وكان ربما خَتَمَ مجلسه بأن يقول: جَعَلَنا الله وإياكم ممن تَنَبَّه لخلاصه، وتنزَّه عن الدُّنيا، وتذكر يوم حشره، واقتفى آثار الصَّالحين، إنَّه وليُّ ذلك، والقادر عليه.
تسمية شيوخه:
اشتغل بالقرآن العظيم حتى أتقنه، وتفقه بأبي الوفاء علي بن عَقيل، وأبي الخَطَّاب محفوظ الكَلْواذاني، وأبي الحسن محمَّد بن القاضي أبي العلاء، وأبي سَعْد المبارك بن علي المُخَرِّمي مَذْهبًا وخلافًا وفروعًا وأصولًا، وقرأ الأدب على أبي زكريا يحيى بن علي التِّبْريزي، وسَمِعَ الحديث من جماعةٍ، منهم: أبو غالب محمَّد بن الحسن الباقِلَّاني، وأبو سَعْد محمَّد بن عبد الكريم بن خُشَيش، وأبو الغنائم محمَّد بن علي بن ميمون النَّرْسي، وأبو بكر أحمد بن المُظفَّر، وأبو محمَّد جعفر بن أحمد بن الحسن القارئ السَّرَّاج، وأبو القاسم علي بن أحمد بن بيان الكَرْخي، وأبو عثمان إسماعيل بن محمَّد، وأبو طالب عبد القادر بن محمَّد بن يوسف، وابن عمه عبد الرَّحمن بن أحمد، وأبو البركات هبة الله بن المبارك، وأبو العِزّ محمَّد بن المختار، وأبو نَصْر محمَّد، وأبو غالب أحمد، وأبو عبد الله يحيى أولاد الإمام أبي علي بن البَنَّاء، وأبو الحسين المبارك ابن الطُّيوري، وأبو منصور عبد الرَّحمن القَزَّاز، وأبو البركات طلحة العاقولي، وغيرهم.
وصَحِبَ الشيخ أبا الخير حَمَّاد الدَّبَّاس (١)، وأخذ عنه عِلْم الطَّريقة، وتأدَّب به، وأخذ الخِرْقة الشَّريفة من أبي سَعْد المبارك المخرِّمي، ولقي جماعةً من أعيان زُهَّاد الزمان، وأضيف إلى مدرسة المخرِّمي مما حولها من المنازل والأمكنة ما يزيد على مثليها، وبذل الأغنياءُ في عمارتها أموالهم، وعمل الفقراء بأنفسهم، فتكملت المدرسة المنسوبة إليه الآن، وكان الفراغ منها في سنة ثمانٍ وعشرين وخمس مئة، وتصدَّر بها للتدريس والفتوى، وجَلَسَ بها للوعظ، وقُصِدَت بالزِّيارات والنُّذور، واجتمع عنده بها من العلماء والفقهاء والصُّلحاء جماعة من الآفاق، فحملوا عنه وسمعوا عنه، وانتهت إليه تربية المريدين بالعراق، وتتلمذ له خلق كثير، فممن انتمى إليه من المشايخ وأخذ عنه شيئًا من العلوم الشيخ الإمام القُدْوة أبو عمرو عمار بن مرزوق بن حميد بن سلام القُرَشي، نزيل مِصْر.
стр. 10047
قال الشيخ عبد الرَّزَّاق: لما حَجَّ والدي ﵀ في السنة التي كنتُ فيها معه، اجتمع به في عرفات الشيخان: عمَّار بن مرزوق، وأبو مَدْين، ولبسا منه خرقة بركة، وسمعا عليه جزءًا من مروياته، وجلسا بين يديه.
وقال الشيخ سَعْد بن عمار بن مرزوق: كان أبي ﵀ يقول: قال شيخُنا عبد القادر كذا وكذا، رأيتُ سَيِّدَنا الشيخ عبد القادر يفعل كذا وكذا، سمعتُ أستاذنا الشيخ عبد القادر يقول كذا، وكان إمامنا وقُدْوتنا الشيخ عبد القادر يفعل كذا.
والقاضي أبو يعلى محمَّد ابن الفَرَّاء.
قال عبد العزيز بن الأخضر: سمعتُ القاضي أبا يعلى ابن الفَرَّاء يقول: جالستُ الشيخ عبد القادر كثيرًا، وقلتُ بإرادته.
والشيخ الفقيه أبو الفَتْح نَصْر بن فِتْيان بن مطر بن المَنِّي، والشيخ أبو محمَّد محمود بن عثمان النَّعَّال، والإمام أبو حفص عمر بن أبي نَصْر بن علي الغَزَّالي، والشيخ أبو محمَّد الحسن الفارسي، والشيخ عبد الله بن أحمد بن الخَشَّاب، والحافظ أبو العِزّ عبد المغيث بن زهير بن علوي الحَرْبي، والإمام أبو عمر عثمان بن إسماعيل الملقب بشافعي زمانه، والشيخ محمَّد الكِيزاني، والشيخ الفقيه رسلان بن عبد الله بن شعبان، والشيخ أبو السعود أحمد بن أبي بكر الحَرِيمي العَطَّار، والشيخ محمّد بن قائد الأَوَاني، وعبد الله بن سنان الرُّدَيني، والحسن بن عبد الله بن رافع الأنصاري، وطلحة بن مُظَفَّر بن غانم العَلْثي، وأحمد بن أسعد بن وهب بن علي الهَرَوي، ومحمَّد بن الأزهر الصَّريفيني، و [أحمد بن] (١) يحيى بن بركة بن محفوظ الدَّبيقي، وعلي بن أحمد بن وهب الأَزَجي، وقاضي القضاة عليّ، وأخوه الحسن ابنا أحمد بن الدَّامَغَاني، وقاضي القضاة عبد الملك بن علي بن دِرْباس الماراني، وأخوه عثمان، وولده عبد الرَّحمن، وإبراهيم بن مُزَيبل بن نَصْر المخزومي الضَّرير، وولده عبد الله، ومحمَّد بن رسلان الشَّافعي، وولده عبد الرحمن، وعبد الله بن نَصْر بن حمزة البكري، وعبد الجبَّار بن أبي الفَضْل القَفْصي، وعلي بن طاهر الأَنصاري، وعبد الغني بن عبد
стр. 10048
الواحد المقدسي الحافظ، وأبو عمر محمَّد بن أحمد ابن قدامة المقدسي، وإبراهيم بن عبد الواحد المقدسي، وعبد الله بن أحمد بن محمَّد بن قدامة المقدسي الإمام موفق الدِّين، ﵀.
قال الشيخ شمس الدِّين ﵀: سمعتُ الشيخ موفق الدين ﵀ يقول: لبست أنا والحافظ عبد الغني الخِرْقة من يد شيخ الإِسلام عبد القادر في وقتٍ واحد، واشتغلنا عليه بالفِقْه، وسمعنا منه، وانتفعنا بصحبته، ولم ندرك من حياته غير خمسين ليلة.
[وأبو] (١) محمَّد بن أبي الحسن الجُبَّائي، وخلف بن عَيَّاش المِصْري، وعبد المنعم بن علي الحَرَّاني، وإبراهيم الحداد التيمي، وعبد الله الأسدي اليمنى، وعطيف بن زياد اليمني، وعمر بن أحمد اليَمَني، ومدافع بن أحمد وإبراهيم بن بشارة العدني، وعمر بن مسعود البَزَّاز، وأسباه مير بن محمّد الجيلاني، وعبد الله البطائحي نزيل بَعْلَبَكّ، ومكي بن أبي عثمان السَّعْدي وولداه عبد الرَّحمن وصالح، وعبد الله بن الحسين العُكْبَرِي، وأبو القاسم بن أبي بكر بن أحمد، وأخوه أحمد، وعتيق، وعبد العزيز بن أبي نَضْر الجُنَابَذي، ومحمّد بن أبي المكارم الحجة البعقوبي، وعبد الملك بن ديالى، وولداه أبو الفرج وأبو أحمد، وعبد الرَّحمن بن نجم الخَزْرجي، ويحيى التكريتي، وهلال بن أُميَّة العَدَني، ويوسف بن المُظَفَّر - يعرف بالعاقول - وأحمد بن إسماعيل بن حمزة، وعبد الله بن أحمد المنصوري، ومحمّد بن شهرويه الصّريفيني، وعثمان الياسري، ومحمّد الواعظ الخَيَّاط، وتاج الدِّين بن بطة، وعمر المدائني، وعبد الرَّحمن بن بقاء، ومحمّد بن النَّحال، وعبد العزيز بن دُلَف، وعبد الكريم بن محمّد المِصْري، وعبد الله بن محمَّد بن الوليد، وعبد المحسن بن الدَّوَيرة، ومحمد بن أبي الحسين، ومحمَّد بن عبد الصَّمد الصُّوفي نزيل مِصْر، ودُلَف الحَرِيمي، ومحمد بن أحمد المؤدِّب، ويوسف بن هبة الله الدِّمَشْقي، وعبد الباقي بن عبد الجبار الهَرَوي، وأحمد بن الدَّبيقي البابَصْري، وعبد الرَّحمن بن محمَّد الهاشمي، وأحمد بن مطيع، وعلي بن النَّفيس المأموني، ومحمد بن الليث الضَّرير، والشريف أحمد بن مسعود، وعلي بن أبي بكر بن إدريس، ومحمد بن نَصْر، وعبد اللطيف بن محمَّد
стр. 10049
الحَرَّاني وغيرهم، ممن يطول هذا المختصر بذكرهم، وإنما سمينا أعيان من بَلَغنا من أصحابه.
ذكر أولاده، ﵃:
كان له عِدَّة أولاد ذكورًا وإناثًا، فمن أعيانهم الشيخ عبد الوهَّاب، تفقَّه على والده، وسمع منه، ومن أبي غالب بن البَنَّاء وغيرهما، ورحل إلى بلاد العَجَم في طلب العِلْم، ودرَّس بعد والده بمدرسته، وحدَّث ووعظ وأفتى، وتخرَّج به جماعة، منهم: الشِّريف الحسيني البغدادي، وأحمد بن عبد الواسع بن أميركاه، وغيرهما، وتوفي ببغداد ليلة الخامس وعشرين من شوَّال سنةَ ثلاثٍ وتسعين وخمس مئة، ودفن من الغد بمقبرة الحَلْبة، ومولده في شعبان سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة، ﵀.
والشيخ عيسى، تفقَّه على والده، وسمع منه، ومن أبي الحسن محمَّد بن صَرْما وغيرهما، ودرَّس، وحدَّث، ووعظ، وأفتى، وصنَّف، ومن مصنَّفاته كتاب "جواهر الأسرار ولطائف الأنوار" في علوم الصُّوفية، وقَدِمَ مصر، وحدَّث بها، ووعظ، وتخرَّج به من أهلها غيرُ واحد، منهم: أبو نزار ربيعة بن الحسن الحَضْرمي الصَّنعاني، ومسافر بن يعمر المِصْري، وأحمد بن مَيسرة، وحامد بن أحمد المِصْري الأَرْتاحي، ومحمّد بن حمد الفقيه المحدِّث، وعبد الخالق بن صالح القُرَشي الأموي المِصْري، وغيرهم.
والشيخ أبو بكر عبد العزيز، تفقَّه على والده، وسمع منه، ومن أبي منصور عبد الرَّحمن بن محمَّد القَزَّاز، وغيرهما، وحدَّث ووعظ، ودرَّس، وتخرَّج به غيرُ واحد، وكان بَهِيًّا متواضعًا، رحل إلى الحيال؛ قرية من قُرى سِنْجار، واستوطنها، ﵀.
والشيخ عبد الجبار، تفقَّه على والده، وسمع منه، ومن أبي منصور القَزَّاز، وغيرهما.
والشيخ عبد الرَّزَّاق، تفقَّه على والده، وسَمِعَ منه، ومن أبي الحسن بن صَرْما وغيرهما، وحدَّث وأملى، وخرَّجَ، ودرَّس، وأفتى، وناظر، وتخرَّج به غيرُ واحد، منهم: إسحاق بن أحمد بن غانم العَلْثي، وعليّ بن علي خطيب رُؤْيا وغيرهما، وحُدِّث عنه أنَّه مَكَثَ ثلاثين سنة لا يرفع رأسه إلى السَّماء حياءً من ربه . وتوفي ببغداد
стр. 10050
في السادس من شَوَّال سنة [ثلاث وست مئة، ومولده سنة] (١) ثمانٍ وعشرين وخمس مئة، ﵀.
والشيخ إبراهيم، تفقَّه على والده، وسمع منه، ومن سعيد بن البَنَّاء وغيرهما، ورحل إلى واسط، وتوفي بها سنة اثنتين وتسعين وخمس مئة.
والشيخ محمّد، تفقَّه على والده، وسمع منه، ومن ابن البَنَّاء، وأبي الوقت، وغيرهم، وحدَّث، وتوفي ببغداد في الخامس والعشرين من ذي القَعْدة سنةَ ست مئة، ودُفِنَ من يومه بمقبرة الحَلْبة، ﵀.
والشيخ عبد الله، سمع من أبيه، ومن ابن البَنَّاء، وتوفي ببغداد في السَّابع والعشرين من صفر سنةَ سبعٍ وثمانين وخمس مئة، ومولده سنة ثمانٍ وخمس مئة، وهو أسنُّ أولاد سيدنا الشيخ محيي الدِّين، رحمة الله عليه.
