← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 10186–10225 · переход к 10191.

стр. 10186

ذكر وفاته كان بينه وبين شَرَفِ الدِّين بن أبي عَصْرُون ما يكون بين أبناء الدُّنيا على المناصب، وكان نورُ الدِّين يفضِّله على ابنِ أبي عَصْرون، وهو عنده بمنزلةِ الوزير، وبعث به إلى بغداد رسولًا، فكتَبَ إلى الخليفة المقتفي ورقة يقول: المملوك محمد بن عبد الله الرَّسول. فكتَبَ المقتفي عليها: ﷺ . وكان ابنُ أبي عَصْرون أقومَ منه بالفتوى، فلما مرض وبلغ ابن أبي عصرون وهو بحلب قَدِمَ دمشق، فدخل عليه وعانقه وبكيا، فلما مات تولى ابن أبي عَصْرون أمره، وخرج في جِنازته ماشيًا؛ هو وجميع الملوك مشاة: سيف الإسلام، وتقي الدين عمر، وشمس الدولة، وغيرهم، وصُلِّيَ عليه بجامع دمشق، وحُمِلَ إلى قاسيون، فدفن في سَفْحه قريبًا من الجادة عند مسجد البصارو، ولم يكن عنده من أولاده أحد، وإنما كان عنده ابنُ أخيه ضياء الدِّين أبو الفضائل. وكان كمال الدين قد تصدَّق بجميع ما كان عنده، وأوصى بماله، ووقف أوقافًا كثيرة على أبواب البر، وقيل: إنه لم يكن له كفن، فكُفِّنَ في إحرامه، وكانت وفاته سادس المحرَّم. وأوصى بالقضاء إلى ابن أخيه ضياء الدِّين مع وجود ولده، فآثَرَ صلاحُ الدين أن يولي القضاءَ شَرَفَ الدين بن أبي عَصْرون من غير أن يعزل ضياء الدين، وأفضى بسرِّه إلى الفاضل، وما كان صلاح الدين يمكنه عزله خوفًا من الشَّناعة ولا يصرِّح، بل يقول: هذا الشيخ ابن أبي عصرون شيخ الشَّافعية ماله منصب، أريد منصبًا أُولِّيه. ففهم ضياءُ الدِّين، فكتبَ إلى صلاح الدين يستعفي من القضاء، فأعجبه ذلك، وزاد في إقطاعه، وبعثه رسولًا إلى الخليفة. وولى ابن أبي عصرون القضاء، وأمره أن يستنيب أبا المعالي محيي الدِّين محمد بن زكي الدِّين، فاستنابه بتوقيعٍ من صلاح الدِّين، وأقام ابن أبي عصرون قاضيًا إلى أن ضَعُفَ بصره، فأشار الفاضل بتولية أبي حامد محمّد (١)، واستمرَّ إلى سنة سبعٍ وثمانين وخمس مئة، فصُرِفَ، واشتغل محيي الدين محمّد بن زكي الدِّين بالقضاء.

стр. 10187

ومن شعر كمال الدين الشَّهْرُزُوري: [من الطويل] وجاؤوا عشاءً يُهْرعَون وقد بدا … بجسميَ من داء الصَّبابةِ ألوانُ فقالوا وكلٌّ مُعْظِمٌ بعضَ ما أرى … أصابتك عينٌ قلت إن وأجفانُ وقال: [من الكامل] ولقد أتيتكَ والنُّجومُ رواصدٌ … والفجرُ وهمٌ في ضمير المَشْرِقِ وركبتُ مِ الأهوال (١) كلَّ عظيمةٍ … شوقًا إليك لعلَّنا أن نلتقي [(٢) وكان لكمال الدِّين ولد اسمه محمد بن محمد بن عبد الله، ولقبه محيي الدين، وكان أبوه [عيَّنه] (٣) قاضيًا على حلب، ولما مات كمال الدين رثاه بأبيات (٤). وكان للقاضي كمال الدين ثلاثة إخوة، أحدهم اسمه يحيى بن عبد الله، مات سنة نيف وستين وخمس مئة. والآخر القاسم بن عبد الله، ولقبه شمس الدين، ولي قضاء الموصل، وكان يعظ، وله كلام حسن وقبول، وتوفي في سنة ثلاثين وخمس مئة، وقد ذكرناه هناك. والثالث سعد بن عبد الله، نذكره في سنة ست وسبعين وخمس مئة، إن شاء الله]. السنة الثالثة والسبعون وخمس مئة فيها وصل تتامش الذي عصى على الخليفة، وقاتل مع قطب الدين قيماز إلى تحت التَّاج، وبيده سيفٌ وكَفَنٌ، وقبَّل الأرض مرارًا وطلب العفو، فعفا الخليفةُ عنه، وأعيد إلى إمرته، وأحسنَ إليه. وفيها تغيَّر الخليفة على الوزير ابن رئيس الرؤساء، وخرج إلى الحج، فقُتِل، وسنذكره إنْ شاء الله.

стр. 10188

وفيها وقعت واقعةٌ ببغداد، وذلك أَنَّه كان لرجل عبد وأَمَة، فعتقهما، وزوَّج العبد بالأمة، فأولدها أولادًا، وأقاما أربعين سنة على ذلك، ثم تبيَّين أن الأَمَةَ أختُ العبد لأبيه وأمه. [الجواب: لا إثم عليهما فيما مضى لعدم العلم بحالهما، ويفرَّق بينهما في الأخوَّة، وتعتد لاحتمال أن تكون حاملًا منه، وإذا فرَّق بينهما حرمت عليه، ويجوز له النظر إليها لأنها أخته إلا أن يخاف على نفسه] (١). وفيها كانت وقعة الرَّمْلة في جُمادى الآخرة، خرج صلاحُ الدِّين من مِصْر بالعساكر، فنزل على عسقلان، ثم رحل يريد تل الصَّافية، فازدحمتِ العساكرُ على الجسر تريد العبور، فلم يشعروا إلا وقد خالطهم الفرنج، فثبت تقيُّ الدِّين عمر، وقاتل، ثم غُلِبَ، وقُتِلَ من المسلمين خَلْقٌ كثير، وانهزمت عساكر الإسلام، وأُسر كثير، منهم: الفقيه عيسى وغيره، ولولا أنَّ الليل حَجَزَ بينهم لم يبق من المسلمين أحد. وسار صلاحُ الدِّين في الليل إلى مِصْر بغير دليل ولا ماء ولا زاد. وكانت هذه الوقعة من أعظم الوقائع، أنكت في الإسلام، وأَوْهَنَتْ صلاحَ الدين؛ لأنَّه كاد يتلف جوعًا وعطشًا، ونُهبت خزائنه، وقُتلت رجاله، وأُسر أبطاله. وكان مقدَّم الفرنج أرناط من أكبر ملوك الفرنج، وكان نور الدين قد أسره في وقعة حارم، وحبسه في [قلعة] (١) حلب، فأطلقه الملك الصَّالح، فجاء ومعه ملوكُ الفرنج، وما أتلف عسكر المسلمين إلا أنَّهم تفرَّقوا في السَّاحل بسبب الغارات، وكانوا زيادةً على عشرين ألفًا، ووقعت الكسرة، ومعظمهم لم يعلم، فلما عادوا من الغارات لم يجدوا صلاحَ الدِّين، ولم يكن لهم حِصْنٌ يأوون إليه، فدخلوا الرَّمْل، وتبعهم الفرنج قَتْلًا وأَسْرًا، ومن سَلِمَ منهم مات عطشًا وجوعًا، وكان يومًا عظيمًا على الإسلام لم تجبره إلا كسرةُ حِطِّين. ورجع أرناط بجمعه إلى حماة، فأناخ عليها، وبها شهابُ الدِّين محمود خال صلاح الدين، وهو يومئذٍ مريض، وعنده سيفُ الدِّين المَشْطُوب، فقاتلهم العسكر وأهلُ حماة قتالًا عظيمًا، ولولا المشطوب لملكوها، فقطعوا أشجارها، وأحرقوا ضياعها،

стр. 10189

ورحلوا إلى حارم، [وبها] (١) كُمُشْتِكِين الخادم عاصيًا على الملك الصالح [إسماعيل] (١)، فنصبوا عليها المجانيق، وقاتلوها أيامًا، فألجاتِ الخادم الضرورةُ إلى مصالحة الملك الصَّالح، فبعث إليه النجدة، فرحلوا عنه إلى أنطاكية، وقُتل الخادم كُمُشْتِكِين وأبو صالح بن العَجَمي. وبلغ صلاحَ الدين نزولُ الفرنج على حماة، فجمع عساكر مِصْر، وسار إلى الشَّام، فقدم دمشق، وبها أخوه شمسُ الدَّولة مشغولًا بلذَّاته ولهوه، وكان قد بعث إلى الفرنج بمالٍ مصانعةً، فعزَّ على صلاح الدين، ولامه وقَبَّح فِعْلَه، وقال: أنتَ مشغولٌ باللعب وتضيِّع أموال المسلمين! وكان وصوله دمشق في شوَّال، واستناب بمصر أخاه العادل [أبا بكر] (١). أحمد بن بكروس (٢) أبو العَبَّاس، الفقيه الحَنْبلي، ولد سنة اثنتين وخمس مئة، وقرأ القرآن [على أبي العز بن كادش] (١)، وتفقه [على أبي بكر الدِّينوري] (١)، وسمع الحديث [من أبي الحصين وطبقته] (١)، وتوفي في صفر، وصُلِّي عليه بجامع القَصْر، ودُفِنَ قريبًا من الإمام أحمد، رحمة الله عليه، وكان زاهدًا عابدًا، ورعًا، كثير العبادة. قال المصنف ﵀: وزوَّجه جدِّي ست العلماء أكبر بناته، ومن شعره: [من الرجز] أحبابنا لا سَلِمَتْ من الرَّدى … يمينُ من يخونُ في اليمينِ بكيتُ دَمْعًا ودمًا لبَينِهم … وأَقْرَحَتْ من أَدْمُعي جفوني مُذْ رَحَلوا أحبابُ (٣) قلبي سَحَرًا … فالشَّوق والتَّذكار أَوْدَعُوني فيا غُرابَ بَينهم لا سَتَرَتْ … فراخَكَ الأوراقُ في الغُصونِ لئن حَلَفْتُ أنّ عيشي بَعْدَهُمْ … صافٍ لقد حَنِثْتُ في يميني

стр. 10190

فكيف أشكو والوفاءُ مَذْهبي … أم كيفَ أنسى والودَادُ دِيني قالوا وقد وَدَّعْتُهُمْ وأَدْمُعي … تجري وخوفُ البَينِ يَعْتَريني الصَّبْرُ أحرى فاصْطَبِرْ إنْ لَعِبَتْ … أيدي النَّوى بقَلْبكَ المحْزُونِ صدقة بن الحسَين (١) ابن الحسَن، أبو الفَتْح النَّاسخ الحَنْبلي، ويعرف بابن الحدَّاد [إمام المسجد الذي بين العقد والبدرية ببغداد ذكره جدي في "المنتظم"، وقال] (٢): ولد سنة سبع وتسعين وأربع مئة، وحَفِظَ القرآن، وتفقَّه وأفتى وناظر، لكنه قرأ الشِّفاء [لابن سينا] (٢)، وكُتُبَ الفلاسفة، فتغيَّر اعتقاده، وكان يَبْدُرُ من فَلَتَات لسانه ما يدلُّ على [سوء عقيدته، وتارة يسقِّف من جِنْس ابن الرَّاوندي] (٣)، وتارةً يشير إلى عدم بَعْثِ الأجساد، وتارةً يعترض على القضاء والقدر. [قال: وقال لي يومًا: أنا لا أخاصم إلا مَنْ فوق الفلك. وقال: ما أدري من أين جئنا، ولا إلى مطبق يريدون أن يحملونا إليه] (٢). ومن شعره: [من البسيط] واحيرتا مِنْ وجودٍ ما تقدَّمنا … فيه اختيارٌ ولا عِلْمٌ فَنَقْتَبِسُ ونحن في ظُلُماتٍ ما لها قَمَرٌ … يضيءُ فيها ولا شمسٌ ولا قَبَسُ مدلَّهينَ حيارى قد تكنَّفَنا … جهلٌ تجهَّمنا في وَجْهه عَبَسُ فالفِعْلُ فيه بلا ريبٍ ولا عَمَلٍ … والقولُ فيه كلامٌ كلُّه هَوَسُ وقال: [من الطويل] نظرتُ بعينِ القَلْبِ ما صَنَعَ الدَّهْرُ … فألفَيتُه غِرًّا وليس له خُبْرُ

