال، فاجتمعوا من السَّاحل، وساروا من الدَّاروم متفقين مع شاور على قتال أسد الدين، وحصروه في

стр. 9984

بِلْبيس شهرين وقاتلوه، فصالحهم أسدُ الدين على مال، وكان حصارهم له من أول رمضان إلى ذي القَعدة، وجرت بينهم حروبٌ ووقائع، وبلغهم أن نور الدِّين على قَصدِ بلادهم، فرجعوا، وعاد أسد الدين إلى دمشق، وأقام شاور بالقاهرة يظلم ويقتل، ويصادر النَّاس، ولا رأي للعاضد معه، وأقام أسد الدِّين بدمشق إلى سنة اثنتين وستين، ودخل ديار مِصر، وهي نوبة البابين، وعاد إلى دمشق، ثم دخل إلى مصر سنة أربع وستين، فاستولى عليها، وقتل شاور، ولم يخطب بها لبني العباس إلَّا عند موت العاضد سنة سبعٍ وستين في خلافة المستضيئ لما نذكر، إنْ شاء الله تعالى. ذِكْرُ بداية أَمْر بني أيوب كان نجم الدِّين أيوب بن شاذي بن مروان، وأخوه أسد الدِّين شيركوه، نجم الدِّين الأكبر، أصلهم من دُوين بلدة صغيرة في العجم، وقيل هو من الأكراد الرَّوَاديَّة، قدما العراق، وخدما مجاهد الدِّين بِهْرُوز الخادم شِحْنة بغداد، فرأى من نجم الدِّين رأيًا وعقلًا وحُسْنَ سيرة، فولَّاه دُزْدَارًا لتكريت، وكانت له، أعطاه إياها السُّلْطان مسعود، فأقام بها نجم الدِّين ومعه أخوه شيركوه، فلمَّا انهزم أتابك زَنْكي من المسترشد في سنة ستٍّ وعشرين وخمس مئة، ووصل إلى تكريت، خدمه أيوب، وأقام له المعابر، فعبر دِجْلة من هناك، وخَدَمَ من تبعه من أصحابه، فرأى زَنْكي له ذلك. وأقاما بتكريت مُدَّة، ثم فارقاها، وسببُه أَنَّ نجم الدِّين كان يرمي يومًا بالنُّشَّاب، فوقعت نُشابة في مملوك لبهروز، فقتله من غير قَصد، واستحيا من بهروز، فخرجا إلى المَوْصل، وقيل: إنَّ بهروز أخرجهما. وقيل غير ذلك، وقصدا أتابك زَنْكي، فأحسن إليهما، وأقطعهما إقطاعات كثيرة، وصارا من جُمْلة أجناده. فلما فتح زَنْكي بَعْلَبَكَّ ولَّى نجم الدين دُزْدارًا في قلعتها، فلما قُتِلَ زَنْكي على قلعة جَعبر، حَصَرَ نجمَ الدِّين صاحبُ دمشق، وضايقه، فكتب إلى نور الدِّين وسيف الدِّين غازي يطلبُ منهما نجدةً، فاشتغلا عنه بملك جديد، واشتدَّ الحصار على بعلبك، فخاف نجمُ الدِّين من فَتْحها عَنْوةً، أو تسليم أهلها، فصالح معين الدِّين أُنَر على مالٍ وإقطاع، وانتقل وأخوه إلى دمشق، وصارا من أكبر أُمرائها.

стр. 9985

ثم اتَّصلَ أسدُ الدِّين بنور الدِّين، فرأى منه نجابة وشجاعة، فأعطاه حِمْص والرَّحْبة، وجعله مقدَّم عساكره، فلما صَرَفَ نورُ الدِّين هِمَّتَه إلى دمشق أمر أسدَ الدين أَنْ يكاتبَ أخاه نجمَ الدِّين على المساعدة على فتحها، وقال: هذا واجب، فإنَّ مجير الدِّين قد أعطى الفرنج بانياس، وربما سَلَّم إليهم دمشق. فأجابه نجمُ الدِّين إلى ذلك، وطلبا من نور الدِّين إقطاعًا وأملاكًا، فأعطاهما، وحَلَفَ لهما ووفى بيمينه، وصارا عنده في أعلى المنازل، وخصوصًا نجم الدين، فإنَّ جميع الأُمراء كانوا إذا دخلوا على نور الدِّين لا يقعد واحد حتى يأمره نور الدِّين بالقعود، إلَّا نجم الدِّين فإنَّه كان إذا دَخَلَ قعد من غير أن يأمره نور الدين. فلما كان في هذه السنة، وعَزَمَ نور الدِّين على إنفاذ العساكر إلى مِصر، لم يَرَ لها مثل أسد الدين، فبعثَ به مع شاور كما ذكرناه. وفيها حارب أمير أميران أخاه نور الدِّين [فكسره نور الدين، وسنذكره في ترجمة أمير أميران في السنة الآتية. وفيها فتحت حارم في شهر رمضان، وكان السبب فيه أَنَّ نور الدين] (١) لما أصابه بالبقيعة ما أصابه، بعث إلى أخيه قُطْب الدِّين بالمَوْصل وفخر الدين قرا رسلان بالحِصن، ونجم الدِّين بميَّافارِقِين وغيرهم يطلبُ النَّجْدة، فأما [أخوه] (١) قطب الدِّين، فإنَّه جمع العساكر، وسار مُجدًّا، وعلى مقدّمته زين الدِّين علي كُوجك، وأما فخر الدِّين قرارسلان، فقال له أصحابه: على أيِّ شيء عَزَمْتَ؟ فقال: على القعود: فإنَّ نورَ الدين قد أثَّر فيه الصَّوم والصَّلاة، وهو يُلْقي نفسه والنَّاس معه في المهالك. فوافقوه، فلما كان من الغد نادى في عسكره بالتجهز للغَزَاة، فقيل له في ذلك، فقال: إنَّ نور الدِّين قد كاتَبَ زُهَّاد بلادي المنقطعين عن الدُّنيا، وذَكَرَ لهم ما جرى على المُسْلمين من الفرنج، وطلب منهم الدُّعاء، وطلب منهم أن يحثُّوا المسلمين على الجهاد، وقد قَعَدَ كلُّ واحدٍ وحوله جماعة يقرؤون كُتُبَ نور الدين ويبكون، ويدعون له وعليّ، فإن تأخرتُ خَرَجَ أهلُ بلادي عن طاعتي، ثُمَّ سار بنفسه. وأما صاحب مارِدِين فبعثَ بالعساكر، وكان له عُذْرٌ يمنعه عن المسير بنفسه.

стр. 9986

ولما اجتمعت العساكر على حلب سُرَّ نور الدين بقدومها، وسار إلى حارم، فنازلها، وبلغ الفرنج، فحشدوا وجاؤوا في ثلاثين ألفًا، وفيهم البرنس صاحِبُ أنطاكية والقُومص [صاحب طرابُلُس وابن جوسلين والدوك، وهو رئيس القوم] (١)، وكان فيهم من الرَّجَّالة ما لا يُحصى، ولما تراءى الجمعان صَعِدَ نور الدِّين على تلٍّ عال، فشاهد من الفرنج ما أذهله وهاله، فنزل من التل، وانفرد عن العساكر، ونزل عن فرسه، وصلَّى ركعتين، ومرَّغ وجهه على التراب، وبكى، وقال: يا سيدي، هذا الجيش جيشك، والدين دينك، ومن محمود في البين، افعل ما يليق بك. وحملتِ الفرنجُ على الميمنة، وفيها عسكر حلب، فاندفعوا بين أيديهم ليبعدوا عن الرَّاجل، وتبعهم الفرنج، فعطفَ نورُ الدِّين على الرَّجَّالة، فحصدهم بالسَّيف، ورجعت الفرنج، فلم يروا من الرَّجَّالة أحدًا، فانخلعت قلوبُهم، وأحاط بهم المسلمون، فذلّوا، وخضعوا، وعمل فيهم السَّيف، فلم يبقَ منهم إلَّا من نجا به فرسه، وأَسَرَ نورُ الدِّين من سَمَّينا من ملوكهم، وستَّة آلافٍ من أكنادهم، وغَنِمَ ما كان معهم من الأموال والخيل والسِّلاح والخيام، وغير ذلك، وفَتَحَ حِصنَ حارم في حادي عشرين رمضان يوم الجمعة، وعاد إلى حلب بالأسارى والغنائم، وامتلأت حلب منهم، فبيع الأسير بدينار، وفرَّقهم نور الدين على العساكر، وأعطى أخاه وصاحِبَ الحِصن الأموال العظيمة، والتُّحف الكثيرة، وعادوا إلى بلادهم، ثم فاداهم نور الدين. وكان قد استفتى الفُقَهاء، فاختلفوا، فقال قوم: يقتل الجميع. وقال آخرون: يفادي بهم. فمال نورُ الدِّين إلى الفدية، فأخذ منهم ست مئة ألف دينار معجلة، وخيلًا، وسلاحًا وغير ذلك، فكان نورُ الدِّين يحلف بالله أَنَّ جميع ما بناه من المدارس والربط [والمارستانات] (١) وغيرها من هذه المفاداة، وجميع ما وقفها (٢) منها، وليس فيها من بيتِ المال دِرْهمٌ واحد.

