← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 10151–10190 · переход к 10156.

стр. 10151

قلت: وقد صنف كتابًا سماه "الفخر النوري" فيه أحاديث العدل والجهاد ومواعظ وغير ذلك، وصنف نور الدين أيضًا كتابًا في الجهاد، وهو بدمشق. قلت: فقد ذكرتُ ما نقله علماء السير مما وقع لهم من سيرته، وما يستدل به على صالح سريرته، وقد وقع لي مآثر لم يذكروها، ومفاخر لم يُسَطِّروها لم تكن لملك غيره من ملوك الجاهلية والإسلام، ولا رأوها ولا في الأحلام]، كان مشغولًا بصيد الصِّيد (١) لا بصيد الغزلان، وما زال بَدْرُ مبادرته إلى الخيرات يتمُّ لا عن نقصان، هذي المكارم لا قَعْبان (٢)، كان في عزمه أن يفتح البيت المقدَّس، فعمل منبرًا وقِبْلة بجامع حلب على اسم القُدْس، فتوفي قبل الفتوح، فلما [ملك صلاح الدين البيت المقدس] (٣) حمل المنبر إليه، وأبقى القِبْلة بجامع حلب. [ومنها أنه] (٤) كان له عجائز بدمشق وحلب، فكان يخيط الكوافي، ويعمل الساكر للأبواب، ويبيعها العجائز ولا يدري بهنَّ أحد، فكان يوم يصوم يُفْطر على أثمانها، وحكى لي شرف الدِّين يعقوب بن المبارز المعتمد أنَّ في دارهم سُكَّرة من عمله على خرستان، وهي باقية إلى سنة خمسين وست مئة، يتبرَّكون بها. [ومنها ما حكاه لي الشيخ أبو عمر شيخ المقادسة ﵀ قال] (٥): كان نور الدين يزور والدي الشيخ أحمد في المدرسة الصَّغيرة التي على نهر يزيد المجاورة للدَّير، [ونور الدين بنى هذه المدرسة والمصنع والفرن، قال:] (٤) فجاء يومًا لزيارة والدي، وكان في سقف المسجد خشبة مكسورة، فقال له بعضُ الجماعة: يا نورَ الدِّين لو كشفت السقف وجدَّدته. فنظر إلى الخشبة وسكت، فلما كان من الغد جاء معماره ومعه خشبة صحيحة، فزرقها موضع المكسورة ومضى، فعجب الجماعة، فلما جاء

стр. 10152

إلى الزِّيارة قال له بعضُ الحاضرين: يا نور الدِّين، فاكرتنا في كشف السقف. فقال: لا والله، وإنما هذا الشيخ أحمد رجل صالح، وإنما أزوره لأنتفع به، وما أردتُ أن أزخرف له المسجد، وأنقض ما هو صحيح، وهذه الخشبة يحصل بها المقصود، فدعوني مع حُسْن ظني فيه، فلعل الله ينفعني به. [ومنها ما حكاه لي رجل صالح] (١) من أهل حرَّان بقُبَّة الشيخ حياة (٢) سنة خمس وستّ مئة، وكان قد نيف على التسعين سنة، قال: لما قُتِلَ أتابك زَنْكي على قلعة جَعْبر، وملك نورُ الدِّين قلعة حلب، تصدَّق وأزال المكوس، وردَّ المظالم، وأنا حديثُ عهد بعرس، وقد ركبني دينٌ، فقالت لي زوجتي: قد سمعتَ أوصاف نور الدِّين وإحسانه، فلو قصدته وأنهيتَ إليه حالك لقضى دينك، [قال]: (٣) فخرجت من حَرَّان، وليس معي سوى دِرْهمين، فتركتُ عندها دِرْهمًا، وتزوَّدْتُ بدرهم، وأتيتُ الفرات وقت القائلة، فعبرتُ جسر منبج، وأبعدتُ عن أعين النَّاس، وخلعت ثيابي ونزلتُ، فتوضأتُ للصَّلاة، وصليتُ رَكْعتين، وإذا إلى جانبي شخصٌ ملفوفٌ في عباءة، فقال لي: يا فقير من أين أنتَ؟ قلتُ: من حَرَّان، قال: وإلى أين؟ قلتُ: إلى حلب، قال: وما تصنع فيها؟ فقلتُ: أنا فقير ومديون، وقد بلغني إحسانُ نور الدِّين إلى الخَلْق، فقصدتُه لعلَّه يقضي ديني. قال: وأين أنت من نور الدِّين؟ ومَنْ يُوصلك إليه؟ كم عليك دين؟ قلتُ: خمسون دينارًا. فأخرج يده من العباءة وبحث الرمل، وأخرج منه قرطاسًا، وألقاه إليَّ، وقال: خُذْ هذا، فاقضِ به دينك، وارجعْ إلى أهلك، فأخذتُه، فعددته، وإذا به خمسون دينارًا، والتفتُّ فلم أره، فبهت وبت في مكاني أفكر: هل أرجع إلى حَرَّان أم أمضي إلى حلب؟ فترجَّح عندي المضي إلى حلب. وقلتُ في نفسي: فهذه أوفي بها ديني، فمن أين أتقوَّت؟ ثم قمتُ وقصدتُ طريق حلب، فبتُّ بباب بُزاعة، وقمتُ في الليل، فأصبحت تحت قلعة حلب [وقت الصباح] (٣) فصلَّيتُ وقعدتُ [تحت القلعة] (٣)، وإذا قد فُتح بابُها ونزل نور الدين في أُبَّهةٍ عظيمة والأُمراءُ بين يديه، حتى جاء إلى المَيدان، فلما أراد أن يدخل نظر إليَّ

стр. 10153

ورمقني طويلًا، وأشار إلى خادمٍ بين يديه بشيء، فجاء إليَّ، وقال: قُمْ. فأخذني، وصَعِدَ بي إلى القَلْعة، فندمتُ على مجيئي [إلى حلب] (١)، وقلتُ: ليتني قبلتُ من ذلك [الرجل] (١) الصَّالح، ولعل نور الدين توهَّم أني إسماعيلي، [قال] (١): فلما كان بعد ساعة عاد نور الدين إلى القلعة، وجلس في الإيوان، ومُدَّ سماطٌ عظيم ولم يمدَّ يده إليه، وإذا قد فُتح بابٌ عن يمينه صغير، وخَرَجَ منه خادم، وعلى يده طبق خُوص مُغطى بمنديل، فوضعه بين يديه، وفيه غضارة (٢) عليها رغيف، فتأملتُها [من بعيد] (١) وهي ثردة، فتناول منها شيئًا يسيرًا، وأكل النَّاس وأكلتُ معهم، وصرف النَّاس، وبقيت قاعدًا خائفًا، فأومى إليَّ، فقمتُ، وأتيتُ إلى بين يديه [وأنا خائف أرعد] (١)، فقال: من أين أنت؟ قلتُ: من حَرَّان، قال: وما الذي أقدمك؟ قلتُ: عليَّ دين، وبلغني إحسانك [إلى الناس] (١) فقصدتك [لتقضي ديني] (١)، قال: وكم دينك؟ قلتُ: خمسونَ دينارًا، فقال: فما أعطاك أمسِ صاحبُ العباءة على الفرات خمسين دينارًا! هلا رجعتَ إلى أهلك وأنت عليك خرقة الفقر، وإذا حصل القوت للفقير فما يطلب شيئًا آخر، ثم قال: ما نضيِّع تعبك؛ ورفع سجَّادته وكانت زرقاء، وإذا بقرطاس مثل القرطاس [الأول] (١) الذي أعطاني صاحب العباءة؛ فبكيتُ بكاءً كثيرًا، وقلتُ: لا آخذه حتى تخبرني بصاحب العباءة، قال: هذا أمرٌ ما يلزمك، فقلتُ: يا مولانا، أنا غريبٌ وضيف ولي [عليك] (١) حرمة، فبالله عليك أخبرني. فقال: احلف لي أنَّك لا تتحدَّث بهذا في حال حياتي. فحلفتُ له، فكشف القَبَاء عنه، وإذا بتلك العباءة على جسده، وقال: أنا ذاك الفقير. قلتُ: بالذي أعطاك هذه المنزلة (٣)، بأيِّ شيء وصلتَ إلى هذا؟ فقال: بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١]، ولكن لابُدَّ من السبب؛ لما التقينا بالفرنج على حارم، ونَصَرنا الله عليهم، وعدتُ إلى حلب، التقاني في الطَّريق شابٌّ حسنُ الوجه، طيِّبُ الرَّائحة، فسلَّم عليَّ، وقال: يا محمود، أنتَ من الأبدال، وقد أعطاك الله الدُّنيا فاشترِ بها

стр. 10154

الآخرة، وسَلْه مهما شئت، ثم علَّمني كلمات وقال: إذا طلبتَ أمرًا فاذكرها، فقلتُ له: بالله مَنْ أنتَ؟ فقال: أنا أخوك الخضر. ثم غابَ عني، فإذا عَزَمْتُ على أمرٍ، وأردتُ أذهب إلى مكة أو المدينة أو إلى أي بلدٍ شئتُ، لبستُ هذه العباءة، وتكلَّمت بتلك الكلمات، وأغمض عيني وما أفتحها إلا وأنا في تلك البقعة (١). [وحكى (٢) لي نجم الدين الحسن بن سلام؛ أحد عدول دمشق وأعيانها، وكان صديقنا وصاحبنا ﵀] قال: لما ملك الأشرفُ ﵀ دمشق، وعمر مسجد أبي الدَّرْداء ﵁ في القلعة، وأفرده عن الدُّور، دخلتُ عليه يومًا وهو فيه، فقال لي: [يا نجم الدين] (٣) كيف ترى هذا المسجد؟ قد عمرته وأفردته عن الدُّور، وما صلَّى فيه أحدٌ منذ زمن أبي الدَّرْداء إلى الآن. فقلتُ له: الله الله يا مولانا، ما زال نور الدِّين منذ ملك دمشق يصلِّي فيه الصلوات الخمس، فقال: من أين لك هذا؟ قلتُ: حدَّثني والدي [وكان من أكابر عدول دمشق، وكان أبوه يلقب بالسَّعيد] (٤): إنَّ الفرنج لما نزلت على دِمْياط بعد وفاة أسد الدِّين، وضايقوها أُشرفت على الأخذ، فأقام نور الدِّين

стр. 10155

عشرين يومًا صائمًا لا يُفْطر إلا على الماء، فضَعُفَ، وكاد يتلف، وكان مهيبًا، فلم يتجاسر أحدٌ أن يخاطبه في ذلك، وكان له إمامٌ يقال له يحيى -ضرير- يصلِّي به في هذا المسجد، فكان يقرأ عليه القرآن، وله عنده حرمة، فاجتمع إليه خواصُّ نور الدين، وقالوا: قد خفنا على السلطان، ونحن من هيبته ما نقابله، وأنت تُدِلُّ عليه، و [نحن] (١) نسألك أن تسأله أن يتناول ما يحفظ به قوَّته، فقال: نعم، إذا صلَّيتُ به غداة غدٍ الفجر سألته. [قال] (١): فلما كان في تلك الليلة رأى الشيخ يحيى في المنام رسولَ الله ﷺ يقول له: يا يحيى، بَشِّرْ نور الدين محمود برحيل الفرنج عن دمياط، قال: فقلتُ: يا رسولَ الله، ربما لا يصدِّقني وأريد [له] (١) أمارة. قال: قل له بعلامة يوم حارم. قال: وانتبه يحيى وهو ذاهبُ العقل، فلما صلَّى نورُ الدِّين خلفه الفجر، وسَلَّم وشرع يدعو ففاته أن يتحدَّث معه، فقال له نور الدِّين: يحيى. قال: لبَّيك يا مولانا. قال: تحدِّثني أو أحدِّثك. [قال] (١): فارتعد يحيى وخَرِسَ. فقال [له] (١): أنا أحدِّثُك، رأيتَ النَّبيَّ ﷺ في هذه الليلة، وقال لك كذا وكذا؟ فقال: نعم، فبالله يا مولانا ما معنى قوله ﷺ : بعلامة يوم حارم. فقال [له] (١) نور الدين: لما التقى الصَّفَّان خِفْتُ على الإسلام، لأني رأيتُ من كثرة الفرنج ما هالني، فانفردتُ عن العسكر، ونزلتُ فمرَّغت وَجْهي في التراب، وقلتُ: يا سيِّدي مَنْ محمود في البين، الدِّينُ دينك، والجُنْد جُنْدُك، وهو اليوم فافعل ما يليقُ بكرمك، [قال] (١): فنصرنا الله عليهم. [قلت] (٢): وحدَّثني شهاب الدِّين بن البانياسي [عم جمال الدين البانياسي] (١) -وكان على ديوان جامع دمشق-: أول ما قَدِمْتُ الشَّامَ اجتمعتُ به في درب الشعارين في قاعة الوزير صفي الدِّين بن شُكْر [وزير العادل] (١)، وكان هناك جماعة، فاشتغل الوزير بالحديث معهم، وكان شهاب إلى جانبي، فتذاكرنا نور الدين، فقال: كان أبي يخدمه في أسفاره ومقامه على ديوانه، [قال] (١) فحكى لي وأنا صغير، قال: خَرَجَ نورُ الدِّين من دمشق يتصيَّد في أرض قطنا ويعفور وأنا معه، فبينا هو ذاتَ يوم قد ركب من الخيم ليذهب إلى الصَّيد، وإذا برجلٍ أعجمي قد أقبل من ناحية دمشق ومعه خيلٌ

