ما آفتي غيرُ ورد وجنته … والوَرْدُ لا شك آفةُ الجُعَلِ
فلو رأتْ حُسْنَه فلاسفةٌ … لعوَّذته بعِلَّةِ العِلل
قد ذُقْتُ منه هجرًا أَمَرَّ من الصَّـ … ـــبرِ ووَصْلًا أحلى من العَسَلِ
أهوى تجنِّيه والصُّدودَ كما … يهوى المعالي محمَّدُ بنُ علي
محمّد خاتَمُ الكرام كما … سَمِيُّهُ كانَ خاتَمَ الرُّسلِ (١)
وقال: [من الطويل]
يقولون لِمْ أَرْخَصْتَ شِعْرَك في الورى … فقلتُ لهم إذ ماتَ أهلُ المكارمِ
أُجازى على الشِّعْر الشّعير وإنَّه … كثيرٌ إذا خلَّصتُه من بهائمِ (٢)
وقال: [من البسيط]
عندي إليكم من الأشواقِ والبُرَحا … ما صيَّر الجِسْمَ من بعد الضَّنا شبحا
أحبابنا لا تظنُوني سلوتُكُمُ … الحالُ ما حال والتَّبْريح ما بَرِحا
لو كان يسبح صَبٌّ في مدامعه … لكنتُ أَوَّلَ مَنْ في دمعه سَبَحا
أو كنت أعلمُ أنَّ البَيْنَ يقتلُني … ما بِنْتُ عنكُمْ ولكنْ فات ما ذُبِحا (٣)
وقال: [من الكامل]
كَتَم الهوى فَوَشَتْ عليه دموعُهُ … مِنْ حَرِّ جَمْرٍ تحتويه ضلوعُهُ
صبٌّ، تشاغَلَ بالرَّبيعِ (٤) وزَهْره … قومٌ، وفي وَجْه الحبيبِ ربيعُهُ
يا لائمي فيمن تمنَّعَ وَصْلُهُ … عن بُغْيتي أحلى الهوى ممنوعُهُ
كيفَ التخلُّصُ إنْ تجنَّى أوْ جنى … والحُسْنُ شيءٌ ما يُرَدُّ شفيعُهُ
شمسٌ ولكن في فؤادي حرُّها … بَدْرٌ ولكنْ في القلوب طلوعُهُ
قال العواذِلُ ما الَّذي استحسنتَهُ … فيه وما يَسْبيك قلتُ جميعُهُ (٥)
стр. 10117
وقال: [من الطويل]
تُرى عند مَنْ أَحْبَبْتُهُ لا عَدِمْتُهُ … من الشَّوق ما عندي وما أنا صانعُ
جميعي إذا حَدَّثْتُ عن ذاك ألسنٌ … وكلِّي إذا نُوجيتُ (١) عنه مسامعُ (٢)
وقال في ذم كتاب: [من الكامل]
وَصَلَ الكتابُ عدمت عشرَ أناملٍ … أَلَّفْنَ ما فيه من التَّضْمينِ
ما كان أشبهه وقد عايَنْتُهُ … بوثيقةٍ ظهرت على مَدْيونِ (٣)
[وعرقلة هو القائل لما ولي صلاح الدين شحنكية دمشق: [من المتقارب]
رويدكم يا لصوص الشآم … فإني لكم ناصحٌ في مقالي
وقد ذكرناه.
وعرقلة هو القائل في وصف دمشق] (٤): [من البسيط]
أما دمشقُ فجنَّاتٌ مُزَخْرَفَةٌ … للطَّالبين بها الولْدانُ والحُوْرُ
ما صاح فيها على أوتاره قَمَرٌ … إلا وغنَّاه قُمْرِيٌّ وشُحْرورُ
يا حبَّذا ودروعُ الماءِ تنسُجُها … أناملُ الرِّيح إلا أنَّها زُورُ (٥)
عبد الله بن أحمد (٦)
ابن أحمد بن أحمد، أبو محمد بن الخشاب.
النَّحْوي اللُّغوي، حُجَّة العرب [وجامع أسباب الأدب، قرأ القرآن، وسمع الحديث] (٧) برع في فنون العلوم، وانفرد بعِلْم النحو والعربية، وفاق أهلَ عصره.
стр. 10118
قال ابنُ الأخضر: دخلتُ يومًا عليه وهو مريضٌ وعلى صَدْره كتابٌ ينظر فيه، فقلتُ: ما هذا؟ قال: ذَكَرَ ابنُ جني مسألةً في النحو، واجتهد أن يستشهد عليها ببيتٍ من الشعر فلم يحضره، وإني لأعرفُ على هذه المسألة سبعين بيتًا من الشِّعْر، كلُّ بيت من قصيدة يصلح أن يستشهد به عليها.
وكان مُغزًى بشرى الكُتُب؛ حَضَرَ يومًا سوق الكُتُبيين، فَنُودي على كُتُب بخمسِ مئة دينار، ولم يكن عنده شيء، فاشتراها، وقال: أخروني ثلاثة أيام. ومضى فنادى على [ساج] (١) داره، فبلغت خمس مئة دينار، فنقَضَ ساجَها، وباعه بخمس مئة دينار، فوفى [بها] (١) ثمن الكتب، وبقيت الدَّار له بغير شيء.
وكان يؤدِّب أولادَ الخليفة، ويخرج من دار الخليفة وقتَ العصر، فيقف على الحِلَق في الرَّحْبة وعلى من يلعب بالشِّطْرنج، فقيل للخليفة: ينبغي أن يُصان عن مثل هذا. فأرسل إليه فيها، فقال: هذه الأماكن لا تخلو من فائدة، وما أنا ممن يدخل تحت حَجْر، فإنْ رضيتم، وإلا فالله قد أقالكم، أنا ما خطبتُ منكم هذا، أنتم خطبتموني. فقال الخليفة: دعوه على حاله. [وكان يكتب خطًّا حسنًا، وله مصنفاتٌ في النحو واللغة والعَروض والحساب وغيره] (١)، وكانت وفاتُه في رمضان، ودفن قريبًا من بِشْر الحافي.
[وكان يقول الشعر] (١)، ومن شعره في فتح مصر: [من الطويل]
يقولون مصرٌ قد أبانتْ وأقلعتْ … وقد سَعِدَتْ من بَعْدِ شِقْوتها مِصْرُ
وآلتْ إلى آلِ النَّبيِّ وآنست … طُمَأنينةً منهم وكان بها ذُعْرُ
وهل مصرُ إلا آبقٌ غاب بُرْهة … وعاد إلى مولًى له أَمْرُهُ أَمْرُ
فأَوسعَه صَفْحًا وأَوْلاه رحمةً … وكان له منه التَّغَمُّدُ والغَفْرُ
وقد كان فِرْعونٌ يُدلُّ بمُلْكها … ويعروه كِبْرٌ أنْ جرى تحتها نَهْرُ
فأوبقه طغيانُه وعُتُوُّه … وأرداه في اليَمِّ التَّجبُّر والكِبْرُ
وقال لموسى إذ أتاه بآية … هي الآية الكبرى ألا إنَّ ذا سِحْرُ
стр. 10119
وهل هو إلا النِّيلُ إنْ مَدَّ أخْصَبَتْ … على قَدَرٍ منه ويُمْحِلُها الجَزرُ
وكان على عهد ابن هند مدينةً … بها القِبْطُ فوضى حين ولِّيها عمرو
إمام نَمَتْه الصِّيدُ من آلِ هاشمٍ … هُمُ أمناءُ الله والحُجَجُ العَشْرُ
نوى الخيرَ من قبل الخِلافة قَلْبُهُ … فصدَّقه الإحسانُ والنَّائل الغَمْرُ
به تفخرُ الأملاكُ في أُفق العُلى … ويُزْهى به العَبَّاس والحُجَّةُ الحَبْرُ
عليه من اللاهوت نورٌ وهيبةٌ … لها يُذْعِنُ العاصي ويستعبد الحُرُّ
إذا شاءَ أمرًا فالقضاءُ مؤَيِّدٌ … لما شاءَ والإقبالُ يتبع والنَّصْرُ
تبسَّمَتِ الدُّنيا بذكر خليفةٍ … تُهنَّا به الأيامُ والخَلْقُ والعَصْرُ
هو الظِّلُّ ظِلُّ الله في الأرض كلِّها … له المُلْك والأفضال والنَّهْي والأَمرُ (١)
وقال: [من السريع]
صفراءُ لا من سَقَم مَسَّها … كيف وكانت أُمُّها الشَّافِيَهْ
عُرْيانةٌ باطِنُها مُكْتَسٍ … فاعْجَبْ لها كاسيةً عاريه (٢)
عبد الله بن أحمد بن الحسين (٣)
ابن إسحاق، أبو محمَّد الحِمْيري، ويعرف بابن النَّقَّار الكاتب.
ولد بطرابلُس سنة تسع وسبعين وأربع مئة، [ونشأ بها، وقرأ القرآن والأدب] (٤) ولما استولى الفرنج عليها انتقل إلى دمشق (٥). [وله شعر رقيق ومعنى دقيق، ومنه هذه الأبيات] (٤)
بادِر إلى اللَّذَّاتِ في أَزْمانها … وارْكُضْ خيولَ اللَّهو في مَيدانها
واستقبلِ الدُّنيا بصَدْرٍ واسعٍ … ما أَوْسَعَتْ لكَ من رحيبِ مكانها
стр. 10120
واستخدمِ الأيَّام قبل نفورها … واستغنمِ اللَّذَّاتِ قبل حِرانها
جاءَتْكَ أيَّامُ الرَّبيعِ فمرحبًا … بقُدُومها وبحُسْنِ فِعْلِ زمانِها
وحَبَتْك من سرِّ السَّحاب بجنَّةٍ … تتفنَنُ الأبصارُ في أفنانِها
وبَدَتْ لك الدُّنيا تُدِلُّ بحُسْنها … وبهائِها وتميسُ في أرْدانِها
أرأيتَ أبهى من بدائعِ نَوْرِها … في الرَّوضِ طالعةً على غُدْرانها
فكانَ مَعْبد أُوْ مُخارِقَ أصبحا (١) … في طِيبِ صوتهما كبعض قِيانها
يا صاح ما لك لا تزال مُوَلَّهًا … تُعطي الصَّبابةَ منك فَضْلَ عِنانها
ما للرِّياض إلى دموعك حاجةٌ … قد ناب صَوْبُ الغَيثِ عن هَمَلانها
هل أذكَرَتْكَ علامةٌ لشقيقها … أم هيَّجتْك إشارةٌ في بانها
أم حرَّكَتْ منك البلابلُ ساكنًا … بحنينِ ما رَجَّعْنَ من ألحانها
ما ذاك إلا أنَّ في الأحبابِ ما … أجرى لك العَبَراتِ من ألوانها
فذكرتَ ألوانَ الخُدودِ بوَرْدِها … وسوالف الأَصْداغ من رَيحانها
وكذا المحاسنُ لا تكون محاسنًا … إلا إذا جُليت على أقرانها
آهًا لقلبٍ لم يزل في صَبْوَةٍ … وصبابةٍ يُلْقى على نيرانها
غَلَبَتْ عليه يدُ النَّوى ويدُ الهوى … كالنَّارِ لا يقوى على سُلْطانها
يا قاصدًا أرضَ الأَحِبَّة زائرًا … بلِّغْ تحيَّتَنا إلى سُكَّانِها (٢)
وقال العماد الكاتب: ابن النَّقَّار الدِّمشقي، كان فاضلًا، كتَبَ لملوكِ دمشق ولنور الدين، وعاش نيفًا وتسعين سنة، ومن شِعْره: [من الكامل]
الله يعلَمُ أنَّني ما خِلْتُهُ … يَصْبو إلى الهِجْران حين وَصَلْتُهُ
مَنْ مُنْصفي مِن ظالمٍ مُتَعَتِّبٍ … يزدادُ ظُلْمًا كلَّما حكَمْتُهُ
ملَّكْتُه رُوحي ليحفظَ مُلْكَه … فأضاعني وأضاع ما ملَّكْتُهُ
стр. 10121
لا ذَنْبَ لي إلا هواه لأَنَّه … لما دعاني للسَّقام أَجَبْتُهُ
أحبابَنَا أنفقتُ عُمْري عندكُمْ … فمتى أُعوِّضُ بعضَ ما أَنْفَقْتُهُ
وبمن أعود إلى سواكُمْ قاصدًا … والقَلْبُ في عَرَصاتكم خَلَّفْتُهُ
ولمن ألوم على الهوى وأنا الَّذي … قُدْتُ الفؤاد إلى الغرامِ وسُقْتُهُ
أأرومُ غيركُمُ صديقًا صادقًا … هيهاتَ ضاقَ الوقتُ عمَّا رُمْتُهُ
قد كُنْتُ أَعْذِلُ كلَّ صَبٍّ في الهوى … وألومه في العِشْق حتَّى ذُقْتُهُ
ما لي سوى قلبي وفيك أَذَبْتُهُ … ما لي سوى دمعي وفيك سكَبْتُهُ
أبكي إذا جَنَّ الظلامُ تشوُّقًا … في طول ليلٍ في هواك سَهِرْتُهُ
وأنوح إنْ ناحَ الحمامُ ضحىً على … إلفٍ فقدتُ الصَّبْرَ حين فَقَدْتُهُ
ما كُنْتُ أعرِفُ ما الغرامُ ولا الأسى … والشَّوْقُ والتَّبريحُ حتَّى ذُقْتُهُ (١)
عبد الله العاضد (٢)
صاحبُ مِصْر، ابنُ يوسف بن الحافظ، أبو محمَّد، لم يلِ أبوه الخلافة [وقد ذكرناه] (٣)، وأمه أم ولد يقال لها سِتُّ المُنى. ولد سنة أربع وأربعين وخمس مئة، وبويع في رجب سنة خمس وخمسين [وخمس مئة] (٣) وهو ابن إحدى عشرة سنة، وتوفي يوم عاشوراء وعمره ثلاث وعشرون سنة (٤)، فكانت أيَّامه إحدى عشرة سنة وشهورًا.