стр. 10191

فنحن سُدًى فيه بغير سياسةٍ … نروحُ ونَغْدُو قد تكنَّفنا الشَّرُّ فلا من يحلُّ الزِّيج وهو منجِّمٌ … ولا مَنْ عليه ينزل الوَحْيُ والذِّكْرُ يحلُّ لنا ما نحن فيه فنهتدي … وهل يهتدي قومٌ أضلَّهم السُّكْرُ عمًى في عمى في ظُلْمةٍ فوق ظُلْمةٍ … تراكُمها من دونه يعجز الصَّبْرُ وقال: [من الرمل] لا توَّطنْها فليست بمقامِ … واجْتَنِبْها فَهْيَ دارُ الإنتقامِ أتراها صَنْعَةً من صانع … أم تُراها رميةً من غيرِ رامِ [وله أشعار من هذا الجنس مذمومة. قال جدي: فلما تحقق هذا عندي هجرته سنين، ولما مات لم أصلِّ عليه، ومع هذه الفواحش والاعتقاد السيء، (١) كان يُظْهر الفقر، ويطلب من الناس، فلما مات وجدوا له ثلاث مئة دينار، ومات في ربيع الآخر، ودُفِنَ بباب حرب. ورآه أبو بكر الدَّلال في المنام وهو عُرْيان، فقال له: ما فَعَلَ الله بك؟ فقال: قلتُ له: اغفرْ لي، فقال: ما أريد أَنْ أغفر لك. [هذه (٢) صورة ما حكى جدي في "المنتظم" (٣). وحكى شيخنا عبد الوهّاب بن بُزْغُش المقرئ (٤)، وكان جاره، قال: دخلت عليه يومًا في أيام الفتنة في بغداد، فرعدت الدنيا رعدًا مزعجًا، فرفع رأسه إلى السماء، وقال: خباط في الأرض، وخباط في السماء! قال: وكانت قد سقطت أسنانه، وسخَّر الله له بعضَ الأكابر، فكان يبعث له الدَّجاج والطعام، فكان يقول: قتلني في أول عمري بالفقر والجوع، ويبعث لي في آخر عمري الدجاج، وقد أخذ أسناني، فما أقدر أن آكل!

стр. 10192

قال: وقال لي يومًا]: يا فلان، ما ترى هؤلاء أصحابنا الفَعَلة الصَّنَعة -يشير إلى الحنابلة- أنا بينهم أموت بالجوع ما يطعمني أحدٌ لقمة، فإذا متُّ غدًا، شدُّوا تابوتي بالحبال، وصاحوا: هذي رايات الصَّالحين. فقلتُ له: طَيِّبْ قلبك، ما يفعلوا بك هذا أبدًا. فقال: أنتَ أيضًا من الحمير. [قال: وكان يحسد جدِّي، وكانت بنفشا جارية الخليفة تعلم ذلك، فكانت تغيظه، بعثت إليه يومًا خادمًا، ومعه طبق مغطى بمنديل دبيقي (١)، فوضعه بين يديه، فظن أن فيه حلاوة، فكشفه، وإذا بقدح من زجاج فيه ماء، فقال الخادم: الجهة تقول لك: هذا ماء من بئر وقعت فيه فأرة، فانظر هل هو طاهر أم نجس؟ فشتم الجهة، وقال: الخِلَع والحلاوات والمال إلى ابن الجوزي، وصدقة يُسأل عن الماء النجس؟! فأبلغها الخادم، فضحكت، وبعثت له شيئًا] (٢). كُمُشتِكِين (٣) خادم نور الدِّين محمود. كان من أكابر خُدَّامه، ولاه قلعة المَوْصِل نيابةً عنه، فلما ماتَ نورُ الدِّين هَرَبَ إلى حلب، وخَدَمَ شمسَ الدِّين ابن الدَّاية، ثم جاء إلى دمشق، وأخَذَ الملكَ الصَّالح، وجاء به إلى حلب، [وقد ذكرناه] (٢)، وأقطعه الملكُ الصَّالح حارم، [(٤) وأقام بها، وعصى عليه، فلما حصره الفرنج صالحه وقد ذكرناه، واختلفوا في سبب قتله على قولين أحدهما أن كمشتكين] حسد أبا صالح بن العَجَمي وزير الملك [الصَّالح] (٢)، فوضع عليه الإسماعيلية، فقتلوه، واستقلَّ كُمُشْتكين بالأمر، فقيل للملك الصَّالح: ما قَتَلَ وزيرَك إلا الخادم ليستبدَّ بالأمر، فحبسه وطالبه بتسليم قلعة حارم، فكتَبَ إلى نوابه، فأبوا أن يسلموها.

стр. 10193

قال العماد الكاتب: فلما طال أمره قَصُرَ عُمره، [(١) والثاني أَنَّهم لما امتنعوا من تسليم قلعة حارم] خَرَجَ إليها الملك الصَّالح من حلب، ومعه الخادم، فقال: مُرْهم بتسليمها، فأمرهم فلم يقبلوا، فعلَّقه منكوسًا، ودخَّن تحت أنفه فمات. وعاد الصَّالح إلى حلب ولم يأخذها، ثم أخذها بعد ذلك، وسلَّمها إلى مملوك أبيه سرخك. محمد بن عبد الله (٢) ابن هبة الله بن المُظَفَّر بن علي بن الحسين بن أحمد بن محمد بن عمر بن الحسن بن عبيد بن عمرو بن خالد بن الرُّفَيل، أبو الفرج الوزير، ابنُ رئيس الرُّؤساء -[وقد ذكرنا ترجمة ابن مسلمة (٣) وزير القائم بأمر الله] (٤) - ولقبه عَضُد الدِّين. ولد سنة أربع عشرة وخمس مئة، وكان أبوه أستاذ دار المقتفي، وأقرَّه المستنجد، فلما ولي المستضيء استوزره، وقصده قطب الدِّين قيماز [على ما ذكرنا] (٤)، ثم عاد استوزره المستضيء، فَشَرَعَ ظهير الدِّين أبو بكر بن العَطَّار صاحب المخزن في عداوته، فغيَّر قلب الخليفة عليه، فطَلَبَ الحجَّ في هذه السَّنة، فأَذِنَ له، فتجهَّز جِهازًا عظيمًا؛ اشترى ستّ مئة جمل لحمل المُنْقطعين وزادهم، وحَمَلَ معه جماعةً من العلماء والزُّهَّاد، ومارَسْتانًا فيه جميع ما يحتاجون إليه (٥) من الرَّوايا والقُرب والزَّاد وغيره ما لم يحمله وزير، فلما كان يوم الأربعاء رابع ذي القَعْدة ركب في شَبَّارة (٦)، وعَبَرَ في دِجْلة إلى الجانب الغربي، وجميع أهل بغداد من الجانبين يدعون له ويثنون عليه، لأَنَّه كان مُحْسنًا إليهم بماله وجاهه ومروءته، قريبًا من النَّاس، ولما صَعِدَ من

стр. 10194

الشَّبَّارة عند القرية، ركب وأرباب الدَّوْلة بين يديه بأَسْرهم، وخدم الخاصَّة، والنَّقيبان وقاضي القضاة، ما عدا [ظهر الدين] (١) ابن العَطَّار، فإنَّه لم يودِّعْه، فلما ركب ضُرِبَ البوق على عادة الوزراء، فلما وصل إلى باب قَطُفْتا (٢)، خرج عليه رجل صوفي وبيده قِصَّة، فقال: مظلوم. فقال الغِلْمان: هاتِ قِصَّتك، فقال: ما أُسَلِّمها إلا إلى الوزير. فقال: دعوه، تعال. فجاء إليه ووثَبَ عليه، وضربه بسكِّين في خاصرته، فصاح [الوزير] (١): قتلني، وسَقَطَ من دابته، وانكشف رأسه، فغطاه مملوكه بكُمَّةٍ، وبقي على قارعة الطَّريق مُلْقًى، وتفرَّق مَنْ كان معه إلا حاجب الباب ابن المعوَّج، فإنه رمى بنفسه عليه، فضربه الباطني بسكِّين فجرحه، فظهر له رفيقان، فقُتلوا وأُحرقوا، وحُمل الوزير إلى داره بقَطُفْتا، وحُمِلَ حاجب الباب إلى داره، وكان الوزير قد رأى في تلك الليلة في منامه كأنَّه يعانقُ عُثْمان بن عَفَّان ﵁، وكان قد اغتسل قبل أَنْ يخرج من داره، وقال: هذا غُسْل الإسلام، وأنا مقتول بغير شكّ. ولم يسمع [من الوزير] (٣) لما جُرح غير قوله: الله الله، ادفنوني عند أبي. [(٤) وحكى جدي ﵀، قال: حدثني، رجلٌ من أهل قَطُفْتا: دخلتُ في اليوم الذي قُتِلَ فيه الوزير قبل قَتْله بساعةٍ إلى مسجد بقَطُفْتا، فرأيت فيه ثلاثة نَفَرٍ قيام أحدهم معترضًا إلى القِبْلة، وقام الآخران فصلَّيا عليه صلاةَ الموت، ثم فعلَ كلُّ واحدٍ منهما كذلك [حتى كملوا الصلاة عليهم قال:] (١) فتعجبت منهم ولم أكلمهم، ولم يكلِّموني، ثم قاموا، فخرجوا، ووثبوا على الوزير، فقتلوه وقُتلوا. وكانت وفاتُه يوم الخميس، فَغُسِّل وكُفِّن، وحُمل إلى جامع المنصور، وصَلَّى عليه ولدُه الأكبر، ودُفِنَ عند أبيه مقابل جامع المنصور، وحَضَر أربابُ الدَّوْلة بأَسْرهم، وابنُ العَطَّار صاحبُ المخزن، وجلس أولاده للعزاء يوم الجمعة، ولم يقربهم أحدٌ من أرباب الدَّوْلة، فبرز أمر الخليفة: ألا يتخلف عنهم أحد. فحضروا يوم السبت بأَسْرهم،