стр. 10156

ومماليك، وكان تاجرًا، فلما وصل إلى نور الدين، ترجَّل وقبَّل الأرض. فرحَّب به نور الدين -وكان صديقه- وقال: أين أرمغان؟ قال: حاضر، ومضى نور الدِّين، فلما عاد استدعاه، فأحضر قُماشًا وعِدَّة مماليك وفيهم مملوكٌ مستحسنٌ جدًّا، فقَبِلَ المملوك ورَدَّ الباقي، فكان له خادمٌ أبيض اسمه سهيل قد رَبَّاه، فقال [له] (١): يا سهيل خُذْ هذا المملوك إليك، وادفعْ إلى التاجر خمس مئة دينار، وخِلْعة وبغلة. قال والد شهاب: فحدَّثني سهيل، قال: لما قال لي كذا؛ قلتُ في نفسي: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا ما اشترى مملوكًا قطُّ يساوي خمسين دينارًا، يشتري مملوكًا بخمس مئة دينار! قال: ففعلتُ ما أمرني، فتركني أيامًا، وقال: يا سهيل، أحضرِ المملوك كل يوم [مع] (١) المماليك يقف في الخِدْمة. فأحضَرْتُه، فلما كان بعد أيام قال لي: أحضره وقت العِشاء الآخرة إلى الخيمة ونَمْ أنت وإياه على باب البُرْج، [قال] (١): فقلتُ في نفسي: هذا الشيخ في زمن شبابه ما ارتكب كبيرةً، لما ارتفع سِنُّه يقع فيها! والله لأقتلنَّه قبل أن يقع في معصية، فعمدت إلى كتارةٍ لي فأصلَحْتُها [وقلت: والله لأقتلنَّه قبل أن يصل إليه] (١) وجِئْتُ بالمملوك إلى الخيمة وأنا قَلِقٌ، فسهرت عامَّة الليل ونورُ الدِّين في أعلى البُرْج، فلما كان وقت السَّحر غلبتني عيناي، فنمتُ، ثم انقلبتُ، فوقعت يدي على خدِّ الغلام، وإذا به مثل الجمرة، قد أخذته الحُمَّى، فأخذته ومضيتُ إلى خيمتي، فلما أصبح، أحضرتُ الطَّبيب فرآه، فقال: هذا مرَضه سماويّ، فلما كان وقت الظُّهْر مات، فغسَّلْتُه وكفنته ودفنته، فلما كان اليوم الثَّاني، دعاني نور الدين فدخلتُ، فقال: اقعد. فقعدتُ، فقال: سهيل، إنَّ بعض الظَّنَّ إثم، [قال] (١)، فاستحييتُ، فقال: قد عرفتَ حالي وأنتَ ربَّيتني، هل عثرتَ لي على زَلَّة؟ قلتُ: حاشى لله، قال: فَلِمَ حملتَ الكتارة وحدَّثَتْك نفسُك لي بالسُّوء؟ ما أنا معصوم، لما رأيتُ الغلام وقَعَ في قلبي منه مثل النَّار، فعلِمْتُ أنَّه من تسويل الشيطان، فقلتُ لك اشتريه لعلي يُذْهب عني ما أنا فيه، فلم يذهب، فقالت لي نفسي: أريد أنْ أراه كلَّ يوم.

стр. 10157

فأمرتُك بإحضاره، فقالت: ما أقنع إلا بأن يحضر [عندك] (١) في البُرْج في الليل، فأمرتُك بأن تحضره، فأحضرته، فلما كان في تلك الليلة ما تركني أنام، وبقيتُ أنا وإياها في حَرْب إلى وقت السَّحر، فهممتُ أن أفتحَ باب البُرْج وأُصعده إلى عندي، فجاءتني اليقظة، وكشفتُ رأسي، وقلتُ: إلهي، محمود عبدك المجاهد في سبيلك، الذاب عن دين نبيك ﷺ الذي عَمَّر المدارس والرُّبُط وأوقفَ الأوقاف، وفعل ما فعل، تختم أعماله بمثل هذا! فسمعتُ هاتفًا يقول: قد كفيناك يا محمودُ أمره، لا بأس عليك. فعلمتُ أنه قد حَدَثَ به حَدَثٌ، وأما أنت يا سهيل فجزاك الله عن الصُّحْبة خيرًا، والله إنَّ القتلَ أهونُ عليَّ من الوقوع في المعصية. ثم قدَّم سهيلًا، وأحسن إليه. [وحكى لي الكمال ابن البانياسي ابن أخي الشهاب، قال: حكى لي من يتولى] (٢) أوقاف نور الدين: أنه أجر بعض بساتينه لرجلٍ من دمشق على ستِّ مئة دِرْهم، فأصابتِ البساتين جائحة، [فجاء ذلك الرجل يتضوَّر، فأسقطوا عنه] (٣) ثلاث مئة دِرْهم، فلما كان بعد أيام جاء الرجل ومعه ستّ مئة دِرْهم، وهو يبكي، فقيل له: مالك؟ قال: رأيتُ في المنام وقد خَرَج عليَّ نور الدين من قبره، وبيده جوكان، وقال: أنتَ تكسر وقفي. وأراد أن يضربني، فقلتُ: أنا تائب، ورمى بالدَّراهم، [فقلنا له: خذها، فقال: لا والله أخاف أن يضربني] (١). [وحكى] (١) الشيخ تاج الدِّين الكندي: ما تبسَّمَ نورُ الدِّين إلا نادرًا، حكى لي جماعةٌ من شيوخ المحدِّثين: أنهم قرؤوا عليه حديثَ التَّبَسُّم، وكان يرويه، فقالوا له: تَبَسَّمْ، فقال: لا والله لا أتبسَّم من غير عجب. [و] (١) حدَّثني رجلٌ من أهل حَرَّان: قال: خَرَجَ يومًا نورُ الدِّين من حرَّان قاصدًا إلى الرُّها، فاجتاز على نهر، وفقير نائم على [جانب النهر] (٤)، فوقف وسلَّم عليه، فرفع الفقيرُ رأسه، وأشار بيده: في أيِّ شيء أنتَ؟ فحرّك نورُ الدين أُصْبعًا واحدًا، فحرَّك

стр. 10158

الفقير أُصْبعين، ومضى نور الدِّين باكيًا، فقيل له: ما هذا؟ قال: أشار إلي الفقير، وقال: في أيِّ شي أنت؟ وهذا كله لماذا؟ فقلتُ: من أجلِ رغيف واحد. فأشار إليَّ بأُصبعيه، وقال: أنا آكل في اليوم رغيفين، وما أنا مثلك. [وذكر ابن الأثير الجَزَري في "تاريخه"، قال] (١): كان نورُ الدِّين قد جَمَعَ العساكر من المَوْصل والجزيرة وديار بكر ليتركها بالشَّام في مقابلة الفرنج، ويتوجَّه بنفسه إلى مِصْر، فإنَّه رأى من صلاح الدين فتورًا في غَزْو الفرنج، وكان المانع لصلاح الدِّين من الغَزْو خوفَه من نور الدين، [فكان يقصر في غزوهم] (٢)، وما كان يرى نور الدين إلا خلاص القُدْس منهم، واستئصالهم من السواحل، فمضى إلى دمشق، وأقام يتجهَّز، فأدركه أجله [وهو على هذه النية] (٢) (٣). ذكر وفاته [وما يتعلَّق بها] (٢) كان قد خَتَنَ ولده الملك الصَّالح إسماعيل، يوم الفطر، وهُنِّئ بالعيد والطُّهور [ومدحه الشعراء] (٢)، فقال العماد الكاتب: [من المجتث] عيدان فِطْرٌ وطُهْرُ … فتحٌ قريبٌ ونَصْرُ كلاهما لك فيه … حقًّا هناءٌ وأَجْرُ وفيهما بالتَّهاني … رسْمٌ لنا مُسْتَمِرُّ طهارةٌ طابَ منها … أصلٌ وفَرْعٌ وذِكْرُ محمودٌ المَلِك العا … دِلُ الكريمُ الأَغَرُّ وبابنه الملك الصَّا … لح العيونُ تَقِرُّ مولى به اشتدَّ للدِّيـ … نِ والشَّريعةِ أَزْرُ وإنَّ حُبَّكَ دِينٌ … وإنَّ بُغْضَكَ كُفْرُ لنا بيمناكَ يُمْنٌ … لنا بِيُسْراك يُسْرُ وللموالينَ نَفْعٌ … وللمُعادين ضَرُّ

стр. 10159

قد استوى منك تقوى الـ … إله سرٌّ وجَهْرُ يا أعظمَ النَّاس قَدْرًا … وهل لغيرك قَدْرُ ما اعْتَدْتَ إلا وفاءً … وعادةُ القوم غَدْرُ هذا الطُّهورُ ظهورٌ … على الزَّمان وأَمْرُ رُزِقْتَ عُمرًا طويلًا … ما طال للدَّهْر عُمْرُ وخرج نورُ الدِّين يوم الأحد إلى المُصَلَّى بالأمراء والأجناد، والقَدَرُ يقول: هذا آخر الأعياد. فَمَرِضَ، وبدأ به الخوانيق، وما كان يرى الطِّبّ. قال الرَّحْبي الطَّبيب (١): اسْتُدْعينا، فدخلنا عليه ونحن جماعةٌ من الأطباء وهو في قلعة دمشق في بيتٍ صغير كان يتعبَّد [فيه]، وقد استحكم منه المرض، واستولى الخوانيق على حلقه فما كان يسمع منه صوت، فشرعنا في مداواته، فلم ينجع فيه الدَّواء مع حضور أجله، وكانوا قد أشاروا عليه بالفَصْد في أوَّل المرض، فامتنع، وكان مهيبًا فما رُوجع. وكانت وفاته يوم الأربعاء حادي عشر شَوَّال، ودفن بالقَلْعة، ثم نُقِل إلى مدرسته التي أنشأَها مجاورة للخوَّاصين، ويقال: إنَّها كانت دار عمر بن عبد العزيز ﵁، وقيل: دار سليمان بن عبد الملك، وعاش ثمانيًا وخمسين سنة، وكانت أيامه ثمانية وعشرين سنة وستة أشهر. وقال عرقلة في مدرسة نور الدِّين ﵀: [من الوافر] ومدرسة سيدرسُ كلُّ شيء … وتبقى في حِمَى عِلْمٍ ونُسْكِ تضوَّعَ ذِكْرُها شَرْقًا وغَرْبًا … بنور الدِّين محمودِ بنِ زَنْكي يقول وقولُه حقٌّ وصِدْقٌ … بغير كنايةٍ وبغير شَكِّ دمشقٌ في المدائن بيت مُلْكي … وهذي في المدارس بيتُ مِلْكي

стр. 10160

[ورثاه جماعة من العلماء] (١) فقال العمادُ الكاتب: [من المتقارب] عجبتُ من الموتِ كيف اهتدى … إلى مَلِكٍ في سجايا مَلَكْ وكيف ثوى الفَلَكُ المُسْتديـ … ـرُ في الأَرْضِ والأرضُ وَسْطَ الفَلَكْ وقال أيضًا: [من السريع] يا ملكًا أيَّامُه لم تَزَلْ … لفَضْلِهِ فاضلةً فاخِرَهْ ملكتَ دُنْياكَ وخَلَّفْتَها … وسرتَ حتى تملكَ الآخِرَه وقال أبو اليُسْر شاكر بن عبد الله: تعدَّى بعضُ أمراءِ صلاحِ الدِّين على رجلٍ، وأخذ ماله، فجاء إلى صلاح الدِّين، فلم يأخذ له بيد، فجاء إلى قَبْر نور الدِّين، وشَقَّ ثيابه، وحثى التُّرابَ على رأسه، وجعل يستغيث: يا نورَ الدِّين [أين] أيامك؟ ويبكي، وبَلَغَ صلاح الدِّين، فاستدعاه وأعطاه ماله، فازدادَ بكاؤه، فقال له صلاح الدين: ما يبكيك وقد أنصفناك؟ فقال: إنَّما أبكى على ملك أُنصفت ببركاته بعد موته، كيف يأكله التُّراب، ويفقده المسلمون! ذِكرُ ألقابه التي جاءت من بغداد مع الخِلْعة، ويُخطب له بها على المنابر: اللهم وأَصْلِحِ المولى السُّلْطان الملك العادِلَ العالم، العامل الزَّاهد، العابد الوَرع المجاهد المرابط، نورَ الدين وعُدَّتَه، ركنَ الإسلام وسَيفَه، قسيمَ الدولة وعمادَها، اختيار الخلافة ومعِزّها، رضيَّ الإمامة وأثيرَها، فخر المِلَّة ومجيرها، شمس المعالي وفلكها، سيِّد ملوك الشرق والغرب وسُلْطانَها، محصي العَدْل في العالمين، مُنْصف المظلومين من الظَّالمين، ناصر دولة أمير المؤمنين، وذكر ألقابًا أخرى. ثم إنَّ نور الدِّين أسقطَ الجميع قبل موته، وقال: يقال: اللهم وأَصْلِحْ عبدَك الفقير محمود بن زنكي. ورُوي أنَّه كَتَبَ رقعةً بخطه إلى وزيره خالد بن القَيسَراني يأمره أن يكتبَ له صورةَ ما يُدْعى له به على المنابر، وكان مقصودُه صيانةَ الخطيبِ عن الكَذِب، ولئلا يقول ما ليس فيه، فكتبَ ابنُ القَيسراني كلامًا، ودعا له فيه، ثم قال: وأرى أن يقال على