واختلفوا في سبب وفاته على أقوالٍ، أحدها: أنَّه تفكَّر في أموره، فرآها في إدبار، فأصابه ذَرَبٌ عظيم، فمات منه.
والثاني: أنَّه لما خُطِبَ لبني العَبَّاس بَلَغَهُ؛ فاغتَمَّ، ومات. وقيل: إنَّ أهله أخفوا عنه ذلك، وقالوا: إنْ سَلِمَ فهو يعلم، وإن مات فلا ينبغي أن ننغِّص عليه هذه الأيام التي بقيت من عمره.
стр. 10122
والثَّالث: أنَّه لما أيقن بزوالِ دولته كان في يده خاتم، له فَصٌّ مسموم، فمصَّه، فمات.
وجلس صلاح الدين في عزائه، ومشى بين يدي جِنازته، وتولى غَسْله وتكفينه، ودفَنَه عند أهله، واستولى صلاحُ الدِّين على ما في القَصْر من الأموال والذَّخائر والتُّحَف والجواهر والعبيد والخدم والخيل والمتاع وغيره.
وكان في القَصْر من الجواهر النَّفيسة ما لم يكن عند خليفةٍ ولا ملك مما قد جُمِعَ على طول السِّنين، فمنه: القضيب الزُّمرُّذ، وطوله قبضة ونصف، والحبل الياقوت الأحمر، والدُّرَّة اليتيمة مثل بيض الحَمام، والياقوتة الحمراء وتسمى الحافر، وزنها أربعة عشر مثقالًا، ومن الكُتُب المنتخبة بالخطوط المنسوبة مئة ألف مجلد، ووَجَدَ عِمامة القائم وطَيلَسانه بحاله، بَعَثَ البساسِيريُّ بهما إلى المستنصر، ووجد أموالًا لا تعدُّ ولا تحصى.
وأفرد أهلَ العاضد ناحيةَ عن القصر، وأجرى عليهم [جميع] (١) ما يحتاجون إليه، وسلَّمهم إلى قراقوش، فعَزَلَ الرِّجال عن النِّساء، واحتاط عليهم، وفرَّق الأموال التي أخذها من القَصر في العساكر، وباع بعضَ الجواري والعبيد، وأعطى للقاضي الفاضل من الكُتب ما أراد، وبعثَ إلى نور الدِّين بعِمامة القائم وطَيلَسانه، وهدايا، وتحفًا، وطِيبًا، ومئة ألف دينار - وكان نور الدين بحلب - فلما حضرت بين يديه، قال: والله ما كان بنا حاجة إلى هذا، ما وصل إلينا عُشْر معشار ما أنفقناه على العساكر التي جهَّزناها إلى مِصْر، وما قصدنا [بفتح مصر إلا فتح السَّاحل، وقلع الكفار منه] (٢)، وأنشد:] من البسيط]
لم يُنْفقِ الذَّهبَ المُرْبي بكَثْرَتِهِ … على الحصى وبه فقرٌ إلى الذَّهَبِ
وانقضت أيَّامْ المِصْريين بوفاة العاضد، وعِدَّتهم أربعة عشر على عدد بني أمية، إلا أن أيَّامهم طالت، فملكوا مئتين وثماني سنين، وبنو أمية ملكوا نيِّفًا وتسعين سنة.
[وقد ذكرنا سيرة المصريين على وجه التفصيل، وتقلب الأمور والأحوال، ونذكرهم هنا على وجه الإجمال فنقول: أولهم] (٣):
стр. 10123
عبيد الله الملقب بالمهدي، وهو جَدُّهم. قال ابنُ عبد البر: هو عبيد الله بن محمّد بن ميمون بن محمّد بن إسماعيل بن جعفر الصَّادق ﵇، والثاني: ابنه أبو القاسم محمد [بن عبيد الله] (١)، ويلقب بالقائم بأمر الله، والثالث: ابنه إسماعيل [بن محمّد] (١)، ويلقب بالمنصور، والرَّابع: ابنه أبو تميم مَعَدّ، ويلقب بالمُعِزِّ لدين الله، وهو الَّذي بنى له جوهر القاهرة، والخامس: ابنه نزار [بن معد] (١) ويلقب بالعزيز بالله، والسادس: ابنه منصور، ويلقب بالحاكم بأمر الله، والسَّابع: ابنه علي [بن منصور] (١)، ويلقب بالظَّاهر لدين الله، والثامن: ابنه معَدَّ [بن علي] (١)، ويلقب بالمستنصر بالله، وَليَ ستين سنة، والتَّاسع: أبو القاسم أحمد، ويلقب بالمُسْتَعْلي، والعاشر: ابنه منصور [بن أبي القاسم] (١) ويلقب بالآمر بأحكام الله، وقُتِلَ، والحادي عشر: أبو الميمون عبد المجيد بن محمد بن المستنصر، ويلقب بالحافظِ لدين الله، والثَّاني عشر: ولدة إسماعيل ويلقب بالظَّافر، وقُتِلَ. والثَّالث عشر: عيسى، ويلقب بالفائز بأمر الله، والرَّابع عشر: العاضد.
[وقد رثاهم جماعة، منهم عمارة اليمني بقصيدته التي يقول فيها:
رميتَ يا دَهْرُ كفَّ المجد بالشَّلل
وهي كانت سبب قتله] (١).
محمد بن محمّد بن محمّد [ثلاث مرات] (١)
البغوي (٢) ويقال البروي (٣).
стр. 10124
قدم بغداد في أول ولاية المستضيء، ووعظ بالنِّظامية، ونَصَرَ مذهب الأشعري، وبالغ في ذمِّ الحنابلة. وقال: لو كان إليَّ أمرٌ لوَضَعْتُ عليهم الجِزْية، [وكان شابًّا حَسَن الصُّورة، مليح العبارة، فصيحًا، فيقال: إن الحنابلة دسُّوا عليه من قتله أو سمَّه؛ جاءته] (١) امرأةٌ في الليل ومعها صحن حلوى، فطرقت بابه [فقال: مَنْ؟] (١) قالت: أنا امرأةٌ آكل من مغزلي، وقد غَزَلْتُ قطنًا وبعتُه، واشتريت من ثمنه هذه الحلوى، واشتهيت أن الشيخ يأكل منه، فإنَّه حلال. فتناوله منها ومَضَتْ، فجلس يأكل هو وزوجتُه وولد له صغير، فأصبحوا موتى جميعًا في رمضان، ودُفِن بباب أبرز.
وكان قد عدا في تلك الأيام ساعٍ للشِّيعة أسود، فخرجوا للقائه، فأنبط [ولم يجئ]، فضاقت صدورهم.
قال المصنف ﵀: فجلس جدِّي عقيب ذلك، وقال في أثناء كلامه: كم أبرق مبتاع بأصحاب أحمد وأرعد، فحظي بوباله وهُمْ بالعيش الأرغد، وأما أنت يا أبعد، فإنْ أردت تموت أو أردت تجرَّد، مات البروي وأنبط الأسود.
السَّنة الثامنة والستون وخمس مئة
فيها خَتَنَ الخليفةُ أولاده، فيقال: إنَّه ذبَحَ ألف رأس من الغنم وخمس مئة بقرة وخمسة آلاف دجاجة، وعمل ألف صحن حلوى، وعشرين ألف قطعة خُشْكنانك (٢)، وخَلَعَ على جميع أربابِ الدَّولة والقضاة والعدول، والعلماء، والصُّوفية وغيرهم.
وفيها بعث صلاحُ الدِّين إلى نور الدين هدية فيها فيل وحمار عتَّابي، فبعث بها نور الدين إلى بغداد، وخرج النَّاس لتلقيها، وتعجبوا (٣) من خِلْقة الحمار.
[وكان بمحلة العَتَّابيين رجلٌ نحوي، قاصر في كل شيء، قد تعلَّق بطرف من النحو، وكان يدعي دعاوى عظيمة، فخرج مع الناس يتفرج، ورآه بعض الظراف: فقال: يا
стр. 10125
قوم، ليس العجب أن يحمل الفتى حمارٌ عتابي، عندنا عتابي حمار (١). فضحك الناس] (٢).
وفيها سار نورُ الدِّين إلى المَوْصل، وصلَّى في الجامع الَّذي بناه وسط البلد، وتصدَّقَ بمالٍ عظيم، ولما علم صلاح الدِّين أَنَّ نورَ الدين [قد] (٢) توجَّه إلى المَوْصل خرج بعساكر مصر إلى الشَّام، فحصر الكَرَك والشَّوْبك، ونهب أعمالها، وكان جماعة من العرب نازلين بأرض الكَرَك ينقلون الأخبار إلى الفرنج، وإذا غاروا على البلاد دلُّوهم على المسلمين، فنهبهم صلاحُ الدين، وقتل البعض، وأجلى من بقي منهم عن أرض الكرك، وكتب إلى نور الدين كتابًا من إنشاء الفاضل: سببُ إصدار هذه الخِدْمة إلى حضرة مولانا الملك العادل أعزَّ الله سُلْطانه، ومكَّن بالنَّصر إمكانه، وشيَّد بالتأييد مكانه، ونَصَرَ أنصاره، وأعان أعوانه، عَلِمَ المملوك بما يؤثرُه المولى من قَصْدِ الكُفَّار بما يَقُصُّ به أجنحتهم، ويحصُّ (٣) به أسلحتهم، ويقطع موادَّهم، ويخرِّبُ بلادهم، ومن أكبر الأسباب المعينة لهم على ما يراد منهم أن لا يبقى في بلادهم أحد من العُرْبان، وأن ينتقلوا من ذُلِّ الكُفْر إلى عِزِّ الإيمان، ومما اجتهد فيه غاية الاجتهاد، وعَدَّه من أسباب الجهاد ترحيل كثير من أنفارهم، والحرص على تبديل ديارهم بحيث إنَّ العدوَّ إذا نَهَضَ اليوم لا يجد بين يديه دليلًا، ولا يستطيع حيلة، ولا يهتدي إليه سبيلًا، [وهو "كتاب طويل"] (٢).
ثم عاد صلاح الدِّين إلى مِصْر.
وقيل: هي أوَّل غَزَاةٍ غزاها.
[وذكر القاضي أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم الموصلي، ويعرف بابن شداد قاضي حلب ﵀ في سيرة صلاح الدين، وقال: إنما بدأ صلاح الدين بالكرك والشوبك لأنهما في طريق الديار المصرية، وكانوا يغارون على القوافل منها، فقصد
стр. 10126
تسهيل الطريق ليصل البلاد بعضها ببعض، فحصرها هذه السنة، فلم يظفر منهما بطائل، وتأخر فتحهما إلى ما بعد الفتوح] (١).
وعاد نور الدِّين إلى المَوْصل، وقطع الفرات، وقصَدَ بلاد الرُّوم؛ وسببُه أنَّ عزَّ الدين قليج رسلان صاحب الرُّوم كان قد تعرَّض لبلاد نور الدِّين محمد بن قرارسلان بن أُرْتُق صاحب آمِد، فسار نورُ الدِّين في نجدته.