стр. 10195

وجاء خدمُ الخاصَّة ومعهم توقيعُ الخليفة بإظهار الحُزْن عليه، والتأسُّف، وتطييب قلوبهم، وأقامهم من العزاء. [(١) واختلفوا في سبب قتله، فقال قوم:] إنَّ تتامش واطأ الإسماعيلية على قَتْله لما كان بينهما، فبعث الخليفةُ، فقبضَ على تتامش، وأخَذَ أمواله وحَبَسه في التَّاج، وكان قد كتب مرارًا إلى الخليفة يعرضه للفرجة على الحاجّ، ويقول بأنَّ هذا شعار الإسلام، ولو خرج أمير المؤمنين لاشتدَّت قلوب الحاج، فلما قُتِلَ الوزير خِيفَ أن يكون أراد الخليفة [(٢) وقال آخرون:] إنما وَضَعَ الإسماعيلية عليه ابن العطار صاحب المخزن، [وهو الظَّاهر] (٣). [قلت:] (٤) حكى لي والدي ﵀، قال: كنتُ قاعدًا عند ابن العَطَّار صاحب المخزن في ذلك اليوم فجعل يقول لي: يا حسامَ الدِّين، إلى أين بلغ السَّاعة؟ وأين وَصَلَ؟ وهو قلق، يقوم ويقعد، فلما جاء الخبر بقَتْله، قام قائمًا، وقال: الله أكبر يا ثارات ظَفَر، يا ثارات عزّ الدين، يعني ابني الوزير ابن هُبيرة، فإنَّهما قُتلا في أيام ابنِ رئيس الرُّؤساء. قال أبي: ومضيتُ مع صاحب المخزن إلى عزاء أولاد ابن رئيس الرؤساء، فعزَّاهم، وجعل يقول: قَتَلَ الله من قتل أباكم شَرَّ قِتْلَة، ومثَّلَ به أقبحَ مُثْلة. فكان كما قال، [قُتل] (٣) ابنُ العطار شرَّ قِتْلة، ومُثِّلَ به أقبح مُثْلة [وسنذكره] (٥). أسند الوزيرُ الحديث [عن أبي القاسم بن الحصين وغيره] (٣)، وكان [الوزير] (٣) فاضلًا عادلًا؛ كان يغشاه رجلٌ من الأكابر، فحسده أقوام، فَسَعَوْا به إلى الوزير، وكثَّروا عليه، فقال الرجل: يا مولانا، قد بلغني كذا وكذا، وأنا خائف على منزلتي عندك. فقال الوزير: [من السريع] ما حطَّكَ الواشون من رُتْبَةٍ … عندي ولا ضَرَّكَ مغتابُ

стр. 10196

كأنَّما أثْنَوْا ولم يعلموا … عليك عندي بالذي عابوا ولما بلغ القاضي الفاضل قَتْلَه أنشد: [من الطويل] وأحسنُ من نَيلِ الوزَارة للفتى … حياةٌ تريه مَصْرَعَ الوزراءِ ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١) كان - عفا الله عنه - قد قتل وَلَدَي الوزير ابن هُبيرة، وخَلْقًا كثيرًا، وأنشد: [من الكامل] إنَّ الوزيرَ وزيرَ آلِ محمد … أَوْدَى فمن يَشْناكَ كان وزيرا غير أَنَّه خُتمت له السَّعادة بما ختمت له من الشهادة، لا سيما وقد خَرَجَ من بيته إلى الله، ثم قرأ ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية (٢). [وخرج ولده علي بن محمد إلى الشام، وأحسن إليه صلاح الدين، وسنذكره في سنة اثنتين وثمانين وخمس مئة] (٣). وأما حاجب الباب ابن المعوَّج، فاسمه محمد بن أبي نَصْر (٤)، كان شابًّا جميلًا، عاقلًا دينًا، ذا مروءةٍ، ماتَ في اليوم الذي جُرح فيه، ولم يبلغ ثلاثين سنة، وله نوادرُ مع اللصوص؛ أُتي بلصٍ وقد سَرَقَ، فقال: افرشوه [عني مدُّوه على الأرض] (٣)، فنامَ اللِّص، وقال: [ما يحتاج] (٣) في قدر الموضع أنا. وجاءت امرأةٌ، فقالت: يا سيِّدي؛ هذا اللِّصُّ فَتَحَ رأسي. فقال له: ويحك، لِمَ فَتَحْتَ راسَها؟ فقال: كنتُ قد ملأتها عِنَبًا، فأردت [أبصر] (٣) هل صارتْ خمرًا أو خلًا، يعني الخابية، فقال: والكْ، تتقاطع عليَّ؟ فقال: لا أتهجَّى، قال: كم تتنزل عليَّ؟ قال: شَدِّدْني بقطن، فقال: والله لا بد ما أقومك؟ فقال: كنتَ قوَّمتَ جَدّك، يعني المعوَّج، فضحك، واستتابه، وأطلقه.

стр. 10197

شهاب الدِّين محمود (١) خالُ صلاحِ الدين، كانت له حماة، نَزَلَ عليها الفرنج وهو مريضٌ، فتوفي، فأعطاها صلاح الدِّين لناصر الدين منكورَسْ بن خُمارتكِين صاحب صِهْيَوْن (٢)، وقيل: إنما أعطاها لتقي الدِّين عمر. وقيل: في السنة الآتية، وكان ناصر الدين نائبًا عن تقيِّ الدِّين (٣). أبو صالح بن العجمي (٤) وزير الملك الصالح [إسماعيل] (٥)، وثب عليه الإسماعيلية يوم الجمعة بعد الصَّلاة في جامع حلب، فقتلوه، وضعهم عليه كُمُشْتِكِين. وقيل: إنَّ جماعة [من الحاشية] (٥) حسدوه، فأَوغروا صَدْرَ الملك الصَّالح عليه، وقالوا: قد اطَّرحَ أمرك، ويراك بعين الصِّغَر. فحبسه، [ودخل عليه قوم فقتلوه، والأول أشهر] (٦) وكان مدبرًا، فاختلت أمورُ الملك الصَّالح بعده. السَّنة الرَّابعَة والسَّبعون وخمس مئة فيها جرى بحثٌ في مجلس ظهير الدين بن العَطَّار في قتال عائشة لعليٍّ رضوان الله عليه، فقال ابن البغدادي [ويعرف بابن حركها] (٥) الحنفي: كانت عائشة باغيةً على عليٍّ. فصاح عليه ابنُ العَطَّار، وأقامه من مكانه، وكَتَبَ إلى الخليفة، فأخبره، فقال: يُجمع الفقهاء، ويُسْألون ما يجب عليه. فجمعوا، وقالوا: يُعَزَّر.

стр. 10198

قال المصنف ﵀: وكان جدِّي حاضرًا، فقال: لا يجب عليه التعزير، لأَنَّه رجل ليس له عِلْم بالنَّقْل، وقد سَمِعَ أَنَّه جرى قتال، ولم يعلم أَنَّ السفهاء أثاروه بغير رضي الفريقين، وتأديبه العفو عنه. فكتَبَ ابنُ العَطَّار إلى الخليفة فقال: يُطْلق ولا يعاود إلى مثلها. فأُطْلق (١). [قلت: وقد ذكر جدي في بعض مصنفاته وقال: ما وقع الخلاف بين أحد من الصحابة وبين علي ﵇ إلا والحق مع علي لقوله ﵇: "وأدر الحق معه كيفما دار" (٢)، فإن جرت من غيره هفوة فهو مسكوت عنها لقوله ﵇: لا تسبوا (٣)] (٤). وفيها عصى شمسُ الدِّين بن المقدَّم ببَعْلَبَكّ، وكان صلاحُ الدِّين قد أعطاه إياها، ومدَّ شمس الدولة تورانشاه عينه إليها، وقَدِمَ صلاحُ الدِّين دمشق، فأرسل يطلبُ ابنَ المقدَّم، فاعتذر خوفًا من شمس الدَّوْلة، فخرج صلاحُ الدِّين، ونزل على بعلبك، فأقام تسعة أشهر يحاصرها، فنفد ما عنده، فأرسل إلى السُّلْطان يسأله العِوَض، فأعطاه بارين وكَفْرطاب، [(٥) وخرج شمس الدين بن المقدَّم إليها، وسلَّم صلاح الدين بعلبك إلى أخيه شمس الدولة]. وفيها مات الهنفري ملك الفرنج، بلغ السُّلطان أنه يريد [أن] (٤) يغار على دمشق، فبعث عِزَّ الدِّين فَرُّخْشاه [ابن أخيه] (٤) بعساكر دمشق إلى قرن الحرَّة، وقال: تقيم هناك على مرج عيون، فإنْ جاؤوك فأَرْسِلْ كُتُبَ الطُّيور إليَّ، ولا تواقعهم حتى آتيك، فسار فنزل مرج عيون، فلم يشعر إلا بطلائع الهنفري قد خالطته، ووقع القِتال، فلم يقدر [فرخشاه] (٤) على إعلام السُّلْطان، وقاتلهم بنفسه، وجُرح الهنفري جراحات موثقة، فأخذوه وانهزموا، وغنمهم فَرُّخْشاه، ومات الهنفري بعد أيام، وجاء السُّلْطان، فنزل قصر يعقوب، وبعث السَّرايا والغارات إلى بلد الفرنج.

стр. 10199

وفيها توفي سَعْد بن محمد بن سَعْد (١) أبو الفوارس بن الصيفي التميمي، ويلقب بالحيصَ بَيصَ. كان شاعرًا فاضلًا، مدح الخلفاء والوزراء والأكابر، [وما خرج عليه هذا الاسم إلا لأنه لقي الناس في شدة واختلاط، فقال: ما للناس في حيص بيص، فلقب به] (٢). ومات ببغداد في شعبان، وله ديوانٌ مشهور، وهو القائل في ابن طِرَاد (٣): [من الكامل] فتصدَّعوا متفرِّقين كأنهم … مالٌ تفرِّقه يدُ ابنِ طِرَادِ وقال: [من الرَّمل] لا تَلُمْني في شقائي بالعُلا … رَغَدُ العَيشُ لربَّاتِ الحِجَالِ سيفُ عزٍّ زانه رونقُه … فَهْوَ بالطَّبْع غنيٌّ عن صِقالِ كلَّما أَوْسَعْتُ حِلْمي جاهلًا … أوسعَ الجَهْلُ له فُحْشَ المقالِ وإذا شاردةٌ فهتُ بها … بَسَقَتْ مُرَّ النُّعامى (٤) والشّمالِ عَزَّ بأسي أنْ أُرى مُضْطَهدًا … وأبى لي غَرْبُ (٥) عزمي أن أُبالي (٦) وقال: [من الطويل] أجنِّبُ أهل الأمر والنَّهْي زَوْرَتي … وأغشى امرءًا في بيته وهو عاطل وإني لسمحٌ بالسلام لأشعثٍ … وعند الهُمامِ القَيلِ بالرَّدِّ باخِلُ وما ذاك مِنْ كِبْرٍ ولكنْ سجيةٌ … تعارِضُ تِيهًا عندهُمْ وتقابِلُ

стр. 10200

قال المصنف ﵀: وأنشدني شيخ الشيوخ تاج الدِّين ابن حموية ﵀ في المعنى لغيره: [من البسيط] لم ألقَ مستكبرًا إلا تحوَّلَ لي … عند اللِّقاءِ له الكِبْر الذي فيه ولا حلا لي من الدُّنيا ولذَّتها … إلا مقابلتي للتِّيه بالتِّيه وقال الحيص بيص: [من البسيط] عِلْمي بسابقة المقدور ألزمني … صَمْتي وصَبْري فلم أَحْرِصْ ولم أَسَلِ لو نِيلَ بالقَوْلِ مطلوبٌ لما حُرِمَ الـ … ــــرؤيا الكليمُ، وكان الحظ للجبل وحِكمةُ العقلِ إنْ عَزَّتْ وإنْ شَرُفَتْ … جهالةٌ عند حُكْمِ الرِّزْق والأَجَلِ (١) وقال: [من الخفيف] ربَّ رِفْدٍ وإن تكاثر عَدًّا … قلَّ من فَرْطِ كَثْرةِ التَّرْدادِ إنَّما الجودُ كالحياةِ ولكنْ … يعتريها السَّقامُ بالميعادِ وسؤالُ الأحرار من غير خُلْفٍ … ثمنٌ للنَّدى من الأَجْوادِ (٢) شُهْدَة بنت أحمد (٣) ابن الفَرَج بن عُمر الإِبَرِي. [ويقال لها] (٤) فخر النساء، الكاتبة. سمعتِ الحديثَ الكثير، وكتبتِ الخَطَّ الحسن، وكانت مخالطةً لدار الخلافة، و [كان] (٤) لها معروف [وإحسان] (٤) وصدقات، [وكانت] (٤) جليلةَ القَدْر، توفيت ليلة الاثنين رابع عشر محرم، وصُلِّي عليها بجامع القَصْر، وأُزيل الشُّبَّاك الذي في مقصورة الخطابة، فيقال: إنَّ الخليفة صلَّى عليها، وشَهِدَها أربابُ الدُّولة، ودفنت بباب أبرز، وسمعتْ مشايخ العراق [(٥) جعفر بن أحمد السرَّاج، وروت عنه "مصارع العشاق"،