стр. 10161

المنبر، اللهم وأَصْلح عبدَك الفقيرَ إلى رحمتك، الخاضعَ لهيبتك، المعتصم بقوتك، المجاهِدَ في سبيلك، المرابط لأعداء دِينك، أبا القاسم محمود بن زَنْكي بن آق سُنْقُر، ناصر أمير المؤمنين. فإن هذا ما يدخله كَذِبٌ ولا تزيُّد، فكتَبَ نورُ الدين على رأسها بخطِّه: مقصودي أن لا يُكذب على المنبر، أنا بخلاف كل ما يقال، أفرح بما لا أعمل، قِلَّة عقل عظيم، الذي كتبت به جيد، اكتبْ به نُسَخًا إلى البلاد. وكان يقول لأصحابه: حرام على كلِّ من صحبني ولا يرفع إلي قصة مظلوم لا يستطيع الوصول إليَّ. ذكرُ نُبْذةٍ مما مُدِحَ به: كان قليلَ الابتهاج بالشِّعْر، لا يُؤْثر المديح ويجيز عليه، فمن قول ابن القيسراني فيه: [من الخفيف] ذو الجهادين من عدوٍّ ونَفْسِ … فهو طول الحياةِ في هَيجاءِ أيها المالكُ الذي ألزم النَّا … سَ سلوكَ المحجَّة البيضاءِ قد فَضَحْتَ الملوكَ بالعَدْلِ لَمَّا … سِرْتَ في الناس سيرةَ الخُلَفاء قاسمًا ما مَلَكْتَ في النَّاس حتى … لقسمتَ التُّقى على الأتقياءِ شيم الصَّالحين في جُنَنِ (١) التُّرْ … كِ وكم من سكينة في قَبَاءِ أنتَ حينًا تقاس بالأسد الوَرْ … دِ وحينًا تُعَدُّ في الأولياءِ وكأنَّ القَباء منك لما ضمَّ (م) … من الطُّهْر مسجدٌ بقُباءِ أنتَ إلا تكنْ نبيًّا فما فا … تَكَ إلَّا خلائقُ الأنبياءِ رأفةٌ في شهامةٍ وعفافٌ … في اقتدارٍ وسَطْوةٌ في حياءِ وجمالٌ ممنطقٌ بجلالٍ … وكمالٌ متوَّجٌ ببهاءِ عَجِبَ النَّاسُ منك أنَّك في الحَرْ … بِ شهابُ الكتيبةِ الشَّهْباءِ وكأنَّ السيوفَ من عَزْمك الما … ضي أفادتْ ما عندها من مَضَاءِ ولعمْري لو استطاع فَدَاك الـ … ـقومُ بالأمَّهات والآباءِ

стр. 10162

وقال: [من الخفيف] مَلِكٌ أشْبه الملائكَ فَضْلًا … وشبيه بمالكِ الأمر جُنْدُهْ عمَّ إحسانُه فأصبحَ يُتْلى … شكره في الورى ويُدْرَسُ حَمْدُهْ فسقى الله ذِكْرَه أينما حلَّ … ولا فاتَه من النَّصْرِ رِفْدُهْ وقال أحمد بن منير: [من الطويل] أيا ملكَ الدُّنيا الحُلاحل والذي … له الأرضُ دارٌ والبَرِيَّةُ أعْبُدُ وليستْ بدعوى لا يُقام دليلُها … ولكنَّه الحقُّ الذي ليس يُجْحَدُ أخو غَزَوَاتٍ كالعقودِ تناسَقَتْ … تَحُلُّ بأجيادِ الجيادِ وتُعْقَدُ لسانٌ بِذِكْر الله يكسو نهارَه … بهاءً وجَفْنٌ في الدُّجى ليس يَرْقُدُ وبَذْلٌ وعَدْلٌ اغرقا وتألَّقا … فلا الورْدُ مثمودٌ ولا البابُ مُوْصَدُ مرامٌ سمائيُّ وحَزْمٌ مسدَّدٌ … ورأيٌّ شهابيٌّ وعَزْمٌ مؤيَّدُ وقال ابنُ الأثير: كان مجلسُ نور الدين مثل مجلس رسول الله ﷺ لا يُسمع فيه لأحدٍ كلمة إلا مفيدة، فلما ملك صلاحُ الدِّين دمشق حضر الحافظ ابنُ عساكر مجلسه، فسمع لَغَطًا كثيرًا، وكلُّ واحدٍ يتحدَّث مع الآخر، وليس للمجلس هيبة، فبكى [الحافظ] (١) وقال: يرحم الله نور الدين، لقد حضرت مجلسه مرارًا، فما سمعتُ أحدًا ينطق إلا جوابًا، فما هذا اللَّغط! وبلغ صلاح الدين فقال: إذا حضر الحافِظُ عندنا فلا يتكلَّمَنَّ أحدٌ بكلمة (٢). ذِكْرُ ما جرى بعد وفاته: كان ولده الملك الصَّالح لم يبلغِ الحُلُم، فأجلسوه مكانه، وحَضَرَ القاضي كمال الدين بن [الشَهْرُزُوري وشمس الدين بن المقدَّم، وجمال الدِّين] (١) ريحان -وهو أكبر الخدم- والعَدْل أبو صالح بن العَجَمي أمين الأعمال، والشيخ إسماعيل خازن بيت المال، وتحالفوا أَن تكون أيديهم واحدة، وأنَّ شمسَ الدِّين [بن المقدَّم] (١) إليه تقدمةُ العساكر، وتربيةُ الملك الصالح.

стр. 10163

ووصل كتابُ صلاح الدِّين من إنشاء الفاضل [إلى دمشق] (١)، وفيه: أدامَ الله أيَّام مولانا الملك الصَّالح، رفع الله قَدْره، وأَعْظَمَ أَجْرَ المملوك في مولانا الملك العادل وأَجْره، أصدر خدمته هذه يوم الجمعة رابع عشر ذي القَعْدة، وفيه أُقيمت الخُطْبة بالاسم الكريم، وصرّح بذكره في الموسم العظيم، والجمعِ الذي لا لغْوَ فيه ولا تأثيم، وأشبه المملوك أَمْسَه في الخِدْمة، ووفَّى بما لزمه من حقوق النِّعْمة، وجَمَع كلمة الإسلام لعِلْمه بأن الجماعةَ رحمة، والله تعالى يخلِّدُ مُلْكَ مولانا الملك الصَّالح، ويُصْلح به، وعلى يديه، ويديمُ النَّعْماء عليه [وذكر فصولًا تتعلق بالتهنئة والتعزية] (١). ولما بلغ الفرنجَ وفاةُ نور الدِّين قصدوا بانياس (٢) طمعًا في البلاد، فراسلهم شمسُ الدِّين بن المقدَّم، وخوَّفهم بأسَ صلاح [الدين] (١)، فلم يلتفتوا، فصالحهم على مالٍ في دفعه [إليهم] (١) في ذلك الوقت، وبلغ صلاح الدين، فشقَّ عليه، وكتب إلى شرف الدين بن [أبي] (١) عَصْرُون يقول: لما بلغني وفاة المرحوم، خرجت من مصر لقصد الجهاد، وتطهير البلاد من أهل الكُفْر والعناد، فبلغني حديثُ الهُدْنة المؤذنة بذُلِّ الإسلام، وشَيْنِ شريعة المصطفى ﵊، والشيخ أَوْلى من جَرَّد لسانه في إنكار هذا الأمر، فإنَّ بلسانه تُغمد السيوف، وتجرَّد الحتوف. وأما سيف الدِّين غازي، فإنَّه كان قد سار عن المَوْصل لنجدة عمه نور الدين، ووصل إلى حرَّان، فبلغه وفاةُ عمه، فاستولى على الجزيرة بأسرها ما خلا قلعة جَعْبر، وكان نورُ الدِّين قد أبطل الخمور والمكوس من الجزيرة، فأعادها سيفُ الدِّين، وأقام مناديًا ينادي في الأسواق، وبيده باطيةُ خمر وقَدَح وهو يشرب، فكَثُرَ التَّرحم على نورِ الدِّين، والذَّم لسيفِ الدِّين. وأراد سيفُ الدِّين العبورَ إلى الشَّام، والاستيلاء على حلب، فقال له الأُمراء: ارجعْ إلى بلدك فقد ملكت الجزيرة، ولم يملكها أبوك، وصلاح الدين بين يديك، فعاد إلى المَوْصل، وبلغ صلاح الدين، فكَتبَ إلى أُمراء نور الدين يلومهم حيث مكَّنوا سيفَ الدِّين من أَخْذِ الجزيرة، ويقول: سوف أَصِلُ إلى خدمة ابنِ مولاي، وأُجازي إِنْعام والده عليَّ وما عاملني به.

стр. 10164

وكان شمسُ الدِّين علي بن الدَّاية في قلعة حلب حاكمًا عليها هو وأخوه مجد الدين أبو بكر وسابق الدِّين عثمان، وكانوا أعزَّ النَّاس على نور الدين، وكان مجد الدين [أبو بكر رضيع نورِ الدين] (١) وكانت شَيزَر لشمس الدِّين علي، وقلعة جَعْبر وتل باشر لأخيه سابق الدِّين عثمان، وحارم لبدر الدِّين حَسَن أخيهم، وكان نور الدين قد أسكنهم معه بقلعة حلب، ولا يَصْدُرُ إلا عن رأيهم، فلما مات نور الدين لم يشكُّوا أَنَّهم أحقُّ بتربية ولده من غيرهم، وكان أوجههم شمسَ الدين [عليّ، وكان بالقلعة معه شاذبخت الخادم، فلما وصل سيف الدين إلى الفرات أرسل شمسُ الدين] (٢) إلى دمشق يطلبُ الملكَ الصَّالح ليدفع به سيفَ الدِّين، فقالوا: إنْ سيَّرْتموه إليه استولى على تربيته، فاعتذروا إليه، وأقام الصَّالح بدمشق تمام هذه السَّنة. أبو شجاع الطوابيقي البغدادي (٣) شاعر فصيح، أقام بالموصل، ومدح أكابرها، ومن شعره: [من الكامل] أصبحتَ تُخْرجني بغير جنايةٍ … من دار إعزازٍ لدار هَوَانِ كدمِ الفِصادِ يراقُ أرذلَ موضعٍ … أبدًا ويخرجُ من أعزِّ مكانِ إنْ لم يخلِّصْني الوصالُ بجاهه … سأموتُ تحت عقوبةِ الهِجْرانِ (٤) السَّنة السَّبعون وخمس مئة [قال جدي ﵀: في هذه السنة انتهى تفسيري للقرآن على المنبر، فإني كنتُ أذكر في كل مجلس منه آيات، ففرغت في هذه السنة، وسجد على المنبر شكرًا لله تعالى، وقال: ما أعرف واعظًا غيري فسَّر القرآن كله على المنبر إلا أنا (٥).

