← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 10081–10120 · переход к 10086.

стр. 10081

فأساء السِّيرة [وسلك غير طريق زين الدَّين] (١)، فكرهه الناس، فلم تطل أيامه، [وسنذكره في سنة ست وستين وخمس مئة] (١). وفيها توفِّي ظافر بن القاسم (٢) أبو منصور، الإسكندراني. شاعر فاضل، ويقال له الحَدَّاد، قال يمدح قاضي الإسكندرية ويهنئه بشهر رمضان: [من مجزوء الكامل] شهرُ الصِّيام بك المهنَّا … إذْ كان يُشْبه منك فنَّا ما سار حولًا كاملًا … إلا ليسرق منك معنى وينالَ منك كما ننا … لُ ويستفيدَ كما استفدنا بهرتْ محاسِنُك الورى … فأعادتِ الفُصَحاءَ لُكْنا والفَضْل أعظم بعضُ وصـ … ـــفِكَ فهو غايةُ ما وَجَدْنا إنَّ الَّذي صَدَح الحما … مُ به ثناؤك حين غَنَّى فتهَنَّ شهرك واستزدْ … بقدومه سَعْدًا ويُمْنا فمكانُهُ من عامِهِ … كمكانِكَ المحروسِ مِنَّا (٣) وقال: [من الوافر] هي الدُّنيا فلا يَحْزُنْك … منها ولا من أَهلها سَفَهٌ وعابُ أتطلبُ جيفةً لتنال منها … وتُنْكر أَنْ تُهارِشَكَ الكلابُ (٤)

стр. 10082

وأحضره الأمير ابن ظفر والي الإسكندرية ليَبْردَ له خاتمًا قد ضاق في خِنْصَره، فقال: [من السريع] قَصَّر في أوصافك العالمُ … فاعْتَرَفَ النَّاثر والنَّاظِمُ مَنْ يكنِ البحرُ له راحةً … يضيقُ عن خِنْصَرِهِ الخاتَمُ (١) ودخل يومًا على الأمير، وفي حجره غزالٌ مستأنس، فقال له بعض الحاضرين: قل فيه شيئًا. فقال بديهًا: [من المتقارب] عجبتُ لجرأة هذا الغزالِ … وأمرٍ تهيَّا له واعتمدْ وأعجبْ به إذْ بدا جاثمًا … فكيف اطمأنَّ وأنتَ الأَسَدْ فأمر له بعطاء (٢). وكان على بابِ الأمير شِباكًا تمنع العصافير، فقال له ممتحنًا: قُلْ فيها شيئًا، فقال: [من المتقارب] رأيتُ ببابك هذا المنيفِ … شِباكًا تُحيِّر مَنْ قد شَبَكْ وفكَّرْتُ فيما جرى لي فقلتُ … مكانَ البحورِ يكونُ الشَّبَكْ (٢) وقال: [من الطويل] ألا رُبَّ من يلقاك في زِيِّ ناسكٍ … كسُفْيانٍ الثَّوريّ وابنِ عياضِ يميلُ على مالِ الأنامِ كأنَّه … فريسةُ صيدٍ وهو ليثُ غياضِ فيا مَنْ يرى أنَّ الرِّياءَ وسيلةٌ … تَنَبَّهْ فما الرَّحمنُ عنكَ براضِ وقيل: هي لغيره. عبد الرَّحيم بن رُسْتم (٣) أبو الفضائل الزَّنْجاني الشَّافعي، [قاضي بعلبك، تفقه ببغداد على أبي منصور الرَّزَّاز، وقدم] (٤) دمشق سنة تسع وثلاثين، ودرس بالزَّاوية الغربية في الجامع،

стр. 10083

وبالمدرسة المجاهدية، وكان فاضلًا، ولاه نورُ الدِّين قضاء بَعْلَبَكَّ، فأقام بها مُدَّة، وقُتِلَ بها، فَحُمِلَ إلى قاسيون، فدفن به. عبد القاهر بن محمد (١) ابن عبد الله بن محمد بن عبد الله عمُّويه (٢). وقال ابنُ عساكر: عبد القاهر بن عبد اللهَ بن محمد بن عبد الله بن سَعْد بن الحسين بن القاسم بن النَّضْر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق رضوان الله عليه، أبو النَّجيب البغدادي السُّهْرَورْدِي، الفقيه الواعظ، الصُّوفي (٣). وقال ابنُ السَّمْعاني: عبد القاهر بن عبد الله بن محمَّد بن عَمُّويه، وهو عبد الله بن سَعْد بن الحسن بن القاسم بن علقمة بن النَّضر بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق (٤). وقال محمد بن القادسي: كان من ولد الأمير حسنويه الكُرْدي، ولم يكن بكريًّا، والله أعلم، نزل بغداد، وتفقَّه في النِّظامية زمانًا، ثم هَبَّ عليه نسيم الإقبال والتوفيق، فدلَّه على الطريق، فانقطع عن النَّاس مدة مديدة، ثم رجع، ودعا الخَلْقَ إلى الله تعالى، فرجع جماعةٌ كبيرة بسببه إلى الله تعالى، وأنشد: [من الكامل] يا سادةً عمروا بقلبي منزلًا … يتعوَّضون به عن الجُدْرانِ فتجمَّلوا ما دمتمُ سُكَّانه … فعمارةُ الأوطان بالسكان وتعجبوا من شجو قَلْبِ المُبْتلى … سبحانَ من عافاكمُ وبلاني وقال ابنُ عساكر: قدم بغداد وهو شابٌّ، وسمع بها الحديث وتفقَّه، ثم اشتغل بالزُّهد والمجاهدة حتَّى كان يستقي (٥) الماء ببغداد بالقربة، ويأكل من كَسْب يده، ثم

стр. 10084

وَعَظَ، وحصل له القَبُول، وولي مدرسة النِّظامية، وقدم دمشق سنة ثمانٍ (١) وخمسين، ووعظ بها وحدَّث، وعاد إلى بغداد، وعاد عازمًا على زيارة القُدْس، فلم يتفق لانفساخ الهُدْنة بين المسلمين والفرنج، وأكرمه نورُ الدِّين، وأقام بدمشق مُدَّةً يسيرة، ووعَظَ بها وحدَّث، وعاد إلى بغداد (٢). وقال: ولدتُ بسُهْرَوَرْد سنة تسعين وأربع مئة، وتوفي ليلة السبت ثامن عشر جُمادى الأُولى (٣). عبد الكريم بن محمَّد (٤) ابن عبد الجبار، أبو سَعْد بن السَّمْعاني التَّميمي. ولد بمرو في شعبان سنة ست وخمس مئة، ورحل إلى البلاد، وسمع الحديث، ودخل بغداد سنة اثنتين وثلاثين (٥)، وذَيَّل على تاريخ الخطيب، وكان يتعصَّب على مذهب الإمام أحمد رحمة الله عليه، ويبالغ، وطَعَنَ في جماعةٍ من أصحابه، فشفى غيظه في كتابه بما لا معنى له، فلم يُرْزق نشره لسوء قصده، فتوفي وما بلغ الأمل، ولو أن متتبِّعًا يتبَّع ما في كتابه من الأغاليط والأنساب المختلطة، ووفاة قوم هم في الحياة، لأخرج كثيرًا من الغلط، غير أنَّ الزَّمان أشرف من أن يضيع في مثل هذا، وكان مموَّهًا؛ فكان يأخذ الشيخ البغدادي، فيقعده فوق نهر عيسى، ويقرأ عليه، ويقول: حدثني فلان من وراء هذا النهر، ويأخذ آخر، ويقعده في رقة بغداد، ويسمع عليه، ويقول: حدَّثني فلان بالرَّقة، في أشياء من هذا الفن كثيرة. ولما قدم ابن السمعاني دمشق نَزَلَ على ابنِ عساكر، وكان بينهما مؤانسة، قال ابنُ عساو: ثم عاد من دمشق إلى بغداد فسمع تاريخ الخطيب وذَيَّله، وعاد إلى خُراسان،

стр. 10085

وعبر النهر، وحدَّث ببَلْخ دهرًا، وصنَّف كتابًا سَمَّاه "فرط الغرام إلى ساكني الشَّام"، وأرسل به إلى دمشق، وهو بخطِّه في ثمانية أجزاء تشتمل على أخبار وحكايات، وكتبَ كتابًا بخطِّه فيه: [من المتقارب] نسيمَ صَبا الوَجْد بَلِّغْ سلامي … إلى ساكني أرضِ نجدٍ وشامِ زمانًا نعِمْنا بروضاتِ عَيشٍ … سَقَتْها الغوادي دموعَ الغَمَام فماذا عليهم إذا ما قنعنا … برَجْعِ التَّحايا وَرَدِّ السَّلام (١) ومات بمرو في ربيع الأول -أو الآخر- سنة اثنتين وستين وخمس مئة، وغير ابن عساكر يقول في هذه السنة. قال المصنف ﵀: وقد ذيل أبو عبد الله محمد بن سعيد بن يحيى الدُّبيثي على ذيل بن السمعاني. عليُّ بن بُكتِكين (٢) زين الدِّين كوجك، التركي. [وهو الَّذي حاصر بغداد مع محمَّد شاه وكان قصيرًا جدًّا فلذلك سمي كوجك، وكان] (٣) حاكمًا على المَوْصل وغيرها، عادلًا، حسنَ السيرة، كثير الأمانة، محافظًا على الأيمان والعهود، قليل الغدر، متجاوزًا عن الزلَّات، ميمون النَّقيبة، لم يُكْسر جيشق هو فيه، وكان بخيلًا، ثم إنه جادَ في آخر عمره، وبنى المدارس والرُّبُط والقناطر والجسور، وحكى أنَّ بعض الجند جاءه بذنب فرس، وقال: مات فرسي، فأعطاه، وأخذ ذلك الذنب، وجاءه آخر، وقال: مات فرسي، فأعطاه فرسًا، ولا زال يَتَدَاوَل ذلك الذنب اثنا عشر رجلًا وهو يعلم أَنَّه الأَوَّل، ويعطيهم الخيل، فلما أضجروه أنشد: [من الكامل] ليس الغبي بسيِّدٍ في قومه … لكنَّ سيد قَوْمِهِ المتغابي (٤)

стр. 10086

فعرفوا أنَّه قد علم، فلم يرجعوا إليه، ولما كبر طرش وقَلَّ نظره، فسلَّم البلاد إلى قُطْب الدِّين، وقال: إنك لا تنتفع بي، فقد كبرت وهرمت، وضَعُفَتْ قوَّتي، وخانني سمعي وبصري. وكانت إرْبل له، أعطاه إياها أتابك زَنْكي، فمضى إليها، وأقام بها حتَّى توفي في ذي الحِجَّة، وكانت أيامه على المَوْصِل إحدى وعشرين سنة ونصفًا، ولم يخلف شيئًا لأَنَّه أنفقه في أبواب البر [والصدقات] (١) ولما توفي كان الحاكمُ بإرْبل خادِمَهُ مجاهد الدين قيماز، وملك بعده ولده زين الدين يوسف بن علي، ثم [ملك بعده] (١) مظفر الدين كُوكُبُوري [بن زين الذين، وسنذكره] (١). محمَّد بن إسحاق (٢) ابن محمَّد بن هلال الصَّابي، من ولد غرس النعمة صاحب التاريخ. ولد سنة إحدى وثمانين وأربع مئة، وولي ديوان الزّمام للمقتدي، وله ترسُّلٌ وكلامٌ فصيح، وهو من بيت الفَضْل والرياسة والكتابة، وتوفي في بغداد في شوال، وكان ثِقَةً. محمد بن (٣) عبد الحميد (٤) أبو الفَتْح، علاء الدِّين الرَّازي، العالم السَّمَرْقندي، صاحب "التعليقة" و"المعترض والمختلف" على مذهب أبي حنيفة. وكان من فُرسان الكلام، قدم بغداد، وناظر وبَرَعَ، وفاق أهلها، وكان شحيحًا بكلامه، فكانوا يوردون عليه أسئلة وهو عالم بأجوبتها، فيكاد ينقطع ولا يذكرها لأحد لئلا تستفاد منه، وقيل: إنَّه تنسَّك، وتَرَكَ المناظرة، واشتغل بالخير إلى أن مات.