стр. 10201

وسمعت طِرَاد الزَّينبي وغيرهما، وقُرِئَ عليها الحديث سنين، وعمرت حتى قاربت المئة، وذكرها جدي في "المشيخة". وقال: أخبرتنا شهدة الكاتبة بقراءتي عليها في صفر سنة سبع وخمسين وخمس مئة، وروى لنا عنها جماعة منهم جدي، وأبو محمد عبد العزيز بن دلف، وابن الأخضر وغيرهم]، وكانت صالحة، ثقةً. علي بن جمال الدين (١) الوزير الأصبهاني، أبو الحسن. [(٢) قد ذكرنا أن صاحب الموصل استوزره، وله خمس وعشرون سنة، ثم قبض عليه سيف الدين غازي، فشفع فيه كمال الدين بن نيسان وزير صاحب آمد، وكان قد زوَّجه ابنته، فأطلقه، فسار] إلى آمد مريضًا، فتوفي بدُنَيسر، فحمل إلى المَوْصل، فدُفِنَ بها إلى أوانِ الحج، فحُمل إلى المدينة، فدفن عند أبيه، وكان أحسنَ خَلْقِ الله صورةً ومعنى. [(٣) انتهى تاريخ جدِّي المسمى بالمنتظم في هذه السنة]، وله تاريخٌ صغير سماه "دُرّة الإكليل"، ذَيَّل فيه من هذه السَّنة إلى أن حُمِلَ إلى واسط سنة تسعين وخمس مئة، غير أنه لم يستقصِ فيه الحوادث، ويقال إنه منه دَخَلَ عليه الحادث، والله أعلم. السَّنة الخامسة والسَّبعون وخمس مئة فيها ولَّى الخليفةُ قِوام الدِّين يحيى بن زَبَادة حِجْبة الباب، وعَزَلَ عنها عَلَم الدِّين طلحة بن البقشلان، ووقَعَ الغلاء والوباء ببغداد، فأكل النَّاسُ أولادهم، وماتوا على الطرق.

стр. 10202

وزلزلت أرمينية وبلاد إرْبل، وتصادمتِ الجبال بحيث كان بين الجبلين مسافة، فتقلعهما الزلزلة، فيصطدمان، ثم يعودان إلى مكانهما. وفي سَلْخ ذي القعدة خطب المستضيء لولده أبي العَبَّاس أحمد النَّاصر بإشارة جهة الخليفة بنفشا، وكان الخليفةُ قد مرض في شَوَّال، وتوفي في ثاني ذي القعدة. وفي ربيع الأول كانت وقعة مرج عيون، التقى صلاح الدين الفرنج على مرج عيون، فأَسَرَ مقدَّم الداوية والإسبتار، وصاحب الطبرية، وابن بارزان صاحب نابلس والرَّملة، وقسطلان يافا، وصاحب القُدْس، وصاحب جُبيل، وكانت وقعةً عظيمة، فخلَّص بعضُهم نفسه، ومات بعضهم في الأَسْر، وخَلَصَ الفقيه عيسى، [وكان قد أُخذ من الرملة، وقد ذكرناه] (١)، وحُسِبَ من القطيعة بستين ألف دينار. وقيل: إن وقعة مرج عيون كانت في المحرَّم، وهذه وقعة هُونين التي أُسروا فيها. وسار السُّلْطان في ربيع الأَوَّل إلى حِصْن يعقوب -ويسمَّى قصر يعقوب، وبيت الأحزان- عند المخاضة، فنَصَبَ عليه المجانيق، وخَلَعَ على النَّقَّابين، وباشر القتال بنفسه، فعلقوا النُّقوب، وأحرقوا الأخشاب، فسقطتِ الأبراج، فصاحوا: الأمان. وعاجلهم المسلمون، ففتحوه عَنْوَةً، وكان عَرْضُ سوره عشرةَ أذرع، وارتفاعُه أربعين ذراعًا، فَقَتَلَ المسلمون منهم ألفًا وخمس مئة، وخلَّصوا من أسارى المسلمين مئةَ أسير، وكان بيت الأحزان -الذي يزعمون أن يعقوب ﵇ كان ينفرد فيه، ويبكي على يوسفَ ﵇ كنيسةً، فجعله السُّلْطان مسجدًا. وذكر الشُّعراء هذا الحِصْن، فقال أحمد بن نفاذة الدِّمَشْقي، [ويلقب بالنَّشو] (١): [من المتقارب] هلاكُ الفرنج أتى عاجلًا … وقد آن تكسيرُ صُلْبانِها ولو لم يكن قد أتى حَتْفُها … لما عمَّرتْ بيتَ أَحْزانِها وقال أبو الحسن عليُّ بن أحمد السَّاعاتي: [من الطويل] وَقَفْتُ على حِصْن المخاض وأنَّه … لموقفُ حَقٍّ لا يوازيه موقفُ

стр. 10203

وما رُفعت أعلامك الصُّفْر ساعة … إلى أن غَدَتْ أكبادُها السُّود تَرْجُفُ أَيَسْكُنُ أوطانَ النَّبيِّين عُصْبَةٌ … تمينُ لدى أَيمانها وهي تَحْلِفُ نَصَحْتُكُمُ والنُّصْح في الدِّين واجبٌ … ذَرُوا بيتَ يعقوبٍ فقد جاء يوسفُ (١) وكتب الفاضل إلى بغداد كتاب الفَتْح، فأمر الخليفة بضرب البُوقات والدَّبادب على أبواب الأُمراء ما عدا طبول الخليفة، ولم يشهد تقيُّ الدِّين هذه الغَزَاة، لأَنَّ قليج رسلان نزل على حصن رَعْبان في عشرين ألفًا، وادَّعى أنه له، فسار تقيُّ الدين إليه في ألف فارس، فهزمه، فكان تقيُّ الدين يُدِلُّ بهذه الوقعة حيث هَزَمَ ألوفًا بألف. وفيها خَتَنَ السُّلْطان ولده العزيز عثمان، واتخذ له يوسف بن الحسين، ويعرف بابن المجاور معلِّمًا. وتسلَّم فَرُّخْشاه بَعْلَبَك، ومات المستضيء. البابُ الرَّابع والثلاثون في خلافة النَّاصر لدين الله أحمد وكنيته أبو العَبَّاس، ولد سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين وخمس مئة، وأمه زُمُرّد خاتون أم ولد، وكانت بيعته يوم الاثنين ثاني ذي القَعْدة، وله ثلاث أو اثنان وعشرون سنة، وتولَّى أخذ البيعة له ظهير الدين بن العَطَّار صاحب المخزن، على الرَّغم منه، لأَنَّه كان يميل إلى أخيه الأمير أبي منصور خائفًا من أبي العباس، وانتظر مساعدة بنفشا، فلما جاءه أمر بالخُطْبة لأبي العباس، أُسْقِطَ في يده، وساعد بنفشا مجدُ الدِّين ابنُ الصاحب أُستاذ الدار، وطاشتِكِين أمير الحاج، ثم قُتِلَ ابنُ الصَّاحب، وحُبس طاشتكين بعد ذلك، وحَضَرَ القضاة والأشراف وبنو هاشم وغيرهم وأخوه أبو منصور، وضياءُ الدِّين الشَّهْرُزُوري رسولُ صلاحِ الدين، وبايعوه، وقبض في ذلك اليوم على سَعْد الشَّرابي، وأحسنَ إلى بنفشا، وكان المستضيء أراد أن يعهد إلى الأمير أبي

стр. 10204

منصور، فقالت له بنفشا: اللهَ اللهَ أن تَعْدِلَ عن أبي العَبَّاس، فرأى لها ذلك، وبَعَثَ شيخَ الشيوخ عبد الرَّحيم وصَنْدَل الخادم إلى صلاحِ الدِّين بالبيعة. وفي يوم الجمعة سابع ذي القعدة قَبَضَ على ظهير الدين [ابن العطار] (١) صاحب المخزن، وعلى مسعود النَّقيب. وحجَّ بالنَّاس من العراق طاشْتِكِين، ومن الشَّام صفي الدين بن القابض؛ وزير صلاح الدين. وفيها توفي إسحاق (٢) وإسماعيل ابنا أبي منصور (٣) موهوب بن الجواليقي. [(٤) فأما إسحاق فكنيته أبو طاهر، ولد في سنة تسع عشرة وخمس مئة (٥)، وقرأ على أبيه الأدب والحديث، وسمع من ابن الحصين وغيره، ومات في رجب، ودفن بباب حرب. وأما إسماعيل فكنيته أبو محمد، ولد سنة إحدى عشرة وخمس مئة، وقرأ على أبيه الأدب وبرع فيه، وسمع من ابن الحصين وابن السمرقندي وغيرهما، وأقرأ الأدب بعد أبيه، وروى عنه جماعة منهم عبد العزيز بن الأخضر، وكان شيخنا، وكان يثني عليه ويقول: هو في النسك والعبادة أبلغ من أبيه، قال: وأنشدنا لإبراهيم نفطويه]: [من البسيط] اقبلْ معاذيرَ مَنْ يأتيك مُعْتذرًا … إنْ بَرَّ عندك فيما قال أو فَجَرا فقد أطاعك مَنْ أرضاك ظاهِرُه … وقد أَجَلَّكَ مَنْ يعصيك مُسْتترا

стр. 10205

المستضيء بأمر الله (١) أبو محمد، الحسن بن يوسف المستنجد. كان [جَوَادًا] (٢) عادلًا، شريفَ النَّفْس، حَسَنَ السِّيرة، ليس للمال عنده قدر، حليمًا، مُشْفقًا على الرَّعية، أَسْقَطَ المكوس والضَّرائب، وكان متواضعًا، وتوفي ثاني ذي القَعْدة، عن ستٍّ وثلاثين سنة، وكانت خلافته تسعَ سنين وستة أشهر وعشرين يومًا، ودُفِنَ في داره، ثم نُقِلَ بعد ذلك إلى تُرْبته المجاورة لجامع فخر الدولة (٣). ذِكْرُ حاشيته ووزرائه: وَزَرَ له عضد الدَّولة ابن رئيس الرؤساء، وأبو الفَضْل زعيم الدين بن جعفر، ومحمد بن محمد بن عبد الكريم الأنباري، ومات في الوزارة ظهير الدين ابن العَطَّار، وكان على قضاء القضاة أبو الحسن علي بن الدَّامَغاني، وعلى الحجابة مجد الدين أبو الفَضْل الصَّاحب، وأبو سَعْد محمد بن المعوّج، وكان له ولدان أبو العَبَّاس أحمد، وأبو منصور هاشم. علي بن أحمد بن محمد بن عمر بن الحسين (٤) ابن هبة الله بن الحسين بن علي بن يحيى بن أحمد بن زيد بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسن العلوي الزَّيدي. ولد سنة تسع وعشرين وخمس مئة، وسمع الحديث الكثير، ولما عاد [عضد الدين] (٢) ابن رئيس الرؤساء إلى الوزارة بعث إليه بألف دينار، وكَتَبَ إلى المستضيء يقول: إنني نذرتُ إنْ عدتُ إلى الوزَارة بعثتُ إلى الشَّريف بألف دينار، فقال المستضيء: أنا أحمل إليه ألف دينار، وقالت بنفشا: وأنا أيضًا أحمل إليه ألف دينار، فحُمِلَ الجميعُ إليه، فلم يتصرَّف فيها، واشترى بها دارًا بدرب دينار الصغير، وبناها