стр. 10165

فصل: وفيها سُلِّمَتْ إليَّ المدرسة التي بباب الأزج، وكانت دار الوزير ابن جَهِير، وكانت بنفشا جهة الخليفة المستضيء قد اشترتها وأَوقفتها على أصحاب أحمد بن حنبل، وفوضتْ أمرها إليّ، وأوقفت عليها قرية، وحضر درسي قاضي القضاة والحاجب وأرباب الدولة، وخُلع عليَّ خِلْعة نفيسة، وذكرتُ دروسًا كثيرة، وكان يومًا مشهودًا، وخرجتُ وبين يدي الدُّعاة، وارتفعتِ الأدعية للخليفة، ووقفتِ الناسُ صفوفًا مثل يوم العيد. قال: وأصاب أهل المذهب -يعني الحنابلة- من ذلك غم عظيم، لأنَّهم حسدوني، وجلستُ تحت المدرسة في شوَّال يوم الأربعاء، فكان الجمع زيادة على خمسين ألفًا، فازداد غمُّ أهل المذهب (١). وكان جدي يقول: والله لولا أحمد والوزير ابن هُبيرة لانتقلت عن المذهب، فإني لو كنتُ حنفيًّا أو شافعيًّا لحملني القوم على رؤوسهم] (٢). وفيها أعاد المستضيء أبا الحسن الدَّامَغاني الحنفي إلى قضاء القضاة ببغداد. وفيها أمر الخليفة أن يُخلَع على رئيس الرُّؤساء خِلَع الوزَارة، وكان قطب الدِّين قيماز عدوَّه، فاغلقَ أبوابَ دارِ الخليفة، ومَنَعَ من ذلك، فأَرْسَلَ الخليفةُ إليه صَنْدَل المقتفوي يعينه، فلم يلتفت، وقال: إما أنا وإما ابن رئيس الرُّؤساء؛ لا يقيم معي في بلد. فقيل للوزير: اعبر إلى الجانب الغربي، وأَقِمْ لننظرَ في الأمر، فَعَبَر. وفيها كانت فتنة قُطْب الدِّين قيماز المذكورة، وكان قد طمع في الدَّولة واستطال، واستقلَّ بالأمر، فلم يبقَ معه للخليفة حُكْم، وكان قد تزوَّج أُخت الأمير تتامش، واتَّفقا على الدولة، وكانت العساكر بحكمهما وهما ساكنين في دار الخلافة، ومعهما مفاتيح أبواب الدار. وكان تتامش قد استولى على واسط والبَصْرة، وبعث نوابه فصادروا النَّاس، ونهبوا أموالهم، فجاء منهم جماعةٌ إلى بغداد، فدخلوا جامع القَصْر، واستغاثوا، وكسروا المنبر، ومنعوا الخطيب من الخُطْبة، فبعث الخليفةُ إلى قطب الدين وتتامش فنهاهما،

стр. 10166

وقال: هذه شناعةٌ قبيحة. فلم يلتفتا، فبعث إليهما صَنْدَل، فأغلظا له، وكان ظهير الدِّين بن العَطَّار صاحبَ المخزن، فبعث قطبُ الدِّين إلى الخليفة يقول: اعزله. فقال: بالأمسِ عَزَلْنا الوزير واليوم نعزل صاحبَ المخزن، فمن يقوم بخدمتنا؟ فركب قطبُ الدِّين وتتامش والعساكر، وأظهرا العِصْيان، وأغلقا أبوابَ دارِ الخليفة، وكان ابنُ العَطَّار ساكنًا في الدَّار، فقصدا داره، فهرب إلى باب الحجرة، فنهباها، وأحرقاها، فغضبَ الخليفةُ، وبعث أستاذ الدَّار وصَنْدَل في عسكرٍ لقتالهما، فاقتتل الفريقان على باب دار قطب الدِّين، فلم يقدر صَنْدَل عليه، فأرسل إلى الخليفة يستمدُّه، فصَعِدَ الخليفةُ على منظرة الرَّيحانيين، فظهر للنَّاس، وقد اجتمع أهل بغداد تحت المنظرة، وقال: يا أهلَ بغداد، أنا خليفتكم، وقد عصى عليَّ قيماز، وكَفَر نعمتي، وظَلَمَ رعيَّتي، واستحلَّ ما حرَّم الله تعالى، المالُ مالكم، والدَّم لي. فثارتِ العامةُ، وقصدوا داره ينادون: الخليفة يا منصور، وسمع قيماز الضَّجيج فقال: هذا الصِّياح لنا أو علينا؟ فقالوا: علينا. فقال: هلكنا وربِّ الكعبة. وحَمَلَ العوام على أصحابه فطحنوهم، وضربوا بواباته بقوارير النِّفْط، فأحرقوه، وأحرقوا جماعةً من أصحابه، ودخلوا داره، فهرب هو وتتامش من باب السِّرِّ في نفرٍ يسير، والعامةُ خلفهم بالآجُرِّ والنُّشَّاب والمقاليع، وعَبَرَا على عقد المصطنع، وهناك هَرَّاس يقال له ابن النجيل، فضرب قطبَ الدِّين بالمِغْرَفة، وقال له: يا مارق. ودخلتِ العامَّةُ الدَّار، وكان قطبُ الدِّين قد بَسَطَ الأَنْطاع، وصبَّ عليها المال والجواهر واليواقيت وأطواق الذَّهب والخِلَع وأموالًا لم تكن عند الخلفاء ولا الملوك، فنهبوا الجميع بحيثُ إن العوام كانوا يدخلون المطبخ والقُدور بحالها، فيرمي الواحد في القدر المال في الأكياس، ويخرج بها، فاستغنى أهلُ بغداد، ونادى الخليفة آخر النَّهار برفع النَّهب، وعَزَلَ نساءهم وحُرَمَهم في دُور، ووكَّل بهم بعضَ الخدم يحفظهم ويقوم بأمرهم، وحَبَسَ الأمراء والجُنْد الذين وافقوهم، وأُخذت أموالهم. وأما قطب الدِّين وتتامش فهربا إلى المَوْصل، فمات قطب الدِّين بظاهرها، وقيل بتل أَعْفر (١)، وغُسِّل في سقاية، ولم يوجد له كَفَن، وكان معه جماعةٌ من الأمراء؛

стр. 10167

منهم حسام الدين تميرك، فجاء إلى الشَّام، فأكرمه صلاح الدِّين، وأقطعه الإقطاعات، وكان عماد الدين صاحب سِنْجار قد نهبهم. واستوزر الخليفةُ عضد الدِّين ابن رئيس الرُّؤَساء، وخَلَعَ [عليه خِلَع الوزارة] (١). وفي آخر صفر توجَّه الملك الصَّالح إلى حلب مع كُمُشْتِكين خادم أبيه، وكان نائبًا بقلعة المَوْصِل (٢) لنور الدين، فلما مات نورُ الدِّين هَرَب من سيف الدِّين إلى حلب، واتَّصل بخِدْمة أولاد الدَّاية، فأرسلوه إلى دمشق ليُحْضِرَ الملك الصَّالح، فأحضره في صفر، فكان مقامه بدمشق بعد وفاة أبيه خمسة أشهر، ولما دخل حلب كان معه إسماعيل الخازن وأبو صالح بن العَجَمي، فحسَّن له ابنُ العجمي قَبْضَ أولاد الدَّاية، فأمر كُمُشْتِكِين، فقبض عليهم، وحَسَّنَ له قبض ابن الخشاب مقدَّم الشيعة، فقبض عليه. وكان عقيب موت نور الدِّين قد جرت بحلب فتنةٌ بين الفريقين، قُتِلَ من السُّنَّة والشيعة خَلْقٌ عظيم، واجتمعت الشيعة بدار ابن الخَشَّاب، ونُهبت دور بني العَجَمي ودور بني عَصْرون. وقيل: إنَّ هذه الفِتْنة وقعت عند دخول الملك الصَّالح حلب، فاسْتُدعي الخَشَّاب إلى القلعة، فاعترضه جُرْديك، فقتله، ورمى برأسه إلى البلد، فسكنتِ الفِتْنة. وبلغ [ابن] (٣) المقدَّم والأُمراء بدمشق ما فُعِلَ بأولاد الدَّاية، فكاتبوا سيف الدِّين صاحب المَوْصل ليسلِّموا إليه دمشق، فخافَ أن تكون مكيدة، فتوقَّف، وكاتبه الشيعة أيضًا ليسلِّموا إليه حلب، فأقام يتروَّى، وكان قَبْضُ بني الدَّاية، وقَتْلُ ابن الخَشَّاب سببًا لفساد أمر الملك الصَّالح.

стр. 10168

ثم إنَّ الصَّالح ضيَّق علي بني الدَّاية، وطلب منهم تسليمَ الحصون التي بأيديهم، وبلغ صلاح الدِّين، فشقَّ عليه، وخاف افتراقَ الكلمة، واستيلاءَ الفرنج على الشَّام، فكاتَبَ ابنَ المقدَّم والأمراء ينكر عليهم اجتراءهم عليه وعلى الدَّولة، وقال: أولاد الدَّاية هم أركانُ الدَّولة، والله لئن لم يُطْلَقوا لأسيرَنَّ إليكم، ولأبدِّدَنَّ شَمْلَكم. فكتبَ إليه ابنُ المقدَّم: لا تجعل هذا سببًا لطمعك في البلاد، وأن تستولي على بيت أستاذك، وإيَّاك هذا. فَغَضِبَ صلاحُ الدين، وتجهَّز إلى الشَّام، فبلغه وصول أُسطول من صِقِلِّية إلى الإسكندرية، فخاف على البلاد، وأقام، فوصل الأُسطول، وفيه ستُّ مئة قطعة، فيها من الخَيَّالة ألف وخمس مئة، ومن الرَّجَّالة ثلاثون ألفًا ومعهم الأبراج، ومن المجانيق والدَّبَّابات وآلة الزَّحف، فنزلوا جزيرة الإسكندرية، وصَعِدوا بأَسْرهم، وزحفوا على البلد، وألصقوا الأَبراج بالأسوار، ونصبوا السَّلالم، ففتح المسلمون الأبواب، وخرجوا إليهم، وركب جماعةٌ في الشخاتير نحو سفنهم، فخسفوها وغرَّقوها، وضَرَبَ المسلمون مَنْ كان في الجزيرة بالنِّفْط، فانهزموا، وغَرِقَ منهم أكثر ممن قُتِلَ، ولم ينجُ منهم إلا القليل، وقيل: كان ذلك في سنة إحدى وسبعين. وفيها ملك صلاحُ الدِّين دمشق، لما انقضتْ نوبةُ الأُسطول سار إليها بعساكره، وكان ابنُ المقدَّم والقاضي كمال الدين بن الشَهْرُزُوري وابن الجاولي والأعيان قد كاتبوه، وكان بالقلعة رَيحان الخادم، فعَزَم على قتاله، فجهَّز إليه عسكر دمشق، وركب صلاح الدِّين من جسر الخشب (١)، والتقاه أهل دمشق بأَسْرهم، فأحدقوا به، فَنَثَرَ عليهم الدَّراهم والدَّنانير، ودَخَل دمشق، لم يُغْلق في وجهه باب، ولا منعه مانع. وقال القاضي [الفاضل] (٢): فملكنا دمشق عنايةً لا عَنْوَةً، ولم نَخْطُ بحمد الله إلى خطيئةٍ خُطْوة، وما جَرَتْ منا مِنْسأةٌ فتجري فيها أُسوة، وكان عسكر دمشق لما رأوا فعل العوام انكفؤوا راجعين إلى القلعة، ونزل صلاح الدين بدار العقيقي، وكانت دارَ أبيه، ونزل أخوه شمس الدَّولة بدار عمه أسد الدين [شيركوه] (٢)، وتمنَّعتِ القلعةُ عليه أيامًا، ثم سلَّمها إليه ريحان [الخادم] (٢)، وأحسنَ صلاحُ الدِّين إلى ابنِ المقدَّم والقاضي

стр. 10169

[ابن] (١) الشَّهْرُزُوري، ومشى إلى داره، فانزعج القاضي، وخرج إلى لقائه، ودخل صلاح الدين، فجلس وباسَطَه، وقال: يا كمال الدِّين لما كنتُ في الشحنكية قد كانت بيننا هَنَات ومشاحنات، وما مشيتُ إليك إلا لأُزيل ما في خاطرك من الوهم، وأعرِّفَك أَنَّ ما في قلبي لك ما تكره، فطِبْ نَفْسًا وقَرَّ عَينًا، فالأَمْرُ أَمْرُكَ، والبَلَدُ بلدك. قلت: ومشي صلاح الدين إلى دار كمال الدين من أحسن ما يسطر في السير، وهو دليلٌ على تواضعه وعفوه بعدما قدر، فيا طوبى لمن جاء بعده إن فكَّر واعتبر، وعرف قدر إنعام الله عليه فحمد وشكر، وأكثر الشعراء في أخذ صلاح الدين دمشق] (١). وقال سَبُع بن خَلَف الأَسَدي: [من البسيط] لله أنتَ صلاحَ الدين من أَسَدٍ … أدنى فريستِهِ الأيامُ إنْ وَثَبا رأيتَ جِلِّق ثغرًا لا نظير له … فجئتَها عامرًا منها الذي خَرِبا نادتْكَ بالذُّلِّ لما قَلَّ ناصِرُها … وأَزْمعَ الخَلْقُ من أوطانها هَرَبا أحييتها مِثْلَ ما أحييتَ مِصْرَ فقد … رَدَدْتَ من عَدْلها ما كان قد ذَهَبا هذا الذي نصر الإسلام فاتَّضحتْ … سبيلُه وأهان الكُفْرَ والصُّلُبا ويوم شاورَ والإيمانُ قد هُزِمَتْ … جيوشُه حيث كانَ الجَحْفَلَ اللَّجِبا أَبَتْ له الضَّيمَ نفْسٌ مُرَّةٌ ويدٌ … فعَّالةٌ وفؤاد قطُّ ما وَجَبَا يَسْتَكْثِرُ المَدْحَ يُتْلى في مكارمه … زُهدًا ويَستصغر الدُّنيا إذا وهَبَا فهو الجوادُ ولكن لا يُقال كبا … وهو الحُسامُ ولكن لا يقالُ نَبَا وهو الهِزَبْرُ ولكن لا يُقال طغا … وهو الضِّرامُ ولكن لا يُقال خَبَا فأَنتَ إسكندرُ الدُّنيا ووارِثُها … فاقصدْ ملوكَ خُراسان وَدَعْ حَلَبا (٢) ثم إنَّ صلاحَ الدِّين أسكن أخاه سيف الإسلام طُغْتِكِين قلعة دمشق، ثم كَتَبَ إلى الملك الصالح [ابن نور الدين] (١) كتابًا يتواضع له فيه، ويخاطبه بمولانا وابنِ مولانا، ويقول: إنما جِئْتُ من مِصْر خدمةً لك لأؤدِّي بعض ما يجب من حقوق المخدوم