стр. 10087

هبة الله بن الحسن (١) ابن هبة الله، أبو الحسين الدمشقي، [أخو الحافظ ابن عساكر، وكان هبةُ الله أسنَّ من الحافظ] (٢). ولد سنة ثمانٍ وثمانين وأربع مئة، وسافر إلى بغداد، [وتفقه على أسعد المِيهني، وسمع من أصحاب التنوخي والبرمكي وغيرهما، وتفقه بالشام أيضًا على الفقيه نصر] (٢) ودرس بالزَّاوية الغربية بجامع دمشق، وبالمدرسة الأمينية، وسمع منه أخوه الحافظ ابن عساكر، وكان غزير العِلْم، كبير القدر، [وكان] (٢) يَفْضُلُ على أخيه، وتوفي بدمشق. هبة الله بن محفوظ (٣) ابن الحسن أبو الغنائم، ابن صَصْرى، الدِّمَشْقي، التَّغلبي. قَبِلَ القُضاة قوله وله عشرون سنة، وسمع الحديث الكثير، وكانت وفاته بدمشق، ودفن بباب توما عند أهله. [سمع شيوخ الشام، أبا محمد بن طاوس وطبقته، وتفقه على أبي الحسن السُّلَمي] (٢) وكان صالحًا، متصدِّقًا، دَيِّنًا، ثِقَةً. فصل: وفيها توفي يوسف بن عبد الله (٤) ابنُ بُنْدار، الدِّمشقي الكبير. تفقَّه ببغداد على أسعد المِيهَني، وبرع في المناظرة، ودرَّس بالنِّظامية وبغيرها، وكان كبير القَدْر، بعثه المستنجد إلى شملة التركماني رسولًا، فمات هناك في شوال.

стр. 10088

وله واقعات عجيبة ببغداد حكاها أشياخنا، منها أنَّه كانت له بغلة حرون، ركبها يومًا، فدخلت به في درب لا تنفذ، وكان يوسف قصيرًا مدورًا بعمامة كبيرة وثوب واسع الكمين، فجعل يضرب البغلة وهي تحتك بالحائط ولا تزول من مكانها، فقال: فَعَل الله بالغلام وصنع، كم أقول له: استعمل هذه البغلة تحت الرَّاوية حتَّى تلين آذانها، وهو لا يقبل. وهناك امرأة مُطِلَّةٌ من روزنة، فقالت له: يا فقيه، فذي ما تحمل دلو، فكيف تحمل راوية؟! فخجل، ونزل من عليها، وساقها بين يديه. ومنها: أنَّه اجتاز يومًا بمحلة قَرَاح أبي الشَّحم، فنبحته كلاهما، فقال: قبَّح الله كلاب هذه المحلَّة، فما أكثرها وأضراها! فقالت امرأة من طاقة: نعم، وكلهم اليوم غرباء. ومنها أنَّه اجتاز على جماعة، فسلَّم عليهم، فلم ينصفوه، فقال لغلامه: ما ترى هؤلاء التيوس؟ فقال واحد منهم: الله يحفظك يا أبانا. ومن هذا شيء كثير. السنة الرَّابعة والستون وخمس مئة في المحرَّم ملك نورُ الدِّين محمود قلعة جَعْبر، خرج صاحبها ابنُ مالك العُقَيلي يتصيَّد، فأخذه بنو كلب، وذهبوا به إلى نور الدين، فأحسن إليه وأكرمه، وقال: أنتَ عاجز عن حِفْظها، فاخترْ مهما شِئْتَ من الإقطاعات والبلاد. فامتنع، فأرسل إليها نور الدين فخر الدين مسعود بن الزَّعفراني ومجد الدِّين بن الدَّاية، فحاصراها، فلم يقدرا عليها، ثم إن صاحبها طلب من نور الدين سَرُوج وأعمالها ومالًا، فأعطاه وتسلمها. وهذه القلعة ما زالت في يد بني مالك من أيام السُّلْطان ملك شاه إلى هذه السنة، وبلغ نور الدين أنهم كان لهم رجال يقطعون الطريق. وفي صفر خرج الفرنج من عَسْقلان والسَّاحل طالبين الدِّيار المِصْرية، فنزلوا [على] (١) بِلْبِيس، وأغاروا على الرِّيف، فقتلوا وأسروا، فأخرج شاور مَنْ كان بالقاهرة من الفرنج، وقَتَلَ البعض وهرب الباقون، وأمر شاور أهل مصر بأن ينتقلوا إلى

стр. 10089

القاهرة، وأحرق مِصر، وسار الفرنج [من] (١) بِلبْيس، فنزلوا على القاهرة في تاسع صفر، وضايقوها، وضربوها بالمجانيق، فلم يجد شاور بُدًّا أن كاتب نورَ الدين بأمر العاضد، وكان الفرنج لما وصلوا إلى مصر في المرَّتين الأوليين اطَّلعوا على عوراتها، وطمعوا فيها، وعلم نور الدين، فاسترجع وخاف عليها، وجاءته كُتُبُ العاضد وشاور فقال نور الدين لأسد الدين: خُذِ العساكر وتوجَّه إليها، وقال لصلاح الدين: اخرج معه. فامتنع، وقال: يا مولانا ما يكفي ما لقينا من الشَّدائد! فقال: لابُدَّ من خروجك. فما أمكنه مخالفة نور الدين. فساروا إلى مِصْر، وبلغ الفرنج، فرجعوا إلى السَّاحل، وقيل: إنَّ شاور أعطاهم مئة ألف دينار، وجاء أسد الدين فنزل على باب القاهرة، فاستدعاه العاضد إلى القَصْر، وخلع عليه في الإيوان خِلَع الوزارة، وسُرَّ أهل مصر بوصوله. وقيل: إنَّه لم يستدعه، وإنما بعث إليه بالخِلَع والأموال والإقامات وللأمراء الذين معه، وأقام مكانه وأربابُ الدَّولة يتردَّدون إلى خِدْمته كلَّ يوم، ولم يقدر شاور على منعهم لكثرة العساكر وكون العاضد مائلًا إلى أسد الدين، فكاتَبَ الفرنج، واستدعاهم، وقال: يكون مجيئكم إلى دمياط في البحر والبر. وبلغ أعيانَ دولة المِصْريين، فاجتمعوا عند أسد الدين، وقالوا: شاور [هو] (١) فساد العباد والبلاد، وقد كاتَبَ الفرنج، وهو يكون سبب هلاك الإسلام. ثم إنَّ شاور خاف لما تأخَّر وصول الفرنج، [فشرع] (٢) في عمل دعوة لأسد الدِّين والأُمراءِ ويقبضهم، فنهاه ابنه الكامل، وقال: واللهِ لئن لم تنته عن هذا الأمر لأعرِّفن أسد الدين. فقال له شاور: والله لئن لم أفعل هذا لنُقتلن كلنا. فقال: [له ابنه] (١): لأن نقتل والبلاد بيد المسلمين خيرٌ من أن نُقْتَلَ والبلاد بيد الفرنج. وكان شاور قد شَرَطَ لأسد الدين ثُلُثَ البلاد، فأرسل [أسد الدين] (١) يطلب منه المال، فجعل يتعلَّل ويماطل وينتظر وصولَ الفرنج إلى البلاد، فقتلوه، وسنذكره [في موضعه] (١) إن شاء الله تعالى.

стр. 10090

ولما قُتِلَ بَعَثَ العاضد منشورًا بالوزارة لأسد الدِّين بخطِّ الفاضل، وعليه بخطِّ العاضد ما صورته: هذا عهدٌ لم يعهد إلى وزيرٍ بمثله، فتقفَد ما أراك الله أهلًا بحمله، وخُذْ كتابَ أمير المؤمنين بقوَّة، واسحَبْ ذيل الافتخار بأنِ اعْتَرف بخدمتك بيتُ النُّبوة، والتزمْ حقَّ الأمانة تجدْ إلى الفوز سبيلًا ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]. وأرسل العاضد نسخةَ الأَيمان إلى أسد الدين، وحَلَفَ كلُّ واحدٍ منهما لصاحبه على الوفاء والطَّاعة والصَّفاء، فتصرَّف أسدُ الدين شهرين ومات، ولما احْتُضر أوصى إلى ابنِ أخيه صلاح الدين، فاختلف عليه جماعةٌ من الأُمراء عقيب وفاةِ أسد الدين، وبلغ نورَ الدينْ اتِّفاقُ الأمراء على صلاح الدين، فقال له الملك المُعَظَم تورانشاه بن أيوب، وكان أسنَّ من صلاح الدِّين: يا مولانا أريد أن أسير إلى أخي. فقال له: إنْ كنتَ تسير على مِصْر وترى يوسف أخاك بعين أنَّه كان يقف في خدمتك وأنت قاعد فلا تسير، فإنك تفسد العباد والبلاد، فتحوجني إلى عقوبتك بما تستحقه، وإن كنتَ تسير إليه، وترى أنَّه قائم مقامي، وتخدمه كما تخدمني، وإلا فلا تذهب إليه. فقال: يا مولانا سوف يبلغك ما أفعل من الخدمة والطَّاعة. وسار إلى مصر، فتلفاه صلاحُ الدين من بِلْبِيس وخدمه، وقدَّم له المال والخيل والتُّحف، وأقام على أحسن حال، وفعل ما ضمن لنور الدين. وكان للعاضد خادمٌ يقال له مؤتمن الخلافة، وكان مُقَدَّم السُّودان والخدم، والمشار إليه في القَصْر، فأمر بقتال الغُزِّ، واتَّفق العسكر المِصْري مع الخادم وثاروا على الغُزِّ، فقتلوا منهم جماعة، فركب صلاح الدِّين وشمس الدولة، ودخلا إلى باب القصر، وأبلى شمس الدولة بلاءً حسنًا، وقتل الخادمَ وجماعة من السودان، فأرسل العاضد إلى صلاح الدين يتعتَّب عليه، ويقول: فأين أمانتُكُم؟ هذا الخادم جاهل، فَعَلَ ما فعل بغير أمرنا. فقال صلاحُ الدين: نحن على الأَيمان والعهود ما نتغير، وما قتلنا إلا مَنْ قَصَدَ قتلنا.

стр. 10091

وفيها توفي [صاحب دمشق] (١) أبق بن محمّد (٢) ابن بوري بن أتابك طُغْتكين؛ مجير الدِّين، وهو آخر ولد طغتكين، وكان لطغتكين تاجُ الملوك بوري، فولد بوري إسماعيل ومحمود ومحمد، ولما ماتَ بوري ملك بعده ولده إسماعيل، فَقُتِلَ لفساده، وولي بعده أخوه محمود. فقتل، فولي بعده أخوه محمد، فمات، فولي بعده ابنه مجير الدين أبق بن محمد، ومات ببغداد، ودفن بداره التي عند النظامية، وبلغ نور الدين، فقعَدَ له في العزاء، [وقد ذكرنا سيرته] (٣). حميد بن مالك (٤) ابن مُغْيث بن نَصْر بن مُنْقِذ، أبو الغنائم الكِناني. ولد بشَيزر سنة إحدى وتسعين وأربع مئة، ونشأ بها، ثم انتقل عنها وسكن دمشق مُدَّةً، وكان قارئًا للقرآن، فاضلًا عفيفًا أديبًا، قال في وصف دمشق: [من البسيط] ما بعد جِلِّقَ للمُرْتادِ منزلةٌ … ولا كسُكَّانها في الأرض سُكَّانُ فكلُّها لمجال الطَّرْفِ مُنْتَزَهٌ … وكلُّهم لصروف الدَّهْرِ أقرانُ وهم وإنْ بَعُدُوا مني بِنِسْبتهم … إذا بَلَوْتُهُمُ بالوُدِّ إخوانُ ومات أخوه يحيى فرثاه، وقال: [من الطويل] يذكِّرُني يحيى الرِّماح شوارعًا … وبيض المواضي جُرِّدَتْ للوقائعِ فأقسمُ ما رؤياه في العين بهجةً … بأحسنَ مِنْ أوصافِهِ في المسامعِ وكانت وفاته بحلب ليلة نصف شعبان.