стр. 9987

وفيها توفي الحسن بن محمد (١) ابن الحسن، أبو المعالي الوَرْكاني، الفقيه، الشافعي، وَوَرْكان من نواحي قاشان. عاش نيفًا وثمانين سنة، يقرئ فنون العلوم بأَصبهان، ومن شعره: [من الرمل] يا أحبائي بجرعاءِ الحِمى … بكُمُ منكمْ لقلبي المُسْتَجارْ ليتَ شِعْري ما الذي زَهَّدكُمْ … في وصالي أدلالٌ أم نِفارْ أَمْ لأَن كنتُمْ بدورًا طُلَّعًا … في دُجى اللَّيل وللبدرِ سِرارْ وكتب إليه أبو المعالي محمد بن مسعود القَسَّام فُتْيا سنة ستٍّ وأربعين وخمس مئة بأصبهان: [من البسيط] يا مَنْ تساهَمَ فيه الفَضْلُ والشَّرفُ … ومن به نفراتُ العِزِّ تأتلفُ قد حَلَّ في مَدْرَجِ العَلْياءِ مرتبةً … مطامحُ الشُّهْبِ عن غاياتها تَقِفُ تشاجَرَ النَّاسُ في تحديد عِشْقهُمُ … شتى المذاهب فالآراءُ تختلفُ فاكشِفْ حقيقته واسْتَجْلِ غامضه … يا من به شُبَهُ الآراءِ تنكشِفُ (٢) فأجابه على البديهة: حدُّ الهوى أَنُّه يا سائلي شَغَفٌ … أَدْنى نكايته في أهله التَّلَفُ نار تأجَّجُ في الأحشاء جاحِمُها … دماءُ عيني تراه دائمًا يَكِفُ وقد يُجَنُّ الفتى منه لشِدَّته … فكم أُناسٍ به في قيده رسفوا يُشِبُّ نيرانَه فِكرٌ ويُطفِئُهُ … وَطْءٌ كذا قاله القوم الأُلى سلفوا فهذا ما رمتَ من عندي حقيقتَه … فإنَّه واضح كالشَّمْسِ مُنْكَشِفُ بديهة لم أنقِّحْ لفظها فأَتَتْ … كالدُّرِّ ينشَقُّ عن لألائها الصَّدَفُ (٣)

стр. 9988

محمد بن علي بن أبي منصور (١) أبو جعفر، الوزير جمال الدين الأَصبهاني. وزير أتابك زَنْكي، وسيف الدِّين غازي، وقُطْب الدِّين مودود، وكان الحاكم على الدَّولة، و [كان] (٢) بينه وبين زين الدِّين علي كُوجك مصافاة، وعهود ومواثيق، وكانت المَوْصل في أيامه ملجأ لكلِّ ملهوف، ومفزعًا لكل مكروب، ولم يكن في زمانه من يضاهيه، ولا يقاربه في الجُود والنَّوال، والإحسان والإفضال، وكان كثيرَ الصِّلات، غزير البر والصَّدقات، بنى مسجد الخَيف، وغَرِمَ عليه أموالًا كثيرة، وجدَّد الحجر إلى جانب الكعبة، وزخرف البيت بالذَّهب، وبنى أبواب الحَرَم وشيَّدها، ورَفَع أعتابها صيانةً للحرم، وبنى المسجد الذي على جبل عَرَفَة، والدَّرج الذي يَطْلُعُ فيها إليه، وكان النَّاس يعانون في صعودهم شِدَّة، وأجرى الماءَ إلى عرفات، وعمل البرك والمصانع، وأجرى الماء في قنوات، وكان يعطي أهل مكة كلَّ سنة مالًا عظيمًا ليجروا الماء إلى عرفات، وبنى على مدينة رسول الله ﷺ سُورًا، وكانت الأَعراب تنهبُها وتغارُ عليها، فكان الخطيب يقول على المنبر: اللهم صُنْ حريم من صان حرم نبيك محمد ﷺ ، وهو محمد بن علي الأَصبهاني. وكانت صدقاتُه وصِلاتُه في المشرق والمغرب، يبعث بها إلى خُرَاسان، والعراق والبصرة، والكُوفة، وبغداد والشَّام، ومِصر، والحجاز، واليمن، فيعمُّ [الفقهاء و] (٢) العلماء والزُّهَّاد وأرباب البيوت، وغيرهم، وما خيَّبَ رجاء مَنْ قَصَده، وكان له في كلِّ يوم -خارجًا عن أرباب الرَّواتب- مئة دينار يتصدَّق بها على باب بيته، وبنى الجسور والقناطر والرُّبُط بالمَوْصِل، والجسر الذي عند جزيرة ابن عمر بالحجر المنحوت والرَّصاص، وأوثقه بالحديد بين البنيان، وبنى الرُّبُط بالموصل وسِنْجار ونَصِيبين، وكان إذا قلَّ ما بيده باع بُسُطَ داره وثيابَه، وتصدَّق بها، وكان يبعث إلى عمر الملا

стр. 9989

بالأموال، فيتصدَّق بها، فإذا نَفِدَ ما عنده خلع ثيابه وعِمامته، وبَعَثَ بها إلى عمر ليتصدَّق بثمنها، [فيبكي عمر. وكان قد] (١) وقع بالمَوْصل قحطٌ، فكان يقول: هذه أيَّام المواساة. ولهذا الخَرْجِ العظيم كان يُنْسب إلى عمل الكيمياء، وحُوشي من ذلك. [ذكر وفاته] (١): ولما سارت الرُّكبان بجوده، وعَمَّ معروفُه أهلَ الدُّنيا حَسَدَه أقوامٌ، فكذَّبوا عليه عند قُطْب الدين، وقالوا: إنَّه يأخذُ أموالك فيتصدَّق بها. وما كان قُطْبُ الدِّين يقدر على قبضه لما كان بينه وبين زين الدِّين من المصافاة، فوضع مَنْ أغرى بينهما، فتغيَّر عليه زين الدِّين، فقبض عليه قُطْب الدين، واعتقله في قلعة المَوْصل، فقال ابنُ المعلِّم [الشَّاعر هذه الأبيات] (١): [من البسيط] إنْ يَعْزِلُوكَ لمعروفٍ شَمَخْتَ به … على ذوي الأرضِ ذات العَرْضِ والطُّولِ فأنتَ يا واحدَ الدُّنيا وسيِّدَها … بذلك الجُودِ فيها غيرَ مَعْزُولِ ثم ندم زين الدِّين على موافقة قُطْب الدِّين على قَبْضه، لأنَّ خواص قُطْب الدين كانت أيديهم مقبوضة عن التصرُّف، فلما قُبِضَ جمالُ الدِّين انبسطوا في الأمر والنَّهْي على خلاف غَرَضِ زين الدين، وأقام في الحَبْسِ سنة، ثُمَّ توفي. وقال (٢) أبو القاسم الصُّوفي، وكان صاحبه: قال لي جمال الدِّين: كنتُ أخشى أن أنقل من الدَّسْت إلى القبر، فلو جاء الموتُ الآن ما كَرِهْتُه. ثم مَرِضَ، فقال [لي] (١): يا أبا القاسم إذا جاء طائر أبيض إلى الدّار فَعَرِّفْني. فقلتُ في نفسي: قد اختلط الرَّجل. فلما كان من الغد إذْ سَقَطَ طائرٌ أبيض لم أَرَ مثله، فَعَرَّفْتُه، فاسْتَبْشَرَ، وقال: جاء الحقُّ. ثم قال: بيني وبين أسد الدين شيركوه عهد، مَنْ مات منا قَبْلَ صاحبه حَمَلَه إلى المدينة -وكان أسد الدين وجمال الدِّين قد بنيا رباطين بالمدينة وعملا فيهما تُربتين- فاذهَبْ

стр. 9990

إلى أسد الدين، فذكِّرْه. وأَقْبَلَ على ذِكْر الله تعالى والتشهُّد حتى مات، وطار الطَّائر، ودُفِنَ في تابوت بالمَوْصِل، وذلك في رمضان. ومضى أبو القاسم إلى أسد الدِّين، فأخبره، فقال: صَدَق. وأعطاه مالًا صالحًا يحمله به إلى مكة والمدينة، وأن يحجَّ معه جماعةٌ من الصُّوفية، ويُقرأ بين يدي تابوته عند النُّزول وعند الرَّحيل، وأن يُنادى بالصَّلاة عليه في كلِّ بلد. فخرجوا بتابوته على هذه الهيئة، فقدموا به بغداد، ونزلوا به في الشُّونيزية، ولم يبق ببغداد أحدٌ إلَّا وخرج إليه خصوصًا مَنْ كان له إليه إحسان، فصلُّوا عليه وبكوا وترحَّموا، ثُمَّ خرجوا به إلى الحِلَّة والكوفة، وزاوية المشهدين، فقام بعضُ العلويين بالكُوفة على تلٍّ عالٍ، فلما مَرُّوا بجنازته رَفَعَ صوتَه، وقال: [من الطويل] سَرَى نعشُه فوق الرِّقابِ وطالما … سرى بِرُّه في العالمينَ ونائِلُهْ يمرُّ على الوادي فتُثْني رمالُهُ … عليه وبالنَّادي فتبكي أرامِلُهْ فلم ير باكيًا أكثر من ذلك اليوم، ثم ساروا به مع الحاجّ، فلمَّا وصلوا [به] (١) إلى وادي المحرم، ألقوا على تابوته شقة كأَنَّه مُحْرم، ثم أَتَوْا به عرفات، وخرج أهل مكة باكين، وصَعِدوا به إلى الجبل، ونزلوا به إلى مِنى، واشتروا له جمالًا، ونحروها عنه، ودخلوا به مكَّة، فطافوا به حول البيت، واشتغل النَّاس به عن البيت من كَثْرة البكاء والصُّراخ، وخرج النِّساء المجاورات اللائي كان إليهن بِرَّه بين يدي تابوته يبكين ويصرخن، وكان يومًا عظيمًا، وساروا به إلى المدينة، فخرج أهلُها، وفعلوا به كما فعل أهل مكَّة، ودخلوا به إلى الرَّوْضة، فصلوا عليه، وحملوه إلى رِباطه، فدفنوه فيه، وبين رباطه وبين مسجد النَّبي ﷺ أذرع عرض الطَّريق، وكان فصيحًا. ولما حُبس قال: [من الكامل] أين اليمينُ وأينَ ما عاهدْتني … ما كان أسرعَ في الهوى ما خُنْتني وتركتني حيرانَ صَبًّا مُدْنَفًا … أرعى النُّجومَ وأنتَ ترقد ها هَنِي