وقال ابن الأثير: إنما سار نورُ الدِّين إلى بلاد عِزِّ الدين قليج رسلان بن مسعود بن قليج رسلان بن سليمان بن قُتُلْمِش بسبب ذي النُّون بن الدَّانْشَمَنْد صاحب مَلَطْيَة، كان قليج رسلان قد أخرجه منها ومن سيواس، فأرسل إليه نورُ الدِّين يشفع فيه، فلم يجبه، ففتح نورُ الدِّين بَهَسْنى، ومَرْعَش، وقلاعًا من أعمال قليج رسلان، وبينا هو على ذلك جاءه خبرٌ من حِمْص بأنَّ الفرنج نزلوا عليها فرجع إلى الشَّام ومعه ابن الدَّانْشَمَنْد، ووعده بخلاص قلاعه، ولما أخذ نورُ الدين مَرْعَش وبَهَسْنى والمَرْزُبان وغيرها، خاف منه قليج رسلان، فأجابه إلى ما أراد، ورَدَّ بلاد ابن الدَّانْشَمَنْد، وشَرَطَ عليه نورُ الدِّين تجديدَ إسلامه لأنه كان يُتَّهم بالزَّنْدقة، وأنَّه متى طلب منه العساكر ينجده وأن يزوِّج ابنته بابنِ أخيه سيف الدِّين غازي صاحب المَوْصِل، ففعل، وبعثَ نورُ الدِّين فخر الدِّين عبد المسيح مع ابن الدِّانْشَمَنْد إلى مَلَطية وسيواس، ومعه عسكر يكون في خِدْمته، فأقام عنده حتَّى توفي نورُ الدين، ورجعتِ البلادُ إلى قليج رسلان (٢).
وفيها قدم القُطْب النَّيسابوري من حلب إلى دمشق، فدرَّس في الزَّاوية الغربية بجامع دمشق وبالمدرسة الأمينية، وقيل: لم يدرس بالأمينية (٣).
وشَرَع نورُ الدِّين في بناء مدرسة للشَّافعية (٤) إلى جانب الجاروخية، فأدركه أجله [دون بنائها] (٥) وقد وضع [نور الدين] (٤) المحراب وبعض البناء، وبقي أمرها على حاله، فجاء العادل أبو بكر بن أيوب، فأزال ذلك البناء، وبناها البناء المُحْكم، ودُفِنَ فيها.
стр. 10127
وفيها بعث تَقيُّ الدِّين عمر [ابن أخي صلاح الدين] (١) جيشًا إلى المغرب مع مملوكه يوزبا، فالتقاه عسكر ابن عبد المؤمن، فهزمه بعد أنْ أقامَ الدَّعوة العباسية بإفريقية، فعاد إلى القاهرة مهزومًا (٢).
وفيها وَصَلَ توقيعُ الخليفة إلى نور الدين بأوانا وصَريفين قريتين بدُجَيل كانتا لأبيه زَنْكي، وعَزَمَ نورُ الدِّين على بناء مدرستين ببغداد أحدهما للحنفية والأُخرى للشَّافعية، وأن يوقف عليهما القريتين، فمات.
وفيها توفي
أيوب بن شاذي (٣)
ابن مروان (٤)، نجم الدِّين؛ والد صلاح الدين. كان عاقلًا، حازمًا، شجاعًا، حليمًا، رحيمًا، جَوَادًا، عاطفًا على الفقراء والمساكين، محبًّا للصَّالحين، قليل الكلام جدًّا لا يتكلَّم إلا لضرورة، ولما قَدِمَ مِصْر سأله ولده صلاحُ الدِّين أَنْ يكون هو السُّلْطان، فقال: أنت أَوْلى.
[وكان يلعب بالأكرة دائمًا، قال القاضي ابن شدَّاد: كان كثير الركض بالخيل، يلعب بالأكرة، ومن يراه يلعب بها ما يقول إلا أنَّه يموت من ظهر الفرس، و] (١)، ركب يومًا من داره، وخرج من باب النَّصْر يريد الميدان، فشبَّ به فرسه، فوقع على رأسه، [فحمل على داره] (٥) فأقام ثمانية أيام، وتوفي ليلة الثلاثاء السَّابع والعشرين من ذي الحِجَّة، ودُفِنَ إلى جانب أخيه أسد الدين في بيتٍ بالدَّار السُّلْطانية، ثم نقلا بعد سنين إلى مدينة النَّبيِّ ﷺ ، وكان صلاح الدين قد عاد من الكَرَك، فبلغه خبره في الطريق، فحزن عليه، وتأسَّف حيث لم يحضره، وخلف من المذكور ستة: يوسف صلاح الدين،
стр. 10128
وأبا بكر العادل، وتورانشاه شمس الدولة، وشاهنشاه، وطُغْتِكِين سيف الإسلام، وبوري تاج الملوك (١)، وهو الأصغر، وشمس الدولة الأكبر، ومن البنات: ستَّ الشَّام، وربيعة خاتون.
الحسن بن أبي الحسن صافي (٢)
ملك النُّحاة، مولى حسين بن الأُرموي التَّاجر البغدادي.
ولد [ببغداد] (٣) سنة تسع وثمانين وأربع مئة، وقرأ النحو [على أبي الحسن الاستراباذي الفَصيحي، وأصول الدين على أبي عبد الله القيرواني، وقرأ] (٣) أصول الفِقْه والخلاف والمذهب والحديث، وبَرَعَ في النحو، وفاق أهلَ زمانه، وفُتح له جامع الخليفة، فدرَّس فيه النحو، ثم سافر إلى خراسان وكَرْمان وغَزْنة، وصنَّف الكتب في فنون العلوم، ثم دخل الشَّام، واستوطن دمشق، وله ديوان شعر [مليح] (٣) ومدائح في النبيِّ ﷺ ، فمنها: [من المنسرح]
يا خاتم الأنبياءِ قاطبةً … أتاك لفظُ الثَّناءِ يَسْتَبِقُ
كنتَ نبيًّا وطينُ آدمَ مَجْـ … ـــبولٌ وتلك الأنوارُ تأتلِقُ
وعدتَ فينا تهدي إلى سُبُلِ الـ … ـــحقِّ فقد أُوضحتْ بكَ الطُّرُقُ
وقد وصفه العماد الكاتب (٤) بالكريم، فقال: كان يضمُّ من الذَّهب يده على المئة والمئتين، ويُمْسي وهو منها صِفْرُ اليدين، وكان يصنعُ الحلاواتِ ويُهديها إلى جيرانه وأصحابه وخُلَّانه، [قال] (٣): ووصل إلى أصبهان في سنة إحدى وأربعين [وخمس مئة] (٣)، وعاد إلى دمشق، فعاش تحت ظلِّ نور الدين [محمود] (٣) إلى أن مات.
стр. 10129
ومن شعره يشكو من دمشق: [من الكامل]
لأُرَحِّلَنَّ مطيَّتي عن بلدةٍ … شعثاءَ يُكرَهُ ماؤها وهواؤها
ولأزجُرَنَّ العِيسَ عنها مُعْرِضًا … إنْ أدركتني (١) دولةٌ ولواؤها
فإلامَ أُغضي في دمشق على القذى … والأرضُ نازحةٌ بها أرجاؤها
أَأُضامُ والأملاكُ ترجو أَنْ ترى … شخصي ولي في العالمين ولاؤها
إنْ لم أَثُرْ أَنَفًا فلا أجْرَتْ يدي … قلمًا، به يُرْوي المعاليَ ماؤها (٢)
وبلغ ابنَ منير أنَّه كتب إلى بعضِ القضاة: المجلس القاضوي، فقال يهجوه: [من المتقارب]
أيا ملك النَّحو والحاءُ من … تهجِّيه من تحتُ قد أعجموها
أتانا قياسُكَ هذا الَّذي … يُعَجِّمُ أشياءَ قد أفسدوها
ولما تَصَفْعَنْتَ في القاضوي … غدا وَجْه جَهْلِك فيه وجُوها
وقالوا قفا الشيخ إن الملوك … إذا دخلوا قريةً أفسدوها (٣)
فأجابَه: [من المتقارب]
أيا ابنَ منيرٍ حسِبْتَ الهجا … ءَ رتبةَ فخرٍ فبالغتَ فيها
جمعتَ قوافيَ من ذا وذا … وأصبحتَ منتحِلًا تدَّعيها
وقالوا قفا الشيخ إنَّ الملوك … إذا أخطأتْ سوقةٌ أدَّبوها (٤)
وله مقاماتٌ من جنس مقامات الحريري، هَزْلٌ وكذب، وله كتاب أربع مئة كرَّاسة سماه "التذكرة السفرية" وكان قد تزوَّج ببغداد امرأة بذيئة اللِّسان، فكانت تسفه عليه، [فقالت له يومًا: أنا امرأتك، زوج مَنْ أنتَ؟] (٥).
وكان يغشى وزيرَ الخليفة، فمدحه في بعض اللَّيالي بقصيدة فأمر له بجائزة سنية، وخِلْعة، فقال: ما أُريدها، فقال الوزير: وما الَّذي تريد؟ قال: لي امرأةٌ سفيهة، وقد فضحتني عند
стр. 10130
الجيران بطول لسانها، وأُريد أن لا يبقى في هذا المجلس شمعة إلا وتحمل بين يدي إلى داري لعلَّها تكفُّ لسانها عني. فقال [الوزير] (١): الخِلْعة والبغلة والشَّمْع لك، فخرج وعليه الخِلْعة وتحته البغلة والشموعُ بين يديه، فلمَّا قَرُبَ من داره أمر غِلْمان الوزير، فصاحوا بين يديه. فأطلع الجيران من الزَّوازن والسُّطوح وامرأته في الجُمْلة، فبهتت، وكفَّتْ عنه [لسانها] (١) بعد ذلك. [وقال الحافظ ابن عساكر: مات ملك النحاة بدمشق في شوال] (٢)، ودُفن بالباب الصَّغير، وكان صحيحَ الاعتقاد، كريمَ النَّفْس، وجاوز ثمانين سنة (٣).
[قال العماد] (١): ورآه بعض [الصَّالحين من] (١) أصحابه في المنام فقال [له] (١): ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بأبياتٍ قلتُها [في أيام الدنيا. قلتُ: وما هي؟ فأنشدني] (١): [من المنسرح]
يا ربِّ ها قد أتيتُ معترفًا … بما جَنَتْه يداي من زَلَلِ
ملآنَ كفٍّ بكلِّ مأثمةٍ … صِفْرَ يدٍ من محاسن العمل
فكيف أخشى نارًا مسعَّرةً … وأنت يا ربّ في القيامة لي
[قال] (١): فوالله منذ فَرَغْتُ من إنشادها ما سمعتُ حسيسَ النَّار (٤).
سَعْد بن علي بن القاسم (٥)
ابن علي، أبو المعالي الكُتُبي الحَظِيري الحنفي.
والحَظيرة قرية بدُجَيْل [وقد ذكره الأئمة، وأثنوا عليه، فقال جدي في "المنتظم"] (١): كان فاضلًا، يقول الشِّعر [المليح والنَّثر الفصيح] (١)، وله رسائلُ ومدائح، وكان من الذَّكاء على غايةٍ، وتوفي في صفر، ودُفِنَ بباب حرب، وكان دلال الكتب ببغداد.
стр. 10131
[هذا صورة ما ذكره جدي ﵀ (١).
وذكره القاضي أبو المحاسن عمر بن علي القرشي في "تاريخه"، وقال: أبو المعالي الكتبي، وأثنى عليه ثناء كبيرًا، وقال: صحب أبا القاسم علي بن أفلح الشاعر مدَّة، واشتغل بالأدب حتى برع فيه، وفاق أهل زمانه، وقال الشعر، وتفقه على مذهب أبي حنيفة] (٢) وغلبت عليه الفكرة، فأحبَّ الخلوة، فخرج على قدم التجريد سائحًا، ورأى عجائب [من الدُّنيا] (٢)، وجال في الأقطار، وحجَّ، وعاد إلى بغداد، وصنَّف الكتب: "لُمَح المُلَح" في الألغاز، و"زينة الدَّهر في شعراء العَصْر"، وغيرهما.
[وذكره العماد الكاتب في "الخريدة"، وسجع له، وقال: أنشدني أبياتًا في وصف العِذار أرق من الاعتذار، وذكر مقطعات من شعره، وكلامًا فاحشًا يدل على أنه كان خليعًا ظريفًا، وأنشدني له في الشيب] (٣): [من الطويل]
بدا الشيب في فَوْدي فأقصَرَ باطلي … وأيقنت قطعًا بالمصير إلى قبري
أتطمَعُ في تسويد صُحْفي يدُ الصِّبا … وقد بيَّضَتْ كفُّ النُّهى حُسْبَةَ العُمْرِ (٤)
وقال: [من المنسرح]
صُبْحُ مشيبي بدا وفارقني … ليلُ شبابي فصحتُ واقَلَقي
وصرتُ أبكي دمًا عليه ولا … بُدَّ لصُبْح المشيبِ من شَفَقِ (٥)
وقال: [من الطويل]
أرى ذا النَّدى والطَّوْلِ يغتاله الرَّدى … ويُبقي الذي ما فيه طَوْلٌ ولا منُّ
كما الورد يبدو في الغصون وينقضي … سريعًا ويبقى الشَّوْكُ ما بقي الغُصْنُ (٦)
وقال: [من الطويل]
стр. 10132
يقولون لا فَقْرٌ يدوم ولا غنى … وما كُرْبةٌ إلا سيتبعها كَشْفُ
ولستُ أرى فقري وضُري بمنقضٍ … كأني على هذين وحدهما وَقْف (١)
وقال في خُطْبة كتاب "لُمَح المُلَح": هذا كتابٌ أَحكمتُ أُصوله، وأَبرمتُ فصوله، خدمتُ به خزانةَ إمام الزَّمان، وتالي القُرْآن، وصاحب القرآن، الإمام الأوَّاه، المقتفي لأمر الله، الذي لم يكن في خليقةٍ مِثْلَه خليفة، وكل طريقةٍ منه طريفة، فكم من قطرةٍ من سحابِ مبتدعاتِ كَلِمِه جمعتُها في قرار واديه، ودرّة من سحاب توقيعات قلمه رصَّعْتُها بين صغار لآليه، إمامٌ يواقيت مناقبه عالية عن مطمح مُشْتام، غالية على مطمع مستام، أعلق شهابَ العَدْل فتسعَّر لَفْحه، وأغلق بابَ الظُلْم فتعسَّرَ فتحه، واستقامتِ الأقاليم بأقلامه، واستغنت الأيامى في أيامه، وأحيا محيَّاه وارفةَ عَدْلِهِ.