стр. 10206

مسجدًا، واشترى بباقي الذهب كُتُبًا، ووقفها في المسجد [ينتفع الناس بها، وهي باقية إلى هلمَّ جرا، وكانت وفاته في شوال، ودفن في المسجد] (١) المذكور، [سمع أبا الفضل بن ناصر وغيره] (١)، وكان سيِّدًا جليلًا، نبيلًا زاهدًا، وَرِعًا. عَلَم بنت عبد الله بن المبارك (٢) زوجة الزَّبيدي (٣) [شيخ الوزير ابن هُبيرة] (١)، كانت تضاهي رابعة العدوية، وتقرأ القرآن، ولا تَفْتُرُ من الذِّكْر، ولم يكن في زمانها مِثْلُها، وكانت صابرةً على الفقر، وَرِعَةً، مَرِضَ ولدُها أحمد بنُ الزَّبيدي، فاحْتُضر، وجاء وقتُ الصَّلاة، فقالت: يا بني ادخل في الصَّلاة، فدخل وكَبَّر، فماتَ، فخرجت إلى النِّساء، وقالت: هنئنني. قلن: بماذا؟ قالت: ماتَ ولدي في الصَّلاة. توفيت ببغداد، وعمرها مئة سنة وستّ سنين، ولم يتغيَّر عليها من حواسها شيء، [بل كانت كأنَّها يوم ولدت] (١). محمد بن الحسين بن الحسن (٤) أبو الفرج [الهِيْتي] (١)، ولد بهِيت (٥) سنة خمس وتسعين وأربع مئة، وسكن بغداد، وكان فاضلًا، فمن نظمه: [من السريع] يا راقدًا أَسْهَرَ لي مُقْلَةً … عزيزةً عندي وأبكاها ما آن للهِجْران أن ينقضي … عن مُهْجةٍ هَجْرُكَ أَضْناها إن كنتَ ما تَرْحَمُني فارْتَقِبْ … يا قاتلي في قتليَ اللهَ ومن نثره: من كان الصَّمتُ شجرتَه كانت السَّلامةُ ثمرتَه. وفي احتراز اللبيب ما يُغْنيه عن الطبيب، من ترك المِرا استمال الوَرَى.

стр. 10207

وكانت وفاته في شعبان، ودفن بباب حرب، [سمع عبد الوهَّاب الأنماطي وغيره، وروى عنه شيوخنا] (١). [فصل: وفيها توفي محمد بن محمد بن عبد الكريم (٢) أبو الفرج بن الأنباري، كاتب الإنشاء بديوان الخليفة، ولد سنة سبع وخمس مئة، وهو من بيت الرياسة والكتابة، ناب في الديوان حين توفي والده سديد الدولة في سنة ثمان وخمسين وخمس مئة إلى هذه السنة، وكانت وفاته في ذي القعدة، وصلي عليه بجامع القصر، ودفن عند والده بمقابر قريش. سمع أبا محمد بن أحمد السمرقندي وطبقته، وكان فاضلًا عاقلًا، نزهًا عفيفًا. وفيها توفي محمد بن علي بن محمد (٣) أبو الفتح الدَّامغاني، ابن قاضي القضاة أبي الحسن، من بيت الرياسة والفضل والقضاء، استنابه أبوه في القضاء، وكان فاضلًا نَزهًا، عفيفًا، توفي وهو شاب في شوال، ودفن بنهر القلائين، وبها كانت منازلهم] (١). محمد بن علي بن حمزة (٤) أبو يعلى، قُطْب الدين الزَّيدي، ويعرف بابن الأَقْساسي، ولد بالكوفة سنة سبعٍ وتسعين وأربع مئة، وكان نقيبَ العلويين بها، فاضلًا، قدم بغداد، وسمع الحديث، وتوفي في شوال، ودفن بالشُّونيزيَّة، ومن شعره: [من المديد] ربَّ قومٍ في خلائقهم … عِرَرٌ قد صُيِّروا غُرَرا سَتَرَ الإِثْراءُ عَيْبَهُمُ … سترى إنْ زال ما سَتَرا

стр. 10208

وقال: [من الطويل] وكنتُ إذا خَصَمْتُ خَصْمًا كبَبْتُه … على الوَجْه حتى خاصمتني الدَّراهمُ فلمَا تنازعنا الخصوم تحكَّمَتْ … عليَّ وقالت قُمْ فإنَّكَ ظالمُ مسعود (١) نقيب باب النُّوبي (٢) كان بين يدي [ظهير الدين] (٣) ابن العَطَّار، وكان قاسيًا فاتكًا جبارًا لا يعرف الرَّحمة، كم أتلف من الشَّباب بالقَتْل والصَّلْب والقَطْع، وأخذِ أموال النَّاس، وكان ابنُ العَطَّار يقويه على ذلك، فلما كان اليوم الذي ولي فيه الإمام النَّاصر، قَبَضَ عليه، وكان عنده منه المقيم المُقْعد، فَضُرِبَ بالسُّيوف، ومُثِّل به أقبح مُثْلة، وسُلِّم إلى عوام بغداد، فشدُّوا في رِجْله شريطًا، وسحبوه في دروب بغداد وهم يقولون: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]. يعنون ابنَ العطار، ثم أحرقوه، وذروا رماده في دِجْلة. منصور بن نَصْر بن الحسين (٤) ظهير الدين، أبو بكر بن العَطَّار، صاحب المخزن، نائب الوزَارة، [وقد ذكرنا أنه كان سببًا لقتل الوزير ابن رئيس الرؤساء، و] (٣) كان في عزمه أن يولي الخلافة أبا منصور، فانخرقت عليه القواعد، فلما بُويع الإمام النَّاصر لم يحضر، واعتذر بالمرض، وإنما كان به مَرَضُ القلب حيث تيقن الهلاك، فقبض الخليفة عليه في السَّابع من يوم بيعته، ووكل به في حجرةٍ في داره، وقبض على أصحابه، ونُهبت دورهم،

стр. 10209

ونهبَ العامةُ داره، وأحرقوا سقوفها، وكانت على دِجْلة، فلما كانت ليلة السبت ثامن ذي القَعْدة نُقِلَ إلى التَّاج، وقيد، وأُخرج ليلة الأربعاء حادي عَشَرِه ميتًا، وفيه آثارُ الضَّرْب، فيقال: إنَّه مات تحت الضرْب، فَسُلِّم إلى أُخته، فغسَّلَتْه وكَفَّنته، فلما كان وقتُ الفجر من يوم الأربعاء أخرج تابوته على رؤوس الحمَّالين ليذهبوا به إلى قبر الإمام أحمد رحمة الله عليه، وبلغَ التَّابوت عقد الحديد، فصاح بعضُ الناس: يا عوام، هذا ابنُ العَطَّار الذي سلط عليكم مسعود النقيب [وأخذ أموالكم، وفعل وفعل] (١)، ورجمه بآجُرَّةٍ، وتتابع الرَّجم، فرمى الحمَّالون التابوت وانهزموا، فجرَّدوه من الكفن، وشدُّوا في رِجْله شريطًا، وسحبوه إلى دروب بغداد، [وصاحوا عليه: يا عجيل ابن عجيل، وشوَّهوا به] (١)، ومثلوا أقبح مُثْلة، وكان مسيئًا إلى [الشيعة أهل المختارة والكرخ ومشهد موسى بن جعفر، وقطع أرزاقهم وبدَّد شَمْلَهم] (٢)، ثم جمعوا له حطبًا ليحرقوه بعد أن قطعوا لحمه قِطعًا، فركب قطروش الشِّحْنة، وأراد [أن يخلصه] (٣) منهم، فرجموه وقاتلوه إلى الليل، [فحجز الليل بينهم] (١) وبقي من لحمه قطعة، فجاء ناسٌ، فدفنوها عند مقابر الإمام أحمد بن حنبل. وظهير الدين هذا هو ابنُ الشيخ نَصْر [ابن العطار] (١) الحَرَّاني، صاحب الصَّدقات والمعروف والبِرّ والصِّلات والفضائل والكرامات، وقد ذكرناه [في سنته التي توفي فيها] (١). السنة السادسة والسبعون وخمس مئة فيها استناب الخليفة في الوزارة جلال الدين هبة الله بن البخاري، وكان قد استناب سليمان بن ساروس بعد ابن العَطَّار في السنة الماضية، فأقام فيها ثلاثة أشهر، فعزله في المحرَّم في هذه السنة، لأَنَّه ظلم، ومدَّ يده إلى الأموال.

стр. 10210

وفيها ابتدأ الخليفةُ بعمارة دار المسناة في الجانب الغربي من بغداد، وتسمى دار تتر، وهي قائمة إلى هلمَّ جرا. وفيها ابْتُدِئَ بعمارة تربة المستضيء المجاورة لجامع فخر الدولة، وتولَّى عمارتها أُستاذ الدَّار ابنُ الصَّاحب، ونقل تابوته إليها. ووصل شيخ الشيوخ إلى صلاح الدِّين، وخَلَعَ عليه خِلْعة السَّلْطنة، وأعطاه التقليد، فركب [شيخ الشيوخ] (١) البحر من مِصْر إلى مكة لنذرٍ كان عليه، وأقام إلى أيام الموسم، وحَجَّ وعاد إلى بغداد (٢). وفيها توفي سيف الدِّين صاحب المَوْصل. وفيها سار صلاحُ الدِّين إلى بلد الرُّوم؛ وسببه أَنَّ نورَ الدّين محمد بن قرا رسلان بن سكمان بن أُرْتُق صاحب حِصْن كيفا كان قد انتمى إليه، وكان عِزُّ الدين قليج رسلان بن مسعود بن قليج رسلان قد زوَّجه ابنته، فأَساء العِشْرة معها، فكتبت إلى أبيها تشكوه، فبعث إليه: إما أَنْ تُحْسِنَ عِشْرتها، وإما أنْ تفارقَها. فلم يلتفت إليه، وكاتَبَ صلاحَ الدين، فسار في نجدته، فالتقاه ابنُ أُرْتُق على نهر الأزرق بين بهسنى وحصن منصور، ثم عبرا منه إلى النهر الأسود، وجاءت رسل قليج رسلان، وتقرَّر الصُّلْح، وعاد السلطان إلى بلاد ابن ليون، فأخربها ونهبها، فصالحه على مالٍ وأُسارى، فرجع إلى دمشق، فقال محمد بن سُلْطان (٣) يخاطبُ صلاحَ الدين: [من المتقارب] ورُعْتَ ابنَ سَلْجُوقَ في مُلْكه … فَقَعْقَعَ من رُعْبه بالشِّنانِ أَزَرْتَ ابنَ لاونَ لأوَاءَه … فأضحى به خَبَرًا عن عِيانِ فأخلى لهيبتك المانقير (٤) … وغادَرَ للهَدْمِ تلك المباني

стр. 10211

وفيها قدمت امرأةٌ إلى القاهرة عديمة اليدين، وكانت تكتبُ برِجْلَيها كتابةً حسنة، فحصل لها مالٌ جزيل [من الملوك والخواتين، فقال العماد الكاتب] (١): [من السريع] أُخملتُ في مِصْرَ ومن يلتمسْ … غِناه في غُرْبته يَخْمُلِ كتابتي قد كَسَدَتْ سوقُها … وحِلْيتي بارت ولم أعطلِ كيفَ يبينُ الفَضْلُ في بلدةٍ … نساؤها يكتبْنَ بالأَرْجُلِ وحجَّ من العراق طاشْتِكِين، ومن الشَّام سيف الدين علي المَشْطوب. [وفيها توفي أحمد بن محمد بن أحمد (٢) أبو المظفر بن حمدي، البغدادي. ولد سنة عشر وخمس مئة في شعبان، وسمع الحديث الكثير ورواه، وبنى مسجدًا ببغداد في درب الرياحين، وهو قائم إلى هلم جرا، وتوفي بالمخزن محبوسًا بعدما ذهب بصره، ودفن بباب حرب، سمع أبا القاسم بن الحصين وغيره، وسمع ابن السمرقندي وقاضي المرستان، وكان صالحًا ثقة] (١). وفيها توفي أحمد بن محمد (٣) ابن أحمد بن [إبراهيم ابن] (١) سِلَفة، أبو طاهر الحافظ، السَّلَفي الأَصْفهاني، [وسلفة لقب جده أحمد، وبه كان يعرف] (١). ولد سنة سبعين وأربع مئة، وطاف الدُّنيا، ولقي الشُّيوخ، وكان يمشي حافيًا لطلب الحديث، وقدم بغداد سنة خمس مئة، وسَمِعَ من شيوخها، [وقال الحافظ ابن