стр. 10092

سَعْد الله بن نَصْر (١) ابن سعيد، أبو الحسن بن الدَّجاجي، الواعظ الحنبلي البغدادي. ولد في رجب سنة ثمانين وأربع مئة، وتفقَّه وناظر، وكان حلو الإيراد، كثير المطالعة، فصيحًا، خاف من الخليفة لحادثٍ نزل به، قال: فرأيت في المنام قائلًا يقول: [من الكامل] ادفعْ بصَبْرِكَ حادثَ الأَيَّامِ … وتَرَجَّ لُطْفَ الواحد العَلَّامِ لا تأيسنَّ وإنْ تضايق كُرْبُها … ورماكَ رَيْبُ صُرُوفها بسِهامِ فله تعالى بين ذلك فَرْجةٌ … تخفى على الأبصار والأَوهام كم مَنْ نجا مِن بين أطراف القَنا … وفريسةٍ سَلِمتْ من الضِّرْغامِ وسئل عن أخبار الصِّفات، فقال: لا تتعرض لها يا عديم، وعليك بالرِّضا والتسليم، وأنشد: [من الطويل] أبي العاتبُ الغضبانُ يا نفس أَنْ يرضى … وأنتِ التي صَيَّرْتِ طاعته فَرْضا فلا تهجري من لا تطيقين هَجْرَهُ … وإنْ هَمَّ بالهِجْرانِ خَدَّك والأَرْضا وكانت وفاته في شعبان، ودفن عند رباط الزَّوْزني، ثم نُبِشَ بعد خمسة أيام، ونقل إلى مقابر الإمام أحمد رحمة الله عليه، وكان دينًا عفيفًا ثقة. شاور بن مجير السَّعْدِي وزير الدِّيار المِصْرية [وقد ذكرنا وقائعه إلى هذه السنة، و (٢)] كان جَبَّارًا لا ينظر في عاقبة، سفَاكًا للدِّماء، ممدَّحًا، [وقد مدحه عمارة اليمني الشاعر بقصائد.

стр. 10093

ذكر مقتله: قد ذكرنا أنَّه عزم على عمل دعوة لأسد الدين والأمراء، ثم يقتلهم، وأن ابنه الكامل نهاه، (١)] واختلفوا في كيفية مقتله على أقوال: أحدها أنَّ الأمراء اتفقوا على قتله لما علموا بمكاتبته الإفرنج، وأَنَّ أسد الدّين تمارض، وكان شاور يخرج إليه كل يوم، والطَّبْل والبوق يضرب بين يديه على عادة وزراء مصر، فجاء ليعودَ أسدَ الدين، فقتلوه. و [القول] (١) الثاني أن صلاح الدِّين وجُرْديك اتَّفقا على قَتْله، وأخبرا أسد الدين، فنهاهما، وقال: لا تفعلا، فنحن في بلاده ومعه عسكرٌ عظيم. فسكتا، واتفق أنَّ أسد الدين ركب إلى زيارة الشَّافعي رحمة الله عليه، فأقام عنده، وجاء شاور على العادة إلى أسد الدين، فالتقاه صلاحُ الدين وجُرْديك، وقالا: هو في الزّيارة، انزل. فامتنع، فجذباه، فوقع إلى الأرض، فقتلاه. و [القول] (١) الثالث أنهما لما جذباه لم يمكنهما قتله بغيرِ أمر أسد الدِّين، وسحبه الغِلْمان إلى الخيمة، وانهزمَ أصحابه إلى القاهرة ليجيِّشوا عليهم، وعلم أسدُ الدين، فعاد مُسْرعًا، وجاء رسولٌ من العاضد برقعة يطلبُ من أسد الدِّين رأسَ شاور، وتتابعتِ الرُّسُل، وكان أسد الدين قد بعث إلى شاور مع الفقيه عيسى يقول: لك في رقبتي أيمان، وأنا خائف عليك من الَّذي عندي، فلا تجئ. فلم يلتفت، وجاء على العادة، فجذبوه، وألقوه عن فرسه، وأدخله جُرْديك إلى الخيمة، وحَزَّ رأسه، فلما عاد أسد الدين استرجع، وبعث برأسه إلى العاضد، فَسُرَّ به، ودعا العاضد ولدَ شاور الكامل، فقتله في الدِّهليز، وقتل أخاه، واستوزر أسد الدِّين، وذلك في ربيع الآخر (٢). شِيرْكُوه أسد الدين (٣) [عم صلاح الدين] (١). أقام في الوزارة شهرين وأيامًا، لأنه وَزَرَ في سابع عشر ربيع الآخر، وتوفي فجأة يوم السبت ثاني عشر جُمادى الآخرة، [وكانت وزارته شهرين وخمسة أيام] (١)، وكان كثير الأكل للحوم

стр. 10094

الغليظة، فكانت تتواتر عليه التُّخَم والخوانيق، فاعتراه خانوقٌ عظيم، فقتله، ودُفِنَ بظاهر القاهرة إلى أن مات أخوه نجم الدِّين أيوب، فحملا جميعًا إلى مدينة النَّبيِّ ﷺ ، فدفنا في رباطيهما، وكان قد أوصى إلى ابنِ أخيه صلاح الدين، فاختلفَ الأُمراء عليه، منهم عز الدين الياروقي رأس الأتراك، وسيف الدين [علي بن أحمد الهكاري] (١) المشطوب ملك الأكراد، وشهاب الدِّين محمود صاحب حارم؛ وهو خال صلاح الدين، وجماعة، وكلُّ واحدٍ منهم رام أن يكونَ له الأمر، فبادر العاضد، واستدعى صلاحَ الدين، وخَلَعَ عليه في الإيوان خِلْعة الوزارة، وكتب عهده [كما فعل بأسد الدين] (٢)، ولقبه الملك النَّاصر - وقيل: إنما لقبه المستضيء بعد ذلك - وشَرَعَ الفقيه عيسى في تفريق البعض [عن البعض] (٢)، وأصلح الأمور لصلاح الدِّين، وبَذَلَ صلاحُ الدِّين الأموال، وأحسن إلى الجميع، فأطاعوه، وأقام نائبًا عن نور الدِّين، يُدْعى لنور الدين على المنابر بعد العاضد، ولصلاح الدين بعدهما. وذكر ابنُ عساكر أسدَ الدِّين، فقال: ولي دمشق مُدَّة، وقام بحرب الفرنج، وفتح حُصُونًا كثيرة، وكان شجاعًا مقدامًا، صارمًا، مهيبًا، وحَجَّ سنة خمسٍ وخمسين [وخمس مئة، وذكر فتوح مصر (٣). انتهت ترجمة أسد الدين، والحمد لله وحده، وصلى على أشرف خلقه محمد، ﷺ ] (٢). عبد الخالق بن أسد (٤) ابن ثابت، أبو محمَّد الدِّمَشْقي. كان عارفًا بالحديث، وتفقه على مذهب أبي حنيفة، ودرَّس بالصَّادرية بدمشق، وكان مُفْتيًا، وكانت وفاته بدمشق، ومن شِعْره: [من مجزوء الكامل] قال العواذِلُ ما اسم مَنْ … أَضْنى فُؤادك قلتُ: أَحمَدْ قالوا أَتَحْمَدُهُ وقد … أضنى فؤادك قلت: أَحْمَدْ

стр. 10095

محمد بن عبد الملك بن عبد الحميد (١) أصله من مَيَّافارِقين، وانتقل إلى بغداد، فأقام بها، وكان صالحًا زاهدًا، يتكلَّم على النَّاس بجامع الخليفة على السجَّادة قاعدًا، وربما قام على قدميه قائمًا، وكان يحفظ "نهج البلاغة"، وكان لكلامه في القلوب موقع، وتوفي في رجب ببغداد بباب أبرز، وعمره إحدى وسبعون سنة. وله نَظْمٌ ونَثْر، فمن ذلك: اللهم إنِّي أعوذُ بك من حركات الهوى واللهو، وسكنات البلادة والسَّهو، أطلعْ ثمارَ الأماني من أغصان آمالنا، لُمَّ بلُطْفك شَعَثَ أحوالنا. ولما حُوصرت بغداد، قال: عساكر الأقضية والأقدار مُحْدِقةٌ بأسوار الأعمار، تَهْدِمُها بمعاول اللَّيل والنهار، فلو أضاء لنا مِصْباحُ الاعتبار، لم يبق لنا سكونٌ ولا قَرَار. وقال: الخَلْوة لقومٍ سرور، ولآخرين غرور، ولا تنظروا إلى المَجَازِّيات الزَّائلات، وانظروا إلى الحقائق الدائمات. وقال: اللهم، سَلِّمْ القلوبَ من سُموم الهموم، بدِرْياق الثقة بالرِّزق المقسوم. ومن شعره: [من البسيط] يا مَنْ يرى خدمة السُّلْطان عُدَّته … ما أرْشُ كدِّكَ إلا الهَمُّ والنَّدمُ دعِ الملوكَ فخيرٌ من طِلابك ما … ترجوه عندهُمُ الحِرْمانُ والعَدَمُ إني أرى صاحِبَ السُّلْطان في ظُلَمٍ … ما مِثْلُهُنَّ إذا قاس الفتى ظُلَمُ فقلبُه تَعِبٌ والنَّفْس خائفةٌ … وعِرْضُه عُرْضة والدِّينُ منثلمُ (٢) السنة الخامسة والستون وخمس مئة فيها نزل الفرنج على دِمياط يوم الجُمُعة ثالث صفر، وجدُّوا في القتال، وأقاموا عليها ثلاثة وخمسين يومًا يضربونها بالمجانيق، ويزحفون عليها ليلًا ونهارًا، ووجَّه صلاحُ الدِّين إليها العساكر مع خاله شهاب الدِّين وتقيِّ الدِّين، وطلب من العاضد