[من الهزج]:
وذي زيغٍ أعدَّ له … فحين أتاه عدَّلَهُ
وجادله فجادله … فجدَّ له فجدَّ لَهُ
إمامٌ مَنْ تأمَّله … لكَشْفِ الضّر أَمَّلَهُ
يرى من نَسْلِ عَبَّاسٍ … طليق الكَفِّ مُرْسَلَهُ
ينحو الصَّواب قولًا وآراءً، ويصوِّب في الإباء طولًا وعطاء، جَمَعَ أشتات الفضائل، وقطع أسباب الرَّذائل، وأجار الأنام من جَوْر الأيام، وبلغ الأوطار، كم غاش لذكره عاشٍ إلى ضوء ناره، عاشٍ بمبارّه، فلا زالت رياض ناديه ممرعة الرُّوَّاد، وحياض أياديه مترعة للوُرَّاد، ما تثنى عود ورسا عمود، واهتزَّ عامل بُسْتان، واعتز عامل بسُلْطان، وحبست شياطين جوارحه الكائدة استسلامًا، وحبست سلاطين جوارحه الصائدة آثامًا، كمن كَرَعَ في رياض المني صاديًا، ورتع في غياض الهوى متماديًا.
стр. 10133
السَّنة التاسعة والسُّتون وخَمس مئة
في يوم عاشوراء جَلَسَ محمد الطُّوسي بالتَّاجية، وقال على المنبر: إنَّ ابن مُلْجَم لم يكفر بقتل علي ﵇، فضُرِبَ بالآجُرِّ، وثار النَّاس، ولولا مَنْ كان حوله من الغِلْمان لقُتِلَ، فلما كان في اليوم الثَّاني من مجالسه فرشوا له المنبر ليجلس، فاجتمع الناس على باب التَّاجية، ومعهم قوارير النِّفْط ليحرقوه، وبعضهم في أيديهم الآجُر ليرجموه، فلم يحضر، فأحرقوا منبره، وأحضره نقيب النقباء، وأسمعه كلامًا غليظًا، فقال له: أنتَ نائبُ الدِّيوان، وأنا نائب الله في أرضه. فقال له النقيب: أنا نائبُ الدِّيوان وأنت نائب الشَّيطان. وأمر بأن [يجرَّ] (١) برِجْله، وكتب إلى الخليفة يخبره [بما بدا منه] (١)، فأمر [الخليفة] (١) بنفيه، فنفي إلى الجانب الغربي، ثم خرج بعد مُدَّة إلى مِصْر، [وجرى له العجائب، وسنذكره] (١).
وفيها كَتَبَ صلاحُ الدِّين إلى نور الدين يسأله ويستأذنه في إنفاذ جيشٍ إلى اليمن، فأَذِنَ له، فبعث أخاه تورانشاه شمسَ الدَّوْلة، فسار إليها في رجب، وكان بها عبد النَّبي بن مهدي، ويلقب بالدَّاعي من أصحاب المِصْريين، وكان ظالمًا فاتكًا، فحصره شمسُ الدَّولة في قصر زَبيد مدَّة، ثم طلب الأمان، فأَمَّنه، فلما نزل إليه قيَّده ووكل به، [فسار شمس الدولة] (١)، ففتح صنعاء وحصون اليمن والمدائن، فيقال: إنَّه فتح ثمانين حِصْنًا ومدينة، واستولى على أموالها وذخائرها، وقَتَلَ [الخارجي] (١) عبدَ النَّبي [بن مهدي] (١) وولى على زبيد سيف الدولة مبارك بن منقذ [أبا الميمون، وكان من الفصحاء جوادًا مُمَدَّحًا] (١)، وعزّ الدين عثمان بن الزَّنجيلي على باقي البلاد.
وفيها أكثر نور الدِّين من الصَّدقات والصِّلات، وزاد في الأوقاف، وكسا اليتامى، وزوَّج الأرامل، وأغنى الفقراء، وكشف المظالم، بحيث لم يبق في بلاده مَظْلِمة [إلا وردَّها] (١)، وبعث خالد بن محمّد بن القَيسَراني أمينًا على مال القَصْر، ومستوفيًا لحواصل البلاد، فأكرمه صلاحُ الدِّين، وقال: نحق مماليكُ نورِ الدِّين، افعل ما أمرك إلا أنَّ جماعةً من الأكابر قد تصرَّفوا في أماكن لا يمكن انتزاعها منهم، ولا يرضون بأن
стр. 10134
ينقص ارتفاعها، فعَلِمَ خالدٌ أنَّ طاعته إنما هي مخادعة ومراوغة، فسكتَ، ولم يشافهه، ومات نورُ الدين في شوَّال، وبَطَلَ ذلك الأمر.
وفيها قبضَ صلاحُ الدِّين على جماعةٍ من أعيان الدَّوْلة المِصْرية مثل داعي الدُّعاة، وعمارة اليمني [الشاعر] (١) وغيرهما، بلغه أنهم يجتمعون على إثارة الفتن، واتفقوا مع السُّودان وكاتبوا الفرنج، وأنهم يريدون قَتْلَ صلاح الدِّين والغُزّ، ورتَّبوا مع السُّودان أن يثوروا [وينادوا] (١) بشعار المِصْريين، وكان زين الدين بن نُجَيَّة الواعظ قد اطَّلعَ على ذلك، فخاف من صلاح الدين، فأنهى إليه الحال وما دبَّروا، فقبض عليهم، وقَتَلَ داعي الدُّعاة، وصلب عُمارة، [وسنذكره] (١).
[فصل: وفيها توفي
أبو العلاء الهَمَذاني الحافظ (٢)
واسمه الحسن بن أحمد بن الحسن العَطَّار، سافر إلى الأقطار في طلب الحديث، وقرأ القرآن واللغة، وعاد إلى هَمَذان، فأقام بها، وصنَّف الكُتُب، وكان حافظًا دَيِّنًا، سخيًّا، وانتهى إليه عِلْمُ الحديث والقراءات، وكان له قَبُولٌ عظيم ومكانة عالية، وتوفي ليلة الخميس عاشر جمادى الأولى، ودفن في هَمَذَان وقد جاوز الثمانين.
رآه بعضُ أصحابه في المنام، فقال: ما فعل الله بك؟ فقال: نزل عليَّ الملكان، فقلت: على ماذا أتيتما؟ وصحتُ عليهما، فرجعا، ولم يقولا شيئًا] (١).
وفيها توفي
عبد النَّبي بن مهدي (٣)
قال المصنِّف ﵀: وقعتُ على تاريخ بمصر، فرأيتُ فيه أنَّ شمس الدَّولة لما سار إلى اليمن، وكان أعيانُها قد كتبوا إلى صلاح الدِّين يسألونه أن يبعث إليهم بعضَ
стр. 10135
أهله، فلما وصل شمسُ الدولة إلى مكَّة صَعِدَ صاحبُها إلى أبي قُبَيس، فتحصَّن منه بقلعةٍ بناها عليه، وأغلق بابَ الكعبة، وأخذ المفاتيح، فجاء شمسُ الدولة، فطاف بالبيت، وصلَّى رَكعتين، وصَعِدَ إلى باب الكعبة، وقال: اللهم إنْ كنتَ تعلم أني جِئْتُ إلى هذه البلاد لإصلاح العِباد وتمهيدها، فيسِّر عليَّ فتح هذا الباب، وإنْ كنتَ تعلم أني جئتُ لغير ذلك فلا تفتحه. ومدَّ يده، فجذب القُفْل فانفتح، فدخل [شمس الدولة] (١) إلى البيت، فصلَّى ودعا، فلما بلغ أمير مكة ذلك نزل إلى خدمته، وحمل المفاتيح، واعتذر، وقال: خفتُ منك، والآن فأنا تحت طاعتك. فقال له: إذا أخذتُ منك المفاتيح، فلمن أُعطيها؟ ثم خلع عليه وعلى أصحابه، وطيَّب قلبه، وسار إلى اليمن، فانهزم عبد النّبي بين يديه إلى زَبيد.
وكان أبوه مهدي قد فتح اليمن وقتل خَلْقًا كثيرًا، وشقَّ بطون الحوامل، وذَبَحَ الأطفال على صدور أُمهاتهم، وكان يرى رأي القرامطة، ويُظْهر أنَّه داعية لصاحب مِصْر، ويتستَّر بالإسلام. وكان قد مات قبل دخول شمس الدولة اليمن بسنين، وملك بعده ولدُه عبد النبي، ففعل باليمن أشدَّ مما فعل أبوه وسبى نساءهم، واستعبدهم، وكان أبوه لما مات بنى عليه قُبَّة عظيمة، وصفَّح حيطانها بالذَّهب [الأحمر] (١) والجواهر [ظاهرًا] (١) وباطنًا بحيث لم يُعمل في الدُّنيا مثلُها، وجَعَلَ فيها قناديلَ الذهب وستور الحرير، ومَنَعَ أهلَ اليمن من زَبيد إلى حضرموت أن يحجوا إلى الكعبة، وأمرهم بالحجِّ إلى قبر أبيه، فكانوا يحملون إليها من الأموال في كلِّ سنة ما لا يُحَدُّ ولا يحصى، ويطوفون حولها مثلما يطاف بالكعبة، ومن لم يحمل مالًا قتله، وكانوا يقصدونها من السَّحَر، فاجتمع فيها أموالٌ عظيمة.
وأقام عبد النبي على الظُّلْم والفِسْق والفجور وذَبْحِ الأطفال وسَفْكِ الدِّماء وسبي النِّساء، إلى أن دخل شمسُ الدولة إلى اليمن. وجاء إلى زَبيد، فيقال: إنَّه حَصَرَ عبد النَّبي فيها، وأَمَّنه وقيَّده وقتله [وقد ذكرناه] (١).
ويقال: إنَّه انهزم بين يديه وجاء إلى قبر أبيه والقُبَّة فهدمها، وأخذ ما كان فيها من المال والجواهر والفِضَّة، فكان على ست مئة جمل، ونبش القبر، وأحرق عظام أبيه
стр. 10136
وذَرَاها في الرِّيح، ومضى إلى صنعاء، فحلف شمسُ الدَّولة لا ينتهي عنه حتى يقتله ويحرقه كما فعل بأبيه، وسار خَلْفه، فرجع إلى زبيد، وعاد شمس الدولة إليها فظفر به، فأخذ ما كان معه، وقتله وصلبه وحَرَقه كما فعل بعظام أبيه.
عُمارة اليمني بن الحسن (١)
[أبو حمزة الشاعر] (٢).
قلت (٣): وقال القاضي شمس الدولة بن خَلِّكان قاضي القضاة ﵀: هو أبو محمَّد عُمارة ابن أبي الحسن علي بن زيد بن بدران بن أحمد بن محمَّد بن سليمان الحَكَمي (٤)، الملقب نجم الدِّين، الشَّاعر، بلغ الحُلم سنة تسعٍ وعشرين وخمس مئة، وشُنق يوم السبت ثاني رمضان سنة تسعٍ وستين بالقاهرة (٥) -وهو من جبال اليمن من مدينة مُرْطان، بينها وبين مكة في مهبِّ الجنوب أحد عشر يومًا (٦).