стр. 10212

عساكر:] (١) وقدم دمشق سنة تسع وخمس مئة، وأقام بها مدَّة، وكَتَبَ عن جماعةٍ من شيوخها، ثم قَدِمَ مِصْر، وسمع بها، وسكن الإسكندرية، واستوطنها، وتزوَّج امرأة ذات يسار، فحصلت له ثروة بعد فَقْر، وبنى له بها العادل عليُّ بن [إسحاق بن] (١) السَّلَّار مدرسةً، ووقَفَ عليها وقفًا، وكانت له حرمة عظيمة بها (٢). وكان صلاحُ الدِّين وإخوته يزورونه، ويسمعون عليه الحديث، وتوفي يوم الجمعة خامس ربيع الآخر، ودُفِنَ داخل الإسكندرية داخل الباب الأخضر بمقابر وَعْلة، وقد جاوز المئة بخمس سنين، وجوارحه بحالها، وألحق الصِّغار بالكبار، ورحل إليه الطَّلبة من البلاد، وكان حافظًا مُتْقنًا، دَيِّنًا، صدوقًا، ثقةً، سمع خَلْقًا كثيرًا، وحدَّث عنهم. ومن شعره: [من الخفيف] إنَّ عِلْمَ الحديثِ عِلْمُ رجالٍ … تركوا الابتداعَ للاتِّباعِ فإذا اللَّيل جَنَّهم كتبوه … فإذا أصبحوا غَدَوْا للسَّماعِ وقال: [من مجزوء الكامل] قد قلتُ إذْ رفَعَ الصَّبا … حُ ذيولَ ليلِ الوَصْل عَنَّا يا ليتَ هذا اللَّيلَ دا … م الدَّهْرَ للصَّبِّ المُعَنَّى فاللَّيلُ أَسْتَرُ للمتيَّـ … ـــمِ والصَّباحُ عليه أجنى وقال: [من الرمل] أنا إنْ بان شبابي ومضى … فلربي الحَمْدُ ذهني حاضرُ ولئن خفَّتْ وجفَّت أَعْظُمي … كِبَرًا غُصْنُ علومي ناضِرُ ومدحه ابن قلاقس، فقال: [من الكامل] وموطَّأَ الأكنافِ قد نَسَجَ التُّقى … ثوبًا فأفرغَه على جَنَباته يا حافظًا يطوي صباحَ علومِهِ … ما مدَّ ليلُ الجهلِ من ظُلُماتِهِ

стр. 10213

تُوران شاه الملك المُعَظَّم (١) شمس الدولة، فخر الدِّين، أخو صلاح الدين لأَبيه، وكان أكبر من صلاح الدين، [(٢) وقذ ذكرنا أخباره، وأنه دخل إلى اليمن، وأخذ بعلبك، وكان جوادًا سمحًا، حسن الأخلاق، إلا أنه كان في نفسه من الملك، ويرى أنه أحق به] من صلاح الدِّين، و [كانت] (٣) تبدو منه كلماتٌ في حال سُكْره، وتبلغ صلاح الدين، فأبعده عنه إلى اليمن، فسفك الدِّماء، وقَتَلَ الأماثل، وأخذَ الأموال، ولم تطب له، [وكان في قلبه من ملك الشام] (٣)، فعاد إلى الشّام على مضضٍ من صلاح الدين، فأعطاه بعلبك، [فبلغ صلاح الدين] (٤) عنه أشياء [فخاف منه] (٣)، فأبعده [عنه] (٣) إلى الإسكندرية، فأقام بها منعكفًا على لهوه ولعبه ولذَّاته، ولم يحضر حروب أخيه، وتوفي بالإسكندرية في هذه السنة، فأرسلت أُخته ستُّ الشَّام [وكانت شقيقته] (٣)، فحملته في تابوت إلى دمشق، فدفنته في تُرْبتها التي أنشأتها عند العوينة على الشَّرف الشمالي، وبنت عليه القُبَّة، وبهذه التربة ولدها حسام الدين [بن] (٣) لاجين، وزوجها ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، [ودفنت هي بعد الكل، وسنذكرها] (٥). [فصل: وفيها توفي سعيد بن عبد الله بن القاسم (٦) أخو كمال الدين بن الشَّهرُزُوْري قاضي الشام، وهذا أصغر إخوة كمال الدين.

стр. 10214

ولد سنة ست وخمس مئة، وكنيته أبو الرضا، قدم بغداد، وتفقه بها، وسمع شيوخها، وخرج إلى خراسان، فأقام عند محمد بن يحيى النيسابوري مدَّة، فكان يحترمه ويقول: هذا من بيت الزياسة والفضل. ثم عاد إلى الموصل، وقد برع وصار أوجه أهل بيته. وقدم رسولًا من الموصل إلى بغداد مرارًا، وتوفي بالموصل. سمع ببغداد قاضي المَرَسْتان وطبقته، وحدَّث ببغداد لما عاد من خراسان عن زاهر بن طاهر الشَحَّامي وغيره، وكان ثقة جليلًا] (١). غازي بن مودود (٢) ابن زَنْكي بن آق سُنْقُر؛ سيف الدين صاحب المَوْصل، كان من أحسن النَّاس صورةً، عاقلًا وقورًا غيورًا، ما كان يدعُ خادمًا بالغًا يَدْخُل على حُرَمه، طاهرَ اللِّسان، عفيفًا عن أموال النَّاس، قليلَ السَّفْك للدماء مع شُحٍّ كان فيه. [وقال المجد بن الأثير:] (١) وكان قد عَلِقَ به سلُّ، وطالت عِلَّتُه، وأجدبت البلادُ قبل موته، وخرج النَّاس يستسقون وهو معهم، فاستغاث إليه النَّاس، وقالوا: كيف يُستجاب لنا والخمور والخواطئ والمظالم بيننا؟! فقال: قد أبطَلْتُها، ورجعوا إلى البلد وفيهم رجلٌ صالح يقال له: أبو الفرج الدَّقَّاق، فأَهْراق الخمور لا غير، ونَهَبَ العوام دكاكينَ الخَمَّارين، فاستدعي الدّقَّاق إلى القلعة، وقيل له: أنت جَرَّأْتَ العوام على السُّلْطان، فَضُرِبَ على رأسه، فانكشف رأسه، وأطلق، فنزل مكشوفَ الرأس، فقيل له: غَطِّ رأسك، فقال: والله لا أُغَطِّيه حتى ينتقمَ الله لي ممن ظَلَمني، فماتَ الدُّزْدار والذي ضربه بعد قليل، ومرض سيف الدِّين، وتوفي.

стр. 10215

ذِكْرُ حكايته مع الشَّيخ أبي أحمد بن الحدّاد الزَّاهد: كان أبو أحمد قد انقطع في قريةٍ من بلد المَوْصل يقال لها: الفضلية، ومنها أصله، وهي على فراسخ من الموصل، [(١) حدَّثني أبو بكر القديمي وإسماعيل الشعار -وكانا قد صحبا الشيخ أبا أحمد- قالا: كان سيف الدين يزور الشيخ أبا أحمد]، فقال له يومًا: يا سيف الدين، أيُّ فائدةٍ في زيارتك لي وأنت تشرب الخمر وتبيح المحرمات وتمكس المُسْلمين؟! فإنْ كنتَ تدع هذا، وإلا فلا تجيء إلى عندي. فقال: يا سيدي، أنا تائبٌ إلى الله من جميع ما قلتَ. وتَرَكَ الجميع، وأقام شهرًا، فتحدَّث عليه قُرناء السُّوء، قالوا: هذا مالٌ عظيم، فأعاد الجميع، ورجع إلى ما كان عليه، [وكان للشيخ طاقة على باب الزاوية ينظر من يجيء من دمشق قال: فبينما نحن عنده ذات يوم] (٢) إذا سيفُ الدِّين قد أقبل، وصَعِدَ على الدَّرج، وكان عند الشيخ صاحبه أبو بكر القُدَيمي، فقال له: أغلقِ البابَ في وَجْهه، وقُلْ له: ما لك عندي شغل، وادْفعْه إلى أسفل الدرج. قال أبو بكر القُدَيمي: فخرجتُ، فاستحييتُ منه، فقال لي سيفُ الدين: [يا شيخ] (٣)، افعل بي ما أمرك الشيخ. وأدار ظهره إليَّ، فدفعتُ في ظهره حتى أنزلته إلى أسفل الدَّرج [وقعد يبكي] (٣)، وصاح الجُنْد بأَسْرهم، فأَشار إليهم؛ أنِ اسْكُنوا، ثم قال لي: يا شيخ أبا بكر، اصعدْ إلى الشيخ، وقل له: فما لي توبة؟ [قال] (٣): فصعدت إليه، وأخبرته، فقال: يجوز، ائذن له. فخرجتُ إليه وقلتُ: بسم الله، فدخل على الشيخ، فبكى وقبَّل يده، وتاب إلى الله تعالى، وعاد إلى المَوْصل، فأقام مُدَّةً يسيرة، ومات يوم الأحد ثالث صفر ولم يبلغ ثلاثين سنة، وكانت ولايته عشرَ سنين وشهورًا. وأراد أن يعهد إلى ولده سنجرشاه، فامتنع أخوه عِزُّ الدين مسعود من ذلك، وقال له مجاهد الدين قيماز وأكابر الأَمراء: قد علمتَ استيلاءَ صلاحِ الدين على البلاد وقُرْبه منا، وسنجرشاه صبيٌّ لا رأيَ له، وأخوك عِزٌّ الدين كبيرُ السن، صاحب رأي وشجاعة، فاعهدْ إليه، واجعَلْه وصيًّا على أولادك. ففعل.

стр. 10216

وكانت الرَّعية [قد] (١) خافت عز الدين لإقدامه على سَفْك الدماء وحِدَّته، فلما ولي تغيَّرت أخلاقُه، فصار رفيقًا بالرَّعية، قريبًا منهم، مُحْسِنًا إليهم. [(٢) ولما مات سيف الدين كان] صلاحُ الدِّين في حدود الرُّوم، فأرسل إليه مجاهدُ الدين قيماز [الفقيه] (١) أبا شجاع ابن الدَّهَّان البغدادي يطلب منه أن يكون مع عِزِّ الدين كما كان مع أخيه سيف الدين، ويُبْقي عليه الجزيرة وما بيده من حَرَّان والرُّها والرَّقَّة والخابور ونَصِيبين وقاطع الفرات. فقال صلاحُ الدِّين: أما ما حلفتُ له عليه من بلاد المَوْصل فهو باقٍ على حاله، وأما ما ذكره من بلاد الجزيرة، فإنَّما كانت بيده من شفاعة الخليفة على شرط أن يقوي ثغورَ المُسْلمين بالمال والعساكر، أما الآن فالخليفة قد فوَّض أمرها إليَّ لأفعل فيها ما أراه من المصلحة. مبارك بن علي (٣) ابن الحسين بن الطَّبَّاخ، أبو محمد البغدادي، نزيل مكة، أقام بها أربعين سنة يَؤُمُّ النَّاس في الحطيم، لا يراه أحد في غير الحرم، ويعتمر كلَّ يوم، ويتعبَّد، لا يكلِّم أحدًا، وتوفي بها في شوال، ودفن بالمعلَّى، [سمع أبا القاسم بن الحُصَين وطبقته] (١)، وكان صالحًا ثِقَةً. محمد بن محمد بن مواهب (٤) أبو العِزّ، الأديب الفاضل.