والشيخ يحيى، تفقَّه على والده، وسمع منه، ومن محمَّد بن عبد الباقي وغيرهما، وحدَّث، وانتفع به النَّاس، وقَدِمَ مِصْر، وتوفي ببغداد في ليلة النِّصف من شعبان سنة ستّ مئة، ودُفِن عند أخيه عبد الوهَّاب، ومولده في سادس ربيع الأوّل سنة خمسين وخمس مئة، ﵀.
والشيخ موسى، تفقَّه على والده، وسَمِعَ منه، ومن ابن البَنَّاء وغيرهما، وحدَّث بدمشق وعمَّر، وانتفع به النَّاس، ودخل مِصْر، واستوطن دمشق، وتوفي بها بالعقيبة في ليلة مستهل جُمادى الآخرة سنة ثمان عشرة وست مئة، ودفن بسفح جبل قاسيون، ومولده سَلْخ ربيع الأول سنة تسعٍ وثلاثين وخمس مئة، ويقال: سنة سبع وثلاثين وخمس مئة، وهو آخر مَنْ مات من أولاده ﵃.
والشيخ عفيف بن المبارك سِبْطه، تفقَّه على جَدِّه، وسمع منه، ومن أبي زُرْعة.
وعبد السَّلام بن الشيخ عبد الوهَّاب، تفقَّه على جَدِّه وأبيه، ودرَّس وأفتى، وتولى عِدَّة ولايات، ومولده ثامن ذي الحِجَّة سنة ثمانٍ وأربعين وخمس مئة، وتوفي ببغداد
стр. 10051
في ثالث رجب سنة إحدى عشرة وست مئة، ودُفِنَ من يومه في مقبرة الحَلْبة، وسيأتي ذكره إنْ شاء الله تعالى.
وسليمان بن عبد الوهَّاب: سمع من غير واحد، وحدَّث.
وداود بن عبد الوهَّاب، تفقه وسَمِعَ وحدَّث، وتوفي ببغداد في ثامن عشر ربيع الأوّل سنة ثمان وأربعين وست مئة، ودُفِنَ من الغد بمقبرة الحَلْبة عند أبيه وجَدِّه، ﵀.
ونصر بن الشيخ عبد الرَّزَّاق، تفقَّه على والده وغيره، وسمع منه، ومن والده، ومن عمه عبد الوهَّاب، ومن أبي هاشم الدُّوْشابي وغيرهم، ودرَّس وحدَّث، وأملى، ووعظ، وأفتى وناظر، وتولى قضاء القضاة بمدينة السَّلام، وتخرَّج به في عِلْمي الشَّريعة والحقيقة غيرُ واحد، وتوفي ببغداد في السَّادس عشر من شَوَّال سنة ثلاثٍ وثلاثين وستّ مئة، ودفن بباب حَرْب، ومولده الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمس مئة. وأُمه أَمَةُ الكريم تاج النِّساء بنت فضائل بن علي التَّكْريتي، سمعت وحدَّثت، وكان لها حظٌّ وافر من الخير والصَّلاح، وتوفيت ببغداد في الثَّاني عشر من شهر رجب سنة ثلاث عشرة وست مئة، ودُفنت بباب حَرْب.
وعبدُ الرَّحيم بن الشيخ عبد الرَّزاق، سمع من محمّد بن عبد الباقي، وشُهْدة بنت الإِبَرِي، وخديجة بنت أحمد النَّهرواني وغيرهم، وحدَّث، وتوفي ببغداد في سابع ربيع الأوّل سنة ستٍّ وست مئة، ودُفِنَ من يومه بباب حرْب.
وإسماعيل بن عبد الرَّزَّاق، سمع من غير واحد، وتفقَّه، وحدَّث، وتوفي ببغداد في ثالث عشر المحرَّم سنة ست مئة، ودُفِنَ بمقبرة الإمام أحمد، رحمة الله عليه.
وأبو المحاسن بن عبد الرَّزَّاق، تفقَّه على والده، وغيره، وسمع منه، ومن عمِّه عبد الوهَّاب وأبي الفَتْح، وغيرهم. وتوفي شهيدًا بأيدي التَّتر ببغداد في صفر سنة ست وخمسين وست مئة، ومولده سنة أربع وسبعين وخمس مئة ببغداد، ﵀.
والشيخة سعادة بنت عبد الرَّزَّاق، سمعت من عبد الحق، وغيره، وتوفيت ببغداد في سابع عشر جُمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وست مئة، وصَلَّى عليها أبو صالح.
стр. 10052
والشيخة عائشة بنت عبد الرَّزَّاق، سَمِعَتْ من عبد الحقِّ وغيره، وحدَّثت، وكانت خَيِّرة، زاهدة، عابدة، صالحة، توفيت ببغداد في ثالث عشر ربيع الأَوَّل سنة ثمانٍ وعشرين وست مئة، ودُفِنَتْ من الغد بباب حَرْب.
ومحمَّد بن عبد العزيز، سمع من غير واحد، وكانت الحيال داره وتُرْبَتَه، وأُخته زهراء زاهدة، سَمِعَتْ وحدَّثَتْ، وتوفيت ببغداد في السَّابع من جُمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين وست مئة.
والشيخ محمّد بن نَصْر بن عبد الرَّزَّاق، تفقَّه على والده، وسمع منه ومن غيره، وكان يُشْبه جدَّ أبيه سيدنا شيخ الإِسلام محيي الدِّين رحمة الله عليه، وتوفي ببغداد سنة ستٍّ وخمسين وست مئة.
والشيخ يحيى بن نَصْر بن عبد الرزاق، تفقَّه على والده وغيره، وسمع من والده، ومن غيره، وحدَّث ووعظ، وله كلامٌ حسن على لسان أهل الحقيقة، وشِعْرٌ بديع، سُئِلَ عن المتمكِّن، فأنشد لنفسه: [من البسيط]
يسقي ويشربُ لا تلهيه سَكْرَتُهُ … عن النَّديمِ ولا يلهو عن الكاسِ
أطاعه سُكْرُهُ حتى تحكَّمَ في … حالِ الصُّحاةِ وذا من أَعْجَبِ النَّاسِ
ثمَّ تلعَّب فيهما بالعبارة، فقال: [من الوافر]
ويَشْرَب ثُمَّ يسقيها النَّدامى … ولا يُلْهيه كأسٌ عن نديمِ
له مع سُكْره تأييدُ صاحٍ … ونشوةُ شارِبٍ وندى كريمِ
والشيخ محمّد بن علي البغدادي التَّوحيدي، سِبْط عبد الرَّزَّاق، تفقَّه على خاله نصر، وتخرَّج به، وسمع منه، ومن عليِّ بن أبي بكر البعقوبي، وعمر السُّهْرَوَرْدِي، وإسحاق العَلْثي، وهبة الله المنصوري الخطيب وغيرهم، توفي ببغداد على أيدي التَّتر شهيدًا في صفر سنة ستٍّ وخمسين وستّ مئة، ولقد كان منهم بمصر غير واحد وبغيرها من البلاد، ﵏ أجمعين.
ذكر ثناء المشايخ على سيدنا الشيخ محيي الدِّين ﵁، وتعظيمهم له وتأدُّبهم معه، وذكرهم لشيء من طريقه، وتنبههم على عِظَم مَحَلِّه وعلوِّ قَدْره.
стр. 10053
قال أبو الفتح الهروي: سمعتُ الشيخ علي بن الهِيتي يقول: لا مريدين بشيخهم أسعد من مريدي الشيخ عبد القادر، سلام الله عليه.
قال: وسمعتُ الشيخ أبا سعد القيلويي يقول: ما رَجَعَ سيدنا الشيخ عبد القادر إلى العالم إلَّا على أن من تمسَّك بذيله نجا.
وقال بقاء بن بطو: رأيتُ أصحابَ سيدي الشيخ عبد القادر كلَّهم غُرًّا في جحفل السعداء.
وقال الشيخ عدي بن أبي البركات: سمعتُ عمي الشيخ عدي بن مسافر سنة أربعٍ وخمسين وخمس مئة بزاويته بالجبل يقول: مَنْ سألني من أصحاب المشايخ أن أُلبسه خرقةً فعلتُ له ذلك، إلا أصحابَ الشيخ عبد القادر، فإنهم منغمسون في الرحمة، وهل يترك أحدٌ البحر ويأتي إلى السَّاقية!
وقال الشيخ علي بن إدريس البعقوبي: سُئِلَ الشيخ علي بن الهيتي وأنا أسمع عن طريق سيِّدنا الشيخ عبد القادر، ﵁، فقال: كان قدمه التَّفويض والموافقة مع التَّبرِّي من الحَوْل والقُوة، وطريقه تجريدُ التَّوحيد، وتوحيد التفريد مع الحضور في موقف العبودية بسر قائم في مقام العِنْدية لا بشيء ولا لشيء، وكانت عبوديته مستمدَّة من لحظ كمال الرُّبوبية، فهو عبدٌ سما عن مصاحبة التفرقة إلى مطالعة الجمع مع أحكام الشَّرع.
وقال الشيخ عدي بن أبي البركات: قيل لعمِّي الشيخ عَدِي بن مسافر، وأنا أسمع: ما طريقُ الشيخ عبد القادر؟ فقال: الذبول تحت مجاري الأقدار بموافقة القلب والرُّوح، واتِّحاد الباطن والظَّاهر، وانسلاخه من صفات النفس مع الغيبة عن رؤية النَّفع والضّر، والقُرْب والبُعْد.
وقال الخليل بن أحمد الصَّرْصَرِي: سمعتُ الشيخ بقاء بن بطو يقول: طريقُ سيِّدنا الشيخ عبد القادر ﵁ اتحاد القول والفعل، واتحاد النفس والوقت، ومعانقة الإخلاص والتَّسليم، وموافقة الكِتاب والسُّنَّة في كل خطرة ولحظة، ونفس ووارد وحال، والثبوت مع الله .
стр. 10054
وقال الشيخ أبو سعد القيلويي: قوة سيدنا الشيخ عبد القادر مع الله وفي الله وبالله، ضَعُفَتْ عندها قُوى الصَّناديد، ولقد سبق كثيرًا من المتقدِّمين بتمسكه بعروة من طريقة لا انفصامَ لها، ولقد رفعه الله إلى مقام عزيز بتدقيقه في تحقيقه.
وقال الشيخ عبد الرَّحمن الرِّفاعي: قَدِمْتُ بغداد، وحضرتُ الشيخ عبد القادر - سلام الله عليه - فرأيتُ من حاله وفراغ قلبه وخلوِّ سِرِّه ما أذهلني، فلما رجعتُ إلى أُم عبيدة (١) أخبرت خالي الشيخ أحمد عنه بذلك، فقال: يا ولدي، ومن يُطيق مثل قوة الشيخ عبد القادر وما هو عليه، وما وصل إليه.
وقال أبو محمَّد الحسن: سمعتُ الشيخ علي الفرنثي يقول لرجلٍ: لو رأيتَ الشيخ عبد القادر لرأيتَ رجلًا فاقت قوتُه في طريقه إلى ربه قوى أهل الطَّرائق شِدَّة ولزومًا، كانت طريقه التَّوحيد وصفًا وحُكْمًا وحالًا، وتحقيقه الشَّرْع ظاهرًا وباطنًا، ووصفه: قلبٌ فارغ، وكونٌ غائب، ومشاهدة ربٍّ حاضر، بسريرة لا تتجاذبها الشكوك، وسِرٍّ لا تتنازعه الأغيار، وقلبٍ لا تفرقه البقايا، جعل الملكوت الأكبر من ورائه، والمُلْك الأعظم تحت قدمه، ﵁.
وقال الشيخ أبو محمد الشَّنْبكي: سمعتُ شيخنا أبا بكر بن هوار يقول: أوتاد العراق ثمانية: معروف الكَرْخي، والإمام أحمد بن حنبل، وبِشْر الحافي، ومنصور بن عَمَّار، والجُنَيد، والسَّرِي، وسَهْل بن عبد الله التُّستري، وعبد القادر الجِيلي. فقلتُ له: ومن عبد القادر؟ قال: عجميٌّ شريف، يسكن بغداد، يكون ظهوره في القرن الخامس، وهو أحدُ الصِّدِّيقين الأوتاد، الأفراد، أعيان الدُّنيا، أقطاب الزَّمان.
وقال الشيخ أبو محمَّد الشَّنْبكي: كان شيخنا أبو بكر بن هوار يذكر الشيخ عبد القادر الذي يتوق يظهر بالعراق في وسط القرن الخامس، وينص على فضْله، وما كان علمي به يتجاوز مسمعي، ثمَّ كوشفت بمقامات الأولياء، فإذا هو في صدورهم، وكوشفت بمقامات العلماء، فإذا هو في صدورهم، وكوشفت بمقامات الأقطاب، فإذا هو في صدورهم، وكوشفت بمراتب المقرَّبين، فإذا هو من أعلاهم، وكوشفت بأطوار
стр. 10055
المكاشفين، فإذا هو من أجلِّهم، وسيظهره الله مظهرًا لا يظهر فيه إلا الصِّدِّيقون المُؤَيَّدون العلماء بالله تعالى، وهو ممن يُقْتدى بأفعاله وأقواله، وسوف يرفع الله ببركته خَلْقًا من العباد إلى الدَّرجات العُلى، وهو ممن يباهي الله به الأمم يوم القيامة.
قلتُ: وكان الشيخ أبو بكر بن هوار - رحمة الله عليه - عظيمَ القَدْر، كبيرَ الشَّأْن وإليه ينتمي أكثر أعيان مشايخ العراق، وتتلمذ له خَلْق كثير لا يحصون من أرباب المقامات الرَّفيعة، وكان جميلَ الصِّفات، شريف الأخلاق، كامل الآداب، كثيرَ التَّواضع، شديدَ الاقتفاء لأحكام الشَّرْع، مكرِّمًا لأهل السُّنَّة والدِّين، دائم المجاهدة، لازم المراقبة إلى الرَّبِّ، وله كلامٌ عالٍ في علوم المعارف.