стр. 10096

مالًا، فبعث إليه بشيءٍ كثير، فكان صلاحُ الدِّين يقول: ما رأيتُ أكرمَ من العاضد، جهَّز إليَّ في حصار الفرنج ألف ألف دينار سوى الثِّياب وغيرها. وأشغل نور الدِّين بلاد الفرنج بالغارات، ووقع فيهم الوباء والفناء، فرحلوا في ربيع الآخر (١) بعد أن مات منهم خَلْقٌ كثير. وفي رجب وصل نجمُ الدِّين أيوب إلى مِصْر، وكان صلاح الدين قد طلبه من نور الدين، فخرج صلاحُ الدين وجميعُ الأُمراء إلى لقائه، وترجَّل صلاحُ الدين والجميع، ومشوا في رِكابه، وقال له صلاح الدين: هذا الأمر لك، ونحن بين يديك. فقال له: يا بُني ما اختارك الله لهذا الأمر إلا وأنت أَهْل له. وحكَّمه في الخزائن، فكان يُطْلق ولا يردُّ أحدًا. وكَثُرَ فساد الغُزِّ، فكتب العاضد إلى نور الدين يسأله أن يكون صلاحُ الدين وأصحابه وخواصُّه مقيمين عنده، والباقون يرجعون إلى الشَّام، فلم يُجِبْه، وقال: هؤلاء فرسان الإسلام، وليس للفرنج إلا سهامهم. وكَتَبَ إلى صلاح الدين يكفُّهم عن الفساد. وفي شعبان سار نور الدِّين إلى الكَرَك، فنازله، وضربه بالمجانيق، واجتمع ملوك السَّاحل، وجاؤوه فتأخر إلى البَلْقاء. وفي شوال كانت بالشام زلازلُ هائلةٌ بحيث وقع مُعْظم دمشق وشرّافات الجامع، وتشقق رؤوس المنائر، وكانت تهتز مثل النخل في يوم ريحٍ عاصف، وكانت بحلب أعظم بحيث وقع نصف القلعة والبلد، فَهَلك من أهلها ثمانون ألفًا تحت الهَدْم، وتهدَّمت أسوارُ جميعِ القلاع، وخرج أهلُها إلى البراري. ووقعت قلعة حِصْن الأكراد، بحيث لم يبق للسُّور أثر، وكذا حماة وحمص، ولولا أن نور الدين كان بالبَلْقاء والفرنج في قتاله لسار وأخذ حِصْن الأكراد. وجاءه ما شغل قلبه من ناحية الشَّرْقِ ودمشق: أمَّا من [ناحية] (٢) الشرق فوفاة أخيه قُطْب الدين مودود بالمَوْصِل، وأمَّا [من] (٢) دمشق فوفاة العمادي، وكان نائبه في حلب وغيرها، وكانت له بَعْلبَكَّ وتدمر، وكان عزيزًا عنده، وصاحبه وحاجبه.

стр. 10097

وبلغه أيضًا وفاةُ مجد الدِّين ابن الدَّاية بحلب، وكان صاحبَ أمره، وسار نورُ الدِّين إلى حلب خوفًا عليها من العدو؛ لأن أسوارها تهدَّمت، وفَرَّق العساكر في القلاع خوفًا عليها من العدو؛ لأنها بقيت بغير أسوار. وفي الزلزلة يقول العماد: [من الخفيف] سَطْوَةٌ زَلْزَلَتْ بسُكَّانها الأَرْضَ … وهدَّت قواعِدَ الأَطْوادِ خَفَضَتْ منْ قلاعها كُلَّ عالٍ … وأعادَتْ قِلاعَها كالوادِ وكانت هذه الزلزلة عامةً في الدنيا، أخربت [قلاع المسلمين وبلادهم بالشَّام و (١)] حلب والعواصم وأنطاكية، ونزلت اللاذقية وجبلة، وجميعَ بلاد السَّاحل إلى الدَّاروم، و [يقال إنَّه] (١) لم يمت بدمشق إلا رجلٌ واحد أصابه حجرٌ وهو على دَرَج جيرون، لأنَّ أهلها خرجوا إلى الصَّحراء. ثم امتدَّت الزلزلة، وقطعت الفرات، فوصلت إلى المَوْصِل وسِنْجار ونَصِيبين والرُّها وحَرَّان والرَّقَّة ومارِدين وغيرها، وامتدت إلى بغداد وواسط والبَصْرة، وجميع بلاد العراق، ولم يَرَ النَّاس زلزلةً من أَوَّل الإسلام مِثْلَها أفنتِ العالم. وفيها أمر نور الدين بعِمارة جامع داريَّا القائم الآن، وكان قديمًا عند قُبَّة أبي سليمان الدّارَاني، فأحرقوه لما نزلت الفرنج على داريا في أيام مجير الدين أبق، فعمر نور الدين في هذه السنة هذا الجامع الَّذي في وسط القرية. [فصل: وفيها توفي [علي بن] هبة الله (٢) ابن محمد بن أحمد بن أبي البركات، البخاري، الفقيه الشافعي. تفقَّه ببغداد على أسعد المِيهني، وسمع أباه، وولي القضاء بقونية من بلد الروم.

стр. 10098

وابنه علي بن علي ولي القضاء ببغداد، وكنيته أبو طالب، وناب في الوزارة. ومات ابنه علي ببغداد في سنة ثلاث وتسعين وخمس مئة، وعقبه اليوم ببغداد قضاة، يقال لهم: بيت البخاري] (١). وفيها توفي الحسين بن محمد (٢) أبو المُظَفَّر بن السِّيبي البغدادي. كان يلي ضياعًا للخليفة من بلد قُوسان، فرُفِع إليه أنَّه خان، فحبسه، فكتب إلى أهله من الحبس لنفسه: [من الطويل] سلامٌ على أهلي وصَحْبي وجُلَّاسي … ومَنْ في فؤادي ذكرُهُم راسبٌ راسي أحبةَ قلبي قَلَّ صبريَ عنكُمُ … وزاد بكم وجدي وحُزْني ووسواسِي أعالجُ فيكمْ كلَّ همٍّ ولا أرى … لداءِ همومي غيرَ رؤيتكُمْ آسي خذوا الواكِفَ المِدْرار من فَيضِ أدْمُعي … وحَرّ لهيبِ النَّارِ من كَرْبِ أنفاسي لقد أبدتِ الأيَّامُ لي كلَّ شِدَّةٍ … تشيبُ لها الأكبادُ فَضْلًا عن الرَّاسِ أقول لقلبي والهمومُ تنوشُهُ … وقد حدَّثَتْه النَّفْسُ بالصَّبْر والياسِ وكيف اصطباري عنكُمُ وتجلُّدي … على فَقدكُمْ ويلي على قلبيَ القاسي ومَنْ لي بطيفِ منكُمُ أنْ يزورني … على الليلة الليلاء في جُنْحِ ديماسي (٣) حمَّاد بن منصور البُزَاعي (٤) ويعرف بالخرَّاط، شاعر فصيح، فمن شعره: [من الرجز]

стр. 10099

تَوَلَّعي يا نسماتِ نَجْدِ … بالشِّيح في ذاك الحِمى والرَّنْدِ لعلَّ رياكِ إذا ما نَفَحَتْ … يعودُ حَرُّ لَوْعتي ببَرْدِ أصبو إلى ريح الصَّبا لو أنها … تُهدي حديث الحيِّ فيما تُهدي اسأَلها هل صَافحتْ مواقفًا … أَوَدُّ لو صافَحْتُها بخدِّي أَسْتودعُ اللهَ بها قَلْبي فقد … طال به بعد الفِراق عَهْدِي كان معي قبل رحيلي عنهُمُ … ثُمَّ رَحَلْتُ وأقام بعدي لهفي على زمانِ قُرْبٍ ما وفي … بما أُلاقي من زمانِ البُعْدِ أبكي ويبكي رحمةً لي معشرٌ … ما عندهُمْ من الهوى ما عندي تجمَّعوا فيك على الحُبِّ معي … لكنني كُنْتُ المُعَنَّى وَحْدي ويلاه من شَوْقٍ تبيتُ نارُهُ … تشبُّ بين أَضْلُعي وجِلْدي يا بَينُ أنجَزْتَ وعيدي فمتى … تُنْجِزُ أيامُ الفقاء وَعْدي (١) وقال: [من المسرح] موسى هواكم ثم بجانبِ الطُّورِ … يسعى بقلبٍ في الحبِّ مكسورِ حيرانَ في ظُلْمة الرَّجاء فهل … نارُ انعطافٍ تُدْنيه من نورِ نادُوه سِرًّا بكُنْهِ سِرِّهُمُ … لُطْفًا وناجوه بالمعاذيرِ (٢) وقال: [من مجزوء المتقارب] تكلَّمَ بالأَدْمُع … وقال فلم تسمعي شكا بالبُكا لو رحمـ … ــــت شكوى فتى موجَعِ وأشفَقَ يوم النَّوى … على سِرِّه المُوْع ودلَّ بماء الجفون … على النَّار في الأَضْلُعِ (٣)

стр. 10100

طاووس أم المستنجد (١) كانت كثيرة الصَّدقات والمعروف، توفيت في ذي الحِجَّة، وحملت إلى ترب الرُّصافة، وكان الوزير وأربابُ الدولة قيامًا إلى السُّفن، وهي في الزَّبْزب، وجلس الوزير لها في العزاء ثلاثة أيام. علي بن ثَرْوان (٢) ابن زيد بن الحسن، أبو الحسن الكِنْدي، ابن عم تاج الدين الكندي. كان فاضلًا، أديبًا، حسن الخط، سكن دمشق، وتوفي بها، وحظي عند نور الدين، ومن شعره: [من الرمل] هَتَكَ الدَّمْعُ بصوبٍ هَتِنٍ … كلَّ ما أضمرتُ من سرٍّ خَفِي يا أخِلائي على الخَيفِ أما … تَتَّقونَ الله في حَثِّ المَطِيّ محمَّد بن إبراهيم بن هانئ (٣) أبو القاسم المغربي. من شعراء الدولة المِصْرية، ومن شعره: [من الرمل] امسحوا عن ناظري كحل السُّهادِ … وانفُضُوا عن مضجعي شوكَ القَتَادِ أَوْ خُذوا مني الَّذي أبقيتمُ … ما أُحب الجسمَ مسلوبَ الفُؤادِ هل تجيرون محبًّا من هوًى … أو تفكُّون أسيرًا من صِفاد

стр. 10101

فعلى الأيام من بعدكُمُ … ما على الثكلاء من لبس الحداد وحديثٍ عنكُمُ أكثره … عن نسيمِ الرِّيح أو بَرْقِ الغوادِ لم يزدنا القُرْبُ إلا هَجْرَهُ … فرضينا بالتَّنائي والبِعادِ وقال: [من المتقارب] صهٍ كلُّ آتٍ قريبُ المدى .. وكلُّ حياةٍ إلى منتهى ولم أر كالمرءِ وهو اللَّبيبُ … يرى مِلءَ عَينيه ما لا يُرى وليس النواظر إلا القلوبُ … وأما العيون ففيها العمى خليليَّ هل ينفعنِّي البكا … أو الوَجْدُ لي راجعٌ ما مضى هلموا فذا مصرع العالمين … ففي كلِّ قلبٍ عليه أسى ضريحٌ سَقَتْه غِزارُ الدُّموعِ … فما باتَ حتَّى سقاه الحَيَا وما جادَهُ الغيثُ من غُلَّةٍ … ولكن ليبكِ النَّدى بالنَّدى وقال في مرض بعض الأمراء: [من البسيط] يا خير ملتحف بالجودِ والكَرَمِ … وأفضل النَّاس من عُرْبٍ ومن عَجَمِ يا ابنَ الهدى والندى والمكرمات معًا … والحِلْم والعِلْم والآداب والحِكَمِ لو كنت أُعطى المني فيما أُوَمّلُهُ … حَمَلْتُ عنك الَّذي حُمِّلْتَ من ألم الله يعلمُ أَنِّي مُذْ سمعتُ بما … عَرَاكَ لم أغتمضْ وَجْدًا ولم أَنَمِ أدعو وطورًا أجيل الوَجْهَ مُبْتهلًا … على صعيد الثَّرى في حِنْدسِ الظُّلَمِ مودود بن زَنْكي (١) [ولقبه] (٢) قُطْبُ الدِّين، [أخو نور الدين محمود]، (٢) حيث حبُ المَوْصِل. كان أسمَرَ اللون، تامَّ القامة، عادلًا، منصفًا، ولما احْتُضِرَ أوصى إلى ولده عماد الدين زنكي، وكان أكبرَ ولده وأعزَّهم عليه، وكان الحاكم على المَوْصل فخر الدين عبد المسيح، وكان يكره عمادَ الدين، وكان عمادُ الدين قد أقام عند نور الدّين بحلب