стр. 10170

المرحوم، فلا تسمع ممن حولك فتفسد أحوالك، [وتختل أمورك] (١)، وما قَصْدِي إلا جَمْعُ كلمةِ الإسلام على الفرنج. فعرض كتابه على أرباب دولته، وفيهم خالد بن [محمّد] (١) القَيسَراني، وغِلْمان أبيه، وابن العَجَمي، فأشاروا عليه بأن يكاتبه بالغِلْظة، فكتَبَ إليه يُنكر عليه، وينسُبُه إلى كُفْران النعمة وجَحْدِ إحسانِ والده، ووعَدَه وتهدَّده، وبعثَ بالكتاب مع يَنَال بن حَسَّان صاحب مَنْبج، فأغلظ لصلاح الدِّين في الجواب، وقال: السُّيوف التي ملَّكَتْكَ مِصْر هي التي تَرُدُّك. وأشار إلى سيفه، فغَضِبَ صلاحُ الدِّين وقال: ويلك، والله لولا أنَّك رسولٌ لضربت عُنُقك، والله ما جِئْتُ إلى ها هنا شَرَهًا ولا طَمَعًا في الدُّنيا، وفي مِصْر كفايةٌ، وإنما جئتُ لاستنقذ هذا الصَّبيَّ من يد مثلك وأمثالك، فأنتم سببُ زوال دولته. ثم طرده بغير جواب، فعاد إلى حلب. واستنابَ صلاحُ الدين بدمشق أخاه [سيف الإسلام ظهر الدين] (١) طُغْتكين، وسار إلى حِمْص، فأخذها، وفتح حماة، وسار إلى حلب، فاستغاثوا عليه بالإسماعيلية، وأعطوهم مالًا وضياعًا، فأرسلوا إليه جماعةً من فُتَّاكهم، ورآهم ناصر الدين خُمارتكين صاحب أبي قُبيس، فعرفهم، [لأنَّه كان مثاغرًا لهم] (١)، فأنكر عليهم مجيئهم، وسَبَقَ إلى خيمةِ صلاح الدِّين ليخبره، فأدركوه على باب الخيمة، فقتلوه، ثم أرادوا الهجوم على صلاح الدِّين، فجذبَ أمير جَنْداره سيف الدين طُغْريل السَّيفَ، وقتلَ واحدًا منهم، واجتمع الغِلْمانُ على الباقين، فقتلوهم. ورحل صلاحُ الدِّين عن حلب في أول رجب، وجاء إلى حِمْص، ثم نازل بَعْلَبَكَّ، فأخذها في رمضان من الخادم يُمْن الرَّيحاني، ووصل عسكر المَوْصِل إلى حلب، وانضاف إليهم عسكرها، ونزلوا تلَّ السُّلْطان، فساق عليهم صلاحُ الدين وبَغَتَهُمْ، وكان مقدَّمهم عِزُّ الدِّين مسعود أخو سيف الدين غازي. فكسرهم كسرةً عظيمة، وانهزموا إلى حلب، وغَنِمَ أثقالهم وأَسَرَ أبطالهم، وجاء وحاصر حلب، وهذه هي المرة [الثَّانية، والمرة] (١) الأولى من كسرة المواصلة.

стр. 10171

ورجع صلاحُ الدِّين، فنازل حِصْن [بارين] (١)، فأخذه من فخر الدِّين مسعود بن الزَّعْفَراني، وكان من أكابر أُمراء نور الدِّين، وأعطى مدينةَ حماة لخاله، وقيل: لابن خاله وصهره ابنِ شهاب الدِّين محمود، وأعطى حِمْص لناصر الدِّين محمّد بن شيركوه، وجاءته رُسُل حلب، واتَّفق الحال أن يكون بدمشق نائبًا عن الملك الصَّالح، فأجابهم، وشفع في بني الدَّاية، وقال: لابُدَّ منهم، فلهم علينا حقوقٌ أكيدة، فقالوا: نَعَمْ، وفارقوه على ذلك، وجاءته الخِلَع والتَّشريفات من الخليفة ولأَهْله، ولقِّب بالملك النَّاصر. وفيها وصلتِ النَّبوية (٢) من العراق في عشرة آلاف فارس وراجل، فنزلوا بُزَاعة والباب، فقتلوا ثلاثة عشر ألفًا من الإسماعيلية، وسبوا نساءهم وذراريهم، وعادوا إلى العراق، ومعهم الغنائم، والرؤوس على رماحهم، وعلى القصب عشرون ألف أُذُن. وبعث صلاح الدين العساكر، فأغاروا على بلاد الإسماعيلية، وأحرقوا سَرْمين ومعرَّة مصرين و [ضياع] (١) جبل السُّمَّاق، وقتلوا مُعْظم أهله. وفيها استخدم صلاحُ الدِّين العمادَ الكاتب؛ وسببه أَنَّه التقى الفاضل على حِمْص، ومدحه بأبياتٍ منها: [من الكامل]: عاينتُ طَوْدَ سكينةٍ ورأيتُ شَمْ … ـسَ فضيلةٍ وَوَرَدْتُ بحرَ فواضِلِ ورأيتُ سَحْبانَ البلاغةِ ساحبًا … ببيانه ذَيلَ الفَخَارِ لوائلِ حِلْف الحصافة والفصاحة والسَّما … حةِ والحماسة والتُّقى والنَّائل بحرٌ من الفَضْل الغزير خِضَمُّهُ … طامي العُباب وما لَهُ من ساحلِ في كفِّه قَلَمٌ يعجِّلُ جَرْيُه … ما كان من أجلٍ ورِزْقٍ آجلِ أبصرتُ قُسًّا في الفصاحة معجزًا … فعرفتُ أَنِّي في فهاهة باقِلِ

стр. 10172

من أبيات (١). فدخل الفاضل على صلاح الدِّين، وقال له: غدًا تأتيك تراجم الأعاجم، وما يحلُّها مثل العماد. فقال: ما لي عنك مندوحة، أنتَ كاتبي ووزيري، وقد رأيتُ على وجهك البركة، فإذا استكتبتُ غيرك تحدَّثَ النَّاس، فقال [الفاضل] (٢): هذا يحلُّ التراجم، وربما أغيبُ أنا ولا أقدر على ملازمتك، فإذا غبتُ قام مقامي، وقد عرفتُ فَضْلَ العماد وخِدْمته للدَّولة النُّورية. فاسْتَكْتَبَه. وفيها استوزر (٣) سيفُ الدِّين غازي صاحبُ المَوْصِل جلال الدِّين أبا الحسن علي بن جمال الدين الوزير الأَصْبهاني، فظهر منه من الكفاية والنَّهْضة وحُسْن التدبير والكتابة ما لم يكن في أحد، وكان عمره خمسًا وعشرين سنة. وفيها توفي أرسلان شاه (٤) بن طغريل بن [محمَّد بن] (٥) ملك شاه، وجلس بعده في المُلْك ولده طغرل شاه، وكان صغيرَ السِّنِّ، والذي تولى أمره محمَّد بن إلْدكز أتابك، ويلقب بالبهلوان، فأقام بهَمَذَان يدَبِّر الأمور، وبعث أخاه الغزلي، فاستولى على أَذْرَبيجان، وبعث البهلوان يطلب من الخليفة السَّلْطنة لطغرل، فطَرَدَ رسوله، ولم يلتفت إليه. شملة التركماني (٦) كان قد غَلَبَ على بلاد فارس وخُوزستان، وبنى بها قلاعًا، وقوي على السَّلْجوقية، وكان يُظْهر طاعة الخليفة مخادعةً منه، فأقام كذلك نيفًا وعشرين سنة، وكان يباشر الحروبَ بنفسه، قصده تركمان، فخرج بنفسه، وقاتلهم، فجاءه سهم، فمات بعد يومين.

стр. 10173

وأقام أولاده في قلاع خُوزستان إلى أيام النَّاصر بن المستضيء، فبعث إليهم وزيره ابنَ القَصَّاب، فأخرجهم من البلاد، واستولى على ثلاثين قلعة، وبعث بأولادهم إلى بغداد، فأقاموا بها حتى ماتوا. علي بن أحمد بن أحمد (١) أبو الحسن البغدادي، ويُعرف بقِبْلة الأدب، ومن شعره: [من الخفيف] يا زمانًا خلا من النَّاس واسْتَأْ … صَلَ بالقَلْعِ شَأْفةَ الأحرارِ ليتني متُّ إذْ حللتُ بواديـ … ـك فقد عِيلَ من أذاكَ اصْطباري حسبيَ الله لا سواه فما أَبْـ … ـعَدَ خيرًا يُرْجى من الأَشْرارِ عمر بن محمد بن عبد الله (٢) أبو شجاع البَسْطامي، البَلْخي. كان فقيهًا فاضلًا [شاعرًا، ذكره العماد الكاتب في "الخريدة"، وقال: كان ينشد في مجالس وعظه] (٣)، ومن شعره: [من الطويل] وجرَّبتُ أبناءَ الزَّمانِ بأَسْرهم … فأيقنتُ أنَّ القُلَّ في عَدِّهم كُثْرُ وخُبِّرْتُ طَغْواهم ولؤم فِعالهم … فلما التقينا صَغَّرَ الخَبَرَ الخُبْرُ (٤) وقال: [من المتقارب] لقد هبَّتِ الرِّيحُ مِنْ بَلْدتي … فيا حُبَّ ساكنِ ذاك البَلَدْ فقمتُ إليها وعانَقْتُها … وما عانَقَ الرِّيحَ قبْلي أحَدْ (٤)

стр. 10174

[قلتُ] (١): من ها هنا أخذ القائل، ولعله أخذه من قول القائل: [من مجزوء البسيط] هبَّتْ شمالًا فقال يا بَلَدْ … أنتَ به طاب ذلك البَلَدْ وقَبَّلَ الرِّيحَ من صَبَابةٍ … ما قبَّل الرِّيحَ قَبْلَه أَحَدْ يحيى بن جعفر (٢) أبو الفَضْل، زعيم الدِّين. صاحب مخزن المقتفي والمستنجد والمستضيء، ناب في الوزارة، وما زال يتقلَّب في الأعمال نيفًا وعشرين سنة، وكان حافظًا للقرآن، فاضلًا عادلًا، منصفًا، مُحبًّا للعلماء والصَّالحين، وداره مأوى لهم، [وكان يحبُّ جدِّي ﵀، وكان يأذن للعوام في حضور المجلس، وله فيه مدائح كثيرة، وله على جدي فضل كثير] (١)، وسمع الحديث الكثير، وكانت وفاته في ربيع الأول، وصُلِّي عليه بجامع الخليفة، وكان يومًا مشهودًا لم يتخلَّف عن جنازته أحد إلا الخليفة، وحمل إلى محلَّة الحربية، فدفن في تُرْبة أبيه، [وكان ثقة صدوقًا، والله أعلم] (١). قال العماد الكاتب: جلس يومًا بالدِّيوان في نيابة الوزارة عن الإمام المستضيء، فقام جمال الدِّين بن الصَّفي، فأنشده: [من الطويل] لكل زمانٍ من أماثل أَهْله … برامكةٌ يمتارُهُمْ كلُّ مُعْترِ أبو الفَضْل يحيى مثل يحيى بنِ خالد … ندًى وأبوه جعفرٌ مثل جَعْفَرِ فقام باشت الواعظ البغدادي، فأنشد بديهًا: [من الطويل] وفي الجانبِ الشَّرقي يحيى بنُ جعفرٍ … وفي الجانب الغربيِّ موسى بن جَعْفَرِ فذاك إلى الله الكريم شفيعنا … وهذا إلى المولى الإمامِ المُطَهَّرِ يعني أن يحيى بن جعفر صاحب هذه الترجمة كان يسكن الجانب الشَّرقي من بغداد، فهو يشفع لنا إلى الإمام المستضيء بأمر الله، وموسى بن جعفر الصادق -رحمة الله عليهما- مدفون بالجانب الغَربي، يشفع لنا إلى الله تعالى.