قال الشيخ أبو محمَّد الشَّنْبكي: كان شيخنا أبو بكر بن هوار شاطرًا، يقطع الطَّريق بالبطائح، ومعه رفقاء هو مقدَّمهم، فسمع ليلةً امرأةً تقول لزوجها: انزل ها هنا لئلا يأخذنا ابن هوار وأصحابه. فاتعظ وبكى، وقال: الناس يخافوني وأنا لا أخاف الله تعالى. وتاب في وقته ذاك، وتاب معه أصحابه، وانقطع مكانه متوجِّهًا إلى ربِّه على قدم الصِّدق والإخلاص في إرادته، ووقع في نفسه أن يُسَلِّم نفسه إلى من يُوصله إلى رَبِّه ، ولم يكن يومئذٍ بالعراق شيخٌ مشهور، فرأى في منامه رسولَ الله ﷺ ، وأبا بكر الصِّدِّيق ﵁، فقال: يا رسولَ الله، ألبسني خِرْقة، فقال له: يا ابن هوار، أنا نبيُّك وهذا شيخك، وأشار إلى الصِّدِّيق رضوان الله عليه، ثمَّ قال: يا أبا بكر، ألبس سَمِيَّك ابن هوار. فألبسه الصِّدِّيق ﵁ ثوبًا وطاقية، ومَرَّ بيده على رأسه، ومسح على ناصيته وقال: بارك الله فيك، وقال له رسولُ الله ﷺ : يا أبا بكر، بك تحيا سنن أهل الطريق من أمتي بالعراق بعد موتها، ويقوم منار أربابِ الحقائق من أحباب الله تعالى، وفيك تكون المشيخة بالعراق إلى يوم القيامة، وقد هَبَّت نسمات الله بظهورك. ثمَّ استيقظ، فوجد الثوب والطَّاقية عليه، وكانت على رأسه ثواليل، فلم يَرَها، وكأنَّه نودي في العراق أن ابنَ هوار وصل إلى الله ، فأهرع إليه الخلق من كل قطر، وبَدَتْ علامات قُرْبه من الله تعالى، وترادف إخباره عن ربه ، وكنت آتيه وهو في البطيحة وحده، والأُسْد مُحْدقةٌ به، يتمرَّغ بعضُها على قدميه.
стр. 10056
وقال الشيخ أحمد بن أبي الحسن الرفاعي: سمعت خالي الشيخ منصور يقول: أول من ذلَّل الأُسد والحيَّات لأهل البطائح الشيخ أبو بكر بن هوار، وسبب ذلك أنَّه أراد أن يرحل إلى مكة، فأحدقت به الأفاعي والحَيَّات والكواسر من الطُّيور والجن، وسأَلَتْه بالله العظيم أن لا يرحل عنهم، فأخذ عليهم أن لا يؤذوا مريدًا له ولا محبًّا إلى يوم القيامة.
وقال الشيخ عزاز بن مستودع: الشيخ أبو بكر بن هوار أول المشايخ بالعراق بعد مضي السَّلف، وكانت الأنوار تُرى تخترق البطائح من كَثْرة ما يَطْرُقها رجالُ الغيب لزيارته، وكان مجابَ الدَّعوة، وكان ظاهر التَّصريف، إذا أجدبت قريةٌ أتاه أهلُها يشتكون إليه الجَدْب، ويسألونه الاستسقاء، فيقول لهم: أدركوا أهلكم. فما يلحقون بيوتهم حتى يخوضوا في ماء المطر، ولا يعدو المطر تلك القرية.
وزُلزلت واسط مرة زلزالًا شديدًا رجَّت منه الجبال، وتساقط البُنْيان، وضجَّ النَّاس بالصُّراخ، فإذا الشيخ أبو بكر بينهم، وبينه وبين واسط أيام، فسكن الزَّلْزال، وطلبوه فلم يروه. وكان بواسط يومئذٍ رجلٌ صالح، فرأى في منامه تلك الليلة مَلَكين نازلَين من السَّماء أحدهما يقول للآخر: كادت هذه الأرض أن تذهب اليوم. فقال له صاحبه: وما أمسكها؟ قال: إنَّ الله تعالى نَظَر إلى ابن هوار، فرحم الخَلْق، وأَذِنَ في تسكين الزَّلزال.
وقال الشيخ أحمد بنُ أبي الحسن الرِّفاعي: أتتِ امرأةٌ إلى الشيخ أبي بكر بن هوار، وقالت له: إنَّ ابني غرق في الشَّطِّ، وليس لي سواه، وأنا أُقسم بالله أنَّ الله أقدرك على رَدِّه عليَّ، فإن لم تفعل شكوتك غدًا إلى الله ورسوله، وأقول: يا ربّ، أتيته ملهوفة، وكان قادرًا على رَدِّ لهفتي، فلم يفعل. فأَطْرق، ثمَّ قال: أرني أين غَرِقَ ابنُك. فأتت به إلى الشَّطِّ، فإذا ابنها قد طفا على وَجْه الماء ميتًا، فسبح الشيخ في الماء حتى وصل إليه، وحمله على عاتقه، وأعطاه لأُمه، وقال: خُذيه، فقد وجدته حَيًّا، فانصرفت وهو يمشي معها، ويدُه في يدها، كأَنْ لم يكن به شيء قَطُّ.
قلتُ: وكان الشيخ أبو محمَّد الشَّنْبكي جليلَ القَدْر، انتهت إليه الرياسة في تربية السَّالكين الصَّادقين بالعراق، وكَشْف مشكلاتهم، وتخرَّج بصحبته غيرُ واحد من العظماء مثل الشيخ أبي الوفاء، والشيخ منصور، والشيخ عزاز وغيرهم، وكان لطيف الصِّفات، وافر العقل، مخفوض الجناح، شديد الحياء، دائبًا في اتِّباع أحكام الشَّرْع
стр. 10057
وآداب السنة، وله كلامٌ نفيس في الحقائق، وكان يقطع الطَّريق، ثُمَّ تاب على يد ابن هوار، وأقام عنده ثلاثة أيام، فقال ابنُ هوار في اليوم الرَّابع: قد صرتَ شيخًا مكمَّلًا، ثمَّ قال لأصحابه: قد وصل أبو محمَّد إلى الله تعالى في ثلاثة أيام، فقال: تركتُ الدُّنيا في اليوم الأوَّل، والآخرة في اليوم الثَّاني، وطلبتُ الله في اليوم الثالث طلبًا مجرَّدًا عما سواه، فوجدته.
واشتهر أمره في الآفاق، فظهرت أمارات قُرْبه من الله ، وتتابعت كراماته، فكان يبرئ اللهُ تعالى بدعوته الأكمه والأبرص والمجنون، ويبارك له في اليسير.
قلت: إنما قصدتُ بذكر بعضِ مناقب ابن هوار والشَّنْبكي - رحمة الله عليهما - ليُعلم محلّهما، ويتمسك بقولهما في حَقِّ سيدنا محيي الدِّين ﵁ حسبما تقتضيه شهادةُ مثلهما، وإنْ كان ليس هذا موضع استقفاء أحوالهما.
وقال الشيخ عبد اللَّطيف: سمعتُ أبي يقول: سمعت الشيخ عزاز بن مستودع البطائحي، يقول: قد دخل بغداد شابٌّ عجمي شريف، اسمه عبد القادر، ستبرز في هيئته المقامات، وتظهر في جلاله الكرامات، ويسطو بعِزَّة الحال، ويعلو في رفعة المحبة، ويُسَلِّم إليه الكون وجميع من فيه من الفاضل والمفضول يده، وله قدمٌ راسخة في التمكين، تقدم بها في القدر، ويد بيضاء في الحقائق امتاز بها في الأزل، ولسان بين يدي الله في حضرة القُدْس، وإنه من أرباب المراتب التي فاتت كثيرًا من الأولياء.
قلتُ: كان الشيخ عزاز من أعيان مشايخ العراق، اجتمع إليه جماعةٌ من الصُّلحاء وذوي المراتب، وأخذوا عنه علم الطَّريقة، وانتفعوا به، وكان جميلَ الأوصاف، متَّبعًا لأحكام الشَّرْع والسُّنَّة، مفوِّضًا لأحكام الله، مُسْترسلًا مع أقداره، كثير المجاهدة والمراقبة والمعانقة لطريق السَّلف في السِّرِّ والجَهْر، وله كلامٌ عالٍ على لسان أهل المعارف، وكراماتٌ ظاهرة، وكانت الجن تكلِّمه، والأُسْد تأنس به، والوحوش تألفه، والطير تأوي إليه، وكان يقول: من أَنِسَ بالله أَنِسَ به كلُّ شيء، ومن خاطبه الله تعالى
стр. 10058
خاطبه كلُّ شيء، ومَنْ هاب الله هابه كلُّ شيء، ومَنْ وَصَلَ إلى الله تأخَّر عنه كلُّ شيء إجلالًا لي، ومَنْ عرف الله جهله كل شيء بعظيم ما أودعه.
وقال الشيخ عبد اللَّطيف: كان الشيخ عزاز يمشي بين النخل، فاشتهى الرُّطَب، فتدالَّت له عراجين النخل، فأكل منها، ثمَّ عادت إلى حالها.
قال: ومرَّ بأسد قد افترس شابًّا بالبطيحة، وقد قضم ساقه نصفين، فصاح عليه، فولَّى منهزمًا، فتناول الشيخ من الأرض حصاةً قدر الفولة، وحذفه بها، فخرَّ ميتًا، ثمَّ جاء إلى الشَّاب، ووضع ما انكسر من ساقه في موضعه، وأَمَرَّ عليه يده، فإذا هو سويٌّ، فقام يعدو إلى أهله، ومات الشيخ بعد ذلك بيسير.
قلت: كان الشيخ منصور من سادات المشايخ، صاحب حال، ومقامات وكرامات ظاهرة، ومواهب باهرة، كانت أمه تدخل وهي حامل به على شيخه الشيخ أبي محمَّد الشَّنْبكي، وكان بينها وبينه نسب، فنهض لها قائمًا، ونَكِرَتْ منه ذلك، وسُئِلَ عنه فقال: إنما أقوم للجنين الذي في بطنها إجلالًا له، فإنَّه أحدُ المقرَّبين إلى الله تعالى أصحاب المقامات، وله شأنٌ عظيم.
قلت: وكان الشيخ منصور جميلًا بهيًّا، كاملَ الآداب، معانقًا طريق السَّلف والاسترسال مع أحكام الله في الشِّدَّة والرخاء، لم يَكْبُ جوادُ طريقه، وكان مجابَ الدَّعوة، وله كلامٌ جليل في علوم الحقائق.
وقال الشيخ علي بن الهيتي: أتاه رجلٌ من مِصْر، وقال له: يا سيدي، قد هاجرتُ إليك من مصر، وتركت مالي وولدي، ووطني وجاهي رغبةً في صُحْبتك. فنفخ الشيخ منصور في صَدْر الرَّجل، فأضاءت في قلبه برقة كشفت له عن الملكوت الأعلى، وقال له: هذه بتركك المال والولد والوطن. ثمَّ نفخ في صدره بعد شهر، فمحقت منه البقايا، وانتسخت منه الحظوظ، وقال له: هذه بتركك الجاه والرِّياسة. ثمَّ نفخ في صدره بعد شهر، فأشهد مقامه بين يدي الله ، وأقيم فيه، وقال له: هذه بهجرتك إليَّ. ثمَّ قال له: يا هذا، إني استوهبتك من الله ، وقد وهبك لي، وصرَّفني فيك، وجعل عطيتك على يدي، وهذه غايتك التي أنت عندها قائم. ولم يزل هذا الرجل على هذا الحال إلى أن توفي بالبطائح.
стр. 10059
وقال الشيخ أحمد بن الرِّفاعي: سُئِلَ شيخنا خالي منصور عن المحبة، فقال، وأنا أسمع: المحب سكران في خُماره، حيران في شرابه، لا يخرج من سكرة إلا إلى حيرة، ولا من حيرة إلا إلى سَكْرة، ثمَّ أنشد:
الحبُّ سُكْرٌ خُماره التَّلَفُ … يَحْسُنُ فيه الذُّبول والدَّنَفُ
والحب كالموت يفني كل ذي شغفٍ … ومن تطعَّمه أودى به التَّلف
في الحُبِّ مات الأُلى أصفوا محبتهم … لو لم يحبوا لما ماتوا وما تلفوا (١)
سكن نهر دقلا من أرض البطائح، واستوطنها إلى أن مات بها، وقد عَلَتْ سِنُّه، وقبره بظاهرها يزار، ولما حضرته الوفاة، قالت له زوجته: أَوْصِ لولدك، فقال: بل لابن أختي أحمد. فلما كرَّرت عليه القول، قال لابنه ولابن أخته: ائتياني بنخيلٍ كثير. ولم يأته ابن أخته بشيء، فقال له: يا أحمد لم تأتِ بشيء. فقال له: إني وجدته كلّه يُسَبِّح، فلم أستطع أن أقطع منه شيئًا. فقال الشيخ لزوجته: سألتُ غير مرة أن يكون ابني، فقيل لي: بل ابن أُختك أحمد.