стр. 9991

فلأرفعنَّ إلى إلهيَ قِصَّةً … إنسان مظلوم وأنتَ ظلمتني ولأدعونَّ عليك في غَسَقِ الدُّجى … فعساك تبلى بالذي أبليتني ولم يحمل إلى مكة مَيتٌ قبله سوى الحُرَّة ملكة عدن، وابن رُزِّيك أخو الصَّالح طلائع، والخادم أومشت صاحب عُمان. أبو الفَرَج بن الدَّهَّان الواسِطي (١) ويلقب شمس الرُّؤساء، شاعِرٌ فصيح، ومن شعره: [من الخفيف] عاد عيد الهوى بقلبي فأبدى … زفراتٍ تُعْيي الحليمَ الجَلْدا ما يريد الهوى كأنَّ له عنـ … ــــدَ فؤادي المتبولِ ثارًا وحِقْدا يا طليقَ الفؤاد حاجة مأسو … رٍ أبي من وَثَاقه أَنْ يُفَدَّى أينَ أيامُنا بسَلْعٍ أعاد اللهُ … أيامنا بسَلْعٍ ورَدَّا يا لها نفحةً بذي البان يَزْدا … دُ فؤادي لبَرْدِها الدَّهْرَ وَقْدا وليالٍ بجوٍّ ضارجَ صَيَّرْ … نَ لحُزْني أياميَ البِيضَ رُبْدا (٢) لا عدا الغيثُ من تِهامةَ رَبْعًا … هامَ قلبي به غرامًا وَوَجْدا أتمنَّى نَجْدًا ومن أين تُعْطيـ … ـــني اللَّيالي بأرضِ نعمانَ نجدا حَبَّذا رفقتي بوادي الأثيلا … تِ وأظعانهم مع الفَجْرِ تُحْدى يا لُوَاتي دَينَ الغَرامِ أما آ … ن لِدَيني عليكُمُ أَنْ يُؤدَّى يا ظباء الصَّريم فيكنَّ ظبيٌ … صاد قلبي يوم الغميمِ وصَدَّا لم أكن عالمًا بوَجْرة يومًا … أَنَّ غزلانها تصيد الأُسْدا أَخْلَقَتْ جدَّتي صروفُ اللَّيالي … وأَرَتْني هَزْلَ المُلِمَّاتِ جدَّا ملأتني يدُ الخُطُوب كُلُومًا … أَنْ رأَتْني لصرْفها مُستَعِدَّا

стр. 9992

السنة الستون وخمس مئة فيها في رجب عَمِلَ الخليفة دعوةً في الدَّار الجديدة واحتفل لها، وحَضَرَها أرباب الدولة والعلماء [والفقهاء] (١) والصُّوفية والقُرَّاء، والوعَّاظ، ووعظوا، وقرؤوا، ونُصبت الموائد، عليها فنون الأَطعمة والحلوى، وغنَّى المغنون، ورقص الصُّوفية نهارهم وليلتهم، ثم خَلَعَ على جميع من حَضَر، وصار ذلك رسمًا [مقررًا] (١) في كل سنة في رجب. [وذكر جدي في "المنتظم"، قال] (١): وفي عيد الأضحى ولدت امرأة من درب هارون [يقال لها بنت أبي العز الأهوازي] (١) أربع بنات، وماتت المرأة ومعها بنت أخرى (٢). وتوفي الوزير يحيى بن هُبيرة، وقُبِضَ على وَلَدَيه، وحاجبه ابن تركان، وحبسوا في دار أُستاذ الدار. وفيها فتح نورُ الدِّين بانياس عَنْوَةً، وكان معه أخوه نصير الدِّين (٣) أمير أميران، فأصابه سَهْمٌ، فأَذْهَبَ إحدى عينيه، فقال له نور الدين: لو كُشِفَ لك عما أَعدَّ الله لك من الأَجْر لتمنَّيتَ ذَهَاب الأخرى. وكان ولد معين الدِّين أُنَر، الذي سَلَّم أبوه بانياس إلى الفرنج، قائمًا على رأس نور الدِّين، فقال له نور الدين: للنَّاس بهذا الفَتْح فرحةٌ واحدة، ولك فرحتان. قال: يا مولانا، ولمَ؟ قال: لأَنَّ اليوم بُرِّدْتَ جِلْدة أبيك من نار جهنم. وفيها فوَّضَ نورُ الدِّين شِحْنكيَّة دمشق إلى صلاح الدين يوسف بن أيوب [على ما قيل] (١)، فأظهر السِّياسة وهذَّب الأمور، فقال عرقلة: [من المتقارب] رُويدَكُمُ يا لصوصَ الشَّام … فإنِّي لكُمْ ناصحٌ في مقالي

стр. 9993

وإياكُمُ وسميَّ النَّبي … يوسف ابن الحجا والجمال فذاك يُقَطِّعُ أيدي النساء … وهذا يقطِّعُ أيدي الرِّجال وفيها توفي أمير أميران بن زَنْكي أخو نور الدِّين [محمود] (١)، أصابه سَهْمٌ على بانياس في عينه، فقتله (٢). وقد ذكرنا أن نورَ الدِّين لما مَرِضَ، كاتبَ أمير أميران الأُمراء، فلما بَرِئَ نور الدين سار إليه، وأخذ حَرَّان منه، وطَرَده، فمضى إلى صاحب الرُّوم (٣)، وجَيَّش الجيوش في سنة تسعٍ وخمسين، وانضمَّ إليه خَلْقٌ كثير، وكان نور الدين نازلًا على رأس الماء، فالتقوا، فكُسِرَ نور الدين، وقُتِلَ أخو مجد الدِّين ابن الدَّاية، ونُهِبَ عسكر نور الدين، ورجع [أمير أميران إلى صاحب] (٤) حِصن كيفا مستجيرًا به. فقيل: إنه مات عنده، ويقال: إنه شَفَعَ فيه إلى نور الدين، فَقَبِلَ شفاعته، وماتَ بدمشق. حَسَّان بن تميم بن نَصْر (٥) أبو النَّدى الدِّمَشْقي، [ويعرف بالصَّيرفي] (١). سمع الحديث وحَجَّ، وتوفي في رجب، ودفن بمقبرة باب الفراديس، [سمع الفقيه نَصرًا الصيرفي وغيره] (١)، وكتب عنه [الحافظ] (١) ابن عساكر لعبد الملك بن جمهور القُرْطُبي [هذه الأبيات] (١): [من البسيط] الموت يقبضُ ما أطلقتُ من أملي … لو صَحَّ عقلي طلبتُ الفوزَ في مَهَلِ ما ينقضي أملٌ إلَّا أتى أملٌ … فالدَّهْرُ في ذا وذا لم أَخْلُ من شُغُلِ

стр. 9994

من أين أُرْضيك إلَّا أَنْ توفِّقَني … هيهات هيهاتَ ما التوفيقُ من قِبَلي فارحمْ بعزَّتك اللهم مُلْتهفًا … فيما أتى واغتفر ما كان من زَلَل عبد الواحد بن إبراهيم (١) ابن أحمد أبو الفضائل (٢)، [ويعرف بابن قُزَّة] (٣) الحلبي. انتقل أبوه إلى دمشق، وولد عبد الواحد سنة خمسٍ وسبعين وأربع مئة [وسمع الحديث] (٣) وتوفي في ذي الحجة، ودُفِنَ بالباب الصَّغير، [سمع نَصْرًا المقدسي وغيره، وروى عنه الحافظ ابن عساكر وغيره، وقال: وأنشدني للمبرِّد هذه الأبيات] (٤): [من السريع] يا صاحبَ المعروفِ كنْ تارِكًا … تَرْدادَ ذي الحاجة في حاجتِهْ فَشَرُّ معروفك ممطولُهُ … وخيره ما كان مِنْ ساعتِهْ لكلِّ شيءٍ آفةٌ تُتَّقى … وحَبْسُك المعروف مِنْ آفتِهْ (٥) [وفيها توفي عمر بن بلهيقا الطَّحَّان البغدادي (٦) الذي عمر جامع بلهيقا بالجانب الغربي من بغداد بالقرية، وكان مسجدًا صغيرًا، فاشترى حوله أماكن وأوسعه، واستأذن الخليفة في أن يجعله جامعًا، فأذن له. قال جدي في "المنتظم": إلَّا أن أكثر المواضع التي اشتراها كانت تُربًا فيها موتى، فأخرجوا، وبيعت أماكنهم، وكان المسجد الأول مما يلي الباب والمنارة. وتوفي يوم الاثنين ثامن عشر ذي الحجة، ودفن على باب الجامع بعيدًا من حائطه، ثم نبش بعد أيام وأخرج، ودفن ملاصقًا للجامع ليشتهر ذكره بأنه بنى الجامع، فقال الناس: هذا رجل نبش الموتى وأخرجهم، فقضي عليه بأن نبش بعد دفنه] (٣).