стр. 10175

السنة الحادية والسبعون وخمسة مئة فيها عَزَلَ الخليفةُ صَنْدل الخادم المقتفوي عن الأستاذ دارية، وضيَّق على ولده الأمير أبي العبَّاس أحمد النَّاصر لأمرٍ بلغه عنهما، وولى ابنَ الصَّاحب أستاذ الدار مكان صندل، وولى ابنَ النَّاقد (١) حِجْبةَ الباب، ثم عَزَلَه، وولى مكانه أبا سَعْد بن المعوَّج (٢)، وسببه أنَّ ابنَ النَّاقد كان يميل إلى التَّشيّع، وعِمامته طويلة، فلقَّبه أهل باب الأَزَج قنبر، وهو ذكر العصافير، فكان إذا رَكِبَ صاحوا: قنبر قنبر، وقَرُبَ العيد، فأمره الخليفة أن يركب في صَدْر الموكب، فجمع العوام قنابير كثيرة، وعزموا على أن يرسلوها حوله في الموكب، وقيل للخليفة: إنْ وقع هذا بقي الموكب هُتْكَة، فعزله، وولى ابن المعوَّج. وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي: وفي هذه السنة عُقِدَ عَقدُ ابنتي رابعة بباب حجرة الخليفة، وحضَرَ قاضي القُضاة، والعدول والخدم والأكابر، على أبي الفَتْح بن رشيد الطَّبري. [قال] (٣): وزوجتُ ابني أبا القاسم بابنةِ الوزير يحيى بن هُبيرة في ذلك اليوم، وكان الخاطب بن المهتدي (٤). [قلت] (٥): وهذه رابعة هي والدتي، تزوَّجها ابن رشيد الطَّبري، وهو أوَّل أزواجها، ولم يطل عمره معها، ثم زوَّجها جَدِّي بوالدي بعد موت ابنِ رشيد، وقد سمعتْ الحديثَ على ابن البَطِّي، وثابت بن بُنْدار، ومُعْظم مشايخ جدِّي، وزُفَّت إلى ابن رشيد في المحرَّم سنة اثنتين وسبعين [وخمس مئة] (٣) في دار الجهة بنفشا جهة الخليفة، وجهَّزَتْها بمالٍ عظيم. [قلت: ما قصد جدي بهذا الكلام إلا الإعلام بمكانته وعلو منزلته عند الخليفة، وأنَّ أحدًا من أبناء جنسه لم يصل إلى مرتبته] (٣).

стр. 10176

وأما أخبار الشَّام فإنَّ الحلبيين نقضوا الصُّلْح الذي كان بينهم وبين صلاح الدِّين؛ وسببه أنَّ سيف الدين غازي لامهم على ذلك، وأَرْسَلَ رسولًا إلى صلاح الدين، ودَفَعَ له كتابين أحدهما إلى صلاح الدين ليأخذ منه عهدًا للمواصلة، ويكشف ما عنده، وكتابًا إلى الحلبيين يلومهم فيه على الصُّلْح، ويخبرهم أنه واصلُ بعساكر الشَّرْق، وكان صلاح الدِّين بدمشق، فبدأ به الرسول، وقد ربط الكتابين في منديله لتغفله، فلمَّا دخل على صلاح الدين غَلِطَ، فناوله كتابَ الحلبيين؛ لسعادةِ صلاح الدين، فتأمَّله، وعلم أَنَّ الرسول قد غَلِطَ، فلم يقل له كلمة، وفهم الرَّسول، فقام، وخرج من عنده، ولم يمكنه الاستدراك. وكتب صلاحُ الدِّين إلى أخيه العادل بمصر بتجهيز العساكر المِصْرية إلى الشَّام بسرعة، وجَمَعَ سيفُ الدِّين العساكر من الجزيرة، وكان أخوه عماد الدين زَنْكي بسِنْجار عاصيًا عليه مائلًا إلى صلاح الدِّين، فصالحه، وجاءَ سيفُ الدِّين، فقطع الفرات، وبَعَثَ إلى أُمراء حلب وكُمُشْتِكِين الخادم، وتقرَّر بينهم أمر، وسار إلى حلب، والتقاه الملك الصَّالح بن نور الدِّين، فاعْتَنَقَه سيفُ الدين وبكى، ونزل بظاهر حلب بعين المباركة، وصَعِدَ إلى القلعة جريدةً، وكان أُمراء حلب كل يوم يركبون إلى خِدْمته، ثم رحل إلى تلِّ السُّلْطان ومعه عساكر الشَّرْق، ودياربكر والحلبيون، فكانوا عشرين ألفًا ما بين فارسٍ وراجل (١)، وبلغ صلاح الدِّين وهو بدمشق، ولم يكن عنده سوى ستة آلاف، وما رأى التخلُّف عن لقائهم، وكان في انتظار العسكر المِصْري، فسار، فنزل على حماة، وتركَ أثقاله بها، وساق إلى جباب التركمان، وجاءه رسول الحلبيين يخوفونه بأسهم، ويأمرونه بالرُّجوع إلى مصر. قال رسولهم: فوافيته، وهو في خيمةٍ صغيرة على بساط لطيف، وتحته سَجَّادة، وبين يديه مُصْحف، وهو مستقبل القِبْلة، وإلى جانبه زرديته، وسيفه بين يديه وقوسه، وتركشه (٢) معلَّق في عمود الخيمة، فلما رأْيتُه؛ وَقَعَ في خاطري أَنَّه المنصور؛ لأني فارقتُ سيفَ الدين

стр. 10177

والأمراء وهم على طنافسِ الحرير، والخمور [تروّق والجنوك] (١) تعمل، وليس في خيامهم خيمة إلا وفيها أنواع المنكرات المحرَّمات، فأدَّيتُ إليه الرِّسالة، وجاء وقت الظهر، فضجَّ العسكر بصوت الأذان، وفي كلِّ خيمةٍ إمام، فقال لي: الحق بأصحابك، وقل لهم يستعدوا [للقتال، ويرتقبوا] (٢) لقائي، فإنِّي عند طلوع الشمس نازلٌ عليهم، ويحكم الله بيننا، وهو خيرُ الحاكمين قال: ففارقته وأنا على بصيرةٍ من نَصْره وخِذْلانهم، وسقتُ عامة الليل، فوافيتهم وقت الفجر سكارى، فطلبتُ سيفَ الدِّين. فقيل: هو نائم. فوالله ما انبسطتِ الشمسُ إلا وأعلامُ صلاحِ الدين قد أقبلت، والكوسات تخفق، وأصحابنا نيام، فقاموا مُسْرعين، وكان يوم الخميس عاشر شوّال، وعلى ميمنةِ صلاح الدين شهابُ الدين محمود خاله، وعلى مَيسرته صاحب بُصْرى، وهو في القلب، و [كان] (٢) في ميمنة المواصلة مظفرُ الدِّين [بن زين الدين] (٢) صاحب إربل، وفي الميسرة الحلبيون، وسيف الدِّين في القلب، وكان صلاح الدين قد وقف على تلٍّ عالٍ، وحَمَل مظفر الدين، فطحن ميسرة صلاح الدِّين، وحمل الحلبيون على ميمنته فتعتعوها، فنزل صلاح الدين [من التل] (٢)، ورأى أن يباشر الأمر بنفسه [وإلا اختلَّ الأمر] (٢)، فساق عليهم، واتفق وصولُ العساكر المِصْرية في تلك السَّاعة مع تقي الدِّين عمر، وعز الدين فَرُّخْشاه، وناصر الدين محمد بن شيركوه، فهال المواصلة ذلك، فولُّوا منهزمين (٣). وساق صلاحُ الدِّين إلى خيامهم، فأَسَر أمراءهم، ونجا سيفُ الدين بنفسه، وعاد صلاح الدين إلى خيامهم، فوجد سُرادق سيف الدين مفروشًا بالرَّياحين، والمغاني جلوسٌ في انتظاره، والخمور تروق، وأقفاص الطُّيور فيها أنواع من القَمَاري والبلابل والهَزَارات، ومطابخه بقدورها، فأرسل صلاحُ الدِّين بما كان في السُّرادق من المغنيين والخمور والطير إليه، وقال للرسول: قل له اشتغالك بهذا أليق بك من مباشرة الحروب، فلا تَعُدْ إلى مثلها. ثم فرَّق صلاح الدين الخزائن والخيل والخيام على

стр. 10178

أصحابه، وأعطى عِزَّ الدين فَرُّخْشاه سُرادق سيف الدين، وكان [عز الدين] (١) قد أبلى في ذلك اليوم بلاءً حسنًا. وسار صلاح الدين، فنزل على مَنْبج، وبها قطبُ الدِّين يَنَال بن حَسَّان، فقاتله، واتَّفق وقوع ثُلْمةٍ من السُّور، فطلب الأمان على نفسه فأَمَّنه، فخرج سليبًا، وأخذَ صلاح الدين من الحِصْن ثلاث مئة ألف دينار، وعَرَضَ عليه المقام عنده، فامتنع لشنآنٍ (٢) قديمٍ كان بينهما، وسار إلى المَوْصل، فأقطعه سيفُ الدِّين الرَّقَّة. وسار السُّلطان، ففتح حِصْن بُزاعة، ونازل حصن أَعْزاز، فأقام عليه ثمانيةً وعشرين يومًا (٣) وفتحه في ذي الحِجَّة، فقال العماد: [من الرجز] جاز العُلا ببَأْسِهِ وجُوده … وهو أحقُّ الخَلْق باحتيازها وحلبٌ تنفي كُمُشْتِكِينها … كما انتفتْ بغدادُ من قَيمازِها (٤) فاليوم ذَلَّتْ حلبٌ لأَنَّها … كانت تنالُ العِزَّ من أَعْزازها وفيها قفزتِ الإسماعيليةُ على صلاح الدِّين، وهو على أعزاز؛ جاءه ثلاثة في [زِيّ] (١) الأجناد، فضربه واحدٌ بسكين في رأسه، وكان في كُمَّته (٥) زَرَدٌ مدفون، فلم يجرحه، وخَدَشَتْ السِّكِّين خَدَّه، وقُتل داود بن منكلان، وقُتل الثَّلاثة. فرحل صلاح الدين، ونزل على حلب، فبعث الملكُ الصَّالح أُخته خاتون بنت نور الدين في اللَّيل، فدخلتْ عليه، فأقام قائمًا، وقبَّلَ الأرض، وبكى على نور الدين، فسألتْ أن يردَّ عليهم أعزاز [فقال: سمعًا وطاعة] (١)، فأعطاها إياها، وقدَّم لها من الجواهر والتُّحَف والمال شيئًا كثيرًا، واتَّفق مع الملك الصّالح أن من حماة وما فتحه إلى مِصْر له، وأنْ يطلق الصَّالح أولادَ الدَّاية (٦).

стр. 10179

وسار صلاح الدين إلى بلاد الإسماعيلية، فنصب المجانيق على مصياث، ونهبتِ العساكرُ بلادهم، وقتلوا وسبوا، وكان مقدَّم الإسماعيلية سنان بن محمد، فأرسل [إلى] (١) شهاب الدِّين محمود صاحب حماة، خالِ صلاح الدِّين، يقول: نحن جيرانُك، وقد فعل ابنُ أخيك فينا ما فعل، والمصلحةُ رحيله عنَّا، فاشْفَعْ إليه. فما أمكنه مخالفتهم، فأخبر صلاحَ الدين، وقال: أخاف على نفسي. فرحل إلى دمشق. وفيها قَدِمَ شمسُ الدولة أخو صلاح الدين من اليمن إلى دمشق سَلْخ ذي الحجة. وفيها فوَّض سيفُ الدين غازي أمر المَوْصل إلى مجاهد الدين قَيماز الخادم، وكان قبل هذا بإِرْبل نائب زين الدين (٢). وفيها توفي عليُّ بنُ الحسن (٣) ابن هبة الله بن عبد الله بن الحسين، أبو القاسم الدِّمَشْقي الحافظ، ويعرف بابنِ عساكر، [وليس هذا الاسم في نسبه من قبل الأب، ولعله من قبل الأم. وذكره جدِّي، وأثنى عليه في "المنتظم" (٤)، فقال: علي بن الحسن بن هبة الله، أبو القاسم الدمشقي المعروف بابن عساكر،] (١) سمع الحديث الكثير، وكانت له به معرفة، وصنَّف تاريخًا لدمشق، وكان شديد التعصب لأبي الحسن الأشعري، حتى صنف كتابًا سماه "كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري" (٥). [وتوفي بدمشق في هذه السنة. هذا صورة ما ذكره جدي ﵀. قلت] (١): ولد الحافظ أول المحرَّم سنة تسعٍ وتسعين وأربع مئة، وأُمه أُم القاسم بنت القاضي أبي الفَضْل يحيى بن علي القُرَشي، وكان أحدَ أئمة الحديث المشهورين، والعلماء