وحكى جماعةٌ من أصحاب الشيخ منصور البطائحي، وهو خال الشيخ أحمد الرفاعي، وبصحبته انتفع وتخرَّج، قالوا: ذُكر الشيخ عبد القادر وهو شابٌّ عند شيخنا الشيخ منصور، فقال: سيأتي زمانٌ يُفْتقر إليه فيه، وتعلو منزلته بين العارفين، ويموت وهو أحبُّ أهلِ الأرض إلى الله تعالى ورسوله في ذلك الوقت، فمن أدرك منكم ذلك فليعرف حُرْمته، وليعظِّمَ أمره.
وقال الشيخ علي بن الهيتي: كان شيخنا أبو الوفاء يتكلَّم على النَّاس فوق الكرسي، فدخل الشيخ عبد القادر إلى مجلسه، وهو يومئذٍ شابٌّ أَوَّلَ ما دخل بغداد، فقطع كلامه، وأمر بإخراج الشيخ عبد القادر، فأُخرج وتكلَّم، ثمَّ دخل الشيخ عبد القادر المجلس، فقطع كلامه، وأمر بإخراجه، فأُخرج، وتكلَّم، ثمَّ دخل الشيخ عبد القادر ثالثةً، فنزل الشيخ أبو الوفاء، واعتنقه، وقبَّلَ بين عينيه، وقال: قوموا لوليِّ الله يا أهلَ بغداد، ما أمرتُ بإخراجه إهانةً له، بل لتعرفوه، وعِزَّة المعبود على رأسه سناجق قد تجاوزت ذوائبها المشرق والمغرب. ثمَّ قال له: يا عبد القادر، الوقت الآن لنا وسيصير
стр. 10060
لك يا عبد القادر، قد وهبوك العراق يا عبد القادر، كلُّ ديك يصيح ويسكت إلا ديكك، فإنَّه يصيح إلى يوم القيامة. وأعطاه سجادته وقميصه، ومسبحته وقصعته وعُكَّازه، فقيل له: خُذْ عليه العهد، فقال: على جبينه داعي المخرِّمي (١). فلما انقضى المجلس، ونزل تاجُ العارفين أبو الوفاء من الكُرْسي جلس على آخر مرقاة، وأمسك بيد الشيخ عبد القادر، وقال له في غلبات النَّاس: يا عبد القادر، لك الوقت، فإذا جاء فاذكر هذه الشيبة. وقبضَ على كريمته.
قال الشيخ عمر البزاز: وكانت مسبحة الشيخ أبي الوفاء التي أعطاها لسيدنا الشيخ عبد القادر إذا وضعها سيدنا الشيخ على الأرض تدور وحدها حبةً حبَّة، فلما مات أخذها بعده الشيخ علي بن الهيتي، وكانت القصعة التي أعطاها له لا يَمَسُّها أحد إلا وأرجفت يده إلى كتفه.
وقال مطر: كنتُ يومًا عند شيخنا أبي الوفاء بزاويته معلمينا (٢)، فقال لي: يا مطر، أغلق الباب، فإذا جاء شابٌّ عجمي يطلب الدُّخول عليَّ فامنعه، فقمت، وإذا الشيخ عبد القادر وهو شابٌّ يومئذٍ، فطلب الدخول عليه، فاستأذنتُ الشيخ، فلم يأذن له في الدُّخول، ورأيتُه يمشي في الزَّاوية كالمنزعج، ثمَّ أَذِنَ له، فلما رآه مشى إليه خُطُواتٍ، واعتنقا طويلًا، وقال له: يا عبد القادر، وعِزَّة من له العِزَّة، ما منعتك من الدُّخول عليّ أول مرَّة جحدًا لحقِّك بل خشية، لمَّا علمت أنك تأخذ وتعطيني أَمِنْتُ.
قلت: كان الشيخ تاج العارفين أبو الوفاء سيدَ مشايخ العراق في وقته، وله الكراماتُ الخارقة، وانتهت إليه رياسة هذا الشَّأْن في زمانه، وتخرَّج به جماعةٌ من صدور مشايخ العراق مثل الشيخ علي بن الهيتي، والشيخ بقاء بن بطو، والشيخ عبد الرَّحمن الطفسونجي، والشيخ مطر، والشيخ حامد الكُرْدي، والشيخ أحمد البقلي وغيرهم، وكان له أربعون خادمًا من أصحاب الأحوال، ولما أخذ عليه شيخه الشَّنْبكي العهد قال: قد وقع اليوم في شبكتي طائِرٌ لم يقع مثلُه في شبكة الشيخ أبي الوفاء.
стр. 10061
[وكانت مشايخ البطائح يقولون: عجبًا لمن يذكر أبا الوفاء] (١)، ولم يمرّ يده على وجهه، ويسمِّي الله تعالى، ويصلي على النبي ﷺ ، كيف لا يسقط وجهه من هيبته!
ورُوي أن الشيخ عزاز رأى النبي ﷺ في المنام، فقال: يا رسول الله، ما تقول في أبي الوفاء؟ قال: قُلْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ما أقول فيمن أباهي به الأمم يوم القيامة!
وكان للشيخ أبي الوفاء كلامٌ عالٍ على لسان أهل الحقائق، رحمة الله عليه، منه: مَنْ أخلص لله تعالى في معاملته يخلُصُ من الذُّنوب الكاذبة، ومن ضَيَّع حكم وقته فهو جاهل، ومن قَصَّر فيه فهو غافل، ومن أهمله فهو عاجز، والتَّسْليم إرسالُ النَّفس في ميادين الأحكام، وترك الشفقة عليها من الطَّوارق.
وقال الشيخ علي بن الهِيتي: طرقت منازلةٌ من منازل الغيب عشرةً من الأولياء زمن شيخنا أبي الوفا ﵁، واشتركت فيها أسرارهم، وأشكل شيء من أمرها عليهم، فاجتمعوا، وأتوا إلى الشيخ أبي الوفاء ليسألوه عنها، فوجدوه نائمًا، وسمعوا كلَّ عضو منه ينطق بالتسبيح والتَّهليل، فجلسوا ينتظرون يقظته، فنطقت لهم أعضاؤه وخاطبتهم بمنازلهم، وكشفت لهم منها ما أَشكل عليهم، وانصرفوا قبل أن يستيقظ. وكان نرجسي الأصل؛ قبيلة من الأكراد.
وقال سيدنا محيي الدِّين رحمة الله عليه: ليس على باب الحق كُرْدي مثل الشيخ أبي الوفاء.
وقال الشيخ حماد بن مسلم الدَّبَّاس، وقد ذكر عنده سيدنا الشيخ محيي الدين عبد القادر ﵁، وهو يومئذٍ شاب: رأيتُ على رأسه علمين قد نصبا من البهموت الأسفل إلى الملكوت الأعلى، وسمعت الشاويش يصيح له في الأفق الأعلى بألقاب الصِّدِّيقين.
وقال محمود بن النعال: سمعتُ أبي يقول: كنتُ يومًا عند الشيخ حماد الدَّبَّاس، فجاء الشيخ عبد القادر وهو شابٌّ يومئذٍ، فقام إليه، وتلقَّاه، وقال: مرحبًا بالجبل الراسخ، والطَّوْد المنيف الذي لا يتحرَّك، وأجلسه إلى جانبه، وقال له: ما الفرق بين الحديث والكلام؟ فقال: الحديث ما استدعيت من الجواب، والكلام ما صدقك من الخطاب، وانزعاج القلب لدعوة الانتباه أرجح من أعمال الثَّقلين، فقال له الشيخ حماد: أنت سيد العارفين في عَصْرك.
стр. 10062
قلتُ: كان الشيخ حماد الدَّبَّاس أحدَ العلماء الرَّاسخين في العِلْم وعلوم الحقائق، وانتهت إليه تربية المريدين ببغداد، وانعقد عليه الإجماع في الكَشْف عن مخفيات المراد، وانتمى إليه معظمُ مشايخ بغداد وصوفيتهم في وقته، وهو أحدُ مَنْ أخذ عنه سيدنا الشيخ عبد القادر - رحمة الله عليه - وصحبه، وأثنى عليه، وروى كراماته، وكان أبو الوفاء إذا قَدِمَ بغداد، ينزل عنده ويعظِّم شأنه، وكان المشايخ ببغداد يعظمون أمره ويتأدَّبون في حضرته، وينصتون لسماع كلامه.
وقال الشيخ أبو النَّجيب: الشيخ حماد الدباس من أَجَلِّ من لقيتُ من مشايخ بغداد، وهو أوَّلُ شيخ فتح الله عليَّ ببركته، وكانت دَبَّاسته لا يدخلها زنبور ولا ذبابة، وله كلامٌ عالٍ في طريقة القوم، رحمة الله عليه.
وقال سيدنا الشيخ عبد القادر: قدم بغداد رجلٌ يقال له يوسف الهَمَذاني، وكان يقال: إنه القُطْب، ونزل في رباط، فلما سمعتُ به مشيت إلى الرِّباط، فلم أره، فقيل لي: هو في السِّرْداب، فنزلتُ إليه، فلما رآني قام، وأجلسني، ففرسني، وذكر لي جميعَ أحوالي، وحَلَّ لي جميع ما كان مشكلًا عليّ، ثمَّ قال لي: يا عبد القادر، تكلَّم على النَّاس. فقلتُ: يا سيدي، أنا رجلٌ أعجمي أيش أتكلَّم على فصحاء بغداد؟ فقال لي: أنتَ حفظت القرآن والفِقْه وأُصول الفقه والخلاف والنَّحو واللغة وتفسير القرآن، ألا يصلح لك أن تتكلَّم على النَّاس؟! اصعد على الكرسي وتكلم، فإني أرى فيك عِذْقًا وسيصير نخلةً.
قلتُ: تَقَدَّم ذكر يوسف الهَمَذاني في سنة خمس وثلاثين وخمس مئة.
وقال الشيخ أبو سلمان داود المَنْبِجي: كنتُ يومًا عند الشيخ عقيل المنبجي، فقيل له: قد اشتَهَر ببغداد أمر شاب عجمي شريف اسمه عبد القادر. فقال الشيخ عقيل: وإن أمره في السَّماء أشهر منه في الأرض، ذاك الفتى الرَّفيع المدعو في الملكوت بالباز الأشهب، وسينفرد في وقته، وسَيُرَدُّ إليه الأمر، ويصدر عنه.
والشيخ عقيل أول من لَقَّب سيدنا الشيخ محيي الدّين ﵁ بالباز الأشهب فيما نعلم.
стр. 10063
قلت: كان عقيل شيخ شيوخ الشَّام في وقته، وتخرَّج بصحبته الشيخ عَدِي بن مسافر، والشيخ موسى الزولي وغيرهما، وهو أوَّل من دخل بالخرقة العمرية إلى الشَّام، وهو أحد الأربعة الذين قال فيهم الشيخ علي الفرنثي: رأيتُ أربعة من المشايخ يتصرَّفون في قبورهم كما يتصرف الأحياء: الشيخ عبد القادر، والشيخ معروف الكرخي، والشيخ عقيلًا المنبجي، والشيخ حياة بن قيس الحَرَّاني.
وكان للشيخ عقيل كلامٌ عالٍ في المعارف.
وقال الشيخ أبو المجد بن أحمد: أخبرنا أبي عن أبيه قال: حضرت الشيخ عقيلًا بظاهر منبج تحت الجبل، وعنده جمعٌ من الصُّلحاء، فقال له أحدهم: ما علامة الصَّادق؟ قال: لو قال لهذا الجبل تحرَّك فيتحرك الجبل، ثمَّ قال له: ما علامة المتصرِّف؟ قال: لو أراد وحوش البَرِّ والبحر أن تأتيه لفعلت. فما تمَّ كلامه حتى نَزَلَ علينا من الجبل وحوش سدتِ الفضاء، وأخبرنا الصَّيادون أنَّ شَطَّ الفرات امتلأ في ذلك الوقت أسماكًا. قال: يا سيدي، وما علامةُ المبارك على أهل زمانه؟ قال: لو وكز برجله هذه الصَّخرة لتفجَّرت عيونًا. قال: فتفجَّرت صخرةٌ كانت بين يديه عيونًا، ثمَّ عادت صخرة كحالها أوَّل مرة.
سكن ﵁ منبج، واستوطنها نيفًا وأربعين سنة، وماتَ بها، وقد عَلَت سِنُّه، وقبره بها ظاهر يزار.
وقال الشيخ عمر الصِّنْهاجي: جاء بعضُ أصحابنا إلى الشيخ أبي يعزى يستأذنه في المسير إلى بغداد، فقال له: إذا أتيتَ بغداد فلا يفوتنك رؤية رجل بها شريف عجمي اسمه عبد القادر، فإذا رأيته سَلِّم عليه عني وسَلْه لي الدُّعاء، وقيل له: لا تنسَ أبا يعزى من قلبك، فإنَّه والله لم يخلِّف في العجم بأسره مثله، وإنك لن ترى في العراق مثله، وإن المشرق ليفضل عن المغرب به، وإنَّ علمه ونسبه قد ميَّزاه على الأولياء تمييزًا واضحًا كثيرًا.
قلتُ: كان الشيخ أبو يعزى من أعيان المشايخ بالمغرب، وتخرَّج به من أكابر مشايخها وأعلام زُهَّادها جماعةٌ، وأقام في بدايته في خمس عشر سنة لا يأكل إلا حب الخُبازى، وكانت الأُسْد تأوي إليه، والطَّير تعكف عليه، وكانت الأُسد إذا ضربت
стр. 10064
وافترست القفول جاء فأمسك بأذنابها وقادها، فتنقاد له ذليلة، وكان أهل المغرب يستسقون به فيُسْقون، ويرجعون إليه في المعضلات فتنكشف.