стр. 10217

ولد سنة أربع وتسعين وأربع مئة، وسمع الحديث، وكان شاعرًا فاضلًا، توفي في شهر رمضان ببغداد، ومن شعره في المسترشد: [من البسيط] قُلْ للإمامِ الذي إنعامُهُ نِعَمٌ … وسَحّ كَفَّيه منه تخجلُ الدِّيَمُ وبحرُهُ الجمُّ عَذْبٌ ماؤُه غدقٌ … سَهْلُ الشَّرائعِ غَمْرٌ طيِّبٌ شَبِمُ مسترشدٌ إنْ بدا فالبَدْرُ غُرَّتُهُ … وإنْ يَقُلْ كَلِمًا فالدُّرُّ ينتظمُ السنة السابعة والسبعون وخمس مئة فيها فُتِحَ رباط المأمونية [ببغداد، و] (١) كان دار سُنْقُر المُسْتنجدي قُبض عليه، وأخذ منه من العين مئة ألف دينار، ومن المتاع والخيل والأثاث ما قيمته أكثر من ذلك، وعُمِلَتْ رباطًا للصُّوفية. وفيها عاد صلاح الدين من دمشق إلى القاهرة، واستناب بدمشق ابن أخيه عز الدين فرخشاه، وخرج إبرنس الكَرَك يريد تيماء لينتهز الفُرْصة في الحجاز، ومعه الأدلاء من العرب، فخرج فَرُّخْشاه بعساكر الشَّام، فبلغ قريبًا من تيماء، وبلغ البرنس، فرجع إلى الكَرَك، وأمر صلاح الدين أخاه سيف الإسلام طُغْتكين بالمسير إلى اليمن، فأقام يتجهَّز. وفيها توجَّه صلاح الدين إلى الإسكندرية، فخيم بظاهرها عند عمود السَّواري، وقال: نغتنم حياة الشيخ أبي طاهر بن عوف، فسمع عليه "موطأ مالك" [بروايته عن الطُّرْطُوشي] (١)، فتمَّ له ولأولاده السَّماع، وكان واليها مجير الدِّين قراجا. وفيها بعث السُّلْطان قراقوش إلى اليمن، فقبض على سيف الدولة مبارك بن كامل بن مُنْقذ، وطلب منه المال، وكان نائبَ شمس الدولة توران شاه، فبعث بالمال إلى العادل وتاج الملوك، وخواص صلاح الدين، فكلَّموه فيه، فأمر بإطلاقه، وحَمَلَ إلى صلاح الدين مئة ألف دينار، وكان أخوه حِطَّان بزَبيد، وابن الزَّنْجيلي باليمن، وجَرَت بينه وبين حِطَّان وقائع.

стр. 10218

وكان بالمِزَّة خطيب يقال له: العَلَم، زوَّر على صلاح الدين خطًّا بزيادةِ جامكيته ووقف عليه فَرُّخْشاه، فعلم باطن الحال، فهمَّ بالإيقاعِ به، فهرب إلى القاهرة، واستجار بالسُّلْطان، فأجاره، وقال: ما أخيب قَصْدَك. وكَتَبَ له توقيعًا بما طلب. وحج بالنَّاس من العراق طاشْتِكِين. وفيها توفي الملك الصَّالح إسماعيل (١) ابن نور الدين محمود بن زَنْكي، صاحبُ حلب، كان مرضه بالقُوْلَنج، بدأ به في تاسع رجب، [وذكر ابن الأثير في "تاريخه" أنه] (٢) لما اشتدَّ به وضَعُفَ وَصَفَ له الأطباء قليلَ خَمْرٍ، فقال: لا أفعل حتى أسألَ الفقهاء، فسأل الشَّافعية فأفتوه بالجواز، وسأل العلاء الكاساني فأفتاه أيضًا، فلم يفعل، وقال: إن كان الله قد قرَّب أجلي، أيؤخره شُرْبُ الخمر؟ قال: لا. قال: فوالله لا لقيت الله وقد فَعَلْتُ ما حرَّم عليَّ. فمات، ولم يشربه (٣). [قلت: أخطأ الكاساني، فإن الخمر لا يباح عند أبي حنيفة وجميع أصحابنا للتداوي، وكذا عند مالك وأحمد، وعند الشافعي يجوز للضرورة، وعندنا أن الله تعالى لم يجعل شفاء الأمة فيما حرَّمه عليها] (٢). ولما اشتدَّ به الألم أحضرَ الأُمراء واستحلفهم لعِزِّ الدين صاحب المَوْصل، فقيل له: لو أَوْصيتَ إلى ابنِ عَمِّك عماد الدين صاحب سِنْجار؛ فإنه صعلوكٌ ليس له غير سنجار، وهو تربيةُ أبيك، وزَوْج أختك، وشجاعٌ كريم، وعز الدين له من الفرات إلى هَمَذَان، فقال له: هذا لم يخفَ عني، ولكن قد علمتم استيلاءَ صلاحِ الدِّين على الشَّام ومِصْر واليمن، وعماد الدين لا يثبتُ له، وعِزُّ الدين له من العساكر والأموال، فهو

стр. 10219

أقدرُ على حِفْظ حلب، وأثبت من عماد الدين، ومتى ذهبت حلب ذهب الجميع. فاستحسنوا قوله. وتوفي في الخامس والعشرين من رجب، ولم يبلغ عشرين سنة، وكانت أيامه ثماني سنين وشهورًا، وأقام الحلبيون النوح عليه والمآتم، وفرشوا الرَّماد في الأسواق، وأقاموا مُدَّة على ذلك [وجرى عليهم ما لم يجر على أحد] (١)؛ لأنه كان صالحًا كما سُمِّي، عادلًا منصفًا، حَسَنَ السِّيرة، سلك أسلوب أبيه. ذِكْرُ ما جرى بعد وفاته: كان شاذبخت الخادم والي القلعة، فكَتَبَ إلى عز الدين مسعود يخبره، وكان تقيُّ الدِّين عمر بمَنْبج، فسار عز الدين عَجِلًا، فقطعَ الفرات، فانهزمَ تقيُّ الدين إلى حماة، فأغلق أهلُها في وجهه الأبواب من جَوْره، وصاحوا: عِزّ الدين أتابك يا منصور، فلاطفهم. وأما عِزُّ الدين فصَعِدَ قلعة حلب، واستولى على أموالها وذخائرها، وأحسن إلى الأمراء، فقالوا له: سِرْ بنا إلى دمشق وغيرها لنأخذها. وكان صلاح الدين بمصر، فقال: بيننا عهودٌ وأيمان ومواثيق لا يجوز العدولُ عنها. وأقام بحلب مدَّة، وعلم أنه لا طاقةَ له على حِفْظ المَوْصل والجزيرة وحلب، وأنَّ شوكة صلاح الدين قوية، فسار إلى الرَّقَّة، وراسل أخاه عماد الدين في تسليم سنجار وتعويضه عنها بحلب؛ لقُرْب سنجار من المَوْصل، وقيل: إنَّ عماد الدين سأله ذلك، وقال: إن لم تفعل أعطيتُ سنجار لصلاح الدِّين، فأجابه، وسلَّم إليه سنجار، وسار عماد الدين إلى حلب، وكان عز الدين لمَّا حصل في حلب يئسَ صلاحُ الدين منها (٢). وقال ابن شدَّاد: لما أوصى الملك الصالح لعز الدين بحلب سار مجدًا بعساكره خوفًا من السُّلْطان، فكان أول قادم إليها من أمرائه مظفر الدين بن زين الدين في شعبان، ووصل عِز الدين في آخر الشهر، وتزوج [عز الدين أم] (٣) الملك الصَّالح في شوال، وأقام بقلعة حلب إلى سادس عشره، وعلم أنه لا يمكنه حفظ الشام والموصل

стр. 10220

[لملازمته الشام] (١)، وألحَّ عليه الأُمراء في طلب الزِّيادات، ودلُّوا عليه لأنهم اختاروه، وضاق عَطَنُه، فسار إلى الرَّقَّة، واتَّفق مع أخيه عماد الدين صاحب سنجار، وتقايضا، ودخل عماد الدين إلى حلب في ثالث عشر المحرَّم سنة ثمانٍ وسبعين وخمس مئة (٢). وكتبَ صلاحُ الدِّين إلى الخليفة يستأذنه في الاستيلاء على حلب ويقول بأن الجماعة الأتابكية يسعَوْن في تفريق الكلمة، ويستنهضون الفرنج لقتال المسلمين، ويستعينون [علينا] (٣) بالإسماعيلية، وأقام بمصر ينتظر الجواب. عبد الرحمن بن محمد بن أبي السَّعادات (٤) أبو البركات الأنباري النحوي، مصنِّف كتاب "الأسرار في علم العربية"، وكتاب "هداية الذاهب في معرفة المذاهب"، وغيرهما. كان إمامًا كلِّ فنٍّ مع الزُّهْد والورع والعبادة، والصَّبر على الفَقْر مع القُدْرة، ولا يقبل بِرَّ أحد، وكان يحضر دعوة الخليفة في كلِّ سنة، فيبعث إليه بالخِلَع والذهب فيردُّ الجميع، وكان يَسْرُدُ الصَّوم، ويُفْطر على أيِّ شيء كان، وبابه مفتوح لطلاب العلم، لا يردُّ أحدًا، وكان قد تفرَّد بعلم العربية، وشُدَّت إليه الرِّحال، ومازال على فقره وعبادته حتى توفي يوم الخميس ثامن عشر شعبان، ودفن بباب أبرز [عند أبي إسحاق الشيرازي، وخلت بغداد عن مثله] (١). عمر بن حموية (٥) عماد الدين، والد شيخ الشيوخ صدر الدين وتاج الدين، وهو من ولد حموية بن علي الحاكم على خُراسان، أيام السَّامانية، وتوفي حموية سنة ثمانية عشرة وثلاث مئة.

стр. 10221

ولد عمر ببُجَيراباد من جُوين ليلة السبت العشرين من جُمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وخمس مئة، وقَدِمَ دمشق حاجًّا في زمن مجير الدِّين أَبَق، فأقام بها يسيرًا، ثم عاد إلى خراسان، ثم قَدِمها سنة ثلاث وستين في أيَّام نور الدين محمود بن زَنْكي، وأقبل نورُ الدِّين عليه، وأحسن إليه، وسأله المُقام بالشَّام ليصل إلى الصُّوفية بدمشق وبَعْلَبَكّ وحِمْص وحماة وغيرها، ولما توفِّيَ نورُ الدِّين وملك البلادَ صلاحُ الدين أقام عمر على حاله منقطعًا إلى العبادة، لم يكن له بصلاح الدين أُنسًا، ولا كان يغشاه، وكان بخانكاه الصُّميصاتي رجلٌ صوفي يعرف بتاج الدِّين مسعود البَنْدَهي، وهو الذي أوقفَ خزانة الكتب بالخانكاه، وكان يغشى صلاح الدين، فسأله يومًا عن عمر، وقال: أيش فيه؟ وما حاله؟ فقصَّر في وصفه، وقال: رجل صوفي في الماء والمحراب، فسكتَ صلاحُ الدِّين، وأقام مدَّة على حاله، واتَّفق وصول صدر الدين عبد الرَّحيم شيخ شيوخ بغداد إلى صلاح الدين رسولًا من الإمام النَّاصر، فنزل بخانكاه خاتون ظاهر دمشق، وبلغه انقطاع عماد الدين عمر، فأرسل إليه يسأله الاجتماع به ويعتذر عن قَصْده، فخرج إليه، فسأله عن حاله، فذكر له طرفًا من حديث البَنْدَهي، فقال: يزول هذا، وبينما هما في ذلك جاء صلاح الدين إلى شيخ الشيوخ، فقال شيخ الشيوخ لعماد الدين: لا تبرح من سَجَّادتي ولا تخرج عنها، وقام شيخ الشيوخ، والتقى صلاح الدين، ودخل وعماد الدِّين قاعدٌ على سجادة صدر الدين، فجلس إلى جانبه، وتأخر شيخ الشيوخ، ووقف في آخر الصُّفَّة، فقام صلاحُ الدين لقيامه، وقال: بسم الله، اجلس، فقال: لو جلس أحد من أجنادك في حضرتك بغير إذنك أما يكون قد أساء الأدب؟ قال: بلى. قال: فأنا من تلامذة هذا الشيخ عماد الدين ومن مريديه، فلا يسعني أَنْ أجلس بحضوره إلا بإذنه، فالتفتَ صلاحُ الدِّين إلى عمر، واعتذر إليه، وقال: نجتمع بخدمتك، ووالله ما عرفتُ مكانك وأصالتك. ولما انصرف صلاح الدين بعث إليه بقُماش وذهب وعِمامة مُذْهبة قيمتها ألف دينار، وترقَّت حاله عنده، وتأخر البَنْدَهي، وبان لصلاح الدين سوء مقصده.