стр. 10102

مُدَّة، وزوَّجه ابنته، وكان نور الدين يبغض عبد المسيح لظُلْمه، فخاف عبدُ المسيح أن يعزله عمادُ الدين زنكي، فاتَّفق مع الخاتون بنت حسام الدين تمرتاش صاحب مارِدِين زوجة قُطْب الدين أن يثنوا قطب الدين عن عماد الدين، وأن يستخلف ولدَه سيف الدين غازي بن مودود، فعهد إليه، وتوفي قطب الدين وقد جاوز الأربعين، فكانت ولايته إحدى وعشرين سنة، ولما بلغ نورَ الدِّين فعلُ عبد المسيح واستبدادُه [قال: أنا أولى] (١) بتدبير أولاد أخي من غيري. وقَصد المَوْصِل. أبو بكر بن الدَّاية (٢) [ويلقب] (٣) مجد الدِّين. وكان شجاعًا دَيِّنًا، من أكابر أُمراء نور الدِّين، بنى بحلب خانكاه، [وهي باقية إلى هلم جرًا] (٣) واتفق موتُ العمادي في هذه السنة [وكان من أعظم أمرائه] (٣)، فبكى نور الدين، وقال: قُصَّ جناحاي. وأعطى أولادَ العمادي بَعْلَبَكَّ، وقدَّم على العساكر سابقَ الدِّين عثمان بن الدَّاية أخا مجد الدِّين، ودفن مجدُ الدين بحلب، والعمادي بقاسيون في تُرْبةٍ قريبة من تربة شركس شماليِّها، وهي أَوَّلُ تربةٍ بنيت في الجبل، واسمه مكتوبٌ (٤) على بابها: هذه تربة محمد بن العِمادي. السنة السَّادسة والستون وخمس مئة في أول المحرَّم سار نور الدين إلى سِنْجار، ففتحها، وسلَّمها إلى عمادِ الدين زنكي ابنِ أخيه، وسار، فنزل على المَوْصِل من المشرق، عَبَر من مخاضة عند بَلَد، وكان عبد المسيح قد نفَّذ عِزَّ الدين مسعود بن مودود إلى أتابك إيلدكز يسأله شفاعةً إلى نور الدين بالكَفِّ عن المَوْصِل، فجاء الرَّسول إلى نور الدين، وأبلغه الرِّسالة، فقال

стр. 10103

للرسول: قُلْ لصاحبك: أنا أَرْفَقُ وأَشْفَقُ على أولاد أخي منك، فلا تدخل بيننا، وعند الفراغ من هذا الأمر أسير إليك، ويكون الجواب على باب هَمَذان، فإنَّك قد أهملت أمور الثُّغور حتَّى استولى عليها الكُرْج، وأنا وَحْدي بالشَّام، وقد ابتليتُ بأشجع النَّاس، وأشدِّهم بأسًا وهم الفرنج، فأسرتُ ملوكهم، وقتلتُ كنودهم، وبعتهم بيعَ العبيد، واستوليتُ على بلادهم، فلا يَسَعُني في دِيني أنْ أَدَعَكَ على ما أنتَ عليه. وكان كل مَنْ بالمَوْصِل مع نور الدين، وكاتبوه بالوثوب على عبد المسيح، وتسليمِ البلد إليه، وعَلِمَ عبدُ المسيح، فراسله في الطَّاعة، وتسليم البلد إليه، وتقريره على سيف الدِّين، وأن يكون عبدُ المسيح مقيمًا به على حاله، فقال نور الدين: أمَّا تقرير سيفِ الدين على البلد فَنَعَمْ، وأما أنتَ عبدَ المسيح، فلك الأمانُ على نَفْسك ومالك، وما يَحِلُّ لي أَنْ أَدَعَكَ في المَوْصِل لظُلمك وعَسْفك، ولكني آخذكَ معي إلى الشَّام، وأُحْسنُ إليك. ثم فتحتِ الأبواب لنور الدين، فدخل المَوْصِل في ثالث عشر جُمادى الأُولى، وولَّى عليها خادمًا، يقال له كُمُشْتِكِين بالقلعة، وقرَّر ابنَ أخيه سيف الدين على حاله. وكان نور الدين قد بعثَ العمادَ الكاتب إلى الخليفة يستأذنه فيما يفعل، فوصل العماد ونورُ الذين على المَوْصل، ومعه الخِلَع والتَّقليد، فأَلْبَسَ ابنَ أخيه سيف الدين الخِلْعة، وأزال من المَوْصل الضَّمانات والمكُوس، وعَدَلَ وأحسنَ إلى أهله، وأعطى عمر المَلَّاء ستين ألفَ دينار من فتوح الفرنج، وأمره بعمارة الجامع النُّوري وسط البلد، وأعطى جزيرةَ ابنِ عمر لابنِ أخيه سيف الدين مضافًا إلى المَوْصل، وأقام عشرين يومًا، وكان يحبُّ الموصل، فقيل له: لو أقمتَ بها. فقال: ومَنْ يجاهد الكُفَّار، ويحفظ بلاد المسلمين! ثم رحل نحو الشَّام ومعه عبد المسيح، وقد أحسن إليه، وأقطعه إقطاعاتٍ كثيرة، ثم قال له: ويحك، ما هذا الاسم القبيح، أَمَا كان في الدنيا مسلمٌ يغيِّره، وكيف وافقك أخي قُطْب الدين على هذا؟ وسمَّاه عبد الله. وفيها توفي المستنجد، وولي المستضيء.

стр. 10104

الباب الثالث والثلاثون في خلافة المستضيء بأمر الله وهو أبو محمّد الحسن بن يوسف المستنجد بأمر الله، وأُمُّه أُمُّ ولد تدعى غضة أرمنية. ولد في شعبان سنة ستٍّ وثلاثين وخمس مئة، ولم يلِ الخلافةَ مَنْ اسمه الحسن وكنيته أبو محمد غيرَ الحسن بن علي ﵇ والمستضيء. بويع بالخلافة يوم الأحد تاسع ربيع الآخر، وأَطْلَقَ الأموال للأمراء والعلويين والهاشميين والقُضَاة والعلماء وجميعِ الناس، وردَّ المظالم، وأسقط المكوس، وولى أمر الجند والممالك قُطْبَ الدِّين قيماز مملوك المستنجد، ولقبه ملك العرب والعجم، واستوزر ابن رئيس الرؤساء، وكان الوزير ابن البلدي قد قُتل يوم مات المستنجد، ولما ولَّى ابنَ رئيس الرؤساء الوزارة خَلَعَ عليه، ومشى بين يديه قُطْبُ الدِّين وأربابُ الدولة، ولم يتخلف أحد، وجلس في الديوان، ومدحه الشُّعراء، فقال ابنُ التعاويذي: [من الكامل] الدَّسْتُ من لألاء وَجْهك مشرقُ … وعلى الوزارة من جلالك رَوْنَقُ رُدَّتْ إليك وأصلُها بك ثابِتٌ … عالي البناء وفَرْعُها بك مُوْرِقُ أنتم وإن رَغَمَ (١) العِدَى وُرَّاثُها … قِدْمًا وغيرُكُمُ الدَّعيُّ المُلْحَقُ لكُمُ استقادَ على الإباء شَمُوسُها … وبكُمْ تَجَمَّع شَمْلُها المتفرِّقُ (٢) وأنشد الحيص بيص: [من الوافر] أقول وقد تولَّى الأمرَ حَبْرٌ … وليٌّ لم يَزَلْ بَرًّا تقيّا وقد كُشِفَ الظَّلامُ بمستضيءٍ … غدا بالخَلْقِ كلِّهُمُ حَفِيّا بلغنا فوقَ ما كُنَّا نرجِّي … هنيئًا يا بني الدُّنيا هَنِيّا سأَلْنا الله يَرْزُقُنا إمامًا … نُسَرُّ به فأعطانا نبيًّا (٣)

стр. 10105

وقال عبد الرَّحمن بن محمّد بن عبد السّميع الواسطي الهاشمي: رأيت في المنام ليلة مات المستنجد قائلًا يقول: [من البسيط] ماتَ الخليفةُ واستولى على النَّاسِ … ابنٌ له طاهرٌ من نَسْلِ عَبَّاس فارحلْ إلى بابه واضرعْ إليه تَجدْ … من جُوده دافعًا للضُّرِّ والباسِ والظُّلْمُ والجَوْرُ قد حُصَّتْ قوادِمُهُ … مع الخوافي وخافَ القَطْعَ بالرَّاسِ مَنْ يَفْعلِ الخيرَ لا يَعْدَمْ جوازيه … لا يذْهَبُ العُرْفُ بين اللهِ والنَّاسِ (١) وولَّى المخزن ظهير الدِّين بن العَطَّار، وولَّى ابنَ البخاري الدِّيوان، وولَّى ابن الشَّاشي تدريس النِّظامية، وولَّى الأمير السيد العلوي التدريس بجامع السُّلْطان ببغداد. وفيها بعث الخليفةُ رسولًا إلى نور الدين يعرِّفه بخلافته، ويطلب البيعةَ له، فقال له العماد الكاتب: [من الكامل] هل عائدٌ زمنَ الوصالِ المنقضي … أم عائِدٌ لي في الصَّبابة ممرضي لا أشتكي إلا الغرام فإنَّه بَلْوى … عليَّ من السَّماء بها قُضي يا لاح حالي في الهوى مشهورةٌ … حاولتَ تسليتي وأنتَ محرِّضي أنفقتُ ذُخْرَ الصَّبْرِ من كَلَفي فهل … من واهبٍ للصَّبْرِ أو من مُقْرضِ لهفي على زمنِ الشَّباب فإنني … بسوى التأسُّفِ عنه لم أتعوَّضِ نُقِضَتْ عهودُ الغانياتِ وإنها … لولا انقضاءُ شبيبتي لم تنقضِ يا حُسْن أيَّام الصِّبا وكأنَّها أيامُ … مولانا الإمامِ المستضي ذي البهجةِ الغَرَّاء يُشْرِقُ نورُها … والطَّلْعة الزَّهْراءِ والوجْه المضي قَسَمَ السَّعادةَ والشَّقاوة ربُّنا … في الخَلْقِ بين مُحِبِّهِ والمُبْغِضِ فَضَلَ الخلائفَ والخلائقَ بالتُّقى … والفَضْلِ والإفضالِ والخُلُقِ الرَّضي فانْعَمْ أميرَ المؤمنين بدَوْلةٍ … ما تنتهي وسعادةٍ ما تنقضي (٢) فبعث نور الدين إلى الخليفة شرف الدين ابن أبي عصرون نائبًا عنه في الخِدْمة.

стр. 10106

وفيها بنى صلاحُ الدِّين بالقاهرة مدرسةً للشَّافعية، وكان موضعُها حبسَ المعونة، وبنى بها أيضًا مدرسة للمالكية تعرف بدار الغزل، وولَّى صدر الدين عبد الملك بن دِرْباس الكُرْدي القضاء بالقاهرة ومِصْر وأعمالها. وفي جُمادى الأُولى خرج صلاح الدين بالعساكر إلى الشَّام، فأغار على غَزَّة وعسقلان والرَّمْلة، ومضى إلى أَيلة وكان بها قلعة فيها جماعة من الفرنج، والتقاه الأُسطول في البحر، فافتتحها، وقَتَلَ مَنْ فيها، وشحنها بالرِّجال والعُدَد، وكان على الحجازِ منها خَطَرٌ عظيم، ثم عاد إلى القاهرة في جُمادى الآخرة. وفي شعبان اشترى تقيُّ الدِّين عمر بن شاهنشاه منازل العِزّ بمصر، وعملها مدرسةً للشافعية، ووقفَ عليها حمام الذهب والرَّوضة وغيرهما. وفيها توفي عبد الله بن خلف (١) ابن عبد الله الكَفْرطابي، ولد بشَيزَر، وقدم دمشق سنة تسعٍ وعشرين، وأقام بجامع حماة يدرِّس النحو اثنتي عشرة سنة، وماتَ بها، وكتب إلى ابن منيرة (٢)، وقد حال بينهما الوَحَل: [من البسيط] يا حُجَّتي حين ألقى الله مُنْفَرِدًا … تفديك نفسيَ بالأَهْلين والوَطَنِ بيني وبينك سورُ الوَحْلِ ليس له … بابٌ فقلبي رهينُ الهَمِّ والحَزَنِ ما هَجْرُ مِثْلِكَ محمودٌ عواقبُهُ … ولا التَّصبُّرُ عن رؤياك بالحَسَنِ محمد بن أسعد (٣) أبو المُظَفَّر، العراقي، الواعظ.