стр. 9995

محمد بن إبراهيم بن الكِيزاني (١) أبو عبد الله، الواعظ، المِصري، [رجل مشهور فاضل، وله أصحاب بمصر، و] (٢) كان يقول بأَنَّ أفعال العباد قديمة، [وبينه وبين جماعة من المصريين خلاف] (٢)، ودفن عند الشَّافعي رحمة الله عليه، [فتعصب عليه رجل شافعي يقال له الخبوشاني ونبشه (٣)] في أيام صلاح الدين [وقال: هذا حشوي لا يحل أن يدفن عند الشافعي] (٢)، ودفن في مكانٍ آخر، وكان زاهدًا عابدًا، قنوعًا من الدُّنيا باليسير، فصيحًا، [وله النظم والنثر، وديوانه بمصر مشهور، وممدوح مشكور، وقد وقعت عليه بمصر، فرأيته حسن العبارة، صحيح الإشارة، وفيه رقة وحلاوة، وعليه طلاوة، وغير ذلك أنشدني منه الفضل مرهف بن أسامة ابن منقذ بمصر في سنة تسع وست مئة هذه الأبيات] (٤): [من مجزوء الرمل] اصرفوا عني طبيبي … ودعوني وحبيبي علِّلُوا قلبي بذكرا … هـ فقد زاد لهيبي طاب هَتْكي في هواه … بين واشٍ ورقيبِ لا أُبالي بفوات النّـ … ـــــــفس ما دامَ نَصِيبي ليس من لام وإن أطـ … ـــــــنب فيه بمصيب جسدي راض بسُقْمي … وجفوني بنحيبي (٥) وقال: [من الكامل]

стр. 9996

يا مَنْ يتيه على الزَّمان بحُسْنِهِ … اعْطِفْ على الصَّبِّ المشوق التَّائِهِ أضحى يخافُ على احتراقِ فؤاده … أسفًا لأنَّك منه في سودائِهِ (١) وقال: [من الطويل] أسُكَّان هذا الحيِّ من آلِ مالك … مسالمةٌ ما بيننا وجميلُ ألم تَعِدُونا أن تزوروا تكرُّمًا … فما بالُ ميعاد الوصالِ يطولُ وَحُلْتُمْ عن الوَعدِ الجميلِ مَلالة … وأنتمْ على نَقْضِ العُهودِ نُزُولُ وما منكُمُ بُدٌّ على كلِّ حالةٍ … وإن كان منكم هاجرٌ وملولُ دواعي الهوى محتومةٌ فاصطَبِرْ لها … وإن جار بَينٌ أَو جَفَاك خليلُ (٢) وقال: [من المتقارب] تَخَيَّرْ لنفسك ما تَرْتَضِيهِ … ولا تُدْنِينَّ إليك اللِّئاما فليس الصَّديقُ صديقَ الرَّخاءِ … ولكنْ إذا قَعَدَ الدَّهْرُ قاما ينامُ وهِمَّتُه في الذي … يَهُمُّك لا يَستَلِذُّ المناما وكم ضاحكٍ لك أحشاؤه … تَمنَّاك أنْ لو لقيتَ الحِماما (٣) محمد بن سَعْد بن عبد الله (٤) ابن الحسن، أبو عبد الله، البغدادي. توفي بحلب في المحرَّم، ومن شعره: [من السريع] أفدي الذي وكَّلَني حبُّه … بطولِ إعلالٍ وإمراضِ ولستُ أدري بعد ذا كلِّه … أساخِطٌ مولاي أم راضِ وقال: [من السريع] يا ذا الذي وكَّلَ بي حبُّه … على مدى الأيام أَوْجاعا وما يبالي لقساواته … إنْ ظَمِيَ المشتاقُ أو جاعا

стр. 9997

وقال: [من الطويل] سيطوي على ذي البهجة الجسم حُسْنه … هوامٌ ترى الرَّمْسَ البعيدَ ودُوْدُه ويُضْجعه سَهْمُ المَنِيَّة مُفْردًا … ويَجْفُوه من بعد الوصالِ وَدُوْدُه محمد بن عبد الله بن العباس، أبو عبد الله، الحَرَّاني (١) ولد سنة أربع وثمانين وأربع مئة، وشَهِدَ عند أبي الحسن الدَّامَغاني في سنة أربعٍ وخمس مئة، وعاش حتى لم يبق من شهود ابن الدَّامَغاني غيره، وسمع الحديث، وصنَّف كتابًا سماه "روضة الأدباء". قال الشَّيخ أبو الفرج بن الجوزي ﵀: زرتُه يومًا، فأطلتُ الجلوس عنده، فقلت له: ثَقَّلْتُ. فأنشدني: [من الوافر] لئن سَمَّيتَ إبرامًا وثقْلًا … زياراتٍ رَفَعْتَ بهنَّ قَدْري فما أبرمتَ إلَّا حَبْل ودِّي … ولا ثَقَّلْتَ إلا ظَهْرَ شُكْري وكانت وفاته في جمادى الآخرة، وكان فاضلًا، ثقةً، ودُفِنَ بباب الأَزَج (٢). محمد بن محمد بن الحسين بن الفَرَّاء الحَنْبلي (٣) ولد سنة أربع وتسعين وأربع مئة، وسمع الحديث، وتفقَّه على والده، وأفتى، ودرَّس، وولي القضاء بباب الأَزَج، وبواسط، وقدم بغداد، وقد ذهب بصره، فأقام في منزله، وتوفي في جُمادى الآخرة، ودفن بمقبرة باب حرب. مَرْجان خادم المقتفي (٤) كان متعصبًا ببغض الحنابلة، [وتعصَّب على جدي تعصبًا زائدًا، قال جدي] (٥):

стр. 9998

عاداني، وناصبني دون الكُلِّ. فقيل له في ذلك، فقال: قَصدي أَنْ أقلع مذهب الحنابلة، وسعى بي إلى الخليفة، فلم يلتفت عليه، فلما رأيته كذا، لجأتُ إلى الله تعالى (١)، ودعوتُ عليه وسألته أن يكفيني شَرَّه، فصرفه عني بأَنْ ضربه السِّلُّ بعد أيام، فمات في ذي القَعدة، [وحمل إلى ترب الرصافة] (٢) وسر الحنابلة بموته، لأَنَّه لما حج، قلع الحطيم الذي كان لهم بمكَّة، وأبطل إمامتهم بها، وبالغ في أذاهم. قرأ مَرْجان القرآن، وشيئًا من مذهب الشَّافعي، رحمة الله عليه. قال (٣): وسمعتُ الخليفةَ المستنجد والوزير يحيى بن هُبيرة قائم بين يديه، وهو يمدحه وينشده أبياتًا نَظَمها الخليفةُ في مَدْحِ الوزير، وهي هذه: [من الطويل] وُجُودُك والدُّنيا إليك فقيرة … وَجُودك والمعروف في النَّاس يُنْكَرُ فلو رام يا يحيى مكانك جعفر … ويحيى لكفَّا عنه يحيى وجعفر ولم أرَ مَنْ ينوي لك السُّوءَ يا أبا الـ … ــــمُظَفَّر إلا كنتَ أنتَ المُظَفَّرُ [فصل وفيها توفي الوزير بن هبيرة (٤) وقد نسبه جماعة من العلماء منهم محمد بن الدُّبيثي في "الذيل" وأبو بكر والعماد الأصفهاني فقالوا: هو] (٢) يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد بن حسن بن أحمد بن الحسن بن جهم بن عمر بن هُبيرة بن علوان بن الحَوْفزان، وهو الحارث بن شَرِيك بن عمرو بن قيس بن شراحيل بن مُرَّة بن همام بن مُرَّة بن ذُهْل بن شيبان بن ثعلبة بن عُكاية

стр. 9999

ابن صَعْب بن عليّ بن بكر بن وائل بن قاسط بن هِنْب بن أَفْصى بن دُعْمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن مَعَدّ بن عدنان، [وهذا النسب استنبطوه بعد وزارته بسنتين، وكنيته أبو المظفر، ولقبه عون الدين. ذكر طرف من أخباره] (١): ولد سنة تسعٍ وتسعين وأربع مئة (٢)، بقرية [يقال لها] (٣) الدُّور من أعمال دُجَيلِ العراق. وقرأ القرآن بالرِّوايات، وسَمِعَ الحديث الكثير، وقرأ النحو واللغة والعروض، وتفقَّه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، وصنَّف الكُتُبَ الحِسان، منها "الإفصاح عن معاني الصِّحاح" عشر مجلَّدات، غَرِمَ عليه في [أيام] (٣) وزارته مئة ألف دينار؛ كان يجمع العلماء، ويبحث معهم في حديثٍ، ويخلع عليهم، ويبرُّهم، وكان قبل وزارته فقيرًا جدًّا، [فذكر جدِّي ﵀ في "المنتظم"، وقال: أمضه الفقر، فتعرض] (٤)، فجعله المقتفي مُشْرفًا في المخزن، ثم صيَّره صاحبَ الدِّيوان، ثم استوزره، فكان يجتهد في دَفْع الظُّلْم، ويجتنب المحرَّمات، وأمر المقتفي بأن يُخْلَعَ عليه، فأدخل بيتًا قريبًا منه، وجيء بخِلْعة حرير، فقال: والله لا لبستها أبدًا. قال الوزير: فسمعتُ صوت المقتفي، وهو يقول للفَرَّاشين: ما قلتُ لكم إنَّه ما يلبسها. وأول يوم جلس في الدِّيوان، نظر إلى رجلٍ من غِلْمان الدِّيوان، فاستدعاه، فأعطاه، ووصله، فقيل له في ذلك، فقال: دخلتُ يومًا إلى هذا الدِّيوان، فجاء هذا، وأقامني، وقال: قُمْ، فليس هذا موضعك. ودخل عليه يومًا تركيٌّ، فقال لحاجبه: أعطه عشرين دينارًا، وكُرًّا من طعامٍ، وقُل له لا يحضر هاهنا. ثم التفت إلى الجماعة، وقال: هذا كان شِحْنة الدُّور، فجمع المشايخ، وظلمهم، وأخذ من كلِّ واحدٍ شيئًا، وقال لي: أيش معك؟ قلت: ما معي شيء. فضربني، وشتمني، وآذاني.