وهو من قحطان من ولد سَعْد العشيرة، كان فقيهًا فصيحًا، أقام بزبيد مدَّةً يُقرأ عليه مذهب الشَّافعي رحمة الله عليه، وله في الفرائض مصنَّف مشهور باليمن، واستحلفه أبوه أن لا يهجو أحدًا، ومدح المِصْريين (٧)، فقرَّبوه، وأعطوه الأموال، وكان عندهم بمنزلة الوزير، وخَدَمَ الملكة أم فاتك صاحب زبيد، وحجَّ معها، فحصل له مالٌ عظيم، ثم طرأت أمور باليمن اقتضت خروجه منها في سنة تسعٍ وأربعين وخمس مئة، ومات فيها أمير الحرمين هاشم، فكلَّفه ولده قاسم السِّفارة له عند الدولة المصرية، فقَدِمَ مِصْر سنة خمسين وصاحبها الفائز بن الظَّافر والوزير طلائع بن رُزِّيك، فدخل عليهما، ومدحهما بقوله: [من البسيط]
стр. 10137
الحمدُ للعِيس بعد العَزْم والهِمَم … حَمْدًا يقوم بما أولَتْ من النِّعَم
لا أجحد الحقَّ عندي للرِّكابِ يدٌ … تمنَّتِ اللُّجْمُ فيها رُتْبَةَ الخُطُمِ
قرَّبْنَ بُعْدَ مزار العِزِّ من نَظَري … حتى رأيتُ إمام العَصْرِ من أَمَمِ
ورُحنَ من كعبة البَطْحاءِ والحَرَمِ … وفدًا إلى كعبة المعروف والكَرَمِ
فهل درى البيتُ أني بعد فُرْقته … ما سرتُ من حَرَمٍ إلا إلى حَرَمِ
حيث الخلافةُ مضروبٌ سُرادِقُها … بين النَّقيضين من عَفْوٍ ومن نِقَمِ
وللإمامةِ أنوارٌ مقدَّسةٌ … تجلو البغيضين من ظُلمٍ ومن ظُلَمِ
وللنبوَّةِ آياتٌ تنصُّ لنا … على الخفيين من حُكْم ومن حِكَمِ
وللمكارمِ أعلامٌ تعلِّمنا … مَدْحَ الجزيلين من بأُسٍ ومن كَرَمِ
وللعُلا ألسنٌ تُثْني محامدها … على الحميدين من فِعْلٍ ومن شِيَمِ
ورايةُ الشَّرف البذَّاخِ ترفَعُها … يدُ الرَّفيعين من مجدٍ ومن هِمَمِ
أقسمتُ بالفائز المعصومِ معتقدًا … فوزَ النَّجاةِ وأَجْرَ البِرِّ في القَسَمِ
لقد حمى الدِّينَ والدُّنيا وأهلَهما … وزيرُه الصَّالحُ الفرَّاجُ للغُمَمِ
اللابس الفَخْرَ لم تَنْسُجْ غلائلَه … إلا يدُ الصَّنْعتين السيفِ والقلمِ
وُجُودُه أوجد الأيام ما اقترحتْ … وَجُودُه أعدَمَ الشَّاكين للعَدَمِ
قد ملَّكَتْه العَوَالي رِقَّ مملكةٍ … تعيرُ أنفَ الثُّريا عزَّة الشَّمَمِ
أرى مقامًا عظيمَ الشَّأنِ أَوْهَمني … في يقظتي أنَّها من جُمْلة الحُلُم
يومٌ من الدَّهر لم يَخْطُرْ على أملي … ولا ترقَّتْ إليه رَغْبَةُ الهِمَمِ
ليتَ الكواكبَ تدنو لي فأنظِمَها … عقودَ مَدْحٍ فما أرضى لكم كَلِمي
ترى الوزارةَ فيه وهي باذِلةٌ … عند الخلافة نُصْحًا غير متَّهمِ
عواطِفٌ علَّمتنا أنّ بينهما … قرابةً من جميل الرَّأي لا الرَّحِمِ
خليفةٌ ووزيرٌ مدَّ عَدْلُها … ظِلًا على مَفْرِقِ الإِسلامِ والأُمَمِ
زيادةُ النِّيل نَقْصٌ عند فيضهما … فما عسى نتعاطى مِنَّةَ الدِّيَمِ
[وهي قصيدة في نفسها نفيسة إلا أن قوله "الحمد للعيس" فإنها لفظة غير رئيسة، لأن الحمد لا ينبغي إلا لعز الله وجلاله، وكبريائه وكماله، فلما أنشده القصيدة خلع
стр. 10138
عليه الفائز، وأضافه إلى الأعيان وكبراء الدولة] (١) مثل أبي المعالي بن الجبّاب الجليس والموفق أبي الحجاج يوسف بن الخلال [وقدمه وأكرمه، وكان يستشيره، وله مدائحُ كثيرةٌ في الخلفاء، والوزراء والملوك، وشاور والصالح بن رُزِّيك وشمس الدولة تورانشاه، وأكثر مدائحه فيه، ومدخ نور الدين وصلاح الدين، وقد وقفت على ديوانه وذكرت منه هاهنا من الحوادث ما يليق بزمانه، ولما قتل الصَّالح بن رُزِّيك رثاه، فقال- وقد نقل تابوته من دار الوزارة إلى القرافة، فدفن في تربته، فقال (١)]: [من الكامل]:
خَرِبَتْ ربوعُ المكْرُماتِ لراحلٍ … عَمَرَتْ به الأجداثُ وهي قِفارُ
نَعْشُ الجدود العاثرات مُشَيَّعٌ … عَمِيَتْ برؤيةِ نَعْشه الأَبْصارُ
شَخَصَ الأنامُ إليه تحت جِنازةٍ … خُفِضَتْ برفعة قَدْرِها الأقدارُ
وكأنَّه تابوت موسى أُودِعتْ … في جانبيه سكينةٌ ووَقارُ
وتغاير الحَرَمان والهَرَمانِ في … تابوته وعلى الكريم يُغارُ
أُحْلِلْتَ دارَ كرامةٍ لا تنقضي … أبدًا وحلَّ بقاتليك النَّارُ
غَضِبَ الإله على رجالٍ أقدموا … جَهْلًا عليك وآخرين أشاروا
لا تعجبوا لقُدارِ ناقةِ صالحٍ … فلكلِّ عَصْرٍ ناقةٌ وقُدارُ (٢)
وقال يرثيه: [من الطويل]
سمعتُ حديثًا أَحْسُدُ الصُّمَّ عنده … وَيذْهَلُ واعِيه ويَخْرَسُ قائِلُهْ
وقد رابني من شاهد الحال أنَّني … أرى الدَّسْتَ منصوبًا وما فيه كافِلُهْ
وأني أرى فوقَ الوجوه كآبةً … تَدُلُّ على أَنَّ الوجوه ثواكِلُهْ
ولم لا نبكِّيه ونندُبُ فَقْدَهُ … وأولادُنا أيتامُه وأرامِلُهْ
وقال يمدح شمس الدولة ويحرِّضه على اليمن، [وقيل: هذه الأبيات كانت سببًا لمسير شمس الدولة إلى اليمن] (٣): [من البسيط]
стр. 10139
العِلْمُ مُذْ كان محتاجٌ إلى العَلَمِ … وشَفْرَةُ السَّيفِ تستغني عن القَلَمِ
وخير وصْفِكَ إنْ غامرتَ في شَرَفٍ … عزمٌ يفرِّقُ بين السَّاقِ والقَدَمِ
إنَّ المعالي عروسٌ غير راضيةٍ … إنْ لم تخلِّقْ رداياها برَشْحِ دَمِ
كم يترك البيض في الأجفان ظامئةً … إلى الموارِدِ في الأعناق والقِمَمِ
ومُقلَةُ المَجْدِ نحو العِزِّ شاخِصةٌ … فاتركْ قعودَك عن حوماتها وقُم
أمامَكَ الفَتْحُ من شامٍ ومن يَمَنٍ … فلا تَرُدَّ رؤوسَ الخيل باللُّجُمِ
فعمُّك الملك المنصور سوَّمها … من الفرات إلى مِصْرٍ بلا سأمِ
هذا ابنُ تُومَرْتَ قد كانت بدايتُهُ … كما يقولُ الورى لحمًا على وَضَمِ
قد كان أوَّل هذا الدِّين من رَجُلٍ … سعى إلى أن دَعوه سيِّدَ الأُمَمِ
قال العماد [الكاتب في "الخريدة"] (١): اتفقتْ لعمارة اتفاقاتٌ عجيبة، منها أنَّه نُسِبَ إليه قولُ هذا البيت، فكان أحدَ أسباب قَتْله، ويجوز أن يكون معمولًا عليه، ثم قال: فَقُطِعَ الطريق على عُمارة، واعتيض بخرابة عن العِمارة، فأفتى فقهاءُ مِصْر بقتله، وحرَّضوا السُّلْطان على المُثْلة بمِثْله (٢).
ثم قال عمارة: [من البسيط]
وما رضيتُ بوَجْهي أنْ أجودَ به … على بخيلٍ ولا استسمنت ذا وَرَم
حاشا عوائدك الحُسْنى تنامُ لها … أجفانُ عينٍ وعينُ الله لم تَنَمِ
من أبيات.
ذكر مقتله: واختلفوا فيه على أقوال، [أحدها] (١) أنَّ سببه قوله هذا البيت، وكان في قلب صلاح الدين منه، لأنَّه نُقل إليه عنه أنَّه سعى في الدولة، [وسنذكره] (١).
والثَّاني: أنه رثى أهل القَصْر بمرثية عرَّض فيها بصلاح الدِّين، فقال: [من البسيط]
رميت يا دَهرُ كفَّ المَجْدِ بالشَّلَلِ … وجِيدَه بعد حُسْن الحَلْي بالعَطَلِ
سَعَيتَ في منهج الرأي العثور فإنْ … قَدَرْتَ من عَثَرَات السَّعْي فاسْتَقِلِ
стр. 10140
جَدَعْتَ مارِنَك (١) الأقنى فأنفك لا … ينفكُّ ما بين نقْصِ الشَّين والخَجَلِ
هَدَمْتَ قاعدة المعروفِ عن عَجَلِ … سُقيتَ مُهْلًا (٢) أما تمشي على مَهَلِ
قَدِمْتُ مِصْرَ فأوْلتني خلائِفُها … من المكارمِ ما يُرْبي على الأمل
قومٌ عَرَفْتُ بهم كَسْبَ الألوف ومِنْ … كمالها أنَّها جاءت ولم أَسَلِ
وكنتُ من وزراء الدَّسْت حيث يرى … رأس الحِصانِ يهاديه على الكَفَلِ
يا عاذلي في هوى أبناءِ فاطمةٍ … لك المَلامةُ إن قَصَّرْتَ في عَذَلي
بالله زُرْ ساحةَ القَصْرَينِ وابكِ معي … عليهما لا على صِفِّينَ والجَمَلِ
وقل لأهلهما واللهِ ما التحمت … فيكم جروحي وما قَرْحي بمُنْدَمِلِ
ماذا تَرَى كانتِ الإفرنجُ فاعلةً … في نَسْلِ آل أميرِ المؤمنين علي
هل كان في الأمر شيءٌ غير قسمة ما … مُلِّكْتُمُ بين حُكْم السَّبْي والنَّفَلِ
مررتُ بالقَصْر والأركانُ خاليةٌ … من الوفودِ وكانت قِبْلَةَ القُبَلِ
فملتُ عنها بوجهي خوفَ مُنْتَقِدٍ … من الوشاة ووَجْه الوُدِّ لم يَمِلِ
أَسْبَلْتُ من أسفٍ دمعي غَدَاةَ خَلَتْ … رحابُكُمْ وغَدَتْ مهجورةَ السُّبُلِ
أبكي على مأثُراتٍ من مكارِمِكُمْ … حال الزَّمانُ عليها وهي لم تَحُلِ
دارُ الضِّيافةِ كانت أُنْسَ وافِدكُمْ … واليومَ أَوْحَشُ مِنْ رَسْم ومن طَلَلِ
وكسوة النَّاس في الفَصْلَين قد دَرَسَتْ … ورَثَّ منها جديدٌ عنهمُ وبلي
وأوَّلُ العام والعيدان كم لكُمُ … فيهنَّ من وَبْلِ (٣) جُودٍ ليس بالوَشَلِ
وموسم كان في يوم الخليج لكم … تمشي العرائس في حلي وفي حلل
والأرضُ تهتزُّ في يوم الغدير كما … يهتز ما بين قصريكُم مِنَ الأَسَلِ
كانت رواتبكم للمؤمنين وللضَّـ … ـيف المقيمِ وللطَّاري من الرُّسُلِ
وما خَصَصْتُمْ بهذا أهلَ مِلَّتِكُمْ … حتى عَمَمْتُمْ به الأقصى من المِلَلِ
وللجوامع من أَحْباسِكُمْ نِعَمٌ … لمن تصدَّر في فَضْلٍ وفي عَمَلِ
стр. 10141
والله لا فازَ يومَ الحَشْرِ مُبْغِضُكُمْ … ولا نجا من عذاب الله غير ولي
ولم ينلْ جَنَّة الخُلْد التي خُلِقَتْ … مَنْ خان عهدَ الإمامِ العاضدِ ابنِ علي
وبلغت صلاحَ الدين فأراد قَتْله، فلم يتمكَّن من ذلك لأنه كان مكينًا محترمًا في الدَّولة، وكان أخوه شمس الدولة يرى لعمارة، وكان خصيصًا به، فسكت على مضضٍ.