стр. 10180

المذكورين، سافر إلى الشَّرْق سنة عشرين وخمس مئة، وسمع ببغداد وخُرَاسان وأَصْبهان ونَيْسابور وهَرَاة، ثم حجَّ، وسمع بمكة والمدينة والشَّام، واشتغل بالفِقْه، وصنَّف كُتُبًا كثيرة منها: ["تاريخ دمشق" بثمان مئة جزء في ثمانين مجلدة، وكتاب] (١) "الإشراف في معرفة الأطراف"، و"فضل أصحاب الحديث" و"الأربعين" و"الجهاد" و"فضائل مكة والمدينة" و"البيت المقدس" و"فضل قُريش والأنصار" و"فضائل أهل البيت" و"فضائل الصحابة" و"مسند أبي حنيفة" و"كتاب الزَّلازل"، وغير ذلك. وقال ابنُ السَّمعاني: أنشدني لنفسه: [من البسيط] وصاحبٍ خانَ ما استَوْدَعْتُه وأتى … ما لا يليقُ بأربابِ الدِّياناتِ وأظهر السِّرَّ مختارًا بلا سببٍ … وذاك والله من أوفى الجناياتِ أما أتاه عن المختار في خبرٍ … أَنَّ المجالس تُغْشى بالأمانات (٢) وقال ابنُ السَّمْعاني: طلب الحافظُ مني كتاب "دلائل النُّبوة" للبيهقي، وأخرتُ إنفاذه، فكتَبَ من دمشق إلى خُراسان يعاتبني، فقال: [من مجزوء الكامل] ما خِلْتُ حاجاتي إليـ … ـك وإنْ نأتْ داري مُضَاعهْ (٣) وأراك قد أَهْمَلْتَها … وأَضَعْتَها كلَّ الإضاعهْ أنسيتَ ثَدْيَ مودَّةٍ … بيني وبينك في الرَّضاعهْ ولقد عَهِدْتُك في الوفا … ءِ أخا تميمٍ لا قُضاعهْ وأراكَ نُكْرًا لا تخا … فُ على الصَّداقة والبضاعهْ (٤) [وذكره العماد في "الخريدة"، وقال: سمعت عليه من التاريخ الذي صنفه من أنواع ما ألفه، وأنشدني لنفسه في ربى دمشق] (٥) [من المتقارب] أيا نفسُ وَيْحَك جاءَ المَشْيبُ … فماذا التَّصابي وماذا الغَزَلْ

стр. 10181

تولَّى شبابي كأَن لم يكنْ … وجاء مشيبي كأَن لم يَزَلْ فيا ليتَ شعْري ممن أكون … وما قدَّر الله لي في الأَزَل (١) ذكر وفاته: توفي ليلة الاثنين حادي عشر رجب، وقد بلغ [من العمر] (٢) اثنتين وسبعين سنة وستة أشهر وعشرة أيام، وصُلِّيَ عليه بجامع دمشق، وميدان الحصى، صلَّى عليه القُطْب النَّيسابوري، وحَضَرَ صلاحُ الدِّين الصَّلاة عليه، [سمع ببغداد أبا القاسم هبة الله بن الحصين وغيره، وحج إلى مكة في سنة إحدى وعشرين وخمس مئة، فسمع بها أبا أحمد عبد الله بن محمد بن إسماعيل المصري، وغيره، ثم سافر إلى المشرق، فسمع بنيسابور وغيرها] (٢) وكان ولده أبو محمد القاسم يقول. سمع أبي من ألف شيخ وثلاث مئة شيخ وبضع وثمانين امرأة [(٣) وسمع منه الحافظ أبو العلاء الهمذاني وهو أكبر منه، وذكر ابنه القاسم أنه صنف ستين كتابًا، وكانوا يفضلونه على الخطيب، وله بنى نور الدين دار الحديث بدمشق، وعاش ابنه القاسم إلى سنة ست مئة، وتوفي بها، وسنذكره]. وقال الحافظ: أنشدني أبو الفوارس المظفر بن عمر الآمِدِي: [من الطويل] وَدِدْتُ بأنَّ الدَّهْرَ ينظُرُ نظرةً … بعينِ جلا عنها الغيايةَ نورُها إلى هذه الدُّنيا التي قد تخبَّطَتْ … وجُنَّتْ فساس النَّاسَ فيها حميرُها فينكِرَ ما لا يَرْتضيه محصِّلٌ … ويأنفَ أن تُعْزى إليه أمورُها فقد أبغضتْ فيها الجسومَ نفوسها … مَلالًا وضاقتْ بالقلوبِ صدورُها (٤) السنة الثانية والسَّبعون وخمس مئة [حكى (٥) جدِّي ﵀ أن في هذه السنة تعرَّض رجلٌ لامرأة، فامتنعت عليه إلا أن تدع من ينكحه، فغلب حبُّه لها، فكان يدع من ينكحه ويأتيها]، فقال لها في

стр. 10182

بعضِ الأيام: قد حَبِلْتُ، فاعملي [لي] دواءً للإسقاط. فعملته له، فولد ولدًا، وحضرا مجلس بعض الوعَّاظ، وكتبا إليَّ رُقعةً بصورة الحال، فقال: هذا النِّكاح ما صحَّ لأنَّه تبيَّن أنَّه خُنْثى في حُكْمِ امرأة، لأَنَّه يأتي ويوتَى، وعَجِبَ النَّاس من هذا (١). وفيها بنى مجاهد الدِّين قيماز الخادم النَّائب بالمَوْصل الجامع الذي ظاهرها على دِجْلة، ثم بنى بعده الرِّباط والمدرسة والتُّرْبة والمارَسْتان، وكلُّها متجاورات، ووقَفَ عليها الأوقاف. وفيها تزوَّج صلاحُ الدِّين بالخاتون عصمة الدِّين بنت الأمير معين الدِّين أُنَر زوجة نور الدِّين محمود، وكانت بقلعة دمشق، زوَّجها منه شرف الدين بن أبي عَصْرون. وفيها كانت نوبة الكنز، مقدِّم السُّودان (٢) بالصَّعيد، [جمع كل أسود بالصَّعيد، وسار] (٣) إلى القاهرة في مئة ألف أسود ليعيد الدَّولة المِصْرية، فخرج إليه الملك العادل [سيف الدين] (٣)، وأبو الهيجاء الهَكَّاري، وعِزُّ الدِّين موسك، والتقوا، فَقُتِلَ الكنز ومَنْ معه، فيقال: إنهم قتلوا منهم ثمانين ألفًا، وعادوا إلى القاهرة، فقال العماد الكاتب: قُتِلَ الكَنْز، وما انتطحَ فيه عَنْز. وفيها سار صلاحُ الدِّين إلى مِصْر، واستناب أخاه شمسَ الدَّولة على الشَّام، وجاءت الفرنج إلى داريا، فأحرقوا ونهبوا، وعادوا. وفيها أمر صلاحُ الدِّين قَرَاقُوش بعمارة سور على القاهرة ومِصْر، وضيَّع فيه أموالًا عظيمة، ولم ينتفع به أحد.

стр. 10183

وفيها أبطل صلاحُ الدِّين المكوس التي كانت تؤخذ من الحاج بجُدَّة مما يحمل في البحر، وعوَّض صاحب مكة عنها في كل سنة ثمانين ألف إرْدَبّ (١) قمحًا تحمل إليه في البحر، [ويحمل مثلها] (٢) فَتُفَرَّق في أهلِ الحرمين. وفيها عمر صلاح الدين مدرسة الشَّافعي بالقَرَافة بتولي النَّجم الخبُوشاني، وعمر المارَسْتان في القَصْر، ووقف عليهما الأوقاف. وحجَّ بالنَّاس من الشَّام قيماز النَّجْمي. وفيها توفي عليُّ بنُ منصور، أبو الحسن السَّرُوجي الأديب (٣) مؤدِّبُ أولاد أتابك زَنْكي بن آق سُنْقُر [وذكره ابن عساكر، وقال:] (٢) كان يأخذ الماء بفِيه، ويكتبُ به على الحائط كتابةً حسنة كأنَّها كُتبت بقلم الطُّومار، ويُنَقِّط ما يكتب ويُشْكِلُه. ومن شعره في فصل الربيع، وفضل دمشق، ومَدْح نور الدِّين: [من البسيط] فصلُ الرَّبيعِ زمانٌ نورُه نورُ … أنفاسُ أشجاره مِسْكٌ وكافورُ جاءت به الأرضُ تُجْلى في ملابسها … فحارَ مِنْ حُسْنها في الجَنَّةِ الحورُ تظلُّ تشدو بها الأطيارُ من طَرَبٍ … فذا هزارٌ وقُمريٌّ وزرزورُ كأنَّ أصواتَها فوقَ الغُصون ضحًى … زيرٌ وبمٌّ ومِزْمارٌ وطُنْبُورُ تميل أغصانُها وجدًا إذا سَجَعَتْ … وُرْقُ الحمام وغنَّتها الشَّحاريرُ يا لائمي في دمشقَ إنَّ لومك لي … لومٌ وتشبيهك الزورا بها زُورُ كأنَّها جنَّةٌ للخُلْد دانيةٌ … قطوفُها فُتحتْ فيها المقاصيرُ في كلِّ قطر بها للعِلْم مدرسة … وجامعٌ جامعٌ للدِّينِ معمورُ يُتلى القرنُ به في كلِّ ناحيةٍ … والعِلْمُ يذْكَرُ فيه والتَّفاسيرُ تكامَلَ الحسنُ فيه مثلما كَمُلَتْ … أوصافُ مولى بنَشْر العَدْل مشهورُ

стр. 10184

للدِّين والمُلْك والدُنْيا بأجمعها … وللخليفة من أنوارِه نورُ كهف الغريب (١) وكنز للضَّعيف فما … للمُعْتفي عنه تقديمٌ وتأخيرُ مولاي يا خير من يدعى لمكْرُمة … وخير من زانه عَقْلٌ وتوقيرُ عشْ وابقَ واسْلَمْ ومُرْ واحْكُمْ ودُمْ أبدًا … ما سحَّ غيثٌ وما هبَّتْ أَعاصيرُ وقيل: إنَّه ماتَ سنة سبعين وخمس مئة. محمد بن سعيد (٢) ابن محمّد، أبو سعيد بن الرَّزَّاز، العَدْل. ولد سنة إحدى وخمس مئة ببغداد، وسمع الحديث، وكان أديبًا، فاضلًا، وتوفي في ذي الحِجَّة، كتب إليه صديق له مكاتبة، فكتبَ جوابها: [من البسيط] يا مَنْ أياديه يعيا من يُعدِّدُها … وليس يُحْصي مَدَاها من له يَصِفُ عجزتُ عن شكر ما أَوْليتَ من كرمٍ … وصرتُ عبدًا ولي في ذلك الشَّرفُ أهدَيتَ منظومَ شعرٍ كله دُرَرٌ … وكلُّ ناظمِ عِقْدٍ دونه يَقِفُ إذا أتيتَ ببيتٍ منه كان له … قصرًا ودُرّ المعاني فوقه شُرُفُ وإنْ أتيتُ أنا بيتًا يناق ضه … أتيتُ لكن ببيتٍ سَقْفُه يَكِفُ ما كنتُ منه ولا من أهله أبدًا … وإنما حين أدنو منه أقتطِفُ محمد بن مسعود (٣) أبو المعالي [ابن القَسَّام الأصبهاني، شاعر فصيح] (٤) خرج إلى الحج، فتوفي بفَنْد (٥)، [وذكره العماد، وأنشد من شعره يذم قاضيًا بهذه الأبيات] (٦): [من الوافر]

стр. 10185

ولما أنْ تولَّيتَ القضايا … وفاضَ الجَوْرُ من كَفَّيكَ فَيضا ذُبحتَ بغيرِ سِكِّينٍ وإني … لأرجو الذَّبْحَ بالسِّكِّينِ أيضًا (١) محمد بن عبد الله (٢) ابن القاسم، أبو الفضل، كمال الدين بن الشَّهْرُزُوري. قاضي دمشق والشَّام، ولد سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة، وقدم بغداد، فتفقَّه على أَسْعد المِيهَني بالنِّظامية، وسَمِعَ [(٣) الحديث ببغداد والمَوْصِل، وكان رئيس أهل بيته، وولي قضاء القضاة بدمشق وحمص وحماة وحلب وجميع الشام في أيام نور الدين بن زنكي]، وكان إليه في أيام نورِ الدِّين مع القضاء أمرُ المدارس والمساجد والأوقاف والحِسْبة والأمور الدينية والشَّرعية، وكان صاحبَ القلم والسَّيف، و [كانت] (٤) شِحْنِكيَّة دمشق إليه، ولَّى فيها بعض غِلْمانه، ثم ولاها نورُ الدِّين لصلاحِ الدِّين، وكانت بينهما مضاغنة، وكان كلُّ واحد ينقض حُكْم الآخر، فلما كاتبه صلاح الدِّين على أن يساعده على أَخْذ دمشق أعانه، وفَتَحَ له أبوابها، فلما دَخَلها صلاح الدين مشى إلى داره، وطيَّب قلبه، [وقد ذكرناه. وذكره العماد في "الخريدة" بمعنى ما ذكرنا، وقال] (٤): كان فاضلًا، جَوَادًا سَمْحًا، دَيِّنًا عفيفًا، ذا مروءةٍ ظاهرة، وصدقات دارَّة وافرة، وبرٍّ متَّصل؛ جاء إلى الشيخ أحمد والد الشيخ أبي عمر شيخ الحنابلة، وأحمد أوَّل من سَكَنَ منهم قاسيون، فزاره ومعه ألف دينار، فدفعها إليه، فامتنع الشيخ أحمد من أَخْذِها، فاشترى كمال الدِّين قرية الهامة بوادي بردى، ووقَفَ نصفَها على الشيخ أحمد، والمقادسة، والنِّصف الآخر على الأُسارى، وهي باقيةٌ إلى هلمَّ جرّا.