стр. 10000

وكانت أمواله مبذولة، ينفق في كلِّ سنة مئة ألف دينار ويستدين، وكان يقول: ما وجبتْ عليَّ زكاة قطُّ (١). وكان يقول: أمّا دني فلان، وأفادني فلان. [قال جدِّي ﵀: وسألني يومًا عن قوله ﵇: "مَنْ فاته حِزْبُه من اللَّيل، فصلاه قبل الزَّوال، فكأنه صلاه بالليل (٢) ". فقلت: هذا ظاهر في اللغة والفقه، أما اللغة فإن العرب تقول: إلى الزوال كنت الليلة، وأما الفقه، فإنه عند أبي حنيفة يصح الصوم بنية قبل الزوال، فقد جعل ذلك الوقت في حكم الليل. فأعجبه ذلك، وكان يقول للناس: ما كنت أعرف معنى هذا الحديث حتى عرَّفني إياه فلان، فأخجل] (٣). وجرى بين يديه بحثٌ في مسألةٍ، فخالف فيها فقيه مالكي، وادَّعى الإجماع، فقال له الوزير والجماعة: خالفْتَ. وهو لا يرجع، فقال له الوزير: أحمارٌ أنت، أَمَا ترى الجماعة يخالفونك. ثُمَّ ندم الوزير على قوله، وقال: هذا لا يليقُ بالأَدب، ولا بُدَّ أن تقول لي كما قلتُ لك، وما أنا إلَّا كأحدكم. فارتفع بكاءُ الجماعة، وأخذ الفقيه المالكي يعتذر ويبكي، والوزير يبكي، ويقول: القِصاص القِصاص. فقال يوسف الدِّمشقي [للوزير] (٤): القِصاص أو الفِدْية، فقال الوزير: له حُكْمه. فقال الفقيه: نعمك عليَّ كثيرة، فأي حكم بقي لي؟ فقال: لا بُدَّ. فقال: عليَّ مئة دينار دَين. فأعطاه إياها [فرضي] (٤). وكان في وزارته يتأسَّفُ على ما مضى من زمانه، ويندم حيث دخل في الدُّنيا، ويقول: كان عندنا في القرية نخلة في مسجدٍ تحمل ألف رطل تمرًا، فكان أخي محبِّ

стр. 10001

الدِّين (١) يقول: يا أخي تكفانا (٢) هذه. وكان أخوه محبُّ الدِّين سيِّدَ الزُهَّاد، ما دخل معه فيما كان فيه، ولا أكل له طعامًا. [قلت: وقد سمعنا مشايخنا ببغداد يحكون عنه حكايات عجيبة، منها أنه] (٣) قال: وكان سببُ ولايتي للمخزن أنني ضاق ما بيدي حتى فَقَدْتُ القوت أيامًا، فأشار عليَّ بعضُ أهلي أَنْ أمضي إلى قبر معروف الكَرْخي، وأسأل الله عنده، فإنَّ الدُّعاء عنده مستجاب. فأتيتُ قبر معروف، وصلَّيتُ عنده، ودعوتُ، ثمَّ خرجتُ لأقصد البلد -يعني بغداد- فاجتزت بقَطُفْتا (٤)، فرأيتُ مسجدًا مهجورًا، فدخلتُ لأصلي فيه ركعتين، وإذا بمريضٍ ملقى على بارِيَّة (٥)، فقعدتُ عند رأسه، وقلتُ: ما تشتهي؟ فقال: سَفَرْجلة، فخرجتُ إلى بقَّال هناك، فَرَهَنْتُ عنده مِئْزري على سَفَرْجَلَتين وتُفَّاحة، وأتيتُه بها، فأكل من السَّفَرْجلة، ثم قال: أغلقِ البابَ -أي باب المسجد- فَغَلَقْتُه، فتنحى عن البارية، وقال: احفرْ هاهنا، فحفرتُ، وإذا بكوزٍ، فقال: خُذْ هذا، فأنتَ أَحَقُّ به، فقلتُ: أما لك وارث؟ فقال: لا، وإنما كان لي أخٌ، وعَهْدِي به بعيد، وبلغني أنَّه مات، ونحن من الرُّصافة. وبينا هو يحدِّثُني إذ قضى نحبه، فغسَّلته، وكَفَّنْتُه، ودفنته، ثم أخذتُ الكُوز، وإذا فيه مقدار خمس مئة دينار، وأتيتُ إلى دِجْلة لأعبرها، وإذا بملاحٍ في سفينة عتيقة، وعليه ثيابٌ رَثَّة. فقال: معي معي. فنزلتُ معه، وإذا به أَشْبه النَّاس بذلك الرجل، فقلتُ: من أين أنتَ؟ فقال: من الرُّصافة، ولي بناتٌ، وأنا صعلوك. قلت: فما لك أحد؟ قال: لا، كان لي أخٌ، ولي عنه زمان، وما أدري ما فعل الله به. فقلتُ: ابسط حِجْرَك، فبسطه، فصببتُ المال فيه، فَبُهِتَ، فحدَّثْتُه الخبر، فسألني أن آخذ نصفه، فقلتُ: والله ولا حَبَّة. ثم صَعِدْتُ إلى دار الخليفة، وكتبت رُقْعةً، فخرج عليها إشراف المخزن، ثم تدرَّجْتُ إلى الوزارة.

стр. 10002

[ومنها أَنَّه نَظَرَ] (١) يومًا إلى طَرَفِ الإيوان، فرأى غُلامًا تركيًّا قائمًا في الخِدْمة، وبيده سيفٌ، فقال لابن تركان: ادفع إلى هذا [التركي] (٢) خمسين دينارًا، ومُرْه [أن] (٢) لا يقف بين يديّ بعد اليوم، وله في كلِّ سنة مثلها. فقال له بعض الجماعة: يا مولانا، وما السَّببُ؟ فقال: كان هذا شِحْنة دُجَيل، فَطَرَحَ على قريتنا فدادين، فجاء ليلة والبَرْدُ شديدٌ والمطر كثير، فقال: قُمْ، واخرج إلى الشَّجرة، فقلتُ: أنا ضعيف، وقليل الكسوة، [فأبصر غيري] (٢). فضربني بالمَقْرَعة على رأسي، فأصاب [طرف] السوط (٣) عيني هذه، فذهَبَتْ، وما أُبْصر بها إلَّا قليل، فما أُريد رؤيته، ولا أَقْطَعُ رِزْقه. فعجبَ الحاضرون من هذا الحِلْم. [ومنها أنه] (٤) عمل سِماطًا عظيمًا [فكان يعمل في اللبنية عوض الكراث تماثيل السُّكَّر] (٢)، وكان إذا مُدَّ السماط أكثر ما يحضر عليه الفقراء والعميان، فلما كان في ذلك اليوم، وأكل النَّاس، وخرجوا، بقي رجلٌ ضرير يبكي ويقول: سرقوا مداسي، وما لي غيره، ووالله ما أقدر على ثمن مداس، وما بي إلَّا أَنْ أمشي حافيًا، وأصلي. فقام الوزير من مجلسه، ولبس مداسه، وجاء إلى الضَّرير، فوقف عنده، وخَلَعَ مداسه، وهو لا يعرفه، وقال له: أَبْصِرْ هذا المداس على قدر رِجْلك. فلبسه، وقال: نَعَمْ، لا إله إلَّا الله، كأَنَّه مداسي. ومضى الضَّرير، ورجع الوزير إلى مجلسه، وهو يقول: سلمتُ منه أن يقول أنتَ سرقته. [وله كثير من العجائب والغرائب، وحكى أنه وشى به واشٍ إلى المستنجد، وكان الوزير قد أحسن إلى ذلك الواشي] (٥)، فكتب [إليه] (٢) الخليفة يقول: إنَّ فلانًا وشى بك. فكتب إليه الوزير: [من الطويل] زرعتُ زروعًا تُجْتنى ثمراتُها … فلا ذنبَ لي إن حَنْظَلَتْ شجراتُها هُمُ نقلوا عني الذي لم أَفُهْ به … وما آفةُ الأخبارِ إلَّا رواتُها

стр. 10003

يطولُ على مِثْلي بأنِّيَ كلَّما … سمعتُ نُباحًا من كلابٍ خَسَاتُها (١) ذكر وفاته: [حكى جدِّي في "المنتظم"، وقال] (٢): كان يسأل الله الشَّهادة، ويتعرَّض لأسبابها، وكان [الوزير] (٢) صحيحًا يوم السَّبت ثاني عشر جُمادى [الأولى من هذه السنة] (٣)، ونام ليلة الأحد في عافية، فلمَّا كان وقت السَّحَر قاء، فحضر طبيبٌ كان يخدمه يقال له ابن رشادة، فسقاه شيئًا، فيقال: إنَّه سَمَّه، فمات. وسُقِيَ الطبيبُ بعده بنحو ستة أشهر سُمًّا، فكان يقول: سُقِيتُ كما سَقَيتُ، ومات الطَّبيب. [قال جدي] (٤): وكنت ليلة مات الوزير نائمًا على سطحٍ مع أصحابي، فرأيتُ في المنام كأنِّي في دار الوزير، وهو جالسٌ، فدخل رجلٌ بيده حَرْبةٌ، فضربه بها بين أُنْثَيَيه، فخرج الدَّم كالفوَّارة، فَضَرَبَ الحائط. فالتفتُّ، فإذا بخاتمٍ من ذهب مُلْقى، فأخذتهُ، وقلتُ: لمن أُعطيه؟ أنتظر خادمًا يخرج، فأعطيه إياه، وانتبهتُ، فحدَّثت أصحابي، فلم أستتمَّ الحديث حتى جاء رجلٌ فقال: ماتَ الوزير. فقال بعضُ الحاضرين: هذا محال، أنا فارَقْتُه أمسِ العَصر، وهو في كلِّ عافية، وجاء آخر، فَصَحَّ الحديث، وقال لي ولده: لا بُدَّ أن تُغَسِّلَه، فأخذتُ في غسله، ورفعتُ يده لأَغسل مغابنه، فسقط الخاتم من يده، [فحيث رأيت الخاتم تعجَّبْتُ من المنام. قال] (٥): ورأيت في وقتِ غسله آثارًا بوجهه وجَسَدِه تدلُّ على أَنَّه مسموم، فلما خرجَتْ جِنازَتُه غُلِّقَتْ أسواقُ بغداد، وامتلأت السُّطوح ودِجْلة من الجانبين، ولم يتخلَّف عن جِنازته أحدٌ، وكَثُرَ البكاءُ عليه والحُزْنُ لإحسانه وعدله، وصُلِّي عليه في جامع القَصر، وحُمِلَ إلى باب البَصرة، فدفن في مدرسته [التي أنشأها] (٦)، وقد دَثَرَتِ الآن، [ولو كانوا دفنوه عند