والثالث: أَنَّ صلاح الدين بلغه أنه قد اتفق مع داعي الدُّعاة وجماعةٍ من أعيان الدولة في التَّدْبير عليه، وإقامة ولد العاضد مقام أبيه، وكاتبوا الفرنج، وكان زين الدين بن نُجَيَّة الواعظ معهم، فأنهى ذلك إلى صلاح الدين، فاحضرهم، وسألهم، فلم ينكروا ولا اعترفوا، واتفقت غيبةُ شمس الدولة في اليمن، ولو كان حاضرًا ما مكَّن صلاحَ الدِّين من قتله، فأول من صُلِبَ داعي الدعاة، وقاضي القضاة بمصر وهو أبو القاسم هبة الله بن كامل، وكان عندهم في المنزلة العُلْيا، وكان فاضلًا، ومن شعره في صبي يرفأ: [من مخلع البسيط]
يا رافيًا خَرْقَ كلِّ ثوبٍ (١) … ويا رشًا حُبُّه اعتقادي
عسى بكفِّ الوصال تَرْفُو … ما مزَّقَ الهَجْرُ من فؤادي
وكان عمارة قد اجتاز قبل أن يصلب بثلاثة أيام على مصلوب، فقال: [من الوافر]
أرادَ عُلُوَّ مرتبةٍ وقَدْرِ … فأصبحَ فوقَ جِذْعٍ وهو عالي
ومدَّ على صليب الجِذْعِ منه … يمينًا لا تطولُ إلى الشِّمالِ
ونكَّسَ رأسه لعتابِ قَلْبٍ … دعاه إلى الغَوَاية والضَّلال
وهذا من أعجب الاتِّفاقات، [وأغرب الواقعات] (٢).
ولما أمر صلاح الدين بصلبه مرُّوا به على دار القاضي الفاضل، فرمى بنفسه على بابه، وطلب الدخول إليه، فلم يأذن له، ولا أجاره، فقال: [من مجزوء الكامل]
عبدُ الرَّحيم قد احْتَجَبْ … إنَّ الخلاصَ من العَجَبْ
فصلب، وهو صائم في شهر رمضان.
стр. 10142
وقال تاج الدين الكندي: [من الطويل]
عُمارة في الإسلام أبدى خيانةً … وبايع فيها بِيعةً وصَليبا
وأمسى يعين الشِّرْكَ في بُغْضِ أحمدٍ … فأصبحَ في حُبِّ الصَّليب صليبا (١)
وكان خبيثَ الملتقى إنْ عَجَمْتَه … تَجِدْ منه عودًا في النِّفاق صليبا (٢)
سيلقى غدًا ماكان يسعى لمثله … ويُسْقى صديدًا في لظًى وصَلِيبا (٣)
قلت (٤): وقال القاضي شمس الدِّين بن خَلِّكان قاضي القضاة رحمه الله تعالى: كان بين عُمارة وبين الكامل بن شاور صحبة متأكدة، فلما وَزَرَ والده، استحال على عمارة، فكتَبَ إليه: [من الطويل]
إذا لم يُسالمك الزَّمانُ فحارِبِ … وباعد إذا لم تنتفعْ بالأقارب
ولا تحتقرْ كيدًا ضعيفًا فربَّما … تموتُ الأفاعي من سمام العقاربِ
فقد هدَّ قِدْمًا عَرْشَ بِلْقيسَ هُدْهُدٌ … وخرَّبَ فأرٌ قبلَ ذا سدَّ مأربِ
إذا كان رأسُ المال عمرَك فاحْتَرِزْ … عليه من الإنفاق في غير واجبِ
فبين اختلاف الليل والصبح مَعْرَك … يكرُّ علينا جيشُه بالعجائبِ
وما راعني غَدْرُ الشَّباب لأنَّني … أَنِسْتُ بهذا الخُلْق من كلِّ صاحبِ
وغَدْرُ الفتى في عهده ووفائه … وغَدْر المواضي في نبوِّ المضارب
إذا كان هذا الدُّرُّ معدِنُه فمي … فصونوه عن تقبيل راحة واهبِ
رأيتُ رجالًا أصبحت في مآدب … لديكم وحالي وحدها في نوادب
تأخرتُ لما قدَّمتْهُمْ علاكمُ … عليّ وتأبى الأُسْد سَبْقَ الثَّعالبِ
تُرى أين كانوا في مواطنيَ التي … غَدَوتُ لكم فيهن أكرم نائب
لياليَ أتلو ذكركم في مجالس … حديث الورى فيها بغمز الحواجب (٥)
стр. 10143
محمود بن زَنْكي بن آق سُنْقُر (١)
أبو القاسم، الملك العادل نور الدين، رحمه الله تعالى.
[اعلم أن سيرة نور الدين أولى ما صرفت العناية إليها، واعتمد في اغتناء الفضائل عليها، تحثُّ الطالب على نيل المطالب، وتعدل بهمة الراغب على تحصيل الرغائب، وقد ذكر العلماء سيرته، وسطر الفضلاء ترجمته، وقد جمعت في كتابي هذا ما تفرَّق في تواريخهم من محاسن أخباره، وأتيت على معظم مآثره وآثاره.
ذكر مولده وصفته وطَرَف من أخباره:
ذكر الحافظ ابن عساكر أنه ولد] (٢) سنة إحدى عشرة وخمس مئة، وكان معتدل القامة، أسمر اللون، واسع الجبهة، حسن الصُّورة، لحيته شعراتٌ خفيفة في حنكه.
[قال] (٣): ونشأ على الخير والصَّلاح، وقرأ القرآن، [وكان مواظبًا على] (٣) العبادة، [وكان] (٣) قليل المخالطة للجُنْد، وكان [أبوه] (٣) زنكي يقدمه على أولاده ويرى فيه مخايل النجابة.
[قال] (٣): وفتح نيفًا وخمسين حِصْنًا، منها: تل با شر، وعَزَاز، ومَرْعَش، وبَهَسْنى، وتل خالد، وحارم، والمَرْزُبان، ورَعْبان، وكيسون، وا لرُّها، وكسر إبرنس أنْطاكية، وقتله، وقتل معه ثلاثة آلاف، وأخذ من القومص ثلاث مئة ألف دينار وخمس مئة زَرَدية، وخمس مئة حصان، وخمس مئة أسير.
واتسع مُلْكه، ففتح المَوْصل والجزيرة وديار بكر والشَّام والعواصم ودمشق وبعلبك وبانياس ومِصْر واليمن، وخُطِبَ له في الدُّنيا، وأظهر السُّنَّة بحلب، وأزال الأذان بحيّ على خير العمل، وبنى بها المدارس، [وأوقف الأوقاف، وبنى سور دمشق
стр. 10144
والمدارس] (١) وأسقط ما كان يؤخذ من دار البطيخ، وسوق الخيل والغنم، والكيالة، وجميع المكوس، وعاقب على شُرْب الخمر.
وكان في الحرب ثابت القدم، حسن الرمي، يتقدَّم أصحابه فيها، ويتعرَّض للشَّهادة، ويسأل الله أن يحشره من بطون السِّباع، وحواصل الطَّير.
ووقف أوقافًا على المرضى والمجانين، وبنى المكاتب لليتامى، وبنى المارَسْتان بدمشق، ووقف على سُكان الحرمين، وأقطع أمراء العرب القطائع لئلا يتعرَّضوا للحاجّ، وأمر بإكمال سور المدينة، وأجرى إليها العين التي تأخذ من أُحُد من عند قبر حمزة ﵁، وبنى الرُّبُط والجُسور والخانات والقناطر، وجدَّد كثيرًا من قُني السَّبيل، وكذا صَنَعَ في غير دمشق من البلاد التي ملكها، ووقف كُتُبًا كثيرة في مدارسه، وكان حسنَ الخطِّ، كثير المطالعة للكُتُب الدِّينية، متبعًا للآثار النبوية، مواظبًا على الصلوات الخمس في الجماعات، عاكفًا على تلاوة القرآن، حريصًا على فعل الخير، عفيف البطن والفرج، مقتصدًا في الإنفاق، متحرِّيًا في المطعم والمشرب والملبس، لم تُسْمع منه كلمة فحش قط، لا في رضاه ولا في غضبه، هذا مع ما جَمَع الله فيه من العقل المتين، والرأي الثَّاقب الرصين، والاقتداء بسيرة السَّلف الصَّالحين، حتى روى حديث المصطفى ﷺ ، وأسمعه. وكان قد استجيز له [ممن سمعه وجمعه حرصًا منه على الخير في نشر السنة بالأداء والتحديث، ورجاء أن يكون ممن حفظ على الأمة أربعين حديثًا كما جاء في الحديث] (١)، فمن رآه شاهد من جلال السَّلْطنة وهيبةِ المملكة ما يبهره، فإذا فاوضه رأى من لطافته وتواضعه ما يحيِّره، يحبُّ الصالحين ويؤاخيهم، ويزورهم في أماكنهم لحُسْن ظنِّه فيهم. [هذا قول ابن عساكر، وذكر كلامًا طويلًا في هذا المعنى] (٢).
стр. 10145
وقال الجزري في "تاريخ المَوْصل": قد طالعتُ تواريخ الملوك المتقدمين [من] قبل الإسلام وإلى يومنا [هذاي (١)، فلم أَرَ فيها بعد الخلفاء الرَّاشدين وعمر بن عبد العزيز ملكًا أحسنَ سيرةً من نور الدِّين، ولا أكثر تحرِّيًا للعَدْل والإنصاف منه (٢)، ثم ذكر [من] (١) عدله وزُهْده وفَضْله وجهاده واجتهاده من جنس ما ذكر [الحافظ] (١) ابن عساكر، قال: وكان لا يأكل ولا يَلْبَس ولا يتصرَّف فيما يخصُّه إلا من مِلْكٍ اشتراه من سهمه من غنائم الكُفَّار، وكان يحضر الفقهاء، ويستفتيهم فيما يحلُّ له من تناول الأموال، فأفتوه من جهات عيَّنوها، فلم يتعدَّها إلى غيرها، ولم يَلْبَس حريرًا قطُّ ولا ذهبًا ولا فضَّة، ومنع من بيع الخمرة في بلاده، وكان يحدُّ شاربها، والنَّاس عنده سواء في ذلك.
وكان كثيرَ الصِّيام، وله أوراد في اللَّيل والنَّهار، فكان يقدِّم أشغال المسلمين عليها ثم يتمّم أوراده، وكان تزوج الخاتون بنت معين الدِّين أُنَر، فطلبتْ منه زيادةَ نفقة فغَضب، وقال: قد فرضتُ لها ما يكفيها، والله [لا] (١) أخوض جهنَّم بسببها، وهذه الأموال ليست لي إنما هي للمُسْلمين، وأنا خازنُهم، فلا أخونهم فيها، ولي بحمص ثلاث دكاكين اشتريتها من الغنائم، قد وهبتها لها، وكان يحصل منها قدر يسير.
قال: وكان يلعب بالكرة (٣) كثيرًا، فكتبَ إليه بعضُ الصَّالحين يُنكر عليه ويقول: إنَّك تُتْعب الخيل في غير فائدة، فكتب إليه [نور الدين] (١) بخطه: والله ما أقصد اللعب، وإنما نحن [في] (١) ثغر، والعدوُّ منا قريب، فربما وقع صوت فتكون الخيل قد أَدْمنت على سُرْعة الانعطاف بالكَرِّ والفرِّ، فإذا طلبنا العدو أدركناه، ولو تركناها بحالها لصارت جَمَامًا لا ينتفع بها، فنيَّتي في لعب الكرة هذا (١).
وأُهديت له عِمامة مُذْهبة من مِصْر، فوهبها لشيخ الصُّوفية أبي الفتح [بن] (١) حمُّويه، فبعث بها إلى العجم، فبيعت بألف دينار (١).
стр. 10146
[قال] (١): وكان عارفًا بمذهب أبي حنيفة، وليس عنده تعصُّب على أحدٍ، والمذاهب كلّها سواء (٢).