وقال الشيخ أبو محمَّد الإِفريقي: جاء إلى الشيخ أبي يعزى المحتطبون يشكون إليه كثرة الأُسْد في غابةٍ يحتطبون فيها، فقال لخادمه: اذهب إلى طرف الغابة، وناد بأعلى صوتك: معاشر الأسد يأمركِ أبو يعزى أنْ ترحلي من هذه الغابة. قال: فذهب وفعل ذلك، فكانت الأُسد تُرى خارجةً من الغابة تحمل أشبالها حتى لم يبق فيها شيء منها، ولم يُر بعد ذلك فيها أسد.
وقال الشيخ شاور السبتي المحلي: صنعَ الخليفةُ ببغداد وليمةً، ودعا إليها جميع مشايخ العراق وعلمائها، فحضروا كلُّهم إلا سيدنا الشيخ محيي الدِّين عبد القادر والشيخ عدي بن مسافر والشيخ أحمد الرِّفاعي رحمة الله عليهم، فلمَّا انصرف النَّاس قال الوزير للخليفة: إنَّ الشيخ عبد القادر والشيخ عديًّا والشيخ أحمد لم يحضروا، فقال الخليفة: فكأن لم يحضر إذن أحد. ثمَّ أمر حاجبه أن يأتي إلى الشيخ عبد القادر يدعوه أن ينطلق إلى جبل الهَكَّار، وإلى أُم عبيدة ليحضر الشيخ عدي والشيخ أحمد، قال الشيخ شاور: فقال لي الشيخ عبد القادر قبل أن يقوم الحاجب من مجلس الخليفة، وقبل أن تُسَطَّر البطاقتان: يا شاور، اذهب إلى المسجد الذي بظاهر باب الحَلْبة تجد فيه الشيخ عدي بن مسافر ومعه اثنان، فادعهم لي، ثمَّ امضِ إلى مقبرة الشُّونيزي تجد فيها الشيخ أحمد الرّفاعي ومعه اثنان، فادعهم لي، قال: فذهبت إلى المسجد الذي بظاهر باب الحَلْبة، فوجدت الشيخ عديًّا ومعه اثنان، فقلتُ: يا سيدي، أحب الشيخ عبد القادر، فقال: سَمْعًا وطاعة، وقاموا، فذهبتُ معهم، فقال لي الشيخ عدي: يا شاور، ألا تذهب إلى الشيخ أحمد كما أمرك الشيخ عبد القادر (١)؟ قلتُ: بلى، فأتيت مقبرة الشُّونيزي، فوجدت الشيخ أحمد ومعه اثنان، فقلتُ: يا سيدي، أجب الشيخ عبد القادر، فقال: سمعًا وطاعة. وقاموا، فتوافى الشيخان في باب رباط الشيخ عبد القادر وقتَ المغرب، فقام إليهم الشيخ، وتلقاهم، فما لبثوا غير يسير، فجاء الحاجب إلى الشيخ، فوافاهما عنده، فأسرع إلى الخليفة، وأخبره باجتماعهم،
стр. 10065
فكتب الخليفةُ إليهم بخطِّه يسألهم الحضور، وبَعَثَ إليهم ولده وحاجبه، فأجابوه وذهبوا، وأمرني سيدنا الشيخ محيي الدين بالمسير معه، فلمَّا كُنَّا بالشَّطِّ إذا الشيخ ابن الهيتي، فتلقاه المشايخ، وسار معهم، فأُتي بنا إلى دارٍ حَسَنةٍ، فإذا الخليفةُ فيها قائم، مشدود الوسط، ومعه خادمان له، وليس في الدار سواهم، فتلقَّاهم الخليفة، وقال لهم: يا سادة، إنَّ الملوك إذا اجتازوا برعاياهم بسطوا لهم الحرير ليطؤوه، ووضع لهم ذيله، وسألهم أن يمشوا عليه، ففعلوا، وانتهى بنا إلى سماطٍ مهيأ، فجلسوا، وأكلوا وأكلنا معهم، ثمَّ خرجوا، وأتوا إلى زيارة قبر الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، وكانت ليلةً شديدة الظُّلْمة، فجعل الشيخ عبد القادر كلما مرَّ بحجرٍ أو خشبة أو جدار أو قبرٍ أشار بيده إليه، فيضيء كضوء القمر، ويمشون في نوره إلى أن ينتهي ضوءه، فيشير الشيخ إلى آخر، فيضيء، فما زالوا يمشون في النُّور، وليس فيهم من يتقدَّم على الشيخ عبد القادر إلى قبر الإمام أحمد بن حنبل ﵁، فدخل المشايخ الأربعة يزورون، ووقفنا على باب المزار حتى خرجوا، فلما أرادوا أن يتفرَّقوا، قال الشيخ عدي للشيخ عبد القادر: أوصني. قال: أوصيك بالكتاب والسُّنَّة. ثمَّ تفرَّقوا.
وقال الشيخ عمر البزاز: كان سيدنا الشيخ محيي الدِّين - رحمة الله عليه - يثني كثيرًا على الشيخ عدي بن مسافر، فاشتقت إلى رؤيته، واستأذنتُ الشيخ في زيارته، فأَذِنَ لي، فسافرت حتى أتيتُ جبل الهَكَّار، فوجدته قائمًا على باب زاويته بلاكش، فقال: أهلًا يا عمر، تركت البحر، وجئت إلى السَّاقية! يا عمر، الشيخ عبد القادر مالك أزِمَّة الأولياء كلِّهم، وقائد.
عدي بن مسافر ﵁ مشهور، ومحلُّه معروف، وقد تقدَّم ذكره في السنة السابعة والخمسين وخمس مئة، فينظر هناك.
وقال الشيخ العارف القُدْوة علي بن وهب السِّنْجاري: عبد القادر أحدُ أعيان الدُّنيا، الشيخ عبد القادر أحدُ أفراد الأولياء، الشيخ عبد القادر من تُحَفِ الوجود، الشيخ عبد القادر من هدايا الله تعالى إلى الكون، طوبى لمن رآه، طوبى لمن جالسه، طوبى لمن باتَ في خاطر الشيخ عبد القادر.
стр. 10066
قلت: كان الشيخ عليُّ بن وهب كبيرَ القَدْر، تتلمذ له جماعةٌ من الأكابر مثل الشيخ سويد السِّنجاري، والشيخ أبي بكر الجاري، وجماعة لا يحصون كثرة، ويقال: إنه مات عن أربعين رجلًا من مريديه كلهم أصحاب أحوال، وحدّث عنهم أنَّه لما مات اجتمعوا في رَوْضة تجاه زاويته، فجعل كل منهم يأخذ من تلك الروضة قبضة من نباتها، ويتنفس عليها، فتزهر من جميع الأزهار مختلفة ألوانها حتى أَقَرَّ بعضُهم لبعض بالتمكُّن والتَّصريف، والشيخ علي بن وهب يسمى برادّ الفائت؛ لأنَّه من فَقَدَ حالًا كان له وأتى إليه رَدَّه عليه بزيادة.
ومناقبه كثيرة، وهو ربعي شيباني، سكن البدوية؛ قرية من أعمال سِنْجار، وبها مات وقد نيَّف على الثمانين، وقبره ظاهر يزار، وكان عالمًا فاضلًا فصيحًا متواضعًا، لا يحلف بالله تعالى، ولا يرفع رأسه إلى السماء حياءً من الله تعالى، رحمة الله عليه ورضوانه.
وقال الشيخ يحيى التكريتي: لما قدم الشيخ موسى بن ماهين الزولي بغداد حاجًّا كنتُ أنا ووالدي معه، فلما اجتمع بالشيخ عبد القادر رأينا من احترام الشيخ موسى له وأدبه معه ما لم نَرَه فَعَلَه مع غيره من النَّاس، فلما خلونا به قال له والدي: ما رأيتُك احترمتَ أحدًا مثلما احترمت الشيخ عبد القادر، فقال: الشيخ عبد القادر خيرُ النَّاس في زماننا هذا، وسُلْطان العارفين في وقتنا، وكيف لا أتأدَّب مع من تتأدب معه ملائكة السَّماء.
قلتُ: كان الشيخ موسى من أجلِّ المشايخ وأعظمهم حالًا، وهو أحد من أبرزه الله إلى العباد، وأنطقه بالمُغَيَّبات، وخَرَقَ له العادات، وأوقع له الهيبة في القلوب، وانعقد عليه إجماع المشايخ وغيرهم، وقُصِدَ بحلِّ مشكلات الموارد، وكَشْفِ مخفياتها، وتربية السالكين، وتخرَّج بصحبته كثير من مشايخ بلاد المشرق، وتتلمذ له جماعةٌ من أهل الأحوال، وكان سيِّدنا محيي الدِّين يُثْني عليه كثيرًا، ويعظِّمُ شأنه.
ولما اجتمع الشيخ إبراهيم الأعزب والشيخ عسكر النعيبي بالبطائح، قال الشيخ عسكر للشيخ إبراهيم (١).
стр. 10067
وكان للشيخ موسى كلامٌ بليغ على لسانِ أهل المعرفة، وكان إذا مَسَّ الحديد بيده لان حتى يصيرَ كاللُّبان.
ووقع بمارِدِين حريقٌ، فضجَّ النَّاس به، فأعطاهم عُكَّازه، وأمرهم أن يلقوه في النَّار، فألقوه، فانطفأت لوقتها، وأخرجوا العُكَّاز لم يسخن ولا اسْوَدَّ.
ووإن كثير الإخبار بالمغيَّبات، وأتته امرأةٌ بصغير عمره أربعة أشهر، فدعاه إليه، فأتاه يعدو، فأقرأه سورة الإخلاص، فقرأها الصَّبيُّ، وما زال يمشي ويتكلَّم من ذلك الوقت، وكبر والتحى، فوالله ما زادَتْ فصاحةُ نُطْقه على فصاحته حين تكلَّم بين يدي الشَّيخ أَوَّل مرَّة.
ومات الشيخ بمارِدِين وقد عَلَتْ سِنُّه، وقبره ظاهر يزار، ولما وضع في لحده نهض قائمًا يصلي، واتَّسع له اللَّحد، وأُغمي على من كان نزل قبره، وكان جميلًا بهيًّا فاضلًا، رحمة الله عليه.
وقال الشيخ شهاب الدِّين: دخلتُ مع عمِّي الشيخ أبي النَّجيب عبد القاهر السُّهْرَوَرْدِي في سنة ستين وخمس مئة إلى الشيخ عبد القادر، فتأدَّب عمي معه أدبًا عظيمًا، وجلس بين يديه أُذُنًا بلا لسان، فلما رجعنا إلى النِّظامية، قلتُ له في ذلك، فقال: كيف لا أتأدَّب معه وهو له الوجود التَّام، وقد صرف في وجود الملك، وبُوهي به في وجود الملكوت، وانفرد في عالم الكون في هذا الوقت؟ وكيف لا أتأدَّب مع من صرَّفه مالكي في قلبي وحالي، وفي قلوب الأولياء وأحوالهم، إن شاء أمسكها، وإن شاء أرسلها؟
قلت: كان الشيخ أبو النجيب عظيمَ القَدْرِ، جَمَعَ بين العِلْم والعمل، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
قلتُ: وحكى لي ابنُ الشيخ عز الدين عبد العزيز السلمي الشافعي نزيل مِصْر، كان يقول: كراماتُ الشيخ عبد القادر رحمة الله عليه (١).
وقال الشيخ محمَّد بن أبي العَبَّاس الخضر بن عبد الله الحسني المَوْصلي: سمعتُ أبي يقول: كنتُ يومًا جالسًا بين يدي سيدنا الشيخ محيي الدِّين عبد القادر ﵁، فخطر في نفسي زيارة الشيخ أحمد الرِّفاعي، فقال لي: يا سيدنا، أتحبُّ زيارة الشيخ أحمد؟
стр. 10068
قلتُ: نعم. فأطرقَ يسيرًا، ثمَّ قال: يا خضر، ما ترى الشيخ أحمد؟ فإذا إلى جانبه شيخٌ مهيب، فقمتُ إليه، وسلَّمت عليه، فقال: يا خضر، مَنْ يرى مثل الشيخ عبد القادر سيد الأولياء يتمنَّى رؤية مثلي، وهل أنا إلا من رعيَّته! ثمَّ غاب عني، فبعد وفاة سيدنا الشيخ رحمة الله عليه انحدرت إلى أُم عبيدة لأزوره، فقَدِمْتُ عليه، إذا هو الشخص الذي رأيته إلى جانب الشيخ عبد القادر - رحمة الله عليه - في بغداد، لم تجدد رؤيته عندي زيادة، فقال لي: يا خضر، ألم تَكْفِكَ الأُولى؟
وقال الشيخ عبد الله البطائحي رحمة الله عليه: انحدرتُ في حياة سيدي الشيخ محيي الدين عبد القادر ﵁ إلى أُم عُبيدة، وأقمتُ برواق الشيخ أحمد أيامًا، فقال لي الشيخ أحمد يومًا: اذكر لي شيئًا من مناقب الشيخ عبد القادر وصفاته، فذكرتُ منها شيئًا، فجاء رجلٌ في أثناء حديثي، فقال لي: مَهْ، لا تذكر عندنا مناقب غير هذا. وأشار إلى الشيخ أحمد، فنظر إليه الشيخ أحمد مُغْضَبًا، فوقع الرَّجل بين يديه ميتًا، ثمَّ قال: ومَنْ يبلغ مبلغ الشيخ عبد القادر، ذاك بحر الشَّريعة عن يمينه، وبحر الحقيقة عن يساره، من أيِّهما شاء اغترف الشيخ عبد القادر، لا ثاني له في وقتنا هذا.