стр. 10107

توفي بدمشق، ودفن بالباب الصَّغير، ومن شعره: [من الطويل] ألا هَلْ لِصَبٍّ بالشآم متيمٍ … بحبِّكُمُ بين الأنام بلاغُ له شُغُلٌ بالحبِّ عن كل شاغلٍ … وليس له عما عراه فراغُ تجرَّع يوم البَيْنِ كأسَ فراقكم … فليس لكأس الصَّبْر فيه مساغ (١) محمود بن نعمة الشَّيزَرِي (٢) أبو الثَّناء. شاعرٌ فصيح، وهو القائل: [من الطويل] يقولون كافات الشِّتاء كثيرة … وما هي إلا فَرْدُ كافٍ بلا مِرا إذا صحَّ كاف الكيس فالكلُّ حاصِلٌ … يصحُّ وكلُّ الصَّيدِ يوجد في الفَرا يوسف المستنجد بالله ابن المقتفي محمّد (٣) ولد في ربيع الآخر سنة عشر وخمس مئة، وكان أسمرَ طويلَ اللِّحْية، معتدلَ القامة، شُجاعًا، مهيبًا، عادلًا، رفيقًا بالرَّعية، ذكيًّا فطِنًا، فصيحًا، أزال المظالم والمكوس [وله واقعات عجيبة] (٤) كتبَ إليه منكورس شحنة البَصْرة يطلب أمانه، وكان قد عصى عليه، فوقع على رأس الرُّقْعة: يُؤَمَّن ولا يُؤْمَن. وأشكى إليه رجلٌ من القاضي، فوقَّع على الرقعة: تجنَّبِ الآثام، وأنصفِ الأنامَ، وخَفْ سطواتِ حاكم الحُكَّام.

стр. 10108

والتقاه ابن شبيب في البرية في الرَّبيع، فقال له الخليفة: أين شتَيت؟ فقال: عندك يا أمير المؤمنين. أراد الخليفة ابن شبيب، وأراد ابن شبيب عبدك. وقبض الخليفةُ على إنسان يسعى بالنَّاس، فشفع فيه بعضُ أصحاب الخليفة، وبذل عشرة آلاف دينار [فقال له الخليفة: أنا أعطيك عشرة آلاف دينار] (١) وأحضر لي إنسانًا مثله يُؤذي النَّاس بالسِّعايات لأحبسه، وأكُفّ شَرَّه عن النَّاس. ومن شعر المستنجد: [من الخفيف] عَيَّرَتْني بالشَّيبِ وهو وَقارُ … ليتَها عَيَّرَتْ بما هو عارُ إنْ تكن شابتِ الذَّوائبُ مني … فالليالي تَزِينُها الأقمارُ وقال في بخيل: وباخلٍ أشعل في بيته … طرمذةً (٢) منه لنا شَمْعَهْ فما جَرَتْ من عينها دمعةٌ … حتَّى جَرَتْ من عينه دَمْعَهْ ذكر وفاته: مرض في ربيع الآخر أيامًا، فاحمرَّ الأُفُق، وما زالتِ الحُمْرة على الحيطان وشعاعُها متَّصلٌ بالسَّماء حتَّى مات، وكان قد فوَّضَ أمورَ العساكر إلى قُطْب الدِّين قيماز مملوكه، فأظهر الاستبداد بالأمر، وبلغه أنَّ قيماز يجتمع بالمستضيء، وأنَّ بينهما مراسلاتٍ، فتغيَّر عليهما، وكان وزيره ابنُ البلدي قد اطَّلع على الحال، وأخبر المستنجد، فأمره بالقبض عليهما، وخاف قيماز، ومرض المستنجد، وكان له طبيبٌ، يقال له ابن صفية، فخلا به قيماز، وقال: خَلِّصْنا منه وإلا قتلتُك. فقال: به حُمَّى محرقة، وليس عليه أضَرَّ من الحَمَّام. فدخل عليه قيماز وهو في فراشه، فقال: قد وَصَفَ لك ابنُ صفية الحَمَّام. فقال: لا حاجة لي فيه. وقيماز يقول: لابُدَّ لك منه. فحمله كَرْهًا وهو يقول: بلى ينفعك. فأدخله الحَمَّام، وأغلق عليه الباب، وقطع [عنه] (١) الماء البارد، فمات يوم السبت ثامن ربيع الآخر، ودفن بالدَّار وقد بلغ ثمانيًا

стр. 10109

وأربعين سنة، وكانت خلافته إحدى عشرة سنة وشهرًا، وعمل العزاء ثلاثة أيام، [قال جدي: وتكلمت فيه وخُلع عليَّ] (١). ولما جلس المستضيء للبيعة، عَزَمَ الوزير ابن البلدي على الهرب، فلم يقدر، فاستدعاه المستضيء، فلما دَخَلَ عليه ضربه الغِلْمان بالسُّيوف، ورموا به في دِجْلة. السنة السَّابعة والستون وخمس مئة فيها خُطِبَ لبني العَبَّاس بمِصْر [بعد انقطاع الخطبة عن بني العباس فيها مئتي سنة وثماني سنين] (٢) وسببه أنَّ صلاح الدِّين لما استولى عليها، وضَعُفَ أمر العاضد كتبَ إليه نورُ الدِّين يأمره بقطع الخطبة للمِصْريين، وإقامتها لبني العَبَّاس، فخاف من أهل مِصْر أن لا يجيبوه إلى ذلك، وربما وقعت فتنة لا تُتدارك، فكتَبَ إلى نور الدين يخبره، فلم يسمع منه، وألزمه إلزامًا لا محيد عنه، ومرض العاضد، فجمع صلاحُ الدِّين الأُمراء والأعيان واستشارهم، فمنهم مَنْ أجاب ومنهم من امتنع، وقالوا: هذا بابُ فتنة وما يفوت. فعاود نورُ الدِّين، فأرسل رسلًا، وألزمهم بذلك، فأقامها. واختلفوا في الخطيب، فقيل: إنَّه رجل من الأعاجم يقال له العالم، وقيل: هو رجلٌ من أهل بَعْلَبَك يقال له: محمّد بن المحسَّن ابن أبي المَضَاء البَعْلَبكي، فأُقيمت في أول المحرَّم والعاضدُ مريض، فأخفى عنه أهلُه ذلك، وقيل بلغه، فأرسل إلى صلاح الدين يستدعيه ليوصيه، فخاف أن يكون خديعةً، فلم يذهب إليه، ومات يوم عاشوراء، فندم صلاحُ الدِّين على قَطْعِ الخطبة، وقال: يا ليتني صبرتُ حتَّى يموت. وكتَبَ صلاحُ الدِّين إلى نور الدين يخبره بإقامة الدعوة العبَّاسية، فكتب نورُ الدِّين كتابًا إلى بغداد من إنشاء العماد، وفيه: [من الخفيف] قد خَطَبْنا للمستضيء بمصرٍ … نائبِ المُصْطفى إمامِ العَصْرِ ولدنيا تضاعفَتْ نِعَمُ اللهِ … وجَلَّتْ عن كلِّ عَدٍّ وحَصْرِ

стр. 10110

واستنارت عزائمُ الملكِ العا … دلِ نور الدين الهُمامِ الأغَرِّ هو فَتحٌ بِكْرٌ ودون البرايا … خَصَّه الله باقتراعِ البِكْرِ من أبيات (١). وبعث نور الدِّين إلى الخليفة بالبشارة شهاب الدين المطهر بن شرف الدين بن أبي عَصْرون. وقال ابنُ الخراساني الشَّاعر (٢): [من البسيط] جاء البشيرُ فَسُرَّ النَّاسُ وابتهجوا … فما على ذي سرورٍ بعدها حَرَجُ أُقيمتِ الدعوةُ الغَرَّاءُ معلنةً … للمستضيء بمصرٍ واستوى العِوَجُ هو الإمامُ الَّذي قامت دلائِلُهُ … وكلُّ ذي لَسَنٍ بشُكْره لَهِجُ لذِكْرِهِ عَبَقٌ في كلِّ ناحيةٍ … فالكونُ أجمعُ من أنبائه أَرجُ حتَّى لقد دَخَلَ الأقوامُ كلُّهم … في دين خالقهمْ من بعدما خرجوا بالمستضيء أضاءتْ كلُّ داجيةٍ … كأنَّما أُوقدتْ بين الورى سُرُجُ أعطى من المالِ ما لم يُعْطه أحدٌ … لله منه خِضَمٌّ كلُّه لُجَجُ يا أهل مِصْر لقد جاءتْ سعادتُكُمْ … واستوضحت سُبُل الخيراتِ فابتهجوا صِرْتُمْ رعيَّةَ خَيرِ الخَلْقِ كلُّهِم … مَنْ حُبُّه بدماءِ الخَلْقِ مُمْتَزِجُ من أبيات (٣). وقال أحمد بن المُؤَمَّل العَدْوَاني البَغْدادي: [من السريع] قد جاء فَتْحُ اللهِ والنَّصْرُ … واعتذرتْ مما جَنَتْ مِصْرُ وأرسلَتْ تسألُ صَفْحًا لها … فاغفِرْ فمن عادتك الغَفْرُ كان على منبرها ظلمةٌ … إذْ لم يكنْ في أُفْقها بَدْرُ

стр. 10111

فمذ أضاءَ المُسْتضي أَشْرَقَتْ … وابتهجَ المنبرُ والقَصْرُ وأصبحت قاهرةُ المُدَّعي … مقهورةً قد زانها القَهْرُ (١) وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي ﵀ في جملة خُطْبة كتابٍ سمَّاه "النَّصْر على مِصْر": الحمد لله الَّذي قدَّم الآدميين على جميع المخلوقين تعظيمًا لهم وتبجيلًا، ثم فَضَّل محمَّدًا ﷺ وصان شَرْعه أن يُغَيَّر نَسْخًا أو تبديلًا، ثم جَمَعَ شَمْلَ أُمَّته بخلافة بني العَبَّاس زادها الله تجميلًا، فكم هَينَمَ عدوٌّ في ولايتهم وعدَّ نفسه عديلًا، فأُديلت دولتهم عليه وكفى بالإدالة دليلًا، ولما بانت البوارق بمصر من فِرْعونها زمنًا طويلًا، مدَّ لهم أَمَدَ البغي فحملوا منه حِمْلًا ثقيلًا، فلما نهضت خلافةُ الإمام المستضيء بأمر الله بالحق سَدَّتْ في وجوه الظَّلَمة سبيلًا، وخربت قصر مصر بالظُّلم، وأعادت باغي البغي قتيلًا، وبادت شرقًا وغربًا وقُرْبًا وبعْدًا، والعاقبة للمتقين ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، ثم اتبع أقوام يسمَّون الرَّافضة، يثلبون الصَّحابة، ولا يدينون بطاعة الخلافة، ومعنا في بلدتنا منهم خَلْقٌ كثير، ولم نطلع منهم على هفوة وعثرة، وكلما رأوا من أنوار الدولة العَبَّاسية ما يخجلُ الشَّمْسَ والقمر سَلَوا نفوسهم بساكني مصر والمنتظر، فليتهم علموا أَنَّ صاحب مصر قد محقته آفة، وأن المنتظر حديث خرافة، يا لهذا الفتح فتحٌ ضاهى فتح مكة، تجهَّمت فيه وجوه ضُربت على غير المسكنة، أظهر عليها الحُزْن والأسف أثره ﴿عَلَيهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُوْلَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٨٠] ولقد فَتَحَ هذا الفَتْحُ صدرَ كلِّ صَدْر، أسهمنا من وقعته وما حضرنا وقعة بدر. ثم قال في آخر الكتاب: هذه كلمات مَنْ قَلْبُهُ معقودٌ على الولاء، ولسانُه مشغولٌ بالدُّعاء، ولا بُدَّ أن يبوح بفضل العطر ناشق، ولا يمكن أن يكتم وَجْده عاشق، ولما علَّق الناسُ اللآلي المثمنات، عَلَّق العبدُ - إذ لا مال له - هذه الكلمات، استجاب الله منه صالحَ دعائه، في صباحه ومسائه، بمحمّد وآله، وانقطعت ولايةُ المِصْريين عن مصر، وقد كان يخطب لبني العَبَّاس بها إلى سنة تسع وخمسين وثلاث مئة في خلافة