стр. 10004

أحمد بن حنبل كان أحيا لذكره والترحم عليه، ورثاه جماعة منهم نَصر النُّميري] (١)، فقال: [من مجزوء الكامل] ألمم على جَدَثٍ حوى … تاجَ الملوك وقُلْ سلامُ واعقر سويداءَ الضَّميـ … ـــرِ فليسَ يقنعني السوامُ وتوقَّ أن يفنى حيا … ءً دَمْعُ عينك أو ملامُ فإذا ارتوتْ تلك الجنا … دل من دموعك والرَّغامُ فأَقِمْ صدورَ اليَعْمَلا … تِ فبعد يحيى لا مقامُ ذهَبَ الذي كانت تقيِّـ … ـــدُني مواهِبُه الجسامُ فإذا نظرتُ إليه لم … يَخْطُرْ على قلبي الشَّآمُ راح الندى الفياض عن … راجيه واشتدَّ الأُوامُ وتَفَرَّقَتْ تلك الجمو … عُ وقوِّضَتْ تلك الخيامُ عجبًا لمن يغترُّ بالدُّ … نيا وليس لها دوامُ عُقْبى مَسَرَّتها الأسى … وعقيبَ صِحَّتِها السَّقامُ ما متَّ وَحْدَك يوم متّ … وإنَّما ماتَ الأنامُ يأبى لي الإحسانُ أَنْ … أنساكَ والشِّيمُ الكِرامُ (٢) ورآه بعضُ أصحابه في المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: [من الخفيف] قد سُئِلْنا عن حالنا فأَجَبْنا … بعد ما حال حالُنا وحُجِبْنا ووَجَدْنا مُضَاعَفًا ما كَسَبْنا … ووجدنا مُمَحَّصًا ما اكتْسَبَنْا وكان يكتب إلى المستنجد أوراقًا تدلُّ على شفقته على الدَّوْلة ليجري أمورها على السَّداد، وكان فيما كتب إليه: يا أمير المؤمنين، اللهَ اللهَ في أُمة محمد ﷺ ، احفظْ محمدًا في أُمته، وأقم ناموس الخلافة، ففي الأعداء والوافدين كثرة، والواجب أن يصدروا بما يُحَسِّنُ السِّيرة، ويزيد في الطَّاعة، وقد سمع الوزير الحديث.

стр. 10005

[وذكره جدِّي في "المشيخة (١) "] فقال: أخبرنا الوزير أبو المُظَفَّر يحيى بن محمد بن هُبيرة قراءةً عليه وأنا أسمع في جمادى الأُولى سنة ستٍّ وخمسين وخمس مئة. قال: قرأتُ على سيدنا ومولانا الإمام المقتفي لأمر الله - أمير المؤمنين - أبي عبد الله محمد بن الإمام المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن الإمام المقتدي بأمر الله أبي القاسم عبد الله ابن الأمير ذخيرة الدِّين أبي العَبّاس أحمد بن الإمام القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن الإمام القادر بالله أبي العَبّاس أحمد بن الأمير أبي محمد إسحاق بن الإمام المقتدر بالله أبي الفَضْل جعفر بن الإمام [المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الأمير أبي محمد طلحة الموفق بن الإمام المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن الإمام] (٢) المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن الإمام الرَّشيد أبي عبد الله هارون بن الإمام المهدي أبي عبد الله محمد بن الإمام المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن حبر الأُمة أبي الأئمة ترجمان القرآن أبي العَبَّاس عبد الله بن العَبَّاس عَمّ رسول الله ﷺ ، وذلك في يوم الجمعة سابع وعشرين ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة فأَقَرَّ به، قلت له: حدَّثكم أبو البركات أحمد بن عبد الوهَّاب بن هبة الله بن أحمد السِّيبي من لفظه في رمضان سنة خمس مئة، قال: أنبأنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمر بن أحمد بن هَزَارْمَرْد الصَّريفيني قراءةً عليه وأنا أسمع ببغداد في صفر سنة تسعٍ وستين وأربع مئة، حدثنا محمد بن عبد الرحمن المُخَلِّص، حدثنا أبو علي إسماعيل بن العَبَّاس الوَرَّاق، حدَّثنا حفص بن عمرو، حدثنا المبارك بن سُحَيم، حدثنا عبد العزيز بن صُهَيب، عن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يزداد الزَّمان إلَّا شِدَّةً، ولا يزداد النَّاس إلَّا شُحًّا، ولا تقوم السَّاعة إلَّا على شِرار النَّاس" (٣).

стр. 10006

وكان الوزير مُمَدَّحًا، ورُزِقَ من الشُّعراء ما لم يُرْزقه أحد، قال صاحب الخبر ابن المهتدي: جمعتُ من القصائد التي مُدِحَ بها ما يزيد على مئتي ألف قصيدة، في مجلَّدات، فلما بِيعت كتُبُه اشترى المدائحَ بعضُ الأكابر، فغسلَها جميعًا. ومن شعر الوزير ﵀: [من الطويل] تَمَسَّكْ بتقوى الله فالمرء لا يبقى … وكلُّ امرئٍ ما قدَّمَتْ يدُه يَلْقى ولا تظلِمَنَّ النَّاسَ ما في يديهِمُ … ولا تذكُرَنْ إفكًا ولا تحسُدَنْ خَلْقا ولا تقربَنْ فِعْلَ الحرام فإنَّما … لذاذتُه تفنى وأنتَ به تَشْقى وعاشِرْ إذا عاشَرْتَ ذا الدِّين تنتفعْ … بصُحبتِهِ واحْذَرْ معاشرةَ الحَمْقى ودارِ على الإطلاق كُلًّا ولا تكن … أخا عَجَلِ في الأمر واسْتَعْمِلِ الرِّفْقا وخالِفْ حظوظَ النَّفْس فيما ترومه الـ … أماني ولا تستعظمنَّ لها الصّدقا تعوَّدْ فِعال الخير جَمْعًا فكلَّما … تَعَوَّده الإنسانُ صار له خُلْقا (١) وقال الأبله (٢) يمدحه: [من الكامل] لله من يحيى الوزيرِ عزيمةٌ … بقوى النَّوائب والسُّيوفُ نوابِ طَلقُ اليدينِ سماحةً وسِلاحُهُ … هُلْكُ البُغاةِ وبُغْيةُ الطُّلَّاب غَيثٌ تَفَهَّقَ للعُفاةِ وعَوْذُه … ليثٌ تقهقر عند ليثِ الغاب (٣) ولَّاجُ أنديةِ المكارم والنَّدى … قَرَّاح (٤) خُطْبٍ قادح بخطابِ هذا وربَّ كتيبةٍ مَلْمُومةٍ … شَعْراءَ فَرَّق شَمْلَها بكتابِ جانبتُ أَفْنية اللِّئام ولذتُ من … يحيى بأخصبِ مَرْتَعٍ وجَنَابِ بجناب مِتْلافٍ إذا حُسِبَ النَّدى … ألفيتَ نائِلَهُ بغير حساب وقال يهجوه: [من الكامل] يا قاصدًا بغدادَ جُزْ عن بلدةٍ … الجَوْرُ فيها زَخْرَةٌ وعُباب

стр. 10007

إن كنت طالب حاجةٍ فارجعْ فقد … سُدَّتْ على الرَّاجي بها الأبوابُ بادتْ وأهلُوها معًا فبيوتهُم … ببقاء مولانا الوزير خرابُ والناس قد قامتْ قيامتهم فلا … أحسابَ بينهمُ ولا أنسابُ والمَرْءُ يُسْلِمُهُ أخوه وعِرْسه … ويخونه الأصحاب والأترابُ شهدوا معادهُمُ فعاد مكرّما … مَنْ كان قبلُ ببعثه يرتابُ حشر وميزان وعرضُ صحائفٍ … وجرائدٌ منشورةٌ وحسابُ وبها زبانية تُبَثُّ على الورى … ومقامع وسلاسلٌ وعقابُ ما فاتهم من كل ما وعدوا به … في الحشر إلا راحِمٌ وهَّابُ (١) وقال من شعر الوزير المؤَيَّد الألوسي (٢) وكان فصيحًا، كتب إلى الوزير متعتِّبًا عليه: [من الرمل] ولعمر اللهِ ما أَعْجزني … سرعةُ السَّيرِ ولا عرض البِقاعِ والغِنى مني إذا حاوَلْتُهُ … بالشِّرى أقرب مِنْ حَبْل الذِّراعِ غير أَنِّي ليس ترضى هِمَّتي … أَنَّني أكسبُ مالًا بانتجاعِ وإذا ما قَصَّرَتْ بي ثَرْوةٌ … طوَّلَتْ لي عِفَّتي خَطْوي وباعي وتقنعت وكم من حسرة … نكأت قلب المعالي بأفاعي فلئن أصفيت غيري بالعُلا … وتجافيتَ اصطفائي واصطناعي وزها رَوْضُك من بعد العِدى … وصفا حَوْضُك من ري الرعاع وطباع المُلْك ما زالت كذا … ومن الإعجاز تبديل الطِّباعِ ترزق الضَّعْفاء في ساجورها … وتخاضُ البِيدُ في قَتْلِ السِّباعِ وقال أيضًا يعاتبه: [من البسيط]