[قال] (١): وكان يومًا يلعب بالكرة في مَيدان دمشق، فجاءه رجلٌ، فوقف بإزائه وأشار إليه، فقال للحاجب: سَلْه ما حاجته؟ فسأله، فقال: لي مع نور الدِّين حكومة، فرمى الصّولجان من يده، وجاء إلى مجلس القاضي كمال الدين [بن] (١) الشَّهْرُزُوري، وتقدَّمه الحاجب يقول [للقاضي: قد قال لك] (١) لا تنزعج، واسْلُكْ معي ما تسلكه مع آحاد النّاس. فلما حضر سوَّى بينه وبين خصمه، وتحاكما، فلم يثبت للرَّجل عليه حق، وكان يدَّعي مِلْكًا في يد نور الدِّين، فقال نور الدين للقاضي والعدول: هل ثَبَتَ له عليَّ حق؟ قالوا: لا، قال: فاشْهدوا أَنِّي قد وَهَبْتُ له الملك، وقد كنتُ أعلم أنَّه لا حقَّ له عندي، وإنما حضرت معه لئلا يُقال عني أني دُعيت إلى مجلس الشرع، فأبيتُ (٢).
[قال] (١): ودخل يومًا إلى خزانته، فرأى مالًا كثيرًا، فقال: مِنْ أين هذا؟ قالوا: قد بعَثَ القاضي كمال الدِّين من فائض الأوقاف، فقال: ردُّوه إليه، وقولوا له: أنا رقبتي دقيقة، لا أقدر على حَمْله غدًا، وأنتَ رقبتك غليظة تقدر على حَمْله (٢).
[قال] (١): ونور الدِّين أول من بنى دارًا للكشف بدمشق، وسمَّاها دار العَدْل (٣)، وسببه أنَّ الأُمراء لما قَدِموا دمشق اقتنوا الأملاك، واستطالوا على النَّاس، وخصوصًا أسد الدِّين شيركوه، فكثرت الشكاوى إلى القاضي، فلم يقدر على الانتصاف من أسد الدِّين، فشكاه إلى نور الدين، فأمر ببناء دار العدْل، فاحضر شيركوه أصحابه وديوانه، وقال: إنَّ نور الدِّين ما بنى هذه الدار إلا بسببي وَحْدي لينتقم مني، والا فمَنْ هو الذي يمتنع على كمال الدِّين، والله لئن أُحضرت إلى دار العَدْل بسبب واحدٍ منكم لأصلبنَّه، فإن كان بينكم وبين أحدٍ منازعة فأرضوه مهما أمكن، ولو أتى على جميع ما في يدي، فإنَّ خروج أملاكي من يدي أهون عليَّ من أن يراني نور الدين بعين [أني] (٤) ظالم، ويسوِّي بيني وبين آحاد العوام. ففعلوا، وأرضوا الخصوم، فجلس نور الدين في دار
стр. 10147
العَدْل، وقال للقاضي: ما أرى أحدًا يشكو من شيركوه، فأخبره الخبر، فسجد، وقال: الحمد لله الذي جعل أصحابنا يُنصفون من نفوسهم قبل حضورهم عندنا.
وكان يقعد في دار العَدْل في كلِّ أسبوع أربعة أيام [أو خمسة] (١) ويحضر عنده الفقهاء (٢)، ويأمر بإزالة الحاجب والبواب، ويوصل إليه الشيخ الضَّعيف والعجوز الكبيرة، ويسأل الفقهاء عما أَشكل عليه (٣).
[قال] (٤): وكان [نور الدين] (٤) إذا حضر الحرب شدَّ تَرْكَشَين (٥)، وحمل قوسين، وباشر الحرب بنفسه، فقال له القطب النَّيسابوري: لا تخاطر بنفسك فأنتَ عمادُ الإسلام والمُسْلمين، فلو أُصبتَ في معركة والعياذ بالله؛ لا يبقى من يقوم مقامك وذهبت البلاد. فقال له: ومَنْ محمود حتى يُقال له هذا، ومن حفظ [البلاد قبلي إلا الله تعالى (٣).
وكان إذا مات أحدٌ من جنده] (٤) أو قُتِلَ وله ولد، فإن كان كبيرًا أقرَّ الإقطاع عليه، وإنْ كان صغيرًا رتَّب معه من يتولى أمره إلى أن يكبر، فكان الأجناد يقولون: هذه أملاكنا ونحن نقاتل عليها لأنَّا نتوارثها (٣).
[قال] (٤): وما كان يتكل الجند على الأُمراء بل يتولاهم بنفسه، ويباشر [هم، ويتفقد] (٤) خيولهم وسلاحهم مخافة أن يقصِّر الأُمراءُ في حقِّهم، ويقول: نحن كل وقت في النَّفير، فإذا لم تكن أجنادُنا كاملي العُدَّة دخل الوَهْن على الإسلام (٣).
[قال] (٤): وبنى جامعه بالمَوْصل، وفوَّض عمارته إلى الشيخ عمر المَلَّاء، وكان من الصَّالحين، فقيل له: إنَّه لا يصلح لمثل هذا. فقال: إذا ولَّيتُ بعضَ الأجناد [أو بعض العمال] (٤) فلا يخلو من الظُّلم، وبناءُ الجامع لا يفي بظُلْم رجلٍ مُسْلم، وإذا ولَّيتُ مثل هذا الشيخ غَلَبَ على ظنِّي أنَّه لا يظلم، فإذا ظلم كان الإثمُ عليه [لا عليَّ] (٤).
стр. 10148
وكان [عمر] (١) المَلَّاء من الصَّالحين، وإنما سُمِّي المَلَّاء لأنَّه كان يملأ تنانير الآجُرّ،
ويأخذ الأُجرة، فيتقوَّت بها، وكان ما عليه من الثِّياب مثل القميص والعِمامة ما يملك غيره.
[وكان] (١) لا يملك من الدُّنيا شيئًا، وكان عالمًا بفنون العلوم، وجميع الملوك والعلماء والأعيان يزورونه [لأجل صلاحه] (١) ويتبركون به (٢)، وصنَّف كتاب سيرة النَّبيِّ ﷺ ، وكان يعمل مولد النَّبيِّ ﷺ في كلِّ سنة، ويحضر دعوته صاحبُ المَوْصل والأكابر، وكان نور الدين يحبُّه ويكاتبه، وكان مكان الجامع النُّوري خَرِبة واسعة ما شَرَعَ أحدٌ في عمارتها إلا وقصر عمره، فأشار عمر على نور الدين بعمارتها جامعًا، فاشتراها وأنفق عليها أموالًا كثيرة، يقال ستين ألف دينار، ويقال: ثلاث مئة ألف دينار، فتمَّ في ثلاث سنين، وجاء نور الدِّين إلى المَوْصل [وهي] (١) المرة الأخيرة، فصلَّى فيه، ووقف عليه قرية بالمَوْصل، ورتَّب فيه الخطيب والمؤذِّنين والحُصُر والبُسط وغيرها، ثم دخل عمر المَلَّاء على [نور الدين] (٣) وهو جالسٌ على دِجْلة، فترك بين يديه دساتير الخَرْج، وقال: يا مولانا أَشْتهي أن تنظر فيها، فقال له نور الدين: يا شيخ نحن عملنا هذا لله تعالى، دع الحساب إلى يوم الحساب، ثم رمى بالدَّساتير في دِجْلة.
[قال] (١): وبنى جامع حماة على العاصي (٢).
ووقع [بيد نور الدين] (٤) إفرنجي من أكابر الملوك، ففدى نفسه بمالٍ عظيم، فشاور نور الدِّين أمراءه، فأشاروا ببقائه في الأَسْر خوفًا من شرِّه، فأرسل إليه نور الدِّين في السِّر يقول: أحضرِ المال، فأحضر ثلاث مئة ألف دينار، فأطلقه [نور الدين] (١) فعند وصوله إلى مأمنه مات، فطلب الأُمراء أسهمهم من المال، فقال نور الدِّين: ما تستحقون منه شيئًا، لأنكم نَهَيتُم عن الفداء، وقد جمع الله لي الحُسْنيين: الفداء، وموت اللعين، وخلاص المُسلمين منه. [فبنى بذلك المال المارَسْتان] (٥).
стр. 10149
فقال ابنُ الأثير: وبلغني أنَّ وقوف نور الدِّين في أبواب البر بالشام [في وقتنا هذا وهو سنة (١)] ثمانٍ وستّ مئة كل شهر تسعة آلاف دينار صورية، ليس فيها ملك فيه كلام، بل حقٌّ ثابت بالشَّرْع باطنًا وظاهرًا، صحيح الشراء (٢).
[قلت: يرحم الله المجد (٣)، أشار إلى ذلك العهد، أما في زماننا هذا فقد تشعث وقفه، وتغيرت صفاته، ولم يبق منه إلا آثاره وبركاته.
وحكى ابن الأثير أيضًا أنَّ] (٤) بعض الأُمراء [كان] (٤) يحسد القطب النَّيسابوري لقربه من نور الدِّين، فنال منه يومًا عنده، فقال له: يا مسكين، لو نظرتَ في عيب نفسك لشغلك عن عيوب غيرك، وإن صحَّ ما قلته عنه فله حسنةٌ واحدة يغفر الله له بها كل زلة، وهي العِلْم، وأنتَ وأصحابك ليست لكم عند الله حسنة، والله لأن عدت إلى ذكره أو ذكر غيره بسوء لأؤدِّبنك، فكفَّ عنه (٥).
[قال] (٤): وما كان أحدٌ من الأُمراء يتجاسر أن يجلس عنده من هيبته، فإذا دَخَلَ عليه فقيرٌ أو عالم أو ربُّ حِرْفة، قام ومشى إليه وأجلسه إلى جانبه، ويعطيهم الأموال، فإذا قيل له في ذلك يقول: هؤلاء لهم حقٌّ في بيت المال، فإذا قنعوا منا ببعضه، فلهم المِنَّة علينا (٥).
[وذكره العماد الكاتب في أول "البرق الشامي"، وأثنى عليه، فقال: وفي سنة تسع وستين وخمس مئة، وهي التي توفي فيها نور الدين أكثر فيها من الصدقات والأوقاف وعمارة المساجد المهجورة] (٦) وتعفية آثار الآثام، وإسقاط كل ما [كان فيه من
стр. 10150
الحرام] (١)، فما أبقى سوى الجزية والخَرَاج، وما تحصَّل من قسمة الغَلَّات على قويم المنهاج.
[قال] (٢): وأمرني بكِتْبة مناشير أهل البلاد، فكتبتُ أكثرَ من ألف منشور، و [حَسَبْنا ما] (٢) تصدَّق به في تلك الشهور، [فكان] (٢) ثلاثين ألف دينار، وكان له برسم نفقته الخاص في كلِّ شهر من الجزية ما يبلغ ألفي قرطاس، يصرفها في كسوته وملبوسه ومأكوله حتى أُجْرة خيَّاطه وجامكية طبَّاخه، ويستفضل منها ما يتصدَّق به في آخر الشهر، ويقال: إن قيمةَ القراطيس مئةٌ وخمسون دِرْهمًا، وقيل: كان [كل] (٢) ستين قرطاسًا بدينار أو سبعين [درهمًا] (٢).
[قال] (٢): وما كان يصل إليه من هدايا الملوك وغيرهم يبعث به إلى القاضي، فيبيعه ويعمر به المساجد المهجورة، ولا يتناول منه شيئًا، وأمر بإحصاء مساجد دمشق، فأُحصيت، فكانت مئة مسجد، فأوقف الأوقاف على جميعها، [وذكر العماد جملة من فضائله، ولمعة من فواضله] (٢)، ومن المساجد: جامع قلعة دمشق، ومسجد عطية بباب الجابية، ومسجد الرَّمَّاحين، ومسجد سوق الصَّاغة، ومسجد دار البطيخ، ومسجد العباسي، [ومسجد] (٢) بجوار بيعة اليهود، ومسجد الكشك، وأشياء أُخر.
[قلت (٣): وذكر جدي نور الدين في "المنتظم" بكلمات يسيرة، فقال: ولي الشام سنين، وجاهد الكفار، وكان أصلح من كثير من الولاة، وكان يتدين بطاعة الخلافة، والطرق آمنة في أيامه، والمحامد كثيرة، وذكر بناء مارستان دمشق وجامع الموصل، وكان يميل إلى التواضع، ويحب العلماء وأهل الدين، وقد كاتبني مرارًا، وذكر أسره لملك الفرنج، وأنه أخذ منه ثلاث مئة ألف دينار، وشرط عليه أن لا يُغير على بلاد المسلمين سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام، وأخذ منه رهائن على ذلك. هذا صورة ما ذكره جدي في "المنتظم" (٤) في ترجمة نور الدين.
стр. 10151
قلت: وقد صنف كتابًا سماه "الفخر النوري" فيه أحاديث العدل والجهاد ومواعظ وغير ذلك، وصنف نور الدين أيضًا كتابًا في الجهاد، وهو بدمشق.