стр. 10112

المطيع، وولي بعده تسعة من الخلفاء، والأمر بحاله إلى هذه السنة، فعادت الخطبة، فكان مدَّةُ انقطاعها لبني العباس بمصر مئتي سنة وثماني سنين. وفيها بعث الخليفة صَنْدَل المقتفوي؛ وهو أكبر الخدم إلى نور الدين جواب [ابن أبي] (١) عصرون بالخِلَع لنور الدين، وفيها الطَّوْق فيه ألفُ دينار، والفَرَجية والعِمامة، ولصلاح الدِّين دونها، وبعث لنور الدين سيفَين، قلَّده سيفًا للشَام وسيفًا لمِصْر، وزينت بغداد وضُربت القِباب. وفيها بدت الوَحْشة بين نور الدِّين وصلاح الدِّين، لأنَّ نور الدِّين كتَبَ إلى صلاحِ الدِّين بأن يجمع العساكر، ويقدَمَ إلى الشام ليحاصر الكَرَك، ويجتمعا هناك لتدبير أمورٍ لا ذكر لها في كتابٍ، فَبَرَزَ صلاحُ الدين إلى بِلْبِيس، وكتَبَ إلى نور الدِّين يخبره بأنَّه واصِلٌ، وخرج نورُ الدِّين إلى دمشق، فنزل على البَلْقاء، وأقام ينتظره، وشاور صلاح الدين أصحابه، فخوَّفوه من نور الدِّين، فأثنوا عزمه، فكتَبَ يعتذر من اختلال البلاد، وأنَّه متى بَعُدَ عنها لم يأمن أهلَها. فشَقَّ على نور الدين، ولم يقبل عُذْره، وعَزَمَ على قَصْدِ مِصْر، وإخراجِ صلاح الدين منها، وشَرَع يتجهَّز، فجمع صلاحُ الدِّين الأُمراءَ وأهلَه، وقال: ما تَرَوْن؟ وكان فيهم تقيُّ الدِّين عمر بن أخي صلاح الدين، وشهاب الدين خال صلاحِ الدِّين، فقال تقي الدين: إنْ جاء قاتلناه. وكان نجمُ الدِّين أيوب حاضرًا، فسبَّ تقيَّ الدِّين وزَبَرَه، وقال لصلاح الدين: أنا أبوك، وهذا خالك - عن شهاب الدِّين - أتظنّ في هؤلاء كلَّهم من يحبُّك ويريد لك الخير مِثْلَنا؟ قال: لا، فقال: والله لو رأينا المولى نور الدِّين لم يُمْكِنَّا إلا أَنْ نترجَّل، ونقبِّل الأرض بين يديه، ولو أمرنا بقتلك لفعلنا، فإذا كُنَّا نحن كذا، فكيف غيرنا! وهذه البلاد [له] (٢) ونحن مماليكه، وأنت نائبه فيها، وإذا أراد عَزْلك، فأيُّ حاجة لك في المجيء، يُنفِّذ كتابًا مع نجَّاب يأمرك بالمسير إليه لتنزل إلى خدمته، وهل عندنا له خلاف. وتفرقوا على هذا، وكتَبَ أصحابُ الأخبار إلى نور الدين بصورة المجلس، وأما نجم الدين، فإنه خلا بابنه، وقال له: يا قليل المعرفة، تجمعُ هذا الجمعَ الكثير، وتُطْلعهم على ما في

стр. 10113

نفسك، ومتى بلغ نور الدين أنك عازمٌ على مَنْعه من البلاد قَصَدَك بعساكر الشَّام والشَّرق وديار بكر والرُّوم وغيرها، فلم يبق معك أحد، وأولهم خالك وغيره ممن نافسك في المُلْك، وفي قلوبهم منك ما فيها، وقد كَتَبَ أصحابُ الأخبار إلى نور الدين بما قلتَ، فاكتبْ إليه كتابًا تُذْعِنُ له فيه بالطَّاعة، وقُلْ له: ما حاجة إلى قَصْدي بنفسك، ابعثْ أحد غِلْمانك يحملني إلى بين يديك، [فهو إذا سمع هذا عدل عن قصدك، واشتغل بما هو أهم عنده] (١)، والأيام تندرج، والله تعالى كل يوم في شأن. فكتَبَ صلاحُ الدين إلى نور الدين بذلك، فرجع عن قَصْده، واستحيا منه، واشتغل عنه بالفرنج. وقال ابن شدَّاد ﵀: قال لي صلاح الدين: أشار عليَّ جماعةُ الأهل إنْ قصدني نور الدين أَنْ أقاتله، وكنت وَحْدي أُخالفهم، وأقول: والله لا كان ذلك أبدًا، ولا قاتلت مولاي، حتَّى وصلت الأخبار بموته (٢). وقال أبو الحسن علي بن محمد بن الأثير الجَزَري: في هذه السنة اتَّخذ نورُ الدِّين الحَمَام الهوادي في جميع البلاد في الأبراج تنقل إليه الأخبار، وسببُه اتِّساعُ مملكته، فكانت من حَدِّ بلاد النَّوبة إلى هَمَذَان، وكان أهم ما عنده قَلْع الفرنج من السَّاحل، فكان إذا تحرَّك الفرنج لقصده أو تحرَّك لقصدهم، كتب الكُتُبَ على أجنحة الطيور إلى البلاد البعيدة يستدعي العساكر، فيأتون إليه بسرعة (٣). وفيها قبض المستضيء على وزيره ابنِ رئيس الرؤساء، ونُهبت دوره، وسببه ولده كمال الدين، فإنَّه كان ظالمًا جبَّارًا، دخل الخادم صَنْدَل إلى دار الوزير، فأطبق دواته وحَبَسَ ابنه كمال الدين في بيت من الدَّار، واستولى على جميع [ما في الدار من المال والثياب والمتاع والخدم والمماليك والخيل وغيرها] (٤)، وكمال الدين (٥) في البيت ينظر إلى ماله كيف ينهب، ولا يقدر على الكلام.

стр. 10114

وفيها توفي حَسَّان بن نُمَير، أبو النَّدى (١) الشَّاعر الكلبي، ويقال له عَرْقلة، من حاضرة دمشق، [ذكره العماد في "الخريدة" وقال]: كان شيخًا خليعًا أعور، مطبوعًا كيِّسًا، لطيفًا ظريفًا منادمًا، واختصَّ بصلاح الدِّين، وله فيه قصائدُ كثيرة، وقيل: إنَّ وفاته تأخَّرت حتَّى أَخَذَ صلاحُ الدين دمشق. [وله ديوان مشهور] (٢)، ومن شعره وقد اقترح عليه مجير الدين أبق موازنة: شَرِبْتُ من دِنانه … من كلِّ دَنٍّ قدحا فقال: [من مجزوء الرجز] من لي بساقٍ أغيدٍ … عِذارُه قد سنحا كأنه بَدْرُ دُجًى … في كفِّه شمسُ ضُحى ما زلتُ من مُدامِهِ … مُغْتبقًا مُصْطبحا حتَّى غدوتُ لا أرى النُّـ … ـــدمان إلا شبحا وقد عصيتُ في الهوى … من لامَ فيه ولحا يا قلبُ كم تذكُرُه … لا بارحتك البُرَحا هذا الَّذي تَعْشَقُه … كم قلبِ صَبٍّ جَرَحا يا صاحِ يا صاح اسْقني … من راحتيك القَدَحا واغتنمِ العيشَ فما … تُبْقي الليالي فَرَحا كأنَّما البَدْرُ وقد … لاحَ لنا مُتَّضِحا وجهُ مجيرِ الدِّين مَو … لانا إذا ما مُدِحا (٣)

стр. 10115

وقال يمدح شمسَ الدَّولة تورانشاه، وقد نزل دمشق في دار عَمِّه أسد الدين لما فتحت دمشق، وهذا يدلُّ على تأخُّر وفاته: [من الرجز] قلتُ لحُسَّادِك زِيدُوا في الحَسَدْ … قد سَكَنَ الدَّارَ وقد جازَ البَلَدْ لا تعجَبُوا إنْ حَلَّ دارَ عَمِّهِ … أما تَحُلُّ الشمسُ في بُرْجِ الأَسَدْ (١) وقال يمدح صلاح الدِّين: [من الخفيف] أصبحَ المُلْكُ بعد آلِ عليٍّ … مُشْرقًا بالملوك من آل شاذي وغدا الشَّرْقُ يحسدُ الغرب للمُلـ … ــك ومِصْرٌ تزهو على بغداذ ما حواها إلا بَعَزْمٍ وحَزْمٍ … من صليل الفولاذ في الفولاذِ لا كفِرْعَوْن والعزيز ومن كانَ … بها كالخَصِيبِ والأُستاذِ (٢) وكان صلاحُ الدِّين قد وعده إذا فتح مِصْر أن يعطيه ألفَ دينار، فلما فتحها قصده وامتدحه بأبيات منها: [من البسيط] قُلْ للصَّلاح معيني عند إقتاري … يا ألفَ مولاي أينَ الألفُ دينارِ أخشى من الأَسْرِ إنْ حاولتُ أرضكُمُ … وما تفي جَنَّةُ الفِرْدَوْس بالنَّارِ فَجُدْ بها عاضديَّاتٍ موفَّرةً … من بعضِ ما خلَّف الطَّاغي أبو الطَّاري حُمْرًا كأسيافكم غُبْرًا كخيلكُمُ … عُتْقًا ثقالًا كأعدائي وأطماري (٣) [قال] (٤): فأعطاه [صلاح الدين] (٤) من عنده ألف دينار، وأخذ له من إخوته مِثْلَها، فعاد إلى دمشق، فأدركه أجلُه بها [بعد سنة ست أو سبع وستين وخمس مئة] (٤). وقال في محبوب له أحول، ومَدَحَ في آخرها الوزير جمال الدين الموصلي: [من المنسرح] يا لائمي هل رأيتَ أعجب من … ذي عَوَرٍ هائمٍ بذي حَوَلِ أَقِلُّ في عينه ويكثر في … عيني بضدِّ القياسِ والمَثَلِ