стр. 10008

لا أعرفُ الغَمْضَ إلَّا ما تحدِّثُني … به المُنَى في منامي ربَّما كانا وأستعينُ العِدى مما بليتُ به … يا ذُلَّ مَنْ طَلَبَ الأعداءَ أَعْوانا ولم تَزَلْ قسمةُ الأَيَّامِ جائرةً … إذا قَضَتْ ناقضت ظُلْمًا وعُدْوانا تختصُّ بالعَطَل البازي وقد جَعَلَتْ … لمعُظْم الطَّير أَطْواقًا وتيجانا وتُغْرقُ الدُّرَّ في قَعْر البحور وقد … أَعْلَتْ على قُلَلِ الأجبال صَوَّانا ذكر ما جرى بعد وفاة الوزير ﵀: استوزر الخليفةُ شَرَفَ الدِّين أبا جعفر أحمد بن محمد بن البلدي، فشرع في التضريب على أولاد الوزير وأسبابه، فقبض على ولديه عز الدين محمد، وشرف الدين ظَفَر [وكان أكبر أولاده] (١) وأُخذت أموالهما، وخُنِقَ عزُّ الدِّين وأخوه، وسنذكرهما، واضطرَّ ورثة الوزير إلى بيع ثيابهم وأثاثهم، وثياب نسائهم ومقانعهن (٢)، وبيعت كُتُب الوزير الموقوفة على مدرسته وغيرها، حتى إنَّه بيع كتاب "البُسْتان" في الرَّقائق لأبي الليث السَّمَرْقَنْدي بخطٍّ منسوب، وكان مُذْهبًا يساوي عشرة دنانير، بدانقين وحبَّة، فقال بعضُ الحاضرين: ما أرخص هذا البُسْتان! فقال جمال الدين بن الحصني: ثِقَلُ ما عليه من الخَرَاج أَرْخَصَه. أشار إلى الوقفية وغيرها. وقال بعضُ الحاضرين: كيف يجوز بيع كتب الوقف بعد أن حكم بها حاكم؟! فأُخذ وضرب ضربًا مبرِّحًا، وحُبس، فامتنع النَّاسُ من الكلام في ذلك. قلتُ: هذا تلخيصُ ما ذكره المصنِّف ﵀ في ترجمته (٣)، وقد ذكر قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خَلِّكان ﵀ في "وفيات الأعيان (٤) " ترجمة الوزير ﵀، وذكر بمعنى بعض ما ذكره المصنِّف، وزاد فقال: أَوَّلُ ولاياته الإشراف بالأقرحة الغربية (٥)، ثم نُقِلَ إلى الإشراف على الإقامات المخزنية، ثم قُلِّد الإشراف بالمخزن، ولم يطل في ذلك مكثه حتى قلد في سنة اثنتين وأربعين كتابة ديوان الزِّمام، ثم ترقَّى إلى الوزارة، وكان سبب توليته الوزارة ما جرى من مسعود البلالي شِحْنة بغداد نيابةً عن

стр. 10009

السُّلْطان مسعود بن محمد بن ملك شاه -وكان مسعود أحد الخَدَم الحبشيين الخِصيان الكبار من أُمراء دولته- من سوء أدبه في الحَضْرة، وخروجه عن معتاد الواجب، وانتشار مُفْسدي أصحابه، وكان وزير الخليفة إذ ذاك قوام الدِّين أبو القاسم عليُّ بنُ صدقة قد كتب عن الخليفة إلى السُّلْطان عِدَّة كُتُب يعتمد الإنكار على مسعود البلالي، فلم يرجع جواب، فلما قُلِّد عون الدين ابن هُبَيرة كتابة ديوان الزِّمام، خاطَبَ الخليفةَ في مكاتبة السُّلْطان مسعود بالقضية، فوقَّع إليه: قد كان الوزير كَتَبَ في ذلك عِدَّة كتب فلم يجيبوه. فراجع عون الدِّين في ذلك سؤاله إلى أن أُجيب، فكتب من إنشائه رسالةً طويلة، دعا للسُّلْطان، وأذكره ما كان أسلافه يعاملون الخلفاء به من حُسْن الطَّاعة والتأدُّب معهم، والذَّبِّ عنهم ممن يفتات عليهم، وشكا من مسعود البلالي، وأطال القول، وكان هذا في سنة اثنتين وأربعين في ربيع الآخر، فما مضى على هذا إلَّا قليل حتى عاد الجواب بالاعتذار والذَّمِّ لمسعود البلالي، والإنكار لما اعتمده، فاستبشر المقتفي بإشارة عون الدين، وعَظُمَ سروره بذلك، وعظم موقعه في قلبه، ولم يزل عنده مكينًا حتى استوزره. وكان أيضًا من جملة أسباب وزارته [أنه] (١) في سنة ثلاث وأربعين وصل إلى بغداد صاحب اللِّحف (٢) ويلدكز السُّلْطاني، وقصداها في جموعٍ كثيرة، وصدر منهم فتن عظيمة، فشرع الوزير قوام الدِّين ابنُ صدقة في تدبير الحال، فأخفق مسعاه، فاستأذن عونُ الدِّين الخليفةَ في أمرهم، فأَذِنَ، فخاطب هؤلاء الخارجين عن الخليفة، وأحسن التَّدْبير في ذلك حتى كَفَّ شَرَّهم، ثم قوي عليهم حتى نهبت العامَّةُ أموالهم، وعند انقضاء هذا المهم استدعى الخليفة عون الدين بمطالعة على يد أميرين، فركب إلى دار الخلافة في جماعة، ولما وصل إلى باب الحجرة استدعي، فدخل، وقد جلس له المقتفي بمثمنة التَّاج، فقبَّلَ الأرض وجلس، وتحدَّثا ساعة بما لم يُحِطْ به غيرهما عِلْمًا، ثم خَرَجَ وقد جهِّز له التشريف على عادة الوزراء، فلبسه، ثم استدعي ثانية، فقبل الأرضَ، ودعا بدعاء أَعْجَبَ الخليفة، ثم أنشد: [من الطويل] سأشكر عمرًا ما تراخَتْ منيَّتي … أياديَ لم تُمنن وإن هي جَلَّتِ رأى خَلَّتي من حيثُ يخفى مكانُها … فكانت بمرأى منه حتى تجلَّتِ

стр. 10010

وهذان البيتان لإبراهيم بنِ العَبَّاس الصُّولي، وهي ثلاثة أبيات، الثاني منهما بعد الأول: فتًى غيرُ محجوبِ الغِنى عن صديقه … ولا مُظْهِرُ الشَّكْوى إذا النَّعْلُ زَلَّتِ ولما أنشد عونُ الدِّين البيتين، غيَّر نصف البيتِ الثَّاني منهما، فإنَّ الشَّاعر قال: فكانت قذى عينيه حتى تجلت فما رأى أن يخاطب الخليفة بهذه العبارة، فغيَّره تأدُّبًا. ثم إنه خرج، فَقدِّمَ له حصانٌ أَدْهم سائل الغُرَّة محجَّل، وعليه من الحَلْي ما جَرَتْ به عادةُ الوزراء، وخرج بين أرباب المناصب وأعيان الدَّوْلة، وأمراء الحَضْرة، وجميع خدم الخليفة، وسائر حُجَّاب الدِّيوان، والطبولُ تُضْرب أمامه، والمسند وراءه محمول حتى دخل الدِّيوان، ونزل على طرف الإيوان، وجلس في الدَّسْت، وقام لقراءة عهده سديدُ الدَّوْلة محمد بنُ عبد الكريم الأنباري، وقرأ القُرَّاء، وأنشد الشُّعراء، وتولى الوزارة يوم الأربعاء ثالث عشر ربيع الآخر سنة أربعٍ وأربعين، وكان لقبه جلال الدين، فلقّب عون الدين. وكان عالمًا فاضلًا، ذا رأي صائبٍ، وسريرة صالحة. وذكر عِزُّ الدِّين عليُّ بن الأثير في "تاريخه الصَّغير (١) " في فصل حِصار الملك محمد وزين الدِّين بغداد، وذلك في ذي القعدة سنة ثلاثٍ وخمسين: أنَّ المقتفي جَدَّ في حِفْظ بغداد، وقام وزيره عون الدِّين في هذا الأمر المقام الذي يعجز عنه غيره، وأمر المقتفي، فنودي في بغداد: مَنْ جُرح فله خمسة دنانير، فكان كل من جرح يوصل ذلك إليه، فحضر بعض العامة عند الوزير مجروحًا، فقال الوزير: هذا جرحٌ صغير لا تستحقُّ عليه شيئًا. فعاد إلى القتال، فَضُرِبَ في جوفه، فخرجت أمعاؤه، فعاد إلى الوزير، وقال: يا مولانا، يرضيك هذا؟ فضحك منه، وأمر له بصِلة، وأحضر مَنْ عالجه. وقال الحيص بيص يمدحه: [من الطويل] يهزُّ حديثُ الجودِ ساكنَ عِطْفه … كما هَزَّ شَرْبَ الحيِّ صَهْباءُ قَرْقَفُ ويرسو إذا طاشت حُبا القوم واغتدتْ … صِعابُ الذُّرى من زَعْزَع الخَطْبِ تَرْجُفُ صرومُ الدَّنايا هاجرٌ كلَّ سُبَّةٍ … ولكنَّه بالمجدِ صبٌّ مكلَّفُ

стр. 10011

يضيقُ بأدنى العار ذَرْعًا وصدرُهُ … بأهوالِ ما يُدْني من الحمد نَفْنَفُ إذا قيل عونُ الدِّين يحيى تألَّق الـ … ـــغمامُ وماسَ السَّمْهَريُّ المُثَقَّفُ وقال أبو عبد الله محمد بن بختيار المعروف بالأبله الشَّاعر يمدحه: [من الكامل] ولع النَّسيم وبانة الجرعا … وصفاك إلَّا الحَلْي والوَدْعا يا دُميةً ضاقتْ خلاخلها … عنها وضقتُ بحبِّها ذَرْعا قد كنتُ ذا دَمْعٍ وذا جَلَدٍ … فبقيتُ لا جلدًا ولا دَمْعا صيَّرتِ جسمي للضَّنى سكَنًا … وسكنتِ بعد تبالةَ الجَزْعا يا مَنْ رأى أدماء سانحةً … قلبي لها لا المنحنى مَرْعى لاثتْ بمثل الدِّعْصِ مئزرها … وجَلَت بعودِ أراكةٍ طلْعا وإذا تُراجعكَ الكلامَ فلا … تَعدَمْ لأَيَّامِ الصِّبا رُجْعى ولقد سعت بالكأس تُصبحني … سكرى اللَّواحظ وَعْثة المَسْعى في مستنير الزهر ما صنعتْ … أبرادَه عَدَنٌ ولا صَنْعا باكرتُ مفترعًا ثراه وما … ركب الحمامُ لبانةٍ فَرْعا سَلَّت عليه البارقاتُ ظُبًى … لَبِسَ الغديرُ لخوفها دِرْعا يا عاذلي إن شئت تُسْمعني … عَذْلًا فَشُقَّ لصخرةٍ سَمْعا طَبْعًا جُبِلْتُ على الغرام كما … جُبِلَ الوزيرُ على النَّدى طَبْعا وقال محمد بن عبد الله سِبْط ابن التَّعاويذي يمدحه: [من الطويل] سقاها الحيا من أَرْبُعٍ وطلولِ … حَكتْ دَنَفي من بعدهم ونحولي ضمنتُ لها أجفانَ عينٍ قريحةٍ … من الدَّمْعِ مِدْرارِ الشُّؤون هَمُولِ لئن حال رَسْمُ الدَّارِ عما عهدْتُهُ … فعهدُ الهوى في القلب غير محيل خليليَّ قد هاج الغرامُ وشاقني … سنا بارِقٍ بالأَجْرعَينِ كليلِ ووكَّلَ طَرْفي بالسُّهاد تنظُّري … قضاءَ مليٍّ بالدِّيون مَطُولِ إذا قلتُ قد أنحلتِ جسمي صبابةً … تقولُ وهل حُبٌّ بغير نحولِ فإن قلتُ دمعي بالأسى فيك شاهدي … تقول شهود الدَّمْعِ غيرُ عدولِ فلا تعذلاني إنْ بكيتُ صبابةً … على ناقضٍ عهدَ الوفاءِ مَلُولِ