стр. 10186

ذكر وفاته كان بينه وبين شَرَفِ الدِّين بن أبي عَصْرُون ما يكون بين أبناء الدُّنيا على المناصب، وكان نورُ الدِّين يفضِّله على ابنِ أبي عَصْرون، وهو عنده بمنزلةِ الوزير، وبعث به إلى بغداد رسولًا، فكتَبَ إلى الخليفة المقتفي ورقة يقول: المملوك محمد بن عبد الله الرَّسول. فكتَبَ المقتفي عليها: ﷺ . وكان ابنُ أبي عَصْرون أقومَ منه بالفتوى، فلما مرض وبلغ ابن أبي عصرون وهو بحلب قَدِمَ دمشق، فدخل عليه وعانقه وبكيا، فلما مات تولى ابن أبي عَصْرون أمره، وخرج في جِنازته ماشيًا؛ هو وجميع الملوك مشاة: سيف الإسلام، وتقي الدين عمر، وشمس الدولة، وغيرهم، وصُلِّيَ عليه بجامع دمشق، وحُمِلَ إلى قاسيون، فدفن في سَفْحه قريبًا من الجادة عند مسجد البصارو، ولم يكن عنده من أولاده أحد، وإنما كان عنده ابنُ أخيه ضياء الدِّين أبو الفضائل. وكان كمال الدين قد تصدَّق بجميع ما كان عنده، وأوصى بماله، ووقف أوقافًا كثيرة على أبواب البر، وقيل: إنه لم يكن له كفن، فكُفِّنَ في إحرامه، وكانت وفاته سادس المحرَّم. وأوصى بالقضاء إلى ابن أخيه ضياء الدِّين مع وجود ولده، فآثَرَ صلاحُ الدين أن يولي القضاءَ شَرَفَ الدين بن أبي عَصْرون من غير أن يعزل ضياء الدين، وأفضى بسرِّه إلى الفاضل، وما كان صلاح الدين يمكنه عزله خوفًا من الشَّناعة ولا يصرِّح، بل يقول: هذا الشيخ ابن أبي عصرون شيخ الشَّافعية ماله منصب، أريد منصبًا أُولِّيه. ففهم ضياءُ الدِّين، فكتبَ إلى صلاح الدين يستعفي من القضاء، فأعجبه ذلك، وزاد في إقطاعه، وبعثه رسولًا إلى الخليفة. وولى ابن أبي عصرون القضاء، وأمره أن يستنيب أبا المعالي محيي الدِّين محمد بن زكي الدِّين، فاستنابه بتوقيعٍ من صلاح الدِّين، وأقام ابن أبي عصرون قاضيًا إلى أن ضَعُفَ بصره، فأشار الفاضل بتولية أبي حامد محمّد (١)، واستمرَّ إلى سنة سبعٍ وثمانين وخمس مئة، فصُرِفَ، واشتغل محيي الدين محمّد بن زكي الدِّين بالقضاء.

стр. 10187

ومن شعر كمال الدين الشَّهْرُزُوري: [من الطويل] وجاؤوا عشاءً يُهْرعَون وقد بدا … بجسميَ من داء الصَّبابةِ ألوانُ فقالوا وكلٌّ مُعْظِمٌ بعضَ ما أرى … أصابتك عينٌ قلت إن وأجفانُ وقال: [من الكامل] ولقد أتيتكَ والنُّجومُ رواصدٌ … والفجرُ وهمٌ في ضمير المَشْرِقِ وركبتُ مِ الأهوال (١) كلَّ عظيمةٍ … شوقًا إليك لعلَّنا أن نلتقي [(٢) وكان لكمال الدِّين ولد اسمه محمد بن محمد بن عبد الله، ولقبه محيي الدين، وكان أبوه [عيَّنه] (٣) قاضيًا على حلب، ولما مات كمال الدين رثاه بأبيات (٤). وكان للقاضي كمال الدين ثلاثة إخوة، أحدهم اسمه يحيى بن عبد الله، مات سنة نيف وستين وخمس مئة. والآخر القاسم بن عبد الله، ولقبه شمس الدين، ولي قضاء الموصل، وكان يعظ، وله كلام حسن وقبول، وتوفي في سنة ثلاثين وخمس مئة، وقد ذكرناه هناك. والثالث سعد بن عبد الله، نذكره في سنة ست وسبعين وخمس مئة، إن شاء الله]. السنة الثالثة والسبعون وخمس مئة فيها وصل تتامش الذي عصى على الخليفة، وقاتل مع قطب الدين قيماز إلى تحت التَّاج، وبيده سيفٌ وكَفَنٌ، وقبَّل الأرض مرارًا وطلب العفو، فعفا الخليفةُ عنه، وأعيد إلى إمرته، وأحسنَ إليه. وفيها تغيَّر الخليفة على الوزير ابن رئيس الرؤساء، وخرج إلى الحج، فقُتِل، وسنذكره إنْ شاء الله.

стр. 10188

وفيها وقعت واقعةٌ ببغداد، وذلك أَنَّه كان لرجل عبد وأَمَة، فعتقهما، وزوَّج العبد بالأمة، فأولدها أولادًا، وأقاما أربعين سنة على ذلك، ثم تبيَّين أن الأَمَةَ أختُ العبد لأبيه وأمه. [الجواب: لا إثم عليهما فيما مضى لعدم العلم بحالهما، ويفرَّق بينهما في الأخوَّة، وتعتد لاحتمال أن تكون حاملًا منه، وإذا فرَّق بينهما حرمت عليه، ويجوز له النظر إليها لأنها أخته إلا أن يخاف على نفسه] (١). وفيها كانت وقعة الرَّمْلة في جُمادى الآخرة، خرج صلاحُ الدِّين من مِصْر بالعساكر، فنزل على عسقلان، ثم رحل يريد تل الصَّافية، فازدحمتِ العساكرُ على الجسر تريد العبور، فلم يشعروا إلا وقد خالطهم الفرنج، فثبت تقيُّ الدِّين عمر، وقاتل، ثم غُلِبَ، وقُتِلَ من المسلمين خَلْقٌ كثير، وانهزمت عساكر الإسلام، وأُسر كثير، منهم: الفقيه عيسى وغيره، ولولا أنَّ الليل حَجَزَ بينهم لم يبق من المسلمين أحد. وسار صلاحُ الدِّين في الليل إلى مِصْر بغير دليل ولا ماء ولا زاد. وكانت هذه الوقعة من أعظم الوقائع، أنكت في الإسلام، وأَوْهَنَتْ صلاحَ الدين؛ لأنَّه كاد يتلف جوعًا وعطشًا، ونُهبت خزائنه، وقُتلت رجاله، وأُسر أبطاله. وكان مقدَّم الفرنج أرناط من أكبر ملوك الفرنج، وكان نور الدين قد أسره في وقعة حارم، وحبسه في [قلعة] (١) حلب، فأطلقه الملك الصَّالح، فجاء ومعه ملوكُ الفرنج، وما أتلف عسكر المسلمين إلا أنَّهم تفرَّقوا في السَّاحل بسبب الغارات، وكانوا زيادةً على عشرين ألفًا، ووقعت الكسرة، ومعظمهم لم يعلم، فلما عادوا من الغارات لم يجدوا صلاحَ الدِّين، ولم يكن لهم حِصْنٌ يأوون إليه، فدخلوا الرَّمْل، وتبعهم الفرنج قَتْلًا وأَسْرًا، ومن سَلِمَ منهم مات عطشًا وجوعًا، وكان يومًا عظيمًا على الإسلام لم تجبره إلا كسرةُ حِطِّين. ورجع أرناط بجمعه إلى حماة، فأناخ عليها، وبها شهابُ الدِّين محمود خال صلاح الدين، وهو يومئذٍ مريض، وعنده سيفُ الدِّين المَشْطُوب، فقاتلهم العسكر وأهلُ حماة قتالًا عظيمًا، ولولا المشطوب لملكوها، فقطعوا أشجارها، وأحرقوا ضياعها،

стр. 10189

ورحلوا إلى حارم، [وبها] (١) كُمُشْتِكِين الخادم عاصيًا على الملك الصالح [إسماعيل] (١)، فنصبوا عليها المجانيق، وقاتلوها أيامًا، فألجاتِ الخادم الضرورةُ إلى مصالحة الملك الصَّالح، فبعث إليه النجدة، فرحلوا عنه إلى أنطاكية، وقُتل الخادم كُمُشْتِكِين وأبو صالح بن العَجَمي. وبلغ صلاحَ الدين نزولُ الفرنج على حماة، فجمع عساكر مِصْر، وسار إلى الشَّام، فقدم دمشق، وبها أخوه شمسُ الدَّولة مشغولًا بلذَّاته ولهوه، وكان قد بعث إلى الفرنج بمالٍ مصانعةً، فعزَّ على صلاح الدين، ولامه وقَبَّح فِعْلَه، وقال: أنتَ مشغولٌ باللعب وتضيِّع أموال المسلمين! وكان وصوله دمشق في شوَّال، واستناب بمصر أخاه العادل [أبا بكر] (١). أحمد بن بكروس (٢) أبو العَبَّاس، الفقيه الحَنْبلي، ولد سنة اثنتين وخمس مئة، وقرأ القرآن [على أبي العز بن كادش] (١)، وتفقه [على أبي بكر الدِّينوري] (١)، وسمع الحديث [من أبي الحصين وطبقته] (١)، وتوفي في صفر، وصُلِّي عليه بجامع القَصْر، ودُفِنَ قريبًا من الإمام أحمد، رحمة الله عليه، وكان زاهدًا عابدًا، ورعًا، كثير العبادة. قال المصنف ﵀: وزوَّجه جدِّي ست العلماء أكبر بناته، ومن شعره: [من الرجز] أحبابنا لا سَلِمَتْ من الرَّدى … يمينُ من يخونُ في اليمينِ بكيتُ دَمْعًا ودمًا لبَينِهم … وأَقْرَحَتْ من أَدْمُعي جفوني مُذْ رَحَلوا أحبابُ (٣) قلبي سَحَرًا … فالشَّوق والتَّذكار أَوْدَعُوني فيا غُرابَ بَينهم لا سَتَرَتْ … فراخَكَ الأوراقُ في الغُصونِ لئن حَلَفْتُ أنّ عيشي بَعْدَهُمْ … صافٍ لقد حَنِثْتُ في يميني

стр. 10190

فكيف أشكو والوفاءُ مَذْهبي … أم كيفَ أنسى والودَادُ دِيني قالوا وقد وَدَّعْتُهُمْ وأَدْمُعي … تجري وخوفُ البَينِ يَعْتَريني الصَّبْرُ أحرى فاصْطَبِرْ إنْ لَعِبَتْ … أيدي النَّوى بقَلْبكَ المحْزُونِ صدقة بن الحسَين (١) ابن الحسَن، أبو الفَتْح النَّاسخ الحَنْبلي، ويعرف بابن الحدَّاد [إمام المسجد الذي بين العقد والبدرية ببغداد ذكره جدي في "المنتظم"، وقال] (٢): ولد سنة سبع وتسعين وأربع مئة، وحَفِظَ القرآن، وتفقَّه وأفتى وناظر، لكنه قرأ الشِّفاء [لابن سينا] (٢)، وكُتُبَ الفلاسفة، فتغيَّر اعتقاده، وكان يَبْدُرُ من فَلَتَات لسانه ما يدلُّ على [سوء عقيدته، وتارة يسقِّف من جِنْس ابن الرَّاوندي] (٣)، وتارةً يشير إلى عدم بَعْثِ الأجساد، وتارةً يعترض على القضاء والقدر. [قال: وقال لي يومًا: أنا لا أخاصم إلا مَنْ فوق الفلك. وقال: ما أدري من أين جئنا، ولا إلى مطبق يريدون أن يحملونا إليه] (٢). ومن شعره: [من البسيط] واحيرتا مِنْ وجودٍ ما تقدَّمنا … فيه اختيارٌ ولا عِلْمٌ فَنَقْتَبِسُ ونحن في ظُلُماتٍ ما لها قَمَرٌ … يضيءُ فيها ولا شمسٌ ولا قَبَسُ مدلَّهينَ حيارى قد تكنَّفَنا … جهلٌ تجهَّمنا في وَجْهه عَبَسُ فالفِعْلُ فيه بلا ريبٍ ولا عَمَلٍ … والقولُ فيه كلامٌ كلُّه هَوَسُ وقال: [من الطويل] نظرتُ بعينِ القَلْبِ ما صَنَعَ الدَّهْرُ … فألفَيتُه غِرًّا وليس له خُبْرُ
следующие страницы →