стр. 10116

ما آفتي غيرُ ورد وجنته … والوَرْدُ لا شك آفةُ الجُعَلِ فلو رأتْ حُسْنَه فلاسفةٌ … لعوَّذته بعِلَّةِ العِلل قد ذُقْتُ منه هجرًا أَمَرَّ من الصَّـ … ـــبرِ ووَصْلًا أحلى من العَسَلِ أهوى تجنِّيه والصُّدودَ كما … يهوى المعالي محمَّدُ بنُ علي محمّد خاتَمُ الكرام كما … سَمِيُّهُ كانَ خاتَمَ الرُّسلِ (١) وقال: [من الطويل] يقولون لِمْ أَرْخَصْتَ شِعْرَك في الورى … فقلتُ لهم إذ ماتَ أهلُ المكارمِ أُجازى على الشِّعْر الشّعير وإنَّه … كثيرٌ إذا خلَّصتُه من بهائمِ (٢) وقال: [من البسيط] عندي إليكم من الأشواقِ والبُرَحا … ما صيَّر الجِسْمَ من بعد الضَّنا شبحا أحبابنا لا تظنُوني سلوتُكُمُ … الحالُ ما حال والتَّبْريح ما بَرِحا لو كان يسبح صَبٌّ في مدامعه … لكنتُ أَوَّلَ مَنْ في دمعه سَبَحا أو كنت أعلمُ أنَّ البَيْنَ يقتلُني … ما بِنْتُ عنكُمْ ولكنْ فات ما ذُبِحا (٣) وقال: [من الكامل] كَتَم الهوى فَوَشَتْ عليه دموعُهُ … مِنْ حَرِّ جَمْرٍ تحتويه ضلوعُهُ صبٌّ، تشاغَلَ بالرَّبيعِ (٤) وزَهْره … قومٌ، وفي وَجْه الحبيبِ ربيعُهُ يا لائمي فيمن تمنَّعَ وَصْلُهُ … عن بُغْيتي أحلى الهوى ممنوعُهُ كيفَ التخلُّصُ إنْ تجنَّى أوْ جنى … والحُسْنُ شيءٌ ما يُرَدُّ شفيعُهُ شمسٌ ولكن في فؤادي حرُّها … بَدْرٌ ولكنْ في القلوب طلوعُهُ قال العواذِلُ ما الَّذي استحسنتَهُ … فيه وما يَسْبيك قلتُ جميعُهُ (٥)

стр. 10117

وقال: [من الطويل] تُرى عند مَنْ أَحْبَبْتُهُ لا عَدِمْتُهُ … من الشَّوق ما عندي وما أنا صانعُ جميعي إذا حَدَّثْتُ عن ذاك ألسنٌ … وكلِّي إذا نُوجيتُ (١) عنه مسامعُ (٢) وقال في ذم كتاب: [من الكامل] وَصَلَ الكتابُ عدمت عشرَ أناملٍ … أَلَّفْنَ ما فيه من التَّضْمينِ ما كان أشبهه وقد عايَنْتُهُ … بوثيقةٍ ظهرت على مَدْيونِ (٣) [وعرقلة هو القائل لما ولي صلاح الدين شحنكية دمشق: [من المتقارب] رويدكم يا لصوص الشآم … فإني لكم ناصحٌ في مقالي وقد ذكرناه. وعرقلة هو القائل في وصف دمشق] (٤): [من البسيط] أما دمشقُ فجنَّاتٌ مُزَخْرَفَةٌ … للطَّالبين بها الولْدانُ والحُوْرُ ما صاح فيها على أوتاره قَمَرٌ … إلا وغنَّاه قُمْرِيٌّ وشُحْرورُ يا حبَّذا ودروعُ الماءِ تنسُجُها … أناملُ الرِّيح إلا أنَّها زُورُ (٥) عبد الله بن أحمد (٦) ابن أحمد بن أحمد، أبو محمد بن الخشاب. النَّحْوي اللُّغوي، حُجَّة العرب [وجامع أسباب الأدب، قرأ القرآن، وسمع الحديث] (٧) برع في فنون العلوم، وانفرد بعِلْم النحو والعربية، وفاق أهلَ عصره.

стр. 10118

قال ابنُ الأخضر: دخلتُ يومًا عليه وهو مريضٌ وعلى صَدْره كتابٌ ينظر فيه، فقلتُ: ما هذا؟ قال: ذَكَرَ ابنُ جني مسألةً في النحو، واجتهد أن يستشهد عليها ببيتٍ من الشعر فلم يحضره، وإني لأعرفُ على هذه المسألة سبعين بيتًا من الشِّعْر، كلُّ بيت من قصيدة يصلح أن يستشهد به عليها. وكان مُغزًى بشرى الكُتُب؛ حَضَرَ يومًا سوق الكُتُبيين، فَنُودي على كُتُب بخمسِ مئة دينار، ولم يكن عنده شيء، فاشتراها، وقال: أخروني ثلاثة أيام. ومضى فنادى على [ساج] (١) داره، فبلغت خمس مئة دينار، فنقَضَ ساجَها، وباعه بخمس مئة دينار، فوفى [بها] (١) ثمن الكتب، وبقيت الدَّار له بغير شيء. وكان يؤدِّب أولادَ الخليفة، ويخرج من دار الخليفة وقتَ العصر، فيقف على الحِلَق في الرَّحْبة وعلى من يلعب بالشِّطْرنج، فقيل للخليفة: ينبغي أن يُصان عن مثل هذا. فأرسل إليه فيها، فقال: هذه الأماكن لا تخلو من فائدة، وما أنا ممن يدخل تحت حَجْر، فإنْ رضيتم، وإلا فالله قد أقالكم، أنا ما خطبتُ منكم هذا، أنتم خطبتموني. فقال الخليفة: دعوه على حاله. [وكان يكتب خطًّا حسنًا، وله مصنفاتٌ في النحو واللغة والعَروض والحساب وغيره] (١)، وكانت وفاتُه في رمضان، ودفن قريبًا من بِشْر الحافي. [وكان يقول الشعر] (١)، ومن شعره في فتح مصر: [من الطويل] يقولون مصرٌ قد أبانتْ وأقلعتْ … وقد سَعِدَتْ من بَعْدِ شِقْوتها مِصْرُ وآلتْ إلى آلِ النَّبيِّ وآنست … طُمَأنينةً منهم وكان بها ذُعْرُ وهل مصرُ إلا آبقٌ غاب بُرْهة … وعاد إلى مولًى له أَمْرُهُ أَمْرُ فأَوسعَه صَفْحًا وأَوْلاه رحمةً … وكان له منه التَّغَمُّدُ والغَفْرُ وقد كان فِرْعونٌ يُدلُّ بمُلْكها … ويعروه كِبْرٌ أنْ جرى تحتها نَهْرُ فأوبقه طغيانُه وعُتُوُّه … وأرداه في اليَمِّ التَّجبُّر والكِبْرُ وقال لموسى إذ أتاه بآية … هي الآية الكبرى ألا إنَّ ذا سِحْرُ

стр. 10119

وهل هو إلا النِّيلُ إنْ مَدَّ أخْصَبَتْ … على قَدَرٍ منه ويُمْحِلُها الجَزرُ وكان على عهد ابن هند مدينةً … بها القِبْطُ فوضى حين ولِّيها عمرو إمام نَمَتْه الصِّيدُ من آلِ هاشمٍ … هُمُ أمناءُ الله والحُجَجُ العَشْرُ نوى الخيرَ من قبل الخِلافة قَلْبُهُ … فصدَّقه الإحسانُ والنَّائل الغَمْرُ به تفخرُ الأملاكُ في أُفق العُلى … ويُزْهى به العَبَّاس والحُجَّةُ الحَبْرُ عليه من اللاهوت نورٌ وهيبةٌ … لها يُذْعِنُ العاصي ويستعبد الحُرُّ إذا شاءَ أمرًا فالقضاءُ مؤَيِّدٌ … لما شاءَ والإقبالُ يتبع والنَّصْرُ تبسَّمَتِ الدُّنيا بذكر خليفةٍ … تُهنَّا به الأيامُ والخَلْقُ والعَصْرُ هو الظِّلُّ ظِلُّ الله في الأرض كلِّها … له المُلْك والأفضال والنَّهْي والأَمرُ (١) وقال: [من السريع] صفراءُ لا من سَقَم مَسَّها … كيف وكانت أُمُّها الشَّافِيَهْ عُرْيانةٌ باطِنُها مُكْتَسٍ … فاعْجَبْ لها كاسيةً عاريه (٢) عبد الله بن أحمد بن الحسين (٣) ابن إسحاق، أبو محمَّد الحِمْيري، ويعرف بابن النَّقَّار الكاتب. ولد بطرابلُس سنة تسع وسبعين وأربع مئة، [ونشأ بها، وقرأ القرآن والأدب] (٤) ولما استولى الفرنج عليها انتقل إلى دمشق (٥). [وله شعر رقيق ومعنى دقيق، ومنه هذه الأبيات] (٤) بادِر إلى اللَّذَّاتِ في أَزْمانها … وارْكُضْ خيولَ اللَّهو في مَيدانها واستقبلِ الدُّنيا بصَدْرٍ واسعٍ … ما أَوْسَعَتْ لكَ من رحيبِ مكانها

стр. 10120

واستخدمِ الأيَّام قبل نفورها … واستغنمِ اللَّذَّاتِ قبل حِرانها جاءَتْكَ أيَّامُ الرَّبيعِ فمرحبًا … بقُدُومها وبحُسْنِ فِعْلِ زمانِها وحَبَتْك من سرِّ السَّحاب بجنَّةٍ … تتفنَنُ الأبصارُ في أفنانِها وبَدَتْ لك الدُّنيا تُدِلُّ بحُسْنها … وبهائِها وتميسُ في أرْدانِها أرأيتَ أبهى من بدائعِ نَوْرِها … في الرَّوضِ طالعةً على غُدْرانها فكانَ مَعْبد أُوْ مُخارِقَ أصبحا (١) … في طِيبِ صوتهما كبعض قِيانها يا صاح ما لك لا تزال مُوَلَّهًا … تُعطي الصَّبابةَ منك فَضْلَ عِنانها ما للرِّياض إلى دموعك حاجةٌ … قد ناب صَوْبُ الغَيثِ عن هَمَلانها هل أذكَرَتْكَ علامةٌ لشقيقها … أم هيَّجتْك إشارةٌ في بانها أم حرَّكَتْ منك البلابلُ ساكنًا … بحنينِ ما رَجَّعْنَ من ألحانها ما ذاك إلا أنَّ في الأحبابِ ما … أجرى لك العَبَراتِ من ألوانها فذكرتَ ألوانَ الخُدودِ بوَرْدِها … وسوالف الأَصْداغ من رَيحانها وكذا المحاسنُ لا تكون محاسنًا … إلا إذا جُليت على أقرانها آهًا لقلبٍ لم يزل في صَبْوَةٍ … وصبابةٍ يُلْقى على نيرانها غَلَبَتْ عليه يدُ النَّوى ويدُ الهوى … كالنَّارِ لا يقوى على سُلْطانها يا قاصدًا أرضَ الأَحِبَّة زائرًا … بلِّغْ تحيَّتَنا إلى سُكَّانِها (٢) وقال العماد الكاتب: ابن النَّقَّار الدِّمشقي، كان فاضلًا، كتَبَ لملوكِ دمشق ولنور الدين، وعاش نيفًا وتسعين سنة، ومن شِعْره: [من الكامل] الله يعلَمُ أنَّني ما خِلْتُهُ … يَصْبو إلى الهِجْران حين وَصَلْتُهُ مَنْ مُنْصفي مِن ظالمٍ مُتَعَتِّبٍ … يزدادُ ظُلْمًا كلَّما حكَمْتُهُ ملَّكْتُه رُوحي ليحفظَ مُلْكَه … فأضاعني وأضاع ما ملَّكْتُهُ
следующие страницы →