стр. 10222

ذِكْرُ وفاته: كان ولده صدر الدين قد قدم من هَمَذَان إلى دمشق، فأقام عنده يسيرًا، ثم بعثه إلى العجم ليوفي دينًا عليه، فخرج من دمشق، فمرض الشيخ عماد الدين، فردَّه من بعض الطريق، فأقام عنده أيامًا، وتوفي عمر ليلة الاثنين ثالث عشرين رجب، ودفن بمقابر الصُّوفية في الشَّرف الأعلى. سمع عماد الدين جَدَّه محمد بن عمر بن حمُّوية وغيره، وتفقَّه على محمد بن يحيى وغيره، وسلك طريقة الزُّهْد والتصوف، وكان خروجه من خُراسان في فتنة الغُزّ أيام السلطان سنجر، فأقام بهمذان، وبنيت له بها الرُّبُط، وصنَّف الأمالي والرَّقائق، وكان عارفًا بالحساب والجبر والمقابلة وغير ذلك، ولما توفي فوَّض صلاحُ الدِّين إمرة المشيخة إلى ولده صدر الدين، وماتَ صلاح الدين وارتفعت منزلته عند العادل، وسنذكره إنْ شاء الله تعالى. يحيى بن نجاح (١) أبو البركات، المؤدِّب البغدادي. من شعره يمدح المستضيء: [من الخفيف] أخيالٌ لطَيفِ سُعْدَى يزورُ … أم كذا في الظَّلام تَسْرِي البُدُورُ طَرَقَ الرَّكْبُ مَوْهِنًا فاهْتَدَى مَنْ … كان عن منهجِ السَّبيل يجورُ عَبِقَتْ نفحةُ النَّسيمِ بريَّا … هـ ففاحتْ كما يفوحُ العبيرُ مَنْ عَذِيري من لائمٍ في هواه … وَهْوَ في تَرْكِ لومه معذورُ يتجنَّى عليَّ تِيهًا ولم أَجْـ … ــــنِ ويجني وذنبُه مغفورُ وعَذَابُ المُحِبِّ يَعْذُبُ في الحُبِّ … ويلتذُّ بالهوى المهجورُ يا له من هوًى يقيمُ له ما … بين جنبيَّ منزلٌ مَعْمُورُ ما على اللَّائمِ المعنِّف لو أَقْـ … ـــصَرَ عني والعاذلون كثيرُ

стр. 10223

سوف أثني عِنانَه (١) عن ملامي … بمقالٍ حقٍّ إليه يَصيرُ بمديحِ المَوْلى الإمامِ الذي قد … ملأ الأرضَ عدلُه الموفورُ لم يَزَلْ منذ حَلَّ في المهد يعلو … هـ إلى اليوم في الخِلافة نورُ ثم وافَتْه تنجلي فتلقَّا … ها بوجهٍ هو الصَّباحُ المنيرُ فأضاءَتْ بالمُسْتضيء نواحي الـ … أرضِ إذْ قام وانجلى الدَّيجورُ أنتَ يا ابن القُروم من آل عبَّا … سٍ أمينٌ للمؤمنينَ أميرُ (٢) السَّنة الثامنة والسبعون وخمس مئة في المحرَّم سار سيف الإسلام طُغْتِكِين إلى اليمن، فنزل زَبيد وبها حِطَّان، فأمره أن يسير إلى الشَّام، فجمع أمواله وذخائره وأسبابه، ونزل بظاهر زبيد، فَقَبَضَ عليه سيفُ الإسلام، وأخذَ جميعَ ما كان معه، وقيمته ألف ألف دينار، ثم قتله بعد ذلك، وكان عثمان الزَّنْجيلي بعدَن، فلما بلغه ذلك سار يطلب الشَّام بعد أن أثر باليمن آثارًا كثيرة، ووقف الأوقاف، وله مدرسةٌ بمكة، ورباطٌ بالمدينة وغيرها. وفي خامس المحرَّم خرج صلاحُ الدّين من مِصْر، فنزل البركة (٣) قاصدًا الشَّام، وخرج أعيانُ الدَّولة لوداعه، وأنشده الشعراء أبياتًا في الوداع، فسمع قائلًا يقول في ظاهر الخيم: تَمَتَّعْ من شميمِ عَرَارِ نَجْدٍ … فما بَعْدَ العَشِيَّة من عَرَارِ (٤) فطلب القائل، فلم يوجد، فوجم السُّلْطان، وتطيَّر الحاضرون، فكان كما قال، اشتغل السُّلْطان بالشرق والفرنج، ولم يَعُدْ بعدها إلى مِصْر.

стр. 10224

وسار السُّلْطان على أَيْلَة والحسا ووادي موسى، وكان فَرُّخْشاه بدمشق فبلغه أَنَّ الفرنج قد اجتمعوا عند الكَرَك لقَصْد السُّلْطان، فخرج من دمشق، فنزل طبرية وعكا [ودَبُّورية] (١)، فقصدوه، فالتقاهم فكسرهم، وقَتَلَ منهم ألوفًا، وأَسَرَ وساق عشرين ألفًا من الأنعام وغيرها، وفتح حِصْن جلدك، وهو على شقيفٍ مُشْرف على السواد، وقتل مَنْ فيه، وأسكنه المسلمين، وجعلهم طلائع، وساق إلى بُصْرى، فالتقى السُّلْطان عندها، فَسُرَّ به، ودخلا دمشق في صفر. وكان مُظَفَّر الدين صاحب حَرَّان مقيمًا بحلب، وقد استشعر من عِزِّ الدِّين مسعود، فكاتب السُّلْطان وانتمى إليه، وخَرَجَ السُّلْطان من دمشق، ونزل حماة، وجاء مظفَّر الدين، واجتمع به، وسَهَّلَ عليه عبورَ الفُرات، وأَخْذَ الجزيرة، وأنَّه لا يتعرَّض لحلب؛ لئلا يشغله عن غيرها وأنها في يده، واستصوب رأيه، وعبر الفرات، ونزل على ألبيرة، وكاتَبَ ملوك الشرق بالوفود عليه، فمنْ جاء مُسْتسلمًا سُلِّمَتْ له بلاده على أن يساعده على الفرنج، فجاءه قُطْبُ الدين إيلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أُرْتُق صاحب مارِدِين، فالتقاه وسُرَّ به؛ لأَنَّه أَوَّلُ من جاءه، ثم وصل نورُ الدِّين محمد بن قرا رسلان بن أُرْتُق صاحب حِصْن كيفا، فدخل في طاعته على أن يساعده على تخليص آمِد، ثم سار السُّلْطان من ألبيرة بعد أن أخذها، وأقطعها لشهاب الدِّين محمد الأُرْتُقي، ونزل على الرُّها، وبها فخر الدِّين مسعود الزَّعْفراني، فضايقها مُدَّة، فعَجَزَ مسعود عن مقاومته، فسلَّمها إليه بالأمان، فسلَّمها إلى مظفر الدين مضافةً إلى ما كان بيده من حَرَّان وأعمالها، ثم سار إلى الرَّقَّة، وبها قطب الدين ينال بن حَسَّان صاحب منبج، فأَمَّنه، ثم استولى على الخابور ونَصِيبين، وولاها أبا الهيجاء السَّمين، وولى الخابور جمال الدِّين خُشترين، وله رسالة (٢) عز الدين صاحب الموصل، ولا التفتَ إليه، فسار إلى المَوْصل، فنازلها؛ نزل السُّلْطان على الباب العمادي، وأخوه تاج الملوك على باب الجسر، وتقيُّ الدين عمر من ناحية الشرق، وتولى مجاهد الدين قيماز حِفْظَ البلد، فأحسنَ القيام، وبعث عِزُّ الدين مسعود إلى الخليفة يطلب الشَّفاعة

стр. 10225

إلى صلاح الدين، فبعثَ الخليفةُ شيخَ الشيوخ عبد الرحيم يأمر السُّلْطان بالرَّحيل على أن يعودَ عز الدين إلى الموافقة، ويعاونه على جهاد الفرنج، فقال العماد الكاتب: [من الكامل] شيخُ الشيوخ أتى ليصلحَ بيننا … أيظُنُّ أَنَّا في رِباط الزَّوْزَني وأقام السُّلْطان على المَوْصل أربعين يومًا، ورآه بلدًا عظيمًا، وفيه العساكر، وأَنَّه لا يحصل منه بالحصار غرض حتى يؤخذ ما حوله من القلاع، ويضعف بطول الزَّمان، فرحل ومعه رسول الخليفة، فنزل على سِنْجار في شعبان، وكان نزوله على المَوْصل عاشر رجب، وكان بسنجار شرف الدين بن قطب الدين، فضربها بالمجانيق، فانهدَّ من السور ثُلْمة، فخاف شرف الدين، فطلب الأمان، فأَمَّنه، فخرج بأهله وأمواله وأسبابه إلى الموصل، وأعطى سنجار لتقي الدِّين عمر، وكانت الرياسة فيها لبني يعقوب، فأبقاهم على ما هم عليه، وولَّى القضاء نظام الدين نَصْر بن المُظَفَّر بن محمد بن يعقوب. ثم رحل إلى حَرَّان، وعادتِ العساكر الدِّيار بكرية إلى مراكزها، وشيخ الشيوخ إلى بغداد، وأقام على حرَّان. وفيها كانت وقعة الحاجب لؤلؤ مع الفرنج؛ خرج إبرنس الكَرَك إلى أَيلَة، فأقام بها ومعه الأخشاب على الجمال والصُّنَّاع، فعمل المراكب، وكان قصده مكة والمدينة والغارات في البحر، فلما تَمَّ عملها ركب فيها، ووصل إلى عَيذاب في بحر القُلْزُم، فأخذ مراكب التجَّار، ونَهَبَ وقتل وأسر، وسار يريد جُدَّة، وبلغ الخبر إلى العادل أخي السُّلْطان، فأمر حسام الدين لؤلؤ الحاجب، فركب في بحر القُلْزُم، وسار خَلْفهم وساعدته الرِّيح، فأَدْركهم وقد أشرفوا على مدينة النَّبيِّ ﷺ ، فهربَ بعضُهم في البَرّ، وأَسَرَ الباقين، فأخذ مئة وسبعين أسيرًا، وخلَّص أموال التجار، وردَّها عليهم، واستولى على مراكبهم، وعاد إلى القاهرة، وكتبوا إلى السلطان بذلك، فقال: تُضْرب رقاب الأسرى، بعضُهم بالقاهرة، وبعضهم بمكة، وبعضهم بالمدينة، ففعلوا.
следующие страницы →