стр. 10012

فأبرحُ ما يُمنى به الصَّبُّ في الهوى … ملالُ حبيبٍ أو ملام عذولِ ودون الكثيب الفَرْدِ بيضٌ عقائلٌ … لعبْنَ بألبابٍ لنا وعقولِ غداة التقت ألحاظها وقلوبنا … فلم تجلُ إلَّا عن دمٍ وقتيلِ ألا حبذا وادي الأراك وقد وشَتْ … بريَّاك ريحا شمألٍ وقبُولِ وفي أبرديه كلَّما اعتلتِ الصَّبا … شفاءُ فؤادٍ بالغرام عليلِ دعوت سُلوًا فيك غير مساعدي … وحاولتُ صبرًا عنك غير جميلِ تعرفت أسبابَ الهوى وحملته … على كاهلٍ للنائبات حمولِ فلم أحظَ في حُبِّ الغواني بطائلٍ … سوى رَعْي ليل بالغرام طويلِ إلى كم تمنيني الليالي بماجدٍ … رزينِ وقارِ الحلم غير عَجُول أهز اختيالًا في هواه معاطفي … وأسحب تيهًا في ثراه ذيولي لقد طال عهدي بالنَّوال وإنني … لصبٌ إلى تقبيلِ كفِّ منيل وإنَّ ندى يحيى الوزير لكافلٌ … بها لي وعونُ الدِّين خيرُ كفيلِ وذكر قاضي القضاة ﵀ عن مؤلف سيرة الوزير، أَنَّ سببَ موته كما بلغنا أنه خرج مع المستنجد للصَّيد، فسقي مسهلًا، فقصر عن استفراغه، فدخل بغداد يوم الجمعة سادس جمادى الأُولى راكبًا متحاملًا إلى المقصورة لصلاة الجمعة، فصلَّى بها، وعاد إلى داره، فلما كان وقت صلاة الصُّبْح عاوده البلغم، فوقع مغشيًّا عليه، فصرخ الجواري، فأفاق، فسكَّتهن، وبلغ الخبر ولده عز الدين، فبادر إليه، فلما دخل عليه قال له: أستاذ الدار قد بث جماعة ليستعلم ما هذا الصِّياح، فتبسم الوزير على ما هو عليه، وأنشد: [من الطويل] وكم شامتٍ بي عند موتي جهالةً … بظلم يسلُّ السَّيفَ بعد وفاتي ولو علم المسكين ماذا يناله … من الضُّرِّ بعدي مات قبل مماتي ثم تناول مشروبًا، فاستفرغ به، ثم استدعى بماءٍ، فتوضأ للصَّلاة، وصلى قاعدًا، فسجد، فأبطأ عن القعود من السجود، فحركوه، فإذا هو ميتٌ، فطولع به الإمام المستنجد، فأمر بدفنه. وقال ابنُ القادسي: ولد سنة سبع وتسعين وأربع مئة، ولما بلغ موته عضد الدين أبو المظفر أُستاذ الدار كان بحضرته سبط ابنِ التعاويذي، فأنشد مرتجلًا: [من الخفيف]

стр. 10013

قال لي والوزير قدمات قومٌ … قُمْ لنبكي أبا المُظَفَّر يحيى قلت أهونْ عندي بذلك رُزْأ … ومصابًا وابنُ المُظَفَّر يحيا وقال آخر: [من الطويل] أيا رَبِّ مثلُ الماجدِ ابن هُبيرة … يموت ويحيا مثل يحيى بن جعفر يموت بيحيى كلُّ فَضْلٍ وسؤدد … ويحيا بيحيى كلُّ جَهْل ومُنْكَرِ (١) السَّنة الحَادية والسُّتون وخمس مئة فيها عاد ابن المشَّاط الواعظ إلى بغداد، وتعصَّبوا له، فجلس بجامع القَصر، وأظهر البِدَع، ووقعت الفِتَنُ بين الحنابلة والأشاعرة، وكان يقول: هذا كلام الهُدْهُد، هذا كلام بِلْقيس، ما قال الله هذا. وسُئِلَ عن تفسير التين والزيتون فقال: التين في الريحانيين، والزَّيتون في جميع الأسواق. وفيها هَرَبَ عِزُّ الدين محمد بن الوزير ابن هُبيرة من دار الخليفة، وأُخذ. وفيها فَتَحَ نورُ الدِّين العُرَيمة وصافيتا، وهدم قلعتيهما وسوريهما، وعصى عليه غازي بن حَسَّان صاحب منبج، فأخذ منه منبج، وأعطاه الرَّقَّة (٢). [فصل وفيها توفي إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم (٣) أبو إسحاق الموصلي الحنفي، تفقَّه على برهان الدين البَلْخي، وناب عنه في المدرسة الصادرية، وسمع منه الحديث وغيره، وكان أبوه قاضيًا على الرُّها، وتوفي أبوه في دمشق، وكان فاضلًا ثقة] (٤).

стр. 10014

وفيها توفي إسماعيل بن سُلْطان بن علي (١) ابن منقذ، شرف الدِّين والدولة، كان فاضلًا، نزل بغداد لما أُخذت منهم شَيزَر، ومن شعره: [من البسيط] سُقيتُ كأس الهوى علًّا على نَهَل … فلا تَزِدْنيَ كأسَ اللَّوْمِ والعَذَلِ ناى الحبيبُ فبي من نأْيه حُرَقٌ … لو لابَسَتْ جبلًا هَدَّت قُوى الجبلِ كم مِيتةٍ وحياةٍ ذُقْتُ طَعْمَهُما … مُذْ ذُقْتُ طَعْمَ النَّوى لليأس والأَمل وكم رَدعتُ فؤادي عن تهافُتِهِ … إلى الصَّبابة رَدْعَ الحازمِ البَطَلِ حتى أتاحت لي الأقدار غُرَّتَه … وكنتُ من أجَلي منها على وَجَلِ فانظر إليه تَرَ الأقمارَ في قمرٍ … وانظرْ إليّ تَرَ العُشَّاق في رَجُلِ (٢) الحسن بن العباس (٣) أبو عبد الله الأَصبهاني (٤)، الشيخ الصَّالح كان كثيرَ البكاء، ولم يكن بأصبهان في زمانه أزهد منه ولا أورع، قال: وقفتُ على ابن ماشاذة وهو يتكلَّم على النَّاس، فلما جاء الليل رأيتُ ربَّ العِزَّة في المنام، فقال لي: يا حسن، وقفتَ على مبتدع وسمعت كلامه؟! لأحرمنَّك النَظر في الدُّنيا، فاستيقظَ وعيناه مفتوحتان، ولا يبصر بهما شيئًا، ومات في صفر بأَصبهان. عبد الله بن الحسين، أبو محمد الأنصاري (٥) ويعرف بابن رواحة، ولد بحماة سنة ستٍّ وثمانين وأربع مئة، وقرأ القرآن بالرِّوايات، [وقال الحافظ ابن عساكر] (٦): قدم دمشق وصلَّى بالنَّاس التَّراويح في

стр. 10015

جامعها، وكانت له اليد البيضاء في القراءات، والتهجد في الخلوات، وكان يُشْعِرُ، مدح المقتفي، فَخَلَعَ عليه ثياب الخطابة، وقلَّده أمرها بحماة، ومن شعره: [من الوافر] إلهيَ ليس لي مولى سواكا … فَهَبْ من فَضْلِ فَضْلك لي رضاكا وإلَّا ترضَ عنِّي فاعْفُ عنِّي … لعلي أن أجوزَ به حِماكا فقد يَهَبُ الكريمُ وليس يرضى … وأنتَ مُحكَّمٌ في ذا وذاكا وكانت وفاته بحماة في المحرم. عبد الرَّحمن بن الحَسَن بن عَبدِ الرحمن بن طاهر (١) أبو طالب الحلبي، وكان جليل القَدْر، ويعرف بابن العَجَمي، تفقَّه ببغداد [على أَسْعد المِيهني] (٢)، وبدمشق [على نَصر بن إبراهيم المقدسي، وسمع من نَصر الحديث] (٢)، وبنى بحلب مدرسة للشافعية، وعمر جامع بَعْلَبَكَّ في أيام زَنْكي بن آق سُنْقُر، وتوفي بحلب في شعبان. عَبْدُ العَزيز بن الحُسين بن الجَبَّاب (٣) أبو المعالي، القاضي الجليس السَّعدي، كان يجالس الخلفاء في مِصر، ومن شِعْره: [من الطويل] ومن عَجَبٍ أَنَّ الصَّوارِمَ في الوغى … تحيضُ بأيدي القَوْم وهي ذكورُ وأَعْجَبُ من ذا أَنَّها في أكُفِّهم … تأجَّجُ نارًا والأكفُّ بحورُ (٤) وكتب إلى الصَّالح من رسالةٍ: وهو العزيز الكافي الكافل، والملك الذي تتكتب باسْمه الكتائب، وتتجحفل المحافل (٥)، جدد رسوم المملكة، وقد كاد يخفيها دثورها، وعاد إليها ضياؤها ونورها.
следующие страницы →