قلت: فقد ذكرتُ ما نقله علماء السير مما وقع لهم من سيرته، وما يستدل به على صالح سريرته، وقد وقع لي مآثر لم يذكروها، ومفاخر لم يُسَطِّروها لم تكن لملك غيره من ملوك الجاهلية والإسلام، ولا رأوها ولا في الأحلام]، كان مشغولًا بصيد الصِّيد (١) لا بصيد الغزلان، وما زال بَدْرُ مبادرته إلى الخيرات يتمُّ لا عن نقصان، هذي المكارم لا قَعْبان (٢)، كان في عزمه أن يفتح البيت المقدَّس، فعمل منبرًا وقِبْلة بجامع حلب على اسم القُدْس، فتوفي قبل الفتوح، فلما [ملك صلاح الدين البيت المقدس] (٣) حمل المنبر إليه، وأبقى القِبْلة بجامع حلب.
[ومنها أنه] (٤) كان له عجائز بدمشق وحلب، فكان يخيط الكوافي، ويعمل الساكر للأبواب، ويبيعها العجائز ولا يدري بهنَّ أحد، فكان يوم يصوم يُفْطر على أثمانها، وحكى لي شرف الدِّين يعقوب بن المبارز المعتمد أنَّ في دارهم سُكَّرة من عمله على خرستان، وهي باقية إلى سنة خمسين وست مئة، يتبرَّكون بها.
[ومنها ما حكاه لي الشيخ أبو عمر شيخ المقادسة ﵀ قال] (٥): كان نور الدين يزور والدي الشيخ أحمد في المدرسة الصَّغيرة التي على نهر يزيد المجاورة للدَّير، [ونور الدين بنى هذه المدرسة والمصنع والفرن، قال:] (٤) فجاء يومًا لزيارة والدي، وكان في سقف المسجد خشبة مكسورة، فقال له بعضُ الجماعة: يا نورَ الدِّين لو كشفت السقف وجدَّدته. فنظر إلى الخشبة وسكت، فلما كان من الغد جاء معماره ومعه خشبة صحيحة، فزرقها موضع المكسورة ومضى، فعجب الجماعة، فلما جاء
стр. 10152
إلى الزِّيارة قال له بعضُ الحاضرين: يا نور الدِّين، فاكرتنا في كشف السقف. فقال: لا والله، وإنما هذا الشيخ أحمد رجل صالح، وإنما أزوره لأنتفع به، وما أردتُ أن أزخرف له المسجد، وأنقض ما هو صحيح، وهذه الخشبة يحصل بها المقصود، فدعوني مع حُسْن ظني فيه، فلعل الله ينفعني به.
[ومنها ما حكاه لي رجل صالح] (١) من أهل حرَّان بقُبَّة الشيخ حياة (٢) سنة خمس وستّ مئة، وكان قد نيف على التسعين سنة، قال: لما قُتِلَ أتابك زَنْكي على قلعة جَعْبر، وملك نورُ الدِّين قلعة حلب، تصدَّق وأزال المكوس، وردَّ المظالم، وأنا حديثُ عهد بعرس، وقد ركبني دينٌ، فقالت لي زوجتي: قد سمعتَ أوصاف نور الدِّين وإحسانه، فلو قصدته وأنهيتَ إليه حالك لقضى دينك، [قال]: (٣) فخرجت من حَرَّان، وليس معي سوى دِرْهمين، فتركتُ عندها دِرْهمًا، وتزوَّدْتُ بدرهم، وأتيتُ الفرات وقت القائلة، فعبرتُ جسر منبج، وأبعدتُ عن أعين النَّاس، وخلعت ثيابي ونزلتُ، فتوضأتُ للصَّلاة، وصليتُ رَكْعتين، وإذا إلى جانبي شخصٌ ملفوفٌ في عباءة، فقال لي: يا فقير من أين أنتَ؟ قلتُ: من حَرَّان، قال: وإلى أين؟ قلتُ: إلى حلب، قال: وما تصنع فيها؟ فقلتُ: أنا فقير ومديون، وقد بلغني إحسانُ نور الدِّين إلى الخَلْق، فقصدتُه لعلَّه يقضي ديني. قال: وأين أنت من نور الدِّين؟ ومَنْ يُوصلك إليه؟ كم عليك دين؟ قلتُ: خمسون دينارًا. فأخرج يده من العباءة وبحث الرمل، وأخرج منه قرطاسًا، وألقاه إليَّ، وقال: خُذْ هذا، فاقضِ به دينك، وارجعْ إلى أهلك، فأخذتُه، فعددته، وإذا به خمسون دينارًا، والتفتُّ فلم أره، فبهت وبت في مكاني أفكر: هل أرجع إلى حَرَّان أم أمضي إلى حلب؟ فترجَّح عندي المضي إلى حلب. وقلتُ في نفسي: فهذه أوفي بها ديني، فمن أين أتقوَّت؟ ثم قمتُ وقصدتُ طريق حلب، فبتُّ بباب بُزاعة، وقمتُ في الليل، فأصبحت تحت قلعة حلب [وقت الصباح] (٣) فصلَّيتُ وقعدتُ [تحت القلعة] (٣)، وإذا قد فُتح بابُها ونزل نور الدين في أُبَّهةٍ عظيمة والأُمراءُ بين يديه، حتى جاء إلى المَيدان، فلما أراد أن يدخل نظر إليَّ
стр. 10153
ورمقني طويلًا، وأشار إلى خادمٍ بين يديه بشيء، فجاء إليَّ، وقال: قُمْ. فأخذني، وصَعِدَ بي إلى القَلْعة، فندمتُ على مجيئي [إلى حلب] (١)، وقلتُ: ليتني قبلتُ من ذلك [الرجل] (١) الصَّالح، ولعل نور الدين توهَّم أني إسماعيلي، [قال] (١): فلما كان بعد ساعة عاد نور الدين إلى القلعة، وجلس في الإيوان، ومُدَّ سماطٌ عظيم ولم يمدَّ يده إليه، وإذا قد فُتح بابٌ عن يمينه صغير، وخَرَجَ منه خادم، وعلى يده طبق خُوص مُغطى بمنديل، فوضعه بين يديه، وفيه غضارة (٢) عليها رغيف، فتأملتُها [من بعيد] (١) وهي ثردة، فتناول منها شيئًا يسيرًا، وأكل النَّاس وأكلتُ معهم، وصرف النَّاس، وبقيت قاعدًا خائفًا، فأومى إليَّ، فقمتُ، وأتيتُ إلى بين يديه [وأنا خائف أرعد] (١)، فقال: من أين أنت؟ قلتُ: من حَرَّان، قال: وما الذي أقدمك؟ قلتُ: عليَّ دين، وبلغني إحسانك [إلى الناس] (١) فقصدتك [لتقضي ديني] (١)، قال: وكم دينك؟ قلتُ: خمسونَ دينارًا، فقال: فما أعطاك أمسِ صاحبُ العباءة على الفرات خمسين دينارًا! هلا رجعتَ إلى أهلك وأنت عليك خرقة الفقر، وإذا حصل القوت للفقير فما يطلب شيئًا آخر، ثم قال: ما نضيِّع تعبك؛ ورفع سجَّادته وكانت زرقاء، وإذا بقرطاس مثل القرطاس [الأول] (١) الذي أعطاني صاحب العباءة؛ فبكيتُ بكاءً كثيرًا، وقلتُ: لا آخذه حتى تخبرني بصاحب العباءة، قال: هذا أمرٌ ما يلزمك، فقلتُ: يا مولانا، أنا غريبٌ وضيف ولي [عليك] (١) حرمة، فبالله عليك أخبرني. فقال: احلف لي أنَّك لا تتحدَّث بهذا في حال حياتي. فحلفتُ له، فكشف القَبَاء عنه، وإذا بتلك العباءة على جسده، وقال: أنا ذاك الفقير. قلتُ: بالذي أعطاك هذه المنزلة (٣)، بأيِّ شيء وصلتَ إلى هذا؟ فقال: بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١]، ولكن لابُدَّ من السبب؛ لما التقينا بالفرنج على حارم، ونَصَرنا الله عليهم، وعدتُ إلى حلب، التقاني في الطَّريق شابٌّ حسنُ الوجه، طيِّبُ الرَّائحة، فسلَّم عليَّ، وقال: يا محمود، أنتَ من الأبدال، وقد أعطاك الله الدُّنيا فاشترِ بها
стр. 10154
الآخرة، وسَلْه مهما شئت، ثم علَّمني كلمات وقال: إذا طلبتَ أمرًا فاذكرها، فقلتُ له: بالله مَنْ أنتَ؟ فقال: أنا أخوك الخضر. ثم غابَ عني، فإذا عَزَمْتُ على أمرٍ، وأردتُ أذهب إلى مكة أو المدينة أو إلى أي بلدٍ شئتُ، لبستُ هذه العباءة، وتكلَّمت بتلك الكلمات، وأغمض عيني وما أفتحها إلا وأنا في تلك البقعة (١).
[وحكى (٢) لي نجم الدين الحسن بن سلام؛ أحد عدول دمشق وأعيانها، وكان صديقنا وصاحبنا ﵀] قال: لما ملك الأشرفُ ﵀ دمشق، وعمر مسجد أبي الدَّرْداء ﵁ في القلعة، وأفرده عن الدُّور، دخلتُ عليه يومًا وهو فيه، فقال لي: [يا نجم الدين] (٣) كيف ترى هذا المسجد؟ قد عمرته وأفردته عن الدُّور، وما صلَّى فيه أحدٌ منذ زمن أبي الدَّرْداء إلى الآن. فقلتُ له: الله الله يا مولانا، ما زال نور الدِّين منذ ملك دمشق يصلِّي فيه الصلوات الخمس، فقال: من أين لك هذا؟ قلتُ: حدَّثني والدي [وكان من أكابر عدول دمشق، وكان أبوه يلقب بالسَّعيد] (٤): إنَّ الفرنج لما نزلت على دِمْياط بعد وفاة أسد الدِّين، وضايقوها أُشرفت على الأخذ، فأقام نور الدِّين
стр. 10155
عشرين يومًا صائمًا لا يُفْطر إلا على الماء، فضَعُفَ، وكاد يتلف، وكان مهيبًا، فلم يتجاسر أحدٌ أن يخاطبه في ذلك، وكان له إمامٌ يقال له يحيى -ضرير- يصلِّي به في هذا المسجد، فكان يقرأ عليه القرآن، وله عنده حرمة، فاجتمع إليه خواصُّ نور الدين، وقالوا: قد خفنا على السلطان، ونحن من هيبته ما نقابله، وأنت تُدِلُّ عليه، و [نحن] (١) نسألك أن تسأله أن يتناول ما يحفظ به قوَّته، فقال: نعم، إذا صلَّيتُ به غداة غدٍ الفجر سألته. [قال] (١): فلما كان في تلك الليلة رأى الشيخ يحيى في المنام رسولَ الله ﷺ يقول له: يا يحيى، بَشِّرْ نور الدين محمود برحيل الفرنج عن دمياط، قال: فقلتُ: يا رسولَ الله، ربما لا يصدِّقني وأريد [له] (١) أمارة. قال: قل له بعلامة يوم حارم. قال: وانتبه يحيى وهو ذاهبُ العقل، فلما صلَّى نورُ الدِّين خلفه الفجر، وسَلَّم وشرع يدعو ففاته أن يتحدَّث معه، فقال له نور الدِّين: يحيى. قال: لبَّيك يا مولانا. قال: تحدِّثني أو أحدِّثك. [قال] (١): فارتعد يحيى وخَرِسَ. فقال [له] (١): أنا أحدِّثُك، رأيتَ النَّبيَّ ﷺ في هذه الليلة، وقال لك كذا وكذا؟ فقال: نعم، فبالله يا مولانا ما معنى قوله ﷺ : بعلامة يوم حارم. فقال [له] (١) نور الدين: لما التقى الصَّفَّان خِفْتُ على الإسلام، لأني رأيتُ من كثرة الفرنج ما هالني، فانفردتُ عن العسكر، ونزلتُ فمرَّغت وَجْهي في التراب، وقلتُ: يا سيِّدي مَنْ محمود في البين، الدِّينُ دينك، والجُنْد جُنْدُك، وهو اليوم فافعل ما يليقُ بكرمك، [قال] (١): فنصرنا الله عليهم.
[قلت] (٢): وحدَّثني شهاب الدِّين بن البانياسي [عم جمال الدين البانياسي] (١) -وكان على ديوان جامع دمشق-: أول ما قَدِمْتُ الشَّامَ اجتمعتُ به في درب الشعارين في قاعة الوزير صفي الدِّين بن شُكْر [وزير العادل] (١)، وكان هناك جماعة، فاشتغل الوزير بالحديث معهم، وكان شهاب إلى جانبي، فتذاكرنا نور الدين، فقال: كان أبي يخدمه في أسفاره ومقامه على ديوانه، [قال] (١) فحكى لي وأنا صغير، قال: خَرَجَ نورُ الدِّين من دمشق يتصيَّد في أرض قطنا ويعفور وأنا معه، فبينا هو ذاتَ يوم قد ركب من الخيم ليذهب إلى الصَّيد، وإذا برجلٍ أعجمي قد أقبل من ناحية دمشق ومعه خيلٌ