قال: وسمعتُه يوصي أولاده فيه وأكابر أصحابه، وقد جاء رجل يودِّعه مسافرًا إلى بغداد قال: إذا دَخَلْتُم بغداد، فلا تقدِّموا على زيارة الشيخ عبد القادر شيئًا إن كان حيًّا، ولا على زيارة قبره إن كان ميتًا، فقد أُخذ له العهد: أَيما رجلٍ من أصحاب الأحوال دخل بغداد، فلم يَزُرْه، سُلِبَ حاله، ولو قبيل الموت. والشيخ عبد القادر خَسِرَه من لم يَرَه، ﵁.
قلتُ: كان الشيخ أحمد الرِّفاعي رحمة الله عليه عظيم القَدْر كبير الشأن، ومحلُّه عظيم، وحاله أشهر من أن ينبَّه عليه، وهو أحدُ من اشتهر في الدُّنيا، وتتلمذ له من الخَلْق عالمٌ لا يُحصون كثرةً في كلِّ بلد وقطر، ولم أر في مُدُنِ المسلمين مكانًا يخلو من زاوية ومكان برسمهم، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في هذا الكتاب مفصَّلًا.
دخل عليه رجلٌ، فوضع له الشيخ طعامًا، فقال: إذا جاء وقتي أكلتُ، وقال له: ومتى وقتك؟ قال: المغرب، قال: عن كم؟ قال: عن ستة أشهر، فلما كان وقتُ المغرب قُدِّم له الطَّعام، فسأله الرجل أن يأكل معه، فقال: إذا جاء وقتي أكلتُ، قال:
стр. 10069
ومتى وقتك؟ قال: بعد ستة أشهر، قال: وكم مضى لك؟ قال: ستة أشهر، فسئل الشيخ عن ذلك فقال: دخلت أنا إلى دارنا يومًا شديد الحر وأنا عطشان، فوجدتُ ماءً مخلوطًا ببياض العجين، فأردتُ أن أشربه، فقالت لي نفسي: ترى الماء البارد في الكوز! ثمَّ امتنعتُ من الشرب، وعاهدتُ الله تعالى أن لا آكل ولا أشرب إلى سنة.
والشيخ أحمد أحدُ مَنْ قهر أحواله وملك أسراره، وانتهت إليه الرياسة في علوم الطَّريق، وشَرْحِ أحوال القوم، وكَشْفِ منازلاتهم، وله كلامٌ شريف على لسان أهل الحقائق.
وقال الشيخ أبو الحسن علي ابن أخت الشيخ أحمد: كنتُ يومًا جالسًا على باب خلوة خالي، وليس فيها غيره، فسمعتُ عنده حِسًّا، فنظرتُ، فإذا عنده رجلٌ، فتحدَّثا طويلًا ثمَّ خرج من كوَّةٍ في الحائط، ومَرَّ في الهواء كالبَرْقَ الخاطف، فدخلت على خالي، وقلت: ما الرجل؟ قال: أورأيته؟! قلتُ: نعم. قال: هو الذي يحفظ الله به قَطْر البحر، وهو أحدُ الأربعة الخواص إلا إنه هُجر منذ ثلاث ليال، وهو لا يعلم، قلت: فبأي سبب؟ قال: مُطرت جزيرته حتى سالت أوديتها، فَخَطَر في نفسه: لو كان هذا في العمران. ثمَّ استغفر، فَهُجِرَ، فقلتُ: أَوَأعْلَمْتَه؟ قال: لا، فقلت: لو أَذِنْتَ لي لأعْلَمْتُه. قال: رَنِّقْ، فرنَّقْتُ (١)، ثمَّ سمعتُ صوته: ارفع رأسك. فرفعتُه، وإذا بجزيرة في البحر، قمت أمشي فيها، وإذا بالرجل، فأخبرتُه، فقال: ناشدتك اللهَ إلا ما وضعت خرقتي في عُنُقي، وسحبتني على وجهي، ونادِ عليَّ: هذا جزاءُ من يعترض. فوضعتُ الخِرْقة في عنقه، ثمَّ هممتُ بسحبه، وإذا هاتفٌ يقول: يا عليّ، دَعْه، فقد ضجَّتْ ملائكة السماء باكيةً عليه، وقد رضي عنه. فأغمي عليَّ ساعة، ثمَّ سُرِّي عني، وإذا أنا بين يدي خالي بخلوته، ووالله لا أدري كيف ذهبتُ، ولا كيف جِئْتُ.
قلت: وكرامات سيدنا شيخ الإِسلام مُحيي الدِّين عبد القادر رحمة الله عليه كثيرة، ومناقبه غزيرة، وقد اقتصرنا على هذه النبذة، إذ لا يحتمل هذا الكتاب أكثر منها، وبالله التوفيق.
стр. 10070
وكذلك نبهت على محل المشايخ الذين أثنوا عليه بما يعرف به مَحَلَّهم الناظِرُ في هذه الترجمة والمتأمّل لها، ويعلم أنَّ الفَضْل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفَضْل العظيم، مع أنَّه لم يجتمع لأحدٍ من المناقب، وأسباب المحامد ما اجتمع لسيدنا الشيخ محيي الدِّين - رحمة الله عليه - من العِلْم والعمل والحسب، والمواهب الجسيمة، والنّعم المتتابعة، نفعنا الله ببركته، وحشرنا في زمرته، وأماتنا على محبته، فقد حُكي أن بعض محبيه حَلَفَ بالطَّلاق أن سيدنا الشيخ عبد القادر أفضل من أبي يزيد البِسْطامي رحمة الله عليه، ثمَّ استفتى علماءَ العراق، فكلٌّ منهم أحجم عن الجواب، فتحيَّر في أمره، فقيل له: عليك بالشيخ عبد القادر، فهو أخبر بذلك، فجاء إليه، وقصَّ عليه قِصَّته، فقال: وما الذي حملك على هذا؟ فقال: قد وقع ذلك، فَمُرْني ما أفعل؟ هل أفارق زوجتي أو أستمر على مضاجعتها؟ فقال: ضاجع زوجتك، فكلُّ ما وَصَلَ إليه أبو يزيد البِسْطامي وصلتُ إليه، وسبقتُه بفضيلة عِلْم الفُتْيا، وهو لم يفت، وتزوَّجْتُ ولم يتزوج، ورُزِقْتُ الأولاد.
قلت: وسَيِّدنا أحقُّ النَّاسِ بقول المتنبي: [من الطويل]
إذا علويٌّ لم يكن مثل طاهر … فما هو إلا حجة للنواصب (١)
[وفيها توفي] (٢)
عبد الكريم بن محمَّد بن أبي فضل الأنصاري الحرستاني (٣)
الشافعي] (٤)، ولد سنة سبع عشرة وخمس مئة، وسافر إلى العراق وخراسان، وسمع الحديث وتفقه، واستنابه أبو سعد بن أبي عصرون بالزاوية الغربية بجامع دمشق [في التدريس] (٤)، وضمَّ إليه المدرسة الأمينية، وكانت وفاته بدمشق في رمضان، [سمع أبا الحسن بن قُبيس وغيره] (٤)، وكان صالحًا، ثقة.
стр. 10071
محمَّد بن حيدر بن عبد الله (١)
أبو طاهر بن شعبان الشاعر البغدادي، ومن شعره: [من مجزوء الكامل]
خُذْ بي على قَطَنٍ يمينا … فعسى أُريك به القطينا
حتى إذا طَلَعَتْ به … أقمارُ رنَّحتِ الغُصونا
يُخْلِفْنَ ميعادَ الوفا … ءِ لنا ويَمطُلْنَ الدُّيونا
ويقمن من تلك العيو … نِ على خواطِرنا عُيُونا
يا من تسمَّحَ للعوا … ذلِ بي وكنتُ به ضنينا
أحسنتُ ظني في هوا … ك فلِمْ أسأت بي الظنونا
مني تعلمت الحما … م النوح والإبل الحنينا (٢)
وأنشد أصحابه قبيل موته لما احتضر: [من الطويل]
خليليَّ هذا آخرُ العهد منكُمُ … ومني فهل من مَوْعِدٍ نستجدُّهُ
لأَنَّ أخاكم حلَّ في دار غُرْبةٍ … يطولُ بها عن هذه الدَّارِ عَهْدُهُ
فلا تعجَبُوا إذْ خَفَّ للبَينِ رَحْلُهُ … وقد جَدَّ في إِثْر الأَحِبَّةِ جدُّهُ
وقد أزمع المسكينُ عنكم ترحُّلًا … فهل فيكُمُ من صادقٍ يستردُّه (٣)
محمّد بن الوزير يحيى (٤)
ابن هبيرة، عز الدين.
стр. 10072
كان فاضلًا، كبيرَ الشَّأن، عظيم القَدْر، ناب عن أبيه في الوزارة مُدَّة، ولما توفي الوزير أُخذ وحُبس في دار الخليفة، فَغُفِلَ عنه، فهرب إلى الجانب الغَرْبي من بغداد، وواعد بدويًّا كان صديقًا لأبيه أن يهرب به، فقال: ادخل جامع بلهيقا حتى أتجهَّز وآتيك. وجاء إلى أُستاذ الدَّار فأخبره بخبره، فبعث وأخذه، وضُرِبَ ضَرْبًا مُبَرِّحًا، وأُلقي في مطمورة، [قال جدي في "المنتظم": فحدثني] (١) بعض الأتراك، وكان محبوسًا عندهم، أنهم صاحوا من فوق المطمورة: أين ابن الوزير؟ ودلُّوا له حبلًا، فتعلَّق به، وصَعِدَ، فمدُّوه، وجلس واحدٌ على رأسه، وآخر على رِجْليه، وخُنِقَ بحبلٍ، وأُخرج من دار الخليفة ميتًا، [وأما أخوه شرف الدين ظفر، فإنَّه أخرج من دار الخليفة ميتًا في صفر سنة اثنتين وستين وخمس مئة، فحمل إلى أبيه، فدفن عنده، وكانا من أجلاء الناس وأكابرهم] (١).
السنة الثانية والستون وخمس مئة
فيها تزوَّج المستنجد بابنة عمه أبي نصر بن المستظهر، ودَخَلَ بها في رجب ليلة الدعوة التي كان يعملها كل سنة للصُّوفية وغيرهم، وغنَّى المغني [في هذه الليلة] (١): [من الطويل]
يقول رجالُ الحيِّ تطمعُ أن ترى … محاسنَ ليلى مُتْ بداء المطامعِ
وكيف ترى ليلى بعينٍ ترى بها … سواها وما طَهَّرْتَها بالمدامعِ
وتلتذُّ منها بالحديثِ وقد جرى … حديثُ سواها في خروقِ المسامعِ
وكان مع الصُّوفية رجل من أهل أصبهان، فقام قائمًا، وجعل يقول للمغني: أي خواجا جي كفت. والمغني يعيد الأبيات، فصاح، ووقع ميتًا، فصار ذلك الفرح مأتمًا، وبكى الخليفة والصُّوفية، ولا زالوا يتراقصون حوله إلى الصَّباح، وحملوه إلى الشُّونِيزيّة، فدفنوه بها.
وفيها حشد شملة التركماني، وجاء ومعه صبيٌّ من أولاد السَّلْجوقية ليحاصر بغداد، فنزل البنْدَنيجين، وبعث الخليفةُ إليه العساكر، فنزلوا مقابله وبينهم النهر، فبعث
стр. 10073
الخليفةُ إليه يوسف الدِّمَشْقي، فوعظه وذكر [له] (١) ما يجب [عليه] (١) من طاعة الخليفة ووبَّخه، فرحل إلى هَمَذان، [فيقال: إن يوسف الدمشقي مات عنده، وقيل في السنة الآتية] (١).
وفيها عاد أسد الدين شيركوه إلى مِصْر؛ وهي المرَّة الثَّانية، وسببه أنَّ العاضد كتب إلى نور الدين [محمود] (١) يستنجده على شاور، وأنه قد استبدَّ بالأمر، وظَلَمَ وسَفَك الدَّم، وكان في قلب نور الدين من شاور لأنَّه غدر بأسد الدين، واستنجد بالفرنج، فسار أسد الدِّين من دمشق منتصف ربيع الأَوَّل، ومعه [ابن أخيه] (١) صلاح الدين، فنزل الجِيزة غربي مصر على البحر، وكان شاور قد أعطى الفرنج الأموال [العظيمة] (١)، وأقطعهم الإقطاعات، وأنزلهم دُور القاهرة، وبنى لهم أسواقًا تخصُّهم، وكان مقدَّمهم الملك مُرِّي وابن بيرزان، فأقام أسد الدِّين على الجِيزة شهرين، وعدَّى إلى بَرِّ مِصْر والقاهرة في خامس عشرين جُمادى الآخرة، وأصْعَدَ إلى البابين، وخَرَجَ شاور والفرنج، ورتَّب العساكر، فجعل الفرنج في الميمنة مع ابن بيرزان، وعسكر مصر في المَيسرة، وأقام الملك مُرِّي في القلب في شوكة الفرنج والخيَّالة، ورتَّبَ أسدُ الدِّين عساكره، فجعل صلاح الدين في الميمنة، وفي الميسرة الأكراد، وأسد الدين في القلب، فحمل الملك مُرِّي على القلب فَتَعْتَعَهُ، وكانت أثقالُ المُسْلمين خلفه، فاشتغل الفرنج بالنَّهب، وحَمَل صلاحُ الدِّين على شاور فكسره، وفَرَّق جَمْعه، وعاد أسدُ الدِّين إلى صلاحِ الدين فحملا على الفرنج، فانهزموا، فقتلا منهم ألوفًا، وأسرا مئةً وسبعين فارسًا، وطلبوا القاهرة، فلو ساق أسدُ الدِّين خلفهم لملك القاهرة، وإنما عَدَل إلى الإسكندرية، فتلقَّاه أهلُها طائعين، فدخلها، وولَّى عليها [ابن أخيه] (١) صلاح الدين، فأقام بها، وسار أسدُ الدِّين إلى الصَّعيد، فاستولى عليه، وأقام يجمعُ أمواله [ويجبي خراجه] (١)، وخرج شاور والفرنج من القاهرة، فحصروا الإسكندرية أربعة أشهر، وأهلُها يقاتلون مع صلاح الدِّين، ويقوُّونه بالمال، وبلغ أسد الدين، فجمع عَرَبَ البلاد، وسار إلى الإسكندرية، فعاد شاور إلى القاهرة وراسل أسدَ الدِّين، وأعطاه إقطاعًا بمصر، وعَجَّل له مالًا، فعاد إلى الشَّام، وصلاح
стр. 10074
الدين معه، واعتذر إلى نور الدين بكثرة الفرنج والمال، ورأى صلاح الدين لأهل الإسكندرية ما فعلوا، فلما ملك أَحْسَنَ إليهم، [وسنذكره] (١).
ثمَّ إنَّ الفرنج طلبوا من شاور أن يكون لهم شِحْنة بالقاهرة، ويكون أبوابها بأيدي فُرْسانهم، ويحمل إليهم في كلِّ سنة مئة ألف دينار، ومن سكن منهم بالقاهرة يبقى على حاله، ويعود بعض ملوكهم إلى السَّاحل، فأجابهم، وهذا كله تقرَّر والعاضد لا يعلم بشيء منه، وسار بعضُ الفرنج إلى السَّاحل.
وكان نورُ الدِّين ينظر من سِتْرٍ رقيق، ويخاف على مِصْر من غَلَبة الفرنج عليها، فسار بعساكره إلى السَّاحل، ففتح المُنَيطِرة، وقلاعًا كثيرة، فخاف كلُّ مَنْ بمصر من الفرنج، فعادوا إلى السَّاحل، ثمَّ طمعوا في مِصْر، وعادوا إليها سنة أربع وستين [وخمس مئة] (١)، وسنذكره إنْ شاء الله تعالى.
وفيها احترقت اللَّبَّادين وباب السَّاعات بدمشق حريقًا عظيمًا صار تاريخًا، وسببه أنَّ بعض الطَّبَّاخين أوقد نارًا عظيمة تحت قدر الهريسة ونام، فاحترق دُكَّانه، ولعبتِ النَّار في اللَّبَّادين، وتعدَّت إلى دورٍ كثيرة، ونُهِبَتْ أموالٌ عظيمة، وأقامت النَّار تلعبُ أيامًا كثيرة.
وفيها قدم [أبو حامد محمّد بن محمّد الأصفهاني الملقب بالعماد الكاتب إلى] (٢) دمشق، فأنزله القاضي كمال الدين الشَّهْرُزُوري بالمدرسة التي بناها نور الدين بنواحي باب الفرج [عند حمام القصير للشافعية] (١)، وهي تنسب إلى العماد، وإلى هلمَّ جَرَّا، ثمَّ ولاه إياها نُور الدِّين في سنة سبعٍ وستين [وخمس مئة] (١) بعد الفقيه ابن عبد، وكان بين العماد ونجم الدِّين أيوب وأسد الدين شيركوه معرفةٌ، لأنَّ عمه العزيز أحمد بن حامد اعتقله السُّلطان محمود [بن محمَّد بن محمَّد بن ملك شاه] (١) بقلعة تكريت لما كان نجم الدين واليها [وقد ذكرناه] (١) فانتسجت المودَّة بينهم من هناك، فلما قدم العماد دمشق بكَّرَ نجمُ الدين إلى زيارته بقصد تعظيمه بذلك، وكان صلاح الدين مع أسد الدين بمصر، فمدح العماد نجمَ الدِّين أيوب، فقال: [من البسيط]
стр. 10075
يومُ النَّوى ليس من عُمْري بمحسوبِ … ولا الفِراقُ إلى عَيشي بمنسوبِ
ما اخترتُ بُعدَك لكنَّ الزمانَ أتى … كَرْهًا بما ليس يا محبوبُ محبوبي
أرجو إيابي إليكم ظافرًا عَجِلًا … فقد ظَفِرْتُ بنجم الدِّين أيوبِ
موفَّقُ الرأي ماضي العَزْم مرتفعٌ … على الأعاجم طُرًّا والأعاريبِ
أحبَّك الله إذْ لازمتَ سَجْدَتَهُ … على جبينٍ بتاج الملك معصوبِ
أخوك وابنكَ عِزًّا منهما اعتصما … بالله والنَّصْر وعدٌ غيرُ مكذوبِ
هما همامان في يومَيْ وغىً وقِرىً … تعوَّدا ضربَ هامٍ أو عراقيبِ
ليستقرَّ بمصر يوسفٌ وبه … تَقَرُّ بعد التَّنائي عَينُ يعقوبِ
ويلتقي يوسفٌ فيها بإخوته … والله يَجْمَعُهُمْ من غير تَثْريبِ (١)
وفيها توفي
أحمد بن علي بن الزُّبير (٢)
القاضي الرَّشيد، أصله من أُسْوان، وسكن مِصْر، وكان من شعراء شاور وابنه الكامل، وله فيهما مدائح، إلا أنَّه لم ينجُ من شَرِّ شاور؛ اتهمه بمكاتبة أسد الدين، وأنه أعان عليه، فقتله، وله تصانيفُ حسان، منها كتاب "جِنان الجَنَان ورياض الأذهان" (٣)، ذيَّل به "اليتيمة"، وكان قد دخل اليمن، وهو القائل: [من الطويل]
تواصى على ظُلْمي الأنامُ بأَسْرهمْ … وأظلمُ مَنْ لاقيتُ أهلي وجيراني
لكلِّ امرئ شيطانُ جِنٍّ يكيده … بسُوءٍ ولي دون الورى ألفُ شيطانِ (٤)
وقال يمدح طلائع بن رُزِّيك: [من مجزوء الكامل]
جارى الملوكَ إلى العُلا … لكنهم ناموا وأَسْرَى
стр. 10076
سائِلْ به عَصَبَ النِّفا … قِ غداةَ أمسى القوم أَسْرى
قسمًا بمنْ طاف الحجيـ … ــــج ببيته شُعْثًا وغُبْرا
لولا طلائعُ لم نكن … نرجو لمَيتِ المُلْكِ نَشْرا (١)
[وفيها توفي] (٢)
الخضر بن شِبْل (٣)
ابن الحسين بن عبد الواحد، أبو البركات، [الدمشقي الشافعي، خطيب جامع دمشق، ومدرس الزاوية الغربية] (٤)، ويعرف بابن عبد، كان عارفًا بالأُصولين والمذهب، نَزِهًا، عفيفًا، ذا مروءة ظاهرة، وكرم وافر، دَيِّنًا صالحًا، ثقة صدوقًا.
ولد سنة ست وثمانين وأربع مئة، [وسمع شيوخ دمشق أبا القاسم النَّسيب، وأبا الحسن بن الموازيني، وأبا طاهر الحِنَّائي، وغيرهم، درس بالزاوية الغربية] (٢) وبالمدرسة المجاهدية، ووقف عليه نور الدين مدرسته التي بباب الفرج، ومنه انتقلت إلى العماد الكاتب.
ظَفَر بن الوزير (٥)
يحيى بن هُبَيرة، شَرَف الدِّين.
ناب عن والده في الوزارة، قال العماد: قال لي ابنُ الوزير يومًا ببغداد: قد وازنتُ قصيدةَ مهيار التي أوَّلها: [من الرمل]
بكَّر العارِضُ تحدوه النُّعامى … وسُقِيتِ الغيثَ يا دارَ أُماما
قال: فقلتُ:
أَخْلَفَ الغَيثُ مواعيدَ الخُزامى … فقفِ الأنضاء تستسقي الغَماما
стр. 10077
وأبحني ساعةً من عُمُري … أملأ الدَّار شكاةً وغراما
أصف الأشواق في (١) تلك الرُّبا … وأعاطي التُّرْب رَشْفًا والتثاما
يا ولاة الغَدْر ما دينُكُمُ … أحرامٌ فيه أنْ تقضوا الذِّماما
أنا مِنْ أَسْرِ الهوى في رِبْقةٍ … حكمتْ للحرِّ فيها أن يُساما
وطني حيثُ أناخَتْ عِيسُكُمْ … ومقامي حيثما اخترتم مقاما
ثمَّ قال لي: وازنها، فقلت: [من الرمل]
خَطَرَتْ تحملُ من سَلْمى سلاما … فانثنى يشكُرُ إنعام النُّعامى
مُغْرمٌ هاجت جواه نَسْمَةٌ … يا لها من نسمةٍ هاجتْ غراما
نفحةٌ أذكت بقلبي لفحةً … كلَّما هَبَّت له زادت ضِراما
يا لأوطاري فقد أَنْشرها … نشرها من بعد ما كانت رِماما
ذكَّرت ريحُ الصَّبا روحي الصِّبا … وزمانًا كنتُ بل كان غلاما
ونديمًا ليَ لم أندمْ به … يا رعاه الله من بين النَّدامى
قال ما أطيبَ أيام الصِّبا … قلتُ ما أطيَبَه لو كان داما
أنْجِداني فبنجْدٍ أَرَبي … حينَ غيري شامَ بالغَوْرِ الشآما
وانشُرا عنديَ أخبار الحِمى … فبأخبار الحِمَى قلبيَ هاما
ناظري من دمعتي في شُغُلٍ … فانظُرا عنيَ هاتِيكَ الخِياما
عَلِّلاني بأحاديثهم … فأحاديثُهمُ تَشْفي الأُواما
هذه أطلالهم تشكو الظَّما … فدعا الأَدْمُعَ تنهلُّ انسجاما
وقفا نَسْتَسْقِ جَدْوى ظَفَرٍ … فهو من بخَّلَ بالجود الغَماما
من أبيات.
وقد وازنها جماعةٌ، ولم يبلغ أحدٌ شأو مهيار في قوله: [من الرمل]
حَمِّلوا ريح الصَّبا نَشْرَكُمُ … قبل أن تحمل شيحًا وثماما
وابعثوا أشباحكم لي في الكرى … [إن أذنتم لجفوني أن تناما] (٢)
стр. 10078
ولما مات الوزير عزمَ ظفر على الخروج من بغداد، فَقُبضَ عليه، وقُتل، وأُخرج ميتًا في صفر، فحمل إلى أبيه، فدفن عنده.
محمَّد بن الحسن (١)
ابن علي، أبو المعالي بن حَمْدُون، الكاتب، كان فاضلًا فصيحًا، وله اختصاصٌ بالمستنجد، يجتمع به ويذاكره، وولاه ديوان الزِّمام، وكان كريمَ الأخلاق، حَسَنَ العِشْرة، وكتابه "التذكرة" (٢) كتابٌ نافع، وتوفِّي في ذي القَعْدة، ودُفِنَ بمقابر قريش، وكان صدوقًا ثِقَةً.
الموفق بن أحمد (٣)
ابن محمَّد الخُوارَزْمي، أبو المؤَيَّد، خطيب خوارزم، قدم بغداد حاجًّا سنة نيف وأربعين، وعاد إلى خوارزم، فتوفي بها، ولما حَجَّ رأى الخدم يُلْبِسُون الكعبة السِّجاف، فقال: [من البسيط]
أملبسَ البيت أستارًا ظواهرها … تبلى كما بليت يومًا بواطنُها
الله ألبسه من فَضْلِه خِلَعًا … يبلى الزمان (٤) ولا تبلى محاسنها (٥)
يحيى بن عبد الله (٦)
ابن القاسم، تاج الدِّين الشَّهْرُزوري.
كان فاضلًا شاعرًا، وكانت وفاته بالموصل، ومن شعره يوازن قصيدة مهيار التي يقول فيها: [من المتقارب]
стр. 10079
وعَطِّلْ كُؤوسك إلا الكبار … تجد للصِّغار أُناسًا صِغارا (١)
فقال يحيى: [من المتقارب]
وَسَقِّ الندامى عقيقيَّةً … تضيءُ فَتَحْسَبُ في الكأسِ نارا
تدور المسرَّة مَعْ كاسها … وتتبعُه حيث ما الكاسُ دارا
ولا عيبَ فيها سوى أنَّها … متى عَرَّسَتْ بحمى الهمِّ سارا
ستلقى ليالي الهموم الطِّوال … فبادِرْ ليالي السُّرور القِصارا
[فصل وفيها توفي
علي بن أبي سعد (٢)
الأَزَجي، الخَبَّاز، من باب الأَزَج.
ولد سنة خمس وثمانين وأربع مئة، وسمع الحديث، وتوفي في شعبان.
وسمع أبا القاسم بن الحُصَين وغيره، وروى عنه أشياخنا، وكان ثقة، وهو الذي روى عن أنس عن النبي ﷺ أنَّه قال: لما أخرج الله آدم من الجنة بكى عليه كل شيء إلا الذهب والفضة. الحديث (٣). وهذا الشيخ هو خال يحيى بن بَوْش] (٤).
السنة الثالثة والستون وخمس مئة
[ذكر جدي في "المنتظم" أن الورد ببغداد ابتاع في هذه السنة مئة] (٥) رطل بقيراط وحبة. [وقال غيره: وفي هذه السنة] (٦) زاد ظلم أبي جعفر بن البلدي وزير الخليفة ومصادراته للكتَّاب والعُمَّال، وتتبّعه لأولاد ابن هُبيرة وابن رئيس الرُّؤساء وغيرهم
стр. 10080
خوفًا من التقدُّم، فساءتِ السُّمْعة وقَبُحَتِ السِّيرة، وتجبَّر تجبرًا زائدًا، ولبَّس على الخليفة [وتتبع من يقع إليه بما لا يريد،] (١) ولم يجد مانعًا يمنعه، ولا صادًّا يصدُّه، فاستغاثَ النَّاسُ منه إلى الله، ودعوا عليه، فأخذه الله أَخْذَ عزيزٍ مقتدر، فسلَّط عليه الحُمَّى المحرقة، وعسر البول والحصى، فكان يستغيث الليلَ والنَّهار، فلا يُغاث، ويداوى بأنواع الأدوية فلا تنجع [فيه] (١)، فقال بعضُهم: [من المنسرح]
قالوا أبو جعفر يبول الحصى … وليس يدرون فيه ما السِّرُّ
فقلتُ هذا مما يدلكُمُ … فيه على أنَّ وَجْهَه صَخْرُ
وفيها قطع نورُ الدين الفرات، واستولى على الجزيرة والرُّها، وعاد إلى مَنْبِج، وبها يَنَال بن حَسَّان، فأخذها منه، ثمَّ أعاده إليها، فقال العماد الكاتب: [من الكامل]
أدركتَ من أمر الزَّمانِ المُشْتهى … وَبَلغْتَ من نيل الأماني المُنْتهى
لا زِلتَ نورَ الدين في فَلك العُلى … ذا غُرَّةٍ للعالمين بها البها
كلُّ الأُمور وَهَتْ وأمرك مُبْرَمٌ … مُسْتَحْكِمٌ لا نَقْضَ فيه ولا وَهَا
ما صِينَ عنك الصِّينُ لو حاوَلْتَهُ … والمَشْرِقانِ فكيفَ منْبج والرُّها
يا محييَ العَدْلِ الذي في ظِلِّه … من عَدْله رعَتِ الأُسودُ مع المَهَا
محمودٌ المحمودُ مَنْ أيَّامُهُ … لبهائها ضحكَ الزَّمانُ وقَهْقها
ما للملوكِ لدى بهائك رَوْنَقٌ … وإذا بدَتْ شَمْسُ الضُّحى خَفي السُّها
أَتْعَبْتَ نَفْسك كي تنال رفاهةً … مَنْ ليس يتعب لا يعيش مُرَفَّها
ولك الفَخَارُ على الملوكِ ودونَهُمْ … أصبحتَ من كلِّ العيوب مُنَزَّها
وفيها فوض نور الدين أمر الرُّبُط والزَّوايا والأوقاف بدمشق وحماة وحمص وبَعْلَبكّ وغيرها إلى شيخ الشيوخ أبي الفتح عمر بن علي بن محمَّد بن حَمُّويه، وكَتَبَ له العماد منشورًا، [وذكره في "البرق الشامي"] (٢).
وفيها سَلَّمَ زينُ الدين علي كوجك المَوْصِل وبلادها إلى قُطْب الدِّين، وأخذ إرْبل، ومضى إليها، فتوفي بها، وولَّى قطبُ الدِّين المَوْصل مملوكَه فخر الدِّين عبد المسيح،
стр. 10081
فأساء السِّيرة [وسلك غير طريق زين الدَّين] (١)، فكرهه الناس، فلم تطل أيامه، [وسنذكره في سنة ست وستين وخمس مئة] (١).
وفيها توفِّي
ظافر بن القاسم (٢)
أبو منصور، الإسكندراني.
شاعر فاضل، ويقال له الحَدَّاد، قال يمدح قاضي الإسكندرية ويهنئه بشهر رمضان: [من مجزوء الكامل]
شهرُ الصِّيام بك المهنَّا … إذْ كان يُشْبه منك فنَّا
ما سار حولًا كاملًا … إلا ليسرق منك معنى
وينالَ منك كما ننا … لُ ويستفيدَ كما استفدنا
بهرتْ محاسِنُك الورى … فأعادتِ الفُصَحاءَ لُكْنا
والفَضْل أعظم بعضُ وصـ … ـــفِكَ فهو غايةُ ما وَجَدْنا
إنَّ الَّذي صَدَح الحما … مُ به ثناؤك حين غَنَّى
فتهَنَّ شهرك واستزدْ … بقدومه سَعْدًا ويُمْنا
فمكانُهُ من عامِهِ … كمكانِكَ المحروسِ مِنَّا (٣)
وقال: [من الوافر]
هي الدُّنيا فلا يَحْزُنْك … منها ولا من أَهلها سَفَهٌ وعابُ
أتطلبُ جيفةً لتنال منها … وتُنْكر أَنْ تُهارِشَكَ الكلابُ (٤)
стр. 10082
وأحضره الأمير ابن ظفر والي الإسكندرية ليَبْردَ له خاتمًا قد ضاق في خِنْصَره، فقال: [من السريع]
قَصَّر في أوصافك العالمُ … فاعْتَرَفَ النَّاثر والنَّاظِمُ
مَنْ يكنِ البحرُ له راحةً … يضيقُ عن خِنْصَرِهِ الخاتَمُ (١)
ودخل يومًا على الأمير، وفي حجره غزالٌ مستأنس، فقال له بعض الحاضرين: قل فيه شيئًا. فقال بديهًا: [من المتقارب]
عجبتُ لجرأة هذا الغزالِ … وأمرٍ تهيَّا له واعتمدْ
وأعجبْ به إذْ بدا جاثمًا … فكيف اطمأنَّ وأنتَ الأَسَدْ
فأمر له بعطاء (٢).
وكان على بابِ الأمير شِباكًا تمنع العصافير، فقال له ممتحنًا: قُلْ فيها شيئًا، فقال: [من المتقارب]
رأيتُ ببابك هذا المنيفِ … شِباكًا تُحيِّر مَنْ قد شَبَكْ
وفكَّرْتُ فيما جرى لي فقلتُ … مكانَ البحورِ يكونُ الشَّبَكْ (٢)
وقال: [من الطويل]
ألا رُبَّ من يلقاك في زِيِّ ناسكٍ … كسُفْيانٍ الثَّوريّ وابنِ عياضِ
يميلُ على مالِ الأنامِ كأنَّه … فريسةُ صيدٍ وهو ليثُ غياضِ
فيا مَنْ يرى أنَّ الرِّياءَ وسيلةٌ … تَنَبَّهْ فما الرَّحمنُ عنكَ براضِ
وقيل: هي لغيره.
عبد الرَّحيم بن رُسْتم (٣)
أبو الفضائل الزَّنْجاني الشَّافعي، [قاضي بعلبك، تفقه ببغداد على أبي منصور الرَّزَّاز، وقدم] (٤) دمشق سنة تسع وثلاثين، ودرس بالزَّاوية الغربية في الجامع،
стр. 10083
وبالمدرسة المجاهدية، وكان فاضلًا، ولاه نورُ الدِّين قضاء بَعْلَبَكَّ، فأقام بها مُدَّة، وقُتِلَ بها، فَحُمِلَ إلى قاسيون، فدفن به.
عبد القاهر بن محمد (١)
ابن عبد الله بن محمد بن عبد الله عمُّويه (٢).
وقال ابنُ عساكر: عبد القاهر بن عبد اللهَ بن محمد بن عبد الله بن سَعْد بن الحسين بن القاسم بن النَّضْر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق رضوان الله عليه، أبو النَّجيب البغدادي السُّهْرَورْدِي، الفقيه الواعظ، الصُّوفي (٣).
وقال ابنُ السَّمْعاني: عبد القاهر بن عبد الله بن محمَّد بن عَمُّويه، وهو عبد الله بن سَعْد بن الحسن بن القاسم بن علقمة بن النَّضر بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق (٤).
وقال محمد بن القادسي: كان من ولد الأمير حسنويه الكُرْدي، ولم يكن بكريًّا، والله أعلم، نزل بغداد، وتفقَّه في النِّظامية زمانًا، ثم هَبَّ عليه نسيم الإقبال والتوفيق، فدلَّه على الطريق، فانقطع عن النَّاس مدة مديدة، ثم رجع، ودعا الخَلْقَ إلى الله تعالى، فرجع جماعةٌ كبيرة بسببه إلى الله تعالى، وأنشد: [من الكامل]
يا سادةً عمروا بقلبي منزلًا … يتعوَّضون به عن الجُدْرانِ
فتجمَّلوا ما دمتمُ سُكَّانه … فعمارةُ الأوطان بالسكان
وتعجبوا من شجو قَلْبِ المُبْتلى … سبحانَ من عافاكمُ وبلاني
وقال ابنُ عساكر: قدم بغداد وهو شابٌّ، وسمع بها الحديث وتفقَّه، ثم اشتغل بالزُّهد والمجاهدة حتَّى كان يستقي (٥) الماء ببغداد بالقربة، ويأكل من كَسْب يده، ثم
стр. 10084
وَعَظَ، وحصل له القَبُول، وولي مدرسة النِّظامية، وقدم دمشق سنة ثمانٍ (١) وخمسين، ووعظ بها وحدَّث، وعاد إلى بغداد، وعاد عازمًا على زيارة القُدْس، فلم يتفق لانفساخ الهُدْنة بين المسلمين والفرنج، وأكرمه نورُ الدِّين، وأقام بدمشق مُدَّةً يسيرة، ووعَظَ بها وحدَّث، وعاد إلى بغداد (٢).
وقال: ولدتُ بسُهْرَوَرْد سنة تسعين وأربع مئة، وتوفي ليلة السبت ثامن عشر جُمادى الأُولى (٣).
عبد الكريم بن محمَّد (٤)
ابن عبد الجبار، أبو سَعْد بن السَّمْعاني التَّميمي.
ولد بمرو في شعبان سنة ست وخمس مئة، ورحل إلى البلاد، وسمع الحديث، ودخل بغداد سنة اثنتين وثلاثين (٥)، وذَيَّل على تاريخ الخطيب، وكان يتعصَّب على مذهب الإمام أحمد رحمة الله عليه، ويبالغ، وطَعَنَ في جماعةٍ من أصحابه، فشفى غيظه في كتابه بما لا معنى له، فلم يُرْزق نشره لسوء قصده، فتوفي وما بلغ الأمل، ولو أن متتبِّعًا يتبَّع ما في كتابه من الأغاليط والأنساب المختلطة، ووفاة قوم هم في الحياة، لأخرج كثيرًا من الغلط، غير أنَّ الزَّمان أشرف من أن يضيع في مثل هذا، وكان مموَّهًا؛ فكان يأخذ الشيخ البغدادي، فيقعده فوق نهر عيسى، ويقرأ عليه، ويقول: حدثني فلان من وراء هذا النهر، ويأخذ آخر، ويقعده في رقة بغداد، ويسمع عليه، ويقول: حدَّثني فلان بالرَّقة، في أشياء من هذا الفن كثيرة.
ولما قدم ابن السمعاني دمشق نَزَلَ على ابنِ عساكر، وكان بينهما مؤانسة، قال ابنُ عساو: ثم عاد من دمشق إلى بغداد فسمع تاريخ الخطيب وذَيَّله، وعاد إلى خُراسان،
стр. 10085
وعبر النهر، وحدَّث ببَلْخ دهرًا، وصنَّف كتابًا سَمَّاه "فرط الغرام إلى ساكني الشَّام"، وأرسل به إلى دمشق، وهو بخطِّه في ثمانية أجزاء تشتمل على أخبار وحكايات، وكتبَ كتابًا بخطِّه فيه: [من المتقارب]
نسيمَ صَبا الوَجْد بَلِّغْ سلامي … إلى ساكني أرضِ نجدٍ وشامِ
زمانًا نعِمْنا بروضاتِ عَيشٍ … سَقَتْها الغوادي دموعَ الغَمَام
فماذا عليهم إذا ما قنعنا … برَجْعِ التَّحايا وَرَدِّ السَّلام (١)
ومات بمرو في ربيع الأول -أو الآخر- سنة اثنتين وستين وخمس مئة، وغير ابن عساكر يقول في هذه السنة.
قال المصنف ﵀: وقد ذيل أبو عبد الله محمد بن سعيد بن يحيى الدُّبيثي على ذيل بن السمعاني.
عليُّ بن بُكتِكين (٢)
زين الدِّين كوجك، التركي.
[وهو الَّذي حاصر بغداد مع محمَّد شاه وكان قصيرًا جدًّا فلذلك سمي كوجك، وكان] (٣) حاكمًا على المَوْصل وغيرها، عادلًا، حسنَ السيرة، كثير الأمانة، محافظًا على الأيمان والعهود، قليل الغدر، متجاوزًا عن الزلَّات، ميمون النَّقيبة، لم يُكْسر جيشق هو فيه، وكان بخيلًا، ثم إنه جادَ في آخر عمره، وبنى المدارس والرُّبُط والقناطر والجسور، وحكى أنَّ بعض الجند جاءه بذنب فرس، وقال: مات فرسي، فأعطاه، وأخذ ذلك الذنب، وجاءه آخر، وقال: مات فرسي، فأعطاه فرسًا، ولا زال يَتَدَاوَل ذلك الذنب اثنا عشر رجلًا وهو يعلم أَنَّه الأَوَّل، ويعطيهم الخيل، فلما أضجروه أنشد: [من الكامل]
ليس الغبي بسيِّدٍ في قومه … لكنَّ سيد قَوْمِهِ المتغابي (٤)